أحاديث عن: لا يسبق شدا
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
6 نتيجة — لكلمة: لا يسبق شدا
⭐ صحيح
📂 باب الصلح بين النَّبِيّ ﷺ...
عن سلمة بن الأكوع قال: قدّمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة. وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية. فإما دعا وإما بسق فيها. قال: فجاشت. فسقينا واستقينا. قال: ثمّ إن رسول الله ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال: فبايعته أول الناس. ثمّ بايع وبايع. حتَّى إذا كان في وسط من الناس قال: «بايع. يا سلمة!» قال: قلت: قد بايعتك. يا رسول الله! في أول الناس. قال: «وأيضا» قال: ورآني رسول الله ﷺ عزلا - يعني ليس معه سلاح -. قال: فأعطاني رسول الله ﷺ حجفة أو درقة. ثمّ بايع. حتَّى إذا كان في آخر الناس قال: «ألا تبايعني؟ يا سلمة!» قال: قلت: قد بايعتك. يا رسول الله! في أول الناس، وفي أوسط الناس. قال: «وأيضًا» قال: فبايعته الثالثة. ثمّ قال لي: «يا سلمة! أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟» قال: قلت: يا رسول الله! لقيني عمي عامر عزلا. فأعطيته إياها. قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال: «إنَّك كالذي قال: الأوّل: اللهم! أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي». ثمّ إن المشركين راسلونا الصلح. حتَّى مشى بعضنا في بعض. واصطلحنا. قال: وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد الله. أسقي فرسه، وأحسه، وأخدمه. وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي، مهاجرًا إلى الله ورسوله ﷺ. قال: فلمّا اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها. فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة. فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم. فتحولت إلى شجرة أخرى. وعلقوا سلاحهم. واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قتل ابن زنيم. قال: فاخترطت سيفي. ثمّ شددت على أولئك الأربعة وهم رقود. فأخذت سلاحهم. فجعلته ضغثا في يدي. قال: ثمّ قلت: والذي كرم وجه محمد! لا يرفع أحد منكم رأسه إِلَّا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثمّ جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ. قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز. يقوده إلى رسول الله ﷺ على فرس مجفف. في سبعين من المشركين. فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: «دعوهم. يكن لهم بدء الفجور وثناه» فعفا عنهم رسول الله ﷺ. وأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] الآية كلها. قال: ثمّ خرجنا راجعين إلى المدينة. فنزلنا منزلا. بيننا وبين بني
لحيان جبل. وهم المشركون. فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل الليلة. كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا. ثمّ قدّمنا المدينة. فبعث رسول الله ﷺ بظهره مع رباح غلام رسول الله ﷺ. وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة. أنديه مع الظهر. فلمّا أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ. فاستاقه أجمع. وقتل راعيه. قال: فقلت: يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله. وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثمّ قمت على أكمة فاستقبلت المدينة. فناديت ثلاثًا: يا صباحاه! ثمّ خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز. أقول:
أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع.
فألحق رجلًا منهم. فأصك سهما في رحله. حتَّى خلص نصل السهم إلى كتفه. قال: قلت: خذها.
وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع.
قال: فوالله! ما زلت أرميهم وأعقر بهم. فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها. ثمّ رميته. فعقرت به. حتَّى إذا تضايق الجبل دخلوا في تضايقه، علوت الجبل. فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتَّى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إِلَّا خلفته وراء ظهري. وخلوا بيني وبينه. ثمّ اتبعتهم أرميهم. حتَّى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحًا. يستخفون. ولا يطرحون شيئًا إِلَّا جعلت عليه آراما من الحجارة. يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه. حتَّى إذا أتوا متضايقًا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري. فجلسوا يتضحون «يعني يتغدون». وجلست على رأس قرن. قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا، من هذا البرح. والله! ما فارقنا منذ غلس. يرمينا حتَّى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، أربعة. قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل. قال: فلمّا أمكنوني من الكلام قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع. والذي كرم وجه محمد ﷺ! لا أطلب رجلًا منكم إِلَّا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال: أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا. فما برحت مكاني حتَّى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر. قال: فإذا أولهم الأخرم
الأسدي. على أثره أبو قتادة الأنصاري. وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم! احذرهم. لا يقتطعوك حتَّى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنّة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته. فالتقى هو وعبد الرحمن. قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه. وطعنه عبد الرحمن فقتله. وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة، فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن. فطعنه فقتله. فوالذي كرم وجه محمد ﷺ! اتبعتهم أعدو على رجلي. حتَّى ما أرى ورائي، من أصحاب محمد ﷺ ولا غبارهم شيئًا. حتَّى يعدلوا قبل غروب الشّمس إلى شعب فيه ماء. يقال: له ذا قرد. ليشربوا منه وهم عطاش. قال: فنظروا إلي أعدو ورائهم. فحليتهم عنه «يعني أجليتهم عنه» فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلًا منهم. فأصكه بسهم في نغض كتفه. قال: قلت:
خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع.
قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة. قال: قلت: نعم. يا عدو نفسه! أكوعك بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ. قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن. وسطيحة فيها ماء. فتوضأت وشربت. ثمّ أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حلأتهم منه. فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل. وكل شيء استنقذته من المشركين. وكل رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم. وإذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها. قال: قلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من القوم مائة رجل. فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إِلَّا قتلته. قال: فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه في ضوء النّار. فقال: «يا سلمة! أتراك كنت فاعلًا؟» قلت: نعم. والذي أكرمك! فقال: «إنَّهم الآن ليقرون في أرض غطفان» قال: فجاء رجل من غطفان. فقال: نحر لهم جزورا. فلمّا كشفوا جلدها رأوا غبارا. فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين. فلمّا أصبحنا قال رسول الله ﷺ: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة. وخير رجالتنا سلمة» قال: ثمّ أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل. فجمعهما لي جميعًا. ثمّ أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء. راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدًا، قال: فجعل يقول: ألا
مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال: فلمّا سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا. إِلَّا أن يكون رسول الله ﷺ. قال: قلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! ذرني فلأسابق الرّجل. قال: «إنَّ شئت» قال: قلت: اذهب إليك. وثنيت رجلي فطفرت فعدوت. قال: فربطت عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي. ثمّ عدوت في إثره. فربطت عليه شرفًا أو شرفين. ثمّ إني رفعت حتَّى ألحقه. قال: فأصكه بين كتفيه. قال: قلت: قد سبقت. والله! قال: أنا أظن. قال: فسبقته إلى المدينة. قال: فوالله! ما لبثنا إِلَّا ثلاث ليال حتَّى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ. قال: فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:
تالله! لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا.
ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا.
وأنزلن سكينة علينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من هذا؟» قال: أنا عامر. قال: «غفر لك ربك» قال: وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إِلَّا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطّاب، وهو على جمل له: يا نبي الله! لولا ما متعتنا بعامر. قال: فلمّا قدّمنا خيبر قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب.
إذا الحروب أقبلت تلهب.
قال: وبرز له عمي عامر، فقال:
قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر
قال: فاختلفا ضربتين. فوقع سيف مرحب في ترس عامر. وذهب عامر يسفل له. فرجع سيفه على نفسه. فقطع أكحله. فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النَّبِيّ ﷺ يقولون: بطل عمل عامر. قتل نفسه. قال: فأتيت النَّبِيّ ﷺ وأنا أبكي. فقلت: يا رسول الله! بطل عمل عامر؟ . قال رسول الله ﷺ: «من قال ذلك؟» قال: قلت: ناس من أصحابك. قال: «كذب من قال: ذلك. بل له أجره مرتين». ثمّ أرسلني إلى علي، وهو أرمد. فقال: «لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله» قال: فأتيت عليًا فجئت به أقوده، وهو أرمد. حتَّى
أتيت به رسول الله ﷺ. فبسق في عينيه فبرأ. وأعطاه الراية. وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب.
إذا الحروب أقبلت تلهب.
فقال عليّ:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث الغابات كريه المنظره.
أوفيهم بالصاع كيل السندره.
قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثمّ كان الفتح على يديه.
قال إبراهيم: حَدَّثَنَا محمد بن يحيى، حَدَّثَنَا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عكرمة بن عمار، بهذا الحديث بطوله.
لحيان جبل. وهم المشركون. فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل الليلة. كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا. ثمّ قدّمنا المدينة. فبعث رسول الله ﷺ بظهره مع رباح غلام رسول الله ﷺ. وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة. أنديه مع الظهر. فلمّا أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ. فاستاقه أجمع. وقتل راعيه. قال: فقلت: يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله. وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثمّ قمت على أكمة فاستقبلت المدينة. فناديت ثلاثًا: يا صباحاه! ثمّ خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز. أقول:
أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع.
فألحق رجلًا منهم. فأصك سهما في رحله. حتَّى خلص نصل السهم إلى كتفه. قال: قلت: خذها.
وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع.
قال: فوالله! ما زلت أرميهم وأعقر بهم. فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها. ثمّ رميته. فعقرت به. حتَّى إذا تضايق الجبل دخلوا في تضايقه، علوت الجبل. فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتَّى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إِلَّا خلفته وراء ظهري. وخلوا بيني وبينه. ثمّ اتبعتهم أرميهم. حتَّى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحًا. يستخفون. ولا يطرحون شيئًا إِلَّا جعلت عليه آراما من الحجارة. يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه. حتَّى إذا أتوا متضايقًا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري. فجلسوا يتضحون «يعني يتغدون». وجلست على رأس قرن. قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا، من هذا البرح. والله! ما فارقنا منذ غلس. يرمينا حتَّى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، أربعة. قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل. قال: فلمّا أمكنوني من الكلام قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع. والذي كرم وجه محمد ﷺ! لا أطلب رجلًا منكم إِلَّا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال: أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا. فما برحت مكاني حتَّى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر. قال: فإذا أولهم الأخرم
الأسدي. على أثره أبو قتادة الأنصاري. وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم! احذرهم. لا يقتطعوك حتَّى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنّة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته. فالتقى هو وعبد الرحمن. قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه. وطعنه عبد الرحمن فقتله. وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة، فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن. فطعنه فقتله. فوالذي كرم وجه محمد ﷺ! اتبعتهم أعدو على رجلي. حتَّى ما أرى ورائي، من أصحاب محمد ﷺ ولا غبارهم شيئًا. حتَّى يعدلوا قبل غروب الشّمس إلى شعب فيه ماء. يقال: له ذا قرد. ليشربوا منه وهم عطاش. قال: فنظروا إلي أعدو ورائهم. فحليتهم عنه «يعني أجليتهم عنه» فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلًا منهم. فأصكه بسهم في نغض كتفه. قال: قلت:
خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع.
قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة. قال: قلت: نعم. يا عدو نفسه! أكوعك بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ. قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن. وسطيحة فيها ماء. فتوضأت وشربت. ثمّ أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حلأتهم منه. فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل. وكل شيء استنقذته من المشركين. وكل رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم. وإذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها. قال: قلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من القوم مائة رجل. فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إِلَّا قتلته. قال: فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه في ضوء النّار. فقال: «يا سلمة! أتراك كنت فاعلًا؟» قلت: نعم. والذي أكرمك! فقال: «إنَّهم الآن ليقرون في أرض غطفان» قال: فجاء رجل من غطفان. فقال: نحر لهم جزورا. فلمّا كشفوا جلدها رأوا غبارا. فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين. فلمّا أصبحنا قال رسول الله ﷺ: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة. وخير رجالتنا سلمة» قال: ثمّ أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل. فجمعهما لي جميعًا. ثمّ أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء. راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدًا، قال: فجعل يقول: ألا
مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال: فلمّا سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا. إِلَّا أن يكون رسول الله ﷺ. قال: قلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! ذرني فلأسابق الرّجل. قال: «إنَّ شئت» قال: قلت: اذهب إليك. وثنيت رجلي فطفرت فعدوت. قال: فربطت عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي. ثمّ عدوت في إثره. فربطت عليه شرفًا أو شرفين. ثمّ إني رفعت حتَّى ألحقه. قال: فأصكه بين كتفيه. قال: قلت: قد سبقت. والله! قال: أنا أظن. قال: فسبقته إلى المدينة. قال: فوالله! ما لبثنا إِلَّا ثلاث ليال حتَّى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ. قال: فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:
تالله! لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا.
ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا.
وأنزلن سكينة علينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من هذا؟» قال: أنا عامر. قال: «غفر لك ربك» قال: وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إِلَّا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطّاب، وهو على جمل له: يا نبي الله! لولا ما متعتنا بعامر. قال: فلمّا قدّمنا خيبر قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب.
إذا الحروب أقبلت تلهب.
قال: وبرز له عمي عامر، فقال:
قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر
قال: فاختلفا ضربتين. فوقع سيف مرحب في ترس عامر. وذهب عامر يسفل له. فرجع سيفه على نفسه. فقطع أكحله. فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النَّبِيّ ﷺ يقولون: بطل عمل عامر. قتل نفسه. قال: فأتيت النَّبِيّ ﷺ وأنا أبكي. فقلت: يا رسول الله! بطل عمل عامر؟ . قال رسول الله ﷺ: «من قال ذلك؟» قال: قلت: ناس من أصحابك. قال: «كذب من قال: ذلك. بل له أجره مرتين». ثمّ أرسلني إلى علي، وهو أرمد. فقال: «لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله» قال: فأتيت عليًا فجئت به أقوده، وهو أرمد. حتَّى
أتيت به رسول الله ﷺ. فبسق في عينيه فبرأ. وأعطاه الراية. وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب.
إذا الحروب أقبلت تلهب.
فقال عليّ:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث الغابات كريه المنظره.
أوفيهم بالصاع كيل السندره.
قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثمّ كان الفتح على يديه.
قال إبراهيم: حَدَّثَنَا محمد بن يحيى، حَدَّثَنَا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عكرمة بن عمار، بهذا الحديث بطوله.
صحيح رواه مسلم في الجهاد (١٨٠٧) من طرق عن عكرمة بن عيار، حَدَّثَنِي إياس بن سلمة، قال: حَدَّثَنِي أبي قال: فذكره بطوله.
📚 كتاب سيرة النبي ﷺ
📖 اقرأ الشرح
قدِمنا الحُدَيبيةَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونَحنُ أربَعَ عَشرةَ مِائةً، وعليها خَمسونَ شاةً لا تُرويها، قال: فقَعَدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على جَبا الرَّكيَّةِ، فإمَّا دَعا وإمَّا بَصَقَ فيها، قال: فجاشَت، فسَقَينا واستَقَينا، قال: ثُمَّ إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَعانا للبَيعةِ في أصلِ الشَّجَرةِ، قال: فبايَعتُه أوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بايَعَ، وبايَعَ، حتَّى إذا كان في وسَطٍ مِنَ النَّاسِ، قال: بايِعْ يا سَلَمةُ، قال: قُلتُ: قد بايَعتُكَ يا رَسولَ اللهِ في أوَّلِ النَّاسِ، قال: وأيضًا، قال: ورَآني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَزِلًا، يَعني: ليس معهُ سِلاحٌ، قال: فأعطاني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَجَفةً -أو دَرَقةً- ثُمَّ بايَعَ، حتَّى إذا كان في آخِرِ النَّاسِ، قال: ألا تُبايِعُني يا سَلَمةُ؟ قال: قُلتُ: قد بايَعتُكَ يا رَسولَ اللهِ في أوَّلِ النَّاسِ، وفي أوسَطِ النَّاسِ، قال: وأيضًا، قال: فبايَعتُه الثَّالِثةَ، ثُمَّ قال لي: يا سَلَمةُ، أينَ حَجَفَتُكَ -أو دَرَقَتُكَ- التي أعطَيتُكَ؟ قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، لَقيَني عَمِّي عامِرٌ عَزِلًا، فأعطَيتُه إيَّاها، قال: فضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: إنَّكَ كالذي قال الأوَّلُ: اللَّهمَّ أبغِني حَبيبًا هو أحَبُّ إليَّ مِن نَفسي، ثُمَّ إنَّ المُشرِكينَ راسَلونا الصُّلحَ حتَّى مَشى بَعضُنا في بَعضٍ، واصطَلَحنا. قال: وكُنتُ تَبيعًا لطَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ أسقي فرَسَه، وأحُسُّه، وأخدِمُه، وآكُلُ مِن طَعامِه، وتَرَكتُ أهلي ومالي مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فلَمَّا اصطَلَحنا نَحنُ وأهلُ مَكَّةَ، واختَلَطَ بَعضُنا ببَعضٍ، أتَيتُ شَجَرةً فكَسَحتُ شَوكَها فاضطَجَعتُ في أصلِها، قال: فأتاني أربَعةٌ مِنَ المُشرِكينَ مِن أهلِ مَكَّةَ، فجَعَلوا يَقَعونَ في رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأبغَضتُهم، فتَحَوَّلتُ إلى شَجَرةٍ أُخرى، وعَلَّقوا سِلاحَهم واضطَجَعوا، فبينَما هُم كَذلك إذ نادى مُنادٍ مِن أسفَلِ الوادي: يا لَلمُهاجِرينَ، قُتِلَ ابنُ زُنَيمٍ، قال: فاختَرَطتُ سَيفي، ثُمَّ شَدَدتُ على أولَئِكَ الأربَعةِ وهم رُقودٌ، فأخَذتُ سِلاحَهم، فجَعَلتُه ضِغثًا في يَدي، قال: ثُمَّ قُلتُ: والذي كَرَّمَ وجهَ مُحَمَّدٍ لا يَرفَعُ أحَدٌ مِنكُم رَأسَه إلَّا ضَرَبتُ الذي فيه عَيناه، قال: ثُمَّ جِئتُ بهم أسوقُهم إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: وجاءَ عَمِّي عامِرٌ برَجُلٍ مِنَ العَبَلاتِ، يُقالُ له: مِكرَزٌ، يَقودُه إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على فرَسٍ مُجَفَّفٍ في سَبعينَ مِنَ المُشرِكينَ، فنَظَرَ إليهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: دَعوهم، يَكُنْ لهم بَدءُ الفُجورِ وثِناه، فعَفا عنهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنزَلَ اللهُ: {وهو الذي كَفَّ أيديَهم عَنكُم وأيديَكُم عَنهُم ببَطنِ مَكَّةَ مِن بَعدِ أن أظفَرَكُم عليهم} [الفتح: 24] الآيةَ كُلَّها. قال: ثُمَّ خَرَجنا راجِعينَ إلى المَدينةِ، فنَزَلنا مَنزِلًا بينَنا وبينَ بَني لَحيانَ جَبَلٌ، وهمُ المُشرِكونَ، فاستَغفَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَن رَقيَ هذا الجَبَلَ اللَّيلةَ، كَأنَّه طَليعةٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، قال سَلَمةُ: فرَقيتُ تلك اللَّيلةَ مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا، ثُمَّ قدِمنا المَدينةَ، فبَعَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بظَهرِه مع رَباحٍ، غُلامِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنا معهُ، وخَرَجتُ معهُ بفَرَسِ طَلحةَ، أُنَدِّيه مع الظَّهرِ، فلَمَّا أصبَحنا إذا عبدُ الرَّحمَنِ الفَزاريُّ قد أغارَ على ظَهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فاستاقَه أجمَعَ، وقَتَلَ راعيَه، قال: فقُلتُ: يا رَباحُ، خُذْ هذا الفَرَسَ فأبلِغْه طَلحةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ، وأخبِرْ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ المُشرِكينَ قد أغاروا على سَرحِه، قال: ثُمَّ قُمتُ على أكَمةٍ، فاستَقبَلتُ المَدينةَ، فنادَيتُ ثَلاثًا: يا صَباحاه! ثُمَّ خَرَجتُ في آثارِ القَومِ أرميهم بالنَّبلِ وأرتَجِزُ، أقولُ: أنا ابنُ الأكوعِ... واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ، فألحَقُ رَجُلًا منهم فأصُكُّ سَهمًا في رَحلِه، حتَّى خَلَصَ نَصلُ السَّهمِ إلى كَتِفِه، قال: قُلتُ: خُذْها وأنا ابنُ الأكوعِ... واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ، قال: فواللهِ، ما زِلتُ أرميهم وأعقِرُ بهم، فإذا رَجَعَ إليَّ فارِسٌ أتَيتُ شَجَرةً، فجَلَستُ في أصلِها، ثُمَّ رَمَيتُه فعَقَرتُ به، حتَّى إذا تَضايَقَ الجَبَلُ فدَخَلوا في تَضايُقِه، عَلَوتُ الجَبَلَ فجَعَلتُ أُرَدِّيهم بالحِجارةِ، قال: فما زِلتُ كَذلك أتبَعُهم حتَّى ما خَلَقَ اللهُ مِن بَعيرٍ مِن ظَهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا خَلَّفتُه وراءَ ظَهري، وخَلَّوا بَيني وبينَه، ثُمَّ اتَّبَعتُهم أرميهم حتَّى ألقَوا أكثَرَ مِن ثَلاثينَ بُردةً، وثَلاثينَ رُمحًا؛ يَستَخِفُّونَ، ولا يَطرَحونَ شيئًا إلَّا جَعَلتُ عليه آرامًا مِنَ الحِجارةِ يَعرِفُها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه، حتَّى أتَوا مُتَضايِقًا مِن ثَنيَّةٍ، فإذا هُم قد أتاهم فُلانُ بنُ بَدرٍ الفَزاريُّ، فجَلَسوا يَتَضَحَّونَ، يَعني يَتَغَدَّونَ، وجَلَستُ على رَأسِ قَرنٍ، قال الفَزاريُّ: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لَقينا مِن هذا البَرحَ! واللهِ ما فارَقَنا مُنذُ غَلَسٍ يَرمينا حتَّى انتَزَعَ كُلَّ شَيءٍ في أيدينا، قال: فليَقُمْ إليه نَفَرٌ مِنكُم أربَعةٌ، قال: فصَعِدَ إليَّ منهم أربَعةٌ في الجَبَلِ، قال: فلَمَّا أمكَنوني مِنَ الكَلامِ، قال: قُلتُ: هل تَعرِفوني؟ قالوا: لا، ومَن أنتَ؟ قال: قُلتُ: أنا سَلَمةُ بنُ الأكوعِ، والذي كَرَّمَ وجهَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لا أطلُبُ رَجُلًا مِنكُم إلَّا أدرَكتُه، ولا يَطلُبُني رَجُلٌ مِنكُم فيُدرِكَني، قال أحَدُهم: أنا أظُنُّ. قال: فرَجَعوا، فما بَرِحتُ مَكاني حتَّى رَأيتُ فوارِسَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَخَلَّلونَ الشَّجَرَ، قال: فإذا أوَّلُهمُ الأخرَمُ الأسَديُّ، على إثرِه أبو قَتادةَ الأنصاريُّ، وعلى إثرِه المِقدادُ بنُ الأسودِ الكِنديُّ، قال: فأخَذتُ بعِنانِ الأخرَمِ، قال: فولَّوا مُدبِرينَ، قُلتُ: يا أخرَمُ، احذَرهُم؛ لا يَقتَطِعوكَ حتَّى يَلحَقَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه، قال: يا سَلَمةُ، إن كُنتَ تُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، وتَعلَمُ أنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، والنَّارَ حَقٌّ، فلا تَحُلْ بَيني وبينَ الشَّهادةِ، قال: فخَلَّيتُه، فالتَقى هو وعَبدُ الرَّحمَنِ، قال: فعَقَرَ بعَبدِ الرَّحمَنِ فرَسَه، وطَعَنَه عبدُ الرَّحمَنِ فقَتَلَه، وتَحَوَّلَ على فرَسِه، ولَحِقَ أبو قَتادةَ فارِسُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَبدِ الرَّحمَنِ، فطَعَنَه فقَتَلَه، فوالذي كَرَّمَ وجهَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَتَبِعتُهم أعدو على رِجلَيَّ حتَّى ما أرى ورائي مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا غُبارِهم شيئًا، حتَّى يَعدِلوا قَبلَ غُروبِ الشَّمسِ إلى شِعبٍ فيه ماءٌ يُقالُ له: ذو قَرَدٍ؛ ليَشرَبوا منه، وهم عِطاشٌ، قال: فنَظَروا إليَّ أعدو وراءَهم، فخَلَّيتُهم عنه -يَعني أجلَيتُهم عنه- فما ذاقوا منه قَطرةً. قال: ويَخرُجونَ فيَشتَدُّونَ في ثَنيَّةٍ، قال: فأعدو فألحَقُ رَجُلًا منهم، فأصُكُّه بسَهمٍ في نُغضِ كَتِفِه، قال: قُلتُ: خُذها وأنا ابنُ الأكوعِ... واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ، قال: يا ثَكِلَتْه أُمُّه! أكوَعُه بُكرةَ؟! قال: قُلتُ: نَعَم يا عَدوَّ نَفسِه، أكوعُكَ بُكرةَ، قال: وأردَوا فرَسَينِ على ثَنيَّةٍ، قال: فجِئتُ بهما أسوقُهما إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ولَحِقَني عامِرٌ بسَطيحةٍ فيها مَذقةٌ مِن لَبَنٍ، وسَطيحةٍ فيها ماءٌ، فتَوضَّأتُ وشَرِبتُ، ثُمَّ أتَيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على الماءِ الذي حَلَّأتُهم عنه، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أخَذَ تلك الإبِلَ وكُلَّ شَيءٍ استَنقَذتُه مِنَ المُشرِكينَ، وكُلَّ رُمحٍ وبُردةٍ، وإذا بلالٌ نَحَرَ ناقةً مِنَ الإبِلِ الذي استَنقَذتُ مِنَ القَومِ، وإذا هو يَشوي لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن كَبِدِها وسَنامِها، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، خَلِّني فأنتَخِبُ مِنَ القَومِ مِائةَ رَجُلٍ فأتَّبِعُ القَومَ، فلا يَبقى منهم مُخبِرٌ إلَّا قَتَلتُه، قال: فضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بَدَت نَواجِذُه في ضَوءِ النَّارِ، فقال: يا سَلَمةُ، أتُراكَ كُنتَ فاعِلًا؟ قُلتُ: نَعَم، والذي أكرَمَكَ، فقال: إنَّهمُ الآنَ لَيُقرَونَ في أرضِ غَطَفانَ، قال: فجاءَ رَجُلٌ مِن غَطَفانَ، فقال: نَحَرَ لهم فُلانٌ جَزورًا، فلَمَّا كَشَفوا جِلدَها رَأوا غُبارًا، فقالوا: أتاكُمُ القَومُ، فخَرَجوا هارِبينَ، فلَمَّا أصبَحنا قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كان خَيرَ فُرسانِنا اليومَ أبو قَتادةَ، وخَيرَ رَجَّالَتِنا سَلَمةُ، قال: ثُمَّ أعطاني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَهمَينِ: سَهمَ الفارِسِ، وسَهمَ الرَّاجِلِ، فجَمعهُما لي جَميعًا، ثُمَّ أردَفَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وراءَه على العَضباءِ راجِعينَ إلى المَدينةِ. قال: فبينَما نَحنُ نَسيرُ، قال: وكانَ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ لا يُسبَقُ شَدًّا، قال: فجَعَلَ يقولُ: ألا مُسابِقٌ إلى المَدينةِ؟ هل مِن مُسابِقٍ؟ فجَعَلَ يُعيدُ ذلك، قال: فلَمَّا سَمِعتُ كَلامَه، قُلتُ: أما تُكرِمُ كَريمًا، ولا تَهابُ شَريفًا؟! قال: لا، إلَّا أن يَكونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بأبي وأُمِّي، ذَرني فلِأُسابِق الرَّجُلَ، قال: إن شِئتَ، قال: قُلتُ: اذهَبْ إليكَ، وثَنَيتُ رِجلَيَّ، فطَفَرتُ فعَدَوتُ، قال: فرَبَطتُ عليه شَرَفًا أو شَرَفَينِ، أستَبقي نَفَسي، ثُمَّ عَدَوتُ في إثرِه، فرَبَطتُ عليه شَرَفًا أو شَرَفَينِ، ثُمَّ إنِّي رَفَعتُ حتَّى ألحَقَه، قال: فأصُكُّه بينَ كَتِفَيه، قال: قُلتُ: قد سُبِقتَ واللهِ! قال: أنا أظُنُّ، قال: فسَبَقتُه إلى المَدينةِ، قال: فواللهِ، ما لَبِثنا إلَّا ثَلاثَ لَيالٍ حتَّى خَرَجنا إلى خَيبَرَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فجَعَلَ عَمِّي عامِرٌ يَرتَجِزُ بالقَومِ: تاللهِ لَولا اللهُ ما اهتَدَينا... ولا تَصَدَّقنا ولا صَلَّينا ونَحنُ عن فضلِكَ ما استَغنَينا... فثَبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا وأنزِلَنْ سَكينةً علينا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن هذا؟ قال: أنا عامِرٌ، قال: غَفَرَ لكَ رَبُّكَ، قال: وما استَغفَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لإنسانٍ يَخُصُّه إلَّا استُشهِدَ، قال: فنادى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وهو على جَمَلٍ له: يا نَبيَّ اللهِ، لَولا ما مَتَّعتَنا بعامِرٍ! قال: فلَمَّا قدِمنا خَيبَرَ، قال: خَرَجَ مَلِكُهم مَرحَبٌ يَخطِرُ بسَيفِه، ويقولُ: قد عَلِمَت خَيبَرُ أنِّي مَرحَبُ... شاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إذا الحُروبُ أقبَلَت تَلَهَّبُ، قال: وبَرَزَ له عَمِّي عامِرٌ، فقال: قد عَلِمَت خَيبَرُ أنِّي عامِرُ... شاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغامِرُ، قال: فاختَلَفا ضَربَتَينِ، فوقَعَ سَيفُ مَرحَبٍ في تُرسِ عامِرٍ، وذَهَبَ عامِرٌ يَسفُلُ له، فرَجَعَ سَيفُه على نَفسِه، فقَطَعَ أكحَلَه، فكانَت فيها نَفسُه. قال سَلَمةُ: فخَرَجتُ، فإذا نَفَرٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولونَ: بَطَلَ عَمَلُ عامِرٍ؛ قَتَلَ نَفسَه! قال: فأتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا أبكي، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بَطَلَ عَمَلُ عامِرٍ! قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن قال ذلك؟ قال: قُلتُ: ناسٌ مِن أصحابِكَ، قال: كَذَبَ مَن قال ذلك، بَل له أجرُه مَرَّتَينِ، ثُمَّ أرسَلَني إلى عَليٍّ وهو أرمَدُ، فقال: لأُعطيَنَّ الرَّايةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ ورَسولَه، أو يُحِبُّه اللهُ ورَسولُه، قال: فأتَيتُ عَليًّا، فجِئتُ به أقودُه وهو أرمَدُ، حتَّى أتَيتُ به رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَسَقَ في عَينَيه فبَرَأ وأعطاه الرَّايةَ، وخَرَجَ مَرحَبٌ، فقال: قد عَلِمَت خَيبَرُ أنِّي مَرحَبُ... شاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إذا الحُروبُ أقبَلَت تَلَهَّبُ فقال عَليٌّ: أنا الذي سَمَّتني أُمِّي حَيدَرَه... كَلَيثِ غاباتٍ كَريهِ المَنظَرَه أوفيهمُ بالصَّاعِ كَيلَ السَّندَرَه. قال: فضَرَبَ رَأسَ مَرحَبٍ فقَتَلَه، ثُمَّ كان الفَتحُ على يَدَيه
غزَوْنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فذكر الحديثَ وفيه قال فأردَفَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وراءَه على العضباءِ فأقبلتُ إلى المدينةِ فبينما نحن نسوق وكان رجلٌ من الأنصارِ لا يُسبقُ شدًّا فجعل يقول ألا من مُسابقٍ إلى المدينةِ هل من مُسابقٍ فجعل يقول ذلك مرارًا فلما سمعتُ كلامَه قلتُ له أما تُكرمُ كريمًا ولا تهابُ شريفًا قال لا إلا أن يكون رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال قلتُ يا رسولَ اللهِ بأبي أنت وأمي ائذنْ لي فلْأُسابقُ الرجلَ قال إن شئتَ قلتُ أذهبُ إليك فطفَر عن راحلتِه وثنَيتُ رِجلي فطفَرتُ عن الناقةِ ثم عدَوتُ شرفًا أو شرَفَينِ ثم إني ترفَّعتُ حتى لحِقتُه فاصطكَّه بين كتِفَيه فقلتُ سبقتُكَ واللهِ قال فضحك وقال إنْ وفي رواية أنا أظهرُ قال فسبقتُه إلى المدينةِ
جاءَ عَينٌ للمُشرِكينَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فلَمَّا طَعِمَ انسَلَّ، قال: فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: عليَّ الرَّجُلَ، اقتُلوا، قال: فابتَدَرَ القَومُ، قال: وكانَ أبي يَسبِقُ الفَرَسَ شَدًّا، قال: فسَبَقَهم إليه، قال: فأخَذَ بزِمامِ ناقَتِه أو بخِطامِها، قال: ثُمَّ قَتَلَه، قال: فنَفَّلَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَلَبَه
قدم الجارود بن عبد الله - وكان سيدا في قومه ، مطاعا عظيما في عشيرته : مطاع الأمر ، رفيع القدر ، عظيم الخطر ، ظاهر الأدب ، شامخ الحسب ، بديع الجمال ، حسن الفعال ، ذا منعة ومال - في وفد عبد القيس من ذوي الأخطار والأقدار ، والفضل والإحسان ، والفصاحة والبرهان ، كل رجل منهم كالنخلة السحوق ، على ناقة كالفحل الفنيق قد جنبوا الجياد ، وأعدوا للجلاد ، مجدين في سيرهم ، حازمين في أمرهم ، يسيرون ذميلا ، ويقطعون ميلا فميلا ، حتى أناخوا عند مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . فأقبل الجارود على قومه والمشايخ من بني عمه ، فقال : يا قوم ! هذا محمد الأغر ، سيد العرب ، وخير ولد عبد المطلب ، فإذا دخلتم عليه ، ووقفتم بين يديه ، فأحسنوا عليه السلام وأقلوا عنده الكلام . فقالوا : بأجمعهم : أيها الملك الهمام والأسد الضرغام ، لن نتكلم إذا حضرت ولن نجاوز إذا أمرت ، فقل ما شئت ، فإنا سامعون ، واعمل ما شئت ، فإنا تابعون . فنهض الجارود في كل كمي صنديد ، قد دوموا العمائم ، وتردوا بًالصمائم ، يجرون أسيافهم ويسحبون أذيالهم ، يتناشدون الأشعار ويتذاكرون مناقب الأخيار ، لا يتكلمون طويلا ، ولا يسكتون عيا : إن أمرهم ائتمروا ، وإن زجرهم ازدجروا ، كأنهم أسد غيل يقدمها ذو لبؤة مهول ، حتى مثلوا بين يدي النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فلما دخل القوم المسجد ، وأبصرهم أهل المشهد ، دلف الجارود أمام النبي ، صلى الله عليه وسلم وحسر لثامه وأحسن سلامه ، ثم أنشأ يقول : يا نبي الهدى أتتك رجال قطعت فدفدا وآلا فآلا ، وطوت نحوك الصحاصح طرا لا تخال الكلال فيك كلالا ، كل دهماء يقصر الطرف عنها أرقلتها قلاصنا إرقالا وطوتها الجياد تجمح فيها بكماة كأنجم تتلالا ، تبتغي دفع بأس يوم عبوس أوجل القلب ذكره ثم هالا ، فلما سمع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ذلك فرح فرحا شديدا ، وقربه وأدناه ، ورفع مجلسه وحبًاه ، وأكرمه ، وقال : يا جارود ، لقد تأخر بك وبقومك الموعد ، وطال بكم الأمد . قال : والله يا رسول اللهِ ، لقد أخطأ من أخطأك قصده ، وعدم رشده ، وتلك وأيم الله أكبر خيبة ، وأعظم حوبة ، والرائد لا يكذب أهله ، ولا يغش نفسه . لقد جئت بًالحق ، ونطقت بًالصدق ، والذي بعثك بًالحق نبيا واختارك للمؤمنين وليا ، لقد وجدت وصفك في الإنجيل ، ولقد بشر بك ابن البتول ، وطول التحية لك والشكر لمن أكرمك وأرسلك ، لا أثر بعد عين ، ولا شك بعد يقين . مد يدك ، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك محمد رسول اللهِ . قال : فآمن الجارود ، وآمن من قومه كل سيد ، وسر النبي صلى الله عليه وسلم بهم سرورا ، وابتهج حبورا ، وقال : يا جارود ! هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قسا ، ؟ قال : كلنا نعرفه يا رسول اللهِ ! وأنا من بين قومي كنت أقفو أثره وأطلب خبره : كان قس سبطا من أسبًاط العرب ، صحيح النسب ، فصيحا إذا خطب ، ذا شيبة حسنة . عمر سبعمائة سنة ، يتقفر القفار ، لا تكنه دار ، ولا يقره قرار ، يتحسى في تقفره بيض النعام ، ويأنس بًالوحش والهوام ، يلبس المسوح ويتبع السياح على منهاج المسيح ، لا يفتر من الرهبًانية ، مقر لله بًالوحدانية ، تضرب بحكمته الأمثال ، وتكشف به الأهوال ، وتتبعه الأبدال أدرك رأس الحواريين سمعان ! فهو أول من تأله من العرب وأعبد من تعبد في الحقب ، وأيقن بًالبعث والحساب ، وحذر سوء المنقلب والمآب ، ووعظ بذكر الموت ، وأمر بًالعمل قبل الفوت . الحسن الألفاظ ، الخاطب بسوق عكاظ العالم بشرق وغرب ، ويابس ورطب ، وأجاج وعذب . كأني أنظر إليه والعرب بين يديه ، يقسم بًالرب الذي هو له ليبلغن الكتاب أجله ، وليوفين كل عامل عمله . ثم أنشأ يقول : هاج للقلب من جواه ادكار وليال خلالهن نهار ، ونجوم يحثها قمر الليل وشمس في كل يوم تدار ، ضوؤها يطمس العيون ورعاد شديد في الخافقين مطار ، وغلام وأشمط ورضيع كلهم في التراب يوما يزار ، وقصور مشيدة حوت الخير وأخرى خلت فهن قفار ، وكثير مما يقصر عنه جوسة الناظر الذي لا يحار ، والذي قد ذكرت دل على الله نفوسا لها هدى واعتبًار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ، : على رسلك يا جارود ، فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل له أورق ، وهو يتكلم بكلام مونق ، ما أظن أني أحفظه ، فهل منكم يا معشر المهاجرين والأنصار من يحفظ لنا منه شيئا ؟ فوثب أبو بكر قائما ، وقال : يا رسول اللهِ ! إني أحفظه ، وكنت حاضرا ذلك اليوم بسوق عكاظ حين خطب فأطنب ، ورغب ورهب ، وحذر وأنذر ، فقال في خطبته : أيها الناس ، اسمعوا وعوا ، فإذا وعيتم فانتفعوا : إنه من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ماهو آت آت ، مطر ونبًات ، وأرزاق وأقوات ، وآبًاء وأمهات ، وأحياء وأموات ، جميع وأشتات ، وآيات بعد آيات . إن في السماء لخبرا ، وإن في الأرض لعبرا ، ليل داج ، وسماء ذات أبراج وأرض ذات رتاج ، وبحار ذات أمواج . مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون ؟ أرضوا بًالمقام فأقاموا ؟ أم تركوا هناك فناموا ؟ أقسم قس قسما حقا لا حانثا فيه ولا آثما : إن لله تعالى دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه ، ونبيا قد حان حينه ، وأظلكم أوانه ، وأدرككم إبًانه ، فطوبى لمن آمن به فهداه ، وويل لمن خالفه وعصاه ثم قال : تبًا لأربًاب الغفلة من الأمم الخالية ، والقرون الماضية . يا معشر إياد ! أين الآبًاء والأجداد ؟ وأين المريض والعواد ؟ وأين الفراعنة الشداد ؟ أين من بنى وشيد وزخرف ونجد وغره المال والولد ؟ ! أين من بغى وطغى ، وجمع فأوعى ، وقال : أنا ربكم الأعلى ؟ ! ألم يكونوا أكثر منكم أموالا ، وأبعد منكم آمالا ، وأطول منكم آجالا ؟ ! طحنهم الثرى بكلكله ، ومزقهم بتطاوله ، فتلك عظامهم بًالية ، وبيوتهم خالية ، عمرتها الذئاب العاوية ، كلا ، بل هو الله الواحد المعبود ، ليس بوالد ولا مولود ! ! ثم أنشأ يقول : في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر ، لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر ، ورأيت قومي نحوها يمضي الأصاغر والأكابر ، لا يرجع الماضي إلى ولا من البًاقين غابر ، أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر . ثم جلس فقام رجل من الأنصار بعده كأنه قطعة جبل ، ذو هامة عظيمة ، وقامة جسيمة ، قد دوم عمامته ، وأرخى ذؤابته ، منيف أنوف ، أحدق أجش الصوت ، فقال : يا سيد المرسلين وصفوة رب العالمين ، لقد رأيت من قس عجبًا ، وشهدت منه مرغبًا . فقال : وما الذي رأيته منه وحفظته عنه ؟ فقال : خرجت في الجاهلية أطلب بعيرا لي شرد مني كنت أقفو أثره وأطلب خبره ، في نتائف حقائف ، ذات دعادع وزعازع ، ليس بها للركب مقيل ، ولا لغير الجن سبيل ، وإذا أنا بموئل مهول في طود عظيم ليس به إلا البوم . وأدركني الليل فولجته مذعورا لا آمن فيه حتفي ، ولا أركن إلى غير سيفي . فبت بليل طويل كأنه بليل موصول ، أرقب الكوكب ، وأرمق الغيهب ، حتى إذا الليل عسعس ، وكاد الصبح أن يتنفس ، هتف بي هاتف يقول : يا أيها الراقد في الليل الأحم ، قد بعث الله نبيا في الحرم ، من هاشم أهل الوفاء والكرم ، يجلو دجنات الدياجي والبهم ، قال : فأدرت طرفي فما رأيت له شخصا ولا سمعت له فحصا ، فأنشأت أقول : يا أيها الهاتف في داجي الظلم أهلا وسهلا بك من طيف ألم ، بين هداك الله في لحن الكلم ، ماذا الذي تدعو إليه يغتنم ؟ قال : فإذا أنا بنحنحة ، وقائل يقول : ظهر النور ، وبطل الزور ، وبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بًالحبور ، صاحب النجيب الأحمر ، والتاج والمغفر ، ذو الوجه الأزهر ، والحاجب الأقمر ، والطرف الأحور ، صاحب قول شهادة : أن لا إله إلا الله ، فذلك محمد المبعوث إلى الأسود والأبيض ، أهل المدر والوبر . ثم أنشأ يقول : الحمد لله الذي لم يخلق الخلق عبث لم يخلنا حينا سدى من بعد عيسى واكترث أرسل فينا أحمدا خير نبي قد بعث صلى عليه الله ما حج له ركب وحث ، قال : فذهلت عن البعير واكتنفني السرور ، ولاح الصبًاح ، واتسع الإيضاح ، فتركت الموراء ، وأخذت الجبل ، فإذا أنا بًالفنيق يستنشق النوق ، فملكت خطامه ، وعلوت سنامه ، فمرج طاعة وهززته ساعة ، حتى إذا لغب وذل منه ما صعب ، وحميت الوسادة ، وبردت المزادة ، فإذا الزاد قد هش له الفؤاد ! تركته فترك ، وأذنت له فبرك ، في روضة خضرة نضرة عطرة ، ذات حوذان وقربًان وعنقران وعبيثران وجلى وأقاح وجثجاث وبرار وشقائق ونهار كأنما قد بًات الجو بها مطيرا ، وبًاكرها المزن بكورا ، فخلالها شجر ، وقرارها نهر ، فجعل يرتع أبًا ، وأصيد ضبًا ، حتى إذا أكلت وأكل ! ونهلت ونهل ، وعللت وعل - حللت عقاله ، وعلوت جلاله ، وأوسعت مجاله ، فاغتنم الحملة ومر كالنبلة ، يسبق الريح ، ويقطع عرض الفسيح ، حتى أشرف بي على واد وشجر ، من شجر عاد مورقة مونقة ، قد تهدل أغصانها كأنما بريرها حب فلفل ، فدنوت فإذا أنا بقس بن ساعدة في ظل شجرة بيده قضيب من أراك ينكت به الأرض وهو يترنم بشعر ، وهو : ياناعي الموت والملحود في جدث عليهم من بقايا بزهم خرق دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم فهم إذا أنبهوا من نومهم فرقوا ، حتى يعودوا لحال غير حالهم خلقا جديدا كما من قبله خلقوا ، منهم عراة ومنهم في ثيابهم
قدِم الجارودُ بنُ عبدِ اللهِ وكان سيِّدًا في قومِه مطاعًا عظيمًا في عشيرتِه مطاعَ الأمرِ رفيعَ القدرِ عظيمَ الخطرِ ظاهرَ الأدبِ شامخَ الحسبِ بديعَ الجمالِ حسنَ الفِعالِ ذا منْعةٍ ومالٍ في وفدِ عبدِ القيسِ من ذَوِي الأخطارِ والأقدارِ والفضلِ والإحسانِ والفصاحةِ والرُّهبانِ كان رجلٌ منهم كالنَّخلةِ السَّحوقِ على ناقةٍ كالفحلِ العتيقِ قد جنَبوا الجيادَ وأعدُّوا للجِلادِ مُجدِّين في مسيرِهم حازمين في أمرِهم يسيرون ذميلًا يقطعون ميلًا فميلًا حتَّى أناخوا عند مسجدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأقبل الجارودُ على قومِه والمشايخِ من بني عمِّه فقال يا قومِ هذا محمَّدٌ الأغرُّ سيِّدُ العربِ وخيرُ ولدِ عبدِ المطَّلبِ فإذا دخلتم عليه ووقفتم بين يدَيْه فأحسِنوا عنده السَّلامَ وأقلُّوا عنده الكلامَ فقالوا بأجمعِهم أيُّها الملكُ الهمامُ والأسدُ الضُّرغامُ لن نتكلَّمَ إذا حضرتَ ولن نُجاوزَ ما أمرتَ فقُلْ ما شئتَ فإنَّا سامعون اعمَلْ ما شئتَ فإنَّا تابعون وقال الصَّابونيُّ مُبايعون فنظر الجارودُ في كلِّ كَمِيٍّ صِنديدٍ قد دوَّموا العمائمَ وتزيُّوا بالصَّوارمِ يجرُّون أسيافَهم ويستحِبون أذيالَهم يتناشدون الأشعارَ ويتذاكرون مناقبَ الأخيارِ لا يتكلَّمون طويلًا ولا يسكُتون عِيًّا إن أمرهم ائتَمروا وإن زجرهم ازدجروا وقال الصَّابونيُّ انزجروا كأنَّهم أُسدٌ يقدُمُها ذو لبْدةٍ مهولٌ حتَّى مثُلوا بين يديِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلمَّا دخل القومُ المسجدَ وأبصرهم أهلُ المشهدِ دلَف الجارودُ أمامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحسَر لِثامَه وأحسن سلامَه ثمَّ أنشأ يقولُ يا نبيَّ الهدَى أتتك رجالٌ قطعت فدْفدًا وآلًا فآلًا وقال البيهقيُّ مهمهًا وطوت نحوَك الصَّحاصِحَ طُرًّا لا تخالُ الكِلالَ قبلُ كِلالًا كلُّ دهماءَ يقصُرُ الطَّرفُ عنها أرقَلتها قِلاصُنا إرقالًا وطوتها الجيادُ تُحمْحِمُ فيها بكُماةٍ كأنجُمٍ تتلالا تبتغي دفعَ بأسِ يومٍ عبوسٍ أوجَلِ القلبِ ذِكرُه ثمَّ هالا فلمَّا سمِع النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فرِح فرحًا شديدًا وقرَّبه وأدناه ورفع مجلسَه وحيَّاه وأكرمه وقال يا جارودُ لقد تأخَّر بك وبقومِك الموعِدُ وطال بكم الأمَدُ قال واللهِ يا رسولَ اللهِ لقد أخطأ من أخطأك قصدَه وعدِم رُشدَه وتلك أيمُ اللهِ أكبرُ خيبةٍ وأعظمُ حويَةٍ والرَّائدُ لا يكذبُ أهلَه ولا يغُشُّ نفسَه لقد جئتَ بالحقِّ ونطقتَ بالصِّدقِ والَّذي بعثك بالحقِّ نبيًّا واختارك للمؤمنين وليًّا لقد وجدتُ وصفَك في الإنجيلِ ولقد بشَّر بك ابنُ البتولِ فطوَّل التَّحيَّةَ لك والشُّكرَ لمن أكرمك وأرسلك لا أثرَ بعد عينٍ ولا شكَّ بعد يقينٍ مُدَّ يدَك فأنا أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّك محمَّدٌ رسولُ اللهِ قال فآمن الجارودُ وآمن من قومِه كلُّ سيِّدٍ فسُرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سرورًا وابتهج حُبورًا وقال يا جارودُ هل في جماعةِ وفدِ عبدِ القيسِ من يعرِفُ لنا قَسًّا قال كلُّنا نعرفُه يا رسولَ اللهِ وأنا من بين قومي كنتُ أقفو أثرَه وأطلب خبرَه كان قَسٌّ سبطًا من أسباطِ العربِ صحيحَ النَّسبِ فصيحًا إذا خطب ذا شيبةٍ حسنةٍ عُمِّر سبعَمائةِ سنةٍ يتقفَّرُ القِفارَ لا تُكِنُّه دارٌ ولا يُقرُّه قرارٌ يتحسَّى في تقفُّرِه بيضَ النَّعامِ ويأنسُ بالوحشِ والهوامِّ يلبسُ المُسوحَ ويتبَعُ السِّياحَ على منهاجِ المسيحِ لا يفتُرُ من الرَّهبانيَّةِ يُقرُّ للهِ تعالَى بالوحدانيَّةِ يُضرَبُ بحكمتِه الأمثالُ ويُكشفُ به الأهوالُ وتتبعه الأبدالُ أدرك رأسَ الحواريِّين سمعانَ فهو أوَّلُ من تألَّه من العربِ وأعبدُ من تعبَّد في الحِقَبِ وأيقَن بالبعثِ والحسابِ وحذَّر سوءَ المُنقَلَبِ والمآبِ ووعَظ بذِكرِ الموتِ وأمر بالعملِ قبل الفوْتِ الحسنِ الألفاظِ الخاطبِ بسوقِ عُكاظٍ العالمِ بشرقٍ وغربٍ ويابسٍ ورطْبٍ أُجاجٍ وعذبٍ كأنِّي أنظرُ إليه والعربُ بين يدَيْه يُقسِمُ بالرَّبِّ الَّذي هو له ليبلغنَّ الكتابُ أجلَه وليوفينَّ كلُّ عاملٍ عملَه وأنشأ يقولُ هاج للقلبِ من جَواه ادِّكار وليالٍ خلالَهنَّ نهارُ ونجومٌ يحُثُّها قمرُ اللَّيلِ وشمسٌ في كلِّ يومٍ تُدارُ ضوؤُها يطمِسُ العيونَ وإرعادٌ شديدٌ في الخافقَيْن مُطارُ وغلامٌ وأشمطُ ورضيعٌ كلُّهم في التُّرابِ يومًا يُزارُ وقصورٌ مشيدةٌ حوَت الخيرَ وأخرَى خلت لهنَّ قِفارُ وكثيرٌ ممَّا يقصُرُ عنه جوسةُ النَّاظرِ الَّذي لا يحارُ والَّذي قد ذكرتُ دلَّ على اللهِ نفوسًا لها هدًى واعتبارُ فقال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على رِسلِك يا جارودُ فلستُ أنساه بسوقِ عُكاظٍ على جملٍ له أورقَ وهو يتكلَّمُ بكلامٍ مُوثَّقٌ ما أظنُّ أنِّي أحفظُه فهل فيكم يا معشرَ المهاجرين والأنصارِ من يحفَظُ لنا منه شيئًا وقال الصَّابونيُّ يحفظُه فوثب أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضِي اللهُ تعالَى عنه قائمًا فقال يا رسولَ اللهِ إنِّي أحفظُه وكنتُ حاضرًا ذلك اليومَ بسوقِ عُكاظٍ حين خطب فأطنب ورغَّب ورهَّب وحذَّر وأنذَر وقال في خطبتِه أيُّها النَّاسُ اسمعوا وعُوا وإذا وعيتم فانتفعوا إنَّه من عاش مات ومن مات فات وكلُّ ما هو آتٍ آتٍ نباتٌ ومطرٌ وأرزاقٌ وأقواتٌ وآباءٌ وأمَّهاتٌ وأحياءٌ وأمواتٌ جميعٌ وأشتاتٌ وآياتٌ بعد آياتٍ إنَّ في السَّماءِ لخبرًا وإنَّ في الأرضِ لعِبرًا ليلٌ داجٍ وسماءٌ ذاتُ أبراجٍ وأرضٌ ذاتُ ارتياجٍ وبحارٌ ذاتُ أمواجٍ ما لي أرَى النَّاسَ يذهبون فلا يرجعون أرضوا بالمقامِ فأقاموا أم تُرِكوا هناك فناموا أُقسِمُ قسمًا حقًّا لا حانثًا فيه ولا آثمًا إنَّ للهِ دينًا هو أحبُّ إليه من دينِكم الَّذي أنتم عليه ونبيًّا قد حان حينُه وأظلَّكم زمانُه وأدرككم إبَّانُه فطوبَى لمن آمن به فهداه فويلٌ لمن خالفه وعصاه ثمَّ قال تبًّا لأربابِ الغفلةِ من الأممِ الخاليةِ والقرونِ الماضيةِ يا معشرَ إيادٍ من الأبِ والأجدادِ من المريضِ والعُوَّادِ وأين الفراعنةُ الشِّدادُ أين من بنا وشيَّد وزخرف وجدَّد وغرَّه المالُ والولَدُ أين من طغَى وبغَى وجمع فأوعَى وقال أنا ربُّكم الأعلَى ألم يكونوا أكثرَ منكم أموالًا وأبعدَ منكم آمالًا وأطولَ منكم آجالًا طحنهم الثَّرَى بكَلْكَلِه ومزَّقهم بتطاوُلِه فبلت عِظامَهم باليةٌ وبيوتُهم خاليةٌ وعمَرتها الذِّيابُ العاديةُ وقال أبو صالحٍ العاويةُ كلَّا بل هو اللهُ الواحدُ المعبودُ ليس بوالدٍ ولا مولودٍ ثمَّ أنشأ يقولُ في الذَّاهبين الأوَّلين من القرونِ لنا بصائرُ لمَّا رأيتُ مواردَ للموتِ ليس لها مصادرُ ورأيتُ قومي نحوَها تُمضِي الأصاغرَ الأكابرُ لا يرجعُ الماضي إليَّ ولا من الباقين غابرٌ أيقنتُ أنِّي لا محالةَ حيث يصيرُ القومُ صائرٌ قال فجلس ثمَّ قام رجلٌ زاد أبو عبدِ اللهِ من الأنصارِ بعده كأنَّه قطعةُ جبلٍ ثمَّ اتَّفقا فقالا ذو هامةٍ عظيمةٍ وقامةٍ جسيمةٍ قد دوَّم عِمامتَه وأرخَى ذؤابتَه منيفٌ أنوفٌ أشدقُ حسَنُ الصَّوتِ فقال يا سيِّدَ المرسلين وصفوةَ ربِّ العالمين لقد رأيتُ من قَسٍّ عجبَا وشهِدتُ منه مرغبًا فقال وما الَّذي رأيتَه منه وحفِظتَه عنه فقال خرجتُ في الجاهليَّةِ أطلُبُ بعيرًا لي شرد منِّي أقفو أثرَه وأطلُبُ خبرَه في تنائِفَ وقال الصَّابونيُّ وإسماعيلُ في فيافي وقالا حقائفَ ذاتِ دعادعَ وزعازعَ وليس بها الرَّكبُ وقال إسماعيلُ ليس للرَّكبِ فيها مقيلٌ ولا لغيرِ الجنِّ سبيلٌ وإذا بموئلٍ مهولٍ في طودٍ عظيمٍ ليس به إلَّا البُومُ وأدركني اللَّيلُ فولجتُه مذعورًا لا آمنُ فيه حتفي ولا أركنُ إلى غيرِ سيفي فبِتُّ بليلٍ طويلٍ كأنَّه بليلٍ موصولٍ أرقبُ الكوكبَ وأرمُقُ الغيْهبَ حتَّى إذا عسعس اللَّيلُ وكان الصُّبحُ أن يتنفَّسَ هتَف بي هاتفٌ يقولُ : يا أيُّها الراقدُ في اللَّيلِ الأحمْ قد بعث اللهُ نبيًّا في الحرمْ من هاشمٍ أهلِ الوفاءِ والكرمْ يجلو دجِناتِ الدَّياجي والبُهُمْ قال فأدرتُ طرفي فما رأيتُ له شخصًا ولا سمِعتُ له فَحْصًا فأنشأتُ أقولُ : يا أيُّها الهاتفُ في داجي الظُّلَمْ أهلًا وسهلًا بك من طيْفٍ ألمّ بيِّنْ هداك اللهُ في لحنِ الكَلِمْ ماذا الَّذي تدعو إليه يُغتنَمْ قال فإذا أنا بنحنحةٍ وقائلٍ يقولُ ظهر النُّورُ وبطُل الزُّورُ وبعث اللهُ تبارك وتعالَى محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالخيرِ صاحبِ النَّجيبِ الأحمرِ والتَّاجِ والمِغفرِ والوجهِ الأزهرِ والحاجبِ الأقمرِ والطَّرْفِ الأحوَرِ صاحبِ قولِ شهادةِ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ فذلك محمَّدٌ المبعوثُ إلى الأسوَدِ والأبيضِ أهلِ المدَرِ والوبَرِ ثمَّ أنشأ يقولُ : الحمدُ للهِ الَّذي لم يخلُقْ الخلقَ عبثْ لم يُخلِنا حينًا سُدًى من بعد عيسَى واكترثْ أرسل فينا محمَّدًا خيرَ نبيٍّ قد بُعِث صلَّى عليه اللهُ ما حجَّ له ركْبٌّ وحَثْ قال فذُهِلتُ عن البعيرِ وألبسني السُّرورُ ولاح الصَّباحُ واتَّسع الإيضاحُ فتركتُ الموْرَ وأخذتُ الجبلَ فإذا أنا بالعتيقِ يُشقشِقُ إلى النُّوقِ فأخذتُ بخطامِه وعلوتُ سِنامَه فمرح طاعةً وهززتُه ساعةً حتَّى إذا لغَب وذلَّ منه ما صعُب وحَمِيت الوسادةُ وبرَدت المزادةُ فإذا الزَّادُ قد هشَّ له الفؤادُ برَّكتُه فبرِك وأذِنتُ له فترك في روضةٍ خضِرةٍ نضِرةٍ عطِرةٍ ذاتِ حوذانٍ وقُربانٍ وعُنقرانٍ وعَبَيْثرانِ زاد إسماعيلُ نعنعٌ وشيحٌ وقالا وحَلْيٌ وأقاحٌ وجثْجاثٌ وبِرارٌ وشقائقُ وبُهارٌ كأنَّما قد مات الجوُّ بها مطيرًا أو باكرها المُزنُ بُكورًا فخلا لها شجرٌ وقرارُها نهرٌ فجعل يرتعُ أبًّا وأصِيدُ ضبًّا حتَّى إذا أكل وأكلتُ ونهلتُ ونهل وعلَلتُ وعلَّ وحَللتُ عَقالَه وعلوتُ جلالَه وأوسعتُ مجالَه فاغتنم الحملةَ ومرَّ كالنَّبلةِ يسبِقُ الرِّيحَ ويقطعُ عرضَ الفسيحِ حتَّى أشرف بي على وادٍ وشجرٍ من شجرِ عادٍ مُورِقةٌ مُونِقةٌ قد تهدَّل أغصانُها كأنَّها بريرُها حبُّ فُلفُلٍ فدنوْتُ فإذا أنا بقَسِّ بنِ ساعدةَ في ظلِّ شجرةٍ بيدِه قضيبٌ من أراكٍ ينكُتُ به الأرضَ وهو يترنَّمُ ويُشعِرُ زاد البيهقيُّ وأبو صالحٍ وهو يقولُ يا ناعيَ الموتِ والملْحودَ في جدَثٍ علِّمْهم من بقايا بَزِّهم خرَقُ دَعْهم فإنَّ لهم يومًا يُصاحُ لهم فهم إذا انتبهوا من يومِهم فِرَقُ حتَّى يعودوا بحالٍ غيرِ حالِهم خلقًا جديدًا كما من قبلِه خُلِقوا منهم عراةٌ ومنهم في ثيابِهم منها الجديدُ ومنها المنهجُ الخَلِقُ ، قال فدنوْتُ منه فسلَّمتُ عليه فردَّ عليَّ السَّلامَ وإذا أنا بعينِ خرَّارةٍ في الأرضِ خوَّارةٍ ومسجدٍ بين قبرَيْن وأسدَيْن عظيمَيْن يلوذان به ويتمسَّحان بأبوابِه وإذا أحدُهما سبق الآخرَ إلى الماءِ فتبِعه الآخرُ يطلبُ الماءَ فضربه بالقضيبِ الَّذي في يدِه وقال ارجَعْ ثكِلتك أمُّك حتَّى يشربَ الَّذي ورد قبلك على الماءِ قال فرجع ثمَّ ورد بعده فقلتُ له ما هذان القبران فقال هذان قبرا أخوَيْن لي كانا يعبدان اللهَ تبارك وتعالَى في هذا المكانِ لا يُشرِكان باللهِ تبارك وتعالَى شيئًا فأدركهما الموتُ فقبرتُهما وها أنا بين قبرَيْهما حقٌّ ألحقُ بهما ثمَّ نظر إليهما فتغرغرت عيناه بالدُّموعِ وانكبَّ عليهما وجعل يقولُ : ألم تريا أنِّي بسَمْعان مُفرَدُ وما لي فيها من خليلٍ سواكما خليليَّ هُبَّا طال ما قد رقدتما أجدُكما لا تقضيان كراكما ألم تريا أنِّي بشَمعانَ مُفرَدُ وما لي فيها من خليلٍ سواكما مقيمٌ على قبرَيْكما لستُ بارحًا طُوالَ اللَّيالي أو يُجيبُ صداكما أبكيكُما طُولَ الحياةِ وما الَّذي يردُّ على ذي عولةٍ إن بكاكما كأنَّكما والموتَ أقربُ غائبٍ بروحي في قبرَيْكما قد أتاكما أمن طُولِ نومٍ لا تُجيبان داعيًا كأنَّ الَّذي يَسقي العقارَ سقاكما فلو جُعِلت نفسٌ لنفسٍ وِقايةً لجُدتُ بنفسي أن تكونَ فِداكما فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رحِمُ اللهُ قَسًّا إنِّي أرجو أن يبعثَه اللهُ عزَّ وجلَّ أمَّةً وحدَه
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(42)
شهادة أن لا إله إلا اللهالجارود بن عبد اللهسهم الفارس والراجلاصطكه بين كتفيهلا إله إلا اللهسلمة بن الأكوععامر بن الأكوعيسبق الفرس شدامحمد رسول اللهأبو بكر الصديقشجرة الحديبيةوفد عبد القيسبيعة الرضوانألا من مسابقعين للمشركينلا يسبق شداسبقتك واللهقس بن ساعدةزمام ناقتهغزوة خيبرعلي الرجلبعث النبيأنا أظهرسوق عكاظأمة وحدهالعضباءأبو بكرخطبة قسذو قرداقتلواخطامهاالحسابالصلحالنبيالرضعالموتالبعثخيبرﷺ...مرحبسلبهنفله
تخريج حديث لا يسبق شدا
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








