أحاديث عن: يرى أنه ماء
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: يرى أنه ماء
عن رِبْعيٍّ قال: قال عُقْبةُ بنُ عمرٍو لحُذَيفةَ: ألَا تُحدِّثُنا ما سَمِعتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ، قال: سَمِعتُه يقولُ: إنَّ مع الدَّجَّالِ إذا خَرَجَ ماءً ونارًا، الذي يَرى النَّاسُ أنَّها نارٌ فماءٌ باردٌ، وأمَّا الذي يَرى النَّاسُ أنَّه ماءٌ فنارٌ تُحرِقُ، فمَن أدرَكَ ذلك منكم فلْيَقَعْ في الذي يَرى أنَّها نارٌ؛ فإنَّها ماءٌ عَذْبٌ باردٌ. قال حُذَيفةُ: وسَمِعتُه يقولُ: إنَّ رَجُلًا ممَّن كان قَبلَكم أتاهُ مَلَكٌ؛ لِيَقبِضَ نَفْسَه، فقال له: هل عَمِلتَ مِن خَيرٍ؟ فقال: ما أعلَمُ، قيلَ له: انظُرْ، قال: ما أعلَمُ شَيئًا غَيرَ أنِّي كُنتُ أُبايعُ النَّاسَ وأُجازِفُهم، فأُنظِرُ المُوسِرَ وأتجاوَزُ عن المُعسِرِ، فأدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ. قال: وسَمِعتُه يقولُ: إنَّ رَجُلًا حَضَرَه المَوتُ، فلمَّا أَيِسَ مِن الحَياةِ أوْصى أهْلَه: إذا أنا متُّ فاجْمَعوا لي حَطَبًا كَثيرًا جَزْلًا، ثم أوْقِدوا فيه نارًا، حتى إذا أكَلَتْ لَحْمي وخَلَصَ إلى عَظْمي فامتَحَشَتْ، فخُذوها فاذْرُوها في اليَمِّ، ففَعَلوا، فجَمَعَه اللهُ إليه، وقال له: لِمَ فَعَلتَ ذلك؟ قال: مِن خَشيَتِكَ، قال: فغَفَرَ اللهُ له. قال عُقْبةُ بنُ عمرٍو: وأنا سَمِعتُه يقولُ ذلك، وكان نبَّاشًا
اجتمع حذيفةُ وأبو مسعودٍ فقال حذيفةُ : لأنا بما مع الدَّجَّالِ أعلمُ منه ، إنَّ معه بحرًا من ماءٍ ونهرًا من نارٍ ، فالَّذي ترَوْن أنَّه نارٌ ماءٌ ، والَّذي ترَوْن أنَّه ماءٌ نارٌ ، فمن أدرك ذلك منكم فليشرَبْ من الَّذي يرَى أنَّه نارٌ فإنَّه سيجِدُه ماءً . قال أبو مسعودٍ البدريُّ : هكذا سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ
اجتَمعَ حُذَيفةُ وأبو مَسْعودٍ، فقال حُذَيفةُ: لَأنا بما مع الدَّجَّالِ أعلَمُ منه، إنَّ معه بحرًا من ماءٍ، ونَهَرًا من نارٍ، فالذي ترَونَ أنَّه من نارٍ ماءٌ، والذي ترَونَ أنَّه ماءٌ نارٌ، فمَن أدرَكَ ذلك منكم، فأرادَ الماءَ فليشرَبْ من الذي يرى أنَّه نارٌ؛ فإنَّه سيجِدُه ماءً. قال أبو مَسْعودٍ البَدْريُّ: هكذا سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ
إنَّ مع الدَّجَّالِ إذا خَرَجَ ماءً ونارًا، فأمَّا الذي يَرى النَّاسُ أنَّها النَّارُ فماءٌ بارِدٌ، وأمَّا الذي يَرى النَّاسُ أنَّه ماءٌ بارِدٌ فنارٌ تُحرِقُ، فمَن أدرَك منكم فليَقَعْ في الذي يَرى أنَّها نارٌ؛ فإنَّه عَذْبٌ بارِدٌ
إنَّ مع الدَّجَّالِ إذا خرج ماءً و نارًا ، فأما الذي يرى الناسُ أنها النارُ فماءٌ باردٌ ، و أما الذي يرى الناسُ أنها ماءٌ باردٌ فنارٌ تحرقُ ، فمن أدرك منكم فليقعْ في الذي يرى أنها نارٌ ؛ فإنه عَذْبٌ باردٌ
إنَّ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ حدَّثَ عمرَ بنَ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُ هذا الحديثَ فقال : إذا حُشِرَ النَّاسُ يومَ القيامةِ قاموا أربعينَ ، على رؤوسِهِم الشَّمسُ ، شاخصةً أبصارُهُم إلى السَّماءِ ، ينتظرونَ الفصلَ ، كلُّ برٍّ منهُم وفاجرٍ ، لا يتكلمُ منهُم بشرٌ ، ثمَّ يُنادي مُنادٍ : أليسَ عدلًا من ربِّكُم الَّذي خلقَكُم وصوَّرَكُم ورزقَكُم ثمَّ عبدتُم غيرَهُ أن يُولِّي كلَّ قَومٍ ما تولَّوْا ؟ فيقولونَ : بلَى . فيُنادي بذلكَ ملَكٌ ثلاثَ مرَّاتٍ ، ثمَّ يُمَثَّلُ لكلِّ قَومٍ آلهتُهُم الَّتي كانوا يعبدونَها ، فيتبِعونَها حتَّى تُوردَهم النَّارُ ، فيبقَى المؤمنونَ والمنافقونَ ، فيخرُّ المؤمنونَ سُجَّدًا ، وتُدْمَجُ أصلابُ المنافقينَ فتكونُ عظمًا واحدًا كأنَّها صَيَاصِيُّ البقرِ ، ويخرُّونَ على أقْفيتِهِم ، فيقولُ اللهُ تعالى لهُم : ارفَعوا رؤوسَكُم إلى نورِكم بقدرِ أعمالِكُم ، فيرفعُ الرَّجلُ رأسَهُ ونورُهُ بينَ يدَيْهِ مثلُ الجبلِ ، ويرفعُ الرَّجلُ رأسَهُ ونورُهُ بينَ يدَيهِ مثلُ القصرِ ، ويرفعُ الرَّجلُ رأسَهُ ونورُهُ بينَ يدَيهِ مثلُ البَيتِ ، حتَّى ذكرَ مثلَ الشَّجرةِ ، فيمضونَ على الصِّراطِ كالبرقِ ، وكالرِّيحِ ، وكحضرِ الفرسِ ، وكاشتدادِ الرَّجلِ ، حتَّى يبقَى آخرَ النَّاسِ نورُهُ على إبهامِ رجلِهِ مثلُ السِّراجِ ، فأحيانًا يُضيءُ لهُ ، وأحيانًا يخفَى عليهِ ، فتنفثُ منهُ النَّارُ ، فلا يزالُ كذلكَ حتَّى يخرجَ فيقولُ : ما يدري أحدٌ ما نجا منهُ غَيري ، ولا أصابَ أحدٌ مثلَ ما أصبتَ ، إنَّما أصابَني حرُّها ونجَوتُ منها ، قال : فيُفتَحُ لهُ بابٌ من الجنَّةِ فيقولُ : يا ربِّ ، أدخِلْني هذا ، فيقولُ : عبدي لعلِّي إن أدخلتُكَ تسألْني غيرَهُ . قال : فيُدخِلُهُ ، فبَينا هوَ يعجبُ بما هوَ فيهِ إذ فُتِحَ لهُ بابٌ آخرُ ، فيستَحقِرُ في عَينِهِ الَّذي هوَ فيهِ ، فيقولُ : يا ربِّ ، أدخِلْني هذا . فيقولُ : أو لَم تزعُمْ أنَّكَ لا تسألْني غيرَهُ ، فيقولُ : وعزَّتِكَ وجلالِكَ لئن أدخلتَنِيهِ لا أسألُكَ غيرَهُ . قال : فيُدخِلُهُ حتَّى يُدْخِلَهُ أربعةَ أبوابٍ كلَّها يسألُها ، ثمَّ يستقبلُهُ رجلٌ مثلُ النُّورِ ، فإذا رآهُ هوَى يسجدُ لهُ فيقولُ : ما شأنُكَ ؟ فيقولُ : ألستَ بربِّي ؟ فيقولُ : إنَّما أنا قَهرمانٌ لكَ في الجنَّةِ [ من ] ألفِ قَهرمانٍ على ألفِ قصرٍ ، بينَ كلِّ قصرَيْنِ مسيرةُ ( ألفِ سنةٍ ) ، يُرَى أقصاها كما يُرَى أدناها ، ثمَّ يُفْتَحُ لهُ بابٌ من زَبرجَدةٍ خضراءَ ، فيها سبعونَ بابًا ، في كلِّ بابٍ منها أزواجٌ وسُرُرٌ ومناصفٌ ، فيقعدُ مع زوجتِهِ فتُناولُهُ الكأسَ ، فتقولُ : لأنتَ منذُ ناولتُكَ الكأسَ أحسنُ منكَ قبلَ ذلكَ بسبعينَ ضِعْفًا ، علَيها سبعونَ حُلَّةً ، ألوانُها شتَّى يُرَى مخُّ ساقِها ، ويلبسُ الرَّجلُ ثيابَهُ على كبدِها ، وكبدُها مِرْآتُهُ
قال عبدالله بن مسعود: إذا حُشِر الناسُ يومَ القيامةِ قاموا أربعينَ سنةً على رؤوسِهم الشمسُ شاخصةٌ أبصارُهم إلى السماءِ ينتظِرونَ الفصلَ كلُّ برٍّ منهم وفاجرٍّ لا يتكلَّمُ منهم بشرٌ ثم ينادي منادٍ: أليس عدلًا مِن ربِّكم الذي خلَقكم وصوَّركم ورزَقكم ثم عبَدتُم غيرَه أن يوليَ كلَّ قومٍ ما توَلَّوْا ؟ فيقولونَ: بَلى فينادي بذلك ملكٌ ثلاثَ مراتٍ ثم يمثلُ لكلِّ قومٍ آلهتُهم التي كانوا يعبُدونَها فيتبَعونَها حتى تورِدَهم النارَ ويَبقى المؤمنونَ والمُنافِقونَ فيخِرُّ المؤمنونَ سُجَّدًا وتدمجُ أصلابُ المنافقينَ فتكونُ عظمًا واحدًا كأنَّها صياصيُّ البقرِ ويخِرُّونَ على أقفيتِهِم فيقولُ اللهُ لهم: ارفَعوا رؤوسَكم إلى نورِكم بقدرِ أعمالِكم فيَرفَعُ الرجلُ رأسَه ونورَه بين يدَيه مثلَ الجبلِ ويَرفَعُ الرجلُ رأسَه ونورَه بين يدَيه مثلَ القصرِ ويَرفَعُ الرجلُ رأسَه ونورَه بين يدَيه مثلَ البيتِ حتى ذكَر مثلَ الشجرةِ فينصرِفُ على الصراطِ كالبرقِ الخاطفِ وكالريحِ وكحضرِ الفرسِ وكأشدادِ الرجالِ حتى يَبقى آخِرُ الناسِ نورُه على إبهامِ رِجلِه مثلَ السراجِ فأحيانا يُضيءُ له وأحيانًا يَخفى عليه فتنفثُ منه النارُ فلا يزالُ كذلك حتى يخرجَ فيقولَ: ما يدري أحدٌ ما نَجا منه غيري ولا أصاب أحدًا مثلَ ما أصبتُ إنما أصابني حرُّها ونجوتُ منها قال: فيفتحُ له بابٌ منَ الجنةِ فيقولُ: يا ربِّ أدخِلْني هذا البابَ فيقولُ: عبدي لعلي إذا أدخَلتُكَ تَسألُني غيرَه فيقولُ: وعِزَّتِكَ وجلالِكَ إن أدخَلتَنيه لا أسألُكَ غيرَه قال: فيدخلُه فبينما هو معجبٌ بما هو فيه إذ فُتِح له بابٌ آخرُ فيستحقِرُ في عينِه الذي هو فيه فيقولُ: يا ربِّ أدخِلْني هذا فيقولُ: أولم تَزعُمْ أنَّكَ لا تسألُني غيرَه ؟ فيقولُ: وعزتِكَ وجلالِكَ إن أدخَلْتَني لا أسألُكَ غيرَه قال: فيُدخِلُه حتى يُدخِلَه أربعَ أبوابٍ كلُّها يسألهُا ثم يستقبِلُه رجلٌ مثلُ النورِ فإذا رآه هوى يسجُدُ له فيقولُ: ما شأنُكَ ؟ فيقولُ: ألستَ بربي ؟ فيقولُ: إنما قَهرَمانُ لكَ في الجنةِ ألفُ قهرمانَ على ألفِ قصرٍ بين كلِّ قصرينِ مسيرةُ السنةِ يُرى أقصاها كما يُرى أدناها ثم يُفتَحُ له بابٌ مِن زُمُرُّدَةٍ خضراءَ فيها سبعونَ بابًا في كلِّ بابٍ منها أبوابٌ أزواجٌ وسررٌ ومناصفُ فيقعدُ مع زوجتِه فتُناوِلُه الكأسَ فتقولُ: لأنتَ منذُ ناوَلتُكَ الكأسَ أحسنُ مِنكَ قبل ذلك بسبعينَ ضِعفًا ويقولُ لها: لأنتِ منذُ ناوَلتيني الكأسَ أحسنُ مِنكِ قبلَ ذلك بسبعينَ ضِعفًا وعليها سبعونَ حلةً ألوانُها شَتَّى يُرى مخُّ ساقِها ويَلبَسُ الرجلُ ثيابَه على كبدِها وكبدُها مرآتُه
آخرُ من يَدخلِ الجنةَ رجلٌ فهو يَمشي مرةً ويكبو مرةً وتَسفعُهُ النارُ مرةً فإذا جاوزها التفتَ إليها فقال : تبارَكَ الذي أَنْجاني منكِ لقد أعطانيَ اللهُ شيئًا ما أعطاهُ أحدًا من الَأوَّلينَ والآخرينَ فتُرفعُ له شجرةٌ فيقولُ : أيْ ربِّ أَدْنِنِي من هذه الشجرةِ فأستظِلَّ بظلِّهَا فأشربَ من مائِها فيقولُ له اللهُ : يا ابنَ آدمَ فلعلِّي إذا أَعْطَيْتُكَهَا سأَلْتَنِي غيرَها فيقولُ : لا يا ربِّ ويُعاهدُهُ أن لا يَسألَهُ غيرَها قال : وربُّه عزَّ وجلَّ يَعذُرُهُ لأنَّه يَرى ما لا صَبْرَ له عليهِ فيُدنِيهِ منها فيَستظِلَّ بظلِّها ويَشربَ من مائِها ثم تُرفعُ له شجرةٌ هي أحسنُ من الأُولى فيقولُ : أيْ ربِّ هذه فَلِأَشْرَبَ من مائِها وأستظِلَّ بظلِّها لا أسأَلُك غيرَها فيقولُ : ابنَ آدمَ ألم تُعاهدْني أن لا تَسألَني غيرَها فيقولُ : لعلِّي إنْ أَدْنيتُك منها تَسألُني غيرَها فيُعاهدُهُ أن لا يُسألَهُ غيرَها وربُّهُ عزَّ وجلَّ يَعذُرُهُ لأنه يَرى ما لا صَبرَ له عليهِ فُيدنيهِ منها فيستظلَّ بظلِّها ويَشربَ من مائِها ثم تُرفَعُ له شجرةٌ عندَ بابِ الجنةِ هي أحسنُ من الأُولَيينِ فيقولُ : أيْ ربِّ أدنِنِي من هذه الشجرةِ فأستظِلَّ بظلِّها وأشربَ من مائِها لا أَسألُك غيرَها فيقولُ : يا ابنَ آدمَ ألم تُعاهدْني أن لا تَسألَني غيرَها قال : بَلَى أيْ ربِّ هذه لا أسألُك غيرَها فيقولُ : لعلي إن أدنيتُك منها تَسألُني غيرَها فيُعاهدُهُ أن لا يَسألَهُ غيرَها وربُّهُ يعذرُهُ لأنه يَرى ما لا صبرَ له عليهِ فيُدنيهِ منها فإذا أدناهُ منها سمعَ أصواتَ أهلِ الجنةِ فيقولُ : أيْ ربِّ أدْخِلْنِيها فيقولُ : يا ابنَ آدمَ ما يُصريني منكَ أيُرضيكُ أن أُعطيكَ الدنيا ومِثلَها معَها فيقولُ : أيْ ربِّ أتَستهزِئُ بي وأنت ربُّ العالمينَ فضَحكَ ابنُ مسعودٍ فقال : ألا تَسألوني مَّما أضحكُ ؟ فقالوا : مَّما تضحكُ ؟ فقال : هكذا ضحِكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : ألا تَسألوني مما أضحَكُ ؟ فقالوا : مَّما تضحكُ يا رسولَ الله ؟ قال : مِن ضحكِ ربِّي حينَ قال : أتستهزئُ منِّي وأنت ربُّ العالمينَ فيقولُ : إنِّي لا أستهزئُ منك ولكنِّي على ما أشاءُ قديرٌ
آخِرُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ، فهو يَمشي مَرَّةً، ويَكبو مَرَّةً، وتَسفَعُه النَّارُ مَرَّةً، فإذا جاوزَها، التَفَتَ إلَيها، فقال: تَبارَكَ الذي أنجاني مِنكِ، لَقد أعطاني اللهُ شَيئًا ما أعطاه أحَدًا مِنَ الأوَّلينَ والآخِرينَ، فتُرفَعُ له شَجَرةٌ، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدنِني مِن هذه الشَّجَرةِ، فلأستَظِلَّ بظِلِّها، فأشرَبَ مِن مائِها، فيَقولُ اللهُ: يا ابنَ آدَمَ، فلَعَلِّي إذا أعطَيتُكَها سَألتَني غَيرَها، فيَقولُ: لا يا رَبِّ، ويُعاهِدُه أن لا يَسألَه غَيرَها، قال: ورَبُّه عَزَّ وجَلَّ يَعذِرُه؛ لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليه، فيُدنيه مِنها، فيَستَظِلُّ بظِلِّها، ويَشرَبُ مِن مائِها، ثُمَّ تُرفَعُ له شَجَرةٌ هيَ أحسَنُ مِنَ الأولى، فيَقولُ: أي رَبِّ، هذه فلأشرَب مِن مائِها، وأستَظِلَّ بظِلِّها، لا أسألُكَ غَيرَها، فيَقولُ: ابنَ آدَمَ، ألَم تُعاهِدْني أن لا تَسألَني غَيرَها؟ فيَقولُ: لَعَلِّي إن أدنَيتُكَ مِنها تَسألُني غَيرَها؟ فيُعاهِدُه أن لا يَسألَه غَيرَها، ورَبُّه عَزَّ وجَلَّ يَعذِرُه؛ لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليه، فيُدنيه مِنها، فيَستَظِلُّ بظِلِّها، ويَشرَبُ مِن مائِها، ثُمَّ تُرفَعُ له شَجَرةٌ عِندَ بابِ الجَنَّةِ هيَ أحسَنُ مِنَ الأولَيَينِ، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدنِني مِن هذه الشَّجَرةِ، فأستَظِلَّ بظِلِّها، وأشرَبَ مِن مائِها، لا أسألُكَ غَيرَها. فيَقولُ: يا ابنَ آدَمَ، ألَم تُعاهِدْني أن لا تَسألَني غَيرَها؟ قال: بَلى، أي رَبِّ، هذه لا أسألُكَ غَيرَها، فيَقولُ: لَعَلِّي إن أدنَيتُكَ مِنها تَسألُني غَيرَها، فيُعاهِدُه أن لا يَسألَه غَيرَها، ورَبُّه يَعذِرُه؛ لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليه، فيُدنيه مِنها، فإذا أدناه مِنها، سَمِعَ أصواتَ أهلِ الجَنَّةِ فيَقولُ: أي رَبِّ أدخِلنيها، فيَقولُ: يا ابنَ آدَمَ، ما يَصْريني مِنكَ؟ أيُرضيكَ أن أُعطيَكَ الدُّنيا ومِثلَها مَعَها؟ فيَقولُ: أي رَبِّ، أتَستَهزِئُ بي وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟ فضَحِكَ ابنُ مَسعودٍ، فقال: ألا تَسألوني مِمَّ أضحَكُ؟ فقالوا: مِمَّ تَضحَكُ؟ فقال: هكذا ضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: «لا تَسألوني مِمَّ أضحَكُ؟ فقالوا: مِمَّ تَضحَكُ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: مِن ضَحِكِ رَبِّي حينَ قال: أتَستَهزِئُ مِنِّي وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟ فيَقولُ: إنِّي لا أستَهزِئُ مِنكَ، ولَكِنِّي على ما أشاءُ قديرٌ
لَيمُرُّ النَّاسُ على جِسرِ جَهنَّمَ وعليه حَسَكٌ وكلاليبُ وخَطاطيفُ تخطَفُ النَّاسَ يمينًا وشِماًلا وبجَنْبَتَيْهِ ملائكةٌ يقولونَ : اللَّهمَّ سلِّمْ سلِّمْ فمِن النَّاسِ مَن يمُرُّ مِثْلَ الرِّيحِ ومنهم مَن يمُرُّ مِثْلَ الفرَسِ المُجرَى ومنهم مَن يسعى سعيًا ومنهم مَن يمشي مشيًا ومنهم مَن يحبو حَبْوًا ومنهم مَن يزحَفُ زَحْفًا فأمَّا أهلُ النَّارِ الَّذينَ هم أهلُها فلا يموتونَ ولا يحيَوْنَ وأمَّا أناسٌ فيُؤخَذونَ بذُنوبٍ وخطايا فيُحرَقونَ فيكونونَ فَحْمًا ثمَّ يُؤذَنُ في الشَّفاعةِ فيُؤخَذونَ ضِباراتٍ ضِباراتٍ فيُقذَفونَ على نَهَرٍ مِن أنهارِ الجنَّةِ فينبُتونَ كما تنبُتُ الحِبَّةُ في حَميلِ السَّيلِ ) قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمَا رأَيْتُم الصَّبغاءَ شجرةً تنبُتُ في الفضاءِ ؟ فيكونُ مِن آخِرِ مَن أُخرِجَ مِن النَّارِ رجُلٌ على شَفَتِها فيقولُ : يا ربِّ اصرِفْ وجهي عنها فيقولُ : عهدَكَ وذِمَّتَكَ لا تسأَلُني غيرَها قال : وعلى الصِّراطِ ثلاثُ شجَراتٍ فيقولُ : يا ربِّ حوِّلْني إلى هذه الشَّجرةِ آكُلُ مِن ثمرِها وأكونُ في ظِلِّها فيقولُ : عهدَكَ وذِمَّتَكَ لا تسأَلُني شيئًا غيرَها قال : ثمَّ يرى أخرى أحسَنَ منها فيقولُ : يا ربِّ حوِّلْني إلى هذه آكُلُ مِن ثمرِها وأكونُ في ظلِّها قال : فيقولُ : عهدَكَ وذمَّتَكَ لا تسأَلُني غيرَها ثمَّ يرى أخرى أحسَنَ منها فيقولُ : يا ربِّ حوِّلْني إلى هذه آكُلُ مِن ثمارِها وأكونُ في ظلِّها قال : ثمَّ يرى سوادَ النَّاسِ ويسمَعُ كلامَهم فيقولُ : يا ربِّ أدخِلْني الجنَّةَ قال أبو نَضْرَةَ : اختلَف أبو سعيدٍ ورجُلٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال أحَدُهما : فيُدخِلُه الجنَّةَ فيُعطَى الدُّنيا ومِثْلَها وقال الآخَرُ : فيدخُلُ الجنَّةَ فيُعطَى الدُّنيا وعشَرةَ أمثالِها
آخرُ مَن يدخلُ الجنَّةَ ، رجلٌ يمشي على الصِّراطِ ، فهوَ يمشي مرَّةً ، ويكبو مرَّةً ، وتسفعُهُ النَّارُ مرَّةً ، فإذا جاوزَها التفتَ إليها ، فقال : تباركَ الَّذي نجَّاني منكَ ، لقد أعطاني اللهُ شيئًا ما أعطاهُ أحدًا مِن الأوَّلينَ والآخرينَ ، فتُرْفَعُ لهُ شجرةٌ ، فيقولُ : أيْ ربِّ أدْنِنِي مِن هذهِ الشَّجرةِ فلأستَظِلَّ بظِلِّها ، وأشربَ مِن مائِها ، فيقولُ اللهُ : يا ابنَ آدمَ لعلِّي إن أعطيتُكَها سألْتَنِي غيرَها ؟ فيقولُ : لا يا ربِّ ، ويُعاهدُهُ أن لا يسألَهُ غيرَها ، وربُّهُ يعذرُهُ ، لأنَّهُ يرَى ما لا صبرَ لهُ عليهِ ، فيُدنيهِ منها ، فيستَظِلَّ بظلِّها ، ويشربَ من مائِها ، ثمَّ تُرْفَعُ لهُ شجرةٌ أُخرَى ، هيَ أحسنُ مِن الأُولَى ، فيقولُ : أيْ ربِّ أدْنِنِي من هذهِ ، لأشربَ من مائِها ، وأستَظِلَّ بظلِّها ، لا أسألُكَ غيرَها ! فيقولُ : يا ابنَ آدمَ ألَم تُعاهِدْني أن لا تسألَني غيرَها ؟ فيقولُ لعلِّي إن أدنَيتُكَ منها تسألْني غيرَها ؟ فيُعاهدُهُ أن لا يسألَهُ غيرَها ، وربُّهُ يعذرُهُ ، لأنَّهُ يرَى ما لا صبرَ لهُ عليهِ ، فيُدنيهِ منها ، فيستَظِلَّ بظلِّها ، ويشربَ من مائِها ، ثمَّ تُرْفَعُ لهُ شجرةٌ عندَ بابِ الجنَّةِ ، هيَ أحسنُ من الأُوليَيْنِ ، فيقولُ : أيْ ربِّ ! أَدْنِنِي مِن هذهِ ، فلأستَظِلَّ بظلِّها ، وأشربَ من مائِها ، لا أسألُكَ غيرَها ! فيقولُ : يا ابنَ آدمَ ألَم تُعاهدْني أن لا تسألَني غيرَها ؟ قال : بلَى يا ربِّ ، أدْنِنِي مِن هذهِ لا أسألُكَ غيرَها ، وربُّهُ يعذرُهُ ، لأنَّهُ يرَى ما لا صبرَ لهُ عليهِ ، فيُدنيهِ منها ، فإذا أدناهُ منها سمِعَ أصواتَ أهلِ الجنَّةِ ، فيقولُ : أيْ ربِّ أدخِلْنِيها ، فيقولُ : يا ابنَ آدمَ ما [ يَصريني ] منكَ ؟ أيُرضيكَ أن أُعطيَكَ الدُّنيا ومثلَها معها ؟ فيقولُ : أيْ ربِّ أتستَهزئُ منِّي وأنتَ ربُّ العالمينَ ؟ فيقولُ : إنِّي لا أستَهزئُ منكَ ولكنِّي على ما أشاءُ قادرٌ
آخِرُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ، فهو يَمشي مَرَّةً، ويَكبو مَرَّةً، وتَسفَعُه النَّارُ مَرَّةً، فإذا ما جاوزَها التَفَتَ إليها، فقال: تَبارَك الذي نَجَّاني مِنكِ، لقد أعطاني اللهُ شيئًا ما أعطاه أحَدًا مِنَ الأوَّلينَ والآخِرينَ، فتُرفَعُ له شَجَرةٌ، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدنِني مِن هذه الشَّجَرةِ فلأستَظِلَّ بظِلِّها، وأشرَبَ مِن مائِها، فيَقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا ابنَ آدَمَ، لَعَلِّي إنَّ أعطَيتُكَها سَألتَني غَيرَها، فيَقولُ: لا، يا رَبِّ، ويُعاهِدُه أن لا يَسألَه غَيرَها، ورَبُّه يَعذِرُه لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليه، فيُدنيه مِنها، فيَستَظِلُّ بظِلِّها، ويَشرَبُ مِن مائِها، ثُمَّ تُرفَعُ له شَجَرةٌ هي أحسَنُ مِنَ الأولى، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدنِني مِن هذه لأشرَبَ مِن مائِها، وأستَظِلَّ بظِلِّها، لا أسألُك غَيرَها، فيَقولُ: يا ابنَ آدَمَ، ألَم تُعاهِدْني أن لا تَسألَني غَيرَها، فيَقولُ: لَعَلِّي إن أدنَيتُك مِنها تَسألُني غَيرَها، فيُعاهِدُه أن لا يَسألَه غَيرَها، ورَبُّه يَعذِرُه لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليه، فيُدنيه مِنها فيَستَظِلُّ بظِلِّها، ويَشرَبُ مِن مائِها، ثُمَّ تُرفَعُ له شَجَرةٌ عِندَ بابِ الجَنَّةِ هي أحسَنُ مِنَ الأولَيَينِ، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدنِني مِن هذه لأستَظِلَّ بظِلِّها، وأشرَبَ مِن مائِها، لا أسألُك غَيرَها، فيَقولُ: يا ابنَ آدَمَ، ألَم تُعاهِدْني أن لا تَسألَني غَيرَها، قال: بَلى يا رَبِّ، هذه لا أسألُك غَيرَها، ورَبُّه يَعذِرُه لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليها، فيُدنيه مِنها، فإذا أدناه مِنها فيَسمَعُ أصواتَ أهلِ الجَنَّةِ، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدخِلنيها، فيَقولُ: يا ابنَ آدَمَ ما يَصريني مِنك؟ أيُرضيك أن أُعطيَك الدُّنيا ومِثلَها معها؟ قال: يا رَبِّ، أتَستَهزِئُ مِنِّي وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟ فضَحِك ابنُ مَسعودٍ، فقال: ألا تَسألوني مِمَّ أضحَكُ؟ فقالوا: مِمَّ تَضحَكُ؟ قال: هَكَذا ضَحِك رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: مِمَّ تَضحَكُ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: مِن ضَحِكِ رَبِّ العالَمينَ حينَ قال: أتَستَهزِئُ مِنِّي وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟ فيَقولُ: إنِّي لا أستَهزِئُ مِنك، ولَكِنِّي على ما أشاءُ قادِرٌ
ذُكِر الدَّجَّالُ عندَ عبدِ اللهِ، فقال: تَفترِقون أيُّها النَّاسُ عندَ خُروجِه ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرقةٍ تَتبَعُه، وفِرقةٍ تَلحَقُ بآبائِها بمَنابتِ الشِّيحِ، وفِرقةٍ تَأخُذُ شطَّ هذا الفُراتِ، يُقاتِلُهم ويُقاتِلونه، حتَّى يُقتَلون بغَربيِّ الشَّامِ، فيَبعَثون طَليعةً فيهم فَرسٌ أشقَرُ -أو أبْلَقُ- فيَقتَتِلون، فلا يَرجِعُ منهم أحدٌ، قال: وأخبَرَني أبو صادقٍ، عن رَبيعةَ بنِ ناجذٍ: أنَّه فرَسٌ أشقَرُ. ثمَّ قال عبدُ اللهِ: ويَزعُمُ أهلُ الكتابِ أنَّ المسيحَ عليه السَّلامُ يَنزِلُ فيَقتُلُه، ويَخرُجُ يَأجوجُ ومَأجوجُ، وهمْ مِن كلِّ حَدْبٍ يَنسِلون، فيَموجُون في الأرضِ فيُفسِدون فيها، ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96]، فيَبعَثُ اللهُ عليهم دابَّةً مِثلَ النَّغَفِ، فتَلِجُ في أسماعِهِم ومَناخِرِهم، فيَموتونَ منها، فتُنتِنُ الأرضُ منهم، فيَجأَرُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، فيُرسِلُ ماءً، فيُطهِّرُ الأرضُ منهم، ويَبعَثُ اللهُ رِيحًا فيها زَمْهريرٌ باردةٌ، فلا تَدَعُ على الأرضِ مُؤمِنًا إلَّا كفَتْه تلك الرِّيحُ، ثمَّ تقومُ السَّاعةُ على شِرارِ النَّاسِ، ثمَّ يقومُ مَلَكٌ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفَخُ فيه، فلا يَبْقى مِن خلْقِ اللهِ في السَّمواتِ والأرضِ إلَّا ماتَ، إلَّا مَن شاء ربُّك، ثمَّ يكونُ بيْن النَّفختينِ ما شاء اللهُ، فليْس مِن بَني آدَمَ أحدٌ إلَّا في الأرضِ منه شَيءٌ، ثمَّ يُرسِلُ اللهُ ماءً مِن تحْتِ العرشِ مَنيًّا كمَنيِّ الرِّجالِ، فتَنبُتُ لُحْمانُهم وجِثمانُهم كما تَنبُتُ الأرضُ مِنَ الثَّرى، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ} حتَّى بلَغَ {كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9]. ثمَّ يقومُ مَلَكٌ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفُخُ فيه، فيَنطلِقُ كلُّ رُوحٍ إلى جَسدِها، فتَدخُلُ فيه، فيَقومون فيَجِيئون مَجيئةَ رجُلٍ واحدٍ قِيامًا لرَبِّ العالَمِينَ، ثمَّ يَتمثَّلُ اللهُ تعالَى للخلْقِ، فيَلْقى اليهودَ، فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ عُزيرًا، فيَقولُ: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ قالوا: نعمْ، فيُرِيهم جَهنَّمَ وهي كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف: 100]، ثمَّ يَلْقى النَّصارى فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ المسيحَ، فيَقولُ: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ فيَقولُون: نعمْ، فيُرِيهم جَهنَّمَ وهي كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ كذلك مَن كان يَعبُدُ مِن دونِ اللهِ شَيئًا، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]. حتَّى يَبْقى المسْلِمون فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ لا نُشرِكُ به شَيئًا، فيَنتهِرُهم مرَّتينِ أو ثَلاثًا: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ لا نُشرِكُ به شَيئًا، فيَقولُ: هلْ تَعرِفون ربَّكم؟ فيَقولُون: سُبحانه! إذا اعتَرَفَ لنا عَرَفْناه، فعندَ ذلكَ يُكشَفُ عن ساقٍ، فلا يَبْقى مُؤمِنٌ إلَّا خرَّ للهِ ساجدًا، ويَبْقى المنافِقون ظُهورُهم طبَقٌ واحدٌ كأنَّما فيها السَّفافيدُ، فيَقولُون: ربَّنا، فيَقولُ: قدْ كُنتُم تُدْعَون إلى السُّجودِ وأنتمْ سالِمون، ثمَّ يَأمُرُ اللهُ بالصِّراطِ، فيُضرَبُ على جَهنَّمَ، فيمُرُّ النَّاسُ بقدْرِ أعمالِهم زُمَرًا؛ أوائلُهم كلَمْحِ البرْقِ، ثمَّ كمَرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمَرِّ الطَّيرِ، ثمَّ كمَرِّ البهائمِ، حتَّى يمُرَّ الرَّجلُ سَعيًا، ثمَّ يَمُرُّ الرَّجلُ مَشْيًا، حتَّى يَجِيءَ آخِرُهم رجُلٌ يَتلبَّطُ على بَطنِه فيَقولُ: يا ربِّ، لِمَ أبْطَأْتَ بي؟ قال: إنِّي لم أُبطِئْ بكَ، إنَّما أبْطَأَ بكَ عمَلُك. ثمَّ يَأذَنُ اللهُ تعالَى في الشَّفاعةِ، فيكونُ أوَّلُ شافعٍ رُوحَ اللهِ القُدسَ جِبريلَ، ثمَّ إبراهيمَ، ثمَّ مُوسى، ثمَّ عِيسى، ثمَّ يقومُ نَبيُّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلا يَشْفَعُ أحدٌ فيما يَشفَعُ فيه، وهو المقامُ المحمودُ الَّذي ذَكَره اللهُ تعالَى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، فليْس مِن نفْسٍ إلَّا وهي تَنظُرُ إلى بَيتٍ في الجنَّةِ وبَيتٍ في النَّارِ، قال: وهو يومُ الحسْرةِ، فيَرى أهلُ النَّارِ البيتَ الَّذي في الجنَّةِ، قال سُفيانُ: أوَّاهُ، لوْ عَلِمتُم يوْمَ يَرى أهلُ الجنَّةِ الَّذي في النَّارِ! فيَقولُون: لوْلا أنَّ مَنَّ اللهُ علينا! ثمَّ تَشفَعُ الملائكةُ والنَّبيُّون والشُّهداءُ والصَّالِحون والمؤمنونَ، فيُشفِّعُهم اللهُ، ثمَّ يَقولُ: أنا أرحَمُ الرَّاحمينَ، فيُخرِجُ مِنَ النَّارِ أكثَرَ ممَّا أخرَجَ جَميعُ الخلْقِ برَحمتِه، حتَّى لا يَترُكَ أحدًا فيه خَيرٌ، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42]، وقال بيَدِه فعَقَدَه: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 43]، هلْ تَرَون في هؤلاء مِن خَيرٍ؟! وما يُترَكُ فيها أحدٌ فيه خيرٌ. فإذا أراد اللهُ ألَّا يُخرِجَ أحدًا غيْرَ وُجوهِهم وألوانِهم، فيَجِيءُ الرَّجلُ، فيَشفَعُ فيَقولُ: مَن عرَفَ أحدًا فلْيُخرِجْه، فيَجِيءُ فلا يَعرِفُ أحدًا، فيُنادِيه رجُلٌ فيَقولُ: أنا فلانٌ، فيَقولُ: ما أعْرِفُك، فعندَ ذلكَ قالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 107]، فإذا قال ذلكَ انطَبَقَت عليهم، فلم يَخرُجْ منهم بشَرٌ
"إنَّ آخِرَ مَن يدخُلُ الجنَّةَ رَجُلٌ يَمشي على الصِّراطِ، فينكَبُّ مرَّةً، ويَمشي مرَّةً، وتسفَعُه النَّارُ مرَةً، فإذا جاوَزَ الصِّراطَ، التفَتَ إليها، فقال: تَبارَكَ الذي نجَّاني منكِ، لقد أَعطاني اللهُ ما لم يُعطِ أحدًا مِن الأوَّلينَ والآخِرينَ"، قال: "فتُرفَعُ له شَجرةٌ فيَنظُرُ إليها، فيقولُ: يا ربِّ، أَدنِني مِن هذه الشَّجرةِ، فأَستظِلَّ بظِلِّها، وأشرَبَ مِن مائِها، فيقولُ: أَيْ عبدي، فلعلِّي إنْ أَدنَيتُكَ منها سأَلْتَني غيرَها، فيقولُ: لا يا ربِّ، ويُعاهِدُ اللهَ ألَّا يسأَلَه غيرَها، والرَّبُّ عزَّ وجلَّ يعلَمُ أنَّه سيَسأَلُه؛ لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له -يعني عليه-، فيُدْنيه منها، ثُمَّ تُرفَعُ له شَجرةٌ، وهي أحسنُ منها، فيقولُ: يا ربِّ أَدنِني مِن هذه الشَّجرةِ، فأَستظِلَّ بظِلِّها، وأشرَبَ مِن مائِها، فيقولُ: أَيْ عبدي، ألَمْ تُعاهِدْني؟ -يعني أنَّكَ لا تسأَلُني غيرَها- فيقولُ: يا ربِّ، هذه لا أسأَلُكَ غيرَها، ويُعاهِدُه، والرَّبُّ يعلَمُ أنَّه سيَسأَلُه غيرَها، فيُدْنيه منها، فتُرفَعُ له شَجرةٌ عندَ بابِ الجنَّةِ، هي أحسنُ منها، فيقولُ: ربِّ أَدنِني مِن هذه الشَّجرةِ، أَستظِلُّ بظِلِّها، وأشرَبُ مِن مائِها، فيقولُ: أَيْ عبدي، ألَمْ تُعاهِدْني ألَّا تسأَلَني غيرَها؟ فيقولُ: يا ربِّ، هذه الشَّجرةُ، لا أسأَلُكَ غيرَها، ويُعاهِدُه، والرَّبُّ يعلَمُ أنَّه سيَسأَلُه غيرَها؛ لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليها، فيُدْنيه منها، فيَسمَعُ أصْواتَ أهلِ الجنَّةِ، فيقولُ: يا ربِّ، الجنَّةَ، الجنَّةَ، فيقولُ: أَيْ عبدي، ألَمْ تُعاهِدْني أنَّكَ لا تسأَلُني غيرَها؟ فيقولُ: يا ربِّ أَدخِلْني الجنَّةَ، قال: فيقولُ عزَّ وجلَّ: ما يَصريني منكَ؟ أَيْ عبدي، أيُرضيكَ أنْ أُعطيَكَ مِن الجنَّةِ الدُّنيا ومِثلَها معها؟"، قال: "فيقولُ: أتَهزَأُ بي أَيْ ربِّي، وأنتَ ربُّ العِزَّةِ؟!"، قال: فضحِكَ عبدُ اللهِ، حتى بدَتْ نَواجِذُه، ثُمَّ قال: ألَا تسأَلوني لِمَ ضحِكْتُ؟ قالوا له: لِمَ ضحِكْتَ؟ قال: لضَحِكِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قال لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "ألَا تسأَلوني لِمَ ضحِكْتُ؟"، قالوا: لِمَ ضحِكْتَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: "لضَحِكِ الرَّبِّ، حينَ قال: أتَهزَأُ بي، وأنتَ ربُّ العِزَّةِ؟!"
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يُسافِرَ أقرَع بينَ نسائِه فأيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها معه فخرَج سهمُ عائشةَ في غزوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بني المُصْطَلِقِ مِن خُزاعةَ فلمَّا انصرَف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكان قريبًا مِنَ المدينةِ وكانت عائشةُ جُوَيريَةً حديثةَ السِّنِّ قليلةَ اللَّحمِ خفيفةً وكانت تلزَمُ خِدرَها فإذا أراد النَّاسُ الرَّحيلَ ذهَبَتْ ثمَّ رجَعَتْ فدخَلَتْ مِحَفَّتَها فيُرَحَّلُ بعيرُها ثمَّ تُحْمَلُ مِحَفَّتُها فتوضَعُ على البَعيرِ فكان أوَّلَ ما قال فيها المنافقون وغيرُهم ممَّنِ اشترَك في أمرِ عائشةَ إنَّها خرجَتْ تتوضَّأُ حينَ دنَوا مِنَ المدينةِ فانسَلَّ مِن عُنُقِها عِقْدٌ لها مِن جَزْعِ أظْفَارٍ فارتحَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والنَّاسُ وهي في بُغاءِ العِقدِ ولم تعلَمْ برحيلِهم فشدُّوا على بعيرِها المِحَفَّةَ وهم يُرَوْنَ أنَّها فيها كما كانت تكونُ فرجَعَتْ عائشةُ إلى منزلِها فلم تجِدْ في العَسْكَرِ أحدًا فغلَبَتْها عيناها وكان صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ صاحبُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تخلَّف تلك اللَّيلةَ عَنِ العَسْكَرِ حتَّى أصبَح قالت فمرَّ بي فرآني فاسترجَع وأعظَمَ مكاني حينَ رآني وقد كنْتُ أعرِفُه ويعرِفُني قبلَ أن يُضرَبَ علينا الحِجابُ قالت فسألني عن أمري فستَرْتُ وجهي عنه بجِلْبابي وأخبَرْتُه بأمري فقرَّب بعيرَه فوَطِئَ على ذِراعِه فولَّاني قفاه حتَّى رَكِبْتُ وسوَّيْتُ ثيابي ثمَّ بعَثَه فأقبَل يسيرُ بي حتَّى دخَلْنا المدينةَ نِصفَ النَّهارِ أو نحوَه فهنالك قال فيَّ وفيه مَن قال مِن أهلِ الإفكِ وأنا لا أعلَمُ شيئًا مِن ذلك ولا ممَّا يخوضُ النَّاسُ فيه مِن أمري وكنْتُ تلك اللَّياليَ شاكيةً وكان أوَّلَ ما أنكَرْتُ مِن أمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه كان يعودُني قبلَ ذلك إذا مرِضْتُ وكان تلك اللَّياليَ لا يدخُلُ عليَّ ولا يعودُني إلَّا أنَّه كان يقولُ وهو مارٌّ كيف تِيكُمْ فيسألُ عنِّي أهلَ البيتِ فلمَّا بلَغ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أكثَرَ النَّاسُ فيه مِن أمري غمَّه ذلك وقد شكَوْتُ قَبلَ ذلك إلى أمِّي ما رأيْتُ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الجَفْوةِ فقالت لي يا بُنَيَّةُ اصبِري فواللهِ ما كانتِ امرأةٌ حَسْناءُ لها ضرائرُ إلَّا رمَيْنها قالت فوجَدْتُ حِسًّا تلك اللَّيلةَ الَّتي بعَث النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن صُبحِها إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأسامةَ بنِ زيدٍ يستشيرُهما في أمري وكنَّا ذلك الزَّمانَ ليس لنا كُنُفٌ نذهَبُ فيها إنَّما كنَّا نذهَبُ كما يذهَبُ العربُ ليلًا إلى ليلٍ فقلْتُ لأمِّ مِسْطَحِ بنِ أُثاثةَ خُذي الإداوةَ فامْلَئيها ماءً فاذهَبي بها إلى المَناصِعِ وكانت هي وابنُها مِسْطَحٌ بينَهما وبينَ أبي بكرٍ قَرابةٌ وكان أبو بكرٍ يُنفِقُ عليهما فكانا يكونان عندَه ومع أهلِه فأخَذَتِ الإداوةَ وخرَجَتْ نحوَ المَناصِعِ فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ فقالت تعِسَ مِسْطَحٌ فقلْتُ بئسَ ما قلْتِ قالت ثمَّ مشَيْنا فعثَرَتْ أيضًا فقالت تعِسَ مِسْطَحٌ فقلْتُ لها بئسَ ما قلْتِ لصاحبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصاحبِ بَدْرٍ فقالت إنَّكِ لَغافلةٌ عمَّا فيه النَّاسُ مِن أمرِك فقلْتُ أجَلْ فما ذاك فقالت إنَّ مِسْطَحًا وفلانًا وفُلانةً فيمن استَزَلَّهُمُ الشَّيطانُ مِنَ المنافقين يجتمِعون في بيتِ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ أخي بني الحارثِ بنِ الخزرجِ يتحدَّثون عنكِ وعن صَفْوانَ بنِ المُعَطَّلِ يَرْمونكِ به قالت فذهَب عنِّي ما كنْتُ أجِدُ مِنَ الغائطِ فرَجَعْتُ على يدَيَّ فلمَّا أصبَحْنا مِن تلك اللَّيلةِ بعَث النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأسامةَ بنِ زيدٍ فأخبرَهما بما قيل فيَّ واستشارَهما في أمري فقال أسامةُ واللهِ يا رسولَ اللهِ ما علِمْنا على أهلِك سوءًا وقال عليٌّ له يا رسولَ اللهِ ما أكثَرَ النِّساءَ وإنْ أرَدْتَ أن تعلَمَ الخبرَ فتوعَّدِ الجاريةَ يعني بَريرةَ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعليٍّ فشأنُك بالخادمِ فسَأَلَها عليٌّ عنِّي فلم تُخْبِرْه والحمدُ للهِ إلَّا بخيرٍ قالت واللهِ ما عَلِمْتُ على عائشةَ سوءًا إلَّا أنَّها جُوَيريَةٌ تُصبِحُ عن عجينِ أهلِها فتدخُلُ الشَّاةُ الدَّاجِنُ فتأكُلُ مِنَ العجينِ قالت ثمَّ خرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ سمِعَ ما قالت بَريرةُ لِعَليٍّ إلى النَّاسِ فلمَّا اجتمَعوا إليه قال يا معشرَ المسلمين مَن لي مِن رجالٍ يُؤذونَني في أهلي فما علِمْتُ على أهلي سوءًا ويَرْمون رجُلًا مِن أصحابي ما علِمْتُ عليه سوءًا ولا خرَجْتُ مَخْرجًا إلَّا خرَج معي فيه قال سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ الأشْهَلِيُّ مِنَ الأوسِ يا رسولَ اللهِ إنْ كان ذلك مِن أحَدٍ مِنَ الأوسِ كَفَيْنَاكَهُ وإنْ كان مِنَ الخزرجِ أمَرْتَنا فيه بأمرِك وقام سعدُ بنُ عُبادةَ الأنصاريُّ ثمَّ الخَزْرَجِيُّ فقال لسعدِ بنِ معاذٍ كذَبْتَ واللهِ وهذا الباطلُ فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ الأنصاريُّ ثمَّ الأشْهَلِيُّ ورجالٌ مِنَ الفريقين فاستبُّوا وتنازَعوا حتَّى كاد أن يعظُمَ الأمرُ بينَهم فدخَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيتي وبعَث إلى أبويَّ فأتَياه فحمِد اللهَ وأثنى عليه بما هو أهلُه ثمَّ قال لي يا عائشةُ إنَّما أنتِ مِن بناتِ آدمَ فإنْ كنْتِ أخطأْتِ فتوبي إلى اللهِ واستَغْفِريه فقلْتُ لأبي أجِبْ عنِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال لا أفعَلُ هو نبيُّ اللهِ والوحيُ يأتيه فقلْتُ لأمِّي أجيبي عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت لي كما قال أبي فقلْتُ واللهِ لئن أقْرَرْتُ على نفسي بباطلٍ لتُصَدِّقُنَّني ولئن برَّأْتُ نفسي واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ لتُكَذِّبُنَّني فما أجِدُ لي ولكم مَثَلًا إلَّا قولَ أبي يوسفَ { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } ونَسيتُ اسمَ يعقوبَ لِما بي مِنَ الحُزنِ والبُكاءِ واحتراقِ الجوفِ فتغشَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما كان يتغشَّاه مِنَ الوحيِ ثمَّ سُرِّيَ عنه فمسَح وجهَه بيدِه ثمَّ قال أبْشِري يا عائشةُ قد أنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ براءتَك فقالت عائشةُ واللهِ ما كنْتُ أظُنُّ أن ينزِلَ القرآنُ في أمري ولكنِّي كنْتُ أرجو لِما يعلَمُ اللهُ مِن براءتي أن يرى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أمري رؤيا فيُبَرِّئَني اللهُ بها عندَ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال لي أبوايَ عندَ ذلك قومي فقبِّلي رأسَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقلْتُ واللهِ لا أفعَلُ بحمدِ اللهِ لا بحَمْدِكم قال وكان أبو بكرٍ يُنفِقُ على مِسْطَحٍ وأمِّه فلمَّا رماني حلَف أبو بكرٍ أن لا ينفَعَه بشيءٍ أبدًا قال فلمَّا تلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ } بكى أبو بكرٍ قال بلى يا ربِّ وأعاد النَّفقةَ على مِسْطَحٍ وأمِّه قالت وقعَد صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ لحسَّانَ بنِ ثابتٍ بالسَّيفِ فضرَبه ضربةً فقال صَفْوانُ لحسَّانَ حينَ ضرَبَه تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنْكَ فَإِنَّنِي ... غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ وَلَكِنَّنِي أَحْمِي حِمَايَ وأَنْتَقِمْ ... مِنَ الْبَاهِتِ الرَّامِي الْبُرَاةِ الطَّوَاهِرِ. ثمَّ صاح حسَّانُ فاستغاث النَّاسُ على صَفْوانَ فلمَّا جاء النَّاسُ فرَّ صَفْوانُ فجاء حسَّانُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَعْداه على صَفْوانَ في ضَرْبتِه إيَّاه فسألَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يهَبَ له ضربةَ صَفْوانَ إيَّاه فوهَبها للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعاوَضَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حائطًا مِن نخلٍ عظيمٍ وجاريةٍ روميَّةٍ ويُقالُ قِبطيَّةٌ تُدعى سِيرينَ فولَدَتْ لحسَّانَ ابنَه عبدَ الرَّحمنِ الشَّاعرَ قال أبو أُوَيسٍ أخبَرَني بذلك حُسَينُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ عَن عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالت عائشةُ ثمَّ باع حسَّانُ ذلك الحائطَ مِن معاويةَ بنِ أبي سفيانَ في ولايتِه بمالٍ عظيمٍ قالت عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها وبلَغَني واللهِ أعلمُ أنَّ الَّذي قال اللهُ فيه { والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أنَّه عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ أحدُ بني الحارثِ بن ِالخزرجِ قالت عائشةُ فقيل في أصحابِ الإفكِ الأشعارُ وقال أبو بكرٍ في مِسْطَحٍ في رَمْيِه عائشةَ فكان يُدعى عَوفًا يَا عَوْفُ وَيْحَكَ هَلَّا قُلْتَ عَارِفَةً ... مِنَ الْكَلَامِ وَلَمْ تَبْغِي بِهِ طَمَعَا فَأَدْرَكَتْكَ حُمَيَّا مَعْشَرٍ أُنُفٍ ... فَلَمْ يَكُنْ قَاطِعًا يَا عَوْفُ مَنْ قَطَعَا هَلَّا حَرِبْتَ مِنَ الْأَقْوَامِ إِذْ حَسَدُوا ... فَلَا تَقُولُ وَإِنْ عَادَيْتَهُمْ قَذَعَا لَمَّا رَمَيْتَ حَصَانًا غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ... أَمِينَةَ الْجَيْبِ لَمْ نَعْلَمْ لَهَا خَضَعَا فِيمَنْ رَمَاهَا وَكُنْتُمْ مَعْشَرًا أُفُكًا ... فِي سَيِّئِ الْقَوْلِ مِنْ لَفْظِ الْخَنَا شَرَعَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرًا فِي بَرَاءَتِهَا ... وَبَيْنَ عَوْفٍ وَبَيْنَ اللَّهِ مَا صَنَعَا فَإِنْ أَعِشْ أَجْزِ عَوْفًا فِي مَقَالَتِهِ ... سُوءَ الْجَزَاءِ بِمَا أَلْفَيْتُهُ تَبَعَا. وقالَت أمُّ سعدِ بنِ معاذٍ في الَّذين رمَوا عائشةَ مِنَ الشِّعرِ تَشْهَدُ الْأَوْسُ كُلُّهَا وَفَتَاهَا ... بِحِقْدٍ وَذَلِكَ مَعْلُومُ نِسَاءُ الْخَزْرَجِيِّينَ يَشْهَدْنَ ... وَالْخُمَاسِيُّ مِنْ نَسْلِهَا وَالْعَظِيمُ أَنَّ بِنْتَ الصِّدِّيقِ كَانَتْ حَصَانًا ... عَفَّةَ الْجَيْبِ دِينُهَا مُسْتَقِيمُ تَتَّقِي اللَّهَ فِي الْمَغِيبِ عَلَيْهَا ... نِعْمَةُ اللَّهِ سِرُّهَا مَا يَرِيمُ خَيْرُ هَدْيِ النِّسَاءِ حَالًا وَنَفْسًا ... وَأَبًا لِلْعُلَا نَمَاهَا كَرِيمُ لِلْمَوَالِي إِذَا رَمَوهَا بِإِفْكٍ ... أَخَذَتْهُمْ مَقَامِعٌ وَجَحِيمُ لَيْتَ مَنْ كَانَ قَدْ قَفَاهَا بِسُوءٍ ... فِي حُطَامٍ حَتَّى يَبُولَ اللَّئِيمُ وَعَوَانٍ مِنَ الْحُرُوبِ تَلَظَّى ... ثَغْسًا قُوتُهَا عَقَارٌ صَرِيمُ لَيْتَ سَعْدًا وَمَنْ رَمَاهَا بِسُوءٍ ... فِي كَظَاظٍ حَتَّى يَتُوبَ الظَّلُومُ. وقال حسَّانُ وهو يُبَرِّئُ عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عنها - فيما قيل فيها، ويعتذِرُ إليها: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ خَلِيلَةُ خَيْرِ النَّاسِ دِينًا وَمَنْصِبًا ... نَبِيِّ الْهُدَى وَالْمَكْرُمَاتِ الْفَوَاضِلِ عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهَا غَيْرُ زَائِلِ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيَمَهَا ... وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلٍّ سُوءٍ وَبَاطِلِ فَإِنْ كَانَ مَا قَدْ جَاءَ عَنِّي قُلْتُهُ ... فَلَا رَفَعَتْ صَوْتِي إِلَىَّ أَنَامِلِي وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ ... بِكِ الدَّهْرَ بَلْ قَوْلُ امْرِئٍ غَيْرِ هَائِلِ وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي ... لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ لَهُ رَتْبٌ عَالٍ عَلَى النَّاسِ فَضْلُهَا ... تَقَاصَرُ عَنْهَا سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ.قال أبو يونسَ وحدَّثَني أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَر بالَّذين رمَوا عائشةَ فجُلِدوا الحدَّ ثمانين وقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ في الشِّعرِ حين جُلِدوا لَقَدْ ذَاقَ عَبْدُ اللَّهِ مَا كَانَ أَهْلَهُ ... وَحَمْنَةُ إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ تَعَاطَوْا بِرَجْمِ الْغَيْبِ زَوْجَ نَبِيِّهِمْ ... وَسَخْطَةَ ذِي الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فَأَنْزَحُوا فَآذَوْا رَسُولَ اللَّهِ فِيهَا وَعَمَّمُوا ... مَخَازِيَ سُوءٍ حَلَّلُوهَا وَفُضِّحُوا
لَمَّا بَلَغَ أبا ذَرٍّ مَبعَثُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمَكَّةَ، قال لأخيه: اركَبْ إلى هذا الوادي، فاعلَمْ لي عِلمَ هذا الرَّجُلِ الذي يَزعُمُ أنَّه يَأتيه الخَبَرُ مِنَ السَّماءِ، فاسمَعْ مِن قَولِه، ثُمَّ ائتِني، فانطَلَقَ الآخَرُ حتَّى قدِمَ مَكَّةَ، وسَمِعَ مِن قَولِه، ثُمَّ رَجَعَ إلى أبي ذَرٍّ، فقال: رَأيتُه يَأمُرُ بمَكارِمِ الأخلاقِ، وكَلامًا ما هو بالشِّعرِ، فقال: ما شَفَيتَني فيما أرَدتُ، فتَزَوَّدَ وحَمَلَ شَنَّةً له فيها ماءٌ، حتَّى قدِمَ مَكَّةَ، فأتى المَسجِدَ، فالتَمَسَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا يَعرِفُه، وكَرِهَ أن يَسألَ عنه حتَّى أدرَكَه، يَعني اللَّيلَ، فاضطَجَعَ، فرَآهُ عَليٌّ، فعَرَفَ أنَّه غَريبٌ، فلَمَّا رَآهُ تَبِعَه، فلَم يَسألْ واحِدٌ منهما صاحِبَه عن شيءٍ، حتَّى أصبَحَ، ثُمَّ احتَمَلَ قِربَتَه وزادَه إلى المَسجِدِ، فظَلَّ ذلك اليَومَ، ولا يَرى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى أمسى، فعادَ إلى مَضجَعِه فمَرَّ به عَليٌّ، فقال: ما آنَ للرَّجُلِ أن يَعلَمَ مَنزِلَه؟ فأقامَه، فذَهَبَ به معهُ، ولا يَسألُ واحِدٌ منهما صاحِبَه عن شيءٍ، حتَّى إذا كان يَومُ الثَّالِثِ، فعَلَ مِثلَ ذلك، فأقامَه عَليٌّ معهُ، ثُمَّ قال له: ألا تُحَدِّثُني ما الذي أقدَمَكَ هذا البَلَدَ؟ قال: إن أعطَيتَني عَهدًا وميثاقًا لَتُرشِدَنِّي فعَلتُ، ففَعَلَ، فأخبَرَه فقال: فإنَّه حَقٌّ، وهو رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا أصبَحتَ فاتَّبِعْني، فإنِّي إن رَأيتُ شيئًا أخافُ عليكَ قُمتُ كَأني أُريقُ الماءَ، فإن مَضَيتُ فاتَّبِعْني حتَّى تَدخُلَ مَدخَلي، ففَعَلَ، فانطَلَقَ يَقفوه، حتَّى دَخَلَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ودَخَلَ معهُ، فسَمِعَ مِن قَولِه، وأسلَمَ مَكانَه، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ارجِعْ إلى قَومِكَ فأخبِرْهم حتَّى يَأتيَكَ أمري، فقال: والذي نَفسي بيَدِه لأصرُخَنَّ بها بينَ ظَهرانَيهم، فخَرَجَ حتَّى أتى المَسجِدَ، فنادى بأعلى صَوتِه: أشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، وثارَ القَومُ فضَرَبوه حتَّى أضجَعوه، فأتى العَبَّاسُ فأكَبَّ عليه، فقال: ويلَكُم، ألَستُم تَعلَمونَ أنَّه مِن غِفارٍ، وأنَّ طَريقَ تُجَّارِكُم إلى الشَّامِ عليهم! فأنقَذَه منهم، ثُمَّ عادَ مِنَ الغَدِ بمِثلِها، وثاروا إليه فضَرَبوه، فأكَبَّ عليه العَبَّاسُ فأنقَذَه
إنَّ آخِرَ مَن يدخُلُ الجنَّةَ رجُلٌ يمشي على الصِّراطِ فهو يكبو مرَّةً وتسفَعُه النَّارُ أخرى حتَّى إذا جاوَزها التفَت إليها فيقولُ : تبارَك الَّذي نجَّاني منها فواللهِ لقد أعطاني شيئًا ما أعطاه أحَدًا مِن العالَمينَ قال : ثمَّ تُرفَعُ له شجرةٌ فيقولُ : يا ربِّ أَدْنِني منها لعلِّي أستظِلُّ بظِلِّها وأشرَبُ مِن مائِها قال : فيقولُ اللهُ : يا ابنَ آدَمَ لعلِّي إنْ أعطَيْتُكَه سأَلْتَني غيرَها فيقولُ : لا يا ربِّ ويُعاهِدُه ألَّا يفعَلَ وهو يعلَمُ أنَّه فاعِلُه لِما يرى ممَّا لا صبرَ له عليه فيُدنيه منها فيستظِلُّ بظِلِّها ويشرَبُ مِن مائِها ثمَّ تُرفَعُ له شجرةٌ أخرى هي أحسَنُ مِن الأُولى فيقولُ : يا ربِّ أَدْنِني منها لِأستظِلَّ بظِلِّها وأشرَبَ مِن مائِها فيقولُ : ألَمْ تُعاهِدْني ألَّا تسأَلَني غيرَها ؟ فيقولُ : بلى يا ربِّ ولكِنْ أَدْنِني منها لِأستظلَّ بظلِّها وأشرَبَ مِن مائِها فيُعاهِدُه ألَّا يسأَلَه غيرَها فيُدنيه منها ويعلَمُ أنَّه سيسأَلُه غيرَها لِما يرى ما لا صبرَ له عليه قال : فتُرفَعُ له شجرةٌ أخرى عندَ بابِ الجنَّةِ هي أحسَنُ مِن الأُوليَيْنِ فيقولُ : يا ربِّ أَدْنِني منها لِأستظِلَّ بظلِّها وأشرَبَ مِن مائِها فيقولُ : ألَمْ تُعاهِدْني ألَّا تسأَلَني غيرَها ؟ فيقولُ : بلى يا ربِّ ولكِنْ أَدْنِني منها فإذا دنا منها سمِع أصواتَ أهلِ الجنَّةِ فيقولُ : يا ربِّ أدخِلْني الجنَّةَ فيقولُ اللهُ جلَّ وعلا : أيُرضيكَ يا ابنَ آدَمَ أنْ أُعطيَكَ الدُّنيا ومِثْلَها معها فيقولُ : أتستهزئُ بي وأنتَ ربُّ العالَمينَ ؟! فيقولُ : ما أستهزئُ بكَ ولكنَّني على ما أشاءُ قادِرٌ ) قال : فكان ابنُ مسعودٍ إذا ذكَر قولَه : ( أتستهزئُ بي ) ؟ ضحِك ثمَّ قال : ألا تسأَلوني ممَّا أضحَكُ ؟ فقيل : ممَّ تضحَكُ ؟ فقال : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا ذكَر ذلكَ ضحِك
اجتمَعَ حذيفةُ وأبو مسعودٍ، فقال حذيفةُ: لأنَا بما مع الدَّجَّالِ أعلمُ منه؛ إنَّ معَهُ بحرًا من مَاءٍ ونَهرًا من نارٍ، فالذي تُرَونَ أنَّه من نارٍ ماءٌ، والذي تُرَون أنَّه ماءٌ نارٌ، فمن أدرك ذلك منكم فأراد الماءَ فلْيَشرَبْ من الذي يُرى أنَّه نارٌ؛ فإنَّه سيجدُه ماءً. قال أبو مسعودٍ البدْريُّ: هكذا سمعتُ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وحُذَيفَةَ، وابنِ عبَّاسٍ أنَّهم كانوا جُلوسًا ذاتَ يَومٍ، فجاءَ رَجُلٌ فقال: إنِّي سَمِعتُ العَجَبَ، فقال له حُذَيفَةُ: وما ذاك؟ قال: سَمِعتُ رِجالًا يَتَحدَّثون في الشَّمسِ والقَمَرِ، فقال: وما كانوا يَتَحدَّثون؟ فقال: زَعَموا أنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ يُجاءُ بهما يَومَ القيامةِ كأنَّهما ثَورانِ عُفَيرانِ، فيُقذَفانِ في جَهنَّمَ، فقال عليٌّ، وابنُ عبَّاسٍ، وحُذَيفَةُ: كَذَبوا، اللهُ أجَلُّ وأكرَمُ من أنْ يُعذِّبَ على طاعَتِه، ألَمْ تَرَ إلى قَولِه تَعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} [إبراهيم: 33]، يعني: دائِبَينِ في طاعَةِ اللهِ، فكيف يُعذِّبُ اللهُ عَبدَينِ يُثني عليهما أنَّهما دائبانِ في طاعَتِه؟! فقالوا لحُذَيفَةَ: حَدِّثْنا رَحِمَك اللهُ، فقال حُذَيفَةُ: بينَما نحن عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ سُئِلَ عن ذلك، فقال: إنَّ اللهَ لمَّا أبرَمَ خَلقَه أحكامًا، فلم يَبْقَ من غَيرِه غَيرُ آدَمَ، خَلَقَ شَمسينِ من نورِ عَرشِه، فأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنَّه يَدَعُها شَمسًا، فإنَّه خَلَقَها مِثلَ الدُّنيا على قَدْرِها، وأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنْ يَطمِسَها ويُحوِّلَها قَمَرًا، فإنَّه خَلَقَها دونَ الشَّمسِ في الضَّوءِ، ولكن إنَّما يَرى النَّاسُ صِغَرَهما؛ لشِدَّةِ ارتِفاعِ السَّماءِ وبُعدِها عنِ الأرضِ، ولو تَرَكَهما اللهُ كما خَلَقَهما في بَدءِ الأمْرِ لم يُعرَفِ اللَّيلُ من النَّهارِ، ولا النَّهارُ من اللَّيلِ، ولكان الأجيرُ ليس له وَقتٌ يَستريحُ فيه، ولا وَقتٌ يأخُذُ فيه أجْرَه، ولكان الصَّائمُ لا يَدري إلى متى يَصومُ ومتى يُفطِرُ، ولكانتِ المرأةُ لا تَدري كيف تَعتَدُّ، ولكان الدُّيَّانُ لا يَدرون متى تَحِلُّ دُيونُهم، ولكان النَّاس لا يَدرون أحوالَ مَعايِشِهم، ولا يَدرون متى يَسْكُنون لراحَةِ أجْسامِهِم، ولكانتِ الأَمَةُ المُضطَهَدةُ، والمَملوكُ المَقهورُ، والبَهيمةُ المُسخَّرةُ ليس لهم وَقتُ راحَةٍ، فكان اللهُ أنظَرَ لعبادِه وأرحَمَ بهم، فأرسَلَ جِبريلَ فأمَرَ بجَناحِه على وَجهِ القَمَرِ ثَلاثَ مرَّاتٍ، وهو يَومَئذٍ شَمسٌ، فمَحا عنه الضَّوءَ وبَقِيَ فيه النورُ؛ فذلك قَولُه تَعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12]، فالسَّوادُ الذي تَرَونَه في القَمَرِ شِبْهَ الخُيوطِ إنَّما هو أثَرُ ذلك المَحوِ. قال: وخلَقَ اللهُ الشَّمسَ على عَجَلةٍ من ضَوءِ نورِ العَرشِ، لها ثلاثُ مِئَةٍ وسِتَّونَ عُروَةً، وخلَقَ اللهُ القَمَرَ مِثلَ ذلك، ووكَّلَ بالشَّمسِ وعَجَلتَها ثَلاثَ مِئَةٍ وسِتِّينَ مَلَكًا من ملائكةِ أهلِ السَّماءِ الدُّنيا، قد تعلَّقَ كلُّ مَلَكٍ منهم بعُروَةٍ مِن تلك العُرَى، والقَمَرُ مِثلُ ذلك، وخلَقَ لهما مَشارِقَ ومَغارِبَ في قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفَيِ السَّماءِ؛ ثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَشرِقِ، وثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَغرِبِ، فكلُّ يَومٍ لهما مَطلَعٌ جَديدٌ، ومَغرِبٌ جَديدٌ، ما بين أوَّلِها مَطلَعًا وأوَّلِها مَغرِبًا، فأطوَلُ ما يكونُ النَّهارُ في الصَّيفِ إلى آخِرِها مَطلعًا وآخِرِها مَغرِبًا، وأقصَرُ ما يكونُ النَّهارُ في الشِّتاءِ؛ وذلك قولُ اللهِ تَعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17]، يعني: آخِرَ هَاهنا وهَاهنا، لم يَذكُرْ ما بين ذلك من عِدَّةِ العُيونِ، ثم جمَعَهما بعدُ فقالَ: {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [المعارج: 40]، فذكَرَ عِدَّةَ تلك العُيونِ كُلِّها. قال: وخلَقَ اللهُ بَحرًا بينَه وبين السَّماءِ مِقدارُ ثَلاثِ فَراسِخَ، وهو قائِمٌ بأمْرِ اللهِ في الهَواءِ، لا يَقطُرُ منه قَطرَةٌ، والبِحارُ كُلُّها ساكنةٌ، وذَنَبُ البَحرِ جارٍ في سُرعَةِ السَّهمِ، ثم انطِباقُه ما بينَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، فتَجري الشَّمسُ والقَمَرُ والنُّجومُ الخُنَّسُ في حَنَكِ البَحْرِ، فوالذي نفسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، لو أنَّ الشَّمسَ دَنَتْ من ذلك البَحرِ، لأحرَقَتْ كُلَّ شَيءٍ على وَجهِ الأرضِ حتى الصُّخورَ والحِجارةَ، ولو بَدا القَمَرُ من ذلك البَحرِ حتى تُعايِنَه النَّاسُ كهَيئَتِه لافتُتِنَ به أهلُ الأرضِ إلَّا مَن شاءَ اللهُ أنْ يَعصِمَه من أوْليائِه. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، إنَّك ما ذَكَرتَ مَجرى الخُنَّسِ في القُرآنِ إلَّا ما كان من ذِكرِكَ اليَومَ، فما الخُنَّسُ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: يا حُذَيفَةُ، هي خَمسَةُ كَواكِبَ: البَرجيسُ، وعُطارِدُ، وبَهرامُ، والزُّهَرةُ، وزُحَلُ، فهذه الكَواكِبُ الخَمسَةُ الطَّالِعاتُ الغارِباتُ الجارياتُ مِثلُ الشَّمسِ والقَمَرِ، وأمَّا سائِرُ الكَواكِبِ فإنَّها مُعلَّقةٌ بين السَّماءِ تَعليقَ القَناديلِ من المَساجِدِ ونُجومِ السَّماءِ، لَهنَّ دَوَرانٌ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ، فإنْ أحبَبتُم أنْ تَستَبينوا ذلك، فانظُروا إلى دَوَرانِ الفُلكِ مرَّةً هنا ومرَّةً هَاهنا؛ فإنَّ الكَواكِبَ تَدورُ معه، وكُلُّها تَزولُ سوى هذه الخَمسَةِ. ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أعجَبَ خَلْقَ الرحمنِ! وما بَقِيَ من قُدرتِه فيما لم نَرَ أعجَبُ من ذلك وأعجَبُ، وذلك قَولُ جِبريلَ لسارَةَ: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 73]؛ وذلك أنَّ للهِ مَدينَتَينِ: إحْداهما بالمَشرِقِ، والأخرى بالمَغرِبِ، على كُلِّ مَدينةٍ منها عَشَرةُ آلافِ بابٍ، بينَ كُلِّ بابينِ فَرسَخٌ، ينوبُ كُلَّ يَومٍ على كُلِّ بابٍ من أبوابِ تلك المَدينَتَينِ عَشَرةُ آلافٍ في الحِراسَةِ عليهم السِّلاحُ ومعهم الكُراعُ، ثم لا تَنوبُهم تلك الحِراسَةُ إلى يَومِ يُنفَخُ في الصُّورِ، اسمُ إحْداهما: جابرسا، والأُخرى: جابلقا، ومن وَرائِهِما ثَلاثُ أُمَمٍ: تنسك، وتارس، وتأويل، ومِن ورائِهِم: يَأجوجُ ومَأجوجُ. وإنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ انطَلَقَ بي لَيلَةَ أُسرِيَ بي من المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأقْصى، فدَعَوتُ يَأجوجَ ومَأجوجَ إلى دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ وعِبادَتِه، فأنْكَروا ما جِئتُهُم به، فهُمْ في النَّارِ، ثم انطَلَقَ بي إلى أهلِ المَدينَتَينِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ تَعالى وعِبادَتِه، فأجابوا وأنابوا، فهُمْ إخْوانُنا في الدِّينِ؛ مَن أحسَنَ منهم فهو مع المُحسِنين منكم، ومَن أساءَ منهم فهو مع المُسيئينَ منكم، فأهلُ المَدينَةِ التي بالمَشرِقِ من بَقايا عادٍ من نَسلِ ثَمودَ، من نَسلِ مُؤمِنيهم الذين كانوا آمَنوا بصالِحٍ. ثم انطَلَقَ بي إلى الأُمَمِ الثَّلاثِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ، فأنكَروا ما دَعَوتُهم إليه، فهُمْ في النَّار مع يَأجوجَ ومَأجوجَ، فإذا طَلَعتِ الشَّمسُ، فإنَّها تَطلُعُ من بَعضِ تلك العُيونِ على عَجَلتِها، ومعها ثَلاثُ مِئَةٍ وسِتَّون مَلَكًا يَجُرُّونَها في ذلك البَحرِ الغَمْرِ راكِبُهُ، فإذا أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَرى العِبادُ آيَةً من الآياتِ يَستَعتِبُهم رُجوعًا عن مَعصِيَتِه وإقبالًا إلى طَاعَتِه، خَرَّتِ الشَّمسُ عن عَجَلتِها، فتَقَعُ في غَمرِ ذلك البَحرِ، فإنْ أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُعظِّمَ الآيةَ ويَشتَدَّ تَخويفُ العِبادِ، خَرَّتِ الشَّمسُ كُلُّها عن العَجَلةِ، حتى لا يَبقى على العَجَلةِ منها شَيءٌ، فذلك حين يُظلِمُ النَّهارُ وتَبدو النُّجومُ، وإذا أرادَ اللهُ أنْ يُعجِّلَ آيةً دونَ آيَةٍ، خَرَّ منها النِّصفُ، أو الثُّلُثُ، أو أقَلُّ من ذلك، أو أكثَرُ في الماءِ، ويَبقى سائِرُ ذلك على العَجَلةِ، فإذا كان ذلك صارتِ الملائكةُ المُوكَّلون بالعَجَلةِ فِرقَتَينِ: فِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ ويَجُرُّونَها نحوَ العَجَلةِ، وفِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ على العَجَلةِ يَجُرُّونَها نحوَ البَحرِ، وهُمْ في ذلك يَقودونَها على مِقدارِ ساعاتِ النَّهارِ، لَيلًا كان ذلك أو نَهارًا حتى يَبدُوَ في طُلوعِها شَيءٌ، فإذا حَمَلوا الشَّمسَ فوَضَعوها على العَجَلةِ، حَمِدوا اللهَ على ما قوَّاهم من ذلك، وقد جعَلَ لهم تلك القُوَّةَ وأفهَمَهم عِلمَ ذلك، فهُم لا يَقصُرون عن ذلك شَيئًا، ثم يَجُرُّونَها بإذْنِ اللهِ تَعالى حتى يَبلُغوا بها إلى المَغرِبِ، ثم يُدخِلونَها بابَ العَينِ التي تَغرُبُ فيها، فتَسقُطُ من أُفُقِ السَّماءِ خَلفَ البَحرِ، ثم تَرتَفِعُ في سُرعَةِ طَيَرانِ الملائكةِ إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ العُليا، فتَسجُدُ تحت العَرشِ مِقدارَ اللَّيلِ، ثم تُؤمَرُ بالطُّلوعِ من المَشرِقِ، فتَطلُعُ من العَينِ التي وقَّتَ اللهُ لها، فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك من طُلوعِهما إلى غُروبِهما، وقد وكَّلَ اللهُ تَعالى باللَّيلِ مَلَكًا من الملائكَةِ، وخلَقَ اللهُ حُجُبًا من ظُلمَةٍ من المَشرِقِ عَدَدَ اللَّيالي في الدُّنيا على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا غَرَبتِ الشَّمسُ أقبَلَ ذلك المَلَكُ، فقَبَضَ قَبضَةً من ظُلمَةِ ذلك الحِجابِ، ثم استقبَلَ المَغرِبَ، فلا يَزالُ يُراعي الشَّفَقَ، ويُرسِلُ تلك الظُّلمَةَ من خِلالِ أصابِعِه قَليلًا قَليلًا، حتى إذا غابَ الشَّفَقُ أرسَلَ الظُّلمَةَ كُلَّها، ثم نَشَرَ جَناحَيهِ فيَبلُغانِ قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفيِ السَّماءِ، ثم يَسوقُ ظُلمَةَ اللَّيلِ بجَناحَيهِ إلى المَغرِبِ قَليلًا قَليلًا، حتى إذا بلَغَ المَغرِبَ انفَجَرَ الصُّبحُ من المَشرِقِ، ثم ضَمَّ الظُّلمَةَ بعضَها إلى بعضٍ، ثم قبَضَ عليها بكَفٍّ واحدةٍ نحوَ قَبضَتِه إذا تَناوَلَها من الحِجابِ بالمَشرِقِ، ثم يَضَعُها عندَ المَغرِبِ على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا نَقَلَ تلك الظُّلمَةَ من المَشرِقِ إلى المَغرِبِ نفَخَ في الصُّورِ وانصَرَفتِ الدُّنيا. فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك حتى يَأتيَ الوَقتُ الذي ضُرِبَ لتَوبَةِ العِبادِ، فتَنتَشِرُ المعاصي في الأرضِ وتَكثُرُ الفَواحِشُ، ويَظهُرُ المَعروفُ فلا يَأمُرُ به أحَدٌ، ويَظهَرُ المُنكَرُ فلا يَنهى عنه أحَدٌ، وتَكثُرُ أولادُ الخَبَثةِ، ويَلي أُمُورَهم السُّفَهاءُ، ويَكثُرُ أتباعُهم من السُّفَهاءِ، وتَظهُرُ فيهم الأباطيلُ، ويَتَعاونون على رِيَبِهم ويَتَزيَّنون بألسِنَتِهم، ويَعيبون العُلَماءَ من أُولي الألبابِ، ويَتَّخِذونَهم سُخْريًّا حتى يَصيرَ الباطِلُ منهم بمَنزِلَةِ الحَقِّ، ويَصيرَ الحَقُّ بمَنزِلَةِ الباطِلِ، ويَكثُرَ فيهم ضَربُ المَعازِفِ واتِّخاذُ القَيناتِ، ويَصيرَ دِينُهم بألسِنَتِهم، ويُصْغوا قُلوبَهم إلى الدُّنيا يُحادُّون اللهَ ورسولَه، ويَصيرَ المُؤمِنُ بينَهم بالتَّقيَّةِ والكِتمانِ، ويَستَحِلُّون الرِّبا بالبَيعِ، والخَمرَ بالنَّبيذِ، والسُّحتَ بالهَديَّةِ، والقِيلَ بالمَوعِظَةِ، فإذا فَعَلوا ذلك، قَلَّتِ الصَّدَقةُ، حتى يَطوفَ السَّائِلُ ما بين الجُمُعةِ إلى الجُمُعةِ، فلا يُعطى دينارًا ولا دِرهَمًا، ويَبخَلُ النَّاسُ بما عندَهم حتى يَظُنَّ الغَنيُّ أنَّه لا يَكفيهِ ما عندَه، ويَقطَعَ كُلُّ ذي رَحِمٍ رَحِمَه، فإذا فَعَلوا ذلك واجتَمَعتْ هذه الخِصالُ فيهم، حُبِسَتِ الشَّمسُ تحت العَرشِ مِقدارَ لَيلَةٍ، كما سجَدَتْ واستَأذَنَتْ مِن أين تُؤمَرُ أنْ تَطلُعَ، فلا تُجابُ حتى يُوافيَها القَمَرُ. فتكونُ الشَّمسُ مِقدارَ ثَلاثِ لَيالٍ، والقَمَرُ مِقدارَ لَيلتينِ، ولا يَعلَمُ طُولَ تلك اللَّيلةِ إلَّا المُتهجِّدون، وهم حَنيفيَّةٌ عِصابَةٌ قَليلَةٌ في ذِلَّةٍ من النَّاسِ، وهَوانٍ من أنْفُسِهم، وضِيقٍ من مَعايِشِهم، فيقومُ أحَدُهم بقيَّةَ تلك اللَّيلَةِ يُصلِّي مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَستَنكِرُ ذلك، ثم يقولُ: لَعَلِّي قد خَفَّفتُ قِراءَتي، إذ قُمتُ قَبلَ حِيني، فيَنظُرُ إلى السَّماءِ، فإذا هو باللَّيلِ كما هو، والنُّجومُ قدِ استَدارتْ مع السَّماءِ، فصارت مَكانَها من أوَّلِ اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه، فلا يأخُذُه النَّومُ، فيقومُ فيُصلِّي الثَّانيةَ مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَزيدُه ذلك إنْكارًا، ثم يَخرُجُ فيَنظُرُ إلى النُّجومِ، فإذا هي قد صارتْ كهَيئَتِها من اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه الثَّالثةَ، فلا يأخُذُه النَّومُ، ثم يقومُ أيضًا فيُصلِّي مِقدارَ وِردِه، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَخرُجُ ويَنظُرُ إلى السَّماءِ، فيَخنُقُهم البُكاءُ، فيُنادي بعضُهم بعضًا، فيَجتَمِعُ المُتهجِّدونُ في كُلِّ مَسجِدٍ بحَضرَتِهم، وهُم قَبلَ ذلك كانوا يَتَواصَلون ويَتَعارَفون، فلا يَزالون في غَفلَتِهم، فإذا تَمَّ للشَّمسِ مِقدارُ ثَلاثِ لَيالٍ وللقَمَرِ مِقدارُ لَيلَتَينِ، أرسَلَ اللهُ تَعالى إليهما جِبريلَ، فقال لهما: إنَّ الرَّبَّ يَأمُرُكما أنْ تَرجِعا إلى المَغرِبِ؛ لِتَطلُعا منه، فإنَّه لا ضَوءَ لكما عندَنا اليَومَ ولا نورَ، فيَبكيانِ عندَ ذلك وَجَلًا مِن اللهِ تَعالى، وتَبكي الملائكةُ لبُكائِهِما مع ما يُخالِطُهما من الخَوفِ، فيَرجِعانِ إلى المَغرِبِ فيَطلُعانِ من المَغرِبِ. فبينَما النَّاسُ كذلك، إذ نادَى مُنادٍ: ألَا إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ قد طَلَعا من المَغرِبِ، فيَنظُرُ النَّاس إليهِما، فإذا هُما أسوَدانِ كهَيئَتِهِما في حالِ كُسوفِهِما قَبلَ ذلك، لا ضَوءَ للشَّمسِ ولا نورَ للقَمَرِ، فذَلك قَولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، وقَولُه تَعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة: 8]، وقَولُه تَعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة: 9]، قال: فيَرتَفِعانِ يُنازِعُ كُلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه حتى يَبلُغا سَهوَةَ السَّماءِ وهو مَنصِفُهما، فيَجيئُهما جِبريلُ عليه السَّلامُ، فيأخُذُ بقَرنَيْهِما فيَرُدُّهما إلى المَغرِبِ آفِلًا، ويُغرِبُهما في تلك العُيونِ، ولكن يُغرِبُهما في بابِ التَّوبَةِ فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: بأبي وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما بابُ التَّوبَةِ؟ قال: يا عُمَرُ، خلَقَ اللهُ تَعالى خَلفَ المَغرِبِ مِصراعَينِ من ذَهَبٍ، مُكلَّلينِ بالجَوهَرِ للتَّوبَةِ، فلا يَتوبُ أحَدٌ من وَلَدِ آدَمَ تَوبَةً نَصوحًا إلَّا وَلِجتْ تَوبَتُه في ذلك البابِ، ثم تُرفَعُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما التَّوبَةُ النَّصوحُ؟ قال: النَّدَمُ على ما فاتَ منه، فلا يَعودُ إليه كما لا يَعودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، قال حُذَيفَةُ: يا رسولَ اللهِ، كيف بالشَّمسِ والقَمَرِ بعدَ ذلك؟ وكيف بالنَّاس بعدَ ذلك؟ قال: يا حُذَيفَةُ، أمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ، فإذا أغرَبَهما اللهُ في ذلك البابِ ردَّ المِصراعَينِ، فالْتَأَمَ ما بينَهما كأنْ لم يكن فيما بينَهما صَدْعٌ قَطُّ، فلا يَنفَعُ نَفْسًا بعدَ ذلك إيمانُها لم تكن آمَنَتْ مِن قَبلُ أو كَسَبتْ في إيمانِها خَيرًا، ولا تُقبَلُ مِن عَبدٍ حَسَنةٌ إلَّا مَن كان قَبلُ مُحسِنًا، فإنَّه يَجزي له وعليه، فتَطلُعُ الشَّمسُ عليهم وتَغرُبُ كما كانت قبلُ. فأمَّا النَّاسُ فإنَّهم بعدَما يَرَونَ من فَظيعِ تلك الآيَةِ وعِظَمِها، يُلِحُّون على الدُّنيا حتى يَغرِسوا فيها الأشجارَ ويُشقِّقوا فيها الأنهارَ، ويَبنوا فَوقَ ظُهورِها البُنيانَ. وأمَّا الدُّنيا فلو أنتَجَ رَجُلٌ مُهرًا لم يَركَبْه من لَدُن طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها إلى أنْ تَقومَ السَّاعَةُ، والذي نَفْسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، إنَّ الأيَّامَ واللَّياليَ أسرَعُ من مَرِّ السَّحابِ، لا يَدري الرَّجُلُ متى يُمسي ومتى يُصبِحُ، ثم تَقومُ السَّاعَةُ، فوالذي نَفْسي بيَدِه لَتَأتينَّهم، وإنَّ الرَّجُلَ قدِ انصَرَفَ بلَبَنِ لِقحَتِه من تَحتِها، فما يَذوقُه ولا يَطعَمُه، وإنَّ الرَّجُلَ في فيه اللُّقمَةُ فما يُسيغُها، فذلك قَولُ اللهِ تَعالى: {وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت: 53]. قال: وأمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ إلى ما خلَقَهما اللهُ منه، فذَلك قَولُه تَعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} [البروج: 13]، فيُعيدُهما إلى ما خلَقَهما منه. قال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي، فكيف قيامُ السَّاعةِ؟ وكيف النَّاسُ في تلك الحالِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حُذَيفَةُ، بينَما النَّاسُ في أسواقِهم أسَرُّ ما كانوا بدُنياهم، وأحرَصُ ما كانوا عليها، فبيْن كيَّالٍ يَكيلُ، ووزَّانٍ يَزِنُ، وبين مُشتَرٍ وبائِعٍ، إذ أتَتْهم الصَّيحَةُ، فخَرَّتِ الملائكةُ صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، وخَرَّ الآدَميُّون صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، فذلك قَولُه تَعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 49]. قال: فلا يَستطيعُ أحدُهم أنْ يَرى صاحِبَه، ولا يَرجِعَ إلى أهلِه، وتَخِرُّ الوُحوشُ على جُنوبِها مَوْتى، وتَخِرُّ الطَّيرُ مِن أوْكارِها ومن جَوِّ السَّماءِ مَوْتى، وتَموتُ السِّباعُ في الغِياضِ والآجامِ والفَيافي، وتَموتُ الحيتانُ في لُجَجِ البِحارِ، والهَوامُّ في بُطونِ الأرضِ، فلا يَبقى من خَلقِ ربِّنا عزَّ وجلَّ إلَّا أربعَةٌ: جِبريلُ، وميكائيلُ، وإسرافيلُ، ومَلَكُ المَوتِ، فيقولُ اللهُ لجِبريلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لإسرافيلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لميكائيلَ: مُتْ، فيَموتُ، ثم يقولُ لمَلَكِ المَوتِ: يا مَلَكَ المَوتِ، ما مِن نَفْسٍ إلَّا وهي ذائِقَةُ المَوتِ، فمُتْ، فيَصيحُ مَلَكُ المَوتِ صَيحَةً، فيَخِرُّ، ثم يُنادي السَّمواتِ، فتَنطَوي على ما فيها كطَيِّ السِّجِلِّ للكِتابِ، والسَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا تَبارك وتَعالى، كما لو أنَّ حَبَّةً مِن خَردَلٍ أُرسِلَتْ في رِمالِ الأرضِ وبُحورِها لم تَستَبِنْ، فكذلك السَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا عزَّ وجلَّ. ثم يقولُ اللهُ تَبارك وتَعالى: أين المُلوكُ؟ أين الجَبابِرَةُ؟ لمَنِ المُلْكُ اليَومَ؟ ثم يَرُدُّ على نَفْسِه: للهِ الواحِدِ القهَّارِ، ثم يقولُها الثَّانيةَ والثَّالثةَ، ثم يَأذَنُ اللهُ للسَّمواتِ فيَتَمسَّكنَ كما كُنَّ، ويَأذَنُ للأرَضين فيَنسَطِحنَ كما كُنَّ، ثم يَأذَنُ اللهُ لصاحِبِ الصُّورِ، فيَقومُ فيَنفُخُ نَفخَةً، فتَقشَعِرُّ الأرضُ منها، وتَلفِظُ ما فيها، ويَسعى كلُّ عُضوٍ إلى عُضوِه، ثم يُمطِرُ اللهُ عليهم من نَهرٍ يُقالُ له: الحَيَوانُ، وهو تحت العَرشِ، فيُمطِرُ عليهم شَبيهًا بمَنيِّ الرِّجالِ أربَعينَ يَومًا ولَيلَةً، حتى تَنبُتَ اللُّحومُ على أجسامِها، كما تَنبُتُ الطَّراثيثُ على وَجهِ الأرضِ، ثم يُؤذَنُ له في النَّفخَةِ الثَّانيةِ، فيَنفُخُ في الصُّورِ، فتَخرُجُ الأرواحُ، فتَدخُلُ كُلُّ رُوحٍ في الجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه. قال حُذَيفَةُ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل تَعرِفُ الرُّوحُ الجَسَدَ؟ قال: نَعَمْ يا حُذَيفَةُ؛ إنَّ الرُّوحَ لَأعرَفُ بالجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه مِن أحَدِكم بمَنزِلِه، فيقومُ النَّاسُ في ظُلمَةٍ، لا يُبصِرُ أحدُهم صاحِبَه، فيَمكُثون مِقدارَ ثَلاثينَ سَنَةً، ثم تَنْجلي عنهمُ الظُّلمَةُ، وتَنفَجِرُ البِحارُ، وتُضرَمُ نارًا، ويُحشَرُ كُلُّ شَيءٍ فَوجًا لَفيفًا، ليس يَختَلِطُ المُؤمِنُ بالكافِرِ، ولا الكافِرُ بالمُؤمِنِ، ويقومُ صاحِبُ الصُّورِ على صَخرَةِ بَيتِ المَقدِسِ، فيُحشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةً، مُشاةً غُرلًا، ما على أحَدٍ منهم طِحلِبَةٌ، وقد دَنَتِ الشَّمسُ فَوقَ رُؤوسِهم، فبينَهم وبينَهما سَنَتانِ، وقد أُمِدَّتْ بِحَرِّ عَشْرِ سِنينَ، فيُسمَعُ لأجوافِ المُشرِكينَ: غِقْ غِقْ، فيَنتَهون إلى أرضٍ يُقالُ لها: السَّاهِرَةُ، وهي بناحيةِ بَيتِ المَقدِسِ تَسَعُ النَّاسَ وتَحمِلُهم بإذْنِ اللهِ، فيقومُ النَّاسُ عليها، ثم جَثا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على رُكبَتَيهِ، فقال: ليس قيامًا على أقدامِهم، ولكن شاخِصَةً أبصارُهم إلى السَّماءِ، لا يَلتَفِتُ أحدٌ منهم يَمينًا، ولا شِمالًا، ولا خَلفًا، وقدِ اشتَغَلتْ كلُّ نَفْسٍ بما أتاها، فذلك قَولُه عزَّ وجلَّ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]، فيقومُون مِقدارَ مِئَةِ سَنَةٍ، فوالذي نَفْسي بيَدِه، إنَّ تلك المِئَةَ سَنَةٍ كقَومَةٍ في صَلاةٍ واحدةٍ، فإذا تَمَّ مِقدارُ مِئَةِ سَنَةٍ، انشَقَّتِ السَّماءُ الدُّنيا، وهبَطَ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ مِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، فيُحيطون بالخَلْقِ، ثم تَنشَقُّ السَّماءُ الثَّانيةُ ويَهبِطُ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ ممَّن هبَطَ مِن سَماءِ الدُّنيا ومِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ولا تَزالُ تَنشَقُّ سَماءً سَماءً، ويَهبِطُ سُكَّانُها أكثَرَ ممَّن هبَطَ مِن سِتِّ سَمواتٍ ومن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ثم يَجيءُ الرَّبُّ تَبارك وتَعالى في ظُلَلٍ مِن الغَمامِ، فأوَّلُ شَيءٍ يُكلِّمُ البَهائِمَ، فيقولُ: يا بَهائِمي، إنَّما خلَقْتُكم لوَلَدِ آدَمَ، فكيف كانت طاعَتُكم لهم؟! وهو أعلَمُ بذلك، فتقولُ البَهائِمُ: ربَّنا، خلَقْتَنا لهم، فكَلَّفونا ما لم نُطِقْ، وصَبَرْنا طَلَبًا لمَرضاتِكَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: صَدَقتُم يا بَهائِمي، إنَّكم طَلَبتُم رِضايَ، فأنا عنكم راضٍ، ومِن رِضايَ عنكم اليَومَ أنِّي لا أُريكم أهوالَ جَهنَّمَ، فكونوا تُرابًا ومَدَرًا، فعندَ ذلك يقولُ الكافِرُ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40]. ثم تَذهَبُ الأرضُ السُّفلى، والثَّانيةُ، والثَّالثةُ، والرَّابعةُ، والخامسةُ، والسَّادسةُ، وتَبقى هذه الأرضُ فتُكفَأُ بأهْلِها كما تُكفَأُ السَّفينةُ في لُجَّةِ البَحرِ إذا خَفَقتَها الرِّياحُ، فيقولُ الآدَميُّون: أليست هذه الأرضُ التي كُنَّا نَزرَعُ عليها، ونَمشي على ظَهرِها، ونَبني عليها البُنيانَ؛ فما لها اليَومَ لا تَقِرُّ؟! فتُجاوِبُهم، فتَقولُ: يا أهْلاهُ، أنا الأرضُ التي مهَّدَني الرَّبُّ لكم، كان لي ميقاتٌ مَعلومٌ، فأنا شاهِدَةٌ عليكم بما عَمِلتُم على ظَهري، ثم عليكم السَّلامُ، فلا تَرَوني أبدًا ولا أراكم، فتَشهَدُ على كُلِّ عبدٍ وأَمَةٍ بما عَمِلَ على ظَهرِها؛ إنْ خَيرًا فخَيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، ثم تَذهَبُ هذه الأرضُ، وتَأتي أرضٌ بيضاءُ، لم يُعمَلْ عليها المعاصي، ولم يُسفَكْ عليها الدِّماءُ، فعليها يُحاسَبُ الخَلقُ. ثم يُجاءُ بالنَّارِ مَزمومةً بسَبعينَ أَلْفَ زِمامٍ، يأخُذُ بكُلِّ زِمامٍ سَبعون أَلْفَ مَلَكٍ من الملائكَةِ، لو أنَّ مَلَكًا منهم أُذِنَ له لالتَقَمَ أهلَ الجَمعِ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ أربعِ مِئَةِ سَنَةٍ زفَرَتْ زَفرَةً، فيَتَجلَّى النَّاسَ السَّكَرُ، وتَطيرُ القُلوبُ إلى الحَناجِرِ، فلا يَستطيعُ أحَدٌ منهم النَّفَسَ إلَّا بعدَ جُهدٍ جَهيدٍ، ثم يأخُذُهم من ذلك الغَمِّ حتى يُلجِمَهم العَرَقُ في مكانِهم، فتَستَأذِنُ الرحمنَ في السُّجودِ، فيَأذَنُ لها، فتقولُ: الحَمدُ للهِ الذي جعَلَني أنتَقِمُ للهِ ممَّن عَصاه، ولم يَجعَلْني آدَميًّا فيَنتَقِمَ منِّي، ثم تُزيَّنُ الجَنَّةُ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ خَمسِ مِئَةِ سَنَةٍ، يَجِدُ المُؤمِنونَ رِيحَها ورَوحَها، فتَسكُنُ نُفوسُهم، ويَزدادون قُوَّةً على قُوَّتِهم، فتَثبُتُ عُقولُهم، ويُلقِّنُهم اللهُ حُجَجَ ذُنوبِهم، ثم تُنصَبُ المَوازينُ، وتُنشَرُ الدَّواوينُ، ثم يُنادى: أين فُلانٌ؟ أين فُلانٌ؟ قُمْ إلى الحِسابِ، فيقومُون، فيَشهَدون للرُّسُلِ أنَّهم قد بَلَّغوا رِسالاتِ ربِّهم، فأنتُم حُجَّةُ الرُّسُلِ يَومَ القيامةِ، فيُنادى رَجُلٌ رَجُلٌ، فيا لها من سَعادَةٍ لا شِقوَةَ بعدَها! ويا لها من شِقوَةٍ لا سعادَةَ بعدَها! فإذا قَضى بين أهلِ الدَّارينِ، ودخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ؛ بعَثَ اللهُ عزَّ وجلَّ ملائكةً إلى أُمَّتي خاصَّةً، وذلك في مِقدارِ يَومِ الجُمُعةِ معهم التُّحُفُ والهَدايا من عندِ ربِّهم، فيقولُون: السَّلامُ عليكم، إنَّ ربَّكم ربَّ العِزَّةِ يَقرَأُ عليكم السَّلامَ، ويقولُ لكم: أَرضيتُم الجَنَّةَ قَرارًا ومَنزِلًا؟ فيقولُون: هو السَّلامُ، ومنه السَّلامُ، وإليه يَرجِعُ السَّلامُ، فيقولُون: إنَّ الرَّبَّ قد أَذِنَ لكم في الزِّيارةِ إليه، فيَركَبون نُوقًا صُفرًا وبِيضًا، رِحالاتُها الذَّهَبُ، وأَزِمَّتُها الياقوتُ، تَخطُرُ في رِمالِ الكافورِ، أنا قائِدُهم، وبِلالٌ على مُقدَّمَتِهم، ووَجهُ بِلالٍ أشَدُّ نورًا من القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، والمُؤذِّنون حَولَه بتلك المَنزِلَةِ، وأهلُ حَرَمِ اللهِ تَعالى أدنى النَّاسِ منِّي، ثم أهلُ حَرَمي الذين يَلونَهم، ثم بعدَهم الأفضَلُ فالأفضَلُ، فيَسيرون ولهم تَكبيرٌ وتَهليلٌ، لا يَسمَعُ سامِعٌ في الجَنَّةِ أصواتَهم إلَّا اشتاقَ إلى النَّظَرِ إليهم، فيَمُرُّون بأهلِ الجِنانِ في جَنَّاتِهم، فيقولون: مَن هَؤلاءِ الذين مَرُّوا بنا؟ قدِ ازدادتْ جنَّاتُنا حُسنًا على حُسنِها، ونورًا على نورِها، فيقولون: هذا مُحمَّدٌ وأُمَّتُه يَزورون رَبَّ العِزَّةِ، فيقولون: لَئن كان مُحمَّدٌ وأُمَّتُه بهذه المَنزِلَةِ والكَرامَةِ، ثم يُعاينون وَجهَ رَبِّ العِزَّةِ، فيا ليتنا كُنَّا من أُمَّةِ مُحمَّدٍ، فيَسيرون حتى يَنتَهُوا إلى شَجَرةٍ يُقالُ لها: شَجَرةُ طُوبى، وهي على شَطِّ نَهرِ الكَوثَرِ، وهي لمُحمَّدٍ، ليس في الجَنَّةِ قَصرٌ مِن قُصورِ أُمَّةِ مُحمَّدٍ إلَّا وفيه غُصنٌ من أغصانِ تلك الشَّجَرةِ، فيَنزِلون تحتَها، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، اكْسُ أهلَ الجَنَّةِ، فيُكسى أحدُهم مِئَةَ حُلَّةٍ، لو أنَّها جُعِلتْ بين أصابِعِه لَوَسِعَتْها مِن ثيابِ الجَنَّةِ. ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، عَطِّرْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالطِّيبِ، فيُطيِّبون، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، فَكِّهْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالفاكهةِ، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا الحُجُبَ عنِّي حتى يَنظُرَ أوليائي إلى وَجْهي، فإنَّهم عَبَدوني ولم يَرَوْني، وعرَفَتْني قُلوبُهم ولم تَنظُرْ إليَّ أبصارُهم، فتقولُ الملائكةُ: سُبحانَك نحن ملائكتُك، ونحن حَمَلةُ عَرشِك، لم نَعصِكَ طَرْفةَ عَينٍ، لا نَستطيعُ النَّظَرَ إلى وَجهِكَ، فكيف يَستطيعُ الآدَميُّون ذلك؟! فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا ملائكتي، إنِّي طالما رأيتُ وُجوهَهم مُعفَّرَةً في التُّرابِ لوَجْهي، وطالما رأيتُهم صُوَّامًا لوَجْهي في يَومٍ شَديدِ الظَّمَأِ، وطالما رأيتُهم يَعمَلون الأعمالَ ابتِغاءَ رَحْمتي ورَجاءَ ثَوابي، وطالما رأيتُهم يَزوروني إلى بَيتي من كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ، وطالما رأيتُهم وعُيونُهم تَجري بالدُّموعِ من خَشيَتي يَحِقُّ للقَومِ عليَّ أنْ أُعطيَ أبصارَهم من القُوَّةِ ما يَستطيعون به النَّظَرَ إلى وَجْهي، فرفَعَ الحُجُبَ، فيَخِرُّون سُجَّدًا، فيقولون: سُبحانَك لا نُريدُ جِنانًا، ولا أزواجًا، ولا نُريدُ إلَّا النَّظَرَ إلى وَجْهِك، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا رُؤوسَكم يا عبادي؛ فإنَّها دارُ جَزاءٍ، وليست بدارِ عِبادَةٍ، وهذا لكم عندي مِقدارُ كُلِّ جُمُعةٍ، كما كُنتُم تَزوروني في بَيتي
جاء ابنا مُلَيكةَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالا: إنَّ أُمَّنا كانتْ تُكرِمُ الزَّوجَ، وتَعطِفُ على الوَلدِ، -قال: وذكَرَ الضَّيفَ- غيرَ أنَّها كانت وأَدَتْ في الجاهليَّةِ؟ قال: "أُمُّكما في النَّارِ"، فأَدبَرا، والشَّرُّ يُرى في وُجوهِهما، فأمَرَ بهما، فرُدَّا، فرجَعا والسُّرورُ يُرى في وُجوهِهما، رجَيا أنْ يكونَ قد حدَثَ شيءٌ، فقال: "أُمِّي مع أُمِّكما"، فقال رَجُلٌ مِن المُنافِقينَ: وما يُغني هذا عن أُمِّه شيئًا، ونحن نطَأُ عَقِبَيه، فقال رَجُلٌ مِن الأَنصارِ -ولم أرَ رَجُلًا قَطُّ أكثرَ سُؤالًا منه-: يا رسولَ اللهِ، هل وعَدَكَ ربُّكَ فيها، أو فيهما؟ قال: فظَنَّ أنَّه مِن شيءٍ قد سمِعَه، فقال: "ما سأَلْتُه ربِّي، وما أطمَعَني فيه، وإنِّي لَأقومُ المَقامَ المَحمودَ يومَ القيامةِ"، فقال الأَنصاريُّ: وما ذاك المَقامُ المَحمودُ؟ قال: "ذاك إذا جيءَ بكم عُراةً حُفاةً غُرلًا، فيكونُ أوَّلَ مَن يُكسى إبراهيمُ، يقولُ: اكْسوا خَليلي، فيُؤتى برَيطتَينِ بَيضاوَينِ، فلَيَلبِسْهما، ثُمَّ يَقعُدُ فيَستقبِلُ العَرشَ، ثُمَّ أُوتى بكِسوَتي، فأَلبَسُها، فأَقومُ عن يمينِه مَقامًا لا يَقومُه أحدٌ غيري، يَغبِطُني به الأوَّلونَ والآخِرونَ"، قال: "ويُفتَحُ نَهرٌ مِن الكَوثَرِ إلى الحَوضِ"، فقال المُنافِقونَ: فإنَّه ما جَرى ماءٌ قَطُّ إلَّا على حالٍ، أو رَضراضٍ، قال: يا رسولَ اللهِ، على حالٍ أو رَضراضٍ؟ قال: "حالُه المِسكُ، ورَضراضُه التُّومُ"، قال المُنافِقُ: لم أسمَعْ كاليومِ، قلَّما جَرى ماءٌ قَطُّ على حالٍ أو رَضراضٍ، إلَّا كان له نَبتٌ، فقال الأَنصاريُّ: يا رسولَ اللهِ، هل له نَبتٌ؟ قال: "نعمْ، قُضبانُ الذَّهبِ"، قال المُنافِقُ: لم أسمَعْ كاليومِ، فإنَّه قلَّما نبَتَ قَضيبُ إلَّا أَورَقَ، وإلَّا كان له ثَمرٌ، قال الأنصاريُّ: يا رسولَ اللهِ، هل من ثَمرٍ؟ قال: "نعمْ، ألْوانُ الجَوهرِ، وماؤه أشدُّ بَياضًا مِن اللَّبنِ، وأحلى مِن العَسلِ، إنَّ مَن شَرِبَ منه مَشرَبًا؛ لم يَظمَأْ بعدَه، وإنْ حُرِمَه؛ لم يُرْوَ بعدَه"
جاء ابنا مُليكةَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فقالا : إنَّ أمَّنا كانت تكرمُ الزوجَ وتعطفُ على الولدِ قال : وذكرَ الضيفَ غيرَ أنها كانت وأَدَت في الجاهليةِ قال : أمُّكُما في النارِ فأدبَرا والشرُّ يُرَى في وجوهِهما فأمرَ بِهما فَرُدَّا فرجَعا والسرورُ يُرَى في وجوهِهما رَجَيا أن يكونَ قد حدث شيءٌ فقال : أمِّي معَ أمِّكما فقال رجلٌ من المنافقينَ : وما يُغني هذا عن أمِّه شيئًا ونحن نطأُ عقِبَيه فقال رجلٌ من الأنصارِ ولم أرَ رجلًا قطُّ أكثرَ سؤالًا منه : يا رسولَ اللهِ هل وعَدك ربُّك فيها أو فيهما قال : فظنَّ أنه من شيءٍ قد سمِعَه فقال : ما سألتُه ربِي وما أطمَعني فيه وإني لأقومُ المقامَ المحمودَ يومَ القيامةِ فقال الأنصاريُّ : وما ذاكَ المقامُ المحمودُ قال : ذاك إذا جِيءَ بكم عُراةً حُفاةً غُرلًا فيكونُ أولَ مَن يُكسى إبراهيمُ عليه السلامُ يقولُ : اكسوا خلِيلي فيؤتَى بريطَتينِ بيضاوينِ فيلبسُهما ثم يقعدُ فيستقبلُ العرشَ ثم أُوتِىَ بكِسوتي فألبسُها فأقومُ عن يمينُه مقامًا لا يقومُه أحدٌ غيري يَغبطُني به الأولونَ والآخرونَ قال : ويُفتحُ نهرٌ من الكوثرِ إلى الحوضِ فقال المنافقونَ : فإنَّه ما جرى ماءٌ قطُّ إلا على حالٍ أو رضراضٍ قال : يا رسولَ اللهِ على حالٍ أو رضراضٍ قال : حالُه المسكُ ورَضراضُه التومُ قال المنافقُ : لمْ أسمعْ كاليومِ قلَّما جرى ماءٌ قطُّ على حالٍ أو رضراضٍ إلا كان له نبْتُه فقال الأنصاريُّ : يا رسولَ اللهِ هل له نبتٌ قال : نعَم قُضبانُ الذهبِ قال المنافقُ : لمْ أسمعْ كاليومِ فإنه قلَّما ينبتُ قضيبٌ إلا أوْرقَ وإلا كان له ثمرٌ قال الأنصاريُّ : يا رسولَ اللهِ هل مِن ثمرٍ قال : نعم ألوانُ الجوهرِ وماؤُه أشدُّ بياضًا من اللبنِ وأحلى مِن العسلِ إنَّ مَن شرِب منه مشربًا لمْ يظمأْ بعدَه وإن حُرِمه لم يُروَ بعدَه
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسرأتهزأ بي وأنت رب العالمينأعطيك الدنيا ومثلها معهاتنبت الحبة في حميل السيلأبايع الناس وأجازفهميمر مثل الفرس المجرىطلوع الشمس من المغربإبراهيم عليه السلاميمشي مرة ويكبو مرةنهر من أنهار الجنةآخر من يدخل الجنةتبارك الذي أنجانيحطبا كثيرا جزلافاذروها في اليمأصوات أهل الجنةضحك رب العالمينصفوان بن المعطلالخبر من السماءالذي يرى الناسلا أسألك غيرهادابة مثل النغفالمقام المحمودجابرسا وجابلقاريطتين بيضاوينأشرب من مائهااللهم سلم سلميمر مثل الريحضبارات ضباراتمكارم الأخلاقالتوبة النصوحماء عذب بارديمينا وشمالايأجوج ومأجوجالشمس والقمرأمي مع أمكماألوان الجوهريرى أنه ناريرى أنه ماءفتنة الدجاليوم القيامةتسفعه النارأستظل بظلهاحسك وكلاليبالمسيح ينزلرب العالمينقضبان الذهببحر من ماءنهر من نارأربعين سنةيمشي ويكبوأتستهزئ بيعهدك وذمتكثلاث شجراتسواد الناسأستهزئ منيغربي الشامحديث الإفكسورة النورمبعث النبيأراد الماءباب التوبةأبو مسعودماء و ناريرى الناسحشر الناسالمنافقونسبعون حلةيحبو حبوايزحف زحفاالاستظلالأهل الجنةشط الفراتباب الجنةابن مسعودخلق شمسينطاعة اللهماء ونارمن خشيتكيجده ماءعذب باردنار تحرقماء باردالمؤمنونالقهرمانأدخلنيهاجسر جهنمأتهزأ بيثلاث فرقالنفختينرب العزةضحك الربالمناديضحك ربيالصبغاءالنواجذصرخ بهاالرضراضالشفاعةالدجالفليشرب
تخريج حديث يرى أنه ماء
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








