حديث حتى حج فحججت معه فعدل وعدلت معه بإداوة فتبرز ثم جاء

أحاديث نبوية | تخريج صحيح ابن حبان | حديث عبدالله بن عباس

«لم أزَلْ حريصًا على أنْ أسأَلَ عمرَ بنَ الخطَّابِ عن المرأتينِ مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللَّتينِ قال اللهُ لهما: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (التحريم: 4) حتَّى حجَّ فحجَجْتُ معه فعدَل وعدَلْتُ معه بإداوةٍ فتبرَّز ثمَّ جاء فسكَبْتُ على يدَيهِ مِن الإداوةِ فتوضَّأ فقُلْتُ: يا أميرَ المؤمنينَ مَن المرأتانِ مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللَّتانِ قال لهما اللهُ: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (التحريم: 4)؟ فقال عمرُ: واعجبًا منكَ يا ابنَ عبَّاسٍ هي حفصةُ وعائشةُ ثمَّ استقبَل عمرُ الحديثَ فقال: إنِّي كُنْتُ أنا وجارٌ لي مِن الأنصارِ في بني أميَّةَ بنِ زيدٍ وهو مِن عوالي المدينةِ وكنَّا نتناوَبُ النُّزولَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينزِلُ يومًا وأنزِلُ يومًا فإذا نزَلْتُ جِئْتُه بخبرِ ذلك اليومِ مِن الوحيِ وغيرِه وإذا نزَل فعَل مثلَ ذلك وكنَّا معاشرَ قريشٍ نغلِبُ النِّساءَ فلمَّا قدِمْنا على الأنصارِ إذا قومٌ تغلِبُهم نساؤُهم فطفِق نساؤُنا يأخُذْنَ مِن نساءِ الأنصارِ فصخِبَتْ عليَّ امرأتي فراجَعتْني فأنكَرْتُ أنْ تُراجِعَني قالت: ولمَ تنكرُ أن، إحداهنَّ لَتهجُرُه اليومَ حتَّى اللَّيلِ فأفزَعني ذلك فقُلْتُ: خاب مَن فعَل ذلك منهنَّ، ثمَّ جمَعْتُ عليَّ ثيابي فنزَلْتُ فدخَلْتُ على حفصةَ بنتِ عمرَ فقُلْتُ لها: يا حفصةُ أتُغضِبُ إحداكنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتهجُرُه اليومَ حتَّى اللَّيلِ ؟ قالت: نَعم قُلْتُ: قد خِبْتِ وخسِرْتِ أفتأمنينَ أنْ يغضَبَ اللهُ لغضبِ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فتهلِكينَ، لا تَستَنكِري رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا تُراجِعيه ولا تهجُريه، وسَليني ما بدا لكِ، ولا يغُرَّنَّكِ أنْ كانت جارتُك هي أضوأَ وأحبَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ عائشةَ، قال عمرُ: وقد تحدَّثْنا أنَّ غسَّانَ تنعَلُ الخيلَ لِتغزوَنا فنزَل صاحبي الأنصاريُّ يومَ نوبتِه فرجَع إليَّ عشيًّا فضرَب بابي ضربًا شديدًا ففزِعْتُ فخرَجْتُ إليه فقال: قد حدَث أمرٌ عظيمٌ قُلْتُ: ما هو أجاءتْ غسَّانُ ؟ قال: لا بل أعظمُ وأطولُ طلَّق رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نساءَه قال عمرُ: قُلْتُ: خابتْ حفصةُ وخسِرتْ قد كُنْتُ أظُنُّ أنَّ هذا يوشِكُ أنْ يكونَ قال: فجمَعْتُ عليَّ ثيابي فصلَّيْتُ صلاةَ الفجرِ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: فدخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَشرُبةً له اعتزَل فيها قال: ودخَلْتُ على حفصةَ فإذا هي تبكي قُلْتُ: وما يُبكيكِ ؟ ألم أكُنْ أُحذِّرُكِ هذا أطلَقكنَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ قالت: لا أدري ها هو ذا معتزلٌ في هذه المَشرُبةِ فخرَجْتُ فجِئْتُ المنبرَ فإذا حولَه رهطٌ يبكون فجلَسْتُ معهم قليلًا ثمَّ غلَبني ما أجِدُ فجِئْتُ المَشرُبةَ الَّتي فيها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ لغلامٍ أسودَ: استأذِنْ لعُمرَ قال: فدخَل الغلامُ فكلَّم رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ خرَج إليَّ فقال: قد ذكَرْتُكَ له فصمَت فانصرَفْتُ حتَّى جلَسْتُ مع الرَّهطِ الَّذينَ عندَ المنبرِ ثمَّ غلَبني ما أجِدُ فجِئْتُ فقُلْتُ للغلامِ: استأذِنْ لعُمرَ فدخَل ثمَّ رجَع قال: قد ذكَرْتُك له فصمَت فلمَّا أنْ ولَّيْتُ مُنصرِفًا إذا الغلامُ يدعوني يقولُ: قد أذِن لكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: فدخَلْتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإذا هو مضطجِعٌ على رمالِ حصيرٍ قد أثَّر بجنبِه متَّكئٌ على وسادةٍ مِن أَدَمٍ حشوُها ليفٌ فسلَّمْتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ قُلْتُ وأنا قائمٌ: يا رسولَ اللهِ أطلَّقْتَ نساءَكَ ؟ فرفَع بصرَه إلى السَّماءِ وقال: لا، فقُلْتُ: اللهُ أكبرُ يا رسولَ اللهِ لو رأَيْتَني وكنَّا معاشرَ قريشٍ نغلِبُ نساءَنا فلمَّا أنْ قدِمْنا المدينةَ قدِمْنا على قومٍ تغلِبُهم نساؤُهم فصخِبتْ عليَّ امرأتي فإذا هي تُراجِعُني فأنكَرْتُ ذلك عليها فقالت: أتُنكِرُ أنْ أُراجِعَكَ واللهِ إنَّ أزواجَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيُراجِعْنَه وتهجُرُه إحداهنَّ اليومَ حتَّى اللَّيلِ قال: قُلْتُ: قد خابت حفصةُ وخسِرتْ أفتأمَنُ إحداهنَّ أنْ يغضَبَ اللهُ عليها لغضبِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإذا هي قد هلَكتْ قال: فتبسَّم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ لو رأَيْتَني ودخَلْتُ على حفصةَ فقُلْتُ: لا يغُرَّنَّكِ أنْ كانت جارتُك هي أوسمَ وأحبَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُريدُ عائشةَ قال: فتبسَّم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تبسُّمًا آخَرَ قال: فجلَسْتُ حينَ رأَيْتُه تبسَّم قال: فرجَعْتُ بصري في بيتِه فواللهِ ما رأَيْتُ فيه شيئًا يرُدُّ البصرَ غيرَ أهَبةٍ ثلاثةٍ فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ ادعُ اللهَ أنْ يوسِّعَ على أمَّتِك فإنَّ فارسَ والرُّومَ قد وُسِّع عليهم وأُعطوا الدُّنيا وهم لا يعبُدونَ اللهَ قال: فجلَس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكان متَّكئًا ثمَّ قال: ( أفي شكٍّ أنتَ يا ابنَ الخطَّابِ أولئكَ قومٌ عُجِّلت لهم طيِّباتُهم في الحياةِ الدُّنيا ) قال: فقُلْتُ: أستغفِرُ اللهَ يا رسولَ اللهِ، فاعتزَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نساءَه مِن أجلِ ذلك الحديثِ وكان قال: ( ما أنا بداخلٍ عليهنَّ شهرًا ) مِن شدَّةِ مَوْجِدتِه عليهنَّ حتَّى عاتَبه اللهُ فلمَّا مضتْ تسعٌ وعشرونَ ليلةً دخَل على عائشةَ فبدَأ بها، فقالت له عائشةُ: يا رسولَ اللهِ إنَّك قد أقسَمْتَ ألَّا تدخُلَ علينا شهرًا، وإنَّا أصبَحْنا في تسعٍ وعشرينَ ليلةً عَدَّها فقال: ( الشَّهرُ تسعٌ وعشرونَ ليلةً وكان الشَّهرُ تسعًا وعشرينَ ليلةً )»

تخريج صحيح ابن حبان
عبدالله بن عباس
شعيب الأرناؤوط
إسناده صحيح على شرط مسلم

تخريج صحيح ابن حبان - رقم الحديث أو الصفحة: 4187 - أخرجه البخاري (5843)، ومسلم (1479) باختلاف يسير

شرح حديث لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من


كتب الحديث | صحة حديث | الكتب الستة

مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أنْ أسْأَلَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ عن آيَةٍ، فَما أسْتَطِيعُ أنْ أسْأَلَهُ هَيْبَةً له، حتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ معهُ، فَلَمَّا رَجَعْنَا وكُنَّا ببَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إلى الأرَاكِ لِحَاجَةٍ له، قالَ: فَوَقَفْتُ له حتَّى فَرَغَ، ثُمَّ سِرْتُ معهُ، فَقُلتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا علَى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أزْوَاجِهِ؟ فَقالَ: تِلكَ حَفْصَةُ وعَائِشَةُ، قالَ: فَقُلتُ: واللَّهِ إنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أنْ أسْأَلَكَ عن هذا مُنْذُ سَنَةٍ، فَما أسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ، قالَ: فلا تَفْعَلْ، ما ظَنَنْتَ أنَّ عِندِي مِن عِلْمٍ فَاسْأَلْنِي، فإنْ كانَ لي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ به، قالَ: ثُمَّ قالَ عُمَرُ: واللَّهِ إنْ كُنَّا في الجَاهِلِيَّةِ ما نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أمْرًا، حتَّى أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ ما أنْزَلَ، وقَسَمَ لهنَّ ما قَسَمَ، قالَ: فَبيْنَا أنَا في أمْرٍ أتَأَمَّرُهُ، إذْ قالتِ امْرَأَتِي: لو صَنَعْتَ كَذَا وكَذَا، قالَ: فَقُلتُ لَهَا: ما لَكِ؟ ولِما هَاهُنَا؟ وفِيمَ تَكَلُّفُكِ؟ في أمْرٍ أُرِيدُهُ، فَقالَتْ لِي: عَجَبًا لكَ يا ابْنَ الخَطَّابِ! ما تُرِيدُ أنْ تُرَاجَعَ أنْتَ وإنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَظَلَّ يَومَهُ غَضْبَانَ، فَقَامَ عُمَرُ فأخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حتَّى دَخَلَ علَى حَفْصَةَ، فَقالَ لَهَا: يا بُنَيَّةُ، إنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَظَلَّ يَومَهُ غَضْبَانَ؟! فَقالَتْ حَفْصَةُ: واللَّهِ إنَّا لَنُرَاجِعُهُ، فَقُلتُ: تَعْلَمِينَ أنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وغَضَبَ رَسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يا بُنَيَّةُ، لا يَغُرَّنَّكِ هذِه الَّتي أعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إيَّاهَا -يُرِيدُ عَائِشَةَ- قالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حتَّى دَخَلْتُ علَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتي منها، فَكَلَّمْتُهَا، فَقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لكَ يا ابْنَ الخَطَّابِ! دَخَلْتَ في كُلِّ شَيءٍ حتَّى تَبْتَغِيَ أنْ تَدْخُلَ بيْنَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأَزْوَاجِهِ، فأخَذَتْنِي -واللَّهِ- أخْذًا كَسَرَتْنِي عن بَعْضِ ما كُنْتُ أجِدُ، فَخَرَجْتُ مِن عِندِهَا، وكانَ لي صَاحِبٌ مِنَ الأنْصَارِ إذَا غِبْتُ أتَانِي بالخَبَرِ، وإذَا غَابَ كُنْتُ أنَا آتِيهِ بالخَبَرِ، ونَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِن مُلُوكِ غَسَّانَ، ذُكِرَ لَنَا أنَّه يُرِيدُ أنْ يَسِيرَ إلَيْنَا، فَقَدِ امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا منه، فَإِذَا صَاحِبِي الأنْصَارِيُّ يَدُقُّ البَابَ، فَقالَ: افْتَحِ افْتَحْ، فَقُلتُ: جَاءَ الغَسَّانِيُّ؟ فَقالَ: بَلْ أشَدُّ مِن ذلكَ، اعْتَزَلَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أزْوَاجَهُ، فَقُلتُ: رَغَمَ أنْفُ حَفْصَةَ وعَائِشَةَ، فأخَذْتُ ثَوْبِي، فأخْرُجُ حتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مَشْرُبَةٍ له يَرْقَى عَلَيْهَا بعَجَلَةٍ، وغُلَامٌ لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أسْوَدُ علَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ، فَقُلتُ له: قُلْ: هذا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فأذِنَ لِي، قالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ علَى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا الحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنَّه لَعَلَى حَصِيرٍ ما بيْنَهُ وبيْنَهُ شَيءٌ، وتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِن أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وإنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا، وعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أثَرَ الحَصِيرِ في جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ، فَقالَ: ما يُبْكِيكَ؟ فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ كِسْرَى وقَيْصَرَ فِيما هُما فِيهِ، وأَنْتَ رَسولُ اللَّهِ! فَقالَ: أَمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ لهمُ الدُّنْيَا ولَنَا الآخِرَةُ.
الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : البخاري
| المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 4913 | خلاصة حكم المحدث : [ صحيح ]

التخريج : أخرجه مسلم ( 1479 ) باختلاف يسير



رُبَّما كان مِن نِساءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَنْ يَقَعُ منها في حَقِّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يَقَعُ مِنَ النِّساءِ في حَقِّ أزواجِهِنَّ مِنَ الغَيْرَةِ والمُضايَقاتِ وما شابَه.
وفي هذا الحديثِ يَحكي عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّه انتظر سنةً يُريدُ أن يسأَلَ عُمرَ بنَ الخطابِ رضِيَ اللهُ عنه عن آيةٍ، فمَا يَستطيعُ أنْ يَسأَلَهُ، وكان سَبَبُ ذلك الخوْفَ مِن عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه وإجْلالَهُ وتَوْقيرَهُ، ومَعرِفةَ قَدْرِه، وتَعظيمَ مَقامِهِ، مع صِغَرِ سِنِّ ابنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما.
وكان سؤالُ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما عن المَرْأَتَينِ مِن أزْواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللَّتَيْنِ قالَ اللهُ لهمَا: { إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم: 4 ].
و«صَغَتْ»، أي: مالَتْ وانحَرَفَت عن الواجبِ، والمعْنى: إنْ تَتُوبَا إلى اللهِ، فَلِتَوبتِكُما مُوجِبٌ أو سَببٌ؛ وهو أنْ قدْ مالَتْ قُلوبُكما عن الحقِّ، وانحَرَفَت عمَّا يَجِبُ عَليكما نحْوَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ مِن كِتمانٍ لسِرِّه، وحِرصٍ على راحتِه، واحترامٍ لكلِّ تَصرُّفٍ مِن تَصرُّفاتِه.
فظلَّ ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما حَريصًا على ذلك، إلَّا أنَّه مِن هَيْبتِه لعُمَرَ ما اسْتَطاعَ أنْ يَسألَهُ حتَّى جاءَت الفُرصَةُ عندَ خُروجِهمْ للحَجِّ، وكان ابنُ عبَّاسٍ في رُفْقتِه، ويَحْكي ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّه في أثناءِ عَودتِهم بعْدَ انقضاءِ حَجِّهم، مالَ عمرُ رضِيَ اللهُ عنه وتَنحَّى جانِبًا عن الطَّريقِ المَسْلوكةِ إلى ( الأراك )؛ لِيَقْضيَ حاجَتَه مِن البَولِ والغائطِ، وقيل: إنَّهما كانا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وهو مَوْضِعٌ قَريبٌ مِن مَكَّةَ، والأَراكُ: هو الشَّجرُ الَّذي يُتَّخذُ منه السِّوَاكُ، فانتظره ابنُ عَبَّاسٍ حتى فرغ من حاجتِه، ثم سار معه فسَأَلَه في أثناء ذلك عن المَرأتينِ مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللَّتينِ تظاهَرَتا عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: تَعاوَنَتا عليه مِنْ شِدَّةِ الغَيْرَةِ حتَّى ساءَ ذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالَ عُمرُ رضِيَ اللهُ عنه: «تلكَ حفْصَةُ وعائشةُ» رَضِيَ اللهُ عنهما.
وذكَرَ له ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه كان يُريد أن يَسأَلَه عن هذا مُنْذُ سَنَةٍ، ويمنَعُه من هذا السُّؤالِ -مع شِدَّةِ حِرْصِه عليه- الخوْفُ منه ومَهابَتُه.
فنهاه عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه عن أن يفعَلَ هذا ثانيةً، فلا يمنعُه الخوفُ والمهابةُ مِنَ السُّؤالِ، وذكر له أنْ إذا ما عَلِمَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ عِند عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه عِلْمًا لِمَا يُريدُ، فلْيَعْرِضْ عليه سُؤالَه، فإنْ كانَ عند عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه عِلمٌ فسيُجيبه ويَعرِضُ عليه ما عِنده.
وهذا تَشجيعٌ مِن عُمرَ لابنِ عبَّاسٍ ألَّا يَجعَلَ شيئًا يَمنعُهُ مِن السُّؤالِ وطَلَبِ العِلْمِ.
ثم بدأ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه سَارِدًا لِقِصَّةِ عائشةَ وحَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عنهما وما كان مِن خبرِهِما مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «واللهِ إنْ كنَّا في الجاهِليَّةِ» -وهي الفترةُ التي سبقت بَعْثةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم «ما نَعُدُّ للنِّساءِ أمْرًا»، أي: لم يكُنْ لَهُنَّ شأْنٌ، «حتَّى أنزَلَ اللهُ فيهنَّ ما أنْزَلَ»، يعني: ما كان مِن وَصِيَّةٍ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ بمُعاشَرَتِهِنَّ بالمعروفِ والإحسانِ إليهِنَّ، «وقَسَمَ لَهُنَّ ما قَسَمَ»، يعني: مِنَ النَّفقةِ والميراثِ الَّذي لم يكُنْ لَهُنَّ حَقٌّ فيه في الجاهليَّةِ.
وذكَرَ عُمَرُ أنَّه بينما كان مشغولًا في أمرٍ يتفكَّرُ فيه، إذ تدخَّلَت زوجتُه تَعرِضُ عليه رأيَها ومَشورتَها فيه، فأنكر عليها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنها وقال لها: ما بالُكِ تَتدخَّلينَ فيما ليْس مِن شأْنِكِ مِمَّا أُفكِّرُ فيه؟ فقالَتْ لي: «عَجَبًا لكَ يا ابنَ الخطَّابِ! ما تُريدُ أنْ تُرَاجَعَ أنتَ» أي: تَستنكِرُ ما رَدَّ به عليها، وإنكارَهُ عليها أنْ تُراجِعَهُ في أمْرِهِ وتُشاوِرَهُ فيه وتَعرِضَ عليه رأيَها، «وإنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم»، فهي تَحتَجُّ بفِعْلِ حَفصةَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنها تفعَلُ هذا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَبقى سائِرَ يومِهِ في غَضَبٍ ممَّا تَفعَلُهُ حَفصةُ! وفي روايةِ البُخاريِّ: «فواللهِ إنَّ أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيُراجِعْنَه، وإنَّ إحداهُنَّ لَتَهْجُرُه اليومَ حتى اللَّيلِ، فأفزَعَني، فقُلْتُ: خابت من فَعَل مِنهن بعظيم».
قال ابنُ عبَّاس: «فقامَ عمرُ، فأخَذَ رِداءَهُ مَكانَهُ»، وفي هذا إشارةٌ إلى سُرعتِهِ في الذَّهابِ إلى حَفصةَ بعْدَما سَمِع ما قالَتْ زَوجتُهُ عنها، «حتَّى دخَلَ على حفْصةَ فقالَ لها: يا بُنَيَّةُ، إنَّكِ لَتُراجِعينَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَظَلَّ يوْمَهُ غَضْبانَ؟!» يُريدُ أنْ يَتَثَبَّتَ ممَّا قالَتْهُ فيها زَوْجتُهُ، فقالَتْ حَفْصَةُ: «واللهِ إنَّا لَنُراجِعُه» أي: إنَّنا -أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- نُراجِعُه، وليسَتْ حَفْصةُ وَحْدَها.
فجعَلَ عمرُ رضِيَ اللهُ عنه يَنصَحُها ويُبْعِدُها عن مِثْلِ هذا الخُلُقِ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال عمرُ: «فقُلْتُ: تَعلَمِينَ أنِّي أُحَذِّرُكِ عُقوبةَ اللهِ، وغَضَبَ رَسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يا بُنَيَّةُ، لا تَغُرَّنَّكِ» أي: لا تُجَرِّئَنَّكِ، «هذِهِ الَّتي أَعْجَبَها حُسْنُها حُبُّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إيَّاهَا» يُريدُ ضَرَّتها أمَّ المُؤمِنينَ عائشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، أي: بما لها مِن حَظٍّ وحُبٍّ عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
والمعْنى: إيَّاكِ أنْ تَغترِّي بكونِ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنه تَفعَلُ ما نَهَيْتُكِ عنه، فلا يُؤاخِذُها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك؛ لاحتمالِ ألَّا تَكوني عندَه في تلك المَنزلةِ، فلا يكونُ لك مِن الإدلالِ مِثلُ الَّذي لها، وأَوصاها رَضيَ اللهُ عنه بألَّا تَطْلُبَ منهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الكَثيرَ، ولا تُراجِعَه في شَيءٍ، ولا تَهْجُرَه ولو هَجَرَها، وأنْ تَطْلُبَ منه كلَّ ما تُرِيدُه وتَحتاجُه، كما في روايةٍ في الصَّحيحينِ.
وأخبر عمرُ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه خرج مِن عِندِ حَفْصةَ رَضِيَ اللهُ عنها، فدخل على أمِّ المُؤمِنينَ أمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها؛ لقرابتِه منها، قيل: إنَّ أمَّ عُمرَ كانتْ مَخْزومِيَّةً كأُمِّ سَلَمَةَ، وهي بِنْتُ عَمِّ أُمِّهِ، فكلَّمَها في هذا الشَّأنِ ومُراجَعَتِهِنَّ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالَتْ له أمُّ سَلَمَةَ زَوجُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «عَجَبًا لكَ يا ابنَ الخطَّابِ! دخَلْتَ في كلِّ شيءٍ»، أي: في أُمورِ النَّاسِ؛ وذلك أنَّ عُمرَ رضِيَ اللهُ عنه كان يُعْرَفُ بكثرةِ ما يَقترِحُ به على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في شُؤونِ العامَّةِ والخاصَّةِ، حتَّى إنَّ نِساءَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كُنَّ يَهَبْنَهُ وَيَخْشَيْنَهُ، «حتَّى تَبْتَغِيَ»، أي: تُريدَ، «أنْ تدخُلَ بيْن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأزواجِهِ؟!» أي: تَتدخَّلَ في شُؤونِهِ الَّتي مع زَوجاتِهِ!
قال عمرُ: «فأَخَذَتْنِي واللهِ أَخْذًا كَسَرتْنِي عن بعضِ ما كنتُ أجِدُ»، أي: أَوْقَفَتْهُ ومنَعَتْهُ أنْ يُكْمِلَ نُصْحَهُ لها، وصرفَتْني عمَّا كان بي مِن غَضَبٍ، وأخَذَتْني بلِسانِها أخْذًا دفَعَني عن مَقصِدي وكَلامِي.
«فخرَجْتُ مِن عِنْدِها»، أي: أُمِّ سَلَمةَ رضِيَ اللهُ عنها، وذلك دون أن يُتِمَّ ما عنده من نصيحةٍ لها.
قال عُمرُ: «وكانَ لي صاحبٌ مِنَ الأنصارِ» قيل: هو أَوْسُ بنُ خَوْلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، وقيل: هو عِتْبانُ بنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وكانا يتبادلان الذَّهابَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فَينزِلُ صاحبُه يَومًا، ويَنزِلُ عُمرُ رضِيَ اللهُ عنه يَومًا، فإذا نَزَلَ عُمرُ رضِيَ اللهُ عنه جاءهُ مِن خَبرِ ذلك اليَومِ مِن الوَحْيِ أو الأوامِرِ الشَّرعيَّةِ وغَيرِ ذلك مِن الحَوادِثِ الكائنةِ عِندهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإذا نَزَلَ صاحبُه فَعَلَ مِثلَ ذلك؛ وذلك أنَّ الصَّحابةَ رضِيَ اللهُ عنهم كانتْ أشغالُهم تَصرِفُهم عن حُضورِ بعْضِ المجالِسِ.
ويَحْكي عُمرُ رضِيَ اللهُ عنه أنهم في هذا الوَقتِ كانوا يتخوَّفون مَلِكًا مِن مُلوكِ غسَّانَ، ذُكِرَ لهم أنَّه ربَّما يقَعُ منْه غَزْوٌ للمَدينةِ، وقد امتلأت صُدورُهم خوفًا من ذلك، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا مُهْتَمِّينَ بمَعْرفةِ الأخبارِ، خاصَّةً أنَّ المدينةَ كانتْ في هذا الوقتِ مُهَدَّدَةً بالغَزْوِ، وغَسَّانُ همْ قومٌ مِن قَحْطانَ، نَزَلوا حِين تَفرَّقوا مِن سَدِّ مَأرِبَ بماءٍ يُقالُ له: غَسَّانُ، فسُمُّوا بذلك، وسَكَنوا بطَرَفِ الشَّامِ.
وأخبر عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ صاحِبَه نَزَلَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَمِع اعتِزالَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زَوجاتِه، فرَجَعَ إلى العَوالي -موضعِ بَيتِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، على بُعْدِ ثَلاثةِ أو أربعةِ أميالٍ مِن المدينةِ- في آخِرِ يَومِه ونِهايتِه، وضَرَبَ بابَ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنه قائلًا: «افتَحِ افتَحْ»، أي: يَستعجِلُ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنه في الفَتْحِ؛ نَظَرًا لأهمِّيَّةِ ما معهُ مِن أخبارٍ، فسأل عُمَرُ: «جاءَ الغسَّانيُّ؟» يَسبِقُهُ عُمرُ رَضِيَ اللهُ عنه بالكلامِ بما هو مُتوقَّعٌ في هذا الميقاتِ.
فقالَ صاحِبُه: «بلْ أشدُّ مِن ذلكَ»، أي: إنَّ الحدثَ أكْبرُ ممَّا لو أتى مَلِكُ غسَّانَ! «اعتَزَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أزواجَهُ»، أي: لا يَدخُلُ عليهِنَّ حُجَرَهنَّ، فقلْتُ: «رَغِمَ أَنْفُ حَفصةَ وعائشةَ!»، أي: لَصِقَتْ أُنوفُهُمَا بالتُّرابِ، وقيل: إنَّه خَصَّهما بالذِّكْرِ لِتَرَؤُّسِهما على هذا الأمرِ حتَّى أغضَبَ ذلك رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فلَبِسَ عمَرُ رَضيَ اللهُ عنه ثِيابَه، وذَهَبَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فصَلَّى الفَجْرَ مَعهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ودَخَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَشْربةً له، وهي غُرْفَةٌ مُرتَفِعةٌ يُخزَّنُ فيها الطَّعامُ، فَاعْتَزلَ فيها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نِساءَه، «وغُلامٌ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أَسْوَدُ»، وفي رِوايةِ مُسلمٍ: إنَّ اسمَهُ رَباحٌ، يَقِفُ على رأسِ الدَّرَجةِ المُوصِلةِ إلى المَشربةِ التي يَعتَزِلُ فيها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نِساءَه، فكلَّمَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه الغلامَ في أن يطلُبَ له الإذْنَ في الدُّخولِ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأذِنَ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فأخبَرَ عمرُ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قَصَّ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما سبَقَ منه مِن نُصْحٍ لابنتِهِ ولِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهما، فلمَّا بلَغَ حَديثَ أمِّ سلَمَةَ الَّذي ذَكَرَتْ له فيه أنَّه يَتدخَّلُ في شأنِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع أزواجِهِ، تَبَسَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والتَّبسُّمُ: الضَّحِكُ بلا صَوْتٍ.
وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُضْطَجِعٌ على حصيرٍ دونَ فَرْشٍ، وليْس بيْنه وبيْن الحَصِيرِ شَيءٌ، والحَصيرُ: البِساطُ المَنْسوجُ مِن جَريدِ النَّخْلِ أو غيرِهِ، وتحْتَ رأسِهِ وِسادةٌ مِن جِلْدٍ مَدْبوغٍ، وكان حَشْوُهَا لِيفًا، وكان عِنْدَ رِجليْهِ قَرَظٌ مَصْبُوبٌ، والقَرَظُ؛ قيل: نَوْعٌ مِنَ الشَّجرِ يُدْبَغُ به الجُلودُ، والمُرادُ بَعْضُ ثَمَرِ القرَظِ كان مَصْبوبًا، أي: مُكَوَّمًا ومُجَمَّعًا عِند قَدَمِهِ، وكان عِنْدَ رأسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، والأَهَبُ: جَمْعُ إهابٍ، وهو الجِلْدُ غَيْرُ المَدْبوغِ، وهذا كلُّه كِنايةٌ عن رَثاثةِ هَيْئةِ المكانِ الَّذي كان به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وشِدَّةِ الحالِ الَّتي كان عليها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
يقولُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه: «فرأيْتُ أَثَرَ الحصيرِ»، أي: علامتَهُ، في جَنْبِهِ الشَّريفِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَبَكَيْتُ، وذلك إشفاقًا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالَ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما يُبْكِيكَ؟» فقلتُ: «يا رسولَ اللهِ، إنَّ كِسْرَى وقَيْصَرَ» مَلِكانِ لمَملكَتينِ عَظيمتينِ في ذلك الزَّمنِ، وهما فارِسُ والرُّومُ، «فيما هُما فيهِ» مِن الرَّفاهِيَةِ ونَعيمِ الدُّنيا، «وأنتَ رسولُ اللهِ»، أي: أَوْلَى منهم بهذا النَّعيمِ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أمَا تَرْضَى أنْ تكونَ لهم»، أي: للكُفَّارِ، «الدُّنيا»، أي: نَعيمُها الَّذي يَفْنَى ويَنْتَهي إمَّا بِمَوْتِ صاحبِهِ، أو بزَوالِ النَّعيمِ عنه، أو بزوالِ الدُّنيا، «ولنَا» نحْنُ المُسلِمينَ «الآخرةُ»، أي: نَعيمُها وما فيها مِن خُلودٍ وبَقاءٍ.
وفي رِوايةٍ أخرى في الصَّحيحينِ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان قد أَقْسَمَ ألَّا يَدخُلَ على زوجاتِهِ شهْرًا، فلمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وعِشرونَ دخَلَ على عائِشَةَ...
وكان ذلك الشَّهْرُ تِسعًا وعِشرينَ، قالَتْ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عنها: فَأُنْزِلَتْ آيةُ التَّخْيِيرِ، فبدَأَ بي أوَّلَ امرأةٍ، فقال: «إنِّي ذاكِرٌ لكِ أمْرًا، ولا عليكِ ألَّا تَعْجَلي حتَّى تَسْتَأْمِري أَبَوَيْكِ، قالَتْ: قدْ أَعلَمُ أنَّ أَبَوَيَّ لم يكونَا يأمُراني بفِراقِكَ».
وقيل في بعضِ الرِّواياتِ في الصَّحيحينِ: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اعتزَلَ نِساءَهُ مِن أَجْلِ ما كان يَشرَبُهُ مِن عَسَلٍ عِندَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، تقولُ عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها: «فَتَوَاصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ: أنَّ أَيَّتَنا دخَلَ عليها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَلْتَقُلْ: إنِّي أَجِدُ مِنكَ رِيحَ مَغافيرَ، أَكَلْتَ مَغافيرَ -والمَغافيرُ: صَمْغٌ حُلْوٌ له رائحةٌ كريهةٌ-، فدخَلَ على إِحْداهُمَا، فقالَتْ له ذلك، فقال: لا، بَلْ شرِبْتُ عَسَلًا عِندَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، ولَنْ أَعودَ له، فَنَزَلَتْ: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } إلى { إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ } [ التحريم: 1 - 4 ] لعائشةَ وحَفْصَةَ، { وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ } [ التحريم: 3 ]؛ لقوله: بلْ شرِبْتُ عسلًا».

وقيل: السَّبَبُ مجموعُ ما كان مِنْهُنَّ مِن إغْضابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وليس حَدَثًا بِعَيْنِهِ.
وفي الحَديثِ: حُسنُ خُلقِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتَبسُّمُه؛ إكرامًا لِمَن يَتبسَّمُ إليه.
وفيه: بَيانُ ما كان عِند ابنِ عبَّاسٍ مِنْ حِرْصٍ على التَّعلُّمِ.
وفيه: مَنقبَةٌ ظاهرةٌ لعُمرَ رضِي اللهُ عنه.
وفيه: مَوعظةُ الرَّجُلِ ابنتَه، وإصلاحُ خُلقِها لزَوجِها.
وفيه: زُهْدُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفَضيلةُ الزُّهْدِ، والاكْتِفاءِ بالقليلِ منَ العَيشِ، وكَونُه مِن أخلاقِ النَّبيِّينَ.
وفيه: أنَّ مَتاعَ الدُّنيا لا يَبقى، بخِلافِ نَعيمِ الآخِرةِ؛ فهو الَّذي له البقاءُ.

شكرا ( الموسوعة الحديثية API - الدرر السنية ) & ( موقع حديث شريف - أحاديث الرسول ﷺ ) نفع الله بكم

قم بقراءة المزيد من الأحاديث النبوية


الكتابالحديث
تخريج صحيح ابن حبانجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله
تخريج صحيح ابن حبانكنت أدفع الناس عن ابن عباس فاحتبست أياما فقال ما حبسك قلت
تخريج صحيح ابن حبانمن لم يجد الإزار فليلبس سراويل ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين
تخريج صحيح ابن حبانالسراويل لمن لم يجد الإزار والخفان لمن لم يجد النعلين
تخريج صحيح ابن حبانالسراويل لمن لم يجد الإزار والخفان لمن لم يجد النعلين قال فقال
تخريج صحيح ابن حبانسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات من لم يجد نعلين
تخريج صحيح ابن حبانعكاظ وذو المجاز أسواق كانت لهم في الجاهلية فلما جاء الله بالإسلام كأنهم
تخريج صحيح ابن حبانقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد يهود يصومون يوم عاشوراء فقال
تخريج صحيح ابن حبانأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم
تخريج صحيح ابن حبانأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم
تخريج صحيح ابن حبانأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم في عمرة القضاء
تخريج صحيح ابن حبانكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضا جلس عند رأسه


أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة


صحيح البخاري صحيح مسلم
صحيح الجامع صحيح ابن حبان
صحيح النسائي مسند الإمام أحمد
تخريج صحيح ابن حبان تخريج المسند لشاكر
صحيح أبي داود صحيح ابن ماجه
صحيح الترمذي مجمع الزوائد
هداية الرواة تخريج مشكل الآثار
السلسلة الصحيحة صحيح الترغيب
نخب الأفكار الجامع الصغير
صحيح ابن خزيمة الترغيب والترهيب

قراءة القرآن الكريم


سورة البقرة آل عمران سورة النساء
سورة المائدة سورة يوسف سورة ابراهيم
سورة الحجر سورة الكهف سورة مريم
سورة الحج سورة القصص العنكبوت
سورة السجدة سورة يس سورة الدخان
سورة الفتح سورة الحجرات سورة ق
سورة النجم سورة الرحمن سورة الواقعة
سورة الحشر سورة الملك سورة الحاقة
سورة الانشقاق سورة الأعلى سورة الغاشية

الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم


Thursday, August 1, 2024

لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب