أحاديث عن: عيسى كلمته وروحه
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: عيسى كلمته وروحه
لمَّا نزَلْنا أرضَ الحَبَشةِ جاوَرْنا بها خَيرَ جارٍ، النَّجاشيَّ، أمِنَّا على دِينِنا، وعَبَدْنا اللهَ لا نُؤْذى، ولا نَسمَعُ شَيئًا نَكرَهُه، فلمَّا بلَغَ ذلك قُرَيشًا ائْتَمَروا أنْ يَبعَثوا إلى النَّجاشيِّ فينا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ وأنْ يُهدوا النَّجاشيَّ هدايا ممَّا يُستَطرَفُ مِن مَتاعِ مكةَ، وكان مِن أعجَبِ ما يأتيهِ منها إليه الأدَمُ، فجَمَعوا له أدَمًا كَثيرًا، ولم يَترُكوا مِن بَطارِقَتهِ بِطريقًا إلا أهدَوْا له هَديَّةً، ثم بَعَثوا بذلك مع عَبدِ اللهِ بنِ رَبيعةَ بنِ المُغيرةِ المَخزوميِّ وعَمرِو بنِ العاصِ بنِ وائلٍ السَّهْميِّ، وأمَّروهما أمْرَهم، وقالوا لهما: ادفَعوا إلى كُلِّ بِطريقٍ هَديَّتَه قَبلَ أنْ تُكَلِّموا النَّجاشيَّ فيهم، ثم قَدِّموا لِلنَّجاشيِّ هداياه، ثم سَلوهُ أنْ يُسَلِّمَهم إليكم قَبلَ أنْ يُكَلِّمَهم. قالت: فخرَجا، فقَدِما على النَّجاشيِّ ونحن عِندَه بخَيرِ دارٍ، وعِندَ خَيرِ جارٍ، فلم يَبقَ مِن بَطارِقَتِه بِطريقٌ إلا دفَعا إليه هَديَّتَه قَبلَ أنْ يُكَلِّما النَّجاشيَّ، ثم قالا لِكُلِّ بِطريقٍ منهم: إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِ المَلِكِ مِنَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ فارَقوا دِينَ قَومِهم، ولم يَدخُلوا في دِينِكم، وجاؤوا بدِينٍ مُبتَدَعٍ لا نَعرِفُه نحن ولا أنتم، وقد بعَثَنا إلى المَلِكِ فيهم أشرافُ قَومِهم؛ لِيَرُدَّهم إليهم، فإذا كَلَّمْنا المَلِكَ فيهم فتُشيروا عليه بأنْ يُسَلِّمَهم إلينا، ولا يُكَلِّمَهم؛ فإنَّ قَوْمَهم أعلى بهم عَيْنًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نَعَمْ. ثم إنَّهما قَرَّبا هَداياهم إلى النَّجاشيِّ، فقَبِلَها منهما، ثم كَلَّماهُ، فقالا له: أيُّها المَلِكُ، إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِكَ مِنَّا غِلمانٌ سُفهاءُ، فارَقوا دِينَ قَومِهم، ولم يَدخُلوا في دِينِكَ، وجاؤوا بدِينٍ مُبتَدَعٍ، لا نَعرِفُه نحن ولا أنتَ، وقد بعَثَنا إليكَ فيهم أشرافُ قَومِهم مِن آبائِهم وأعمامِهم وعَشائِرِهم؛ لِتَرُدَّهم إليهم؛ فهم أعلى بهم عَيْنًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يَكُنْ شَيءٌ أبغَضَ إلى عَبدِ اللهِ بنِ أبي رَبيعةَ وعَمرِو بنِ العاصِ مِن أنْ يَسمَعَ النَّجاشيُّ كَلامَهم. فقالت بَطارِقَتُه حَولَه: صَدَقوا أيُّها المَلِكُ، قَومُهم أعلى بهم عَيْنًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم؛ فأسْلِمْهم إليهما، فليَرُدَّاهم إلى بِلادِهم وقَومِهم. قال: فغَضِبَ النَّجاشيُّ، ثم قال: لا ها اللهِ ايْمُ اللهِ إذَنْ لا أُسَلِّمُهم إليهما، ولا أكادُ قَومًا جاوَروني، ونَزَلوا بِلادي واختَاروني على مَن سِوايَ حتى أدعُوَهم فأسألَهم ما يَقولُ هذان في أمْرِهم، فإنْ كانوا كما يَقولانِ أسلَمْتُهم إليهما، ورَدَدتُهم إلى قَومِهم، وإنْ كانوا على غَيرِ ذلك مَنَعتُهم منهما، وأحسَنتُ جِوارَهم ما جاوَروني. قالت: ثم أرسَلَ إلى أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فدَعاهم، فلمَّا جاءَهم رَسولُهُ اجتَمَعوا، ثم قال بَعضُهم لِبَعضٍ: ما تَقولونَ لِلرَّجُلِ إذا جِئتُموهُ. قالوا: نَقولُ واللهِ ما عَلِمْنا وما أمَرَنا به نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كائنٌ في ذلك ما هو كائنٌ. فلمَّا جاؤُوهُ وقد دعا النَّجاشيُّ أساقِفَتَه فنَشَروا مَصاحِفَهم حَولَه، سألَهم، فقال: ما هذا الدِّينُ الذي فارَقتُم فيه قَومَكم، ولم تَدخُلوا في دِيني ولا في دِينِ أحَدٍ مِن هذه الأُمَمِ؟ قالت: فكان الذي كَلَّمَه جَعفَرُ بنُ أبي طالِبٍ، فقال له: أيُّها المَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أهلَ جاهِليَّةٍ، نَعبُدُ الأصنامَ، ونأكُلُ المَيْتةَ، ونأتي الفَواحِشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يأكُلُ القَويُّ مِنَّا الضَّعيفَ، فكُنَّا على ذلك حتى بعَثَ اللهُ إلينا رَسولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَه وصِدقَهُ وأمانَتَه وعَفافَهُ، فدَعانا إلى اللهِ لِنُوَحِّدَه، ونَعبُدَه، ونَخلَعَ ما كُنَّا نَعبُدُ نحن وآباؤنا مِن دُونِه مِنَ الحِجارةِ والأوثانِ، وأمَرَنا بصِدقِ الحَديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصِلةِ الرَّحِمِ، وحُسْنِ الجِوارِ، والكَفِّ عنِ المَحارِمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفَواحِشِ، وقَولِ الزُّورِ، وأكْلِ مالِ اليَتيمِ، وقَذْفِ المُحصَنةِ، وأمَرَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ وَحْدَه ولا نُشرِكَ به شَيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ. قالت: فعَدَّدَ عليه أُمورَ الإسلامِ، فصَدَّقْناهُ، وآمَنَّا به، واتَّبَعْناهُ على ما جاءَ به، فعَبَدْنا اللهَ وَحْدَه فلم نُشرِكْ به شَيئًا، وحَرَّمْنا ما حَرَّمَ علينا، وأحلَلْنا ما أحَلَّ لنا، فعدا علينا قَوْمُنا، فعَذَّبونا، وفَتَنونا عن دِينِنا؛ لِيَرُدُّونا إلى عِبادةِ الأوثانِ مِن عِبادةِ اللهِ، وأنْ نَستَحِلَّ ما كُنَّا نَستَحِلُّ مِنَ الخَبائِثِ، فلمَّا قَهَرونا، وظَلَمونا، وشَقُّوا علينا، وحالوا بَينَنا وبَينَ دِينِنا، خرَجْنا إلى بَلَدِكَ واختَرْناكَ على مَن سِواكَ، ورَغِبْنا في جِوارِكَ، ورَجَوْنا ألَّا نُظلَمَ عِندَكَ أيُّها المَلِكُ. قالت: فقال له النَّجاشيُّ: هل معكَ ممَّا جاءَ به عنِ اللهِ مِن شَيءٍ؟ قالت: فقال له جَعفَرٌ: نَعَمْ. فقال له النَّجاشيُّ: فاقْرَأْه علَيَّ. فقَرَأَ عليه صَدْرًا مِن {كهيعص}، قالت: فبَكى واللهِ النَّجاشيُّ حتى أخْضَلَ لِحيَتَه، وبَكَتْ أساقِفَتُه حتى أخْضَلوا مَصاحِفَهم حين سَمِعوا ما تَلا عليهم، ثم قال النَّجاشيُّ: إنَّ هذا واللهِ والذي جاءَ به موسى لَيَخرُجُ مِن مِشكاةٍ واحِدةٍ، انطَلِقا فواللهِ لا أُسْلِمُهم إليكم أبَدًا، ولا أُكادُ. قالت أُمُّ سَلَمةَ: فلمَّا خرَجا مِن عِندِه قال عَمرُو بنُ العاصِ: واللهِ لَأُنَبِّئَنَّه غَدًا عَيْبَهم عِندَه، ثم أستأصِلُ به خَضراءَهم. قالت: فقال له عَبدُ اللهِ بنُ أبي رَبيعةَ، وكان أتْقى الرَّجُلَيْنِ فينا: لا تَفعَلْ؛ فإنَّ لهم أرحامًا وإنْ كانوا قد خالَفونا. قال: واللهِ لَأُخبِرَنَّه أنَّهم يَزعُمونَ أنَّ عيسى ابنَ مَريَمَ عَبدٌ. قالت: ثم غَدا عليه الغَدَ، فقال له: أيُّها المَلِكُ، إنَّهم يَقولونَ في عيسى ابنِ مَريمَ قَولًا عَظيمًا، فأرْسِلْ إليهم فاسألْهم عمَّا يَقولونَ فيه. قالت: فأرسَلَ إليهم يَسألُهم عنه، قالت: ولم يَنزِلْ بنا مِثلُها، فاجتَمَعَ القَومُ، فقال بَعضُهم لِبَعضٍ: ماذا تَقولونَ في عيسى إذا سألَكم عنه؟ قالوا: نَقولُ واللهِ فيه ما قال اللهُ، وما جاء به نَبيُّنا، كائِنًا في ذلك ما هو كائِنٌ. فلمَّا دَخَلوا عليه قال لهم: ما تَقولونَ في عيسى ابنِ مَريمَ؟ فقال له جَعفَرُ بنُ أبي طالِبٍ: نَقولُ فيه الذي جاء به نَبيُّنا؛ هو عَبدُ اللهِ، ورَسولُهُ، ورُوحُه، وكَلِمَتُه ألْقاها إلى مَريمَ العَذراءِ البَتولِ. قالت: فضرَبَ النَّجاشيُّ يَدَهُ إلى الأرضِ، فأخَذَ منها عُودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابنُ مَريمَ ما قُلتَ هذا العُودَ. فتَناخَرَتْ بَطارِقَتُه حَولَه حين قال ما قال، فقال: وإنْ نَخَرتُم واللهِ، اذهَبوا فأنتُم سُيُومٌ بأرضي -والسُّيُومُ: الآمِنونَ-، مَن سَبَّكم غُرِّمَ، ثم مَن سَبَّكم غُرِّمَ، فما أُحِبُّ أنَّ لي دَبْرًا ذَهَبًا وأنِّي آذَيتُ رَجُلًا مِنكم -والدَّبْرُ بلِسانِ الحَبَشةِ: الجَبَلُ-، رُدُّوا عليهما هداياهما؛ فلا حاجةَ لنا بها، فواللهِ ما أخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشوةَ حين رَدَّ علَيَّ مُلْكي فآخُذَ الرِّشوةَ فيه، وما أطاعَ الناسَ فيَّ فأُطيعَهم فيه. قالت: فخرَجا مِن عِندِه مَقبوحَينِ مَردودًا عليهما ما جاءا به، وأقَمْنا عِندَه بخَيرِ دارٍ، مع خَيرِ جارٍ. قالت: فواللهِ إنَّا على ذلك إذْ نَزَلَ به -يعني: مَن يُنازِعُه في مُلكِهِ- قالت: فواللهِ ما علِمْنا حُزْنًا قَطُّ كان أشَدَّ مِن حُزْنٍ حَزِنَّاه عِندَ ذلك؛ تَخَوُّفًا أنْ يَظهَرَ ذلك على النَّجاشيِّ، فيَأتيَ رَجُلٌ لا يَعرِفُ مِن حَقِّنا ما كان النَّجاشيُّ يَعرِفُ منه، قالت: وسارَ النَّجاشيُّ وبَينَهما عُرضُ النِّيلِ. قالت: فقال أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن رَجُلٌ يَخرُجُ حتى يَحضُرَ وَقعةَ القَومِ، ثم يأتينا بالخَبَرِ؟ قالت: فقال الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ: أنا. قالت: وكان مِن أحدَثِ القَومِ سِنًّا، قالت: فنَفَخوا له قِربةً، فجَعَلَها في صَدرِهِ، ثم سبَحَ عليها حتى خرَجَ إلى ناحيةِ النِّيلِ التي بها مُلتَقى القَومِ، ثم انطَلَقَ حتى حضَرَهم، قالت: ودَعَوْنا اللهَ لِلنَّجاشيِّ بالظُّهورِ على عَدوِّه والتَّمكينِ له في بِلادِهِ، واستَوسَقَ عليه أمْرُ الحَبَشةِ، فكُنَّا عِندَه في خَيرِ مَنزِلٍ، حتى قَدِمْنا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو بمَكةَ
لمَّا نزلنا أرضَ الحبشةِ جاورَنا بها خيرَ جارٍ النجاشيَّ أَمِنَّا على دِينِنَا وعَبَدْنَا اللهَ وحْدَهُ لا نُؤْذَى ولَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ فَلمَّا بَلَغَ ذلك قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا أنْ يَبْعَثُوا إلى النجاشِيِّ فينا رجلَيْنِ جَلْدَيْنِ وأنْ يَهْدُوا لِلنَّجاشِيِّ هدَايا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ من مَتاعِ مَكَّةَ وكَانَ أَعْجَبَ ما يَأْتِيهِ منهَا الأَدَمُ فجَمَعُوا لَهُ أُدُمًا كَثِيرًا ولَمْ يَتْرُكُوا من بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إلَّا أهدوا لهُ هديَّةً وبعَثُوا بِذَلِكَ مع عَبْدِ اللهِ بنِ أبي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ - وعَمْرِو بنِ العَاصِ بنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ وأَمَّرُوهُمَا أَمْرَهُمْ وقَالُوا لَهُمَا ادْفَعُوا إلى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قبل أنْ تُكَلِّمُوا النَّجاشيَّ فيهمْ ثمَّ قَدِّمُوا لِلنجاشِيِّ هداياهُ ثمَّ اسْأَلُوهُ أنْ يُسَلِّمَهُمْ إليكُمْ قبلَ أنْ يُكَلِّمَهُمْ قالتْ فخرجا فقدِمَا على النَّجَاشِيِّ ونحن عِنْدَهُ بِخَيْرِ دارٍ وخَيْرِ جارٍ فلمْ يَبْقَ من بَطَارِقَتِهِ بطريقٍ إلَّا دَفَعَا إليه هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ ثمَّ قالا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ إنَّه قَدْ ضَوَى إلى بلدِ المَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ ولَمْ يَدْخُلُوا في دِينِكُمْ وجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لا نَعْرِفُهُ نَحْنُ ولَا أَنْتُمْ وقَدْ بَعَثَنَا إلى المَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِيَرُدَّهُمْ إليهمْ فإذا كَلَّمْنَا المَلِكَ فِيهِمْ فَأَشِيرُوا عليْه أنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْنَا ولَا يُكَلِّمَهُمْ فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بهم عَيْنًا وأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُمَا نَعَمْ ثمَّ قَرَّبُوا هَدَاياهُمْ إلى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ ثمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالَا لَهُ أَيُّهَا المَلِكُ قَدْ صَبا إلى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ ولَمْ يَدْخُلُوا في دِينِكَ وجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لا نَعْرِفُهُ نَحْنُ ولَا أَنْتَ وقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ من آبائِهِمْ وأَبْنَائِهِمْ وعَشَائِرِهِمْ ; لِنَرُدَّهُمْ إليهمْ فَلَهُمْ أَعْلَى بهم عَيْنًا وأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وعَاتَبُوهُمْ فِيهِ ولَمْ يَكُنْ شيءٌ أَبْغَضُ إلى عَبْدِ اللهِ بنِ أبي رَبِيعَةَ وعَمْرِو بنِ العَاصِ من أنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلَامَهُمْ فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ صَدَقُوا أَيُّهَا المَلِكُ قَوْمُهُمْ أَعْلَى بهم عَيْبًا وأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَأَسْلِمْهُمْ إليهمْ فَلْيَرُدَّاهُمْ إلى بِلَادِهِمْ وقَوْمِهِمْ فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ وقَالَ لا هَا اللهِ ايْمُ اللهِ إِذًا لا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْهِمَا ولَا أَكَادُ قَوْمًا جَاوَرُونِي ونَزَلُوا بِلَادِي واخْتارُونِي على مَنْ سِوَايَ حتى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ عَمَّا يقولُ هَذَانِ في أَمْرِهِمْ فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا ورَدَدْتُهُمْ إلى قَوْمِهِمْ وإِنْ كَانُوا على غيرِ ذلك مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا وأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ ما جَاوَرُونِي قالتْ ثمَّ أَرْسَلَ إلى أَصْحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَدَعَاهُمْ فَلمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا فقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ما تَقُولُونَ في الرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا نَقُولُ واللهِ ما عَلَّمَنَا ومَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَائِنٌ في ذلك ما هو كَائِنٌ فَلمَّا جَاءُوهُ وقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ فقال ما هذا الدِّينُ الذي قَدْ فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ ولَمْ تَدْخُلُوا في دِينِي ولَا في دِينِ أَحَدٍ من هذه الأُمَمِ؟ قالتْ وكَانَ الذي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بنُ أبي طَالِبٍ - عليْه السَّلَامُ - قال أَيُّهَا المَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ ونَأْكُلُ المَيْتَةَ ونَأْتِي الفَوَاحِشَ ونَقْطَعُ الأَرْحامَ ونُسِيءُ الجِوَارَ ويَأْكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا على ذلك حتى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأَمَانَتَهُ وعَفَافَهُ فَدَعَانَا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ; لِنُوَحِّدَهُ ونَعْبُدَهُ ونَخْلَعَ ما كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وآباؤُنَا من دُونِ اللهِ من الحِجَارَةِ والْأَوْثَانِ وأَمَرَنَا بِصِدْقِ الحَدِيثِ وأَدَاءِ الأَمَانَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وحُسْنِ الجِوَارِ والْكَفِّ عَنِ المَحارِمِ والدِّمَاءِ ونَهَانَا عَنِ الفَوَاحِشِ وشَهَادَةِ الزُّورِ وأَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ وقَذْفِ المُحْصَنَةِ وأَمَرَنَا أنْ نَعْبُدَ اللهَ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وإِقَامَ الصَّلَاةِ وإِيتاءَ الزَّكَاةِ - قالتْ فَعَدَّدَ عليْه أُمُورَ الإِسْلَامِ - فَصَدَّقْنَاهُ وآمَنَّا بِهِ واتَّبَعْنَاهُ على ما جَاءَ بِهِ فَعَبَدْنَا اللهَ وحْدَهُ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وحَرَّمْنَا ما حَرَّمَ عَلَيْنَا وأَحْلَلْنَا ما أَحِلَّ لنا فَغَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وفَتَنُونَا عن دِينِنَا ; لِيَرُدُّونَا إلى عِبادَةِ الأَوْثَانِ من عِبادَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأَنْ نَسْتَحِلَّ ما كُنَّا نَسْتَحِلُّ من الخَبائِثِ فَلمَّا قَهَرُونَا وظَلَمُونَا وشَقُّوا عَلَيْنَا وحالُوا بَيْنَنَا وبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إلى بَلَدِكَ واخْتَرْنَاكَ على مَنْ سِوَاكَ ورَغِبْنَا في جِوَارِكَ ورَجَوْنَا أنْ لا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا المَلِكُ قالتْ فقال النَّجَاشِيُّ هل مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللهِ من شَيْءٍ؟ قالتْ فقال لَهُ جَعْفَرٌ نَعَمْ قالتْ فقال لَهُ النَّجَاشِيُّ فَاقْرَأْهُ فَقَرَأَ عليْه صَدْرًا من (كهيعص) قالتْ فَبَكَى واللهِ النَّجَاشِيُّ حتى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ وبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حتى أَخْضَلُوا مَصاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا ما تَلَا عَلَيْهِمْ ثمَّ قال النَّجَاشِيُّ إِنَّ هذا واللهِ والَّذِي جَاءَ بِهِ موسى لَيَخْرُجُ من مِشْكَاةٍ واحِدَةٍ انْطَلِقَا فَوَاللَّهِ لا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْكُمْ أَبَدًا ولَا أَكَادُ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَلمَّا خَرَجَا من عِنْدِهِ قال عَمْرُو بنُ العَاصِ واللهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا أَعِيبُهُمْ عِنْدَهُ بِمَا اسْتَأْصَلَ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ فقال لَهُ عبدُ اللهِ بنُ أبي رَبِيعَةَ - وكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا - لا تَفْعَلْ فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحامًا وإِنْ كَانُوا قَدْ خالَفُونَا قال واللهِ لَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى بنَ مَرْيَمَ - عليْه السَّلَامُ عَبْدٌ - قالتْ ثمَّ غَدَا عليْه الغَدُ فقال أَيُّهَا المَلِكُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ في عِيسَى بنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا فَأَرْسِلْ إليهمْ فَسَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ قالتْ فَأَرْسَلَ إليهمْ يَسْأَلُهُمْ عنه قالتْ ولَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا واجْتَمَعَ القَوْمُ فقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ما تَقُولُونَ في عِيسَى إِذَا سَأَلَكُمْ عنه قَالُوا نَقُولُ واللهِ ما قال اللهُ - عزَّ وجلَّ - ومَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَائِنٌ في ذلك ما هو كَائِنٌ فَلمَّا دَخَلُوا عليْه قال لَهُمْ ما تَقُولُ في عِيسَى بنِ مَرْيَمَ؟ فقال لَهُ جَعْفَرُ بنُ أبي طَالِبٍ نَقُولُ فِيهِ الذي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو عبدُ اللهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ العَذْرَاءِ البَتُولِ قال فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إلى الأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا ثمَّ قال ما عَدَا عِيسَى بنُ مَرْيَمَ ما قُلْتَ هذا العُودَ فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقُهُ حَوْلَهُ حِينَ قال ما قال فقال وإِنْ نَخَرْتُمْ واللهِ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي - والسُّيُومُ الآمِنُونَ - مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ما أُحِبُّ أَنَّ لِي دُبُرًا ذَهَبًا وأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ - والدُّبُرُ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ الجَبَلُ - رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَاياهُمَا فَلَا حاجَةَ لِي فِيهِمَا فَوَاللَّهِ ما أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فَآخُذَ فِيهِ الرِّشْوَةَ ومَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ فَخَرَجَا من عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا ما جَاءَا بِهِ وأَقَمْنَا عِنْدَهُ في خَيْرِ دَارٍ مع خَيْرِ جَارٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَعَلَى ذلك إِذْ نَزَلَ بِهِ - يَعْنِي مَنْ يُنَازِعُهُ في مُلْكِهِ - قالتْ واللهِ ما عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ من حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذلك ; تَخَوُّفًا أنْ يَظْهَرَ ذلك على النَّجَاشِيِّ فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لا يَعْرِفُ من حَقِّنَا ما كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ قالتْ وسَارَ النَّجَاشِيُّ وبَيْنَهُمَا عُرْضُ النِّيلِ قالتْ فقال أَصْحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حتى يُحْضِرَ وقِيعَةَ القَوْمِ ثمَّ يَأْتِيَنَا؟ قالتْ فقال الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ أَنَا قالتْ وكَانَ من أَحْدَثِ القَوْمِ سِنًّا قالتْ فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلُوهَا في صَدْرِهِ فَسَبَحَ عَلَيْهَا حتى خرج إلى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى القَوْمِ ثمَّ انْطَلَقَ حتى حَضَرَهُمْ قالتْ ودَعَوْنَا اللهَ عزَّ وجلَّ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ على عَدُّوِهِ والتَّمْكِينِ لَهُ في بِلَادِهِ واسْتَوْسَقَ عليْه أَمْرُ الحَبَشَةِ فَكُنَّا عِنْدَهُ في خَيْرِ مَنْزِلٍ حتى قَدِمْنَا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهُوَ بِمَكَّةَ
فقال لهمُ النَّجاشي : ما هذا الدِّينُ الَّذي فارقتُمْ فيهِ قومَكُم، ولم تدخُلوا في ديني ولا في دينِ أحدٍ من النَّاسِ ؟ فقال جعفرُ : أيُّها الملِكُ، كنَّا أَهْلَ جاهليَّةٍ نعبدُ الأصنامَ ، وَنَأْكلُ الميتةَ وَنَأْتي الفواحشَ، ونقطعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجوارَ ويأكلُ القويُّ منَّا الضَّعيفَ ، حتَّى بعثَ اللَّهُ إلينا رسولًا منَّا نعرفُ نسبَهُ، وصدقَهُ ، وأمانتَهُ، وعفافَهُ ، فدعانا لتوحيدِ اللَّهِ وأن لا نُشرِكَ بهِ شيئًا،ونخلَعَ ما كنَّا نعبدُ من الأصنامِ، وأمرَنا بصدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصلةِ الرَّحمِ، وحُسنِ الجوارِ، والكفِّ عنِ المحارمِ، والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفواحشِ، وقولِ الزُّورِ، وأَكْلِ مالَ اليتيمِ، وأمرَنا بالصَّلاةِ، والصِّيام، وعدَّدَ علَيهِ أمورَ الإسلامِ، وقال جعفرٌ فآمنَّا بهِ وصدقناه، وحرَّمنا ما حرَّمَ علينا، وحلَّلنا ما أحلَّ لَنا، فتعدَّى علينا قومُنا، فعذَّبونا وفتَنونا عن دينِنا ليردُّونا إلى عبادةِ الأوثانِ، فلمَّا قَهَرونا وظلَمونا، وحالوا بينَنا وبينَ دينِنا، خرجنا إلى بلادِكَ، واخترناكَ علَى مَن سواكَ، ورجَونا أن لا نُظلَمَ عندَكَ فقالَ النَّجاشيُّ: هل معَكَ مِمَّا جاءَ بهِ عنِ اللَّهِ شيءٌ ؟ قالَ: نعَم، قرأَ علَيهِ صدرًا من سورةِ مريَمَ فبَكَى النَّجاشيُّ وأساقفتُهُ وقال النَّجاشيُّ: إنَّ هذا والَّذي جاءَ بهِ عيسَى يخرجُ من مشكاةٍ واحدةٍ، انطلقا واللَّهِ لا أسلمُهُمِ إليكُما أبدًا، يخاطِبُ عمرَو بنَ العاصِ وصاحبَهُ فخَرجا وقال عمرٌو لعبدِ اللَّهِ بنُ أبي ربيعةَ واللَّهِ لآتيَنَّهُ غدًا بما يُبيدُ خَضراءَهم فلمَّا كان الغدُ، قالَ للنَّجاشيِّ: إن هؤلاء يقولونَ في عيسَى بن مريمَ قولًا عظيمًا ، فأرسلِ النجاشي يسألُهُم عن قولِهم: في المسيحِ ؟ فقالَ جعفرُ: نقولُ فيهِ الَّذي جاءَنا بهِ نبيُّنا: هوَ عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ، وروحُهُ وَكَلمتُهُ ألقاها إلى مريمَ العذراءِ البتولِ، فأخذ النَّجاشيُّ عودًا من الأرضِ، وقالَ: ما عَدا عيسَى ما قلتَ قدرَ هذا العودِ، فنخرَت بطارقتُهُ فقالَ: وإن نَخرتُمْ وقال للمسلِمين اذهَبوا، فأنتُمْ آمِنونَ ما أحبُّ أنَّ لي جبلًا من ذهبٍ وأنني آذيتُ رجلًا منكُم وردَّ هديَّةَ قُريشٍ وقال: ما أخذَ اللَّهُ الرِّشوةَ منِّي حتَّى آخُذَها منكُم ولا أطاعَ النَّاسَ فيَّ، حتى أطيعَهُم فيهِ
يَجمَعُ اللهُ المُؤمِنينَ يَومَ القيامةِ كَذلك، فيَقولونَ: لَوِ استَشفَعنا إلى رَبِّنا حتَّى يُريحَنا مِن مَكانِنا هذا، فيَأتونَ آدَمَ، فيَقولونَ: يا آدَمُ، أمَا تَرى النَّاسَ؟ خَلَقَك اللهُ بيَدِه، وأسجَدَ لك مَلائِكَتَه، وعَلَّمَك أسماءَ كُلِّ شيءٍ، اشفَعْ لنا إلى رَبِّنا حتَّى يُريحَنا مِن مَكانِنا هذا، فيَقولُ: لَستُ هُناك، ويَذكُرُ لهم خَطيئَتَه التي أصابَها، ولَكِنِ ائتوا نوحًا؛ فإنَّه أوَّلُ رَسولٍ بَعَثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ، فيَأتونَ نوحًا، فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ويَذكُرُ خَطيئَتَه التي أصابَ، ولَكِنِ ائتوا إبراهيمَ خَليلَ الرَّحمَنِ، فيَأتونَ إبراهيمَ فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ويَذكُرُ لهم خَطاياه التي أصابَها، ولَكِنِ ائتوا موسى، عَبدًا آتاه اللهُ التَّوراةَ، وكَلَّمَه تَكليمًا، فيَأتونَ موسى فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ويَذكُرُ لهم خَطيئَتَه التي أصابَ، ولَكِنِ ائتوا عيسى عَبدَ اللهِ ورَسولَه، وكَلِمَتَه ورُوحَه، فيَأتونَ عيسى، فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ولَكِنِ ائتوا مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ عَبدًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبهِ وما تَأخَّرَ، فيَأتوني، فأنطَلِقُ، فأستَأذِنُ على رَبِّي، فيُؤذَنُ لي عليه، فإذا رَأيتُ رَبِّي وقَعتُ له ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاءَ اللهُ أن يَدَعَني، ثُمَّ يُقالُ لي: ارفَعْ مُحَمَّدُ وقُلْ يُسمَعْ، وسَلْ تُعطَه، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأحمَدُ رَبِّي بمَحامِدَ عَلَّمَنيها، ثُمَّ أشفَعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أرجِعُ، فإذا رَأيتُ رَبِّي وقَعتُ ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاءَ اللهُ أن يَدَعَني، ثُمَّ يُقالُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ وقُلْ يُسمَعْ، وسَلْ تُعطَه، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأحمَدُ رَبِّي بمَحامِدَ عَلَّمَنيها رَبِّي، ثُمَّ أشفَعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أرجِعُ، فإذا رَأيتُ رَبِّي وقَعتُ ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاءَ اللهُ أن يَدَعَني، ثُمَّ يُقالُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ، قُل يُسمَعْ، وسَلْ تُعطَه، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأحمَدُ رَبِّي بمَحامِدَ عَلَّمَنيها، ثُمَّ أشفَعُ، فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أرجِعُ فأقولُ: يا رَبِّ، ما بَقيَ في النَّارِ إلَّا مَن حَبَسَه القُرآنُ، ووجَبَ عليه الخُلودُ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يَخرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وكان في قَلبِه مِنَ الخَيرِ ما يَزِنُ شَعيرةً، ثُمَّ يَخرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وكان في قَلبِه مِنَ الخَيرِ ما يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وكان في قَلبِه ما يَزِنُ مِنَ الخَيرِ ذَرَّةً
رأيتُ رَبِّي [يعني حديث: يَجْمَعُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ يَومَ القِيامَةِ كَذلكَ، فيَقولونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنا إلى رَبِّنا حتَّى يُرِيحَنا مِن مَكانِنا هذا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيَقولونَ: يا آدَمُ، أما تَرَى النَّاسَ خَلَقَكَ اللَّهُ بيَدِهِ، وأَسْجَدَ لكَ مَلائِكَتَهُ، وعَلَّمَكَ أسْماءَ كُلِّ شيءٍ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّنا حتَّى يُرِيحَنا مِن مَكانِنا هذا، فيَقولُ: لَسْتُ هُناكَ، ويَذْكُرُ لهمْ خَطِيئَتَهُ الَّتي أصابَها، ولَكِنِ ائْتُوا نُوحًا، فإنَّه أوَّلُ رَسولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ الأرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ ، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتي أصابَ، ولَكِنِ ائْتُوا إبْراهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ ، فَيَأْتُونَ إبْراهِيمَ فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ ، ويَذْكُرُ لهمْ خَطاياهُ الَّتي أصابَها، ولَكِنِ ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا آتاهُ اللَّهُ التَّوْراةَ، وكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ ، ويَذْكُرُ لهمْ خَطِيئَتَهُ الَّتي أصابَ، ولَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ ورَسولَهُ، وكَلِمَتَهُ ورُوحَهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ ، ولَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، عَبْدًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبهِ وما تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فأنْطَلِقُ، فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي، فيُؤْذَنُ لي عليه، فإذا رَأَيْتُ رَبِّي وقَعْتُ له ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقالُ لِي: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وقُلْ يُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأحْمَدُ رَبِّي بمَحامِدَ عَلَّمَنِيها، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أرْجِعُ، فإذا رَأَيْتُ رَبِّي وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وقُلْ يُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأحْمَدُ رَبِّي بمَحامِدَ عَلَّمَنِيها رَبِّي، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أرْجِعُ، فإذا رَأَيْتُ رَبِّي وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، قُلْ يُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأحْمَدُ رَبِّي بمَحامِدَ عَلَّمَنِيها، ثُمَّ أشْفَعْ، فَيَحُدُّ لي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أرْجِعُ فأقُولُ: يا رَبِّ ما بَقِيَ في النَّارِ إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، ووَجَبَ عليه الخُلُودُ، قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وكانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ ما يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وكانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ ما يَزِنُ بُرَّةً ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وكانَ في قَلْبِهِ ما يَزِنُ مِنَ الخَيْرِ ذَرَّةً .]
يجمَعُ المؤمنونَ يومَ القيامَةِ ، فيهتَمُّونَ لِذلِكَ ، فيقولَونَ : لوِ استشْفَعْنَا علَى ربِّنا ، فأرَاحنا مِنْ مكانِنَا هذَا ، فيأتونَ آدَمَ ، فيقولُونَ : يا آدمُ ! أنتَ أبو البشَرِ ، خلَقَكَ اللهُ بيدِهِ ، وأسجدَ لكَ ملائكتَهُ ، وعلَّمَكَ أسماءَ كُلِّ شيءٍ ، فاشفَعْ لنا عندَ ربِّكَ ، حتى يريحَنا مِنْ مكانِنا هذَا ، فيقولُ لهم آدمُ : لستُ هناكُم ، ويذكُرُ ذنبَهُ الذي أصابَهُ ، فيَسْتَحْيِي ربَّهُ عزَّ وجلَّ مِنْ ذلِكَ ، ويقولُ : ولكن ائتوا نوحًا ، فإِنَّه أولُ رسولٍ بعثه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ ، فيأتونَ نوحًا ، فيقولُ : لستُ هناكم – ويذكُرُ لَهمْ خطيئتَهُ سؤالَهُ ربَّهُ ما ليس له بِه علمٌ ، فيستَحْيِي ربَّهُ مِنْ ذلِكَ – ولكن ائتوا إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ ، فيأتونَهُ ، فيقولُ : لستُ هناكم ، ولكنِ ائتوا موسى عبدًا كلَّمَهُ اللهُ ، وأعطاهُ التوراةَ ، فيأتونَ موسى ، فيقولُ : لستُ هناكم – ويذكُرُ لهم النفْسَ التي قتَلَ بغيرِ نفْسٍ ، فيسْتَحْيِي ربَّهُ من ذلِكَ – ولكن ائتُوا عيسى عبدُ اللهِ ورسولُهُ ، وكلِمَتُهُ وروحُهُ ، فيأتونَ عيسى ، فيقولُ لستُ : هناكم ، ولكنِ ائتُوا محمَّدًا عبدًا غفرَ اللهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذنبِهِ وما تأخَّرَ ، فأقومُ ، فأمْشِي بينَ سِمَاطَيْنِ مِنَ المؤمنينَ ، حتَّى أستَأْذِنَ علَي ربِّي ، فيؤذَنُ لِي ، فإذا رأيتُ ربِّي وقعْتُ ساجِدًا لِرَبِّي تبارك وتعالى ، فيدعُني ما شاء أن يدَعَنِي ، ثُمَّ يقولُ : ارفع محمدُ . قل : يسمعْ ، وسلْ تعطَهْ ، واشفعْ تُشَفَّعْ ، فأرْفَعُ رأسِي ، فأحمدُهُ بتحميدٍ يُعَلِّمُنيهِ ، ثُمَّ أشفَعُ فيَحُدُّ لِي حدًّا ، فأُدْخِلُهُمُ الجنَّةَ ، ثُمَّ أعودُ إليه الثانِيَةَ ، فإذا رأيتُ ربي وقعْتُ ساجِدًا لِرَبِّي تبارَكَ وتعالى ، فيدعُني مَا شاءَ اللهُ أن يدَعَنِي ، ثُمَّ يقولُ : ارفعْ محمدُ ! قلْ يُسمَعْ ، وسلْ تعطَهْ ، واشفعْ تُشَفَّعْ ، فأرفعُ رأسِي ، فأحمدُهُ بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ، ثُمَّ أشفَعُ ، فَيَحُدُّ لي حدًّا ، فأُدْخِلُهُمُ الجنةَ ، ثُمَّ أعودُ الثالثةَ ، فإذا رأيتُ ربي تبارك وتعالى ، وقعتُ ساجدًا لربي ، فيدعُني ما شاء أن يدعَني ، ثُمَّ يقولُ : ارفع محمدُ ! قل : يُسْمَعُ ، وسلْ تعْطَهُ ، واشفَعْ تُشَفَّعُ ، فإذا رفعتُ رأسِي ، فأحمدُهُ بتحميدٍ يعَلِّمُنِيهِ ، ثُمَّ أشفَعُ ، فيَحُدُّ لي حدًّا ، فأدخِلُهمُ الجنةَ ، ثُمَّ أعودُ الرابعةَ فأقولُ : يا ربِّ ! ما بَقِيَ إلَّا مَنْ حبَسَهُ القرآنُ ، فيخرَجُ مِنَ النارِ مَنْ قال : لا إلهَ إلَّا اللهُ ، وكانَ في قلْبِهِ مِنَ الخيرِ ما يزِنُ شعيرةً ، ثُمَّ يخرُجُ من النارِ مَنْ قالَ : لَا إلهَ إلَّا اللهُ ، وكانَ في قلبِهِ مِنَ الخيرِ ما يزِنُ بُرَّةً ، ثُمَّ يخرُجُ من النارِ مَنْ قالَ : لَا إلهَ إلَّا اللهُ ، وكانَ في قلبِهِ مِنَ الخيرِ مَا يزِنُ ذرَّةً
يَجتَمِعُ المُؤمِنونَ يَومَ القيامةِ فيُلهَمونَ ذلك، فيَقولونَ: لَوِ استَشفَعنا على رَبِّنا، فأراحَنا مِن مَكانِنا هذا، فيَأتونَ آدَمَ، فيَقولونَ: يا آدَمُ أنتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بيَدِه، وأسجَدَ لَكَ مَلائِكَتَه، وعَلَّمَكَ أسماءَ كُلِّ شَيءٍ، فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ، يُريحُنا مِن مَكانِنا هذا، فيَقولُ لهم آدَمُ: لَستُ هُناكُم، ويَذكُرُ ذَنبَه الذي أصابَ فيَستَحيي رَبَّه، ويَقولُ: ولَكِنِ ائتوا نوحًا؛ فإنَّه أوَّلُ رَسولٍ بَعَثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ، فيَأتونَ نوحًا فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ويَذكُرُ لهم خَطيئَتَه سُؤالَه رَبَّه ما ليس له به عِلمٌ، فيَستَحيي رَبَّه مِن ذلك، ولَكِنِ ائتوا إبراهيمَ خَليلَ الرَّحمَنِ، فيَأتونَه فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ولَكِنِ ائتوا موسى، عَبدًا كَلَّمَه اللهُ وأعطاه التَّوراةَ، فيَأتونَ موسى، فيَقولُ: لَستُ هَناكُم، ويَذكُرُ لهمُ النَّفسَ التي قَتَلَ بغَيرِ نَفسٍ، فيَستَحيي رَبَّه مِن ذلك، ولَكِنِ ائتوا عيسى عَبدَ اللهِ ورَسولَه، وكَلِمَتَه وروحَه، فيَأتونَ عيسى، فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ولَكِنِ ائتوا مُحَمَّدًا عَبدًا غَفَرَ اللهُ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه وما تَأخَّرَ، فيَأتوني. -قال الحَسَنُ هذا الحَرفَ: فأقومُ فأمشي بَينَ سِماطَينِ مِنَ المُؤمِنينَ- قال أنَسٌ: حَتَّى أستَأذِنَ على رَبِّي، فيُؤذَنَ لي، فإذا رَأيتُ رَبِّي وقَعتُ أو خَرَرتُ ساجِدًا لرَبِّي، فيَدَعُني ما شاءَ اللهُ أن يَدَعَني. قال: ثُمَّ يُقالُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ، قُلْ تُسمَعْ، وسَلْ تُعطَه، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفَعُ رَأسي، فأحمَدُ بتَحميدٍ يُعَلِّمُنيه، ثُمَّ أشفَعُ فيُحِدُّ لي حَدًّا، فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعودُ إليه الثَّانيةَ، فإذا رَأيتُ رَبِّي وقَعتُ أو خَرَرتُ ساجِدًا لرَبِّي، فيَدَعُني ما شاءَ اللهُ أن يَدَعَني، ثُمَّ يُقالُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ، قُلْ تُسمَعْ، وسَلْ تُعطَه، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفَعُ رَأسي، فأحمَدُه بتَحميدٍ يُعَلِّمُنيه، ثُمَّ أشفَعُ فيُحِدُّ لي حَدًّا فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعودُ إليه الثَّالِثةَ، فإذا رَأيتُ رَبِّي وقَعتُ أو خَرَرتُ ساجِدًا لرَبِّي، فيَدَعُني ما شاءَ اللهُ أن يَدَعَني، ثُمَّ يُقالُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ، وقُلْ تُسمَعْ، وسَلْ تُعطَه، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفَعُ رَأسي، فأحمَدُه بتَحميدٍ يُعَلِّمُنيه، ثُمَّ أشفَعُ فيُحِدُّ لي حَدًّا، فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعودُ الرَّابِعةَ، فأقولُ: يا رَبِّ ما بَقيَ إلَّا مَن حَبَسَه القُرآنُ، فحَدَّثَنا أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: فيُخرَجُ مِنَ النَّارِ مَن قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وكانَ في قَلبِه مِنَ الخَيرِ ما يَزِنُ شَعيرةً، ثُمَّ يُخرَجُ مِنَ النَّارِ مَن قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وكانَ في قَلبِه مِنَ الخَيرِ ما يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يُخرَجُ مِنَ النَّارِ مَن قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وكانَ في قَلبِه مِنَ الخَيرِ ما يَزِنُ ذَرَّةً
يجتمعُ المؤمنونَ يومَ القيامةِ فيُلْهَمُون ذلك فيقولون : لو استَشْفَعْنا إلى ربِّنا فأراحنا من مكانِنا هذا فيأتون آدمَ فيقولون : يا آدمُ أنت أبو الناسِ خلقك اللهُ بيدِه وأَسْجَد لك ملائكتَه وأَعْلَمَك أسماءَ كلِّ شيءٍ فاشفَعْ لنا عند ربِّك حتى يُرِيحَنا من مكانِنا هذا فيقولُ : لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ لهم ذنبَه الذي أصابه فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكِن ائْتُوا نوحًا فإنه أولُ رسولٍ بعثه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ فيأتُون نوحًا عليه السلامُ : فيقولُ : لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ سؤالَه ربَّه تبارك و تعالى ما ليس له به علمٌ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ فيأتون إبراهيمَ فيقول : لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ سؤالَه ربَّه تبارك وتعالى ما ليس له به علمٌ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا موسى عبدٌ كَلَّمَهُ اللهُ وأعطاه التوراةَ فيأتون فيقولُ لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ قَتْلَه النفسَ بغيرِ النفسِ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكَلِمَتُه ورُوحُه فيأتون فيقولُ : لَسْتُ هُنَاكم ولكنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا عبدًا قد غفر اللهُ له ما تقدم من ذنبِه وما تأخر فيأتون فأنطلقُ - قال قتادةُ : وقال الحسنُ : فأَمْشِي بين سِمَاطَيْنِ من المؤمنينَ ثم رجع إلى حديثِ أنسٍ - فأستأذنُ على ربي فيأذَنُ لي فإذا رأيتُ ربي وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يدَعَنِي ثم يقالُ : ارفَعْ مُحَمَّدُ ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشفعْ ، تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأَحْمَدُه بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثم أشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهُمُ الجنةَ ثم أعودُ الثانيةَ فإذا رأيتُ ربي تعالى وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يَدَعَنِي ويقالُ ارفَعْ مُحَمَّدُ ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأحمدُه بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ فأشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهُمُ الجنةَ ثم أعودُ الثالثةَ فإذا رأيتُ ربي وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يَدَعَنِي فيقالُ : ارفَعْ مُحَمَّدُ ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشفَعْ تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأَحْمَدُ ربي بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثم أشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهم الجنةَ ثم آتِيهِ الرابعةَ أو أعودُ الرابعةَ فأقولُ : أَيْ رَبِّ ما بَقِيَ إلا مَن حبسه القرآنُ قال ابنُ أبي عَدِيٍّ : فيُدْخِلُهُمُ الجنةَ وقال فيُنْهَمُونَ أو يُلْهَمُونَ وقال : آتيه الرابعةَ أو أعودُ الرابعةَ
لمَّا نَزَلْنا أرضَ الحَبَشةِ جاوَرْنا بها خَيرَ جارٍ، النَّجاشي، أمِنَّا على دِينِنا، وعَبَدْنا اللهَ لا نُؤْذَى، ولا نَسمَعُ شَيئًا نَكرَهُه. فلمَّا بلَغَ ذلكَ قُرَيشًا، ائْتَمَروا أنْ يَبعَثوا إلى النَّجاشي فينا رجُلينِ جَلْدينِ، وأنْ يُهدوا للنَّجاشيِّ هَدايا ممَّا يُستَطرَفُ مِن مَتاعِ مَكَّةَ. وكان مِن أعجَبِ ما يأتيه منها إليه الأدَمُ، فجَمَعوا له أَدَمًا كثيرةً، ولم يَترُكوا مِن بَطارِقَتِه بِطْريقًا إلَّا أهدَوْا له هَديَّةً. ثمَّ بَعَثوا بذلكَ مع عبدِ اللهِ بنِ أبي رَبيعةَ بنِ المُغيرةِ المَخزوميِّ، وعَمرِو بنِ العاصِ بنِ وائلٍ السَّهميِّ، وأمَروهما أمْرَهم، وقالوا لهما: ادفَعوا إلى كلِّ بِطريقٍ هَديَّتَه قبلَ أنْ تُكَلِّموا النَّجاشي فيهم. ثمَّ قَدِّموا للنَّجاشي هَداياه، ثمَّ سَلوه أنْ يُسَلِّمَهم إليكم قبلَ أنْ يُكَلِّمَهم. قالتْ: فخَرَجا فقَدِما على النَّجاشي، فنحنُ عندَه بخَيرِ دارٍ، وعِندَ خَيرِ جارٍ، فلم يَبقَ مِن بَطارِقَتِه بِطريقٌ إلَّا دَفَعا إليه هَديَّتَه قبلَ أنْ يُكَلِّما النَّجاشي، ثمَّ قالا لكلِّ بِطريقٍ منهم: إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِ المَلِكِ مِنَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دِينَ قَومِهم، ولم يَدخُلوا في دِينِكم، وجاؤُوا بدِينٍ مُبتَدَعٍ، لا نَعرِفُه نحنُ ولا أنتم، وقد بعَثَنا إلى المَلِكِ فيهم أشرافُ قَومِهم ليَرُدَّهم إليهم، فإذا كَلَّمْنا المَلِكَ فيهم، فتُشيروا عليه بأنْ يُسَلِّمَهم إلينا، ولا يُكَلِّمَهم؛ فإنَّ قَومَهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نعَمْ. ثمَّ إنَّهما قَرَّبا هَداياهم إلى النَّجاشي، فقَبِلَها منهما، ثمَّ كَلَّماه فقالا له: أيُّها المَلِكُ، إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِكَ مِنَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دِينَ قَومِهم، ولم يَدخُلوا في دِينِكَ، وجاؤُوا بدِينٍ مُبتَدَعٍ، لا نَعرِفُه نحنُ ولا أنتَ، وقد بعَثَنا إليكَ فيهم أشرافُ قَومِهم، مِن آبائهم، وأعمامِهم، وعَشائرِهم؛ لتَرُدَّهم إليهم، فهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم، وعاتَبوهم فيه. قالتْ: ولم يَكُنْ شيءٌ أبغَضَ إلى عبدِ اللهِ بنِ أبي رَبيعةَ وعَمرِو بنِ العاصِ مِن أنْ يَسمَعَ النَّجاشي كَلامَهم. فقالت بَطارِقَتُه حَولَه: صَدَقوا أيُّها المَلِكُ، قَومُهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم، فأسْلِمْهم إليهما، فلْيَرُدَّاهم إلى بِلادِهم وقَومِهم. قال: فغَضِبَ النَّجاشي، ثمَّ قال: لاها اللهِ، ايْمُ اللهِ، إذَنْ لا أُسلِمُهم إليهما، ولا أُكادُ قَومًا جاوَروني، نَزَلوا بِلادي، واختاروني على مَن سِوايَ حتى أدعُوَهم، فأسأَلَهم ماذا يقولُ هذانِ في أمْرِهم، فإنْ كانوا كما يقولانِ أسلَمتُهم إليهم، ورَدَدتُهم إلى قَومِهم، وإنْ كانوا على غَيرِ ذلكَ مَنَعتُهم منهما، وأحسَنتُ جِوارَهم ما جاوَروني. قالتْ: ثمَّ أرسَلَ إلى أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسَلَّمَ، فدَعاهم، فلمَّا جاءَهم رسولُه اجتَمَعوا، ثمَّ قال بعضُهم لبعضٍ: ما تَقولونَ للرَّجُلِ إذا جِئتُموه؟ قال: نَقولُ: واللهِ ما عَلِمْنا، وما أمَرَنا به نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسَلَّمَ، كائنٌ في ذلكَ ما هو كائنٌ. فلمَّا جاؤُوه، وقد دَعا النَّجاشي أساقِفَتَه، فنَشَروا مَصاحِفَهم حَولَه، سألَهم فقال: ما هذا الدِّينُ الذي فارَقتُم فيه قَومَكم، ولم تَدخُلوا في دِيني، ولا في دِينِ أحَدٍ مِن هذه الأُمَمِ. قالتْ: فكان الذي كَلَّمَه جَعفَرُ بنُ أبي طالبٍ، فقال له: أيُّها المَلِكُ، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهِليَّةٍ نَعبُدُ الأصنامَ، ونأكُلُ المَيْتةَ، ونأتي الفَواحِشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يأكُلُ القَويُّ مِنَّا الضَّعيفَ، فكُنَّا على ذلكَ حتى بعَثَ اللهُ إلينا رسولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَه، وصِدقَه، وأمانَتَه، وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لنُوَحِّدَه ونَعبُدَه، ونَخلَعَ ما كُنَّا نَعبُدُ نحنُ وآباؤُنا مِن دونِه مِن الحِجارةِ والأوثانِ، وأمَرَنا بصِدقِ الحديثِ وأداءِ الأمانةِ، وصِلةِ الرَحِّمِ، وحُسنِ الجِوارِ، والكَفِّ عنِ المَحارِمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفَواحِشِ، وقَولِ الزُّورِ، وأكلِ مالِ اليَتيمِ، وقَذفِ المُحصَنةِ، وأمَرَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ وَحدَه، ولا نُشرِكَ به شَيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصِّيامِ. قالتْ: فعَدَّدَ عليه أُمورَ الإسلامِ، فصَدَّقناه وآمَنَّا، واتَّبَعْناه على ما جاءَ به. فعَبَدْنا اللهَ وَحدَه، فلم نُشرِكْ به شَيئًا، وحَرَّمْنا ما حَرَّمَ علينا، وأحلَلْنا ما أحَلَّ لنا، فعدا علينا قَوْمُنا فعَذَّبونا، وفَتَنونا عن دِينِنا؛ ليَرُدُّونا إلى عِبادةِ الأَوْثانِ مِن عِبادةِ اللهِ، وأنْ نَستَحِلَّ ما كُنَّا نَستَحِلُّ مِن الخَبائثِ، فلمَّا قَهَرونا وظَلَمونا وشَقُّوا علينا، وحالوا بَينَنا وبينَ دِينِنا خَرَجْنا إلى بَلَدِكَ، واختَرناكَ على مَن سِواكَ، ورَغِبْنا في جِوارِكَ، ورَجَوْنا ألَّا نُظلَمَ عِندَكَ أيُّها المَلِكُ. قالتْ: فقال له النَّجاشي: هل مَعَكَ مما جاءَ به عنِ اللهِ مِن شيءٍ؟ قالتْ: فقال له جَعفَرٌ: نعَمْ. فقال له النَّجاشي: فاقرَأْه علَيَّ. فقرَأَ عليه صَدرًا مِن {كهيعص...} [سورة مريم]. قالتْ: فبَكى واللهِ النَّجاشي حتى أخضَلَ لحيَتَه، وبَكى أساقِفَتُه حتى أخضَلوا مَصاحِفَهم حينَ سَمِعوا ما تَلا عليهم. ثمَّ قال النَّجاشي: إنَّ هذا -وَاللهِ- والذي جاء به عيسى لَيَخرُجُ مِن مِشكاةٍ واحِدةٍ، انطَلِقا؛ فوَاللهِ لا أُسلِمُهم إليكم أبَدًا، ولا أكادُ. قالتْ أُمُّ سَلَمةَ: فلمَّا خَرَجا مِن عِندِه قال عَمرُو بنُ العاصِ: واللهِ لَأُنَبِّئَنَّهم غَدًا عَيبَهم عندَهم، ثمَّ أَستأْصِلُ به خَضراءَهم. قالتْ: فقال له عبدُ اللهِ بنُ أبي رَبيعةَ -وكان أتْقَى الرجُلينِ فينا-: لا تَفعَلْ؛ فإنَّ لهم أَرْحامًا، وإنْ كانوا قد خالَفونا. قال: واللهِ لَأُخبِرَنَّه أنَّهم يَزعُمونَ أنَّ عيسى ابنَ مَريَمَ عبدٌ. قالتْ: ثمَّ غَدا عليه الغَدَ، فقال له: أيُّها المَلِكُ، إنَّهم يقولونَ في عيسى ابنِ مَريَمَ قَولًا عَظيمًا، فأرسِلْ إليهم فاسأَلْهم عَمَّا يقولونَ فيه. قالتْ: فأرسَلَ إليهم يَسألُهم عنه. قالتْ: ولم يَنزِلْ بنا مِثلُه، فاجتَمَعَ القَومُ، فقال بعضُهم لبعضٍ: ماذا تَقولونَ في عيسى إذا سألَكم عنه؟ قالوا: نَقولُ واللهِ فيه ما قال اللهُ، وما جاءَ به نَبيُّنا، كائنًا في ذلكَ ما هو كائنٌ. فلمَّا دَخَلوا عليه قال لهم: ما تَقولونَ في عيسى ابنِ مَريَمَ؟ فقال له جَعفَرُ بنُ أبي طالبٍ: نَقولُ فيه الذي جاء به نَبيُّنا، هو عبدُ اللهِ ورسولُه، ورُوحُه، وكَلِمَتُه، أَلْقاها إلى مَريَمَ العَذراءِ البَتولِ. قالتْ: فضَرَبَ النَّجاشي يَدَه إلى الأرضِ، فأخَذَ منها عُودًا، ثمَّ قال: ما عَدا عيسى ابنُ مَريمَ ما قلتَ هذا العُودَ. فتَناخَرَتْ بَطارِقَتُه حَولَه حينَ قال ما قال، فقال: وإنْ نَخَرتُم واللهِ، اذهَبوا فأنتُم سُيومٌ بأرضي -والسُّيومُ: الآمِنونَ- مَن سَبَّكم غُرِّمَ، ثمَّ مَن سَبَّكم غُرِّمَ، فما أُحِبُّ أنَّ لي دَبْرًا ذَهَبًا وأنِّي آذَيتُ رجُلًا منكم -والدَّبرُ بلِسانِ الحَبَشةِ: الجَبَلُ- رُدُّوا عليهم هداياهما، فلا حاجةَ لنا بها، فواللهِ ما أخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشوةَ حينَ رَدَّ علَيَّ مُلكي، فآخُذَ الرِّشوةَ فيه، وما أطاعَ الناسَ فيَّ فأُطيعَهم فيه. قالتْ: فخَرَجا مِن عِندِه مَقبوحينِ، مَردودًا عليهما ما جاءا به. وأقَمْنا عندَه بخَيرِ دارٍ مع خَيرِ جارٍ. قالتْ: فوَاللهِ إنَّا على ذلكَ؛ إذْ نزَلَ به -يعني: مَن يُنازِعُه في مُلكِه- قالتْ: فواللهِ ما عَلِمْنا حُزنًا قَطُّ كان أشَدَّ مِن حُزنٍ حَزِنَّا عِندَ ذلكَ؛ تَخَوُّفًا أنْ يَظهَرَ ذلكَ على النَّجاشي، فيأتيَ رجُلٌ لا يَعرِفُ مِن حَقِّنا ما كان النَّجاشي يَعرِفُ منه. قالتْ: وسارَ النَّجاشي، وبَينَهما عَرضُ النِّيلِ. قالتْ: فقال أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: مَن رجُلٌ يَخرُجُ حتى يَحضُرَ وَقعةَ القَومِ، ثمَّ يأتينا بالخَبَرِ؟ قالتْ: قال الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ: أنا. قالتْ: وكانَ مِن أحدَثِ القَومِ سِنًّا، قالتْ: فنَفَخوا له قِربةً، فجعَلَها في صَدرِه، ثمَّ سَبَحَ عليها حتى خرَجَ إلى ناحيةِ النِّيلِ التي بها مُلتَقى القَومِ، ثمَّ انطَلَقَ حتى حَضَرَهم. قالتْ: ودَعَوْنا اللهَ للنَّجاشي بالظُّهورِ على عَدُوِّه، والتَّمكينِ له في بِلادِه، واستَوثَقَ عليه أمْرُ الحَبَشةِ، فكُنَّا عندَه في خَيرِ مَنزِلٍ، حتى قَدِمْنا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ وهو بمَكَّةَ
لمَّا نَزَلْنا أرضَ الحَبَشةِ جاوَرْنا بها خَيرَ جارٍ، النَّجاشي، أمِنَّا على دِينِنا، وعَبَدْنا اللهَ لا نُؤْذَى، ولا نَسمَعُ شَيئًا نَكرَهُه. فلمَّا بلَغَ ذلكَ قُرَيشًا، ائْتَمَروا أنْ يَبعَثوا إلى النَّجاشي فينا رجُلينِ جَلْدينِ، وأنْ يُهدوا للنَّجاشي هَدايا ممَّا يُستَطرَفُ مِن مَتاعِ مَكَّةَ. وكان مِن أعجَبِ ما يأتيه منها إليه الأدَمُ، فجَمَعوا له أَدَمًا كثيرةً، ولم يَترُكوا مِن بَطارِقَتِه بِطريقًا إلَّا أهدَوْا له هَدِيَّةً. ثمَّ بَعَثوا بذلكَ مع عبدِ اللهِ بنِ أبي رَبيعةَ بنِ المُغيرةِ المَخزوميِّ، وعَمرِو بنِ العاصِ بنِ وائلٍ السَّهميِّ، وأمَروهما أمْرَهم، وقالوا لهما: ادفَعوا إلى كلِّ بِطْريقٍ هَدِيَّتَه قبلَ أنْ تُكَلِّموا النَّجاشي فيهم. ثمَّ قَدِّموا للنَّجاشي هَداياه، ثمَّ سَلوه أنْ يُسَلِّمَهم إليكم قبلَ أنْ يُكَلِّمَهم. قالتْ: فخَرَجا فقَدِما على النَّجاشي، فنحنُ عندَه بخَيرِ دارٍ، وعِندَ خَيرِ جارٍ، فلم يَبقَ مِن بَطارِقَتِه بِطْريقٌ إلَّا دَفَعا إليه هَدِيَّتَه قبلَ أنْ يُكَلِّما النَّجاشي، ثمَّ قالا لكلِّ بِطْريقٍ منهم: إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِ المَلِكِ مِنَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دِينَ قَومِهم، ولم يَدخُلوا في دِينِكم، وجاؤُوا بدِينٍ مُبتَدَعٍ، لا نَعرِفُه نحنُ ولا أنتم، وقد بعَثَنا إلى المَلِكِ فيهم أشرافُ قَومِهم ليَرُدَّهم إليهم، فإذا كَلَّمْنا المَلِكَ فيهم فتُشيروا عليه بأنْ يُسَلِّمَهم إلينا، ولا يُكَلِّمَهم؛ فإنَّ قَومَهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نعَمْ. ثمَّ إنَّهما قَرَّبا هَداياهم إلى النَّجاشي فقَبِلَها منهما، ثمَّ كَلَّماه فقالا له: أيُّها المَلِكُ، إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِكَ مِنَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دِينَ قَومِهم، ولم يَدخُلوا في دِينِكَ، وجاؤُوا بدِينٍ مُبتَدَعٍ، لا نَعرِفُه نحنُ ولا أنتَ، وقد بعَثَنا إليكَ فيهم أشرافُ قَومِهم، مِن آبائِهم، وأعمامِهم، وعَشائرِهم؛ لتَرُدَّهم إليهم، فهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم، وعاتَبوهم فيه. قالتْ: ولم يَكُنْ شيءٌ أبغَضَ إلى عبدِ اللهِ بنِ أبي رَبيعةَ وعَمرِو بنِ العاصِ مِن أنْ يَسمَعَ النَّجاشي كَلامَهم. فقالتْ بَطارِقَتُه حَولَه: صَدَقوا أيُّها المَلِكُ، قَومُهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم، فأسْلِمْهم إليهما فلْيَرُدَّاهم إلى بِلادِهم وقَومِهم. قال: فغَضِبَ النَّجاشي، ثمَّ قال: لاها اللهِ، ايْمُ اللهِ، إذَنْ لا أُسلِمُهم إليهما، ولا أُكادُ قَومًا جاوروني، نَزَلوا بِلادي، واختاروني على مَن سِوايَ؛ حتى أدعُوَهم فأسأَلَهم ماذا يقولُ هذانِ في أمْرِهم، فإنْ كانوا كما يقولانِ أسلَمتُهم إليهم، ورَدَدتُهم إلى قَومِهم، وإنْ كانوا على غَيرِ ذلكَ مَنَعتُهم منهما، وأحسَنتُ جِوارَهم ما جاوَرُوني. قالتْ: ثمَّ أرسَلَ إلى أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسَلَّمَ، فدَعاهم، فلمَّا جاءَهم رسولُه اجتَمَعوا، ثمَّ قال بعضُهم لبعضٍ: ما تَقولونَ للرَّجُلِ إذا جِئتُموه؟ قال: نَقولُ: واللهِ ما عَلِمْنا، وما أمَرَنا به نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسَلَّمَ، كائنٌ في ذلكَ ما هو كائنٌ. فلمَّا جاؤُوه، وقد دعا النَّجاشي أَساقِفَتَه، فنَشَروا مَصاحِفَهم حَولَه سأَلَهم فقال: ما هذا الدِّينُ الذي فارَقتُم فيه قَومَكم، ولم تَدخُلوا في دِيني، ولا في دِينِ أحَدٍ مِن هذه الأُمَمِ. قالتْ: فكانَ الذي كلَّمَه جَعفَرُ بنُ أبي طالبٍ. فقال له: أيُّها المَلِكُ، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهِليَّةٍ، نَعبُدُ الأصنامَ، ونأكُلُ المَيْتةَ، ونأتي الفَواحِشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يأكُلُ القَويُّ مِنَّا الضَّعيفَ، فكُنَّا على ذلكَ حتى بعَثَ اللهُ إلينا رسولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَه، وصِدقَه، وأمانَتَه، وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لنُوَحِّدَه ونَعبُدَه، ونَخلَعَ ما كُنَّا نَعبُدُ نحنُ وآباؤُنا مِن دونِه مِن الحِجارةِ والأَوْثانِ، وأمَرَنا بصِدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصِلةِ الرَّحِمِ، وحُسنِ الجِوارِ، والكَفِّ عنِ المَحارِمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفَواحِشِ، وقَولِ الزُّورِ، وأكلِ مالِ اليَتيمِ، وقَذفِ المُحصَنةِ، وأمَرَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ وَحدَه، ولا نُشرِكَ به شَيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ. قالتْ: فعَدَّدَ عليه أُمورَ الإسلامِ، فصَدَّقْناه، وآمَنَّا، واتَّبَعْناه على ما جاءَ به. فعَبَدْنا اللهَ وَحدَه، فلم نُشرِكْ به شَيئًا، وحَرَّمْنا ما حَرَّمَ علينا، وأحلَلْنا ما أحَلَّ لنا، فعدا علينا قَوْمُنا، فعَذَّبونا وفَتَنونا عن دِينِنا؛ ليَرُدُّونا إلى عِبادةِ الأوثانِ مِن عِبادةِ اللهِ، وأنْ نَستَحِلَّ ما كُنَّا نَستَحِلُّ مِن الخَبائثِ، فلمَّا قَهَرونا وظَلَمونا، وشَقُّوا علينا، وحالوا بَينَنا وبينَ دِينِنا، خَرَجْنا إلى بَلَدِكَ، واختَرناكَ على مَن سِواكَ، ورَغِبْنا في جِوارِكَ، ورَجَوْنا ألَّا نُظلَمَ عِندَكَ أيُّها المَلِكُ. قالتْ: فقال له النَّجاشي: هل مَعَكَ ما جاءَ به عنِ اللهِ مِن شيءٍ؟ قالتْ: فقال له جَعفَرٌ: نعَمْ. فقال له النَّجاشي: فاقرَأْه علَيَّ. فقَرأ عليه صَدرًا مِن {كهيعص...} [سورة مريم]، قالتْ: فبَكى واللهِ النَّجاشي حتى أخضَلَ لحيَتَه، وبَكى أساقِفَتُه حتى أخضَلوا مَصاحِفَهم حينَ سَمِعوا ما تَلا عليهم. ثمَّ قال النَّجاشي: إنَّ هذا -وَاللهِ- والذي جاءَ به عيسى لَيَخرُجُ مِن مِشكاةٍ واحِدةٍ، انطَلِقا؛ فوَاللهِ لا أُسلِمُهم إليكم أبَدًا، ولا أُكادُ. قالتْ أُمُّ سَلَمةَ: فلمَّا خَرَجا مِن عِندِه قال عَمرُو بنُ العاصِ: واللهِ لَأُنَبِّئَنَّهم غَدًا عَيبَهم عندَهم، ثمَّ أَستأْصِلُ به خَضراءَهم. قالتْ: فقال له عبدُ اللهِ بنُ أبي رَبيعةَ -وكان أتْقَى الرجُلينِ فينا-: لا تَفعَلْ؛ فإنَّ لهم أرحامًا، وإنْ كانوا قد خالَفونا. قال: وَاللهِ لَأُخبِرَنَّه أنَّهم يَزعُمونَ أنَّ عيسى ابنَ مَريْمَ عبدٌ. قالتْ: ثمَّ غَدا عليه الغَدَ، فقال له: أيُّها المَلِكُ، إنَّهم يقولونَ في عيسى ابنِ مَريَمَ قَولًا عَظيمًا، فأَرسِلْ إليهم فاسأَلْهم عَمَّا يقولونَ فيه؟ قالتْ: فأرسَلَ إليهم يَسأَلُهم عنه. قالتْ: ولم يَنزِلْ بنا مِثلُه، فاجتَمَعَ القَومُ، فقال بعضُهم لبعضٍ: ماذا تَقولونَ في عيسى إذا سأَلَكم عنه؟ قالوا: نَقولُ وَاللهِ فيه ما قال اللهُ، وما جاءَ به نَبيُّنا، كائنًا في ذلكَ ما هو كائنٌ. فلمَّا دَخَلوا عليه قال لهم: ما تَقولونَ في عيسى ابنِ مَريَمَ؟ فقال له جَعفَرُ بنُ أبي طالبٍ: نَقولُ فيه الذي جاء به نَبيُّنا، هو عبدُ اللهِ ورسولُه ورُوحُه، وكَلِمَتُه، أَلْقاها إلى مَريَمَ العَذراءِ البَتولِ. قالتْ: فضَرَبَ النَّجاشي يَدَه إلى الأرضِ، فأخَذَ منها عُودًا، ثمَّ قال: ما عَدا عيسى ابنُ مَريَمَ ما قلتَ هذا العُودَ. فتَناخَرَتْ بَطارِقَتُه حَولَه حينَ قال ما قال، فقال: وإنْ نَخَرتُم وَاللهِ، اذهَبوا فأنتُم سُيومٌ بأَرْضي -والسُّيومُ: الآمِنونَ- مَن سَبَّكم غُرِّمَ، ثمَّ مَن سَبَّكم غُرِّمَ، فما أُحِبُّ أنَّ لي دَبرًا ذَهَبًا وأنِّي آذَيتُ رجُلًا منكم -والدَّبرُ بلِسانِ الحَبَشةِ: الجَبَلُ- رُدُّوا عليهم هَداياهما، فلا حاجةَ لنا بها، فوَاللهِ ما أخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشوةَ حينَ رَدَّ علَيَّ مُلكي، فآخُذَ الرِّشْوةَ فيه، وما أطاعَ الناسَ فيَّ فأُطيعَهم فيه. قالتْ: فخَرَجا مِن عِندِه مَقبوحينِ، مَردودًا عليهما ما جاءا به. وأقَمْنا عندَه بخَيرِ دارٍ مع خَيرِ جارٍ. قالتْ: فوَاللهِ إنَّا على ذلكَ إذْ نزَلَ به -يعني: مَن يُنازِعُه في مُلكِه- قالتْ: فوَاللهِ ما عَلِمْنا حُزنًا قَطُّ كان أشَدَّ مِن حُزنٍ حَزِنَّا عِندَ ذلك؛ تَخَوُّفًا أنْ يَظهَرَ ذلكَ على النَّجاشي، فيأتيَ رجُلٌ لا يَعرِفُ مِن حَقِّنا ما كان النَّجاشي يَعرِفُ منه. قالتْ: وسارَ النَّجاشي، وبَينَهما عَرضُ النِّيلِ. قالتْ: فقال أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: مَن رجُلٌ يَخرُجُ حتى يَحضُرَ وَقعةَ القَومِ، ثمَّ يأتينا بالخَبَرِ؟ قالتْ: قال الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ: أنا. قالتْ: وكانَ مِن أحدَثِ القَومِ سِنًّا. قالتْ: فنَفَخوا له قِربةً، فجعَلَها في صَدرِه، ثمَّ سَبَحَ عليها، حتى خرَجَ إلى ناحيةِ النِّيلِ التي بها مُلتَقى القَومِ، ثمَّ انطَلَقَ حتى حَضَرَهم. قالتْ: ودَعَوْنا اللهَ للنَّجاشي بالظُّهورِ على عَدُوِّه، والتَّمكينِ له في بِلادِه، واستَوثَقَ عليه أمْرُ الحَبَشةِ، فكُنَّا عندَه في خَيرِ مَنزِلٍ، حتى قَدِمْنا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ وهو بمَكَّةَ
عن أُمِّ سَلَمةَ ابنةِ أبي أُمَيَّةَ بنِ المُغيرةِ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالت: لَمَّا نَزَلنا أرضَ الحَبَشةِ جاوَرنا بها خَيرَ جارٍ النَّجاشيَّ أمِنَّا على دينِنا، وعَبَدنا اللهَ تَعالى لا نُؤذى، ولا نَسمَعُ شَيئًا نَكرَهُهُ، فلَمَّا بَلَغَ ذلك قُرَيشًا ائتَمَروا أن يَبعَثوا إلى النَّجاشيِّ فينا رَجُلَينِ جَلْدَينِ، وأن يُهدوا للنَّجاشيِّ هَدايا مِمَّا يُستَطرَفُ مِن مَتاعِ مَكَّةَ، وكان مِن أعجَبِ ما يَأتيه مِنها إليه الأدَمُ، فجَمَعوا له أدَمًا كَثيرًا ولَم يَترُكوا مِن بَطارِقَتِه بِطريقًا إلَّا أهدَوا له هَديَّةً، ثُمَّ بَعَثوا بذلك عَبدَ اللهِ بنَ أبي رَبيعةَ بنِ المُغيرةِ المَخزوميَّ وعَمرَو بنَ العاصِ بنِ وائِلٍ السَّهميَّ، وأمَروهُما أمرَهم وقالوا لهما: ادفَعا إلى كُلِّ بِطريقٍ هَديَّتَه قَبلَ أن تُكَلِّموا النَّجاشيَّ فيهم، ثُمَّ قدِّما للنَّجاشيِّ هَداياهُ، ثُمَّ سَلاهُ أن يُسلِمَهم إليكُم قَبلَ أن يُكَلِّمَهم، قالت: فخَرَجا فقدِما على النَّجاشيِّ ونَحنُ عِندَه بخَيرِ دارٍ، وخَيرِ جارٍ، فلَم يَبقَ مِن بَطارِقَتِه بِطريقٌ إلَّا دَفَعا إليه هَديَّتَه قَبلَ أن يُكَلِّما النَّجاشيَّ، ثُمَّ قالا لكُلِّ بِطريقٍ مِنهم: إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِ المَلِكِ مِنَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دينَ قَومِهم، ولَم يَدخُلوا في دينِكُم، وجاؤوا بدينٍ مُبتَدَعٍ لا نَعرِفُه نَحنُ ولا أنتُم، وقد بَعَثَنا إلى المَلِكِ فيهم أشرافُ قَومِهم لنَرُدَّهم إليهم، فإذا كَلَّمنا المَلِكَ فيهم فأشيروا عليه بأن يُسلِمَهم إلينا ولا يُكَلِّمَهم؛ فإنَّ قَومَهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نَعَم. ثُمَّ إنَّهما قَرَّبا هَداياهُما إلى النَّجاشيِّ فقَبِلَها مِنهما، ثُمَّ كَلَّماهُ فقالا له: أيُّها المَلِكُ، إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِكَ مِنَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دينَ قَومِهم، ولَم يَدخُلوا في دينِكَ وجاؤوا بدينٍ مُبتَدَعٍ لا نَعرِفُه نَحنُ ولا أنتَ، وقد بَعَثَنا إليكَ فيهم أشرافُ قَومِهم مِن آبائِهم وأعمامِهم وعَشائِرِهم لتَرُدَّهم إليهم، فهُم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم وعاتَبوهُم فيه. قالت: ولَم يَكُنْ شَيءٌ أبغَضَ إلى عَبدِ اللهِ بنِ أبي رَبيعةَ وعَمرِو بنِ العاصِ مِن أن يَسمَعَ النَّجاشيُّ كَلامَهم، فقالت بَطارِقَتُه حَولَه: صَدَقوا أيُّها المَلِكُ، قَومُهم أعلى بهم عَينًا وأعلَمُ بما عابوا عليهم فأسلِمهم إليهما فليَرُدَّاهُم إلى بلادِهم وقَومِهم. قال: فغَضِبَ النَّجاشيُّ ثُمَّ قال: لا هَيمُ اللهِ إذًا لا أُسلِمُهم إليهما ولا أُكادُ قَومًا جاوروني، ونَزَلوا بلادي واختاروني على مَن سِوايَ، حَتَّى أدعوَهُم فأسألَهم ما يَقولُ هذانِ في أمرِهم، فإن كانوا كما يَقولانِ أسلَمتُهم إليهما ورَدَدتُهم إلى قَومِهم، وإن كانوا على غَيرِ ذلك مَنَعتُهم مِنهما، وأحسَنتُ جِوارَهم ما جاوروني، قالت: ثُمَّ أرسَلَ إلى أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَعاهُم فلَمَّا جاءَهم رَسولُه اجتَمَعوا. ثُمَّ قال بَعضُهم لبَعضٍ: ما تَقولونَ للرَّجُلِ إذا جِئتُموهُ؟ قالوا: نَقولُ واللهِ ما عَلِمنا وما أمَرَنا به نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كائِنٌ في ذلك ما هو كائِنٌ، فلَمَّا جاؤوهُ، وقد دَعا النَّجاشيُّ أساقِفَتَه، فنَشَروا مَصاحِفَهم حَولَه، سَألَهم فقال: ما هذا الدِّينُ الذي فارَقتُم فيه قَومَكُم ولَم تَدخُلوا في ديني ولا في دينِ أحَدٍ مِن هذه الأُمَمِ؟ قالت: فكان الذي كَلَّمَه جَعفَرُ بنُ أبي طالِبٍ، فقال له: أيُّها المَلِكُ، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهِليَّةٍ نَعبُدُ الأصنامَ، ونَأكُلُ المَيتةَ، ونَأتي الفَواحِشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يَأكُلُ القَويُّ مِنَّا الضَّعيفَ، فكُنَّا على ذلك حَتَّى بَعَثَ اللهُ إلينا رَسولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَه وصِدقَه وأمانَتَه وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ تَعالى لنوحِّدَه ونَعبُدَه ونَخلَعَ ما كُنَّا نَعبُدُ نَحنُ وآباؤُنا مِن دونِه مِنَ الحِجارةِ والأوثانِ، وأمَرَ بصِدقِ الحَديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصِلةِ الرَّحِمِ، وحُسنِ الجِوارِ، والكَفِّ عنِ المَحارِمِ والدِّماءِ، ونَهانا عن الفَواحِشِ، وقَولِ الزُّورِ، وأكلِ مالِ اليَتيمِ، وقَذفِ المُحصَنةِ، وأمَرَنا أن نَعبُدَ اللهَ وحدَه لا نُشرِكَ به شَيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ. قال: فعَدَّدَ عليه أُمورَ الإسلامِ فصَدَّقناهُ وآمَنَّا به، واتَّبَعناهُ على ما جاءَ به، فعَبَدنا اللهَ وحدَه فلَم نُشرِكْ به شَيئًا، وحَرَّمنا ما حَرَّمَ علينا، وأحلَلنا ما أحَلَّ لَنا، فعَدا علينا قَومُنا فعَذَّبونا ففَتَنونا عن دينِنا ليَرُدُّونا إلى عِبادةِ الأوثانِ مِن عِبادةِ اللهِ، وأن نَستَحِلَّ ما كُنَّا نَستَحِلُّ مِنَ الخَبائِثِ، فلَمَّا قَهَرونا وظَلَمونا، وشَقُّوا علينا، وحالوا بَينَنا وبَينَ دينِنا، خَرَجنا إلى بَلَدِكَ، واختَرناكَ على مَن سِواكَ، ورَغِبنا في جِوارِكَ، ورَجَونا أن لا نُظلَمَ عِندَكَ أيُّها المَلِكُ. قالت: فقال له النَّجاشيُّ: هَل مَعَكَ مِمَّا جاءَ به عنِ اللهِ مِن شَيءٍ؟ قالت: فقال له جَعفَرٌ: نَعَم. فقال له النَّجاشيُّ: فاقرَأْه عليَّ. فقَرَأ عليه صَدرًا مِن {كَهيعص}. قالت: فبَكى واللهِ النَّجاشيُّ حَتَّى أخضَلَ لحيَتَه، وبَكَت أساقِفَتُه حَتَّى أخضَلوا مَصاحِفَهم حينَ سَمِعوا ما تَلا عليهم، ثُمَّ قال النَّجاشيُّ: إنَّ هذا والذي جاءَ به موسى لَيَخرُجُ مِن مِشكاةٍ واحِدةٍ، انطَلِقا فواللهِ لا أُسلِمُهم إليكُم أبَدًا ولا أُكادُ. قالت أُمُّ سَلَمةَ رَضيَ اللهُ عنها: فلَمَّا خَرَجا مِن عِندِه قال عَمرو بنُ العاصِ: واللهِ لَآتيَنَّه غَدًا أعيبُهم عِندَه، ثُمَّ أستَأصِلُ به خَضراءَهم. قالت: فقال له عَبدُ اللهِ بنُ أبي رَبيعةَ -وكان أتقى الرَّجُلَينِ فينا-: لا تَفعَلْ؛ فإنَّ لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالَفونا. قال: واللهِ لَأُخبِرَنَّه أنَّهم يَزعُمونَ أنَّ عيسى ابنَ مَريَمَ عَبدٌ. قالت: ثُمَّ غَدا عليه الغَدَ. فقال له: أيُّها المَلِكُ، إنَّهم يَقولونَ في عيسى ابنِ مَريَمَ قَولًا عَظيمًا، فأرسِلْ إليهم فسَلْهم عَمَّا يَقولونَ فيه. قالت أُمُّ سَلَمةَ: فأرسَلَ إليهم يَسألُهم عنه، قالت: ولَم يَنزِلْ بنا مِثلُها، فاجتَمَعَ القَومُ. فقال بَعضُهم لبَعضٍ: ماذا تَقولونَ في عيسى إذا سَألَكُم عنه؟ قالوا: نَقولُ واللهِ فيه ما قال اللهُ وما جاءَ به نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كائِنًا في ذلك ما هو كائِنٌ، فلَمَّا دَخَلوا عليه قال لهم: ما تَقولونَ في عيسى ابنِ مَريَمَ؟ قال له جَعفَرُ بنُ أبي طالِبٍ: نَقولُ فيه الذي جاءَ به نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، هو عَبدُ اللهِ ورَسولُه ورُوحُه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ العَذراءِ البَتولِ. قالت: فضَرَبَ النَّجاشيُّ يَدَه على الأرضِ، فأخَذَ مِنها عودًا. ثُمَّ قال: ما عَدا عيسى ابنُ مَريَمَ ما قُلتَ هذا العودَ، فتَناخَرَت بَطارِقَتُه حَولَه حينَ قال ما قال، فقال: وإن نَخَرتُم واللهِ، اذهَبوا فأنتُم سُيومٌ بأرضي -والسُّيومُ: الآمِنونَ- مَن سَبَّكُم غُرِّمَ، ثُمَّ مَن سَبَّكُم غُرِّمَ، ثُمَّ مَن سَبَّكُم غُرِّمَ، فما أُحِبُّ أنَّ لي دَيرَ ذَهَبٍ وإنِّي آذَيتُ رَجُلًا مِنكُم، -والدَّيرُ بلِسانِ الحَبَشةِ: الجَبَلُ- رُدُّوا عليهما هَداياهُما، فلا حاجةَ لَنا بها، فواللهِ ما أخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشوةَ حينَ رَدَّ عليَّ مُلكي فآخُذَ الرِّشوةَ فيه، وما أطاعَ النَّاسَ فيَّ فأُطيعَهم فيه! قالت: فخَرَجا مِن عِندِه مَقبوحَينِ مَردودًا عليهما ما جاءا به، وأقَمنا عِندَه بخَيرِ دارٍ مَعَ خَيرِ جارٍ، قالت: فواللهِ إنَّا على ذلك إذ نَزَلَ به يَعني مَن يُنازِعُه في مُلكِه. قالت: فواللهِ ما عَلِمنا حُزنًا قَطُّ كان أشَدَّ مِن حُزنٍ حَزِنَّاهُ عِندَ ذلك؛ تَخَوُّفًا أن يَظهَرَ ذلك على النَّجاشيِّ فيَأتيَ رَجُلٌ لا يَعرِفُ مِن حَقِّنا ما كان النَّجاشيُّ يَعرِفُ مِنه. قالت: وسارَ النَّجاشيُّ وبَينَهما عَرضُ النِّيلِ، قال: فقال أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن رَجُلٌ يَخرُجُ حَتَّى يَحضُرَ وقعةَ القَومِ، ثُمَّ يَأتيَنا بالخَبَرِ. قالت: فقال الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ: أنا. قالت: وكان مِن أحدَثِ القَومِ سِنًّا، قالت: فنَفَخوا له قِربةً فجَعَلَها في صَدرِه، ثُمَّ سَبَحَ عليها حَتَّى خَرَجَ مِن ناحيةِ النِّيلِ التي بها مُلتَقى القَومِ، ثُمَّ انطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهم. قالت: ودَعَونا اللهَ تَعالى للنَّجاشيِّ بالظُّهورِ على عَدوِّهِ والتَّمكينِ له في بلادِه، واستَوسَقَ عليه أمرُ الحَبَشةِ، فكُنَّا عِندَه في خَيرِ مَنزِلٍ، حَتَّى قدِمنا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو بمَكَّةَ
عن أُمِّ سَلَمةَ ابنةِ أبي أُمَيَّةَ بنِ المُغيرةِ، زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالت: لَمَّا نَزَلنا أرضَ الحَبَشةِ جاورنا بها خَيرَ جارٍ، النَّجاشيَّ، أمِنَّا على دينِنا، وعَبَدنا اللهَ لا نُؤذى، ولا نَسمَعُ شَيئًا نَكرَههُ، فلَمَّا بَلَغَ ذلك قُرَيشًا ائتَمَروا أن يَبعَثوا إلى النَّجاشيِّ فينا رَجُلَينِ جَلْدَينِ، وأن يُهدوا للنَّجاشيِّ هَدايا مِمَّا يُستَطرَفُ مِن مَتاعِ مَكَّةَ، وكان مِن أعجَبِ ما يَأتيه مِنها إليه الأَدَمُ، فجَمَعوا له أدَمًا كَثيرًا، ولَم يَترُكوا مِن بَطارِقَتِه بِطريقًا إلَّا أهدَوا له هَديَّةً، ثُمَّ بَعَثوا بذلك مَعَ عَبدِ اللهِ بنِ أبي رَبيعةَ بنِ المُغيرةِ المَخزوميِّ، وعَمرِو بنِ العاصِ بنِ وائِلٍ السَّهميِّ، وأمَروهُما أمرَهم، وقالوا لهما: ادفَعوا إلى كُلِّ بِطريقٍ هَديَّتَه قَبلَ أن تُكَلِّموا النَّجاشيَّ فيهم، ثُمَّ قدِّموا للنَّجاشيِّ هَداياه، ثُمَّ سَلوه أن يُسلِمَهم إليكُم قَبلَ أن يُكَلِّمَهم، قالت: فخَرَجا فقدِما على النَّجاشيِّ، ونَحنُ عِندَه بخَيرِ دارٍ، وعِندَ خَيرِ جارٍ، فلَم يَبقَ مِن بَطارِقَتِه بِطريقٌ إلَّا دَفَعا إليه هَديَّتَه قَبلَ أن يُكَلِّما النَّجاشيَّ، ثُمَّ قالا لكُلِّ بِطريقٍ مِنهم: إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِ المَلِكِ مِنَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دينَ قَومِهم ولَم يَدخُلوا في دينِكُم، وجاؤوا بدينٍ مُبتَدَعٍ لا نَعرِفُه نَحنُ ولا أنتُم، وقد بَعَثَنا إلى المَلِكِ فيهم أشرافُ قَومِهم لنَرُدَّهم إليهم، فإذا كَلَّمنا المَلِكَ فيهم، فتُشيروا عليه بأن يُسلِمَهم إلينا ولا يُكَلِّمَهم؛ فإنَّ قَومَهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نَعَم، ثُمَّ إنَّهما قَرَّبا هَداياهُم إلى النَّجاشيِّ فقَبِلَها مِنهما، ثُمَّ كَلَّماه، فقالا له: أيُّها المَلِكُ، إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِكَ مِنَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دينَ قَومِهم، ولَم يَدخُلوا في دينِكَ، وجاؤوا بدينٍ مُبتَدَعٍ لا نَعرِفُه نَحنُ ولا أنتَ، وقد بَعَثَنا إليكَ فيهم أشرافُ قَومِهم مِن آبائِهم وأعمامِهم وعَشائِرِهم، لتَرُدَّهم إليهم، فهُم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم وعاتَبوهُم فيه. قالت: ولَم يَكُنْ شَيءٌ أبغَضَ إلى عَبدِ اللهِ بنِ أبي رَبيعةَ، وعَمرِو بنِ العاصِ مِن أن يَسمَعَ النَّجاشيُّ كَلامَهم، فقالت بَطارِقَتُه حَولَه: صَدَقوا أيُّها المَلِكُ، قَومُهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم، فأسلِمْهم إليهما، فليَرُدَّاهُم إلى بلادِهم وقَومِهم، قالت: فغَضِبَ النَّجاشيُّ، ثُمَّ قال: لا هَيمُ اللهُ إذًا لا أُسلِمُهم إليهما، ولا أُكادُ قَومًا جاوَروني، ونَزَلوا بلادي، واختاروني على مَن سِوايَ، حَتَّى أدعوَهُم فأسألَهم ماذا يَقولُ هذانِ في أمرِهم، فإن كانوا كما يَقولانِ أسلَمتُهم إليهما ورَدَدتُهم إلى قَومِهم، وإن كانوا على غَيرِ ذلك مَنَعتُهم مِنهما، وأحسَنتُ جِوارَهم ما جاوروني. قالت: ثُمَّ أرسَلَ إلى أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَعاهُم، فلَمَّا جاءَهم رَسولُه اجتَمَعوا ثُمَّ قال بَعضُهم لبَعضٍ: ما تَقولونَ للرَّجُلِ إذا جِئتُموه؟ قالوا: نَقولُ واللهِ ما عَلِمنا، وما أمَرنا به نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كائِنٌ في ذلك ما هو كائِنٌ. فلَمَّا جاؤوه، وقد دَعا النَّجاشيُّ أساقِفَتَه، فنَشَروا مَصاحِفَهم حَولَه، سَألَهم فقال: ما هذا الدِّينُ الذي فارَقتُم فيه قَومَكُم، ولَم تَدخُلوا في ديني ولا في دينِ أحَدٍ مِن هذه الأُمَمِ؟ قالت: فكان الذي كَلَّمَه جَعفَرُ بنُ أبي طالِبٍ، فقال له: أيُّها المَلِكُ، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهِليَّةٍ، نَعبُدُ الأصنامَ، ونَأكُلُ المَيتةَ، ونَأتي الفَواحِشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يَأكُلُ القَويُّ مِنَّا الضَّعيفَ، فكُنَّا على ذلك حَتَّى بَعَثَ اللهُ إلينا رَسولًا مِنَّا نَعرِفُ نَسَبَه وصِدقَه وأمانَتَه وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لنوحِّدَه ونَعبُدَه، ونَخلَعَ ما كُنَّا نَعبُدُ نَحنُ وآباؤُنا مِن دونِه مِنَ الحِجارةِ والأوثانِ، وأمَرَنا بصِدقِ الحَديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصِلةِ الرَّحِمِ، وحُسنِ الجِوارِ، والكَفِّ عنِ المَحارِمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفَواحِشِ، وقَولِ الزُّورِ، وأكلِ مالِ اليَتيمِ، وقَذفِ المُحصَنةِ، وأمَرَنا أن نَعبُدَ اللهَ وحدَه لا نُشرِكُ به شَيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ، قال: فعَدَّدَ عليه أُمورَ الإسلامِ، فصَدَّقناه وآمَنَّا به واتَّبَعناه على ما جاءَ به، فعَبَدنا اللهَ وحدَه، فلَم نُشرِكْ به شَيئًا، وحَرَّمنا ما حَرَّمَ علينا، وأحلَلنا ما أحَلَّ لَنا، فعَدا علينا قَومُنا، فعَذَّبونا وفَتَنونا عن دينِنا ليَرُدُّونا إلى عِبادةِ الأوثانِ مِن عِبادةِ اللهِ، وأن نَستَحِلَّ ما كُنَّا نَستَحِلُّ مِنَ الخَبائِثِ، فلَمَّا قَهَرونا وظَلَمونا، وشَقُّوا علينا، وحالوا بَينَنا وبَينَ دينِنا، خَرَجنا إلى بَلَدِكَ، واختَرناكَ على مَن سِواكَ، ورَغِبنا في جِوارِكَ، ورَجَونا أن لا نُظلَمَ عِندَكَ أيُّها المَلِكُ، قالت: فقال له النَّجاشيُّ: هَل مَعَكَ مِمَّا جاءَ به عنِ اللهِ مِن شَيءٍ؟ قالت: فقال له جَعفَرٌ: نَعَم، فقال له النَّجاشيُّ: فاقرَأْه عَلَيَّ، فقَرَأ عليه صَدرًا مِن (كهيعص)، قالت: فبَكى واللهِ النَّجاشيُّ حَتَّى أخضَلَ لحيَتَه، وبَكَت أساقِفَتُه حَتَّى أخضَلوا مَصاحِفَهم حينَ سَمِعوا ما تَلا عليهم، ثُمَّ قال النَّجاشيُّ: إنَّ هذا والذي جاءَ به موسى لَيَخرُجُ مِن مِشكاةٍ واحِدةٍ، انطَلِقا فواللهِ لا أُسلِمُهم إليكُم أبَدًا، ولا أُكادُ، قالت أُمُّ سَلَمةَ: فلَمَّا خَرَجا مِن عِندِه قال عَمرو بنُ العاصِ: واللهِ لَأُنَبِّئَنَّهم غَدًا عَيبَهم عِندَهم، ثُمَّ أستَأصِلُ به خَضراءَهم، قالت: فقال له عَبدُ اللهِ بنُ أبي رَبيعةَ -وكان أتقى الرَّجُلَينِ فينا-: لا تَفعَلْ؛ فإنَّ لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالَفونا. قال: واللهِ لَأُخبِرَنَّه أنَّهم يَزعُمونَ أنَّ عيسى ابنَ مَريَمَ عَبدٌ، قالت: ثُمَّ غَدا عليه الغَدَ، فقال له: أيُّها المَلِكُ، إنَّهم يَقولونَ في عيسى ابنِ مَريَمَ قَولًا عَظيمًا، فأرسِلْ إليهم فاسألْهم عَمَّا يَقولونَ فيه، قالت: فأرسَلَ إليهم يَسألُهم عنه، قالت: ولَم يَنزِلْ بنا مِثلُه، فاجتَمَعَ القَومُ، فقال بَعضُهم لبَعضٍ: ماذا تَقولونَ في عيسى إذا سَألَكُم عنه؟ قالوا: نَقولُ واللهِ فيه ما قال اللهُ، وما جاءَ به نَبيُّنا كائِنًا في ذلك ما هو كائِنٌ، فلَمَّا دَخَلوا عليه قال لهم: ما تَقولونَ في عيسى ابنِ مَريَمَ؟ فقال له جَعفَرُ بنُ أبي طالِبٍ: نَقولُ فيه الذي جاءَ به نَبيُّنا: هو عَبدُ اللهِ ورَسولُه، ورُوحُه وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ العَذراءِ البَتولِ، قالت: فضَرَبَ النَّجاشيُّ يَدَه إلى الأرضِ، فأخَذَ مِنها عودًا، ثُمَّ قال: ما عَدا عيسى ابن مَريَمَ ما قُلتَ هذا العودَ! فتَناخَرَت بَطارِقَتُه حَولَه حينَ قال ما قال، فقال: وإن نَخَرتُم واللهِ! اذهَبوا فأنتُم سُيومٌ بأرضي -والسُّيومُ: الآمِنونَ– مَن سَبَّكُم غُرِّمَ، ثُمَّ مَن سَبَّكُم غُرِّمَ، ثُمَّ مَن سَبَّكُم غُرِّمَ، ما أُحِبُّ أن ليَ دَبْرًا ذَهَبًا، وأنِّي آذَيتُ رَجُلًا مِنكُم - والدَّبْرُ بلِسانِ الحَبَشةِ: الجَبَلُ- رُدُّوا عليهما هَداياهُما، فلا حاجةَ لَنا بها، فواللهِ ما أخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشوةَ حينَ رَدَّ عليَّ مُلكي، فآخُذَ الرِّشوةَ فيه، وما أطاعَ النَّاسَ فيَّ فأُطيعَهم فيه. قالت: فخَرَجا مِن عِندِه مَقبوحَينِ مَردودًا عليهما ما جاءا به، وأقَمنا عِندَه بخَيرِ دارٍ مَعَ خَيرِ جارٍ. قالت: فواللهِ إنَّا على ذلك إذ نَزَلَ به -يَعني مَن يُنازِعُه في مُلكِه- قال: فواللهِ ما عَلِمنا حُزنًا قَطُّ كان أشَدَّ مِن حُزنٍ حَزِناه عِندَ ذلك؛ تَخَوُّفًا أن يَظهَرَ ذلك على النَّجاشيِّ، فيَأتيَ رَجُلٌ لا يَعرِفُ مِن حَقِّنا ما كان النَّجاشيُّ يَعرِفُ مِنه. قالت: وسارَ النَّجاشيُّ وبَينَهما عَرضُ النِّيلِ، قالت: فقال أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن رَجُلٌ يَخرُجُ حَتَّى يَحضُرَ وقعةَ القَومِ ثُمَّ يَأتيَنا بالخَبَرِ؟ قالت: فقال الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ: أنا، قالت: وكان مِن أحدَثِ القَومِ سِنًّا، قالت: فنَفَخوا له قِربةً، فجَعَلَها في صَدرِه ثُمَّ سَبَحَ عليها حَتَّى خَرَجَ إلى ناحيةِ النِّيلِ التي بها مُلتَقى القَومِ، ثُمَّ انطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهم. قالت: ودَعَونا اللهَ للنَّجاشيِّ بالظُّهورِ على عَدوِّهِ، والتَّمكينِ له في بلادِه، واستَوسَقَ عليه أمرُ الحَبَشةِ، فكُنَّا عِندَه في خَيرِ مَنزِلٍ، حَتَّى قدِمنا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو بمَكَّةَ
لمَّا نزَلْنا أرضَ الحَبشةِ، جاوَرْنا بها خيرَ جارٍ النَّجاشيَّ، أمِنَّا على دِينِنا، وعبَدْنا اللهَ تَعالى لا نُؤذَى، ولا نَسمَعُ شيئًا نَكرَهُه. فلمَّا بلَغَ ذلك قُرَيشًا، ائتَمَروا أنْ يَبعَثوا إلى النَّجاشيِّ فينا رَجُلَينِ جَلدَينِ، وأنْ يُهدوا للنَّجاشيِّ هَدايا ممَّا يُستَطرَفُ مِن مَتاعِ مكَّةَ، وكان مِن أعجَبِ ما يَأتيه منها إليه الأَدَمُ. فجَمَعوا له أَدَمًا كَثيرًا، ولم يَترُكوا مِن بَطارِقَتِه بِطريقًا إلَّا أهدَوا إليه هَديَّةً، ثُمَّ بَعَثوا بذلك عبدَ اللهِ بنَ أبي رَبيعةَ بنِ المُغيرةَ المَخزوميَّ، وعَمرَو بنَ العاصِ السَّهْميَّ، وأمَّروهما أمْرَهم، وقالوا لهما: ادفَعوا إلى كلِّ بِطريقٍ هَديَّتَه قبلَ أنْ تُكلِّموا النَّجاشيَّ فيهم، ثُمَّ قَدِّموا له هَداياه، ثُمَّ سَلُوه أنْ يُسلِمَهم إليكم قبلَ أنْ يُكلِّمَهم. قالتْ: فخَرَجا، فقَدِما على النَّجاشيِّ، ونحن عندَه بخَيرِ دارٍ، عندَ خيرِ جارٍ، فلمْ يَبقَ مِن بَطارِقَتِه بِطريقٌ إلَّا دَفَعا إليه هَديَّتَه، وقالا له: إنَّه قد ضَوَى إلى بَلدِ المَلِكَ منَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دِينَ قَومِهم، ولم يَدخُلوا في دِينِكم، وجاؤوا بدِينٍ مُبتدَعٍ، لا نَعرِفُه نحن ولا أنتم، وقد بَعَثَنا إلى المَلِكِ فيهم أشرافُ قَومِهم، ليَرُدَّهم إليهم، فإذا كَلَّمْنا المَلِكَ فيهم، فأشيروا عليه بأنْ يُسلِمَهم إلينا، ولا يُكلِّمَهم؛ فإنَّ قَومَهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم. فقالوا لهم: نعمْ. ثُمَّ إنَّهما قَرَّبا هَدايا النَّجاشيِّ، فقبِلَها منهم، ثُمَّ كَلَّماه، فقالا له: أيُّها المَلِكُ، إنَّه ضَوَى إلى بَلدِكَ منَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دِينَ قَومِهم، ولم يَدخُلوا في دِينِكَ، وجاؤوا بدِينٍ مُبتدَعٍ، لا نَعرِفُه نحن ولا أنت، وقد بعَثَنا إليك أشرافُ قَومِهم مِن آبائِهم وأعمامِهم وعَشائرِهم؛ لتَرُدَّهم إليهم، فهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم فيه. قالتْ: ولم يَكُنْ شيءٌ أبغَضَ إلى عبدِ اللهِ وعَمرٍو مِن أنْ يَسمَعَ النَّجاشيُّ كَلامَهم. فقالتْ بَطارِقَتُه حَولَه: صدَقوا أيُّها المَلِكُ، فأسلِمْهم إليهما. فغضِبَ النَّجاشيُّ، ثُمَّ قال: لا ها اللهِ، إذَنْ لا أُسلِمُهم إليهما، ولا أُكادُ قَومًا جاوَروني، ونزَلوا بِلادي، واختاروني على مَن سِواي حتى أدْعُوهم، فأسألَهم. ثُمَّ أرسَلَ إلى أصحابِ رسولِ اللهِ، فدَعاهم، فلمَّا جاءهم رسولُه اجتَمَعوا، ثُمَّ قال بَعضُهم لبَعضٍ: ما تقولونَ للرَّجُلِ إذا جِئتُموه؟ قالوا: نقولُ -واللهِ- ما علِمْنا، وما أمَرَنا به نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كائنًا في ذلك ما كان. فلمَّا جاؤوه وقد دَعا النَّجاشيُّ أساقِفَتَه، فنشَروا مَصاحِفَهم حَولَه، سألَهم فقال: ما هذا الدِّينُ الذي فارَقتُم فيه قَومَكم، ولم تَدخُلوا في دِيني، ولا في دِينِ أحدٍ مِن هذه الأُمَمِ؟ قالتْ: وكان الذي يُكلِّمُه جَعفَرُ بنُ أبي طالبٍ، فقال له: أيُّها المَلِكُ، إنَّا كنَّا قَومًا أهلَ جاهليَّةٍ؛ نَعبُدُ الأصنامَ، ونَأكُلُ المَيْتةَ، ونَأتي الفَواحشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، ويَأكُلُ القَويُّ منَّا الضَّعيفَ، فكنَّا على ذلك حتى بعَثَ اللهُ إلينا رسولًا منَّا، نَعرِفُ نَسَبَه وصِدقَه وأمانتَه وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لنُوَحِّدَه ونَعبُدَه، ونَخلَعَ ما كنَّا نَعبُدُ وآباؤنا مِن دونِه مِن الحِجارةِ والأوْثانِ، وأمَرَنا بصِدقِ الحَديثِ، وأداءِ الأمانة، وصِلةِ الرَّحمِ، وحُسنِ الجِوارِ، والكَفِّ عن المَحارِمِ والدِّماءِ، ونَهانا عن الفَواحشِ، وقَولِ الزُّورِ، وأكلِ مالِ اليَتيمِ، وقَذفِ المُحصَنةِ، وأمَرَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ لا نُشرِكُ به شيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصِّيامِ -قالتْ: فعَدَّدَ له أُمورَ الإسلامِ-؛ فصَدَّقْناه، وآمَنَّا به، واتَّبَعْناه، فعَدا علينا قَومُنا، فعَذَّبونا، وفَتَنونا عن دِينِنا ليَرُدُّونا إلى عِبادةِ الأوْثانِ، وأنْ نَستحِلَّ ما كنَّا نَستحِلُّ مِن الخَبائثِ، فلمَّا قَهَرونا وظَلَمونا، وشَقُّوا علينا، وحالُوا بيْنَنا وبيْنَ دِينِنا؛ خرَجْنا إلى بَلدِكَ، واختَرْناكَ على مَن سِواكَ، ورغِبْنا في جِوارِكَ، ورَجَوْنا ألَّا نُظلَمَ عندَكَ أيُّها المَلِكُ. قالتْ: فقال: هل معك ممَّا جاء به عن اللهِ مِن شيءٍ؟ قال: نعمْ. قال: فاقرَأْه علَيَّ. فقرَأَ عليه صَدرًا مِن: {كهيعص}، فبَكى -واللهِ- النَّجاشيُّ حتى أخضَلَ لِحيَتَه، وبكَتْ أساقِفَتُه حتى أخضَلوا مَصاحِفَهم حينَ سَمِعوا ما تُليَ عليهم. ثُمَّ قال النَّجاشيُّ: إنَّ هذا والذي جاء به موسى ليَخرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحدةٍ، انطَلِقا، فواللهِ لا أُسلِمُهم إليكم أبدًا، ولا أُكادُ. فلمَّا خَرَجا، قال عَمرٌو: واللهِ لأُنبِئَنَّه غَدًا عَيبَهم، ثُمَّ أستأصِلُ خَضراءَهم. فقال له عَبدُ اللهِ بنُ أبي رَبيعةَ -وكان أتقى الرَّجُلَينِ فينا-: لا تَفعَلْ؛ فإنَّ لهم أرحامًا، وإنْ كانوا قد خالَفونا. قال: واللهِ لأُخبِرَنَّه أنَّهم يَزعُمونَ أنَّ عيسى عَبدٌ. ثُمَّ غَدَا عليه، فقال: أيُّها المَلِكُ، إنَّهم يقولونَ في عيسى ابنِ مَريَمَ قَولًا عَظيمًا، فأرسِلْ إليهم، فسَلْهم عما يقولونَ فيه. فأرسَلَ يَسألُهم. قالتْ: ولم يَنزِلْ بنا مِثلُها، فاجتمَعَ القَومُ، ثُمَّ قالوا: نقولُ -واللهِ- فيه ما قال اللهُ تَعالى، كائنًا ما كان. فلمَّا دَخَلوا عليه، قال لهم: ما تقولونَ في عيسى؟ فقال له جَعفَرٌ: نقولُ فيه الذي جاء به نَبيُّنا، هو عَبدُ اللهِ، ورسولُه، ورُوحُه، وكَلِمتُه ألقاها إلى مَريَمَ العَذراءِ البَتولِ. فضَرَبَ النَّجاشيُّ يَدَه إلى الأرضِ، فأخَذَ عُودًا، ثُمَّ قال: ما عَدا عيسى ما قُلتَ هذا العُودَ. فتَناخَرَتْ بَطارِقَتُه حَولَه، فقال: وإنْ نَخَرتُم واللهِ، اذهَبوا فأنتم سُيومٌ بأرضي -والسُّيومُ: الآمِنونَ-، مَن سَبَّكم غرِمَ، ثُمَّ مَن سَبَّكم غرِمَ، ما أُحِبُّ أنَّ لي دَبْرى ذَهبًا، وأنِّي آذَيتُ رَجُلًا منكم -والدَّبْرُ بلِسانِهم: الجَبلُ-، رُدُّوا عليهما هَداياهما، فواللهِ ما أخَذَ اللهُ منِّي الرِّشْوةَ حينَ رَدَّ علَيَّ مُلكي، فآخُذَ الرِّشْوةَ فيه، وما أطاعَ النَّاسَ فيَّ، فأُطيعَهم فيه. فخَرَجا مَقبوحَيْنِ! مَردودًا عليهما ما جاءا به، وأقَمْنا عندَه بخَيرِ دارٍ مع خيرِ جارٍ. فواللهِ إنَّا على ذلك، إذ نزَلَ به -يَعني: مَن يُنازِعُه في مُلكِه- فواللهِ ما علِمْنا حَربًا قَطُّ كان أشَدَّ مِن حَربٍ حربناه ، تَخوُّفًا أنْ يَظهَرَ ذلك على النَّجاشيِّ، فيَأتيَ رَجُلٌ لا يَعرِفُ مِن حَقِّنا ما كان النَّجاشيُّ يَعرِفُ منه. وسار النَّجاشيُّ، وبينهما عَرضُ النِّيلِ. فقال أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن رَجُلٌ يَخرُجُ حتى يَحضُرَ وَقعةَ القَومِ، ثُمَّ يَأتيَنا بالخَبرِ؟ فقال الزُّبَيرُ: أنا. -وكان مِن أحدَثِ القَومِ سِنًّا- فنَفَخوا له قِربةً، فجَعَلها في صَدرِه، ثُمَّ سَبَحَ عليها حتى خرَجَ إلى مَكانِ المُلتقى، وحضَرَ. فدَعَوْنا اللهَ للنَّجاشيِّ بالظُّهورِ على عَدوِّه، والتَّمكينِ له في بِلادِه، واستَوسَقَ له أمْرُ الحَبشةِ، فكنَّا عندَه في خيرِ مَنزِلٍ حتى قدِمْنا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو بمكَّةَ
تُعطى الشمسُ يومَ القيامةِ حرَّ عشرِ سنينَ ، ثُمَّ تُدْنَى من جماجِمِ الناسِ حتى يكونَ قابَ قوسَيْنِ ، فيعرَقونَ حتى يرسخَ العرقُ في الأرضِ قامَةً ، ثُمَّ يرتفعُ الرجلُ حتى يعرقَ الرجلُ - قال سلمانُ : حتى يقولَ الرجلُ : غَقْ ، غَقْ - ، فإذا رأَوا ما هم فيه قال بعضُهم لبعضٍ : ألَا تَرَوْنَ ما أنتم فيه ؟ ائتوا أباكم آدمَ عليه السلام فلْيَشْفَعْ لكم إلى ربِّكُمْ جلَّ وعزَّ ، فيأتونَ آدمَ فيقولونَ : يا أبانا أنتَ الذي خلقَكَ اللهُ بيدِهِ ، ونفخ فيكَ من روحِهِ ، وأسكنكَ جنتَهُ ، قم فاشفَعْ لنا إلى ربِّنا ، فقدْ ترى ما نحنُ فيه ، فيقولُ : لستُ هناكَ ، ولستُ بذاكَ ، فأينَ الفَعْلَةُ ؟ فيقولوا : إلى مَنْ تأمُرُنا ؟ فيقولُ : ائتوا عبدًا شاكِرًا ، فيأتونَ نوحًا عليه السلامُ ، فيقولونَ : يا نبيَّ اللهِ أنتَ الذي جعلَكَ اللهُ شاكرًا ، وقد ترى ما نحْنُ فيه ، فقم فاشفَعْ لنا إلى ربِّكَ ، فيقولُ : لستُ هناكم ، ولستُ بذاكَ ، فأينَ الفعلَةُ ؟ فيقولونُ : إلى من تأمرُنا ؟ فيقولُ : ائتوا إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ ، فيأتونَ إبراهيمَ فيقولونَ : يا خليلَ الرحمنِ قدْ ترى ما نحْنُ فيه ، فاشفعْ لنا إلى ربِّنَا ، فيقولُ : لستُ هناكَ ، ولستُ بذاكَ ، فأينَ الفَعلَةُ ؟ فيقولونَ : إلى مَنْ تأمرُنا ؟ فيقولُ : ائتوا موسى عبدًا اصطفاهُ اللهُ بِرسالاتِهِ وبكلامِهِ ، فيأتونَ موسى عليه السلامُ ، فيقولونَ : قدْ تَرَى ما نحنُ فيه ، اشفَعْ لنا إلى ربِّكَ ، فيقولُ : لستُ هناكَ ، ولستُ بذاكَ ، فأينَ الفعلَةُ ؟ فيقولونَ : فإلى مَنْ تأمرُنا ؟ فيقولُ : ائتوا كلِمَةَ اللهِ وروحَهُ عيسى ، فيقولونَ : يا كلِمَةَ اللهِ ، وروحَهُ ، قد تَرَى ما نحنُ فيه ، فاشفعْ لنا إلى ربِّكَ ، فيقولُ : لستُ هناكَ ، ولستُ بذاكَ ، فأينَ الفَعلَةَ ؟ فيقولونَ : فإلى مَنْ تأمرُنا ؟ فيقولُ : ائتوا عبدًا فتح اللهُ به ، وختَمَ ، وغفر له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ وما تأخَّرَ ، ويَجيءُ في هذا اليومِ آمنًا محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فيأتون النبيَّ ، فيقولون : يا نبيَّ اللهِ أنتَ الذي فتح اللهُ بكَ ، وغفر لكَ ما تقدمَ من ذنبِكَ وما تأَخَّرَ ، وجئْتَ في هذا اليوم آمنًا ، وقد تَرَى إلى ما نحنُ فيه ، فاشفعْ لنا إلى ربِّنا ، فيقولُ : أنا صاحبُكُم ، فيخرُجُ يحوشُ الناسَ ، حتى ينتهِيَ إلى بابِ الجنةِ ، فيأخُذُ بحلقَةِ البابِ من ذَهَبٍ ، فيقرَعُ البابَ ، فيقالُ : من هذا ؟ فيقالُ : محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، قال : فيفتحُ اللهُ له ، قال : فيجيءُ حتى يقومَ بينَ يَدَيِ اللهِ ، فيستأذِنُ في السجودِ ، فيؤذَنُ ، فيسجُدُ ، فينادِى : يا محمدُ ! ارفعْ رأسكَ ، سلْ تُعْطَهْ ، اشفعْ تُشَفَّعْ ، وادعُ تُجَبْ ، قال : فيفتَحُ اللهُ عليه من الثناءِ عليه والتحميدِ والتمجيدِ ما لم يُفْتَحْ لأحدٍ من الخلائقِ ، قال : فيقولُ : أيْ ربِّ أمَّتي أمَّتِي أمَّتِي ، ثُمَّ يَستأذِنُ في السجودِ ، فيؤذَنُ له ، فيسجدُ ، فيفتَحُ اللهُ عليه من الثناءِ عليه والتحميدِ والتمجيدِ شيئًا لم يُفْتَحْ لأحدٍ من الخلائقِ ، وينادى : يا محمدُ ! ارفعْ رأسَكَ ، سلْ تعطهْ ، واشفعْ تُشَفَّعْ ، وادعُ تُجَبْ ، فيرفعُ رأسَه فيقولُ : ربِّ أُمَّتِي أمَّتِي ( مرتينِ أوْ ثلاثًا )
يجمعُ اللهُ الناسَ يومَ القيامَةِ ، فيقومُ المؤمنونَ حينَ تُزْلَفُ لهم الجنةُ ، فيأتونَ آدمَ ، فيقولونَ : يا أبانا ! استفتِحْ لنا الجنةَ ، فيقولُ : وهلْ أخرجَكُمْ مِنَ الجنةِ إلَّا خطيئةُ أبيكم آدمَ ، لستُ بصاحبِ ذلِكَ ، اذهبوا إلى ابني إبراهيمَ خليلِ اللهِ ، فيقولُ إبراهيمُ : لستُ بصاحِبِ ذلِكَ ؛ إِنَّما كنتُ خليلًا مِنْ وراءِ وراءِ ، اعمَدوا إلى موسى الذي كَلَّمَهُ اللهُ تكليمًا ، فيأتونَ موسى ، فيقولُ لستُ بصاحِبِ ذلِكَ ، اذهبوا إلى عيسى كلمَةِ اللهِ وروحِهِ ، فيقولُ عيسى لستُ بصاحِبِ ذلَكِ ، اذهبوا إلى محمدٍ ، فيأتونَ محمدًا ، فيقومُ فيؤذَنُ له ، وتُرْسَلُ الأمانَةُ والرحِمُ ، فتقومانِ جنْبَتَيِ الصراطِ يمينًا وشمالًا ، تجرِي بهم أعمالُهم ، ونبيُّكم قائِمٌ على الصراطِ يقولُ : يا ربِّ سلِّمْ سلِّمْ ، حتى تعجِزَ أعمالُ العبادِ ، وحتَّى يجيءَ الرجلُ فلا يستطيعُ السيرَ إلَّا زحفًا ، وفي حافَّتَيِ الصراطِ كلاليبُ مُعَلَّقَةٌ ، مأمورةٌ ، تَأْخُذُ مَنْ أُمِرَتْ بأخذِهِ فمخدوشٌ ناجٍ ، ومكدوسٌ في النارِ
يَجمَعُ اللهُ تَبارَك وتَعالى النَّاسَ، فيَقومُ المُؤمِنونَ حتَّى تُزلَفَ لهمُ الجَنَّةُ، فيَأتونَ آدَمَ، فيَقولونَ: يا أبانا، استَفتِحْ لنا الجَنَّةَ، فيَقولُ: وهل أخرَجَكُم مِنَ الجَنَّةِ إلَّا خَطيئةُ أبيكُم آدَمَ؟ لَستُ بصاحِبِ ذلك، اذهَبوا إلى ابني إبراهيمَ خَليلِ اللهِ، قال: فيَقولُ إبراهيمُ: لَستُ بصاحِبِ ذلك، إنَّما كُنتُ خَليلًا مِن وراءَ وراءَ، اعمِدوا إلى موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي كَلَّمَه اللهُ تَكليمًا، فيَأتونَ موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولُ: لَستُ بصاحِبِ ذلك، اذهَبوا إلى عيسى كَلِمةِ اللهِ وروحِه، فيَقولُ عيسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَستُ بصاحِبِ ذلك، فيَأتونَ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقومُ فيُؤذَنُ له، وتُرسَلُ الأمانةُ والرَّحِمُ، فتَقومانِ جَنَبَتَيِ الصِّراطِ يَمينًا وشِمالًا، فيَمُرُّ أوَّلُكُم كالبَرقِ، قال: قُلتُ: بأبي أنتَ وأُمِّي، أيُّ شيءٍ كَمَرِّ البَرقِ؟ قال: ألَم تَرَوا إلى البَرقِ كيفَ يَمُرُّ ويَرجِعُ في طَرفةِ عَينٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيرِ، وشَدِّ الرِّجالِ، تَجري بهِم أعمالُهم، ونَبيُّكُم قائِمٌ على الصِّراطِ، يقولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حتَّى تَعجِزَ أعمالُ العِبادِ، حتَّى يَجيءَ الرَّجُلُ فلا يَستَطيعُ السَّيرَ إلَّا زَحفًا، قال: وفي حافَتَيِ الصِّراطِ كَلاليبُ مُعَلَّقةٌ مَأمورةٌ بأخذِ مَنِ أُمِرَت به، فمَخدوشٌ ناجٍ، ومَكدوسٌ في النَّارِ. والذي نَفسُ أبي هُرَيرةَ بيَدِه، إنَّ قَعرَ جَهَنَّمَ لَسَبعونَ خَريفًا
يَجمَعُ اللهُ الناسَ، فيقولُ المُؤمِنونَ، حينَ تُزلَفُ الجنَّةُ، فيأتونَ آدَمَ، فيقولونَ: يا أبانا استَفْتِحْ لنا الجنَّةَ. فيقولُ: وهل أخرَجَكم مِن الجنَّةِ إلَّا خَطيئةُ أبيكم آدَمَ؟ لَستُ بصاحِبِ ذلكَ، اعْمِدوا إلى إبراهيمَ خَليلِ رَبِّه، فيقولُ إبراهيمُ: لَستُ بصاحِبِ ذلكَ، إنَّما كنتُ خَليلًا مِن وَراءَ وَراءَ، اعْمِدوا إلى ابْني موسى، الذي كَلَّمَه اللهُ تَكليمًا، فيأتونَ موسى، فيقولُ: لَستُ بصاحِبِ ذلكَ، اذهَبوا إلى كَلِمةِ اللهِ ورُوحِه عيسى. قال: فيقولُ عيسى: لَستُ بصاحِبِ ذلكَ، فيأتونَ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيَقومُ، فيُؤذَنُ له، وتُرسَلُ معه الأمانةُ والرَّحِمُ، فيَقِفانِ على الصِّراطِ، يَمينَه وشِمالَه، فيَمُرُّ أوَّلُكم كمَرِّ البَرقِ. قلتُ: بأبي أنتَ وأُمِّي، أيُّ شيءٍ مَرُّ البَرقِ؟ قال: ألم تَرَ إلى البَرقِ كيفَ يَمُرُّ، ثمَّ يَرجِعُ في طَرفةِ عَينٍ، كمَرِّ الرِّيحِ، ومَرِّ الطُّيورِ، وشَدِّ الرِّجالِ، تَجري بهم أعمالُهم، ونَبيُّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قائمٌ على الصِّراطِ، يقولُ: رَبِّ سَلِّمْ، سَلِّمْ. قال: حتى تَعجِزَ أعمالُ الناسِ، حتى يَجيءَ الرجُلُ فلا يَستَطيعُ أنْ يَمُرَّ إلَّا زَحفًا، قال: وفي حافَّتَيِ الصِّراطِ كَلاليبُ مُعَلَّقةٌ مَأْمورةٌ، تأخُذُ مَن أُمِرتْ به، فمَخدوشٌ ناجٍ، ومَكدوسٌ في النارِ. والذي نَفْسُ أبي هُرَيرةَ بيَدِه، إنَّ قَعرَ جَهنَّمَ لَسَبعينَ خَريفًا
يَجمَعُ اللهُ النَّاسَ، فيقومُ المؤمِنونَ حِين تُزْلَفُ الجنَّةُ، فيَأتون آدمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فيَقولُون: يا أبانا، استَفتِحْ لنا الجنَّةَ، فيَقولُ: وهلْ أخْرَجَتْكم مِنَ الجنَّةِ إلَّا خَطيئةُ أبيكُم آدمَ، لسْتُ بصاحبِ ذلك، اعْمِدوا إلى إبراهيمَ خليلِ ربِّه، فيَقولُ إبراهيمُ: لسْتُ بصاحبِ ذاكَ؛ إنَّما كُنتُ خَليلًا مِن وَراءَ وَراءَ، اعمِدوا إلى النَّبيِّ مُوسى الَّذي كلَّمَه اللهُ تَكليمًا، فيَأْتون مُوسى، فيَقولُ: لسْتُ بصاحبِ ذاكَ، اذْهَبوا إلى كَلمةِ اللهِ ورُوحِه عِيسى، فيَقولُ عِيسى: لسْتُ بصاحبِ ذاكَ، فيَأْتون محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيقومُ فيُؤذَنُ له، ويُرسَلُ معه الأمانةُ والرَّحمُ، فيَقِفانِ بالصِّراطِ يَمينَه وشِمالَه، فيَمُرُّ أوَّلُكم كمَرِّ البرْقِ، قُلتُ: بأبي وأُمِّي، أيُّ شَيءٍ مَرُّ البرْقِ، قال: ألمْ تَرَ إلى البرْقِ كيْف يمُرُّ ثمَّ يَرجِعُ في طَرْفةٍ، ثمَّ كمَرِّ الرِّيحِ ومَرِّ الطَّيرِ وشَدِّ الرِّجالِ، تَجْري بهمْ أعمالُهم ونَبيُّكم قائمٌ على الصِّراطِ: ربِّ سلِّمْ سلِّمْ، قال: حتَّى تَعجِزَ أعمالُ النَّاسِ، حتَّى يَجِيءَ الرَّجلُ، فلا يَستطيعُ أنْ يَمُرَّ إلَّا زحْفًا، قال: وفي حافَتَي الصِّراطِ كَلاليبُ مُعلَّقةٌ مَأمورةٌ تَأخُذُ مَن أُمِرَت به؛ فمَخدوشٌ ناجٍ، ومُكرْدَسٌ في النَّارِ، والَّذي نفْسُ أبي هُرَيرةَ بيَدِه، إنَّ قَعْرَ جَهنَّمَ لسَبعينَ خَريفًا
يُحشَرُ المؤْمِنونَ يَومَ القيامةِ، فيَهتَمُّونَ لذلك، فيَقولونَ: لوِ استَشفَعْنا على ربِّنا حتى يُريحَنا مِن مَكانِنا، فيأتونَ آدَمَ، فيَقولونَ: أنت أبونا، خَلَقَك اللهُ بيَدِه، وأسجَدَ لك مَلائكتَه، وعَلَّمَك أسماءَ كلِّ شَيءٍ، فاشفَعْ لنا عِندَ ربِّك، قال: فيقول: لسْتُ هُناكُم -ويَذكُرُ خَطيئتَه التي أصابَ؛ أكْلَه مِنَ الشجرةِ وقد نُهيَ عنها- ولكنِ ائْتُوا نوحًا، أوَّلَ نبيٍّ بعَثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ. قال: فيأتونَ نوحًا، فيقولُ: لسْتُ هُناكُم -ويَذكُرُ خَطيئتَه؛ سؤالَه اللهَ بغيرِ عِلمٍ- ولكنِ ائْتوا إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ، فيأتونَ إبراهيمَ، فيقولُ: لسْتُ هُناكُم -ويَذكُرُ خَطيئتَه التي أصابَ؛ ثلاثَ كَذَباتٍ كَذَبَهُنَّ: قولَه: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وقولَه: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وأتَى على جبَّارٍ مُتْرَفٍ ومعه امرأتُه، فقال: أَخبِريه أنِّي أخوكِ؛ فإنِّي مُخبِرُه أنَّكِ أُختي- ولكنِ ائْتوا موسى؛ عبْدًا كَلَّمَه اللهُ تكليمًا، وأَعطاهُ التَّوراةَ، وقال: فيأتونَ موسى، فيقولُ: لسْتُ هُناكُم -ويَذكُرُ خَطيئتَه التي أصابَ؛ قَتْلَه الرَّجُلَ- ولكنِ ائْتوا عيسى عبْدَ اللهِ ورسولَه، وكَلِمةَ اللهِ ورُوحَه، فيأتونَ عيسى، فيقولُ: لسْتُ هُناكُم، ولكنِ ائْتوا محمَّدًا عبْدَ اللهِ ورسولَه، غُفِر له ما تَقدَّمَ مِن ذَنْبِه وما تأخَّرَ. قال: فيأْتوني، فأستأذِنُ على ربِّي في دارِه، فيُؤذَنُ لي عليه، فإذا رأيْتُه وقَعْتُ ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاء اللهُ أنْ يَدَعَني، ثمَّ يقولُ: ارفَعْ رأسَك محمَّدُ، وقُلْ تُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَ. فأرفَعُ رأسي، فأَحمَدُ ربِّي بثَناءٍ وتحميدٍ يُعَلِّمُنيه، ثمَّ أَشفَعُ، فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأَخرُجُ فأُدخِلُهم في الجَنَّةِ -قال هَمَّامٌ: وسمِعتُه يقولُ: فأُخرِجُهم مِنَ النارِ، وأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ-، ثمَّ أَستأذِنُ على ربِّي الثانيةَ، فيُؤذَنُ لي عليه، فإذا رأيْتُه وقَعْتُ ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاء اللهُ أنْ يَدَعَني، ثمَّ يقولُ: ارفَعْ رأسَك محمَّدُ، وقُلْ تُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَ، قال: فأَرفَعُ رأسي، فأَحمَدُ ربِّي بثَناءٍ وتحميدٍ يُعَلِّمُنيه، ثمَّ أَشفَعُ، فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأَخرُجُ فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ -قال هَمَّامٌ: وأيضًا سمِعتُه يقولُ: فأُخرِجُهم مِنَ النارِ، فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ- قال: ثمَّ أَستأذِنُ على ربِّي الثالثةَ، فإذا رأيْتُه وقَعْتُ ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاء اللهُ أنْ يَدَعَني، ثمَّ يقولُ: ارفَعْ محمَّدُ، وقُلْ تُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعطَ، فأَرفَعُ رأسي، فأَحمَدُ ربِّي بثَناءٍ وتحميدٍ يُعَلِّمُنيه، ثمَّ أَشفَعُ، فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأَخرُجُ فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ -قال هَمَّامٌ: وسمِعتُه يقولُ: فأُخرِجُهم مِنَ النارِ، فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ- فلا يَبْقى في النارِ إلَّا مَن حَبَسَه القرآنُ. أي: وجَبَ عليه الخُلودُ، ثمَّ تَلا قَتادةُ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]. قال: هو المَقامُ المحمودُ الذي وَعَدَ اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
وضَعْتُ بيْنَ يدَيْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قصعةً مِن ثَريدٍ ولحمٍ فتناوَل الذِّراعَ وكان أحَبَّ الشَّاةِ إليه فنهَس نَهسةً فقال : ( أنا سيِّدُ النَّاسِ يومَ القيامةِ ) [ ثمَّ نهَس أخرى ] فقال : ( أنا سيِّدُ النَّاسِ يومَ القيامةِ ) ثمَّ نهَس أخرى فقال : ( أنا سيِّدُ النَّاسِ يومَ القيامةِ ) ] فلمَّا رأى أصحابَه لا يسأَلونَه قال : ( ألَا تقولونَ : كيف ) ؟ قالوا : كيف يا رسولَ اللهِ ؟ قال : ( يقومُ النَّاسُ لربِّ العالَمينَ فيُسمِعُهم الدَّاعي وينفُذُهم البصَرُ وتدنو الشَّمسُ مِن رؤوسِهم فيشتَدُّ عليهم حَرُّها ويشُقُّ عليهم دُنوُّها منهم فينطلِقونَ مِن الجزَعِ والضَّجَرِ ممَّا هم فيه فيأتونَ آدَمَ فيقولونَ : يا آدَمُ أنتَ أبو البشَرِ خلَقك اللهُ بيدِه وأمَر الملائكةَ فسجَدوا لك فاشفَعْ لنا إلى ربِّك ألا ترى ما نحنُ فيه مِن الشَّرِّ ؟ فيقولُ آدَمُ : إنَّ ربِّي قد غضِب اليومَ غضَبًا لم يغضَبْ قبْلَه مِثْلَه ولنْ يغضَبَ بعدَه مِثْلَه وإنَّه كان أمَرني بأمرٍ فعصَيْتُه فأخاف أنْ يطرَحَني في النَّارِ انطلِقوا إلى غيري نَفْسي نَفْسي فينطلِقونَ إلى نوحٍ فيقولونَ : يا نوحُ أنتَ نَبيُّ اللهِ وأوَّلُ مَن أرسَل فاشفَعْ لنا إلى ربِّك ألا ترى ما نحنُ فيه مِن الشَّرِّ فيقولُ نوحٌ : إنَّ ربِّي قد غضِب اليومَ غضَبًا لم يغضَبْ قبْلَه مِثْلَه ولنْ يغضَبَ بعدَه مِثْلَه وإنَّه قد كانتْ لي دعوةٌ فدعَوْتُ بها على قومي فأُهلِكوا وإنِّي أخافُ أنْ يطرَحَني في النَّارِ انطلِقوا إلى غيري نَفْسي نَفْسي فينطلِقونَ إلى إبراهيمَ فيقولونَ : يا إبراهيمُ أنتَ خليلُ اللهِ قد سمِع بخُلَّتِكما أهلُ السَّمواتِ والأرضِ فاشفَعْ لنا إلى ربِّك ألا ترى ما نحنُ فيه مِن الشَّرِّ ؟ فيقولُ : إنَّ ربِّي قد غضِب اليومَ غضَبًا لم يغضَبْ قبْلَه مِثْلَه ولنْ يغضَبَ بعدَه مِثْلَه وذكَر قولَه في الكواكبِ : {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] وقولَه لآلهتِهم : {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] وقولَه : {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] وإنِّي أخافُ أنْ يطرَحَني في النَّارِ انطلِقوا إلى غيري نَفْسي نَفْسي فينطلِقونَ إلى موسى فيقولونَ : يا موسى أنتَ نَبيٌّ اصطفاك اللهُ برِسالاتِه وكلَّمك تكليمًا فاشفَعْ لنا إلى ربِّك ألا ترى ما نحنُ فيه مِن الشَّرِّ ؟ فيقولُ موسى : إنَّ ربِّي قد غضِب اليومَ غضَبًا لم يغضَبْ قبْلَه مِثْلَه ولنْ يغضَبَ بعدَه مِثْلَه وإنِّي قد قتَلْتُ نفسًا ولم أُومَرْ بها فأخافُ أنْ يطرَحَني في النَّارِ انطلِقوا إلى غيري نَفْسي نَفْسي فينطلِقونَ إلى عيسى فيقولونَ : يا عيسى أنتَ نبيُّ اللهِ وكلمةُ اللهِ ورُوحُه ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه اشفَعْ لنا إلى ربِّك ألا ترى ما نحنُ فيه مِن الشَّرِّ فيقولُ : إنَّ ربِّي قد غضِب اليومَ غضَبًا لم يغضَبْ قبْلَه مِثْلَه ولنْ يغضَبَ بعدَه مِثْلَه وأخافُ أنْ يطرَحَني في النَّارِ انطلِقوا إلى غيري نَفْسي نَفْسي ) قال عُمارةُ : ولا أعلَمُه ذكَر ذنبًا ( فيأتونَ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيقولونَ : أنتَ رسولُ اللهِ وخاتَمُ النَّبيِّينَ غفَر اللهُ لك ما تقدَّم مِن ذنبِك وما تأخَّر اشفَعْ لنا إلى ربِّك فأنطلِقُ فآتي العرشَ فأقَعُ ساجدًا لربِّي فيُقيمُني ربُّ العالَمينَ منه مقامًا لَمْ يُقِمْهُ أحَدًا قبْلي ولَمْ يُقِمْهُ أحَدًا بعدي فيقولُ : يا مُحمَّدُ أدخِلْ مَن لا حسابَ عليه مِن أمَّتِك مِن البابِ الأيمنِ وهم شُركاءُ النَّاسِ في الأبوابِ الأُخَرِ والَّذي نفسُ مُحمَّدٍ بيدِه إنَّ ما بيْنَ المِصراعَيْنِ مِن مَصاريعِ الجنَّةِ إلى ما بيْنَ عِضَادَيِ البابِ كما بيْنَ مكَّةَ وهَجَرَ أو هَجَرَ ومكَّةَ ) قال : لا أدري أيَّ ذلك قال
يَطولُ يَومُ القيامةِ على الناسِ، فيقولُ بعضُهم لبعضٍ: انطَلِقوا بنا إلى آدَمَ أبي البشَرِ، فيَشفَعُ لنا إلى ربِّنا، فلْيَقضِ بيْننا، فيأتونَ آدَمَ، فيَقولونَ: يا آدَمُ، أنت الذي خَلَقَك اللهُ بيَدِه، وأسْكَنَك جَنَّتَه، فاشفَعْ لنا إلى ربِّك فلْيَقضِ بيْننا، فيقولُ: إنِّي لسْتُ هُناكُم، ولكنِ ائْتوا نُوحًا رأسَ النَّبيِّينَ، فيأتونَه، فيَقولونَ: يا نوحُ، اشفَعْ لنا إلى ربِّك فلْيَقضِ بيْننا، فيقولُ: إنِّي لسْتُ هُناكُم، ولكنِ ائْتوا إبراهيمَ خليلَ اللهِ، فيأتونَه، فيقولونَ: يا إبراهيمُ، اشفَعْ لنا إلى ربِّك فلْيَقضِ بيْننا، فيقولُ: إنِّي لسْتُ هُناكُم، ولكنِ ائْتوا موسى الذي اصْطَفاهُ اللهُ برِسالاتِه وبكَلامِه، قال: فيأتونَه، فيقولونَ: يا موسى، اشفَعْ لنا إلى ربِّك فلْيَقضِ بيْننا، فيقولُ: إنِّي لسْتُ هُناكُم، ولكنِ ائْتوا عيسى رُوحَ اللهِ وكَلِمتَه، فيأتونَ عيسى، فيقولونَ: يا عيسى، اشفَعْ لنا إلى ربِّك فلْيَقضِ بيْننا، فيقولُ: إنِّي لسْتُ هُناكُم، ولكنِ ائْتوا محمَّدًا؛ فإنَّه خاتَمُ النَّبيِّينَ، فإنَّه قد حضَرَ اليَومَ، وقد غُفِر له ما تَقدَّمَ مِن ذَنْبِه وما تأخَّرَ، فيقولُ عيسى: أرأَيْتُم لو كان مَتاعٌ في وِعاءٍ قد خُتِم عليه، هل كان يُقْدَرُ على ما في الوِعاءِ حتى يُفَضَّ الخاتَمُ؟ فيقولونَ: لا، قال: فإنَّ محمَّدًا خاتَمُ النَّبيِّينَ، قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فيأْتوني، فيقولونَ: يا محمَّدُ، اشفَعْ لنا إلى ربِّك فلْيَقضِ بيْننا، قال: فأقولُ: نعَمْ، فآتي بابَ الجَنَّةِ، فآخُذُ بحَلْقةِ البابِ فأَستَفتِحُ، فيُقالُ: مَن أنت؟ فأقولُ: محمَّدٌ، فيُفتَحُ لي، فأَخِرُّ ساجدًا، فأَحمَدُ ربِّي بمَحامِدَ لم يَحمَدْه بها أحَدٌ كان قَبْلي، ولا يَحمَدُه بها أحَدٌ كان بَعْدي، فيقولُ: ارفَعْ رأسَك، وقُلْ يُسمَعْ منك، وسَلْ تُعْطَهْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فيقولُ: أيْ ربِّ، أُمَّتي أُمَّتي، فيُقالُ: أَخرِجْ مَن كان في قلبِه مِثقالُ شَعيرةٍ مِن إيمانٍ، قال: فأُخرِجُهم، ثمَّ أَخِرُّ ساجِدًا، فأَحمَدُه بمَحامِدَ لم يَحمَدْه بها أحَدٌ كان قَبْلي، ولا يَحمَدُه بها أحَدٌ كان بَعْدي، فيُقالُ لي: ارفَعْ رأسَك، وسَلْ تُعْطَهْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأقولُ: أيْ ربِّ، أُمَّتي أُمَّتي، فيُقالُ: أَخرِجْ مَن كان في قلبِه مِثقالُ بُرَّةٍ مِن إيمانٍ، قال: فأُخرِجُهم، قال: ثمَّ أَخِرُّ ساجِدًا، فأقولُ مِثلَ ذلك، فيُقالُ: أَخرِجْ مَن كان في قلبِه مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ، قال: فأُخرِجُهم
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(83)
لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرههصدق الحديث وأداء الأمانةمحمد صلى الله عليه وسلمالكف عن المحارم والدماءعيسى عبد الله ورسولهالأساقفة والمصاحفجعفر بن أبي طالبعبد الله ورسولهالكف عن المحارملا إله إلا اللهالسيوم: الآمنونخطيئة أبيكم آدمكلمة الله وروحهأخرجهم من النارالخير في القلبلا أسلمهم أبداالهدية والرشوةمكدوس في النارالأمانة والرحمتزلف لهم الجنةمكردس في النارالمقام المحمودعيسى عبد اللهيخرج من النارعيسى بن مريمأداء الأمانةخاتم النبيينهجرة الحبشةيوم القيامةمشكاة واحدةسبعين خريفاحسن الجوارأرض الحبشةتوحيد اللهصدق الحديثتزلف الجنةصلة الرحموزن شعيرةسورة مريملا أسلمهممخدوش ناجكمر البرقخليل اللهسيد الناسالبطارقةرأيت ربيالكلاليبمر البرقالنجاشيالشفاعةإبراهيموزن برةوزن ذرةاستشفاعبطارقتهالكهيعصالأمانةالسيومالرشوةالصلاةالصيامخطيئتهالقرآنالصراطكلاليبالسجودكهيعصالدبرالأدمالحوضالشمسالعرقالرحمالبرقالعرشجعفرموسىعيسىمحمدسجودأمتيآدمنوح
تخريج حديث عيسى كلمته وروحه
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








