أحاديث عن: صاحب لهم
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
22 نتيجة — لكلمة: صاحب لهم
⭐ صحيح
📂 باب ما جاء في كراهية...
عن عبد الله بن مسعود قال: جاء ناس فسألوا رسول الله ﷺ عن صاحب لهم أن يكووه فسكت، ثمّ سألوه ثلاثًا فسكت، وكره ذلك.
صحيح رواه ابن حبَّان (٦٠٨٢)، والطحاوي في شرحه (٦٩٩٨) كلاهما عن شعبة، قال: أنبأنا أبو إسحاق قال: سمعت أبا الأحوص يحدث عن عبد الله بن مسعود قال: فذكره.
📚 كتاب الطب
📖 اقرأ الشرح
بينا نحن مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، إذ جاءه رجلٌ من اليهودِ ، وكانوا قد تشاوروا في صاحبٍ لهم زنَى بعدما أُحصِن ، فقال بعضُهم لبعضٍ : إنَّ هذا النَّبيَّ قد بُعِث ، وقد علمتم أن قد فُرِض عليكم الرَّجمُ في التَّوراةِ ، فكتمتموه ، واصطلحتم بينكم على عقوبةٍ دونه ، فانطلِقوا نسألُ هذا النَّبيَّ ، فإن أفتانا بما فُرِض علينا في التَّوراةِ من الرَّجمِ تركنا ذلك ، فقد تركنا ذلك في التَّوراةِ ، فهي أحقُّ أن تُطاعَ وُتصدَّقَ ، فأتَوْا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقالوا : يا أبا القاسمِ ! إنَّه زنَى صاحبٌ لنا قد أُحصِن ، فما ترَى عليه من العقوبةِ ؟ قال أبو هريرةَ : فلم يرجعْ إليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى قام وقُمنا معه ، فانطلق يؤُمُّ مدراسَ اليهودِ ، حتَّى أتاهم ، فوجدهم يتدارسون التَّوراةَ في بيتِ المدراسِ ، فقال لهم : يا معشرَ اليهودِ ، أنشُدُكم باللهِ الَّذي أنزل التَّوراةَ على موسَى ، ماذا تجِدون في التَّوراةِ من العقوبةِ على من زنَى وقد أُحصِن ؟ قالوا : إنَّا نجِدُه يُحمَّمُ ويُجلدُ ، وسكت حبرُهم في جانبِ البيتِ ، فلمَّا رأَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صمتَه ، ألظَّ ينشدُه ، فقال حبرُهم : اللَّهمَّ إذ نشدتَنا ، فإنَّا نجِدُ عليهم الرَّجمَ ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : فماذا كان أوَّلَ ما ترخَّصتُم به أمرَ اللهِ ؟ قال : زنَى ابنُ عمِّ ملكٍ فلم يرجُمْه ، ثمَّ زنَى رجلٌ آخرُ في أسرةٍ من النَّاسِ ، فأراد ذلك الملكُ رجْمَه ، فقام دونه قومُه ، فقالوا : واللهِ لا ترجمُه حتَّى ترجمَ فلانًا ابنَ عمِّ الملكِ ! فاصطلحوا بينهم عقوبةً دون الرَّجمِ ، وتركوا الرَّجمَ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : فإنِّي أقضي بما في التَّوراةِ ، فأنزل اللهُ في ذلك : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ . . . } إلى قولِه : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }
يأتي على الناسِ زمانٌ يَغْزُو فِئامٌ من الناسِ فيُقالُ : فيكم مَن صاحَب الرسولَ ؟ فيقولونَ : نعم ، فيُفْتَحُ لهم ، ثم يأتي على الناسِ زمانٌ ، فيَغْزُو فِئامٌ من الناسِ ، فيُقالُ لهم : هل فيكم مَن صاحَب أصحابَ الرسولِ ؟ فيقولونَ : نعم ، فيُفْتَحُ لهم ، ثم يأتي على الناسِ زمانُ ، فيَغْزُو فِئامٌ من الناسِ ، فيُقالُ لهم : هل فيكم مَن صاحَب مَن صاحَب أصحابَ الرسولِ ؟ فيقولونَ : نعم ، فيُفْتَحُ لهم
"يأْتي على النَّاسِ زَمانٌ يَغْزو فِئامٌ منَ النَّاسِ، فيُقالُ: هل فيكم مَن صاحَبَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فيُقالُ: نَعمْ، فيُفتَحُ لهم، ثُم يَغْزو فِئامٌ منَ النَّاسِ، فيُقالُ: هل فيكم مَن صاحَبَ مَن صاحَبَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فيقولونَ: نَعمْ، فيُفتَحُ لهم، ثُم يَغْزو فِئامٌ منَ النَّاسِ، فيقولونَ: هل فيكم مَن صاحَبَ مَن صاحَبَ أصحابَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فيقولونَ: نَعمْ، فيُفتَحُ لهم"
يَأتي على النَّاسِ زَمانٌ، فيَغزو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ، فيَقولونَ: فيكُم مَن صاحَبَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فيَقولونَ: نَعَم، فيُفتَحُ لهم، ثُمَّ يَأتي على النَّاسِ زَمانٌ، فيَغزو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ، فيُقالُ: هل فيكُم مَن صاحَبَ أصحابَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فيَقولونَ: نَعَم، فيُفتَحُ لهم، ثُمَّ يَأتي على النَّاسِ زَمانٌ، فيَغزو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ، فيُقالُ: هل فيكُم مَن صاحَبَ مَن صاحَبَ أصحابَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فيَقولونَ: نَعَم، فيُفتَحُ لهم
مرِض رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فأُغمي عليه فأفاق ، فقال : حضَرَتِ الصلاةُ ؟ قُلنا : نعَم ، قال : مُروا بلالًا فلْيؤذِّنْ ، ومُروا أبا بكرٍ فلْيصَلِّ بالناسِ ثم أُغمِيَ عليه فأفاق فقال : أحضَرَتِ الصلاةُ ؟ قُلنا : نعَم ، قال : مُروا بلالًا فلْيؤذِّنْ ومُروا أبا بكرٍ فلْيصلِّ بالناسِ ثم أُغمي عليه ، فقالتْ عائشةُ : إنَّ أبي رجلٌ أسيفٌ - أو آسِفٌ - فلو أمَرتَ غيرَه قال : ثم أفاق فقال : هل أُقيمَتِ الصلاةُ ؟ قالوا : لا قال : فمُروا بلالًا فلْيَقُمْ ، ومُروا أبا بكرٍ فلْيصَلِّ بالناسِ فقالتْ عائشةُ : إنَّ أبي رجلٌ أسيفٌ فلو أمَرتَ غيرَه فقال : إنكُنَّ صواحِبُ يوسُفَ ، مُروا بلالًا فلْيؤذِّنْ ، ومُروا أبا بكرٍ فلْيصَلِّ بالناسِ فأقام بلال وتقدَّم أبو بكرٍ ، ثم إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أفاق فقال : ابغو لي مَن أعتمِدُ عليه قال : فخرَج يعتمِدُ على بَريرةَ وأناسٍ أُخَرَ حتى جلَس إلى جنبِ أبي بكرٍ ، فأراد أن يتأخَّرَ ، فحبَسه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فصلَّى أبو بكرٍ بالناسِ ، فلما قُبِض رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، قال عُمرُ : لا أسمَعُ أحدًا يقولُ : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مات إلا ضرَبتُه بسَيفي قال سالمُ بنُ عبيدٍ : ثم أرسَلوني فقالوا : انطلِقْ إلى صاحبِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فادعُه قال : فأتيتُ أبا بكرٍ وهو في المسجدِ وقد أدهشتُ ، فقال لي أبو بكرٍ : لعلَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مات فقلتُ : إنَّ عُمرَ يقولُ : لا أسمَعُ أحدًا يقولُ : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مات إلا ضربتُه بسيفي قال : ثم قام أبو بكرٍ ، فأخَذ بساعِدي ، فجئتُ أنا وهو فقال : أوسِعوا لي فأوسَعوا له ، فانكبَّ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومسَّه ووضَع يدَيه - أو يدَه - وقال : إنَّكَ ميتٌ وإنهَّم ميتونَ فقالوا : يا صاحبَ رسولِ اللهِ أمات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ فقال : نعَم ، فعلِموا أنه كما قال ، وكانوا أُمِيِّينَ لم يكُنْ فيهم نبيٌّ قبلَه قالوا : يا صاحبَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، أيصلَّى عليه ؟ قال : نعَم , قالوا : كيف يصلَّى عليه ؟ قال : يدخُلُ قومٌ فيكبِّرونَ ويصلُّونَ ويَدْعونَ ثم يَخرُجونَ ، ثم يدخُلُ غيرُهم حتى يَفرَغوا قالوا يا صاحبَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أيُدفَنُ ؟ قال : نعَم قالوا : أين يُدفَنُ ؟ قال : في المكانِ الذي قُبِض فيه روحُه , فإنه لم تُقبَضْ روحُه إلا في مكانٍ طيبٍ , فعلِموا أنه كما قال ثم أمَرهم أن يغسلَه بنو أبيه قال : ثم خرَج فاجتَمَع المهاجرونَ يتشاوَرونَ فقالوا : إنَّ للأنصارِ في هذا الأمرِ نصيبًا قال : فأتوهم ، فقال قائلٌ منهم : منا أميرٌ ومنكم أميرٌ للمهاجرينَ فقام عُمرُ فقال لهم : مَن له ثلاثٌ مثلُ ما لأبي بكرٍ : ثاني اثنينِ إذ هما في الغارِ مَن هما ؟ إذ يقولُ لصاحبِه لا تَحزَنْ إنَّ اللهَ معنا مَن هما ؟ مَن كان اللهُ ، عزَّ وجلَّ ، معَهما ، قال : ثم أخَذ بيدِ أبي بكرٍ فبايَعه وبايَع الناسُ ، وكانتْ بيعةً حسنةً جميلةً
لمَّا قدِمنا المدينةَ أصبنا من ثمارِها فاجتويناها وأصابنا بها وعكٌ وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم يتخبَّرُ عن بدرٍ فلمَّا بلغنا أنَّ المشركين قد أقبلوا سار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم إلى بدرٍ – وبدرٌ بئرُ - فسبقْنا المشركين إليها فوجدنا فيها رجلَيْن . رجلًا من قريشٍ ومولًى لعقبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ ، فأمَّا القُرشيُّ فانفلت وأمَّا مولَى عقبةَ فأخذناه فجعلنا نقولُ له : كم القومُ فيقولُ : هم واللهِ كثيرٌ عددُهم ، شديدٌ بأسُهم . فجعل المسلمون إذا قال لهم ذلك ضربوه ، حتَّى انتهَوْا به إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم فقال له : كم القومُ ؟ قال : هم واللهِ كثيرٌ عددُهم ، شديدٌ بأسُهم . فجهد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم أن يخبرَ بكم هي فأبَى ثمَّ سأله رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم كم ينحِرون من الجَزورِ ؟ فقال : عشرةً كلَّ يومٍ . فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم : القومُ ألفٌ ، كلُّ جزورٍ لمائةٍ . وتبِعها ثمَّ إنَّه أصابنا من اللَّيلِ طشٌّ من مطرٍ فانطلقنا تحت الشَّجرِ والحرفِ نستظلُّ بها من المطرِ , وبات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم يدعو ربَّه ويقولُ : اللَّهمَّ إن تهلِكْ هذه العصابةُ لا تُعبدْ في الأرضِ ، فلمَّا طلع الفجرُ نادَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم : الصَّلاةُ جامعةٌ . فجاء النَّاسُ من تحتِ الشَّجرِ والحرفِ ، فصلَّى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم وحضَّ على القتالِ ثمَّ قال : إنَّ قريشًا عند هذه الضِّلعِ الحمراءِ من الجبلِ ، فلمَّا دنا القومُ منَّا وصاففناهم إذا رجلٌ منهم يسيرُ في القومِ على جملٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم : يا عليُّ نادِ لي حمزةَ وكان أقربَهم من المشركين من صاحبِ الجملِ الأحمرِ وماذا يقولُ لهم ، ثمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم : إن يكُ في القومِ أحدٌ يأمرُ بخيرٍ فعسَى أن يكونَ صاحبَ الجملِ الأحمرِ ، فجاء حمزةُ فقال هو عتبةُ بنُ ربيعةَ وهو ينهَى عن القتالِ ، ويقولُ لهم : يا قومِ إنِّي أرَى أقوامًا مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خيرٌ ، يا قومِ اعصِبوها اليومَ برأسي وقولوا جبُن عتبةُ ، وقد تعلمون أنِّي لستُ بأجبنِكم فسمِع ذلك أبو جهلٍ فقال : أنت تقولُ هذا ؟ واللهِ لو غيرُك يقولُ هذا لأعضضتُه . قد مُلِئت جوفُك رعبًا فقال عتبةُ : إيَّايَ تعني يا مُصفِّرَ استِه ، ستعلمُ اليومَ أيُّنا أجبنُ فبرز عتبةُ وأخوه وابنُه الوليدُ حميَّةً فقال : من يبارزُ ؟ فخرج من الأنصارِ شيبةُ . فقال عتبةُ . لا نريدُ هؤلاء ، ولكن يبارزُنا من بني عمِّنا من بني عبدِ المطَّلبِ . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم : قُمْ يا عليُّ قُمْ يا حمزةُ قُمْ يا عبيدةُ بنَ الحارثِ ، فقتل اللهُ عتبةَ وشيبةَ ابنَيْ ربيعةَ والوليدَ بنَ عتبةَ وجُرِح عبيدةُ بنُ الحارثِ ، فقتلنا منهم سبعين ، وأسرنا سبعين ، فجاء رجلٌ من الأنصارِ قصيرٌ برجلٍ من بني هاشمٍ أسيرًا فقال الرَّجلُ : يا رسولَ اللهِ إنَّ هذا واللهِ ما أسرني لقد أسرني رجلٌ أجلحُ من أحسنِ النَّاسِ وجهًا على فرقٍ أبلقَ ما أراه في القومِ فقال الأنصاريُّ : أنا أسرتُه يا رسولَ اللهِ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم : اسكُتْ فقد أيَّدك اللهُ بملَكٍ كريمٍ . قال عليٌّ رضِي اللهُ عنه . فأُسِر من بني عبدِ المطَّلبِ رجلٌ وعقيلٌ ونَوفلُ بنُ الحارثِ
«لمَّا قُبِضَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال عُمَرُ: لا أسمَعُ أحَدًا يَقولُ: ماتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا ضَرَبتُه بالسَّيفِ، فأَخَذَ أبو بَكرٍ بذِراعَي عليٍّ، وقامَ يَمشي حينًا، فقال: أوسِعوا، فأَوسَعوا له فأَكَبَّ عليه، ومَسَّه، قال «إنَّك مَيِّتٌ وإِنَّهُم مَيِّتونَ» قالوا: يا صاحِب رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ماتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال: نَعَم. فعَلِموا أنَّه كما قال، قالوا: يا صاحِبَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أتُصَلِّي على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال: نَعَم، يَدخُلُ قَومٌ فيُكَبِّرونَ ويَدعونَ ويُصَلُّونَ ثُمَّ يَنصَرِفونَ، ويَجيءُ آخَرونَ حَتَّى يَفرُغوا، قال: يا صاحِبَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا توُفِّيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أيُدفَنُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال: نَعَم، قالوا: أينَ يُدفَنُ؟ قال: حَيثُ قُبِضَ، فإِنَّ اللهَ تَعالى لم يَقبِضْه إلَّا ببُقعةٍ طَيِّبةٍ، فعَلِموا أنَّه كما قال، ثُمَّ قال: عِندَكُم فاغسِلوه، فأَمَرَهُم يغسلونَه ثُمَّ خَرَجَ واجتَمَعَ المُهاجِرونَ يَتَشاوَرونَ، فقالوا: انطَلِقوا إلى إخوانِنا مِنَ الأَنصارِ فإِنَّ لهُم مِن هُنا نَصيبًا، فانطَلَقوا، فقال رَجُلٌ مِنَ الأَنصارِ: مِنَّا أميرٌ ومِنكُم أميرٌ، فأَخَذَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ تَعالى عنه بيَدِ أبي بَكرٍ، فقال: أخبِروني مَن له هذه الثَّلاثةُ {ثاني اثنَينِ إذ هُما في الغارِ إذ يَقولُ لصاحِبِه لا تَحزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا} [التوبة 40] مَن صاحِبُه؟ فأَخَذَ بيَدِ أبي بَكرٍ فضَرَبَ عليها، وقال للنَّاسِ: بايِعوه، فبايَعوه بَيعةً حَسَنةً جَميلةً»
أُغميَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مرضِه فأفاق فقال حضرتِ الصلاةُ؟ قلنا نعم قال مُرُوا بلالًا فليُؤذِّنْ ومُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالناسِ ثم أُغميَ عليه, فأفاق فقال هل حضرتِ الصلاةُ؟ قلتُ نعم قال مُرُوا بلالًا فليُؤذِّنْ, ومُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالناسِ فقالت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها إنَّ أبي رجلٌ أسيفٌ فلو أمرتَ غيرَه فليُصلِّ بالناسِ ثم أُغميَ عليه فأفاق فقال أُقيمتِ الصلاةُ؟ قلنا نعم قال ائتوني بإنسانٍ أعتمدُ عليه فجاءَه بريدةُ وإنسانٌ آخرُ فاعتمدْ عليهما فأتى المسجدَ فدخلَه وأبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ يصلي بالناسِ فذهب أبو بكرٍ يتنحَّى فمنعَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأجلسُ إلى جنبِ أبي بكرٍ حتى فرغ من صلاتِه فقبض رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال عمرُ لا أسمعُ أحدًا يقول مات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلا ضربتُه بالسيفِ فأخذ أبو بكرٍ بذراعي فاعتمدَ عليَّ وقام يمشي حتى جئنا فقال أوسِعُوا له فأكبَّ عليه ومسَّهُ, قال إنك ميتٌ وإنهم ميِّتونَ قالوا يا صاحبَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؟ قال نعم فعلِمُوا أنَّهُ كما قال قالوا يا صاحبَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنصلي على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؟ قال نعم يدخلُ قومٌ فيُكبِّرونَ ويدعون ويُصلُّونَ ثم ينصرفون ويجيءَ آخرون حتى يفرغوا قالوا يا صاحبَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أيُدفنُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم قالوا وأين يُدفنُ؟ قال حيث قُبِضَ, فإنَّ اللهَ تبارك وتعالى لم يقبِضْهُ إلا في بقعةٍ طيبةٍ فعلموا أنَّهُ كما قال ثم قام فقال عندكم صاحبُكم, فأمرَهم يغسلونَه ثم خرج واجتمع المهاجرونَ يتشاورون فقالوا انطلِقُوا إلى إخوانِنا من الأنصارِ فإنَّ لهم في هذا الأمرِ نصيبًا فانطلقوا فقال رجلٌ من الأنصارِ منا أميرٌ ومنكم أميرٌ فأخذ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ بيدِ أبي بكرٍ فقال أخبروني من له هذه الثلاثِ (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الغَارِ إِذْ يقولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ) من صاحبُه؟ (إِنَّ اللهَ مَعَنَا) فأخذ بيدِ أبي بكرٍ فضرب عليها وقال للناسِ بايِعُوهُ فبايعُوه بيعةً حسنةً جميلةً
أنَّ أبا سُفيانَ بنَ حَربٍ أخبَرَه أنَّ هِرَقلَ أرسَلَ إليه في رَكبٍ مِن قُرَيشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشَّأمِ في المُدَّةِ التي كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سُفيانَ وكُفَّارَ قُرَيشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدَعاهم في مَجلِسِه، وحَولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعاهم ودَعا بتَرجُمانِه، فقال: أيُّكُم أقرَبُ نَسَبًا بهذا الرَّجُلِ الذي يَزعُمُ أنَّه نَبيٌّ؟ فقال أبو سُفيانَ: فقُلتُ: أنا أقرَبُهم نَسَبًا، فقال: أدنوه مِنِّي، وقَرِّبوا أصحابَه فاجعَلوهم عِندَ ظَهرِه، ثُمَّ قال لتَرجُمانِه: قُل لهم: إنِّي سائِلٌ هذا عن هذا الرَّجُلِ، فإن كَذَبَني فكَذِّبوه. فواللهِ لَولا الحَياءُ مِن أن يَأثُروا عليَّ كَذِبًا لَكَذَبتُ عنه. ثُمَّ كان أوَّلَ ما سَألَني عنه أن قال: كيفَ نَسَبُه فيكُم؟ قُلتُ: هو فينا ذو نَسَبٍ، قال: فهل قال هذا القَولَ مِنكُم أحَدٌ قَطُّ قَبلَه؟ قُلتُ: لا. قال: فهل كان مِن آبائِه مِن مَلِكٍ؟ قُلتُ: لا، قال: فأشرافُ النَّاسِ يَتَّبِعونَه أم ضُعَفاؤُهم؟ فقُلتُ: بَل ضُعَفاؤُهم. قال: أيَزيدونَ أم يَنقُصونَ؟ قُلتُ: بَل يَزيدونَ. قال: فهل يَرتَدُّ أحَدٌ منهم سَخطةً لدينِه بَعدَ أن يَدخُلَ فيه؟ قُلتُ: لا. قال: فهل كُنتُم تَتَّهِمونَه بالكَذِبِ قَبلَ أن يَقولَ ما قال؟ قُلتُ: لا. قال: فهل يَغدِرُ؟ قُلتُ: لا، ونَحنُ منه في مُدَّةٍ لا نَدري ما هو فاعِلٌ فيها، قال: ولَم تُمكِنِّي كَلِمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غَيرُ هذه الكَلِمةِ، قال: فهل قاتَلتُموه؟ قُلتُ: نَعَم. قال: فكيفَ كان قِتالُكُم إيَّاه؟ قُلتُ: الحَربُ بينَنا وبينَه سِجالٌ، يَنالُ مِنَّا ونَنالُ منه. قال: ماذا يَأمُرُكُم؟ قُلتُ: يقولُ: اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤُكُم، ويَأمُرُنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ. فقال للتَّرجُمانِ: قُل له: سَألتُكَ عن نَسَبِه فذَكَرتَ أنَّه فيكُم ذو نَسَبٍ، فكَذلك الرُّسُلُ تُبعَثُ في نَسَبِ قَومِها. وسَألتُكَ: هل قال أحَدٌ مِنكُم هذا القَولَ؟ فذَكَرتَ أنْ لا، فقُلتُ: لو كان أحَدٌ قال هذا القَولَ قَبلَه، لَقُلتُ: رَجُلٌ يَأتَسي بقَولٍ قيلَ قَبلَه. وسَألتُكَ: هل كان مِن آبائِه مِن مَلِكٍ، فذَكَرتَ أنْ لا، قُلتُ: فلو كان مِن آبائِه مِن مَلِكٍ قُلتُ: رَجُلٌ يَطلُبُ مُلكَ أبيه، وسَألتُكَ: هل كُنتُم تَتَّهِمونَه بالكَذِبِ قَبلَ أن يَقولَ ما قال، فذَكَرتَ أنْ لا، فقد أعرِفُ أنَّه لَم يَكُنْ ليَذَرَ الكَذِبَ على النَّاسِ ويَكذِبَ على اللهِ. وسَألتُكَ: أشرافُ النَّاسِ اتَّبَعوه أم ضُعَفاؤُهم، فذَكَرتَ أنَّ ضُعَفاءَهمُ اتَّبَعوه، وهم أتباعُ الرُّسُلِ. وسَألتُكَ: أيَزيدونَ أم يَنقُصونَ، فذَكَرتَ أنَّهم يَزيدونَ، وكَذلك أمرُ الإيمانِ حتَّى يَتِمَّ. وسَألتُكَ: أيَرتَدُّ أحَدٌ سَخطةً لدينِه بَعدَ أن يَدخُلَ فيه، فذَكَرتَ أنْ لا، وكَذلك الإيمانُ حينَ تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ. وسَألتُكَ: هل يَغدِرُ، فذَكَرتَ أنْ لا، وكَذلك الرُّسُلُ لا تَغدِرُ. وسَألتُكَ: بما يَأمُرُكُم، فذَكَرتَ أنَّه يَأمُرُكُم أن تَعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكُم عن عِبادةِ الأوثانِ، ويَأمُرُكُم بالصَّلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تَقولُ حَقًّا فسَيَملِكُ مَوضِعَ قدَمَيَّ هاتَينِ، وقد كُنتُ أعلَمُ أنَّه خارِجٌ، لَم أكُنْ أظُنُّ أنَّه مِنكُم، فلو أنِّي أعلَمُ أنِّي أخلُصُ إليه لَتَجَشَّمتُ لقاءَه، ولو كُنتُ عِندَه لَغَسَلتُ عن قدَمِه. ثُمَّ دَعا بكِتابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بَعَثَ به دِحيةُ إلى عَظيمِ بُصرى، فدَفَعَه إلى هِرَقلَ، فقَرَأهُ فإذا فيه: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، مِن مُحَمَّدٍ عبدِ اللهِ ورَسولِه إلى هِرَقلَ عَظيمِ الرُّومِ: سَلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، أمَّا بَعدُ، فإنِّي أدعوكَ بدِعايةِ الإسلامِ، أسلِمْ تَسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَكَ مَرَّتَينِ، فإن تَولَّيتَ فإنَّ عليك إثمَ الأريسيِّينَ و{يا أهلَ الكِتابِ تَعالَوا إلى كَلِمةٍ سَواءٍ بينَنا وبينَكُم أن لا نَعبُدَ إلَّا اللهَ ولا نُشرِكَ به شيئًا ولا يَتَّخِذَ بَعضُنا بَعضًا أربابًا مِن دونِ اللهِ فإن تَولَّوا فقولوا اشهَدوا بأنَّا مُسلِمونَ} قال أبو سُفيانَ: فلَمَّا قال ما قال، وفَرَغَ مِن قِراءةِ الكِتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتَفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجنا، فقُلتُ لأصحابي حينَ أُخرِجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابنِ أبي كَبشةَ! إنَّه يَخافُه مَلِكُ بَني الأصفَرِ. فما زِلتُ موقِنًا أنَّه سَيَظهَرُ حتَّى أدخَلَ اللهُ عليَّ الإسلامَ. وكان ابنُ النَّاظورِ صاحِبُ إيلياءَ وهِرَقلَ، سُقُفًّا على نَصارى الشَّأمِ يُحَدِّثُ أنَّ هِرَقلَ حينَ قدِمَ إيلياءَ، أصبَحَ يَومًا خَبيثَ النَّفسِ، فقال بَعضُ بَطارِقَتِه: قدِ استَنكَرنا هَيئَتَكَ، قال ابنُ النَّاظورِ: وكان هِرَقلُ حَزَّاءً يَنظُرُ في النُّجومِ، فقال لهم حينَ سَألوه: إنِّي رَأيتُ اللَّيلةَ حينَ نَظَرتُ في النُّجومِ مَلِكَ الخِتانِ قد ظَهَرَ، فمَن يَختَتِنُ مِن هذه الأُمَّةِ؟ قالوا: ليس يَختَتِنُ إلَّا اليَهودُ، فلا يُهِمَّنَّكَ شَأنُهم، واكتُبْ إلى مَدايِنِ مُلكِكَ، فيَقتُلوا مَن فيهم مِنَ اليَهودِ. فبينَما هُم على أمرِهم، أُتيَ هِرَقلُ برَجُلٍ أرسَلَ به مَلِكُ غَسَّانَ يُخبِرُ عن خَبَرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا استَخبَرَه هِرَقلُ قال: اذهَبوا فانظُروا أمُختَتِنٌ هو أم لا، فنَظَروا إليه، فحَدَّثوه أنَّه مُختَتِنٌ، وسَألَه عَنِ العَرَبِ، فقال: هُم يَختَتِنونَ، فقال هِرَقلُ: هذا مُلكُ هذه الأُمَّةِ قد ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقلُ إلى صاحِبٍ له برُوميةَ، وكان نَظيرَه في العِلمِ، وسارَ هِرَقلُ إلى حِمصَ، فلَم يَرِمْ حِمصَ حتَّى أتاه كِتابٌ مِن صاحِبِه يوافِقُ رَأيَ هِرَقلَ على خُروجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّه نَبيٌّ، فأذِنَ هِرَقلُ لعُظَماءِ الرُّومِ في دَسكَرةٍ له بحِمصَ، ثُمَّ أمَرَ بأبوابِها فغُلِّقَت، ثُمَّ اطَّلَعَ فقال: يا مَعشَرَ الرُّومِ، هل لكم في الفَلاحِ والرُّشدِ، وأن يَثبُتَ مُلكُكُم، فتُبايِعوا هذا النَّبيَّ؟ فحاصوا حَيصةَ حُمُرِ الوحشِ إلى الأبوابِ، فوجَدوها قد غُلِّقَت، فلَمَّا رَأى هِرَقلُ نَفرَتَهم، وأيِسَ مِنَ الإيمانِ، قال: رُدُّوهم عليَّ، وقال: إنِّي قُلتُ مَقالتي آنِفًا أختَبِرُ بها شِدَّتَكُم على دينِكُم، فقد رَأيتُ، فسَجَدوا له ورَضوا عنه، فكان ذلك آخِرَ شَأنِ هِرَقلَ
بَعَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أبي رافِعٍ عَبدَ اللهِ بنَ عَتيكٍ، وعَبدَ اللهِ بنَ عُتبةَ، في ناسٍ معهم، فانطَلَقوا حتَّى دَنَوا مِنَ الحِصنِ فقال لهم عبدُ اللهِ بنُ عَتيكٍ: امكُثوا أنتُم حتَّى أنطَلِقَ أنا فأنظُرَ، قال: فتَلَطَّفتُ أن أدخُلَ الحِصنَ، ففَقدوا حِمارًا لهم، قال: فخَرَجوا بقَبَسٍ يَطلُبونَه، قال: فخَشيتُ أن أُعرَفَ، قال: فغَطَّيتُ رَأسي وجَلَستُ كَأنِّي أقضي حاجةً، ثُمَّ نادى صاحِبُ البابِ، مَن أرادَ أن يَدخُلَ فليَدخُلْ قَبلَ أن أُغلِقَه، فدَخَلتُ ثُمَّ اختَبَأتُ في مَربِطِ حِمارٍ عِندَ بابِ الحِصنِ، فتَعَشَّوا عِندَ أبي رافِعٍ، وتَحَدَّثوا حتَّى ذَهَبَت ساعةٌ مِنَ اللَّيلِ، ثُمَّ رَجَعوا إلى بُيوتِهم، فلَمَّا هَدَأتِ الأصواتُ، ولا أسمَعُ حَرَكةً خَرَجتُ، قال: ورَأيتُ صاحِبَ البابِ، حَيثُ وضَعَ مِفتاحَ الحِصنِ في كَوَّةٍ، فأخَذتُه ففَتَحتُ به بابَ الحِصنِ، قال: قُلتُ: إن نَذِرَ بي القَومُ انطَلَقتُ على مَهَلٍ، ثُمَّ عَمَدتُ إلى أبوابِ بُيوتِهم، فغَلَّقتُها عليهم مِن ظاهِرٍ، ثُمَّ صَعِدتُ إلى أبي رافِعٍ في سُلَّمٍ، فإذا البَيتُ مُظلِمٌ، قد طَفِئَ سِراجُه، فلَم أدرِ أينَ الرَّجُلُ، فقُلتُ: يا أبا رافِعٍ، قال: مَن هذا؟ قال: فعَمَدتُ نَحوَ الصَّوتِ فأضرِبُه وصاحَ، فلَم تُغنِ شيئًا، قال: ثُمَّ جِئتُ كَأنِّي أُغيثُه، فقُلتُ: ما لك يا أبا رافِعٍ؟ وغَيَّرتُ صَوتي، فقال: ألا أُعجِبُك! لأُمِّك الويلُ! دَخَلَ عليَّ رَجُلٌ فضَرَبَني بالسَّيفِ، قال: فعَمَدتُ له أيضًا فأضرِبُه أُخرى، فلَم تُغنِ شيئًا، فصاحَ وقامَ أهلُه، قال: ثُمَّ جِئتُ وغَيَّرتُ صَوتي كَهَيئةِ المُغيثِ، فإذا هو مُستَلقٍ على ظَهرِه، فأضَعُ السَّيفَ في بَطنِه ثُمَّ أنكَفِئُ عليه حتَّى سَمِعتُ صَوتَ العَظمِ، ثُمَّ خَرَجتُ دَهِشًا حتَّى أتَيتُ السُّلَّمَ أُريدُ أن أنزِلَ، فأسقُطُ منه، فانخَلَعَت رِجلي فعَصَبتُها، ثُمَّ أتَيتُ أصحابي أحجُلُ، فقُلتُ: انطَلِقوا فبَشِّروا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإنِّي لا أبرَحُ حتَّى أسمعَ النَّاعيةَ، فلَمَّا كان في وجهِ الصُّبحِ صَعِدَ النَّاعيةُ، فقال: أنعى أبا رافِعٍ، قال: فقُمتُ أمشي ما بي قَلَبةٌ، فأدرَكتُ أصحابي قَبلَ أن يَأتوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبَشَّرتُه
لما قدمنا المدينةَ أصبنا من ثمارِها فاجْتويناها فأصابنا بها وعكٌ فكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يتخبرُ عن بدرٍ فلما بلغنا أنَّ المشركينَ قد أقبلوا سار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى بدرِ وبدرٌ بئرٌ فسبقنا المشركون إليها فوجدنا فيها رجلين منهم رجلًا من قريشٍ ومولى لعقبةَ بنِ أبي مُعيطٍ فأمَّا القرشيُّ فانفلتَ وأما مولى عقبةَ فأخذناه فجعلنا نقولُ له كمِ القومُ فيقولُ هم واللهِ كثيرٌ عددُهم شديدٌ بأسُهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كمِ القومُ فقال هم واللهِ كثيرٌ عددُهم شديدٌ بأسُهم فجهد رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُخبرَه فأبى ثم إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سأله كم ينحرونَ من الجزرِ قال عشرٌ لكلِّ يومٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ القومُ ألفٌ كلُّ جزورٍ لمائةٍ ونيفها ثم إنه أصابنا طشٌّ من مطرٍ فانطلقنا تحتَ الشجرِ والحَجَفِ نستظلُ تحتها من المطرِ وبات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يدعو ربَّه ويقولُ اللهمَّ إنْ تُهْلِكْ هذه الفئةَ لا تٌعبدْ قال فلما أن تطلع الفجرُ نادى الصلاةَ عبادَ اللهِ فجاء الناسُ من تحتِ الشجرِ والحَجَفِ فصلَّى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وحضَّ على القتالِ ثم قال إنَّ جمعَ قريشٍ تحتَ هذه الضلعِ الحمراءِ من الجبلِ فلما دنا القوم وصافناهم إذا رجلٌ منهم على جملٍ أحمرَ يسيرُ في القومِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يا عليُّ نادِ حمزةَ وكان أقربُهم من المشركينَ من صاحبِ الجملِ الأحمرِ وماذا يقولُ لهم ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إن يكن في القومِ أحدٌ يأمرُ بخيرٍ فعسى أنْ يكونَ صاحبَ الجملِ الأحمرِ قال هو عتبةُ بنُ ربيعةَ وهو ينهى عن القتالِ ويقولُ لهم يا قومِ إني أرى قومًا مستميتينَ لا تصلون إليهم وفيكم خيرٌ يا قومِ اعصبوا اليومَ برأسي وقولوا جبُنَ عتبةُ بنُ ربيعةَ ولقد علمتم أني لستُ بأجبنِكم فسمع بذلك أبو جهلٍ فقال أنت تقولُ ذلك واللهِ لو غيرَك يقولُ لأعضضتُه قدْ مَلَأَتْ رِئَتُكَ جَوْفَكَ رُعْبًا فقال عتبةُ إيَّاي تعني يا مُصَفِّرَ اسْتِهِ ستعلمُ اليومَ أيُّنا الجبانُ قال فبرز عتبةُ وأخوه شيبةُ وابنه الوليدُ حميةً فقالوا من يبارزُ فخرج فتيةٌ من الأنصارِ ستةٌ فقال عتبةُ لا نريدُ هؤلاءِ ولكن يُبارزُنا من بني عمِّنا من بني عبدِ المطلبِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قم يا عليُّ وقم يا حمزةُ وقم يا عبيدةُ بنَ الحرثِ بنِ المطلبِ فقتل اللهُ شيبةَ وعتبةَ ابني ربيعةَ والوليدَ بنَ عتبةَ وخرج عبيدةُ فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعينَ فجاء رجلٌ من الأنصارِ بالعباسِ بنِ عبدِ المطلبِ أسيرًا فقال العباسُ يا رسولَ اللهِ إنَّ هذا واللهِ ما أسرني أسرني رجلٌ أجلحُ منِ أحسنِ الناسِ وجْهًا على فرسٍ أبلقَ ما أراه في القومِ فقال الأنصاريُّ أنا أسرْتُه يا رسولَ اللهِ قال اسكتْ فقد أيَّدَك اللهُ بملَك كريمٍ قال عليٌّ عليه السلامِ فأسَرْنا من بني المطلبِ العباسَ وعقيلًا ونوفلَ بنَ الحرثِ
لمَّا قدِمنا المدينةَ أصَبنا من ثمارِها ، فاجتَويناها وأصابَنا بِها وعَكٌ ، وَكانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يتخبَّرُ عن بدرٍ ، فلمَّا بلغَنا أنَّ المشرِكينَ قَد أقبلوا ، سارَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إلى بدرٍ ، وبدرٌ بئرٌ ، فسبَقنا المشرِكون إليها ، فوَجدنا فيها رجُلَيْنِ مِنهُم ، رجلًا من قُرَيْشٍ ، ومولًى لعقبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ ، فأمَّا القرشيُّ فانفَلتَ ، وأمَّا مولى عقبةَ فأخَذناهُ ، فجعَلنا نقولُ لَهُ : كمِ القومُ ؟ فيقولُ : هم واللَّهِ كثيرٌ عددُهُم ، شَديدٌ بأسُهُم . فجَعلَ المسلمونَ إذ قالَ ذلِكَ ضربوهُ ، حتَّى انتَهَوا بِهِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ لَهُ : كمِ القومُ ؟ قالَ : هُم واللَّهِ كثيرٌ عددُهُم ، شديدٌ بأسُهُم فجَهَدَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن يُخْبِرَهُ كم هُم ، فأبى ثمَّ إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ سألَهُ : كَم ينحرونَ منَ الجَزورِ ؟ فقالَ : عَشرًا كلَّ يومٍ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : القَومُ ألفٌ ، كلُّ جزورٍ لمِائةٍ وتبعَها ثمَّ إنَّهُ أصابَنا منَ اللَّيلِ طشٌّ من مطرٍ ، فانطلقنا تحتَ الشَّجرِ والحَجفِ نستظلُّ تحتَها ، منَ المطرِ ، وباتَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يدعو ربَّهُ عزَّ وجلَّ ، ويقولُ : اللَّهمَّ إنَّكَ إن تُهْلِكْ هذِهِ الفئةَ لا تُعبَدُ قالَ : فلمَّا أَن طلعَ الفجرُ نادى : الصَّلاةَ عبادَ اللَّه ، فَجاءَ النَّاسُ من تَحتِ الشَّجرِ ، والحَجفِ ، فصلَّى بنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، وحرَّضَ علَى القتالِ ، ثمَّ قالَ : إنَّ جَمعَ قُرَيْشٍ تَحتَ هذِهِ الضِّلعِ الحمراءِ منَ الجبلِ . فلمَّا دَنا القومُ منَّا وصافَفناهُم إذا رجلٌ منهم على جَملٍ لَهُ أحمرَ يَسيرُ في القومِ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : يا عليُّ نادِ لي حمزةَ - وَكانَ أقربَهُم منَ المشرِكينَ - : من صاحبُ الجملِ الأحمرِ ، وماذا يَقولُ لَهُم ؟ ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : إن يَكُن في القومِ أحَدٌ يأمرُ بخيرٍ ، فعَسى أن يَكونَ صاحبَ الجمَلِ الأحمر فجاءَ حَمزةُ فقالَ : هوَ عتبةُ بنُ ربيعةَ ، وَهوَ ينهى عنِ القِتالِ ، ويقولُ لَهُم : يا قَومِ ، إنِّي أرى قومًا مُستَميتينَ لا تصلونَ إليهِم وفيكُم خيرٌ ، يا قومُ اعصِبوها اليومَ برَأسي ، وقولوا : جَبُنَ عُتبةُ بنُ ربيعةَ ، وقد عَلِمْتُم أنِّي لستُ بأجبنِكُم ، فسمعَ ذلِكَ أبو جَهْلٍ ، فقالَ : أنتَ تقولُ هذا ؟ واللَّهِ لو غيرُكَ يقولُ هذا لأعضَضتُهُ ، قد مَلأت رئتُكَ جوفَكَ رُعبًا ، فقالَ عتبةُ : إيَّايَ تعيِّرُ يا مصفِّرَ استِهِ ؟ ستَعلمُ اليومَ أيُّنا الجبانُ ، قالَ : فبرزَ عتبةُ وأخوهُ شيبةُ وابنُهُ الوليدُ حميَّةً ، فَقالَ : مَن يبارزُ ؟ فخرَجَ فِتيةٌ منَ الأنصارِ ستَّةٌ ، فقالَ عُتبةُ : لا نريدُ هؤلاءِ ، ولَكِن يُبارزُنا مِن بَني عمِّنا ، مِن بَني عبدِ المطَّلبِ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : قُم يا عليُّ ، وقم يا حمزةُ ، وقم يا عُبَيْدةُ بنَ الحَرِثِ بنِ عبد المطَّلب فقتلَ اللَّهُ تعالى عُتبةَ ، وشَيبةَ ، ابنَي ربيعةَ ، والوليدَ بنَ عتبةَ ، وجُرِحَ عُبَيْدةُ ، فقتَلنا منهم سَبعينَ ، وأسَرنا سَبعينَ ، فجاءَ رجلٌ منَ الأنصارِ قَصيرٌ بالعبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ أَسيرًا ، فقالَ العبَّاسُ : يا رسولَ اللَّهِ ، إنَّ هذا واللَّهِ ما أسرَني ، لقد أسرَني رجلٌ أجلَحُ ، مِن أحسنِ النَّاسِ وجهًا ، على فرسٍ أبلقَ ، ما أَراهُ في القومِ ، فقالَ الأنصاريُّ : أَنا أسرتُهُ يا رسولَ اللَّهِ ، فقالَ : اسكُت ، فقَدْ أيَّدَكَ اللَّهُ تعالى بملَكٍ كريمٍ فقالَ عليٌّ رضيَ اللَّهُ عنهُ فأسَرنا وأسَرنا من بَني عبدِ المطَّلبِ : العبَّاسَ ، وعقيلًا ، ونوفلَ ابن الحرِثِ
لمَّا قدِمْنا المدينةَ أَصبْنا من ثِمارِها، فاجْتَوَيْناها وأَصابنا بها وَعْكٌ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتخبَّرُ عن بَدرٍ، فلمَّا بلَغنا أنَّ المُشرِكينَ قد أَقبَلوا، سار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى بَدرٍ، وبَدرٌ بِئْرٌ، فسبَقْنا المُشرِكينَ إليها، فوجَدْنا فيها رجُليْنِ منهم، رجُلًا من قُرَيشٍ، ومَوْلًى لعُقْبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، فأمَّا القُرَشيُّ فانفَلَت، وأمَّا مَوْلى عُقْبةَ فأخَذْناه، فجعَلْنا نقولُ له: كمِ القومُ؟ فيقولُ: هم واللهِ كثيرٌ عَددُهم، شديدٌ بأْسُهم. فجعَل المُسلِمونَ إذ قال ذلك ضرَبوه، حتى انتهَوْا به إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال له: كمِ القومُ؟ قال: هم واللهِ كثيرٌ عَددُهم، شديدٌ بأْسُهم، فجهَد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُخبِرَه كم هم؟ فأبى، ثُم إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سأَله: كم يَنحَرونَ منَ الجُزُرِ؟ فقال: عشْرًا كلَّ يومٍ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: القومُ ألفٌ، كلُّ جَزورٍ لمِئَةٍ وتَبَعِها، ثُم إنَّه أَصابنا منَ اللَّيلِ طَشٌّ من مَطَرٍ، فانطلَقْنا تحتَ الشَّجَرِ والحَجَفِ نَستظِلُّ تحتَها منَ المَطَرِ، وبات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَدْعو ربَّه عزَّ وجلَّ، ويقولُ: اللَّهُمَّ إنَّكَ إنْ تُهلِكْ هذه الفِئةَ لا تُعبَدْ، قال: فلمَّا طلَع الفَجرُ نادى: الصَّلاةَ عِبادَ اللهِ، فجاء النَّاسُ من تحتِ الشَّجَرِ، والحَجَفِ، فصلَّى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وحرَّض على القِتالِ، ثُم قال: إنَّ جَمْعَ قُرَيشٍ تحتَ هذه الضِّلَعِ الحَمْراءِ منَ الجَبَلِ. فلمَّا دَنا القومُ منَّا وصافَفْناهم، إذا رجُلٌ منهم على جَملٍ له أَحمَرَ يَسيرُ في القومِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا عليُّ، نادِ لي حَمزةَ -وكان أَقرَبَهم منَ المُشرِكينَ-: مَن صاحبُ الجَملِ الأحمَرِ، وماذا يقولُ لهم؟ ثُم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنْ يكنْ في القومِ أحَدٌ يأمُرُ بخَيرٍ، فعسى أنْ يكونَ صاحبَ الجَملِ الأحمَرِ، فجاء حَمزةُ فقال: هو عُتْبةُ بنُ رَبيعةَ، وهو يَنْهى عنِ القِتالِ، ويقولُ لهم: يا قومِ، إنِّي أَرى قومًا مُستَميتينَ، لا تَصِلونَ إليهم وفيكم خَيرٌ، يا قومِ، اعْصِبوها اليومَ برَأْسي، وقولوا: جبُن عُتْبةُ بنُ رَبيعةَ، وقد علِمْتم أنِّي لستُ بأَجبَنِكم، قال: فسمِع ذلك أبو جَهْلٍ، فقال: أنتَ تقولُ هذا؟ واللهِ لو غيْرُكَ يقولُ هذا لأَعضَضْتُه، قد ملَأتْ رِئَتُكَ جوْفَكَ رُعبًا، فقال عُتْبةُ: إِيَّايَ تُعيِّرُ يا مُصفِّرَ اسْتِه؟ ستعلَمُ اليومَ أَيُّنا الجَبانُ، قال: فبرَز عُتْبةُ وأخوه شَيْبةُ وابْنُه الوَليدُ حَمِيَّةً، فقالوا: مَن يُبارِزُ؟ فخرَج فِتْيةٌ منَ الأنصارِ سِتَّةٌ، فقال عُتْبةُ: لا نُريدُ هؤلاء، ولكنْ يُبارِزُنا من بَني عمِّنا، من بَني عبدِ المُطَّلِبِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قُمْ يا عليُّ، وقُمْ يا حَمزةُ، وقُمْ يا عُبَيدةُ بنَ الحارثِ بنِ المُطَّلِبِ، فقتَل اللهُ تعالى عُتْبةَ، وشَيْبةَ ابْنَيْ رَبيعةَ، والوَليدَ بنَ عُتْبةَ، وجُرِحَ عُبَيدةُ، فقتَلْنا منهم سَبعينَ، وأَسَرْنا سَبعينَ، فجاء رجُلٌ منَ الأنصارِ قصيرٌ بالعبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ أَسيرًا، فقال العبَّاسُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا واللهِ ما أَسَرني، لقد أَسَرني رجُلٌ أَجلَحُ، من أَحسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، على فَرَسٍ أَبلَقَ، ما أَراه في القومِ، فقال الأنصاريُّ: أنا أَسَرْتُه يا رسولَ اللهِ، فقال: اسكُتْ، فقد أيَّدكَ اللهُ تعالى بمَلَكٍ كريمٍ، فقال عليٌّ: فأَسَرْنا من بَني عبدِ المُطَّلِبِ: العبَّاسَ، وعَقيلًا، ونَوفَلَ بنَ الحارثِ
لمَّا قَدِمْنا المَدينةَ أَصَبْنا مِن ثِمارِها، فاجْتَوَيْناها، وأصابَنا بها وَعْكٌ، وكانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ يَتَخَبَّرُ عن بَدْرٍ، فلمَّا بَلَغَنا أنَّ المُشرِكينَ قد أَقبَلوا سارَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ إلى بَدْرٍ -وبَدْرٌ بِئْرٌ- فسَبَقَنا المُشرِكونَ إليها، فوَجَدْنا فيها رَجُلَينِ مِنهم؛ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ، ومَوْلًى لِعُقْبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ، فأمَّا القُرَشيُّ فانْفَلَتَ، وأمَّا مَوْلى عُقْبةَ فأخَذْناه، فجَعَلْنا نَقولُ له: كم القَوْمُ؟ فيقولُ: هُمْ واللهِ كَثيرٌ عَدَدُهم، شَديدٌ بَأسُهم، فجَعَلَ المُسلِمونَ إذ قالَ ذلك ضَرَبوه حتَّى انْتَهَوا به إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، فقالَ له: «كَمِ القَوْمُ؟»، قالَ: هُمْ واللهِ كَثيرٌ عَدَدُهم، شَديدٌ بَأسُهم، فجَهِدَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ أن يُخبِرَه كم هُمْ، فأبى، ثُمَّ إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ سَألَه: «كم يَنحَرونَ مِن الجُزُرِ؟»، فقالَ: عَشْرًا كلَّ يَوْمٍ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: «القَوْمُ ألْفٌ، كلُّ جَزورٍ لمِئةٍ وتَبَعِها»، ثُمَّ إنَّه أَصابَنا مِن اللَّيْلِ طَشٌّ مِن مَطَرٍ، فانْطَلَقْنا تحتَ الشَّجَرِ والحَجَفِ نَسْتظِلُّ تحتَها مِن المَطَرِ، وباتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ يَدْعو رَبَّه عَزَّ وجَلَّ، ويقولُ: «اللَّهُمَّ إنَّك إن تُهلِكْ هذه الفِئةَ لا تُعبَدْ»، قالَ: فلمَّا أن طَلَعَ الفَجْرُ نادى: الصَّلاةَ، عِبادَ اللهِ، فجاءَ النَّاسُ مِن تحتِ الشَّجِرِ والحَجَفِ، فصلَّى بِنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، وحَرَّضَ على القِتالِ، ثُمَّ قالَ: «إنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ تحتَ هذه الضِّلَعِ الحَمْراءِ مِن الجَبَلِ»، فلمَّا دَنا القَوْمُ مِنَّا وصافَفْناهم إذا رَجُلٌ مِنهم على جَمَلٍ له أَحمَرَ، يَسيرُ في القَوْمِ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: «يا علِيُّ، نادِ لي حَمْزةَ -وكانَ أَقرَبَهم مِن المُشرِكينَ- مَن صاحِبُ الجَمَلِ الأَحمَرِ؟ وماذا يقولُ لهم؟»، ثُمَّ قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: «إن يكن في القَوْمِ أحَدٌ يَأمُرُ بخَيْرٍ فعسى أن يكونَ صاحِبَ الجَمَلِ الأَحمَرِ» فجاءَ حَمْزةُ فقالَ: هو عُتْبةُ بنُ رَبيعةَ، وهو يَنْهى عن القِتالِ، ويقولُ لهم: يا قَوْمِ، إنِّي أرى قَوْمًا مُسْتَميتينَ، لا تَصِلونَ إليهم وفيكم خَيْرٌ، يا قَوْمِ، اعصِبوها اليَوْمَ برأسي، وقولوا: جَبُنَ عُتْبةُ بنُ رَبيعةَ، وقد عَلِمْتُم أنِّي لسْتُ بأَجبَنِكم، فسَمِعَ ذلك أبو جَهْلٍ، فقالَ: أنت تقولُ هذا! واللهِ لو غَيْرُك يقولُ هذا لَأعْضَضْتُه، قد مَلَأَتْ رِئتُك جَوْفَك رُعْبًا، فقالَ عُتْبةُ: إيَّاي تُعَيِّرُ يا مُصَفِّرَ اسْتِه؟! ستَعلَمُ اليَوْمَ أيُّنا الجَبانُ؟ قالَ: فبَرَزَ عُتْبةُ وأخوه شَيْبةُ وابنُه الوَليدُ حَمِيَّةً، فقالوا: مَن يُبارِزُ؟ فخَرَجَ فِتْيةٌ مِن الأنْصارِ سِتَّةٌ، فقالَ عُتْبةُ: لا نُريدُ هؤلاء، ولكن يُبارِزُنا مِن بَني عَمِّنا مِن بَني عَبْدِ المُطَّلِبِ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: «قُمْ يا علِيُّ، وقُمْ يا حَمْزةُ، وقُمْ يا عُبَيْدةُ بنَ الحارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ»، فقَتَلَ اللهُ تَعالى عُتْبةَ وشَيْبةَ ابْنَيْ رَبيعةَ، والوَليدَ بنَ عُتْبةَ، وجُرِحَ عُبَيْدةُ، فقَتَلْنا مِنهم سَبْعينَ، وأسَرْنا سَبْعينَ، فجاءَ رَجُلٌ مِن الأنْصارِ قَصيرٌ بالعبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَسيرًا، فقالَ العبَّاسُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ هذا واللهِ ما أَسَرَني، لقد أَسَرَني رَجُلٌ أَجلَحُ مِن أَحسَنِ النَّاسِ وَجْهًا على فَرَسٍ أَبلَقَ، ما أراه في القَوْمِ! فقالَ الأنْصاريُّ: أنا أَسَرْتُه يا رَسولَ اللهِ، فقالَ: «اسْكُتْ؛ فقد أيَّدَك اللهُ تَعالى بمَلَكٍ كَريمٍ»، فقالَ علِيٌّ: فأَسَرْنا، وأَسَرْنا مِن بَني عَبْدِ المُطَّلِبِ العبَّاسَ وعَقيلًا ونَوْفَلَ بنَ الحارِثِ
عن علقمةَ قال : قدمتُ الشامَ ، فصليتُ ركعتينِ ، ثم قلت : اللهمّ يَسّرْ لي جليسا صالحا ، فأتيتُ قوما ، فجلستُ إليهِم ، فإذا شيخٌ قد جاءَ حتى جلسَ إلى جنبي قلتُ : من هذا ؟ قالوا : أبو الدرداءِ ، قلت : إني دعوتُ اللهَ أن ييسّرَ لي جليسا صالحا ، فيسّركَ لي ، فقال : من أنتَ ؟ قلت : من أهلِ الكوفةِ ، قال : أو ليسَ عندكُم ابنُ أُمّ عَبْد صاحبُ النعلينِ والوسادِ والمطهرةِ ، أفيكم الذي أجارهُ اللهُ من الشيطانِ على لسانِ نبيهِ ، أوليسَ فيكُم صاحبُ سِرّ النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلمُ أحدٌ غيرهُ ، ثم قال : كيفَ يقرأ عبد اللهِ { وَاللّيلِ إذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى } قال : وَاللهِ لقَدْ أقرأنيها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من فيهِ إلى في . قال محمد بن إسماعيل : نا سُليمانُ بن حَرْبٍ ، نا شُعْبَة عن مُغيرَة بإسنادهِ ، وقال : اليسَ فيكُم أو منكم صاحبُ السِّرّ الذي لا يعلمهُ غيرهُ يعني حذيفةُ ؟ قال : قلتُ بلى : قال : أليسَ فيكم أو منكم الذي أجارَهُ الله على لسانِ نبيهِ يعني من الشيطانِ يعني عَمّارا
عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كان بَنو أُبيَرِقٍ رهطًا مِن بَني ظَفَرٍ، وكانوا ثَلاثةً: بَشيرٌ وبِشرٌ ومُبشِّرٌ، وكان بَشِيرٌ يُكْنى أبا طُعْمةَ، وكان شاعرًا، وكان مُنافِقًا، وكان يَقولُ الشِّعرَ يَهْجو به أصحابَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ يَقولُ: قالَه فلانٌ، فإذا بَلَغَهم ذلك، قالوا: كذَبَ عدُوُّ اللهِ؛ ما قاله إلَّا هو، فقال: أَوَكُلَّمَا قالَ الرِّجَالُ قَصِيدَةً ... ضَمُّوا إلَيَّ بأَنْ أُبَيْرِقَ قالَها مُتَخَطِّمِينَ كأَنَّنِي أخْشاهُمُ ... جَدَعَ الإِلَهُ أُنُوفَهُمْ فأَبَانَها وكانوا أهْلَ فَقرٍ وحاجةٍ في الجاهليَّةِ والإسلامِ، وكان عمِّي رِفاعةُ بنُ زَيدٍ رجُلًا مُوسِرًا أدْرَكَه الإسلامُ، فواللهِ إنْ كنتُ لَأَرى أنَّ في إسلامِه شَيئًا، وكان إذا كان له يَسارٌ، فقَدِمَت عليه هذه الطَّائفةُ مِنَ السَّدَمِ تَحْمِلُ الدَّرْمكَ ابْتاعَ لنفْسِه ما يَحِلُّ به، فأمَّا العِيالُ فكان يُقِيتُهم الشَّعيرَ، فقَدِمَت ضافِطةٌ -وهُم الأنباطُ- تَحمِلُ دَرْمَكًا، فابتاعَ رِفاعةُ حِملَينِ مِن شَعيرٍ، فجَعَلَهما في عُلِّيَّةٍ له، وكان في عُلِّيَّتِه دِرعانِ له وما يُصلِحُهما مِن آلَتِهما، فطَرَقه بَشيرٌ مِنَ اللَّيلِ، فيَخرِقُ العُلِّيَّةَ مِن ظَهرِها، فأخَذَ الطَّعامَ، ثمَّ أخَذَ السِّلاحَ، فلمَّا أصبَحَ عمِّي بَعَث إلَيَّ فأتَيْتُه، فقال: أُغِيرَ علينا هذه اللَّيلةَ، فذُهِبَ بطَعامِنا وسِلاحِنا، فقال بَشِيرٌ وإخوتُه: واللهِ ما صاحبُ مَتاعِكم إلَّا لَبيدُ بنُ سَهلٍ -لرجُلٍ منَّا كان ذا حسَبٍ وصَلاحٍ- فلمَّا بَلَغَه، قال: أُصْلِتُ واللهِ بالسَّيفِ، ثمَّ قال: أيْ بَني الأُبَيرِقِ، أنا أسْرِقُ؟! فواللهِ لَيُخالِطَنَّكم هذا السَّيفُ أو لَيَتبيَّنْ مَن صاحبُ هذه السَّرقةِ، فقالوا: انصَرِفْ عنَّا؛ فواللهِ إنَّك لَبِريءٌ مِن هذه السَّرقةِ، فقال: كلَّا وقدْ زعَمْتُم. ثمَّ سَألْنا في الدَّارِ وتَجسَّسْنا، حتَّى قِيل لنا: واللهِ لَقدِ استَوقَدَت بَنو أُبَيرِقٍ اللَّيلةَ، وما نَراهُ إلَّا على طَعامِكم، فما زِلْنا حتَّى كِدْنا نَستيقنُ أنَّهم أصحابُه، فجِئتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فكَلَّمتُه فيهم، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أهلَ بَيتٍ منَّا أهلُ جَفاءٍ وسَفهٍ، غَدَوا على عمِّي، فخَرَقوا عُلِّيَّةً له مِن ظَهرِها، فغَدَوا على طَعامٍ وسِلاحٍ؛ فأمَّا الطَّعامُ فلا حاجةَ لنا فيه، وأمَّا السِّلاحُ فلْيَرُدَّه علينا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: سَأنظُرُ في ذلكَ. وكان لهُم ابنُ عمٍّ يُقالُ له: أُسَيرُ بنُ عُروةَ، فجمَعَ رِجالَ قَومِه، ثمَّ أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: إنَّ رِفاعةَ بنَ زَيدٍ وابنَ أخيهِ قَتادةَ بنَ النُّعمانِ قدْ عَمِدَا إلى أهلِ بَيتٍ منَّا أهلِ حَسبٍ وشرَفٍ وصَلاحٍ، يَأْبِنُونَهم بالقبيحِ، ويَأْبِنُونَهم بالسَّرقةِ بغَيرِ بيِّنةٍ ولا شَهادةٍ، فوضَعَ عندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بلسانِه ما شاء ثمَّ انصَرَفَ، وجِئتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وكلَّمْتُه، فجَبَهَني جَبَهًا شَديدًا، وقال: بِئسَ ما صنَعْتَ! وبِئسَ ما مَشِيتَ فيه! عَمِدتَ إلى أهلِ بَيتٍ منكم أهلِ حَسبٍ وصَلاحٍ تَرمِيهم بالسَّرقةِ وتَأْبِنُهم فيها بغَيرِ بيِّنةٍ ولا تَثبُّتٍ. فسَمِعتُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما أكرَهُ، فانصَرَفْتُ عنه ولَوَدِدتُ أنِّي خرَجْتُ مِن مالي ولم أُكَلِّمْه، فلمَّا أنْ رجَعْتُ إلى الدَّارِ أرسَلَ إلَيَّ عمِّي: يا ابنَ أخي، ما صنَعْتَ؟ فقُلتُ: واللهِ لَوَدِدتُ أنِّي خرَجْتُ مِن مالي ولم أُكَلِّمْ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيه، وايمُ اللهِ لا أعودُ إليه أبدًا، فقال: اللهُ المستعانُ! فنزَلَ القرآنُ {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] أبو طُعْمةَ بنُ أُبَيرِقٍ، فقَرَأ حتَّى بلَغَ {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} [النساء: 106] لَبيدُ بنُ سَهلٍ، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ} [النساء: 113]، يَعني أُسَيرَ بنَ عُروةَ وأصحابَه، ثمَّ قال: يَعني بذلك أُسيرَ بنَ عُروةَ وأصحابَه {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} إلى قولِه: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 114]، أي: كان ذنْبُه دونَ الشِّركِ، فلمَّا نزَلَ القرآنُ هَرَب فلَحِق بمكَّةَ. وبَعَث رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَيَّ الدِّرعينِ وأداتَهُما، فرَدَّهما على رِفاعةَ. قال قَتادةُ: فلمَّا جِئتُه بهما وما مَعهما، قال: يا ابنَ أخي، هما في سَبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فرجَوتُ أنَّ عمِّي حَسُنَ إسلامُه، وكان ظنِّي به غيرَ ذلك، وخرَجَ ابنُ أُبَيرِقٍ حتَّى نزَلَ على سُلامةَ بنتِ سَعدِ بنِ سُهَيلٍ أختِ بَني عَمرِو بنِ عَوفٍ، وكانت عندَ طَلْحةَ بنِ أبي طَلْحةَ بمكَّةَ، فوقَعَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِه يَشتُمُهم، فرَماهُ حسَّانُ بنُ ثابتٍ بأبياتٍ، فقال: أَيَا سَارِقَ الدَّرْعَيْنِ إِنْ كُنْتَ ذَاكِرًا ... بِذِي كَرَمٍ بَيْنَ الرِّجَالِ أُوَادِعُهْ وَقَدْ أَنْزَلْتَهُ بِنْتُ سَعْدٍ فَأَصْبَحَتْ ... يُنَازِعُهَا جَلْدَ اسْتِهِ وَتُنَازِعُهْ فَهَلَّا أَسِيرًا جِئْتَ جَارَكَ رَاغِبًا ... إِلَيْهِ وَلَمْ تَعْمَدْ لَهُ فَتُدَافِعُهْ ظَنَنْتُمْ بِأَنْ يَخْفَى الَّذِي قَدْ فَعَلْتُمُ ... وَفِيكُمْ نَبِيٌّ عِنْدَهُ الْوَحْيُ وَاضِعُهْ فَلَوْلَا رِجَالٌ مِنْكُمُ تَشْتُمُونَهُمْ ... بِذَاكَ لَقَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ طَوَالِعُهْ فَإِنْ تَذْكُرُوا كَعْبًا إِلَى مَا نَسَبْتُمُ ... فَهَلْ مِنْ أَدِيمٍ لَيْسَ فِيهِ أَكَارِعُهْ وَجَدْتَهُمُ يَرْجُونَكُمْ قَدْ عَلِمْتُمُ ... كَمَا الْغَيْثُ يُرْجِيهِ السَّمِينُ وَتَابِعُهْ فلمَّا بلَغَها شِعرُ حسَّانَ أخَذَت رَحْلَ أُبَيرِقٍ، فوَضَعَتْه على رأْسِها حتَّى قَذَفَته بالأبطَحِ، ثمَّ حلَقَت وسَلَقت وخَرَقَت وحَلَفت: إنْ بِتَّ في بَيتي لَيلةً سَوداءَ؛ أهْدَيْتَ لي شِعرَ حسَّانَ بنَ ثابتٍ، ما كُنتَ لِتَنزِلَ علَيَّ بخَيرٍ، فلمَّا أخرَجَتْه لَحِقَ بالطَّائفِ، فدخَلَ بيتًا ليْس فيه أحدٌ، فوَقَع عليه فقَتَله، فجَعَلَت قُرَيشٌ تقولُ: واللهِ لا يُفارِقُ محمَّدًا أحدٌ مِن أصحابِه فيه خَيرٌ
قالَ لي صاحبٌ لي وأنا بالكوفةِ، هل لكَ في رَجلٍ تَنظرُ إليه؟ قلتُ: نَعَمْ، قالَ: هذه مَدْرَجتُهُ -وأُريدَ أُويسٌ القَرَنيُّ - قالَ: وأظنُّهُ سيَمرُّ الآن، قالَ: فجَلَسْنا له فمَرَّ، فإذا رَجلٌ عليه شَملةٌ قطيفةٌ، قالَ: والنَّاسُ يَطؤون عَقِبَهُ، قالَ: وهو يُقبِلُ فيُغلِظُ لهم، ويُكلِّمُهم في ذلك فلا يَنْتهونَ عنه، فمَضَيْنا مع النَّاسِ حتَّى دَخَلَ مسجدَ الكوفةِ ودَخَلْنا معه، فتنَحَّى إلى ساريةٍ، فصلَّى ركعتين، ثُمَّ أقْبلَ إلينا بوجْهِهِ، فقالَ: يا أيُّها النَّاسُ، ما لي ولكم تَطَؤون عَقِبي في كُلِّ سِكَّةٍ وأنا إنسانٌ ضعيفٌ تكونُ لي الحاجةُ فلا أقدِرُ عليها معكم؟ لا تَفعلوا رَحِمَكُم اللهُ، مَنْ كانت له إليَّ حاجةٌ فليَلْقَني ها هنا. قالَ: وكان عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه سَأَلَ وفدًا قَدِموا عليه: هل سَقَطَ إليكم رَجلٌ مِن قَرَنٍ أمْرُهُ كَيْتَ وكَيْتَ؟ فقالَ الرَّجلُ لأُويسٍ: ذَكركَ أميرُ المؤمنينَ ولمْ يَذكُرْ ذلك كما يُقالُ: ما كان ذلك مِن ذِكرِهِ ما أتبلَّغُ إليكم به، قالَ: وكان أُويسٌ أَخَذَ على الرَّجلِ عهدًا وميثاقًا أنْ لا يُحدِّثَ به غيرَهُ، قالَ: ثُمَّ قالَ أُويسٌ: إنَّ هذا المَجلِسَ يَغشاهُ ثلاثةُ نفرٍ: مؤمنٌ فقيهٌ، ومؤمنٌ لمْ يَفقَهْ، ومنافقٌ، وذلك في الدُّنيا مِثلُ الغَيثِ يَنزِلُ يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ فيُصيبُ الشَّجرةَ المورِقَةَ المونِقَةَ المثمرةَ، فيَزيدُ ورَقَها حُسنًا، ويَزيدُها إيناعًا، وكذلك يزيدُ ثمرتَها طيبًا، ويُصيبُ الشَّجرةَ المورقةَ المونقَةَ الَّتي ليس لها ثمرةٌ فيزيدُها إيناقًا ويزيدُها ورقًا وحُسنًا، وتكونُ لها ثمرةٌ فتَلحقُ بأُختِها، ويُصيبُ الهشيمُ مِنَ الشَّجرِ فيَحْطِمهُ فيذهبُ به. قالَ: ثُمَّ قَرَأَ الآيةَ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] لمْ يُجالَسْ هذا القرآنَ أَحَدٌ إلَّا قامَ عليه بزيادةٍ أوْ نُقصانٍ، فقضاءُ اللهِ الَّذي قضى شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنينَ، ولا يزيد الظَّالمينَ إلَّا خَسارًا، اللَّهُمَّ ارزُقْني شَهادةً تَسبِقُ كِسرَتُها أذاها، وأَمنُها فزَعَها، تُوجِبُ الحياةَ والرِّزقَ، ثُمَّ سَكَتَ. قالَ أُسيرٌ: فقالَ لي صاحبي: كيف رَأيتَ الرَّجلَ؟ قلتُ: ما ازددتُ فيه إلَّا رغبةً، وما أنا بالَّذي أُفارقُه. فلَزِمناهُ، فلمْ نَلْبَثْ إلَّا يَسيرًا حتَّى ضَرَبَ على النَّاسِ بعثُ أميرِ المؤمنينَ عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه، فخَرَجَ صاحبُ القطيفةِ أُويسٌ فيه، وخَرَجْنا معه فيه، وكنَّا نَسيرُ معه، ونَنزلُ معه حتَّى نَزلْنا بحضْرةِ العدُوِّ
تذاكَرْنا البِرَّ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأنشَأ يُحدِّثُنا قال إنَّه كان فيمَن كان قبلَكم من الأممِ رجلٌ يتعبَّدُ صاحبُ صومعةٍ يقال له جُريجٌ فكانت له امرأةٌ أو أمٌّ فكانت تأتيه فتُنادِيه فيُشرِفُ عليها فيُكلِّمُها فأتَتْه يومًا وهو في صلاتِه مُقبِلٌ عليها فنادَتْه فحكاها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووضَع يدَه على جبهتِه فجعَلت تُنادِيه رافعةً رأسَها إليه واضعةً يدَها على جبهتِها أَيْ جُرَيجُ أَيْ جُرَيجُ ثلاثَ مرَّاتٍ كلُّ ذلك يقولُ جُرَيجٌ أَيْ ربِّ أمِّي أم صلاتي فغضِبَت فقالت اللَّهمَّ لا يموتَنَّ جُريجٌ حتَّى ينظُرَ في وجوهِ المُومِساتِ قال وبلَغَت بنتُ مَلِكٍ القريةَ فحمَلَت فولَدت غلامًا فقالوا لها مَن فعَل هذا بك مَن صاحبُك قالت هو مَن صاحبُ الصَّومعةِ جُريجٌ فما نشِب جُريجٌ حتَّى سمِع بالفؤوسِ في أصلِ صومعتِه فجعَل يسأَلُهم ويلَكم ما لكم فلا يُجِيبُوه فلمَّا رأى ذلك أخَذ الحبلَ فتدلَّى فجعلوا يجرُّونَ أنفَه ويضرِبونَه ويقولون مُراءٍ تُخادِعُ النَّاسَ بعملِك قال ويلَكم ما لكم قالوا بنتُ صاحبِ القريةِ بنتُ المَلِكِ الَّتي أحبَلْتَها قال ما فعَلْتُ قالوا ولدَت غلامًا قال الغلامُ حيٌّ هو قالوا نَعَمْ قال فولُّوا عنِّي فتولَّى فصلَّى ركعتينِ ثُمَّ مشى إلى شجرةٍ فأخَذ منها غصنًا ثُمَّ أتى الغلامَ وهو في مهدِه ثُمَّ ضرَبه بذلك الغصنِ وقال يا طاغيةُ مَن أبوك قال أبي فلانٌ الرَّاعي قالوا إن شِئْتَ بنَيْنا لك صومعتَك بذهبٍ وإن شِئْتَ بفِضَّةٍ قال أعيدوها كما كانت فزعَم أبو حربٍ أنَّه لم يتكلَّمْ في المهدِ إلَّا ثلاثةٌ عيسى ابنُ مريمَ وشاهدُ يوسفَ وصاحبُ جُريجٍ
أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جهَّزَ جيشًا إلى المشركينَ فيهم أبو بكرٍ وعمرُ أمَرَهُمَا والناسَ كلَّهم قال لهم أَجِدُّوا السيرَ فإنَّ بينَكم وبينَ المشركينَ ماءً إنْ سبقَ المشرِكونَ إلى ذلِكَ الماءِ شَقَّ على الناسِ وعطِشْتُم عطَشًا شديدًا أنتم ودوابُّكُم ورِكابُكُم وتَخَلَّفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ثمانِيَةٍ هو تاسِعُهُم فقال لأَصْحابِهِ هلْ لَّكم أنْ نُعَرِّسَ قليلًا ثم نَلْحَقَ بالناسِ قالوا نعم يا رسولَ اللهِ فعرَّسوا فما أيْقَظَهُمْ إلَّا حَرُّ الشمسِ فاسْتَيْقَظَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه فقال لهم قوموا واقْضُوا حاجَتَكُمْ ففَعَلُوا ثم رجعوا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال لهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هلْ مع أحدٍ منكم ماءً قال رجلٌ منهم يا رسولَ اللهِ مَيْضَأَةٌ فيها شيءٌ من ماءٍ قال جِئْ بها فجاء بِها إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فمَسَحَها بِكَفَّيْهِ ودَعَا بالبرَكَةِ ثم قال لأصحابِهِ تعالَوُا فتوَضَّؤُوا فجاؤُوا فجعل يَصُبُّ عليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى تَوَضَّؤُوا وأَذَّنَ رجلٌ منهم وأقامَ قال فصلَّى بهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال لصاحِبِ الميْضَأَةِ ازدَهِرْ بِمَيْضَأَتِكَ فسَيَكونُ لها نَبَأٌ فَرَكِبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قبلَ الناسِ فقال لأصحابِهِ ما تَرَوْنَ الناسَ فعَلُوا قالوا اللهُ ورسولُه أعلَمُ قال إنَّ فيهم أبا بكرٍ وعمرَ وسيُرْشِدانِ الناسَ فقدِم الناسُ وقدْ سبقَ المشرِكونَ إلى ذلِكَ الماءِ وعطِشوا عطَشًا شديدًا ورِكابُهم ودوابُّهم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أينَ صاحِبُ الميضأَةِ قال ها هو ذا يا رسولَ اللهِ فجاء بها وفيها شيءٌ من ماءٍ فقال لهم تَعَالَوْا فاشْرَبُوا فجعل يصُبُّ لهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى شرِبوا كلُّهم وسقَوْا دوابَّهم ورِكابَهم وملَؤُوا كلَّ إداوَةٍ وقربَةٍ ومَزَادَةٍ ثم نَهَضَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُهُ إلى المشركينَ فبعثَ اللهُ ريحًا فضربَتْ وجوهَ المشركينَ وأنزلَ اللهُ تبارَكَ وتعالى نصرَهُ وأمْكَنَ من أدْبارِهم فقَتَلُوا منهم مقْتَلَةً عظيمَةً وأسَروا أسْرَى كثيرةً واستاقوا غنائمَ كثيرةً ورجع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والناسُ وافِرينَ صالِحينَ
أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جهَّزَ جَيشًا إلى المُشرِكين، فيهم أبو بكرٍ وعُمَرُ، أمَرَهما والنَّاسَ كلَّهم، قال لهم: أجِدُّوا السَّيرَ؛ فإنَّ بَيْنكم وبيْنَ المُشرِكين ماءً، إنْ سبَقَ المُشرِكون إلى ذلك الماءِ شَقَّ على النَّاسِ وعطِشْتُم عطَشًا شَديدًا أنتم ودوابُّكم ورِكابُكم، وتخلَّفَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ثَمانيةٍ هو تاسِعُهم، فقال لأصحابِه: هلْ لكم أنْ نُعرِّسَ قليلًا، ثمَّ نَلْحَقَ بالنَّاسِ؟ قالوا: نعمْ يا رسولَ اللهِ، فعرَّسوا، فما أيْقَظَهم إلَّا حَرُّ الشَّمسِ، فاسْتيقَظَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابُه، فقال لهم: قُوموا واقْضُوا حاجَتَكم، ففَعَلوا، ثمَّ رَجَعوا إلى رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال لهم رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هلْ مع أحَدٍ منكم ماءٌ؟ قال رجُلٌ منهم: يا رسولَ اللهِ، مِيضَأةٌ فيها شَيءٌ مِن ماءٍ، قال: فجِيءَ بها إلى رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فمسَحَها بكَفِّه ودعَا بالبركةِ، ثمَّ قال لِأصحابِه: تَعالَوا فتَوضَّؤوا، فجاؤوا، فجعَلَ يصُبُّ عليهم رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى تَوضَّؤوا، وأذَّنَ رجُلٌ منهم وأقامَ، فصَلَّى بهم رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقال لِصاحبِ المِيضَأةِ: ازْدَهِرْ بمِيضَأتِك؛ فسَيكونُ لها نبَأٌ، فركِبَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابُه قبْلَ النَّاسِ، فقال لِأصحابِه: ما ترَونَ النَّاسَ فَعَلوا؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّ فيهم أبا بكرٍ وعُمرَ رضِيَ اللهُ عنهما سيُرشِدانِ النَّاسَ، وقد سبَقَ المُشرِكون إلى ذلك الماءِ، فشَقَّ على النَّاسِ وعطِشُوا عطَشًا شَديدًا ورِكابُهم ودوابُّهم، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أين صاحِبُ المِيضَأةِ؟ قال: ها هو ذا يا رسولَ اللهِ، قال: جِئْ بمِيضَأتِك، فجاء بها وفيها شَيءٌ مِن ماءٍ، فقال لهم كلِّهم: تَعالَوا فاشْرَبوا، فجعَلَ يصُبُّ لهم رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى شَرِبوا كلُّهم وسَقَوا دَوابَّهم ورِكابَهم، وملَؤُوا كلَّ إداوةٍ وقِربةٍ ومَزادةٍ، ثمَّ نهَضَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابُه إلى المُشرِكين، فبعَثَ اللهُ رِيحًا، فضرَبَتْ وُجوهَ المُشرِكين، وأنزَلَ اللهُ تبارَكَ وتَعالى نَصْرَه، وأمكَنَ مِن أدبارِهم، فقَتَلوا منهم مَقتلةً عظيمةً، وأسَرُوا أسْرى كثيرةً، واستاقُوا غَنائمَ كثيرةً، ورجَعَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والنَّاسُ وافِرينَ صالحينَ
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وحُذَيفَةَ، وابنِ عبَّاسٍ أنَّهم كانوا جُلوسًا ذاتَ يَومٍ، فجاءَ رَجُلٌ فقال: إنِّي سَمِعتُ العَجَبَ، فقال له حُذَيفَةُ: وما ذاك؟ قال: سَمِعتُ رِجالًا يَتَحدَّثون في الشَّمسِ والقَمَرِ، فقال: وما كانوا يَتَحدَّثون؟ فقال: زَعَموا أنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ يُجاءُ بهما يَومَ القيامةِ كأنَّهما ثَورانِ عُفَيرانِ، فيُقذَفانِ في جَهنَّمَ، فقال عليٌّ، وابنُ عبَّاسٍ، وحُذَيفَةُ: كَذَبوا، اللهُ أجَلُّ وأكرَمُ من أنْ يُعذِّبَ على طاعَتِه، ألَمْ تَرَ إلى قَولِه تَعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} [إبراهيم: 33]، يعني: دائِبَينِ في طاعَةِ اللهِ، فكيف يُعذِّبُ اللهُ عَبدَينِ يُثني عليهما أنَّهما دائبانِ في طاعَتِه؟! فقالوا لحُذَيفَةَ: حَدِّثْنا رَحِمَك اللهُ، فقال حُذَيفَةُ: بينَما نحن عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ سُئِلَ عن ذلك، فقال: إنَّ اللهَ لمَّا أبرَمَ خَلقَه أحكامًا، فلم يَبْقَ من غَيرِه غَيرُ آدَمَ، خَلَقَ شَمسينِ من نورِ عَرشِه، فأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنَّه يَدَعُها شَمسًا، فإنَّه خَلَقَها مِثلَ الدُّنيا على قَدْرِها، وأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنْ يَطمِسَها ويُحوِّلَها قَمَرًا، فإنَّه خَلَقَها دونَ الشَّمسِ في الضَّوءِ، ولكن إنَّما يَرى النَّاسُ صِغَرَهما؛ لشِدَّةِ ارتِفاعِ السَّماءِ وبُعدِها عنِ الأرضِ، ولو تَرَكَهما اللهُ كما خَلَقَهما في بَدءِ الأمْرِ لم يُعرَفِ اللَّيلُ من النَّهارِ، ولا النَّهارُ من اللَّيلِ، ولكان الأجيرُ ليس له وَقتٌ يَستريحُ فيه، ولا وَقتٌ يأخُذُ فيه أجْرَه، ولكان الصَّائمُ لا يَدري إلى متى يَصومُ ومتى يُفطِرُ، ولكانتِ المرأةُ لا تَدري كيف تَعتَدُّ، ولكان الدُّيَّانُ لا يَدرون متى تَحِلُّ دُيونُهم، ولكان النَّاس لا يَدرون أحوالَ مَعايِشِهم، ولا يَدرون متى يَسْكُنون لراحَةِ أجْسامِهِم، ولكانتِ الأَمَةُ المُضطَهَدةُ، والمَملوكُ المَقهورُ، والبَهيمةُ المُسخَّرةُ ليس لهم وَقتُ راحَةٍ، فكان اللهُ أنظَرَ لعبادِه وأرحَمَ بهم، فأرسَلَ جِبريلَ فأمَرَ بجَناحِه على وَجهِ القَمَرِ ثَلاثَ مرَّاتٍ، وهو يَومَئذٍ شَمسٌ، فمَحا عنه الضَّوءَ وبَقِيَ فيه النورُ؛ فذلك قَولُه تَعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12]، فالسَّوادُ الذي تَرَونَه في القَمَرِ شِبْهَ الخُيوطِ إنَّما هو أثَرُ ذلك المَحوِ. قال: وخلَقَ اللهُ الشَّمسَ على عَجَلةٍ من ضَوءِ نورِ العَرشِ، لها ثلاثُ مِئَةٍ وسِتَّونَ عُروَةً، وخلَقَ اللهُ القَمَرَ مِثلَ ذلك، ووكَّلَ بالشَّمسِ وعَجَلتَها ثَلاثَ مِئَةٍ وسِتِّينَ مَلَكًا من ملائكةِ أهلِ السَّماءِ الدُّنيا، قد تعلَّقَ كلُّ مَلَكٍ منهم بعُروَةٍ مِن تلك العُرَى، والقَمَرُ مِثلُ ذلك، وخلَقَ لهما مَشارِقَ ومَغارِبَ في قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفَيِ السَّماءِ؛ ثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَشرِقِ، وثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَغرِبِ، فكلُّ يَومٍ لهما مَطلَعٌ جَديدٌ، ومَغرِبٌ جَديدٌ، ما بين أوَّلِها مَطلَعًا وأوَّلِها مَغرِبًا، فأطوَلُ ما يكونُ النَّهارُ في الصَّيفِ إلى آخِرِها مَطلعًا وآخِرِها مَغرِبًا، وأقصَرُ ما يكونُ النَّهارُ في الشِّتاءِ؛ وذلك قولُ اللهِ تَعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17]، يعني: آخِرَ هَاهنا وهَاهنا، لم يَذكُرْ ما بين ذلك من عِدَّةِ العُيونِ، ثم جمَعَهما بعدُ فقالَ: {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [المعارج: 40]، فذكَرَ عِدَّةَ تلك العُيونِ كُلِّها. قال: وخلَقَ اللهُ بَحرًا بينَه وبين السَّماءِ مِقدارُ ثَلاثِ فَراسِخَ، وهو قائِمٌ بأمْرِ اللهِ في الهَواءِ، لا يَقطُرُ منه قَطرَةٌ، والبِحارُ كُلُّها ساكنةٌ، وذَنَبُ البَحرِ جارٍ في سُرعَةِ السَّهمِ، ثم انطِباقُه ما بينَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، فتَجري الشَّمسُ والقَمَرُ والنُّجومُ الخُنَّسُ في حَنَكِ البَحْرِ، فوالذي نفسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، لو أنَّ الشَّمسَ دَنَتْ من ذلك البَحرِ، لأحرَقَتْ كُلَّ شَيءٍ على وَجهِ الأرضِ حتى الصُّخورَ والحِجارةَ، ولو بَدا القَمَرُ من ذلك البَحرِ حتى تُعايِنَه النَّاسُ كهَيئَتِه لافتُتِنَ به أهلُ الأرضِ إلَّا مَن شاءَ اللهُ أنْ يَعصِمَه من أوْليائِه. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، إنَّك ما ذَكَرتَ مَجرى الخُنَّسِ في القُرآنِ إلَّا ما كان من ذِكرِكَ اليَومَ، فما الخُنَّسُ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: يا حُذَيفَةُ، هي خَمسَةُ كَواكِبَ: البَرجيسُ، وعُطارِدُ، وبَهرامُ، والزُّهَرةُ، وزُحَلُ، فهذه الكَواكِبُ الخَمسَةُ الطَّالِعاتُ الغارِباتُ الجارياتُ مِثلُ الشَّمسِ والقَمَرِ، وأمَّا سائِرُ الكَواكِبِ فإنَّها مُعلَّقةٌ بين السَّماءِ تَعليقَ القَناديلِ من المَساجِدِ ونُجومِ السَّماءِ، لَهنَّ دَوَرانٌ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ، فإنْ أحبَبتُم أنْ تَستَبينوا ذلك، فانظُروا إلى دَوَرانِ الفُلكِ مرَّةً هنا ومرَّةً هَاهنا؛ فإنَّ الكَواكِبَ تَدورُ معه، وكُلُّها تَزولُ سوى هذه الخَمسَةِ. ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أعجَبَ خَلْقَ الرحمنِ! وما بَقِيَ من قُدرتِه فيما لم نَرَ أعجَبُ من ذلك وأعجَبُ، وذلك قَولُ جِبريلَ لسارَةَ: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 73]؛ وذلك أنَّ للهِ مَدينَتَينِ: إحْداهما بالمَشرِقِ، والأخرى بالمَغرِبِ، على كُلِّ مَدينةٍ منها عَشَرةُ آلافِ بابٍ، بينَ كُلِّ بابينِ فَرسَخٌ، ينوبُ كُلَّ يَومٍ على كُلِّ بابٍ من أبوابِ تلك المَدينَتَينِ عَشَرةُ آلافٍ في الحِراسَةِ عليهم السِّلاحُ ومعهم الكُراعُ، ثم لا تَنوبُهم تلك الحِراسَةُ إلى يَومِ يُنفَخُ في الصُّورِ، اسمُ إحْداهما: جابرسا، والأُخرى: جابلقا، ومن وَرائِهِما ثَلاثُ أُمَمٍ: تنسك، وتارس، وتأويل، ومِن ورائِهِم: يَأجوجُ ومَأجوجُ. وإنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ انطَلَقَ بي لَيلَةَ أُسرِيَ بي من المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأقْصى، فدَعَوتُ يَأجوجَ ومَأجوجَ إلى دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ وعِبادَتِه، فأنْكَروا ما جِئتُهُم به، فهُمْ في النَّارِ، ثم انطَلَقَ بي إلى أهلِ المَدينَتَينِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ تَعالى وعِبادَتِه، فأجابوا وأنابوا، فهُمْ إخْوانُنا في الدِّينِ؛ مَن أحسَنَ منهم فهو مع المُحسِنين منكم، ومَن أساءَ منهم فهو مع المُسيئينَ منكم، فأهلُ المَدينَةِ التي بالمَشرِقِ من بَقايا عادٍ من نَسلِ ثَمودَ، من نَسلِ مُؤمِنيهم الذين كانوا آمَنوا بصالِحٍ. ثم انطَلَقَ بي إلى الأُمَمِ الثَّلاثِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ، فأنكَروا ما دَعَوتُهم إليه، فهُمْ في النَّار مع يَأجوجَ ومَأجوجَ، فإذا طَلَعتِ الشَّمسُ، فإنَّها تَطلُعُ من بَعضِ تلك العُيونِ على عَجَلتِها، ومعها ثَلاثُ مِئَةٍ وسِتَّون مَلَكًا يَجُرُّونَها في ذلك البَحرِ الغَمْرِ راكِبُهُ، فإذا أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَرى العِبادُ آيَةً من الآياتِ يَستَعتِبُهم رُجوعًا عن مَعصِيَتِه وإقبالًا إلى طَاعَتِه، خَرَّتِ الشَّمسُ عن عَجَلتِها، فتَقَعُ في غَمرِ ذلك البَحرِ، فإنْ أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُعظِّمَ الآيةَ ويَشتَدَّ تَخويفُ العِبادِ، خَرَّتِ الشَّمسُ كُلُّها عن العَجَلةِ، حتى لا يَبقى على العَجَلةِ منها شَيءٌ، فذلك حين يُظلِمُ النَّهارُ وتَبدو النُّجومُ، وإذا أرادَ اللهُ أنْ يُعجِّلَ آيةً دونَ آيَةٍ، خَرَّ منها النِّصفُ، أو الثُّلُثُ، أو أقَلُّ من ذلك، أو أكثَرُ في الماءِ، ويَبقى سائِرُ ذلك على العَجَلةِ، فإذا كان ذلك صارتِ الملائكةُ المُوكَّلون بالعَجَلةِ فِرقَتَينِ: فِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ ويَجُرُّونَها نحوَ العَجَلةِ، وفِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ على العَجَلةِ يَجُرُّونَها نحوَ البَحرِ، وهُمْ في ذلك يَقودونَها على مِقدارِ ساعاتِ النَّهارِ، لَيلًا كان ذلك أو نَهارًا حتى يَبدُوَ في طُلوعِها شَيءٌ، فإذا حَمَلوا الشَّمسَ فوَضَعوها على العَجَلةِ، حَمِدوا اللهَ على ما قوَّاهم من ذلك، وقد جعَلَ لهم تلك القُوَّةَ وأفهَمَهم عِلمَ ذلك، فهُم لا يَقصُرون عن ذلك شَيئًا، ثم يَجُرُّونَها بإذْنِ اللهِ تَعالى حتى يَبلُغوا بها إلى المَغرِبِ، ثم يُدخِلونَها بابَ العَينِ التي تَغرُبُ فيها، فتَسقُطُ من أُفُقِ السَّماءِ خَلفَ البَحرِ، ثم تَرتَفِعُ في سُرعَةِ طَيَرانِ الملائكةِ إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ العُليا، فتَسجُدُ تحت العَرشِ مِقدارَ اللَّيلِ، ثم تُؤمَرُ بالطُّلوعِ من المَشرِقِ، فتَطلُعُ من العَينِ التي وقَّتَ اللهُ لها، فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك من طُلوعِهما إلى غُروبِهما، وقد وكَّلَ اللهُ تَعالى باللَّيلِ مَلَكًا من الملائكَةِ، وخلَقَ اللهُ حُجُبًا من ظُلمَةٍ من المَشرِقِ عَدَدَ اللَّيالي في الدُّنيا على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا غَرَبتِ الشَّمسُ أقبَلَ ذلك المَلَكُ، فقَبَضَ قَبضَةً من ظُلمَةِ ذلك الحِجابِ، ثم استقبَلَ المَغرِبَ، فلا يَزالُ يُراعي الشَّفَقَ، ويُرسِلُ تلك الظُّلمَةَ من خِلالِ أصابِعِه قَليلًا قَليلًا، حتى إذا غابَ الشَّفَقُ أرسَلَ الظُّلمَةَ كُلَّها، ثم نَشَرَ جَناحَيهِ فيَبلُغانِ قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفيِ السَّماءِ، ثم يَسوقُ ظُلمَةَ اللَّيلِ بجَناحَيهِ إلى المَغرِبِ قَليلًا قَليلًا، حتى إذا بلَغَ المَغرِبَ انفَجَرَ الصُّبحُ من المَشرِقِ، ثم ضَمَّ الظُّلمَةَ بعضَها إلى بعضٍ، ثم قبَضَ عليها بكَفٍّ واحدةٍ نحوَ قَبضَتِه إذا تَناوَلَها من الحِجابِ بالمَشرِقِ، ثم يَضَعُها عندَ المَغرِبِ على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا نَقَلَ تلك الظُّلمَةَ من المَشرِقِ إلى المَغرِبِ نفَخَ في الصُّورِ وانصَرَفتِ الدُّنيا. فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك حتى يَأتيَ الوَقتُ الذي ضُرِبَ لتَوبَةِ العِبادِ، فتَنتَشِرُ المعاصي في الأرضِ وتَكثُرُ الفَواحِشُ، ويَظهُرُ المَعروفُ فلا يَأمُرُ به أحَدٌ، ويَظهَرُ المُنكَرُ فلا يَنهى عنه أحَدٌ، وتَكثُرُ أولادُ الخَبَثةِ، ويَلي أُمُورَهم السُّفَهاءُ، ويَكثُرُ أتباعُهم من السُّفَهاءِ، وتَظهُرُ فيهم الأباطيلُ، ويَتَعاونون على رِيَبِهم ويَتَزيَّنون بألسِنَتِهم، ويَعيبون العُلَماءَ من أُولي الألبابِ، ويَتَّخِذونَهم سُخْريًّا حتى يَصيرَ الباطِلُ منهم بمَنزِلَةِ الحَقِّ، ويَصيرَ الحَقُّ بمَنزِلَةِ الباطِلِ، ويَكثُرَ فيهم ضَربُ المَعازِفِ واتِّخاذُ القَيناتِ، ويَصيرَ دِينُهم بألسِنَتِهم، ويُصْغوا قُلوبَهم إلى الدُّنيا يُحادُّون اللهَ ورسولَه، ويَصيرَ المُؤمِنُ بينَهم بالتَّقيَّةِ والكِتمانِ، ويَستَحِلُّون الرِّبا بالبَيعِ، والخَمرَ بالنَّبيذِ، والسُّحتَ بالهَديَّةِ، والقِيلَ بالمَوعِظَةِ، فإذا فَعَلوا ذلك، قَلَّتِ الصَّدَقةُ، حتى يَطوفَ السَّائِلُ ما بين الجُمُعةِ إلى الجُمُعةِ، فلا يُعطى دينارًا ولا دِرهَمًا، ويَبخَلُ النَّاسُ بما عندَهم حتى يَظُنَّ الغَنيُّ أنَّه لا يَكفيهِ ما عندَه، ويَقطَعَ كُلُّ ذي رَحِمٍ رَحِمَه، فإذا فَعَلوا ذلك واجتَمَعتْ هذه الخِصالُ فيهم، حُبِسَتِ الشَّمسُ تحت العَرشِ مِقدارَ لَيلَةٍ، كما سجَدَتْ واستَأذَنَتْ مِن أين تُؤمَرُ أنْ تَطلُعَ، فلا تُجابُ حتى يُوافيَها القَمَرُ. فتكونُ الشَّمسُ مِقدارَ ثَلاثِ لَيالٍ، والقَمَرُ مِقدارَ لَيلتينِ، ولا يَعلَمُ طُولَ تلك اللَّيلةِ إلَّا المُتهجِّدون، وهم حَنيفيَّةٌ عِصابَةٌ قَليلَةٌ في ذِلَّةٍ من النَّاسِ، وهَوانٍ من أنْفُسِهم، وضِيقٍ من مَعايِشِهم، فيقومُ أحَدُهم بقيَّةَ تلك اللَّيلَةِ يُصلِّي مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَستَنكِرُ ذلك، ثم يقولُ: لَعَلِّي قد خَفَّفتُ قِراءَتي، إذ قُمتُ قَبلَ حِيني، فيَنظُرُ إلى السَّماءِ، فإذا هو باللَّيلِ كما هو، والنُّجومُ قدِ استَدارتْ مع السَّماءِ، فصارت مَكانَها من أوَّلِ اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه، فلا يأخُذُه النَّومُ، فيقومُ فيُصلِّي الثَّانيةَ مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَزيدُه ذلك إنْكارًا، ثم يَخرُجُ فيَنظُرُ إلى النُّجومِ، فإذا هي قد صارتْ كهَيئَتِها من اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه الثَّالثةَ، فلا يأخُذُه النَّومُ، ثم يقومُ أيضًا فيُصلِّي مِقدارَ وِردِه، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَخرُجُ ويَنظُرُ إلى السَّماءِ، فيَخنُقُهم البُكاءُ، فيُنادي بعضُهم بعضًا، فيَجتَمِعُ المُتهجِّدونُ في كُلِّ مَسجِدٍ بحَضرَتِهم، وهُم قَبلَ ذلك كانوا يَتَواصَلون ويَتَعارَفون، فلا يَزالون في غَفلَتِهم، فإذا تَمَّ للشَّمسِ مِقدارُ ثَلاثِ لَيالٍ وللقَمَرِ مِقدارُ لَيلَتَينِ، أرسَلَ اللهُ تَعالى إليهما جِبريلَ، فقال لهما: إنَّ الرَّبَّ يَأمُرُكما أنْ تَرجِعا إلى المَغرِبِ؛ لِتَطلُعا منه، فإنَّه لا ضَوءَ لكما عندَنا اليَومَ ولا نورَ، فيَبكيانِ عندَ ذلك وَجَلًا مِن اللهِ تَعالى، وتَبكي الملائكةُ لبُكائِهِما مع ما يُخالِطُهما من الخَوفِ، فيَرجِعانِ إلى المَغرِبِ فيَطلُعانِ من المَغرِبِ. فبينَما النَّاسُ كذلك، إذ نادَى مُنادٍ: ألَا إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ قد طَلَعا من المَغرِبِ، فيَنظُرُ النَّاس إليهِما، فإذا هُما أسوَدانِ كهَيئَتِهِما في حالِ كُسوفِهِما قَبلَ ذلك، لا ضَوءَ للشَّمسِ ولا نورَ للقَمَرِ، فذَلك قَولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، وقَولُه تَعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة: 8]، وقَولُه تَعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة: 9]، قال: فيَرتَفِعانِ يُنازِعُ كُلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه حتى يَبلُغا سَهوَةَ السَّماءِ وهو مَنصِفُهما، فيَجيئُهما جِبريلُ عليه السَّلامُ، فيأخُذُ بقَرنَيْهِما فيَرُدُّهما إلى المَغرِبِ آفِلًا، ويُغرِبُهما في تلك العُيونِ، ولكن يُغرِبُهما في بابِ التَّوبَةِ فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: بأبي وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما بابُ التَّوبَةِ؟ قال: يا عُمَرُ، خلَقَ اللهُ تَعالى خَلفَ المَغرِبِ مِصراعَينِ من ذَهَبٍ، مُكلَّلينِ بالجَوهَرِ للتَّوبَةِ، فلا يَتوبُ أحَدٌ من وَلَدِ آدَمَ تَوبَةً نَصوحًا إلَّا وَلِجتْ تَوبَتُه في ذلك البابِ، ثم تُرفَعُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما التَّوبَةُ النَّصوحُ؟ قال: النَّدَمُ على ما فاتَ منه، فلا يَعودُ إليه كما لا يَعودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، قال حُذَيفَةُ: يا رسولَ اللهِ، كيف بالشَّمسِ والقَمَرِ بعدَ ذلك؟ وكيف بالنَّاس بعدَ ذلك؟ قال: يا حُذَيفَةُ، أمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ، فإذا أغرَبَهما اللهُ في ذلك البابِ ردَّ المِصراعَينِ، فالْتَأَمَ ما بينَهما كأنْ لم يكن فيما بينَهما صَدْعٌ قَطُّ، فلا يَنفَعُ نَفْسًا بعدَ ذلك إيمانُها لم تكن آمَنَتْ مِن قَبلُ أو كَسَبتْ في إيمانِها خَيرًا، ولا تُقبَلُ مِن عَبدٍ حَسَنةٌ إلَّا مَن كان قَبلُ مُحسِنًا، فإنَّه يَجزي له وعليه، فتَطلُعُ الشَّمسُ عليهم وتَغرُبُ كما كانت قبلُ. فأمَّا النَّاسُ فإنَّهم بعدَما يَرَونَ من فَظيعِ تلك الآيَةِ وعِظَمِها، يُلِحُّون على الدُّنيا حتى يَغرِسوا فيها الأشجارَ ويُشقِّقوا فيها الأنهارَ، ويَبنوا فَوقَ ظُهورِها البُنيانَ. وأمَّا الدُّنيا فلو أنتَجَ رَجُلٌ مُهرًا لم يَركَبْه من لَدُن طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها إلى أنْ تَقومَ السَّاعَةُ، والذي نَفْسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، إنَّ الأيَّامَ واللَّياليَ أسرَعُ من مَرِّ السَّحابِ، لا يَدري الرَّجُلُ متى يُمسي ومتى يُصبِحُ، ثم تَقومُ السَّاعَةُ، فوالذي نَفْسي بيَدِه لَتَأتينَّهم، وإنَّ الرَّجُلَ قدِ انصَرَفَ بلَبَنِ لِقحَتِه من تَحتِها، فما يَذوقُه ولا يَطعَمُه، وإنَّ الرَّجُلَ في فيه اللُّقمَةُ فما يُسيغُها، فذلك قَولُ اللهِ تَعالى: {وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت: 53]. قال: وأمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ إلى ما خلَقَهما اللهُ منه، فذَلك قَولُه تَعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} [البروج: 13]، فيُعيدُهما إلى ما خلَقَهما منه. قال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي، فكيف قيامُ السَّاعةِ؟ وكيف النَّاسُ في تلك الحالِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حُذَيفَةُ، بينَما النَّاسُ في أسواقِهم أسَرُّ ما كانوا بدُنياهم، وأحرَصُ ما كانوا عليها، فبيْن كيَّالٍ يَكيلُ، ووزَّانٍ يَزِنُ، وبين مُشتَرٍ وبائِعٍ، إذ أتَتْهم الصَّيحَةُ، فخَرَّتِ الملائكةُ صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، وخَرَّ الآدَميُّون صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، فذلك قَولُه تَعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 49]. قال: فلا يَستطيعُ أحدُهم أنْ يَرى صاحِبَه، ولا يَرجِعَ إلى أهلِه، وتَخِرُّ الوُحوشُ على جُنوبِها مَوْتى، وتَخِرُّ الطَّيرُ مِن أوْكارِها ومن جَوِّ السَّماءِ مَوْتى، وتَموتُ السِّباعُ في الغِياضِ والآجامِ والفَيافي، وتَموتُ الحيتانُ في لُجَجِ البِحارِ، والهَوامُّ في بُطونِ الأرضِ، فلا يَبقى من خَلقِ ربِّنا عزَّ وجلَّ إلَّا أربعَةٌ: جِبريلُ، وميكائيلُ، وإسرافيلُ، ومَلَكُ المَوتِ، فيقولُ اللهُ لجِبريلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لإسرافيلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لميكائيلَ: مُتْ، فيَموتُ، ثم يقولُ لمَلَكِ المَوتِ: يا مَلَكَ المَوتِ، ما مِن نَفْسٍ إلَّا وهي ذائِقَةُ المَوتِ، فمُتْ، فيَصيحُ مَلَكُ المَوتِ صَيحَةً، فيَخِرُّ، ثم يُنادي السَّمواتِ، فتَنطَوي على ما فيها كطَيِّ السِّجِلِّ للكِتابِ، والسَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا تَبارك وتَعالى، كما لو أنَّ حَبَّةً مِن خَردَلٍ أُرسِلَتْ في رِمالِ الأرضِ وبُحورِها لم تَستَبِنْ، فكذلك السَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا عزَّ وجلَّ. ثم يقولُ اللهُ تَبارك وتَعالى: أين المُلوكُ؟ أين الجَبابِرَةُ؟ لمَنِ المُلْكُ اليَومَ؟ ثم يَرُدُّ على نَفْسِه: للهِ الواحِدِ القهَّارِ، ثم يقولُها الثَّانيةَ والثَّالثةَ، ثم يَأذَنُ اللهُ للسَّمواتِ فيَتَمسَّكنَ كما كُنَّ، ويَأذَنُ للأرَضين فيَنسَطِحنَ كما كُنَّ، ثم يَأذَنُ اللهُ لصاحِبِ الصُّورِ، فيَقومُ فيَنفُخُ نَفخَةً، فتَقشَعِرُّ الأرضُ منها، وتَلفِظُ ما فيها، ويَسعى كلُّ عُضوٍ إلى عُضوِه، ثم يُمطِرُ اللهُ عليهم من نَهرٍ يُقالُ له: الحَيَوانُ، وهو تحت العَرشِ، فيُمطِرُ عليهم شَبيهًا بمَنيِّ الرِّجالِ أربَعينَ يَومًا ولَيلَةً، حتى تَنبُتَ اللُّحومُ على أجسامِها، كما تَنبُتُ الطَّراثيثُ على وَجهِ الأرضِ، ثم يُؤذَنُ له في النَّفخَةِ الثَّانيةِ، فيَنفُخُ في الصُّورِ، فتَخرُجُ الأرواحُ، فتَدخُلُ كُلُّ رُوحٍ في الجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه. قال حُذَيفَةُ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل تَعرِفُ الرُّوحُ الجَسَدَ؟ قال: نَعَمْ يا حُذَيفَةُ؛ إنَّ الرُّوحَ لَأعرَفُ بالجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه مِن أحَدِكم بمَنزِلِه، فيقومُ النَّاسُ في ظُلمَةٍ، لا يُبصِرُ أحدُهم صاحِبَه، فيَمكُثون مِقدارَ ثَلاثينَ سَنَةً، ثم تَنْجلي عنهمُ الظُّلمَةُ، وتَنفَجِرُ البِحارُ، وتُضرَمُ نارًا، ويُحشَرُ كُلُّ شَيءٍ فَوجًا لَفيفًا، ليس يَختَلِطُ المُؤمِنُ بالكافِرِ، ولا الكافِرُ بالمُؤمِنِ، ويقومُ صاحِبُ الصُّورِ على صَخرَةِ بَيتِ المَقدِسِ، فيُحشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةً، مُشاةً غُرلًا، ما على أحَدٍ منهم طِحلِبَةٌ، وقد دَنَتِ الشَّمسُ فَوقَ رُؤوسِهم، فبينَهم وبينَهما سَنَتانِ، وقد أُمِدَّتْ بِحَرِّ عَشْرِ سِنينَ، فيُسمَعُ لأجوافِ المُشرِكينَ: غِقْ غِقْ، فيَنتَهون إلى أرضٍ يُقالُ لها: السَّاهِرَةُ، وهي بناحيةِ بَيتِ المَقدِسِ تَسَعُ النَّاسَ وتَحمِلُهم بإذْنِ اللهِ، فيقومُ النَّاسُ عليها، ثم جَثا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على رُكبَتَيهِ، فقال: ليس قيامًا على أقدامِهم، ولكن شاخِصَةً أبصارُهم إلى السَّماءِ، لا يَلتَفِتُ أحدٌ منهم يَمينًا، ولا شِمالًا، ولا خَلفًا، وقدِ اشتَغَلتْ كلُّ نَفْسٍ بما أتاها، فذلك قَولُه عزَّ وجلَّ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]، فيقومُون مِقدارَ مِئَةِ سَنَةٍ، فوالذي نَفْسي بيَدِه، إنَّ تلك المِئَةَ سَنَةٍ كقَومَةٍ في صَلاةٍ واحدةٍ، فإذا تَمَّ مِقدارُ مِئَةِ سَنَةٍ، انشَقَّتِ السَّماءُ الدُّنيا، وهبَطَ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ مِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، فيُحيطون بالخَلْقِ، ثم تَنشَقُّ السَّماءُ الثَّانيةُ ويَهبِطُ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ ممَّن هبَطَ مِن سَماءِ الدُّنيا ومِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ولا تَزالُ تَنشَقُّ سَماءً سَماءً، ويَهبِطُ سُكَّانُها أكثَرَ ممَّن هبَطَ مِن سِتِّ سَمواتٍ ومن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ثم يَجيءُ الرَّبُّ تَبارك وتَعالى في ظُلَلٍ مِن الغَمامِ، فأوَّلُ شَيءٍ يُكلِّمُ البَهائِمَ، فيقولُ: يا بَهائِمي، إنَّما خلَقْتُكم لوَلَدِ آدَمَ، فكيف كانت طاعَتُكم لهم؟! وهو أعلَمُ بذلك، فتقولُ البَهائِمُ: ربَّنا، خلَقْتَنا لهم، فكَلَّفونا ما لم نُطِقْ، وصَبَرْنا طَلَبًا لمَرضاتِكَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: صَدَقتُم يا بَهائِمي، إنَّكم طَلَبتُم رِضايَ، فأنا عنكم راضٍ، ومِن رِضايَ عنكم اليَومَ أنِّي لا أُريكم أهوالَ جَهنَّمَ، فكونوا تُرابًا ومَدَرًا، فعندَ ذلك يقولُ الكافِرُ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40]. ثم تَذهَبُ الأرضُ السُّفلى، والثَّانيةُ، والثَّالثةُ، والرَّابعةُ، والخامسةُ، والسَّادسةُ، وتَبقى هذه الأرضُ فتُكفَأُ بأهْلِها كما تُكفَأُ السَّفينةُ في لُجَّةِ البَحرِ إذا خَفَقتَها الرِّياحُ، فيقولُ الآدَميُّون: أليست هذه الأرضُ التي كُنَّا نَزرَعُ عليها، ونَمشي على ظَهرِها، ونَبني عليها البُنيانَ؛ فما لها اليَومَ لا تَقِرُّ؟! فتُجاوِبُهم، فتَقولُ: يا أهْلاهُ، أنا الأرضُ التي مهَّدَني الرَّبُّ لكم، كان لي ميقاتٌ مَعلومٌ، فأنا شاهِدَةٌ عليكم بما عَمِلتُم على ظَهري، ثم عليكم السَّلامُ، فلا تَرَوني أبدًا ولا أراكم، فتَشهَدُ على كُلِّ عبدٍ وأَمَةٍ بما عَمِلَ على ظَهرِها؛ إنْ خَيرًا فخَيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، ثم تَذهَبُ هذه الأرضُ، وتَأتي أرضٌ بيضاءُ، لم يُعمَلْ عليها المعاصي، ولم يُسفَكْ عليها الدِّماءُ، فعليها يُحاسَبُ الخَلقُ. ثم يُجاءُ بالنَّارِ مَزمومةً بسَبعينَ أَلْفَ زِمامٍ، يأخُذُ بكُلِّ زِمامٍ سَبعون أَلْفَ مَلَكٍ من الملائكَةِ، لو أنَّ مَلَكًا منهم أُذِنَ له لالتَقَمَ أهلَ الجَمعِ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ أربعِ مِئَةِ سَنَةٍ زفَرَتْ زَفرَةً، فيَتَجلَّى النَّاسَ السَّكَرُ، وتَطيرُ القُلوبُ إلى الحَناجِرِ، فلا يَستطيعُ أحَدٌ منهم النَّفَسَ إلَّا بعدَ جُهدٍ جَهيدٍ، ثم يأخُذُهم من ذلك الغَمِّ حتى يُلجِمَهم العَرَقُ في مكانِهم، فتَستَأذِنُ الرحمنَ في السُّجودِ، فيَأذَنُ لها، فتقولُ: الحَمدُ للهِ الذي جعَلَني أنتَقِمُ للهِ ممَّن عَصاه، ولم يَجعَلْني آدَميًّا فيَنتَقِمَ منِّي، ثم تُزيَّنُ الجَنَّةُ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ خَمسِ مِئَةِ سَنَةٍ، يَجِدُ المُؤمِنونَ رِيحَها ورَوحَها، فتَسكُنُ نُفوسُهم، ويَزدادون قُوَّةً على قُوَّتِهم، فتَثبُتُ عُقولُهم، ويُلقِّنُهم اللهُ حُجَجَ ذُنوبِهم، ثم تُنصَبُ المَوازينُ، وتُنشَرُ الدَّواوينُ، ثم يُنادى: أين فُلانٌ؟ أين فُلانٌ؟ قُمْ إلى الحِسابِ، فيقومُون، فيَشهَدون للرُّسُلِ أنَّهم قد بَلَّغوا رِسالاتِ ربِّهم، فأنتُم حُجَّةُ الرُّسُلِ يَومَ القيامةِ، فيُنادى رَجُلٌ رَجُلٌ، فيا لها من سَعادَةٍ لا شِقوَةَ بعدَها! ويا لها من شِقوَةٍ لا سعادَةَ بعدَها! فإذا قَضى بين أهلِ الدَّارينِ، ودخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ؛ بعَثَ اللهُ عزَّ وجلَّ ملائكةً إلى أُمَّتي خاصَّةً، وذلك في مِقدارِ يَومِ الجُمُعةِ معهم التُّحُفُ والهَدايا من عندِ ربِّهم، فيقولُون: السَّلامُ عليكم، إنَّ ربَّكم ربَّ العِزَّةِ يَقرَأُ عليكم السَّلامَ، ويقولُ لكم: أَرضيتُم الجَنَّةَ قَرارًا ومَنزِلًا؟ فيقولُون: هو السَّلامُ، ومنه السَّلامُ، وإليه يَرجِعُ السَّلامُ، فيقولُون: إنَّ الرَّبَّ قد أَذِنَ لكم في الزِّيارةِ إليه، فيَركَبون نُوقًا صُفرًا وبِيضًا، رِحالاتُها الذَّهَبُ، وأَزِمَّتُها الياقوتُ، تَخطُرُ في رِمالِ الكافورِ، أنا قائِدُهم، وبِلالٌ على مُقدَّمَتِهم، ووَجهُ بِلالٍ أشَدُّ نورًا من القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، والمُؤذِّنون حَولَه بتلك المَنزِلَةِ، وأهلُ حَرَمِ اللهِ تَعالى أدنى النَّاسِ منِّي، ثم أهلُ حَرَمي الذين يَلونَهم، ثم بعدَهم الأفضَلُ فالأفضَلُ، فيَسيرون ولهم تَكبيرٌ وتَهليلٌ، لا يَسمَعُ سامِعٌ في الجَنَّةِ أصواتَهم إلَّا اشتاقَ إلى النَّظَرِ إليهم، فيَمُرُّون بأهلِ الجِنانِ في جَنَّاتِهم، فيقولون: مَن هَؤلاءِ الذين مَرُّوا بنا؟ قدِ ازدادتْ جنَّاتُنا حُسنًا على حُسنِها، ونورًا على نورِها، فيقولون: هذا مُحمَّدٌ وأُمَّتُه يَزورون رَبَّ العِزَّةِ، فيقولون: لَئن كان مُحمَّدٌ وأُمَّتُه بهذه المَنزِلَةِ والكَرامَةِ، ثم يُعاينون وَجهَ رَبِّ العِزَّةِ، فيا ليتنا كُنَّا من أُمَّةِ مُحمَّدٍ، فيَسيرون حتى يَنتَهُوا إلى شَجَرةٍ يُقالُ لها: شَجَرةُ طُوبى، وهي على شَطِّ نَهرِ الكَوثَرِ، وهي لمُحمَّدٍ، ليس في الجَنَّةِ قَصرٌ مِن قُصورِ أُمَّةِ مُحمَّدٍ إلَّا وفيه غُصنٌ من أغصانِ تلك الشَّجَرةِ، فيَنزِلون تحتَها، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، اكْسُ أهلَ الجَنَّةِ، فيُكسى أحدُهم مِئَةَ حُلَّةٍ، لو أنَّها جُعِلتْ بين أصابِعِه لَوَسِعَتْها مِن ثيابِ الجَنَّةِ. ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، عَطِّرْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالطِّيبِ، فيُطيِّبون، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، فَكِّهْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالفاكهةِ، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا الحُجُبَ عنِّي حتى يَنظُرَ أوليائي إلى وَجْهي، فإنَّهم عَبَدوني ولم يَرَوْني، وعرَفَتْني قُلوبُهم ولم تَنظُرْ إليَّ أبصارُهم، فتقولُ الملائكةُ: سُبحانَك نحن ملائكتُك، ونحن حَمَلةُ عَرشِك، لم نَعصِكَ طَرْفةَ عَينٍ، لا نَستطيعُ النَّظَرَ إلى وَجهِكَ، فكيف يَستطيعُ الآدَميُّون ذلك؟! فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا ملائكتي، إنِّي طالما رأيتُ وُجوهَهم مُعفَّرَةً في التُّرابِ لوَجْهي، وطالما رأيتُهم صُوَّامًا لوَجْهي في يَومٍ شَديدِ الظَّمَأِ، وطالما رأيتُهم يَعمَلون الأعمالَ ابتِغاءَ رَحْمتي ورَجاءَ ثَوابي، وطالما رأيتُهم يَزوروني إلى بَيتي من كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ، وطالما رأيتُهم وعُيونُهم تَجري بالدُّموعِ من خَشيَتي يَحِقُّ للقَومِ عليَّ أنْ أُعطيَ أبصارَهم من القُوَّةِ ما يَستطيعون به النَّظَرَ إلى وَجْهي، فرفَعَ الحُجُبَ، فيَخِرُّون سُجَّدًا، فيقولون: سُبحانَك لا نُريدُ جِنانًا، ولا أزواجًا، ولا نُريدُ إلَّا النَّظَرَ إلى وَجْهِك، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا رُؤوسَكم يا عبادي؛ فإنَّها دارُ جَزاءٍ، وليست بدارِ عِبادَةٍ، وهذا لكم عندي مِقدارُ كُلِّ جُمُعةٍ، كما كُنتُم تَزوروني في بَيتي
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبداللهم إن تهلك هذه الفئة لا تعبدصاحب النعلين والوساد والمطهرةلا يزيد الظالمين إلا خساراصاحب من صاحب أصحاب الرسولمن صاحب أصحاب رسول اللهشهادة تسبق كسرتها أذاهاالشجرة المورقة المثمرةثلاثة تكلموا في المهدالعباس بن عبد المطلبطلوع الشمس من المغربيأتي على الناس زمانشفاء ورحمة للمؤمنينصاحب أصحاب الرسولصلى على رسول اللهصاحب الجمل الأحمرعبد الله بن عتيكربي أمي أم صلاتيأصحاب رسول اللهعلي بن أبي طالبعبيدة بن الحارثصاحب رسول اللهصلاة على النبيبنو عبد المطلبالليل إذا يغشىمن فيه إلى فيهجابرسا وجابلقافئام من الناسعتبة بن ربيعةقبض رسول اللهمات رسول اللهيا أهل الكتابصاحب سر النبيسلامة بنت سعدالتوبة النصوحابن عم الملكصاحب من صاحبالصلاة جامعةالجمل الأحمرأسير بن عروةحسان بن ثابتالشمس والقمريأجوج ومأجوجصاحب الرسوليصلي بالناسانخلعت رجليأبو الدرداءلبيد بن سهلأويس القرنيمسجد الكوفةأجدوا السيردعا بالبركةيحمم ويجلدضرب بالسيفثاني اثنينابن أم عبدباب التوبةكراهية...يغزو فئامطش من مطرأبو سفيانأسلم تسلمكلمة سواءجليس صالحبغير بينةمثل الغيثخلق شمسينطاعة اللهيفتح لهمالمشركونأبو رافعمستيمتينالمشركينملك كريمالخائنينأبو طعمةالمومساتالتوراةأبو بكرلا تحزنالإيمانالناعيةأبو جهلالأنصارالدرعانالميضأةالتوكلاليهودالصلاةالجزوربايعوهالختانالنبوةالعباسالسرقةالهشيمالغلامتوضؤواالبركةاشربوا
تخريج حديث صاحب لهم
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








