إسراء
اسم بنتاسم علم مؤنث عربي، مشتق من السير ليلاً، ويُقصد به الرحلة الليلية، ويحمل دلالة على الارتقاء والانتقال من حال إلى حال.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فإن الأسماء في الإسلام ليست مجرد كلمات ننادي بها أصحابها، بل هي عقود ومعانٍ تحملها الأرواح وتتردد في الآذان، وقد حثنا الشرع الحنيف على تحسين الأسماء واختيار أجملها وأحسنها معنى، فهي عنوان صاحبها ومرآة لشخصيته. ومن الأسماء التي يكثر السؤال عنها في زماننا، اسم "إسراء"، وهو اسم علم مؤنث، نال شيئاً من الانتشار بين المسلمين، خاصة في العصر الحديث. وفي هذه المقالة، نتناول بالبحث والتحليل الجذر اللغوي لهذا الاسم، ودلالاته الشرعية، وحكم التسمية به في الإسلام.
المبحث الأول: الجذر اللغوي والدلالة على وزن "فِعْلاء"
إن المتأمل في الاسم الكريم "إسراء" يجد أنه مشتق من الفعل الرباعي "أَسْرَى"، ومصدره "إِسْرَاءً"، فهو على وزن "فِعْلاء" (بكسر الفاء وسكون العين)، وهو اسم منقوص محذوف الآخر، وأصله "إسراءُ" بالهمزة في آخره، ولما كان منقوصاً، حُذفت همزته في النطق والكتابة العَرَضية للاسم، وبقي على هذا الشكل المشهور.
والفعل "أسرى" في اللغة العربية يأتي بمعنى "سارَ ليلاً"، أي قطع المسافة في ظلام الليل. وقد جاء في المعاجم اللغوية: "أَسْرَى الرجلُ: سارَ من أول الليل"، و"أَسْرَى به: حمله على السير في الليل". والفعل "أسرى" يتعدى بنفسه تارة، وبحرف الجر "بـ" تارة أخرى، فيقال: "أسرى به" بمعنى جعله يسير ليلاً.
وهنا نقطة لغوية دقيقة تجب الإشارة إليها، وهي الفرق بين "سرى" و"أسرى" و"اشتقاقاتهما". فالفعل الثلاثي "سَرَى" يعني سار في الليل، ومصدره "سُرًى" و"سَرْيًا"، أما الفعل الرباعي "أسرى" فمصدره "إسراء"، وهو بمعناه. وقد قيل إن "أسرى" أبلغ في الدلالة على السير الليلي من "سرى"، لأن الهمزة فيه للصيرورة أو التعدية، فإذا قيل "أسرى به" فالمعنى أنه قُطعت به المسافة ليلاً بقوة وتدبير خارج عن إرادته.
المبحث الثاني: دلالة الاسم في القرآن الكريم
لا يمكن الحديث عن اسم "إسراء" دون الوقوف عند الموضع الذي ذُكر فيه هذا اللفظ في القرآن الكريم، وهو أعظم ذكر وأشرفه. فقد افتتح الله تعالى سورة كاملة من سور القرآن بهذا الاسم، وهي "سورة الإسراء"، التي تُعرف أيضاً بسورة "بني إسرائيل". يقول الله تعالى في مطلعها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:1].
فهذه الآية الكريمة هي أصل ذكر هذه الكلمة في القرآن، وقد دلت على أعظم معجزة أرضية للنبي محمد ﷺ، وهي رحلة الإسراء والمعراج، التي أُسريَ فيها بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة، ثم عُرج به إلى السماوات العلا. وقد كان ذلك قبل الهجرة بسنة تقريباً، وكانت فتنةً واختباراً للمؤمنين، وصدّقها الصدّيق أبو بكر رضي الله عنه، فسمي "الصدّيق" لتصديقه خبر الإسراء.
فالاسم بهذا الاعتبار يحمل دلالة إيمانية عميقة، ترتبط بأعظم رحلة في تاريخ البشرية، رحلة جمعت بين الأرض والسماء، وبين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وبين الأنبياء جميعاً في صعيد واحد. وهذه الدلالة تجعل للاسم وقعاً خاصاً في النفس المسلمة، وتذكّر صاحبته ومن يناديها بهذه المعجزة الإلهية الكبرى.
المبحث الثالث: التسمية باسم "إسراء" وهل وردت به أخبار؟
لم يرد في السنة النبوية المطهرة ولا في الآثار عن السلف الصالح تسمية أحد بهذا الاسم، وليس في كتب الصحابة والتابعين من حمل هذا الاسم من النساء. وهذا أمر مفهوم؛ لأن الاسم وإن كان أصله عربياً فصيحاً، إلا أن استعماله كعلمٍ على الأشخاص لم يكن شائعاً في العصور الأولى، وإنما انتشر شيوعه في العصور المتأخرة، ولا سيما في القرنين الأخيرين، حين كثر البحث عن أسماء ذات دلالات إيمانية أو قرآنية.
ومع ذلك، فإن عدم ورود التسمية به في العصور الأولى لا يمنع من جواز التسمية به، ما دام الاسم عربياً فصيحاً، وذا معنى حسن لا يتعارض مع تعاليم الإسلام. وقد نص العلماء على أن الأصل في الأسماء الإباحة، وأن المحظور منها هو ما تضمن معنى مذموماً أو عبادة لغير الله، أو ما كان فيه تزكية للنفس على وجه مذموم، أو ما كان من الأسماء الأعجمية التي تحمل معاني منكرة. واسم "إسراء" بعيد عن كل هذه المحاذير كل البعد.
المبحث الرابع: حكم التسمية باسم "إسراء" وضوابطها
التسمية باسم "إسراء" جائزة شرعاً ولا حرج فيها، وذلك للأسباب التالية:
أولاً: أنه اسم عربي أصيل، مشتق من مادة لغوية عربية فصيحة، وقد نطق به القرآن الكريم في أعظم سياقاته.
ثانياً: أن معناه حسنٌ لا غبار عليه، فهو يدل على السير في الليل، والسير في الليل في اللغة العربية وفي الثقافة الإسلامية محمودٌ وممدوح؛ لأن الليل هو وقت السكون والهدوء، وفيه يتفرغ المسافر لقطع المسافات في طمأنينة، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه"، ولم يكن السفر ليلاً مذموماً، بل كان بعض السلف يفضلون السير في الليل لقطع المسافات في البرد والظل.
ثالثاً: أن الاسم بهذا اللفظ لم يرد في الشرع ما يذمه أو يمنعه، والأصل في الأسماء الحل حتى يرد دليل المنع.
ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى مسألة مهمة، وهي أن بعض أهل العلم كرهوا التسمي بالأسماء التي قد توحي بمعانٍ شرعية خاصة، كالتسمي بـ"إسراء" فقط دون "عبد" أو ما شابه ذلك، لكن هذا القول مرجوح عند جمهور أهل العلم؛ لأن الاسم إنما هو علم على الشخص، ولا يترتب عليه حكم شرعي خاص، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه غيّر اسماً لمجرد أنه مشتق من فعل ورد في القرآن، بل أقرّ النبي ﷺ أصحابه على أسمائهم التي كانت فيها معانٍ أقوى من هذا المعنى بكثير.
المبحث الخامس: صفات حاملة الاسم (إسراء)
إن الأسماء تؤثر في نفوس أصحابها تأثيراً غير مباشر، فمن سُمي باسم ذي معنى شريف، فإنه قد يستشعر بمعناه، وإن كان التأثير ليس حتماً ولا كاملاً، لكنه على كل حال أمر مرغوب فيه. وحاملة اسم "إسراء" قد تتذكر دائماً أن اسمها يرتبط برحلة الإسراء والمعراج، تلك الرحلة التي ترمز إلى الصعود والارتقاء، وإلى أن الأمة المسلمة قادرة على تجاوز المحن باليقين والصبر.
وقد ذكر بعض المهتمين بعلم النفس اللغوي أن من تحمل اسم "إسراء" كثيراً ما تكون ذات شخصية هادئة تميل إلى التأمل والتفكر، وقد يكون ذلك بسبب دلالة الليل في الاسم، والليل في الثقافة العربية هو زمن التفكر والتدبر والمناجاة.
الخاتمة
وفي ختام هذا المقال، نخلص إلى أن اسم "إسراء" اسم عربي أصيل، ذو معنى لغوي بديع، ودلالة قرآنية عظيمة، يرتبط بأعظم رحلة في تاريخ البشرية، وهي رحلة الإسراء والمعراج. والتسمية به جائزة ومستحبة من حيث المعنى، ولا حرج فيها شرعاً، وقد أحسن من سمى بنته بهذا الاسم، لما فيه من التذكير الدائم بنعمة الله على عباده، وما فيه من معاني البركة والارتقاء.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الأسماء والأفعال، وأن يجعل أبناءنا وبناتنا قرة أعين لنا في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما معنى اسم إسراء؟
اسم علم مؤنث عربي، مشتق من السير ليلاً، ويُقصد به الرحلة الليلية، ويحمل دلالة على الارتقاء والانتقال من حال إلى حال.
هل التسمية باسم إسراء جائزة شرعاً؟
نعم، اسم إسراء خالٍ من أي معنى محرَّم أو مكروه شرعاً، ومناسب تماماً للتسمية به.
هل اسم إسراء لولد أم لبنت؟
اسم إسراء اسم بنت.
ما جذر اسم إسراء؟
اسم إسراء مُشتقّ من الجذر العربي "سري".
أسماء أخرى من نفس الجذر
أسماء بنات أخرى بحرف الألف
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Monday, September 21, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








