كان الصَّحابةُ الكِرامُ رضِيَ
اللهُ عنهم يَسمَعونَ الحَديثَ والسُّنَّةَ مِن النَّبيِّ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ ويَحفَظونَها، ثمَّ يُؤَدُّونها إلى مَن بعْدَهم مِن التَّابِعينَ معَ التَّحرُّزِ في الرِّوايةِ، وتَحرِّي الصِّدقِ في الألفاظِ والمَعاني، ولكنْ لمَّا اتَّسعَتِ الفُتوحاتُ بعْدَ مَوتِ رَسولِ
اللهِ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ، ودخَلَ كَثيرٌ مِن النَّاسِ في الدِّينِ؛ كان لا بُدَّ للخُلفاءِ أنْ يُنظِّموا الرِّاويةَ حتَّى لا تُحمَلَ على غَيرِ مَعانيها، فيَقتصِرَ الأمرُ على العُلماءِ، فيُحدِّثوا مَن يَفْهَمونَ فحَسْبُ.
وفي هذا الأثَرِ يَرْوي السَّائبُ بنُ يَزيدَ رَضيَ
اللهُ عنه أنَّه سَمِع عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رَضيَ
اللهُ عنه -خَليفةَ المُسلِمينَ آنَذاكَ- وهو يَنْهى أبا هُرَيْرةَ رَضيَ
اللهُ عنه عن كَثْرةِ التَّحديثِ عن رَسولِ
اللهِ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ، وإلَّا نَفاهُ إلى أرضِ دَوْسٍ، وتقَعُ جَنوبَ الجَزيرةِ العَربيَّةِ، ودَوْسٌ: هو اسمُ القَبيلةِ الَّتي أتى منها أبو هُرَيْرةَ رَضيَ
اللهُ عنه، وكان أبو هُرَيْرةَ رَضيَ
اللهُ عنه مِن الصَّحابةِ المُكْثِرين مِن الحَديثِ عن رسولِ
اللهِ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان يَفعَلُه خُروجًا مِن إثْمِ كِتْمانِ العِلمِ، وقدْ ألْجأَهُ ذلك إلى أنْ يُكثِرَ مِن رِوايةِ الحَديثِ في كلِّ بابٍ، فكان في المَجلِسِ الواحِدِ يَسرُدُ الكَثيرَ مِن أحاديثِ النَّبيِّ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ، ولكنَّ عُمَرَ رَضيَ
اللهُ عنه كان مِن رَأيِه أنْ يَشتَغِلَ النَّاسُ أوَّلًا ب
القُرآنِ، وأنْ يُقِلُّوا مِن رِوايةِ الأحاديثِ الَّتي لا تتَّصِلُ بالأحْكامِ، وألَّا يَرْويَ للنَّاسِ أحاديثَ الرُّخَصِ مَثلًا؛ لئَلَّا يتَّكِلوا عليها، ولا الأحاديثَ المُشكِلةَ الَّتي تَعْلو على أفْهامِهم، وتُشكِلُ عليهم؛ حتَّى لا تكونَ لهم فِتنةً، وأنْ يُقِلُّوا الرِّوايةَ عن رسولِ
اللهِ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ خَشْيةَ الكَذِبِ عليه أو الخَطأِ، ولئَلَّا يكونَ ذَريعةً إلى أنْ يَنسُبَ إليه المُنافِقونَ ما يَشتَهُونَ.
وقدْ كان أبو هُرَيْرةَ مِن الصِّدقِ، والحِفظِ، والدِّيانةِ، والعِبادةِ، والزَّهادةِ، والعَملِ الصَّالِحِ على جانبٍ عَظيمٍ، وله في ذلك أخبارٌ كَثيرةٌ، استَعمَلَه عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ
اللهُ عنه على البَحرَينِ، وكان مَرْوانُ بنُ الحَكَمِ يَستَخلِفُه على إمارةِ المَدينةِ في خِلافةِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ رَضيَ
اللهُ عنه.
ثمَّ أخبَرَ السَّائبُ بنُ يَزيدَ رَضيَ
اللهُ عنه أنَّ عُمَرَ رَضيَ
اللهُ عنه نَهى أيضًا كَعبَ الأحْبارِ عن كَثرةِ الرِّوايةِ، وإلَّا نَفاهُ إلى أرضِ قَرْدةَ، وهي ماءٌ مِن مِياهِ نَجدٍ، مِنطقةٌ على طَريقِ العِراقِ، ولُقِّبَ بكَعبِ الأحْبارِ؛ لعِلْمِه بالتَّوراةِ، وكان يَهوديًّا ثمَّ أسلَمَ، وقدِمَ المَدينةَ منَ اليمَنِ في أيَّامِ عُمَرَ رَضيَ
اللهُ عنه، فكان يُحدِّثُهم عنِ الكتُبِ الإسرائيليَّةِ، ويَحفَظُ العَجائبَ، ويَأخُذُ السُّنَنَ عنِ الصَّحابةِ، وكان حسَنَ الإسْلامِ؛ فالاختِلافُ بيْن عُمَرَ وأبي هُرَيْرةَ رَضيَ
اللهُ عنه ومَن يُشبِهُه منَ الصَّحابةِ المُكْثرينَ في الرِّوايةِ ليس مَنشؤُه الاتهامَ بالكَذِبِ، وإنَّما هو مِن بابِ المذاكرة والمُدارسةِ والاحتياطِ لحَديثِ رسولِ
اللهِ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ بأوثقِ الطُّرُقِ، ومن باب الاختلافِ السَّائِغِفي طَريقةِ التَّعْليمِ والإفادةِ، وما هو أنسَبُ لعامَّةِ النَّاسِ وطرُقِ مَعايِشِهم.
شكرا ( الموسوعة الحديثية API - الدرر السنية ) & ( موقع حديث شريف - أحاديث الرسول ﷺ ) نفع الله بكم