أحاديث عن: علامات النبوة
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
22 نتيجة — لكلمة: علامات النبوة
⭐ حسن
📂 باب قصة إسلام سلمان الفارسي
عن عبد الله بن عباس قال: حدَّثني سلمان الفارسي حديثه من فيه، قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية منها يقال لها: جَيُّ، وكان أبي دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قَطَنَ النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة، قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة، قال: فشُغِلَ في بنيان له يوما، فقال لي: يا بني! إني قد شغلت في بنيانٍ هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها، وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم انظر ما يصنعون. قال: فلما رأيتهم أعجبني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله! خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي، ولم آتها. فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال: ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلته عن عمله كله، قال: فلما جئته قال: أي بنيّ! أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله! ما زلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بنيّ! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قال: قلت: كلا والله! إنه خير من ديننا. قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدا، ثم حبسني في بيته.
قال: وبعثت إلى النصارى، فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من
النصارى فأخبِروني بهم. قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال: فأخبَروني بهم. قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فاذنوني بهم. قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: مَنْ أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت ان أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك وأصلي معك. قال: فادخل. فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء، اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة، ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئا. قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه. قالوا: فَدُلَّنا عليه. قال: فأريتهم موضعه. قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا. فصلبوه، ثم رجموه بالحجارة.
ثم جاؤوا برجل آخر، فجعلوه بمكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس، أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه، قال: فأحببته حبا لم أحبه من قبله، فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إني كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به. قال: فلما مات وغُيِّبَ لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلانا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله عز وجل ما ترى، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه الا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به. قال: فلما مات وغُيبَ
لحقت بصاحب نصيبين، فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي. قال: فأقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت. فلما حُضِرَ قلت له: يا فلان، إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما نعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، قال: فإنه على أمرنا.
قال: فلما مات وغُيِّبَ لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة. قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حُضِر قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس امرك أن تأتيه ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجرا إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
قال: ثم مات وغُيِّبَ، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مرَّ بي نفر من كلبٍ تجارا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهموها وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى، ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدا، فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده، قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله، ما هو الا أن رأيتها، فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها وبعث الله رسوله، فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق. ثم هاجر إلى المدينة، فوالله، إني لفي رأس عَذْقٍ لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال: فلان، قاتل الله بني قيلة، والله، إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العرواء، حتى ظننت سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه
ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة. ثم قال: ما لَك ولهذا! أقبل على عملك. قال: قلت: لا شيء، إنما أردت أن استثبته عما قال.
وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته، ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم. قال: فقرَّبْته إليه. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «كلوا» وأمسك يده فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم جئته به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها. قال: فأكل رسول الله ﷺ منها، وأمر أصحابه، فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله ﷺ، وهو ببقيع الغرقد. قال: وقد تبع جنازة من أصحابه، عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته عرف أني استثبت في شيء وُصِفَ لي، قال: فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبِّله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ: «تحوَّل» فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، قال: فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه.
ثم شغَل سلمانَ الرِّقُّ حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد، قال: ثم قال لي رسول الله ﷺ: «كاتِبْ يا سلمان» فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفَقِير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أعينوا أخاكم» فأعانوني بالنخل: الرجل بثلاثين وَدِيَّةً، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر - يعني: الرجل بقدر ما عنده - حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله ﷺ: «اذهب يا سلمان، ففَقِّرْ لها، فإذا فرغت فائتني، أكون أنا أضعها بيدي» ففقَّرْتُ لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته، فأخبرته، فخرج رسول الله ﷺ معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي ويضعه رسول الله ﷺ بيده، فوالذي نفس سلمان بيده، ما ماتت منها ودية واحدة، فأدَّيتُ النخل، وبقي عليَّ المال، فأُتِيَ رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: «ما فعل الفارسي المكاتب؟»
قال: فدُعِيْتُ له، فقال: «خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان» فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليَّ؟ ! قال: «خذها، فإن الله سيؤدي بها عنك» قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم، وعتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد.
قال: وبعثت إلى النصارى، فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من
النصارى فأخبِروني بهم. قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال: فأخبَروني بهم. قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فاذنوني بهم. قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: مَنْ أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت ان أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك وأصلي معك. قال: فادخل. فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء، اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة، ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئا. قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه. قالوا: فَدُلَّنا عليه. قال: فأريتهم موضعه. قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا. فصلبوه، ثم رجموه بالحجارة.
ثم جاؤوا برجل آخر، فجعلوه بمكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس، أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه، قال: فأحببته حبا لم أحبه من قبله، فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إني كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به. قال: فلما مات وغُيِّبَ لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلانا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله عز وجل ما ترى، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه الا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به. قال: فلما مات وغُيبَ
لحقت بصاحب نصيبين، فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي. قال: فأقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت. فلما حُضِرَ قلت له: يا فلان، إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما نعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، قال: فإنه على أمرنا.
قال: فلما مات وغُيِّبَ لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة. قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حُضِر قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس امرك أن تأتيه ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجرا إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
قال: ثم مات وغُيِّبَ، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مرَّ بي نفر من كلبٍ تجارا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهموها وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى، ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدا، فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده، قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله، ما هو الا أن رأيتها، فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها وبعث الله رسوله، فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق. ثم هاجر إلى المدينة، فوالله، إني لفي رأس عَذْقٍ لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال: فلان، قاتل الله بني قيلة، والله، إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العرواء، حتى ظننت سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه
ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة. ثم قال: ما لَك ولهذا! أقبل على عملك. قال: قلت: لا شيء، إنما أردت أن استثبته عما قال.
وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته، ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم. قال: فقرَّبْته إليه. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «كلوا» وأمسك يده فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم جئته به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها. قال: فأكل رسول الله ﷺ منها، وأمر أصحابه، فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله ﷺ، وهو ببقيع الغرقد. قال: وقد تبع جنازة من أصحابه، عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته عرف أني استثبت في شيء وُصِفَ لي، قال: فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبِّله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ: «تحوَّل» فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، قال: فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه.
ثم شغَل سلمانَ الرِّقُّ حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد، قال: ثم قال لي رسول الله ﷺ: «كاتِبْ يا سلمان» فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفَقِير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أعينوا أخاكم» فأعانوني بالنخل: الرجل بثلاثين وَدِيَّةً، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر - يعني: الرجل بقدر ما عنده - حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله ﷺ: «اذهب يا سلمان، ففَقِّرْ لها، فإذا فرغت فائتني، أكون أنا أضعها بيدي» ففقَّرْتُ لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته، فأخبرته، فخرج رسول الله ﷺ معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي ويضعه رسول الله ﷺ بيده، فوالذي نفس سلمان بيده، ما ماتت منها ودية واحدة، فأدَّيتُ النخل، وبقي عليَّ المال، فأُتِيَ رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: «ما فعل الفارسي المكاتب؟»
قال: فدُعِيْتُ له، فقال: «خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان» فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليَّ؟ ! قال: «خذها، فإن الله سيؤدي بها عنك» قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم، وعتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد.
حسن رواه أحمد (٢٣٧٣٧)، والبزار في مسنده (٢٤٩٩، ٢٥٠٠)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٧٦ - ٢٧٢)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٧٥ - ٨٠) كلهم من طرق، عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن عبد الله بن عباس فذكره.
📚 كتاب فضائل الصحابة، وأخبارهم جموع ما جاء في فضل الصحبة
📖 اقرأ الشرح
عنْ عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ قالَ: إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالَى لمَّا أرادَ هَدْيَ زَيدِ بنِ سَعْنةَ، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: ما مِن عَلاماتِ النُّبوَّةِ شيءٌ إلَّا وقد عرَفْتُها في وجهِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ نظرْتُ إليه إلَّا شَيئَينِ لم أَخبُرْهما منه، هل سبَقَ حِلمُه جَهلَه، ولا يَزيدُه شدَّةُ الجَهلِ عليه إلَّا حِلمًا، فكنْتُ ألطُفُ به لئنْ أُخالِطَه فأعرِفَ حِلمَه مِن جَهلِه، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: فخرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومًا منَ الحُجُراتِ، ومعَه عليُّ بنُ أبي طالِبٍ رَضيَ اللهُ عنه، فأتاهُ رَجُلٌ على راحِلَتِه كالبَدويِّ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ بُصْرى قَريةُ بَني فُلانٍ، قد أسْلَموا، ودَخَلوا في الإسْلامِ، وكنْتُ حدَّثْتُهم إنْ أسْلَموا آتاهُمُ الرِّزقُ رَغَدًا، وقد أصابَتْهم سَنةٌ وشدَّةٌ وقُحوطٌ منَ الغَيثِ، فأنا أخْشى يا رَسولَ اللهِ أنْ يَخْرجوا منَ الإسْلامِ طَمَعًا، كما دَخَلوا فيه طَمَعًا، فإنْ رأيْتَ أنْ تُرسِلَ إليهم بشَيءٍ تُعينُهم به، فعلْتَ، فنظَرَ إليَّ رَجُلٌ جانِبَه أُراهُ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما بَقيَ منه شيءٌ، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: فدنَوْتُ إليه، فقُلْتُ: يا مُحمَّدُ، هل لكَ أنْ تَبيعَني تَمرًا مَعْلومًا مِن حائطِ بَني فلانٍ إلى أجَلِ كذا وكذا، قالَ: لا يا يَهوديُّ، ولكنْ أَبيعُكَ تَمرًا مَعلومًا إلى أجَلِ كذا وكذا، ولا أُسمِّي حائطَ بَني فلانٍ. فقُلْتُ: نعمْ، فبايَعَني فأطلَقْتُ هِمْياني فأعْطَيْتُه ثَمانينَ مِثْقالًا مِن ذهَبٍ في تَمرٍ مَعْلومٍ إلى أجَلِ كذا وكذا، فأعْطاها الرَّجلَ، فقالَ: اعجَلْ عليهم وأغِثْهم بها، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: فلمَّا كانَ قبلَ محلِّ الأجَلِ بيَومَينِ أو ثَلاثةٍ أتَيْتُه، فأخذْتُ مجامِعَ قَميصِه ورِدائِه، ونظرْتُ إليه بوجهٍ غَليظٍ فقُلْتُ له: ألَا تَقْضيني يا مُحمَّدُ حقِّي، فواللهِ ما عَلِمْتم بَني عبدِ المُطَّلِبِ بمَطْلٍ، ولقد كانَ لي بمُخالَطَتِكم عِلمٌ، ونظرْتُ إلى عُمَرَ، وإذا عَيْناه تَدورانِ في وَجهِه كالفَلَكِ المُستَديرِ، ثمَّ رَماني ببَصَرِه، فقالَ: يا عَدوَّ اللهِ، أتَقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما أسمَعُ وتصنَعُ به كما أرَى، فوالَّذي بعَثَه بالحقِّ لولا ما أُحاذِرُ قوَّتَه لَضربْتُ بسَيْفي رأسَكَ، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ينظُرُ إلى عُمَرَ في سُكونٍ وتُؤَدةٍ وتبَسُّمٍ، ثمَّ قالَ: يا عُمَرُ، أنا وهو كنَّا أحوَجَ إلى غيرِ هذا، أنْ تَأْمُرَني بحُسنِ الأداءِ، وتأمُرَه بحُسنِ التَّباعةِ، اذهَبْ به يا عُمَرُ، فأعْطِه حقَّه، وزِدْه عِشْرينَ صاعًا مِن تَمرٍ فقُلْتُ: ما هذه الزِّيادةُ يا عُمَرُ؟ قالَ: أمَرَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ أَزيدَكَ مَكانَ ما روَّعْتُكَ قُلْتُ: وتَعرِفُني؟ قالَ: لا، مَن أنتَ؟ قُلْتُ: زَيدُ بنُ سَعْنةَ، قالَ: الحَبرُ، قُلْتُ: الحَبرُ، قالَ: فما دَعاكَ أنْ فعلْتَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما فعلْتَ، وقلْتَ له ما قلْتَ؟ قلْتُ له: يا عُمَرُ، لم يكُنْ مِن عَلَاماتِ النُّبوَّةِ شَيءٌ إلَّا وقد عَرفْتُه في وَجهِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ نظَرْتُ إليه إلَّا اثْنَينِ لم أَخبُرْهما منه: هل يَسبِقُ حِلمُه جَهلَه، ولا تَزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلَّا حِلمًا؛ فقدِ اختَبَرْتُهما، فأُشهِدُكَ يا عُمَرُ أنِّي قد رَضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسْلامِ دينًا، وبمُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَبيًّا، وأُشهِدُكَ أنَّ شَطرَ مالي -فإنِّي أكثَرُ مالًا- صَدَقةٌ على أمَّةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: أوْ على بَعضِهم؛ فإنَّكَ لا تَسَعُهم، قُلْتُ: أوْ على بَعضِهم، فرجَعَ زَيدٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ زَيدٌ: أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، وآمَنَ به وصدَّقَه وبايَعَه، وشهِدَ معَه مَشاهِدَ كَثيرةً، ثمَّ تُوفِّيَ زَيدٌ في غَزْوةِ تَبوكَ مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ ورحِمَ اللهُ زَيدًا
إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لما أرادَ هُدَى زيدِ بنِ سَعْنَةَ قال زيدُ بنُ سعنةَ ما مِنْ علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُها في وجهِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظرتُ إليه إلا اثنتينِ لم أُخْبَرْهُما منه يَسْبِقُ حلمُهُ جهلَهُ ولا تَزيدُهُ شدَّةُ الجهلِ عليه إلا حِلْمًا قال زيدُ بنُ سعْنَةَ فخرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا منَ الحُجُراتِ ومعه علِيُّ بنُ أبي طالِبٍ رضِيَ اللهُ عنه فأتاه رجُلٌ على راحلَةٍ كالْبَدَوِيِّ فقال يا رسولَ اللهِ لي نَفَرٌ في قرْيَةِ بني فلانٍ قَدْ أسلَمُوا ودخَلُوا في الإسلامِ وكنْتُ حدَّثْتُهم إنْ أسلَموا أتاهم الرزقُ رغَدًا وقَدْ أصابَتْهُم سنَةٌ وشدَّةٌ وقحْطٌ منَ الغيثِ فأنا أخْشَى يا رسولَ اللهِ أنْ يخرجوا من الإسلامِ طمعًا كما دخلوا فيه طمَعًا فإنْ رأيْتَ أن تُرْسِلَ إليهم بشيءٍ تُغْيثُهم به فعلْتَ فنظَرَ إلى رجلٍ إلى جانبِهِ أُرَاهُ عليًّا فقال يا رسولَ اللهِ ما بقِيَ منه شيءٌ قال زيدُ بنُ سَعْنَةَ فدنوتُ إليه فقلْتُ يا محمدُ هل لَّكَ أنْ تَبيعَنِي تَمْرًا معلومًا في حائِطِ بني فلانٍ إلى أجَلٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا قال لَا لَا تُسَمِّي حائِطَ بني فلانٍ قلْتُ نعم فبايِعْنِي فأطلقْتُ هِمْياني فأعطيتُهُ ثمانينَ مثقالًا من ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا فأعطا الرجلَ وقال اعدلْ عليْهِم وأغِثْهُمْ بها قال زيدُ بنُ سَعْنَةُ فلما كان قبلَ محِلِّ الأجَلِ بيومينِ أو ثلاثٍ خرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومعَهُ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ في نفَرٍ من أصحابِهِ فلما صلَّى على الجنازةِ ودنا إلى الجدارِ لِيَجْلِسَ إليه أتيتُهُ فأخذْتُ بمجامِعِ قميصِهِ وردائِهِ ونظرْتُ إليه بوجْهِ غليظٍ قلْتُ له يا محمدُ ألَا تَقْضِيني حقِّي فواللهِ ما علمتُم بني عبدِ المطلبِ لمُطْلًا ولقدْ كان بمخالَطَتِكُمْ علمٌ ونظرْتُ إلى عمرَ وعيناه تدورانِ في وجهِهِ كالفلَكِ المستديرِ ثم رماني ببصرِهِ فقال يا عدوَّ اللهِ أتقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أسمَعُ وتصنَعُ به ما أرى فوالذِي نفْسِي بيدِهِ لولا ما أُحاذِرُ فَوْتَهُ لضربْتُ بسيفِي رأسَكَ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينظرُ إليَّ في سكونٍ وتُؤَدَةٍ فقال يا عمَرُ أنا وهو كنَّا أحوجَ إلى غيرِ هذا أنْ تَأْمُرَنِي بحُسْنِ الأداءِ وتأمرَهُ بحُسْنِ اتِّباعِهِ اذهَب بِه يا عمرُ فأعْطِهِ حقَّهُ وزِدْهُ عشرينَ صاعًا من تمْرٍ مكان ما رُعْتَهُ قال زيدٌ فذهَبَ بي عمرُ فأعطاني حقِّي وزادَنِي عشرينَ صاعًا مِنْ تمرٍ فقلْتُ ما هذه الزيادَةُ يا عمَرُ قال أمرَنِي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ أزيدَكَ مكانَ ما رُعْتُكَ قال وتعرِفُنِي يا عمرُ قال لَا قلْتُ أنا زيدُ بنُ سَعْنَةِ قال الحبرُ قلْتُ الحبرُ قال فما دعاكَ إلى أنْ فعَلْتَ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما فعلْتَ وقلْتَ له ما قلتَ قلتُ يا عمرُ لم يكن من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلَّا وقدْ عرفتُ في وجْهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظرتُ إليه إلا اثنتَيْنِ لم أخُبَرْهُما منه يَسْبِقُ حلْمُهُ جهلَهُ ولَا تزيدُهُ شدَّةُ الجَهْلِ عليهِ إلَّا حلمًا وقدْ اختبرتُهما فأُشْهِدُكَ يا عمرُ أني قَدْ رضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ نبيًّا وأشهدُكَ أنَّ شطْرَ مالِي فإني أكثَرُها مالًا صدَقَةً على أمةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال عمرُ أوْ علَى بعضِهِم فإنَّكَ لَا تسَعُهم قُلْتُ أو عَلى بعضِهِم فرجعَ عمرُ وزيدُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال زيدٌ أشهَدُ أنْ لَّا إلهَ إلَّا اللهُ وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ وآمَنَ بَهِ وصدَّقَهُ وبايَعَهُ وشهِدَ معه مشاهِدَ كثيرةً ثم تُوُفِّيَ في غزْوَةِ تَبَوكَ مُقْبِلًا غيرَ مدبرٍ رَحِمَ اللهُ زيدًا
إنَّ اللهَ تبارَك وتعالى لمَّا أراد هُدى زيدِ بنِ سَعْنةَ قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: إنَّه لم يبقَ مِن علاماتِ النُّبوَّةِ شيءٌ إلَّا وقد عرَفْتُها في وجهِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظَرْتُ إليه إلَّا أثنين لم أخبُرْهما منه: يسبِقُ حِلْمُه جهلَه ولا يزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلَّا حِلمًا فكُنْتُ أتلطَّفُ له لِأنْ أُخالِطَه فأعرِفَ حِلْمَه وجهلَه قال: فخرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الحُجُراتِ ومعه عليُّ بنُ أبي طالبٍ فأتاه رجلٌ على راحلتِه كالبدويِّ فقال: يا رسولَ اللهِ قريةُ بني فلانٍ قد أسلَموا ودخَلوا في الإسلامِ كُنْتُ أخبرته أنَّهم إنْ أسلَموا أتاهم الرِّزقُ رغدًا وقد أصابهم شدَّةٌ وقحطٌ مِن الغيثِ وأنا أخشى يا رسولَ اللهِ أنْ يخرُجوا مِن الإسلامِ طمَعًا كما دخَلوا فيه طمَعًا فإنْ رأَيْتَ أنْ تُرسِلَ إليهم مَن يُغيثُهم به فعَلْتَ قال: فنظَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى رجلٍ إلى جانبِه أراه عمرَ فقال: ما بقي منه شيءٌ يا رسولَ اللهِ قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: فدنَوْتُ إليه فقُلْتُ له: يا محمَّدُ هل لك أنْ تبيعَني تمرًا معلومًا مِن حائطِ بني فلانٍ إلى أجلِ كذا وكذا ؟ فقال: ( لا يا يهوديُّ ولكنْ أبيعُك تمرًا معلومًا إلى أجلِ كذا وكذا ولا أُسمِّي حائطَ بن فلانٍ ) قُلْتُ: نَعم فبايَعني صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأطلَقْتُ هِمياني فأعطَيْتُه ثمانينَ مثقالًا مِن ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا قال: فأعطاها الرَّجلَ وقال: ( اعجَلْ عليهم وأغِثْهم بها ) قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: فلمَّا كان قبْلَ محلِّ الأجلِ بيومينِ أو ثلاثةٍ خرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جِنازةِ رجلٍ مِن الأنصارِ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ ونفرٌ مِن أصحابِه فلمَّا صلَّى على الجِنازةِ دنا مِن جدارٍ فجلَس إليه فأخَذْتُ بمجامعِ قميصِه ونظَرْتُ إليه بوجهٍ غليظٍ ثمَّ قُلْتُ: ألا تقضيني يا محمَّدُ حقِّي ؟ فواللهِ ما علِمْتُكم بني عبدِ المطَّلبِ - بمُطلٍ ولقد كان لي بمُخالَطتِكم عِلمٌ قال: ونظَرْتُ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ وعيناه تدورانِ في وجهِه كالفلَكِ المستديرِ ثمَّ رماني ببصرِه وقال: أيْ عدوَّ اللهِ أتقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أسمَعُ وتفعَلُ به ما أرى ؟ فوالَّذي بعَثه بالحقِّ لولا ما أُحاذِرُ فَوْتَه لضرَبْتُ بسيفي هذا عنقَك ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينظُرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤدةٍ ثمَّ قال: ( إنَّا كنَّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منك يا عمرُ أنْ تأمُرَني بحُسنِ الأداءِ وتأمُرَه بحُسنِ التِّباعةِ اذهَبْ به يا عمرُ فاقضِه حقَّه وزِدْه عشرينَ صاعًا مِن غير مكانَ ما رُعْتَه ) قال زيدٌ: فذهَب بي عمرُ فقضاني حقِّي وزادني عشرينَ صاعًا مِن تمرٍ فقُلْتُ: ما هذه الزِّيادةُ ؟ قال: أمَرني رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ أزيدَك مكانَ ما رُعْتُك فقُلْتُ: أتعرِفُني يا عمرُ ؟ قال: لا، فمَن أنتَ ؟ قُلْتُ: أنا زيدُ بنُ سَعْنةَ قال: الحبرُ ؟ قُلْتُ: نَعم، الحبرُ، قال: فما دعاك أنْ تقولَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قُلْتَ وتفعَلَ به ما فعَلْتَ فقُلْتُ: يا عمرُ كلُّ علاماتِ النُّبوَّةِ قد عرَفْتُها في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظَرْتُ إليه إلَّا اثنتينِ لم أختبِرْهما منه: يسبِقُ حِلْمُه جهلَه ولا يزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلَّا حِلْمًا فقد اختبَرْتُهما فأُشهِدُك يا عمرُ أنِّي قد رضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نبيًّا وأُشهِدُك أنَّ شَطْرَ مالي - فإنِّي أكثرُها مالًا - صدقةٌ على أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال عمرُ أو على بعضِهم فإنَّك لا تسَعُهم كلَّهم قُلْتُ: أو على بعضِهم فرجَع عمرُ وزيدٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال زيدٌ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فآمَن به وصدَّقه وشهِد مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مشاهدَ كثيرةً ثمَّ توفِّي في غزوةِ تبوكَ مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ ) رحِم اللهُ زيدًا قال: فسمِعْتُ الوليدَ يقولُ: حدَّثني بهذا كلِّه محمَّدُ بنُ حمزةَ عن أبيه عن جدِّه عن عبدِ اللهِ بنِ سلَامٍ
حديث في قصَّةِ إسلامِ زيدِ بن [سَعْنة] [يعني حديث: إنَّ اللهَ تعالى لما أراد هُدى زيدِ بنِ سُعنةَ قال زيدُ بنُ سُعنةَ ما من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُها في وجهِ محمدٍ حين نظرتُ إليه إلا اثنتَينِ لم أُخبَرْهما منه يَسْبِقُ حلمُه جهلَه ولا يزيدُه شدةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا فكنتُ ألطف له إلى أن أخالطَه فأعرفَ حلمَه مِنْ جهلِهِ قال زيدُ بنُ سُعنةَ فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومًا مِنَ الحُجُراتِ ومعه علي بنُ أبي طالبٍ فأتاه رجلٌ على راحلتِهِ كالبدويِّ فقال يا رسولَ اللهِ إنَّ بقربي قريةَ بني فلانٍ قد أسلموا أو دخلوا في الإسلامِ وكنتُ حدَّثتُهم إن أسلموا أتاهم الرزقُ رغدًا وقد أصابتْهم سَنةٌ وشدَّةٌ وقحوطٌ مِنَ الغيثِ فأنا أخشى يا رسولَ اللهِ أن يخرجوا مِنَ الإسلامِ طمعًا كما دخلوا فيه طمعًا فإن رأيتَ أن ترسلَ إليهم بشيءٍ تعينُهم به فعلتَ فنظر إلى رجلٍ إلى جانِبِه أراه عليًّا فقال يا رسولَ اللهِ ما بقِيَ منه شيءٌ قال زيدُ بنُ سُعنةَ فدنوتُ إليه فقلتُ يا محمد هل لك أن تبيعَني تمرًا معلومًا في حائطِ بني فلانٍ إلى أجلِ كذا وكذا فقال لا يا يهوديُّ ولكن أبيعُك تمرًا معلومًا إلى أجلِ كذا وكذا ولا تسمِّي حائطَ بني فلانٍ قلتُ نعم فبايعني فأطلقتُ هِمْياني فأعطيتُه ثمانين مثقالًا من ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا فأعطاه الرجلَ وقال اعدِلْ عليهم وأعِنهُم بها قال زيدُ بنُ سُعنةَ فلما كان قبلَ محلِّ الأجلِ بيومين أو ثلاثةٍ خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ في نفرٍ مِنْ أصحابِه فلما صلَّى على الجنازةِ وَدَنا مِنْ جِدَارٍ ليجلِسَ أتيتُه فأخذتُ بمجامعِ قميصِه ورداءِه ونظرتُ إليه بوجهٍ غليظٍ فقلتُ له ألا تقضيني يا محمدُ حقِّي فواللهِ ما علمتُكم بني عبدِ المطلبِ لمُطلٌ ولقد كان لي بمخالطتِكم علمٌ ونظرتُ إلى عمرَ وإذا عيناه تدورانِ في وجهِهِ كالفَلَكِ المستديرِ ثم رماني ببصرِه فقال يا عدوَّ اللهِ أتقولُ لرسولِ اللهِ ما أسمعُ وتصنعُ به ما أرى فوالذي بعثه بالحقِّ لولا ما أحاذرُ فوتَه لضربتُ بسيفي رأسَكَ ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينظرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤَدَةٍ وتبسُّمٍ ثم قال يا عمرُ أنا وهو كنا أحوجُ إلى غيرِ هذا أن تأمرَني بحسنِ الأداءِ وتأمرَه بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ اذهبْ به يا عمرُ فأعطِه حقَّه وزِدهُ عشرين صاعًا من تمرٍ مكان ما رُعتَه قال زيدٌ فذهب بي عمرُ فأعطاني حقِّي وزادني عشرين صاعًا من تمرٍ فقلتُ ما هذه الزيادةُ يا عمرُ قال أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أن أزيدَك مكانَ ما رعتُكَ قال وتعرفُني يا عمرُ قال لا فما دعاك أن فعلتَ برسولِ اللهِ ما فعلتَ وقلتَ له ما قلتَ قلتُ يا عمرُ لم يكن من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُه في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حين نظرتُ إليه إلا اثنتَين لم أُخبَرْهما منه يسبِقُ حلمُه جهلَه ولا يزيدُهُ شدَّةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا فقد اختبرتُهما فأُشهدُكَ يا عمرُ أني قد رضيتُ بالله ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ نبيًّا وأشهدُكَ أنَّ شطرَ مالي فإني أكثُرها مالًا صدقةٌ على أمةِ محمدٍ قال عمرُ أو على بعضِهم فإنكَ لا تسعُهم قلتُ أو على بعضِهم فرجع عمرُ وزيدٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال زيدٌ أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه وآمن به وصدَّقه وتابعه وشهِد معه مشاهد َكثيرةً ثم تُوُفيَ في غزوةِ تبوكَ مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ رحم اللهُ زيدًا]
إنَّ اللهَ تعالى لما أراد هُدى زيدِ بنِ سُعنةَ قال زيدُ بنُ سُعنةَ ما من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُها في وجهِ محمدٍ حين نظرتُ إليه إلا اثنتَينِ لم أُخبَرْهما منه يَسْبِقُ حلمُه جهلَه ولا يزيدُه شدةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا فكنتُ ألطف له إلى أن أخالطَه فأعرفَ حلمَه مِنْ جهلِهِ قال زيدُ بنُ سُعنةَ فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومًا مِنَ الحُجُراتِ ومعه علي بنُ أبي طالبٍ فأتاه رجلٌ على راحلتِهِ كالبدويِّ فقال يا رسولَ اللهِ إنَّ بقربي قريةَ بني فلانٍ قد أسلموا أو دخلوا في الإسلامِ وكنتُ حدَّثتُهم إن أسلموا أتاهم الرزقُ رغدًا وقد أصابتْهم سَنةٌ وشدَّةٌ وقحوطٌ مِنَ الغيثِ فأنا أخشى يا رسولَ اللهِ أن يخرجوا مِنَ الإسلامِ طمعًا كما دخلوا فيه طمعًا فإن رأيتَ أن ترسلَ إليهم بشيءٍ تعينُهم به فعلتَ فنظر إلى رجلٍ إلى جانِبِه أراه عليًّا فقال يا رسولَ اللهِ ما بقِيَ منه شيءٌ قال زيدُ بنُ سُعنةَ فدنوتُ إليه فقلتُ يا محمد هل لك أن تبيعَني تمرًا معلومًا في حائطِ بني فلانٍ إلى أجلِ كذا وكذا فقال لا يا يهوديُّ ولكن أبيعُك تمرًا معلومًا إلى أجلِ كذا وكذا ولا تسمِّي حائطَ بني فلانٍ قلتُ نعم فبايعني فأطلقتُ هِمْياني فأعطيتُه ثمانين مثقالًا من ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا فأعطاه الرجلَ وقال اعدِلْ عليهم وأعِنهُم بها قال زيدُ بنُ سُعنةَ فلما كان قبلَ محلِّ الأجلِ بيومين أو ثلاثةٍ خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ في نفرٍ مِنْ أصحابِه فلما صلَّى على الجنازةِ وَدَنا مِنْ جِدَارٍ ليجلِسَ أتيتُه فأخذتُ بمجامعِ قميصِه ورداءِه ونظرتُ إليه بوجهٍ غليظٍ فقلتُ له ألا تقضيني يا محمدُ حقِّي فواللهِ ما علمتُكم بني عبدِ المطلبِ لمُطلٌ ولقد كان لي بمخالطتِكم علمٌ ونظرتُ إلى عمرَ وإذا عيناه تدورانِ في وجهِهِ كالفَلَكِ المستديرِ ثم رماني ببصرِه فقال يا عدوَّ اللهِ أتقولُ لرسولِ اللهِ ما أسمعُ وتصنعُ به ما أرى فوالذي بعثه بالحقِّ لولا ما أحاذرُ فوتَه لضربتُ بسيفي رأسَكَ ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينظرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤَدَةٍ وتبسُّمٍ ثم قال يا عمرُ أنا وهو كنا أحوجُ إلى غيرِ هذا أن تأمرَني بحسنِ الأداءِ وتأمرَه بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ اذهبْ به يا عمرُ فأعطِه حقَّه وزِدهُ عشرين صاعًا من تمرٍ مكان ما رُعتَه قال زيدٌ فذهب بي عمرُ فأعطاني حقِّي وزادني عشرين صاعًا من تمرٍ فقلتُ ما هذه الزيادةُ يا عمرُ قال أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أن أزيدَك مكانَ ما رعتُكَ قال وتعرفُني يا عمرُ قال لا فما دعاك أن فعلتَ برسولِ اللهِ ما فعلتَ وقلتَ له ما قلتَ قلتُ يا عمرُ لم يكن من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُه في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حين نظرتُ إليه إلا اثنتَين لم أُخبَرْهما منه يسبِقُ حلمُه جهلَه ولا يزيدُهُ شدَّةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا فقد اختبرتُهما فأُشهدُكَ يا عمرُ أني قد رضيتُ بالله ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ نبيًّا وأشهدُكَ أنَّ شطرَ مالي فإني أكثُرها مالًا صدقةٌ على أمةِ محمدٍ قال عمرُ أو على بعضِهم فإنكَ لا تسعُهم قلتُ أو على بعضِهم فرجع عمرُ وزيدٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال زيدٌ أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه وآمن به وصدَّقه وتابعه وشهِد معه مشاهد َكثيرةً ثم تُوُفيَ في غزوةِ تبوكَ مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ رحم اللهُ زيدًا
أُعطيتُ خمسًا لم يُعْطَها نبيٌّ قبلي بُعثتُ إلى الأحمرِ والأسودِ وإنما كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُبعثُ إلى قومِه ونُصرتُ بالرعبِ مسيرةَ شهرٍ وأُطعمتُ المغنمَ ولم يطعمْهُ أحدٌ كان قبلي فذكر الحديثَ وهو وبقيةُ الأحاديثِ بنحوِه في علاماتِ النبوةِ
قال عبد الله بن سلامٍ إن الله لما أرادَ هُدَى زيدِ بن سَعْنَةٍ قال زيد : ما من علاماتِ النبوَّةِ شيء إلا وقد عرفتُها في وجهِ محمدٍ حينَ نظرتُ إليه إلا اثنتانِ لم أخبرهُما منه يسبقُ حلمهُ جهلهُ ، ولا يزِيدهُ شدةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا فذكرَ الحديثَ في مبايعةِ زيد بن سَعْنِةٍ - فلما كان قبل محلِّ الأَجلِ بيومينِ أو ثلاثةٍ خرج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في جنازةِ رجلٍ منَ الأنصارِ ومعه أبو بكرٍ وعمرَ وعثمانَ في نفرٍ من أصحابهِ ، فلما صلى على الجنازةِ ودَنا من جدارِ ليجلسَ إليهِ أتيتُهُ فنظرتُ إليهِ بوجهٍ غليظٍ ثم أخذتُ بمجامعِ قميصهِ ورِدائهِ فقلت : اقضنِي يا محمدُ حقّي ، فواللهِ ما علمتكُم بني عبد المطلبِ لمطَّالٌ لقد كان بي بمخالطتكُم علمٌ . فنظرتُ إلى عمرَ وعيناهُ تذرفانِ ثم قال : يا يهوديّ أتفعلُ هذا برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فوالذي بعثهُ بالحقِّ لولا ما أُحاذرُ فوتهُ لضربتُ بسيفي رأسكَ . قال : ورسولُ اللهِ ينظرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤدةٍ وتبسَّمَ ثم قال : يا عمرُ ، أنا وهو كنّا إلى غيرِ هذا منكَ أحوج أن تأمرني بحُسنِ الأَداء وتأْمرهُ بحسنِ التِّبَاعةِ ، اذهبْ به يا عمر فاقضهِ حقهُ وزِدهُ عشرينَ صاعا من تمرٍ مكانَ ما روعتهُ . . . وذكر الحديث في إسلامهِ
قالَ زيدُ بنُ سَعنةَ: ما من علاماتِ النُّبوَّةِ شيءٌ إلَّا وقد عرفتُها في وجْهِ محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ حينَ نظرتُ إليْهِ إلَّا اثنتَين لم أخبَرْهما منْهُ يَسبقُ حلمُهُ جَهلَهُ ولا تزيدُ شدَّةُ الجَهلِ عليْهِ إلَّا حِلمًا فَكنتُ ألطِفُ بِهِ لأن أخالطَهُ فأعرِفُ حلمَهُ من جَهلِهِ. قالَ زيدُ بنُ سَعنةَ: فخرجَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يومًا منَ الحُجُراتِ ومعَهُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللَّهُ عنْهُ فأتاهُ رجلٌ على راحلتِهِ كالبدويِّ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنَّ بُصرى قريةُ بني فلانٍ قد أسلَموا ودخلوا في الإسلامِ، وَكنتُ حدَّثتُهُم إِن أسلَموا أتاهمُ الرِّزقُ رَغدًا، وقد أصابتْهم سَنةٌ وشدَّةٌ وقحوطٌ منَ الغيثِ فأنا أخشى يا رسولَ اللَّهِ أن يَخرُجوا منَ الإسلامِ طمَعًا فإن رأيتَ أن تُرسِلَ إليْهم بشيءٍ تعينُهم بِهِ فعلتَ فنظرَ إليَّ رجلٌ وإلى جانبِهِ أراهُ عليًّا رضيَ اللَّهُ عنْهُ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ ما بقيَ منْهُ شيءٌ قالَ زيدُ بنُ سَعنةَ: فدنوتُ إليْهِ فقلتُ يا محمَّدُ هل لَكَ أن تبيعَني تَمرًا معلومًا من حائطِ بني فلانٍ إلى أجلِ كذا وَكذا فقالَ لا يا يَهوديُّ، ولَكني أبيعُكَ تمرًا معلومًا إلى أجلِ كذا وَكذا، ولا تسمِّيَ حائطَ بني فلانٍ قلتُ: بلَى فبايعَني فأطلقتُ هِمياني فأعطيتُهُ ثمانينَ مِثقالًا من ذَهَبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وَكذا فأعطاها الرَّجلُ فقالَ أغد عليْهم فأعِنْهم بِها فقالَ زيدُ بنُ سَعنةَ فلمَّا كانَ قبلَ محلِّ الأجلِ بيومينِ أو ثلاثٍ أتيتُهُ فأخذتُ بمجامعِ قميصِهِ وردائِهِ ونظرتُ إليْهِ بوجْهٍ غليظٍ فقلتُ لَهُ ألا تقضيني يا محمَّدُ حقِّي فواللَّهِ ما علمتُكم يا بني عبدِ المطَّلبِ لَمُطلٌ ولقد كانَ لي بمخالطتِكم عِلمٌ ونظرتُ إلى عمرَ وإذا عيناهُ تدورانِ في وجْهِهِ كالفلَكِ المستديرِ ثمَّ رماني ببصرِهِ فقالَ يا عدوَّ اللَّهِ أتقولُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ما أسمَعُ وتصنَعَ بِهِ ما أرى فوالَّذي بعثَهُ بالحقِّ لولا ما أحاذِرُ قوَّتَهُ لضربتُ بسيفي رأسَكَ ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ينظرُ إلى عمرَ في سُكونٍ وتؤَدةٍ ثمَّ قالَ: يا عمَرُ أنا وَهوَ كنَّا أحوَجَ إلى غيرِ هذا أن تأمُرَني بحسنِ الأداءِ وتأمرَهُ بحسنِ التِّباعةِ اذْهَب بِهِ يا عمَرُ واعطِهِ حقَّهُ وزدْهُ عشرينَ صاعًا من تمرٍ مكانَ ما رُعتَهُ قال زيدٌ: فذهبَ بي عمرُ رضِيَ اللَّهُ عنهُ فأعطاني حقِّي وزادَني عِشرينَ صاعًا من تمرٍ فقلتُ: ما هذِهِ الزِّيادةُ يا عمرُ؟ فقالَ: أمرَني رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ أن أزيدَكَ مَكانَ ما رُعتُك. قلتُ: وتعرِفُني يا عمرُ؟ قالَ: لا مَن أنتَ؟ قلتُ: زيدُ بنُ سَعنةَ. قالَ: الحَبرُ؟ قلتُ: الحَبرُ. قالَ: فما دعاكَ أن فعلتَ برسولِ اللَّهِ ما فعلتَ وقلتَ لَهُ ما قلتَ؟ قلتُ: يا عمرُ لم تكن من علاماتِ النُّبوَّةِ شيءٌ إلَّا وقد عرفتُهُ في وجْهِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ حينَ نظرتُ إليْهِ إلَّا اثنتينِ لم أخبَرْهما منْهُ يسبقُ حلمُهُ جَهلَهُ ولا يزيدُهُ الجَهلِ عليْهِ إلَّا حِلمًا، فقدِ أخبِرتُهما فأشْهدُكَ يا عمرُ أنِّي قد رضيتُ باللَّهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمَّدٍ نبيًّا، وأشْهدُكَ أن شطرَ مالي وَ إنِّي أَكثرُها مالًا صدقةً على أمَّةِ محمَّدٍ فقالَ عمرُ رضيَ اللَّهُ عنْهُ أو على بعضِهم فإنَّكَ لا تسعُهم قلتُ أو على بعضِهم فرجعَ عُمَرُ وزَيدٌ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ زيدٌ أشْهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأشْهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ
«إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لمَّا أرادَ هَدْيَ زَيدِ بنِ سَعْنةَ، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: ما مِن عَلاماتِ النُّبُوَّةِ شيءٌ إلَّا وقدْ عَرَفْتُها في وَجْهِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ نَظَرْتُ إليه، إلَّا اثْنَتَينِ لم أَخْبَرْهما منه؛ يَسبِقُ حِلْمُه جَهْلَه، ولا يَزيدُه شِدَّةُ الجَهْلِ عليه إلَّا حِلْمًا، فكُنْتُ أَلطُفُ له لأنْ أُخالِطَه فأَعرِفَ حِلْمَه مِن جَهْلِه، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَوْمًا مِن الحُجُراتِ ومعَه علِيُّ بنُ أبي طالِبٍ، فأتاه رَجُلٌ على راحِلتِه كالبَدَويِّ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ بُصْرى بقُرْبي -قَرْيةُ بَني فُلانٍ- قد أَسْلَموا ودَخَلوا في الإسْلامِ، وكُنْتُ حَدَّثْتُهم إن أَسْلَموا أتاهم الرِّزْقُ رَغَدًا، وقدْ أصابَتْهم سَنَةٌ وشِدَّةٌ وقُحوطٌ مِن الغَيْثِ، فأنا أَخْشى يا رَسولَ اللهِ أن يَخْرُجوا مِن الإسْلامِ طَمَعًا كما دَخَلوا فيه طَمَعًا، فإن رأيْتَ أن تُرسِلَ إليهم بشيءٍ تُعينُهم به فَعَلْتَ، فنَظَرَ إلى رَجُلٍ إلى جانِبِه -أراه علِيًّا- فقالَ: يا رَسولَ اللهِ ما بَقيَ مِنه شيءٌ، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: فدَنَوْتُ إليه فقُلْتُ: يا مُحمَّدُ، هلْ لك أن تَبيعَني تَمْرًا مَعْلومًا مِن حائِطِ بَني فُلانٍ إلى أجَلِ كَذا وكَذا، فقالَ: لا يا يَهودِيُّ ولكنِّي أَبيعُك تَمْرًا مَعْلومًا إلى أجَلِ كَذا وكَذا ولا تُسَمِّي حائِطَ بَني فُلانٍ، قُلْتُ: نَعمْ، فبايَعَني، فأَطْلَقْتُ هِمْياني فأَعْطَيْتُه ثَمانينَ مِثْقالًا مِن ذَهَبٍ في تَمْرٍ مَعْلومٍ إلى أجَلِ كَذا وكَذا، فأَعْطاها الرَّجُلَ وقالَ: أَعجِلْ، اعْدِلْ عليهم وأَعِنْهم بها، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: فلمَّا كانَ قَبْلَ مَحَلِّ الأجَلِ بيَوْمَينِ أو ثَلاثٍ خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومعَه أبو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ في نَفَرٍ مِن أصْحابِه، فلمَّا صلَّى على الجِنازةِ ودَنا مِن جِدارٍ ليَجلِسَ أَتَيْتُه فأَخَذْتُ بمَجامِعِ قَميصِه ورِدائِه ونَظَرْتُ إليه بوَجْهٍ غَليظٍ، فقُلْتُ له: أَلَا تَقْضيني يا مُحمَّدُ حَقِّي، فوَاللهِ ما عَلِمْتُكم بَني عَبْدِ المُطَّلِبِ لمُطْلٌ، ولقد كانَ لي بمُخالَطتِكم عِلمٌ، ونَظَرْتُ إلى عُمَرَ وإذا عَيْناه تَدورانِ في وَجْهِه كالفَلَكِ المُسْتديرِ، ثُمَّ رَماني ببَصَرِه فقالَ: يا عَدُوَّ اللهِ، أَتَقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما أَسمَعُ، وتَصنَعُ به ما أرى، فوَالَّذي بَعَثَه بالحَقِّ لولا ما أُحاذِرُ فَوْتَه لَضَرَبْتُ بسَيْفي رَأسَك، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَنظُرُ إلى عُمَرَ في سُكونٍ وتُؤَدةٍ وتَبَسُّمٍ، ثُمَّ قالَ: يا عُمَرُ، أنا وهو كُنَّا أَحوَجَ إلى غَيْرِ هذا؛ أن تَأمُرَني بحُسْنِ الأداءِ وتَأمُرَه بحُسْنِ اتِّباعِه، اذْهَبْ به يا عُمَرُ فأَعْطِه حَقَّه، وزِدْه عِشْرينَ صاعًا مِن تَمْرٍ مَكانَ ما رُعْتَه. قالَ زَيدٌ: فذَهَبَ بي عُمَرُ فأَعْطاني حَقِّي وزادَني عِشْرينَ صاعًا مِن تَمْرٍ، فقُلْتُ: ما هذه الزِّيادةُ يا عُمَرُ؟ قالَ: أمَرَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن أَزيدَك مَكانَ ما رُعْتُك، قالَ: وتَعرِفُني يا عُمَرُ، قالَ: لا، فما دَعاك أن فَعَلْتَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما فَعَلْتَ وقُلْتَ له ما قُلْتَ؟ قُلْتُ: يا عُمَرُ، لم يكنْ مِن عَلاماتِ النُّبُوَّةِ شيءٌ إلَّا وقدْ عَرَفْتُ في وَجْهِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ نَظَرْتُ إليه، إلَّا اثْنَتَينِ لم أَخْبَرْهما مِنه، يَسبِقُ حِلْمُه جَهْلَه، ولا يَزيدُه شِدَّةُ الجَهْلِ عليه إلَّا حِلْمًا، فقدْ اخْتُبِرَ بِهما، فأُشهِدُك يا عُمَرُ أنِّي قد رَضيْتُ باللهِ رَبًّا وبالإسْلامِ دينًا ومُحمَّدٍ نَبِيًّا، وأُشهِدُك أنَّ شَطْرَ مالي -فإنِّي أَكْثَرُها مالًا- صَدَقةٌ على أُمَّةِ مُحمَّدٍ، قالَ عُمَرُ: أو على بعضِهم؛ فإنَّك لا تَسَعُهم، قُلْتُ: أو على بعضِهم، فرَجَعَ عُمَرُ وزَيدٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ زَيدٌ: أَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأَشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبْدُه ورَسولُه، وآمَنَ به وصَدَّقَه وبايَعَه وشَهِدَ معَه مَشاهِدَ كَثيرةً ثُمَّ تُوفِّيَ في غَزْوةِ تَبوكٍ مُقبِلًا غَيْرَ مُدبِرٍ، رَحِمَ اللهُ زَيدًا»
إنَّ اللهَ تبارَك وتعالى لمَّا أراد هُدى زيدِ بنِ سَعْنةَ قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: إنَّه لم يبقَ مِن علاماتِ النُّبوَّةِ شيءٌ إلَّا وقد عرَفْتُها في وجهِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظَرْتُ إليه إلَّا أثنين لم أخبُرْهما منه: يسبِقُ حِلْمُه جهلَه ولا يزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلَّا حِلمًا فكُنْتُ أتلطَّفُ له لِأنْ أُخالِطَه فأعرِفَ حِلْمَه وجهلَه قال: فخرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الحُجُراتِ ومعه عليُّ بنُ أبي طالبٍ فأتاه رجلٌ على راحلتِه كالبدويِّ فقال: يا رسولَ اللهِ قريةُ بني فلانٍ قد أسلَموا ودخَلوا في الإسلامِ كُنْتُ أخبرته أنَّهم إنْ أسلَموا أتاهم الرِّزقُ رغدًا وقد أصابهم شدَّةٌ وقحطٌ مِن الغيثِ وأنا أخشى يا رسولَ اللهِ أنْ يخرُجوا مِن الإسلامِ طمَعًا كما دخَلوا فيه طمَعًا فإنْ رأَيْتَ أنْ تُرسِلَ إليهم مَن يُغيثُهم به فعَلْتَ قال: فنظَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى رجلٍ إلى جانبِه أراه عمرَ فقال: ما بقي منه شيءٌ يا رسولَ اللهِ قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: فدنَوْتُ إليه فقُلْتُ له: يا محمَّدُ هل لك أنْ تبيعَني تمرًا معلومًا مِن حائطِ بني فلانٍ إلى أجلِ كذا وكذا ؟ فقال: ( لا يا يهوديُّ ولكنْ أبيعُك تمرًا معلومًا إلى أجلِ كذا وكذا ولا أُسمِّي حائطَ بن فلانٍ ) قُلْتُ: نَعم فبايَعني صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأطلَقْتُ هِمياني فأعطَيْتُه ثمانينَ مثقالًا مِن ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا قال: فأعطاها الرَّجلَ وقال: ( اعجَلْ عليهم وأغِثْهم بها ) قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: فلمَّا كان قبْلَ محلِّ الأجلِ بيومينِ أو ثلاثةٍ خرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جِنازةِ رجلٍ مِن الأنصارِ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ ونفرٌ مِن أصحابِه فلمَّا صلَّى على الجِنازةِ دنا مِن جدارٍ فجلَس إليه فأخَذْتُ بمجامعِ قميصِه ونظَرْتُ إليه بوجهٍ غليظٍ ثمَّ قُلْتُ: ألا تقضيني يا محمَّدُ حقِّي ؟ فواللهِ ما علِمْتُكم بني عبدِ المطَّلبِ - بمُطلٍ ولقد كان لي بمُخالَطتِكم عِلمٌ قال: ونظَرْتُ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ وعيناه تدورانِ في وجهِه كالفلَكِ المستديرِ ثمَّ رماني ببصرِه وقال: أيْ عدوَّ اللهِ أتقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أسمَعُ وتفعَلُ به ما أرى ؟ فوالَّذي بعَثه بالحقِّ لولا ما أُحاذِرُ فَوْتَه لضرَبْتُ بسيفي هذا عنقَك ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينظُرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤدةٍ ثمَّ قال: ( إنَّا كنَّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منك يا عمرُ أنْ تأمُرَني بحُسنِ الأداءِ وتأمُرَه بحُسنِ التِّباعةِ اذهَبْ به يا عمرُ فاقضِه حقَّه وزِدْه عشرينَ صاعًا مِن غير مكانَ ما رُعْتَه ) قال زيدٌ: فذهَب بي عمرُ فقضاني حقِّي وزادني عشرينَ صاعًا مِن تمرٍ فقُلْتُ: ما هذه الزِّيادةُ ؟ قال: أمَرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ أزيدَك مكانَ ما رُعْتُك فقُلْتُ: أتعرِفُني يا عمرُ ؟ قال: لا، فمَن أنتَ ؟ قُلْتُ: أنا زيدُ بنُ سَعْنةَ قال: الحبرُ ؟ قُلْتُ: نَعم، الحبرُ، قال: فما دعاك أنْ تقولَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قُلْتَ وتفعَلَ به ما فعَلْتَ فقُلْتُ: يا عمرُ كلُّ علاماتِ النُّبوَّةِ قد عرَفْتُها في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظَرْتُ إليه إلَّا اثنتينِ لم أختبِرْهما منه: يسبِقُ حِلْمُه جهلَه ولا يزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلَّا حِلْمًا فقد اختبَرْتُهما فأُشهِدُك يا عمرُ أنِّي قد رضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نبيًّا وأُشهِدُك أنَّ شَطْرَ مالي - فإنِّي أكثرُها مالًا - صدقةٌ على أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال عمرُ أو على بعضِهم فإنَّك لا تسَعُهم كلَّهم قُلْتُ: أو على بعضِهم فرجَع عمرُ وزيدٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال زيدٌ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فآمَن به وصدَّقه وشهِد مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مشاهدَ كثيرةً ثمَّ توفِّي في غزوةِ تبوكَ مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ ) رحِم اللهُ زيدًا قال: فسمِعْتُ الوليدَ يقولُ: حدَّثني بهذا كلِّه محمَّدُ بنُ حمزةَ عن أبيه عن جدِّه عن عبدِ اللهِ بنِ سلَامٍ
حديثُ شُرَحْبيلَ بنِ سعدٍ، عن أبي رافعٍ؛ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال له: ناوِلْني الذِّراعَ، فناوَلْتُه إيَّاه فانتهَشَها حتَّى أتى عليها، فذكر حديثًا فيه علاماتُ النبُوَّةِ، وفي آخِرِه: ثمَّ صلَّى ولم يتوضَّأْ
قال زيدُ بنُ سعنةَ : ما من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُه في وجهِ محمدٍ حين نظرتُ إليه إلا خصلتيْنِ : يسبقُ حِلْمُه جهلَه ، ولا يزيدُه شدةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا … مبايعتُه النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّمَ التمرَ إلى أجلٍ ومقاضاتُه إياه عند استحقاقِه ، وفي آخرِه : فقال زيدُ بنُ سعنةَ : أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وآمنَ وصدَّقَ
حدَّثَني سَلمانُ الفارسيُّ، قال: كنتُ رَجُلًا فارسيًّا مِن أهل أصبَهانَ، مِن أهلِ قَريةٍ منها، يُقال لها: جَيُّ، وكان أبي دِهْقانَها، وكنتُ أحَبَّ خَلقِ اللهِ إليه، فلمْ يَزَلْ بي حُبُّه إيَّاي حتى حبَسَني في بَيْتِه كما تُحبَسُ الجاريةُ، فاجتهَدتُ في المَجوسيَّةِ، حتى كنتُ قاطِنَ النَّارِ الذي يُوقِدُها، لا يَترُكُها تَخبو ساعةً، وكانتْ لأبي ضَيعةٌ عَظيمةٌ، فشُغِلَ في بُنْيانٍ له يومًا، فقال لي: يا بُنَيَّ، إنِّي قد شُغِلتُ في بُنْياني هذا اليومَ عن ضَيعَتي، فاذهَبْ، فاطَّلِعْها. وأمَرَني ببَعضِ ما يُريدُ، فخرَجتُ، ثُمَّ قال: لا تَحتبِسْ علَيَّ؛ فإنَّكَ إنِ احتبَستَ علَيَّ كنتَ أهَمَّ إلَيَّ مِن ضَيعَتي، وشغَلتَني عن كلِّ شيءٍ مِن أمْري. فخرَجتُ أُريدُ ضَيعَتَه، فمرَرتُ بكَنيسةٍ مِن كَنائسِ النَّصارى، فسمِعتُ أصْواتَهم فيها وهم يُصلُّونَ -وكنتُ لا أدري ما أمْرُ النَّاسِ بحَبسِ أبي إيَّاي في بَيْتِه-، فلمَّا مرَرتُ بهم، وسمِعتُ أصْواتَهم، دخَلتُ إليهم أنظُرُ ما يَصنَعونَ، فلمَّا رَأيْتُهم، أعجَبَتْني صَلَواتُهم، ورغِبتُ في أمْرِهم، وقُلتُ: هذا -واللهِ- خيرٌ مِن الدِّينِ الذي نحن عليه. فواللهِ ما ترَكتُهم حتى غرَبَتِ الشَّمسُ، وترَكتُ ضَيعةَ أبي، ولم آتِها، فقُلتُ لهم: أين أصْلُ هذا الدِّينِ؟ قالوا: بالشَّامِ. قال: ثُمَّ رجَعتُ إلى أبي، وقد بعَثَ في طَلَبي، وشغَلتُه عن عَملِه كلِّه. فلمَّا جِئتُه، قال: أيْ بُنَيَّ، أين كنتَ؟ ألمْ أكُنْ عهِدتُ إليك ما عهِدتُ؟ قُلتُ: يا أبَةِ، مرَرتُ بناسٍ يُصلُّونَ في كَنيسةٍ لهم، فأعجَبَني ما رَأيْتُ مِن دِينِهم، فواللهِ ما زِلتُ عندَهم حتى غرَبَتِ الشَّمسُ. قال: أيْ بُنَيَّ، ليس في ذلك الدِّينِ خيرٌ، دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ خيرٌ منه. قُلتُ: كلا -واللهِ-! إنَّه لخَيرٌ مِن دِينِنا. قال: فخافني، فجعَلَ في رِجْلي قَيدًا، ثُمَّ حبَسَني في بَيْتِه. قال: وبعَثتُ إلى النَّصارى، فقُلتُ: إذا قدِمَ عليكم رَكبٌ مِن الشَّامِ، تُجَّارٌ مِن النَّصارى، فأخبِروني بهم. فقدِمَ عليهم رَكبٌ مِن الشَّامِ، قال: فأخبَروني بهم. فقُلتُ: إذا قضَوْا حَوائجَهم، وأرادوا الرَّجعةَ، فأخبِروني. قال: ففعَلوا، فألقَيتُ الحَديدَ مِن رِجْلي، ثُمَّ خرَجتُ معهم حتى قدِمتُ الشَّامَ، فلمَّا قدِمتُها، قُلتُ: مَن أفضَلُ أهلِ هذا الدِّينِ؟ قالوا: الأُسقُفُ في الكَنيسةِ. فجِئتُه، فقُلتُ: إنِّي قد رغِبتُ في هذا الدِّينِ، وأحبَبتُ أنْ أكونَ معك، أخدُمُكَ في كَنيستِكَ، وأتعلَّمُ منك، وأُصلِّي معك. قال: فادخُلْ. فدخَلتُ معه، فكان رَجُلَ سُوءٍ، يَأمُرُهم بالصَّدقةِ، ويُرغِّبُهم فيها، فإذا جمَعوا إليه منها شيئًا، اكتنَزَه لنَفْسِه، ولم يُعطِه المَساكينَ، حتى جمَعَ سَبعَ قِلالٍ مِن ذَهبٍ ووَرِقٍ، فأبغَضتُه بُغضًا شَديدًا لمَا رَأيْتُه يَصنَعُ، ثُمَّ مات، فاجتمَعَتْ إليه النَّصارى ليَدفِنوه، فقُلتُ لهم: إنَّ هذا رَجُلُ سُوءٍ، يَأمُرُكم بالصَّدقةِ، ويُرغِّبُكم فيها، فإذا جِئتُم بها كنَزَها لنَفْسِه، ولم يُعطِ المَساكينَ. وأرَيتُهم مَوضِعَ كَنزِه سَبعَ قِلالٍ مَملوءةٍ، فلمَّا رَأوْها قالوا: واللهِ لا نَدفِنُه أبدًا. فصَلَبوه، ثُمَّ رمَوْه بالحِجارةِ، ثُمَّ جاؤوا برَجُلٍ جعَلوه مَكانَه، فما رَأيْتُ رَجُلًا -يَعني لا يُصلِّي الخَمسَ- أُرى أنَّه أفضَلُ منه، أزهَدُ في الدُّنْيا، ولا أرغَبُ في الآخِرةِ، ولا أدْأبُ لَيلًا ونَهارًا، ما أعلَمُني أحبَبتُ شيئًا قَطُّ قبلَه حُبَّه، فلمْ أزَلْ معه حتى حضَرَتْه الوَفاةُ. فقُلتُ: يا فُلانُ، قد حضَرَكَ ما تَرى مِن أمْرِ اللهِ، وإنِّي -واللهِ- ما أحبَبتُ شيئًا قَطُّ حُبَّكَ، فماذا تَأمُرُني؟ وإلى مَن تُوصِيني؟ قال لي: يا بُنَيَّ، واللهِ ما أعلَمُه إلَّا رَجُلًا بالمَوصِلِ، فائْتِه؛ فإنَّكَ ستَجِدُه على مِثلِ حالي. فلمَّا مات وغُيِّبَ، لَحِقتُ بالمَوصِلِ، فأتَيتُ صاحِبَها، فوَجَدتُه على مِثلِ حالِه مِن الاجتهادِ والزُّهدِ، فقُلتُ له: إنَّ فُلانًا أوْصاني إليك أنْ آتيَكَ، وأكونَ معك. قال: فأقِمْ، أيْ بُنَيَّ. فأقَمتُ عندَه على مِثلِ أمْرِ صاحِبِه، حتى حضَرَتْه الوَفاةُ، فقُلتُ له: إنَّ فُلانًا أوْصى بي إليك، وقد حضَرَكَ مِن أمْرِ اللهِ ما تَرى، فإلى مَن تُوصي بي؟ وما تَأمُرُني به؟ قال: واللهِ ما أعلَمُ -أيْ بُنَيَّ- إلَّا رَجُلًا بنَصيبينَ. فلمَّا دفَنَّاه، لَحِقتُ بالآخَرِ، فأقَمتُ عندَه على مِثلِ حالِهم، حتى حضَرَه المَوتُ، فأوْصى بي إلى رَجُلٍ مِن أهلِ عَمُّوريَّةَ بالرُّومِ، فأتَيتُه، فوَجَدتُه على مِثلِ حالِهم، واكتسَبتُ حتى كان لي غُنَيمةٌ وبُقَيراتٌ. ثُمَّ احتُضِرَ، فكَلَّمتُه إلى مَن يُوصي بي؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعلَمُه بَقيَ أحدٌ على مِثلِ ما كنَّا عليه آمُرُكَ أنْ تَأتيَه، ولكنْ قد أظَلَّكَ زَمانُ نَبيٍّ يُبعَثُ مِن الحَرَمِ، مُهاجَرُه بيْنَ حَرَّتَينِ إلى أرضٍ سَبْخةٍ ذاتِ نَخلٍ، وإنَّ فيه عَلاماتٍ لا تَخفى: بيْنَ كَتِفَيه خاتَمُ النُّبوَّةِ، يَأكُلُ الهَديَّةَ، ولا يَأكُلُ الصَّدقةَ؛ فإنِ استطَعتَ أنْ تَخلُصَ إلى تلكَ البِلادِ، فافعَلْ؛ فإنَّه قد أظَلَّكَ زَمانُه. فلمَّا وارَيْناه، أقَمتُ حتى مَرَّ بي رِجالٌ مِن تُجَّارِ العَربِ مِن كَلبٍ، فقُلتُ لهم: تَحمِلوني إلى أرضِ العَربِ، وأُعطيكم غُنَيمَتي وبَقراتي هذه؟ قالوا: نعمْ. فأعطَيتُهم إيَّاها، وحمَلوني، حتى إذا جاؤوا بي وادي القُرى ظلَموني؛ فباعوني عَبدًا مِن رَجُلٍ يَهوديٍّ بوادي القُرى، فواللهِ لقد رَأيْتُ النَّخلَ، وطمِعتُ أنْ يَكونَ البَلدَ الذي نعَتَ لي صاحِبي! وما حَقَّتْ عِندي، حتى قدِمَ رَجُلٌ مِن بَني قُرَيظةَ وادي القُرى، فابتاعَني مِن صاحِبي، فخرَجَ بي حتى قدِمْنا المدينةَ، فواللهِ ما هو إلَّا أنْ رَأيْتُها، فعرَفتُ نَعْتَها. فأقَمتُ في رِقِّي، وبعَثَ اللهُ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمكَّةَ، لا يُذكَرُ لي شيءٌ مِن أمْرِه، مع ما أنا فيه مِن الرِّقِّ، حتى قدِمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قُباءً، وأنا أعمَلُ لصاحِبي في نخلةٍ له، فواللهِ إنِّي لَفِيها إذ جاءه ابنُ عَمٍّ له، فقال: يا فُلانُ، قاتَلَ اللهُ بَني قَيلةَ، واللهِ إنَّهم الآن لفي قُباءٍ مُجتمِعونَ على رَجُلٍ جاء مِن مكَّةَ، يَزعُمونَ أنَّه نَبيٌّ. فواللهِ ما هو إلَّا أنْ سمِعتُها، فأخَذَتْني العُرَواءُ -يقولُ: الرِّعْدةُ- حتى ظنَنتُ لأسقُطَنَّ على صاحِبي، ونزَلتُ أقولُ: ما هذا الخَبرُ؟ فرفَعَ مَولايَ يَدَه، فلكَمَني لَكمةً شَديدةً، وقال: ما لك ولهذا، أقبِلْ على عَملِكَ. فقُلتُ: لا شيءَ، إنَّما سمِعتُ خَبرًا، فأحبَبتُ أنْ أعلَمَه. فلمَّا أمسَيتُ، وكان عِندي شيءٌ مِن طَعامٍ، فحمَلتُه وذهَبتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو بقُباءٍ، فقُلتُ له: بلَغَني أنَّكَ رَجُلٌ صالحٌ، وأنَّ معك أصحابًا لك غُرَباءَ، وقد كان عِندي شيءٌ مِن الصَّدقةِ، فرَأيْتُكم أحَقَّ مَن بهذه البِلادِ، فهاكَ هذا، فكُلْ منه. قال: فأمسَكَ، وقال لأصحابِه: كُلوا. فقُلتُ في نَفْسي: هذه خَلَّةٌ ممَّا وصَفَ لي صاحِبي. ثُمَّ رجَعتُ، وتَحوَّلَ رسولُ اللهِ إلى المدينةِ، فجمَعتُ شيئًا كان عِندي، ثُمَّ جِئتُه به، فقُلتُ: إنِّي قد رَأيْتُكَ لا تَأكُلُ الصَّدقةَ، وهذه هَديَّةٌ. فأكَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأكَلَ أصحابُه، فقُلتُ: هذه خَلَّتانِ. ثُمَّ جِئتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يَتبَعُ جِنازةً، وعلَيَّ شَملَتانِ لي، وهو في أصحابِه، فاستدَرتُ أنظُرُ إلى ظَهرِه، هل أرى الخاتَمَ الذي وَصَفَ؟ فلمَّا رَآني استَدبَرتُه، عرَفَ أنِّي أستَثبِتُ في شيءٍ وُصِفَ لي، فألقى رِداءَه عن ظَهرِه، فنظَرتُ إلى الخاتَمِ، فعرَفتُه؛ فانكَبَبتُ عليه أُقبِّلُه وأبكي!! فقال لي: تَحوَّلْ. فتَحوَّلتُ، فقَصَصتُ عليه حَديثي كما حدَّثتُكَ يا ابنَ عَبَّاسٍ، فأعجَبَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَسمَعَ ذلك أصحابُه. ثُمَّ شغَلَ سَلمانَ الرِّقُّ حتى فاته مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَدرٌ وأُحُدٌ. ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: كاتِبْ يا سَلمانُ. فكاتَبتُ صاحِبي على ثَلاثِ مِئةِ نَخلةٍ، أُحييها له بالفَقيرِ وأربعينَ أُوقيَّةً. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَعينوا أخاكم. فأعانوني بالنَّخلِ؛ الرَّجُلُ بثَلاثينَ وَدِيَّةً، والرَّجُلُ بعِشرينَ، والرَّجُلُ بخَمسَ عَشْرةَ، حتى اجتمَعَتْ ثَلاثُ مِئةِ وَدِيَّةٍ. فقال: اذهَبْ يا سَلمانُ، ففَقِّرْ لها، فإذا فرَغتَ فائْتِني أكونُ أنا أضَعُها بيَدي. ففَقَّرتُ لها، وأعانَني أصحابي، حتى إذا فرَغتُ منها، جِئتُه وأخبَرتُه، فخرَجَ معي إليها نُقرِّبُ له الوَدِيَّ، ويَضَعُه بيَدِه، فوالذي نَفْسُ سَلمانَ بيَدِه، ما ماتتْ منها وَدِيَّةٌ واحدةٌ. فأدَّيتُ النَّخلَ، وبَقيَ علَيَّ المالُ، فأُتيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمِثلِ بَيضةِ دَجاجةٍ مِن ذَهبٍ مِن بَعضِ المَغازي. فقال: ما فعَلَ الفارسيُّ المُكاتَبُ؟ فدُعِيتُ له، فقال: خُذْها، فأدِّ بها ما عليك. قُلتُ: وأين تَقَعُ هذه يا رسولَ اللهِ ممَّا علَيَّ؟ قال: خُذْها؛ فإنَّ اللهَ سيُؤَدِّي بها عنك. فأخَذتُها، فوَزَنتُ لهم منها أربعينَ أُوقيَّةً، وأوْفَيتُهم حَقَّهم، وعُتِقتُ، فشهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الخَندَقَ حُرًّا، ثُمَّ لم يَفُتْني معه مَشهَدٌ
خرجْتُ أبْتَغِي الدِّينَ فوقَعْتُ في الرهبانِ بقايا أهلِ الكتابِ قال اللهُ عزَّ وجلَّ يَعِرفونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ فَكانوا يقولونَ هذا زمانُ نبيٍّ قدْ أطَلَّ يخرجُ من أرضِ العربِ لَهُ علاماتٌ من ذلِكَ شامَةٌ مُدَوَّرَةٌ بينَ كَتِفَيْهِ خاتَمُ النبوةِّ فلحِقْتُ بأرضِ العربِ وخرجَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرأَيْتُ ما قالوا كُلَّهُ ورأيتُ الخاتَمَ فشهِدتُّ أن لَّا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ
كنْتُ رجلًا فارسيًّا مِن أهلِ أصْبَهانَ مِن قريةٍ منها يُقال لها جَيُّ وكان أبي دِهْقانَ قريتِه وكنْتُ أحبَّ خَلْقِ اللهِ إليه فلم يزَلْ به حُبُّه إيَّاي حتَّى حبَسَني في بيتٍ كما تُحْبَسُ الجاريةُ واجتهَدْتُ في المَجوسيَّةِ حتَّى كنْتُ قَطِنَ النَّارِ يوقِدُها لا أترُكُها تخبو ساعةً قال فكانت لأبي ضَيعةٌ عظيمةٌ قال فشُغِلَ في بُنيانٍ له يومًا فقال لي يا بُنَيَّ قد شُغِلْتُ في بُنياني هذا اليومَ عن ضَيعتي فاذهَبْ فاطِّلِعْها وأمَرَني فيها ببعضِ ما يُريدُ فخرَجْتُ أُريدُ ضَيعتَه فمرَرْتُ بكنيسةٍ مِن كنائسِ النَّصارى فسمِعْتُ أصواتَهم فيها وهم يُصَلُّون وكنْتُ لا أدري ما أمْرُ النَّاس بحَبْسِ أبي إيَّاي في بيتِه فلمَّا مرَرْتُ بهم وسمِعْتُ أصواتَهم دخَلْتُ عليهم أنظُرُ ماذا يصنَعون فلمَّا رأيْتُهم أعجَبَتْني صلاتُهم ورغِبْتُ في أمرِهم وقلْتُ هذا واللهِ خيرٌ مِنَ الدِّينِ الَّذي نحن عليه فواللهِ ما ترَكْتُهم حتَّى غرَبَتِ الشَّمسُ وترَكْتُ ضَيعةَ أبي ولم آتِها فقلْتُ لهم أين أصلُ هذا الدِّينِ قالوا بالشَّامِ قال ثمَّ رجَعْتُ إلى أبي وقد بعَث في طَلَبي وقد شغَلْتُه عن عملِه كلِّه قال فلمَّا جِئْتُه قال أَيْ بُنَيَّ [ أين كنْتَ ألم أكُنْ عهِدْتُ إليك ما عهِدْتُ قلْتُ يا أبتي مرَرْتُ بناسٍ يُصَلُّون في كَنيسةٍ لهم فأعجَبَني ما رأيْتُ مِن دينِهم فواللهِ ما زِلْتُ عندَهم حتَّى غرَبَتِ الشَّمسُ قال أَيْ بُنَيَّ ] ليس في ذلك الدِّينِ خيرٌ دينُك ودينُ آبائِك خيرٌ منه قال قلْتُ كلَّا واللهِ إنَّه لخيرٌ مِن دينِنا قال فخافني فجعَل في رِجْلي قَيدًا ثمَّ حبَسَني في بيتِه قال وبعَثْتُ إلى النَّصارى وقلْتُ لهم إذا قدِم عليهم مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصارى فأخْبِروني بهم [ فأقبَل عليهم رَكْبُ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصارى فأخبَروني ] قال فقلْتُ إذا قضَوا حوائجَهم وأرادوا الرَّجْعةَ إلى بلادِهم فآذِنوني بهم قال فلمَّا أرادوا الرَّجْعةَ إلى بلادِهم ألقَيتُ الحَديدَ مِن رِجْلي ثمَّ خرَجْتُ معهم حتَّى الشَّامِ فلمَّا قدِمْتُها قلْتُ مَن أفضلُ أهلِ هذا الدِّينِ قالوا الأُسْقُفُّ في الكَنيسةِ قال فجِئْتُه فقلْتُ إنِّي قد رغِبْتُ في هذا الدِّينِ وأحبَبْتُ أن أكونَ معك في كَنيستِك أخدُمُك في كَنيستِك وأتعلَّمُ منك وأُصَلِّي معك قال ادخُلْ فدخَلْتُ معه قال فكان رجلَ سَوءٍ يأمُرُهم بالصَّدقةِ ويُرَغِّبُهم فيها فإذا جمَعوا فيها شيئًا اكتَنَزه لنفسِه ولم يُعْطِ المساكينَ حتَّى جمَع سبْعَ قِلالٍ مِن ذهبٍ ووَرِقٍ قال وأبغَضْتُه بُغْضًا شديدًا لِما رأيْتُه يصنَعُ ثمَّ مات فاجتمَعَتْ إليه النَّصارى ليَدْفِنوه فقلْتُ لهم إنَّ هذا كان رجلَ سَوءٍ يأمُرُكم بالصَّدقةِ ويُرَغِّبُكم فيها فإذا جمَعْتُم له منها أشياءَ جِئْتُموه بها اكتَنَزها لنفسِه ولم يُعْطِ المساكينَ منها شيئًا قالوا وما عِلْمُك بذلك قلْتُ أنا أدُلُّكم على كَنزِه قالوا فدُلَّنا عليه قال فأرَيْتُهم موضِعَه فاستخرَجوا منه سبْعَ قِلالٍ مملوءةٍ ذَهَبًا ووَرِقًا فلمَّا رأَوْها قالوا واللهِ لا ندْفِنُه أبدًا قال فصلَبوه ثمَّ رجَموه بالحِجارةِ ثمَّ جاءوا برجلٍ آخَر فجعَلوه بمكانِه قال يقولُ سَلْمانُ قلَّما رأيْتُ رجلًا يُصَلِّي الخَمْسَ أرى أنَّه أفضلُ منه ولا أزهَدُ في الدُّنيا ولا أرغَبُ في الآخرةِ ولا أدْأَبُ ليلًا ونهارًا منه قال فأحبَبْتُه حُبًّا لم أُحِبَّه مِن قَبلِه فأقَمْتُ معه زمانًا ثمَّ حضَرَتْه الوفاةُ فقلْتُ له يا فلانُ إنِّي كنْتُ معك وأحبَبْتُك حُبًّا لم أُحِبَّه أحدًا قَبلَك وقد حضَرَك ما ترى مِن أمْرِ اللهِ فإلى مَن تُوصِي بي وما تأمُرُني قال أَيْ بُنَيَّ واللهِ ما أعلمُ أحدًا اليومَ على ما كنْتُ عليه لقد هلَك النَّاس وبدَّلوا وترَكوا أكثرَ ما كانوا عليه إلَّا رجُلٌ بالمَوصِلِ وهو فلانٌ فهو على ما كنْتُ عليه فالْحَقْ به قال فلمَّا مات وغُيِّبَ لَحِقْتُ بصاحبِ المَوصِلِ فقلْتُ له يا فلانُ إنَّ فلانًا أوصاني عندَ موتِه [ أن ألْحَقَ بك وأخبَرَني أنَّك على مِثلِ أمْرِه قال فقال أقِمْ عندي ] فأقَمْتُ عندَه فوجَدْتُه خيرَ رجلٍ فلم يلبَثْ أن مات فلمَّا حضَرَتْه الوفاةُ قلْتُ له يا فلانُ إنَّ فلانًا أوصاني إليك وقد أمَرني باللُّحوقِ بك وقد حضَرَك مِن أمْرِ اللهِ ما ترى فإلى مَن تُوصِي بي وما تأمُرُني قال أَيْ بُنَيَّ واللهِ ما أعلمُ رجلًا على مِثلِ ما كنَّا عليه إلَّا رجلًا بِنَصِيبِينَ فجِئْتُه فأخبَرْتُه خبري وما أمَرَني به صاحبي قال أقِمْ عندي فوجَدْتُه على أمرِ صاحِبَيه فأقَمْتُ مع خيرِ رجلٍ فواللهِ ما لبِث أن نزَل به الموتُ فلمَّا حُضِرَ قلْتُ يا فلانُ إنَّ فلانًا كان أوصى بي إلى فلانٍ ثمَّ أوصى بي فلانٌ إليك فإلى مَن تُوصِي بي وما تأمُرُني قال أَيْ بُنَيَّ واللهِ ما أعلَمُ أحَدًا بقِي على أمرِنا آمرُك أن تأتيَه إلَّا رجلًا بِعَمُّورِيَّةَ فإنَّه على مِثلِ ما نحن عليه فإنْ أحبَبْتَ فائتِه فإنَّه على مِثلِ أمْرِنا قال فلمَّا مات وغُيِّبَ لَحِقْتُ بصاحبِ عَمُّورِيَّةَ فأخبَرْتُه خبري فقال أقِمْ عندي فأقَمْتُ مع رجلٍ على أمرِ أصحابِه وهَدْيِهم واكتسَبْتُ حتَّى صارت لي بُقَيراتٌ وغُنَيمةٌ قال ثمَّ نزَل به أمرُ اللهِ عزَّ وجلَّ قال فلمَّا حُضِرَ قلْتُ له يا فلانُ إنِّي كنْتُ مع فلانٍ وإنَّه أوصى بي إلى فلانٍ وأوصى [ إلى فلانٍ وأوصى إلى فلانٍ وأوصاني فلانٌ ] إلى فلانٍ وأوصى فلانٌ إليك فإلى مَن تُوصِي بي وما تأمُرُني قال فإنَّني واللهِ ما أعلمُ أحدًا على ما كُنَّا عليه مِنَ النَّاسِ آمُرُك أن تأتيَه ولكِنْ قد أظلَّك زمانُ نبِيٍّ هو مبعوثٌ بدينِ إبراهيمَ يخرُجُ بأرضِ العربِ مُهاجَرُه إلى أرضٍ بين حَرَّتَينِ بينَهما نَخْلٌ به علاماتٌ لا تخفى يأكُلُ الهديَّةَ ولا يأكُلُ الصَّدقةَ بينَ كَتِفَيه خاتَمُ النُّبوَّةِ فإنِ استَطَعْتَ أن تلْحَقَ بتلك البلادِ فافْعَلْ قال ثمَّ مات وغُيِّبَ فمكَثْتُ بعَمُّورِيَّةَ ما شاء اللهُ أن أمكُثَ ثمَّ مرَّ بي نَفَرٌ مِن كَلْبٍ تُجَّارٌ فقلْتُ لهم تحمِلوني إلى أرضِ العربِ وأعطيكم بُقَيراتي هذه وغُنَيمَتي هذه فقالوا نعم فأعطيتُموها فحمَلوني حتَّى إذا قدِموا بي واديَ القُرى ظلَموني فباعوني مِن رجلٍ مِن يهودَ وكنْتُ عندَه ورأيْتُ النَّخلَ ورجَوْتُ أن يكونَ البلدَ الَّذي وصَف لي صاحبي ولم يَخْفَ في نفسي فبينا أنا عندَه قدِم عليه ابنُ عمٍّ له مِنَ المدينةِ مِن بني قُرَيظةَ فابتاعني منه فحمَلَني إلى المدينةِ فواللهِ ما هو إلَّا أنْ رأيْتُها فعرَفْتُها بصِفةِ صاحبي فأقَمْتُ بها وبعَث اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأقام بمكَّةَ لا أسمَعُ له بذِكْرٍ مع ما أنا فيه مِن شُغْلِ الرِّقِّ ثمَّ هاجر إلى المدينةِ فواللهِ إنِّي لَفي رأسِ عَذْقٍ لسيِّدي أعمَلُ معه بعضَ العملِ وسيِّدي جالسٌ إذ أقبَل ابنُ عمٍّ له حتَّى وقَف عليه فقال فلانٌ قاتَل اللهُ بني قَيلةَ واللهِ إنَّهم الآن مُجتَمِعون عندَ رجلٍ قدِم مِن مكَّةَ اليومَ يزعُمُ أنَّه نبيٌّ قال فلمَّا سمِعْتُها أخَذَتْني العُرَواءُ حتَّى ظنَنْتُ سأسقُطُ على سيِّدي قال ونزَلْتُ عنِ النَّخلةِ وجعَلْتُ أقولُ لابنِ عمِّه ماذا تقولُ ماذا تقولُ فغضِب سيِّدي فلكَمَني لَكْمةً شديدةً ثمَّ قال ما لك ولهذا أقبِلْ على عَمَلِك قال قلْتُ لا شيءَ إنَّما أرَدْتُ أن أستثْبِتَه عمَّا قال وكان عندي شيءٌ قد جمَعْتُه فلمَّا أمسيتُ أخَذْتُه ثمَّ ذهَبْتُ به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو بقُباءَ فدخَلْتُ عليه فقلْتُ له إنَّه بلَغَني أنَّك رجلٌ صالحٌ ومعك أصحابٌ لك عُرياءُ ذو حاجةٍ وهذا شيءٌ كان عندي للصَّدقةِ فرأيْتُكم أحَقَّ به مِن غيرِكم فقرَّبْتُه إليه فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه كُلوا وأمسَك يدَه فلم يأكُلْ قال فقلْتُ في نفسي هذه واحدةٌ ثمَّ انصرَفْتُ عنه فجمَعْتُ شيئًا وتحوَّل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ ثمَّ جِئْتُه فقلْتُ إنِّي رأيْتُك لا تأكُلُ الصَّدقةَ وهذه هدِيَّةٌ أكرَمْتُك بها قال فأكَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم منها وأمَر أصحابَه فأكَلوا معه قال فقلْتُ في نفسي هذه اثنتانِ قال ثُمَّ جِئْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو ببَقيعِ الغَرْقَدِ وقد تبِع جِنازةً مِن أصحابِه عليه شَمْلَتانِ له وهو جالسٌ في أصحابِه فسلَّمْتُ عليه ثمَّ استَدَرْتُ أنظُرُ إلى ظَهرِه هل أرى الخاتَمَ الَّذي وصَف لي صاحبي فلمَّا رآني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استدْبَرْتُه عرَف أنِّي أستثبِتُ في شيءٍ قد وُصِفَ لي قال فألقى رِداءَه عن ظَهرِه فنظَرْتُ إلى الخاتَمِ وعرَفْتُه فانكبَبْتُ عليه أُقَبِّلُه وأبكي فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تحوَّلْ فتحوَّلْتُ فقصَصْتُ عليه حديثي كما حدَّثْتُك يا ابنَ عبَّاس فأَعْجَبَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يسمَعَ ذلك أصحابُه وشغَل سَلْمانَ الرِّقُّ حتَّى فاته مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَدْرٌ وأُحُدٌ قال ثمَّ قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كاتِبْ يا سَلْمانُ فكاتَبْتُ صاحبي على ثلاثِمئةِ نخلةٍ أُحْييها له بالعَفيرِ وبأربعين أوقِيَّةً فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه أعينوا أخاكم فأعانوني بالنَّخلِ الرَّجلُ بثلاثين وَدِيَّةً والرَّجلُ بعشرين وَدِيَّةً والرَّجلُ بخمسَ عشْرةَ وَدِيَّةً والرَّجلُ بعَشرٍ يُعينُ الرَّجلُ بقَدْرِ ما عندَه حتَّى إذا اجتمَعَتْ لي ثلاثُمائةِ وَدِيَّةٍ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اذهَبْ يا سَلْمانُ فعَفِّرْ لها فإذا فرَغْتَ فائْتِني فأكونُ أنا أضَعُها بيدَيَّ قال فعفَّرْتُ لها وأعانني أصحابي حتَّى إذا فرَغْتُ منها جِئْتُه فأخبَرْتُه فخرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معي إليها فجعَلْنا نُقَرِّبُ إليه الوَدِيَّ ويضَعُه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيدِه فوالَّذي نفسُ سَلْمانَ بيدِه ما مات منها وَدِيَّةٌ واحدةٌ فأدَّيْتُ النَّخلَ وبقِي عليَّ المالُ فأُتِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمِثلِ بَيضةِ دجاجةٍ مِن ذَهَبٍ مِن بعضِ المَعادنِ فقال ما فعَل الفارسيُّ المُكاتَبُ قال فدُعيتُ له فقال خُذْ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سَلْمانُ قال قلْتُ وأين تقَعُ هذه يا رسولَ اللهِ ممَّا عليَّ قال خُذْها فإنَّ اللهَ سيؤدِّي ما عليك قال فأخَذْتُها فوَزَنْتُ لهم منها والَّذي نفسُ سَلْمانَ بيدِه أربعين أوقيَّةً فأوفَيْتُهم حقَّهم وعَتَقْتُ فشهِدْتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الخَنْدَقَ ثمَّ لم يفُتْني معه مَشهَدٌ وفي روايةٍ عَن سَلْمانَ قال لمَّا قلْتُ وأين تقَعُ هذه مِنَ الَّذي عليَّ يا رسولَ اللهِ أخَذَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقلَّبَها على لسانِه ثمَّ قال خُذْها فأوْفِهم منها حقَّهم كُلِّه أربعين أوقيَّةً
قصةُ إسلامِ سلمانَ [يعني حديث: عن عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، قال: حدَّثَني سَلْمانُ الفارِسيُّ حَديثَه مِن فيه، قال: كُنتُ رَجُلًا فارسِيًّا مِن أهْلِ أصْبَهانَ مِن أهْلِ قَرْيةٍ منها يُقالُ لها جَيُّ، وكان أبي دِهْقانَ قَرْيَتِه، وكُنتُ أحَبَّ خَلقِ اللهِ إليه، فلم يَزَلْ به حُبُّه إيَّايَ حتى حَبَسَني في بَيتِه كما تُحبَسُ الجاريةُ، واجتَهَدْتُ في المَجوسيَّةِ حتى كُنتُ قَطِنَ النارِ الذي يُوقِدُها لا يَترُكُها تَخْبو ساعةً، قال: وكانَتْ لأبي ضَيْعةٌ عَظيمةٌ، قال: فشُغِلَ في بُنْيانٍ له يَومًا، فقال لي: يا بُنَيَّ، إنِّي قد شُغِلْتُ في بُنْيانٍ هذا اليومَ عن ضَيْعَتي، فاذْهَبْ فاطَّلِعْها، وأمَرَني فيها ببَعْضِ ما يُريدُ، فخَرَجْتُ أُريدُ ضَيْعَتَه، فمَرَرْتُ بكَنيسةٍ مِن كَنائِسِ النَّصارى، فسَمِعتُ أصْواتَهُم فيها وهُم يُصَلُّون، وكُنتُ لا أدْري ما أمْرُ الناسِ لِحَبْسِ أبي إيَّايَ في بَيتِه، فلمَّا مَرَرتُ بهِم، وسَمِعتُ أصْواتَهم، دَخَلتُ عليهم أنظُرُ ما يَصنَعون، قال: فلمَّا رَأيتُهُم أعْجَبَني صَلاتُهُم، ورَغِبتُ في أمْرِهِم، وقُلتُ: هذا -واللهِ- خَيرٌ مِن الدِّينِ الذي نَحنُ عليه، فواللهِ ما تَرَكْتُهم حتى غَرَبَتِ الشمسُ، وتَرَكْتُ ضَيْعةَ أبي ولم آتِها، فقُلتُ لهُم: أين أصْلُ هذا الدِّينِ؟ قالوا: بالشَّامِ قال: ثُمَّ رَجَعتُ إلى أبي، وقد بَعَثَ في طَلَبي وشَغَلْتُه عن عَمَلِه كلِّه، قال: فلمَّا جِئْتُه، قال: أيْ بُنَيَّ، أين كُنتَ؟ ألم أكُنْ عَهِدتُ إليكَ ما عَهِدتُ؟ قال: قلتُ: يا أبَتِ، مَرَرتُ بناسٍ يُصَلُّون في كَنيسةٍ لهُم فأعْجَبَني ما رَأيتُ مِن دِينِهِم، فواللهِ ما زِلتُ عِندَهُم حتى غَرَبَتِ الشمسُ، قال: أيْ بُنَيَّ، ليس في ذلك الدِّينِ خَيرٌ، دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ خَيرٌ منه! قال: قلتُ: كلَّا واللهِ إنَّه لخَيرٌ مِن دِينِنا، قال: فخافَني، فجَعَلَ في رِجْلي قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَني في بَيتِه، قال: وبَعَثتُ إلى النَّصارى فقُلتُ لهم: إذا قَدِمَ عليكم رَكْبٌ مِن الشَّامِ تُجَّارٌ مِن النَّصارى فأخْبِروني بهم، قال: فقَدِمَ عليهم رَكْبٌ مِن الشَّامِ تُجَّارٌ مِن النَّصارى، قال: فأخْبَروني بهم، قال: فقُلتُ لهُم: إذا قَضَوْا حَوائِجَهُم وأرادوا الرَّجْعةَ إلى بِلادِهِم فآذَنوني بهِم، قال: فلمَّا أرادوا الرَّجْعةَ إلى بِلادِهم أخْبَروني بهم، فألْقَيتُ الحَديدَ مِن رِجْلي، ثُمَّ خَرَجتُ معهم حتى قَدِمتُ الشَّامَ، فلمَّا قَدِمتُها، قُلتُ: مَن أفْضَلُ أهْلِ هذا الدِّينِ؟ قالوا: الأُسْقُفُّ في الكَنيسةِ، قال: فجِئْتُه، فقُلتُ: إنِّي قد رَغِبتُ في هذا الدِّينِ، وأحْبَبتُ أنْ أكونَ معَكَ أخْدِمُكَ في كَنيسَتِكَ، وأتَعَلَّمُ منكَ وأُصَلِّي معَكَ، قال: فادْخُلْ فدَخَلتُ معَه، قال: فكان رَجُلَ سُوءٍ؛ يَأمُرُهم بالصَّدَقةِ ويُرَغِّبُهم فيها، فإذا جَمَعوا إليه منها أشْياءَ، اكْتَنَزَه لنَفْسِه، ولم يُعْطِه المَساكينَ، حتى جَمَعَ سَبعَ قِلالٍ مِن ذَهَبٍ ووَرِقٍ، قال: وأبغَضْتُه بُغْضًا شَديدًا لِما رَأيتُه يَصنَعُ، ثُمَّ ماتَ، فاجتَمَعَتْ إليه النَّصارى لِيَدْفِنوه، فقُلتُ لهم: إنَّ هذا كان رَجُلَ سُوءٍ؛ يَأمُرُكم بالصَّدَقةِ ويُرَغِّبُكُم فيها، فإذا جِئْتُموه بها اكْتَنَزَها لنَفْسِه، ولم يُعْطِ المَساكينَ منها شَيئًا، قالوا: وما عِلْمُكَ بذلك؟ قال: قلتُ أنا أدُلُّكُم على كَنْزِه، قالوا: فدُلَّنا عليه، قال: فأرَيتُهُم مَوضِعَه، قال: فاسْتَخْرَجوا منه سَبْعَ قِلالٍ مَمْلوءةً ذَهَبًا ووَرِقًا، قال: فلمَّا رَأوْها قالوا: واللهِ لا نَدْفِنُه أبَدًا فصَلَبوه، ثُمَّ رَجَموه بالحِجارةِ، ثُمَّ جاؤوا برَجُلٍ آخَرَ، فجَعَلوه بمَكانِه، قال: يَقولُ سَلْمانُ: فما رَأيتُ رَجُلًا لا يُصلِّي الخَمْسَ، أرى أنَّه أفْضَلُ منه، أزْهَدُ في الدُّنْيا، ولا أرْغَبُ في الآخِرةِ، ولا أدْأبُ ليلًا ونَهارًا منه، قال: فأحبَبْتُه حُبًّا لم أُحِبَّه مَن قَبْلَه، فأقَمْتُ معَه زَمانًا، ثُمَّ حَضَرَتْه الوَفاةُ، فقُلتُ له: يا فُلانُ، إنِّي كُنتُ معَكَ وأحْبَبْتُكَ حُبًّا لم أُحِبَّه مَن قَبْلَكَ، وقد حَضَرَكَ ما تَرى مِن أمْرِ اللهِ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُ أحَدًا اليومَ على ما كُنتُ عليه، لقد هَلَكَ الناسُ وبَدَّلوا وتَرَكوا أكثَرَ ما كانوا عليه، إلَّا رَجُلًا بالمَوْصِلِ، وهو فُلانٌ، فهو على ما كُنتُ عليه، فالْحَقْ به، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ، لَحِقتُ بصاحِبِ المَوْصِلِ فقُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا أوْصاني عِندَ مَوتِه أنْ ألْحَقَ بكَ، وأخْبَرَني أنَّكَ على أمْرِه، قال: فقال لي: أقِمْ عِندي فأقَمتُ عِندَه، فوَجَدْتُه خَيرَ رَجُلٍ على أمْرِ صاحِبِه، فلم يَلبَثْ أنْ ماتَ، فلمَّا حَضَرَتْه الوَفاةُ، قُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا أوْصى بي إليكَ، وأمَرَني باللُّحوقِ بكَ، وقد حَضَرَكَ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ ما تَرى، فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُ رَجُلًا على مِثْلِ ما كُنَّا عليه إلَّا بِنَصِيبينَ، وهو فُلانٌ، فالْحَقْ به، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ لَحِقتُ بصاحِبِ نَصِيبينَ، فجِئْتُه فأخبَرْتُه خَبَري، وما أمَرَني به صاحِبي، قال: فأقِمْ عِندي، فأقَمْتُ عِندَه، فوَجَدْتُه على أمْرِ صاحِبَيْه، فأقَمْتُ مع خَيرِ رَجُلٍ، فواللهِ ما لَبِثَ أنْ نَزَلَ به الموتُ، فلمَّا حَضَرَ، قُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا كان أوْصى بي إلى فُلانٍ، ثُمَّ أوْصى بي فُلانٌ إليكَ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما نَعلَمُ أحَدًا بَقِيَ على أمْرِنا آمُرُكَ أنْ تَأتيَه إلَّا رَجُلًا بِعَمُّوريَّةَ؛ فإنَّه على مِثْلِ ما نَحنُ عليه، فإنْ أحْبَبْتَ فأْتِه، قال: فإنَّه على أمْرِنا، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ لَحِقتُ بصاحِبِ عَمُّوريَّةَ، وأخْبَرْتُه خَبَري، فقال: أقِمْ عِندي، فأقَمْتُ مع رَجُلٍ على هَدْيِ أصحابِه وأمْرِهِم، قال: واكتَسَبْتُ حتى كان لي بَقَراتٌ وغُنَيْمةٌ، قال: ثُمَّ نَزَلَ به أمْرُ اللهِ، فلمَّا حُضِرَ قُلتُ له: يا فُلانُ، إنِّي كُنتُ مع فُلانٍ، فأوْصى بي فُلانٌ إلى فُلانٍ، وأوْصى بي فُلانٌ إلى فُلانٍ، ثُمَّ أوْصى بي فُلانٌ إليكَ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تأْمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُه أصْبَحَ على ما كُنَّا عليه أحَدٌ مِن الناسِ آمُرُكَ أنْ تَأتيَه، ولكنَّه قد أظَلَّكَ زَمانُ نَبيٍّ هو مَبْعوثٌ بدِينِ إبْراهيمَ يَخرُجُ بأرْضِ العَرَبِ، مُهاجِرًا إلى أرضٍ بَينَ حرَّتَينِ بَينَهُما نَخْلٌ، به عَلاماتٌ لا تَخْفى: يَأكُلُ الهَديَّةَ ولا يَأكُلُ الصَّدَقةَ، بَينَ كَتِفَيْه خاتَمُ النُّبوَّةِ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَلحَقَ بتلك البِلادِ فافْعَلْ، قال: ثُمَّ ماتَ وغُيِّبَ، فمَكَثْتُ بِعَمُّوريَّةَ ما شاءَ اللهُ أنْ أمكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بي نَفَرٌ مِن كَلْبٍ تُجَّارًا، فقُلتُ لهُم: تَحمِلوني إلى أرضِ العَرَبِ، وأُعْطيكُم بَقَراتي هذه وغُنَيْمَتي هذه؟ قالوا: نَعَمْ، فأعطَيْتُهُموها وحَمَلوني، حتى إذا قَدِموا بي واديَ القُرى ظَلَموني فباعوني مِن رَجُلٍ مِن يَهودَ عَبدًا، فكُنتُ عِندَه، ورَأيتُ النَّخلَ، ورَجَوْتُ أنْ تكونَ البَلَدَ الذي وَصَفَ لي صاحِبي، ولم يَحِقْ لي في نَفْسي، فبَينَما أنا عِندَه، قَدِمَ عليه ابنُ عَمٍّ له مِن المَدينةِ مِن بَني قُرَيْظةَ فابْتاعَني منه، فاحْتَمَلَني إلى المَدينةِ، فواللهِ ما هو إلَّا أنْ رَأيْتُها فعَرَفْتُها بصِفةِ صاحِبي، فأقَمْتُ بها وبَعَثَ اللهُ رسولَه، فأقامَ بمكَّةَ ما أقامَ لا أسْمَعُ له بذِكْرٍ مع ما أنا فيه مِن شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدينةِ، فواللهِ إنِّي لَفي رَأسِ عَذْقٍ لسَيِّدي أعْمَلُ فيه بَعضَ العَمَلِ، وسَيِّدي جالِسٌ، إذْ أقبَلَ ابنُ عَمٍّ له حتى وَقَفَ عليه، فقال: فُلانُ، قاتَلَ اللهُ بَني قَيْلةَ، واللهِ إنَّهم الآنَ لَمُجتَمِعون بقُباءٍ على رَجُلٍ قَدِمَ عليهم مِن مكَّةَ اليومَ، يَزْعُمون أنَّه نَبيٌّ، قال: فلمَّا سَمِعْتُها أخَذَتْني العُرَواءُ، حتى ظَنَنتُ سأسْقُطُ على سيِّدي، قال: ونَزَلَتْ عن النَّخلةِ، فجَعَلتُ أقولُ لابنِ عمِّهِ ذلك: ماذا تقولُ؟ ماذا تقولُ؟ قال: فغَضِبَ سيِّدي فلَكَمَني لَكْمةً شَديدةً، ثُمَّ قال: ما لكَ ولهذا، أقْبِلْ على عَمَلِكَ، قال: قُلتُ: لا شَيءَ، إنَّما أرَدْتُ أنْ أسْتَثْبِتْه عمَّا قال، وقد كان عِندي شَيءٌ قد جَمَعْتُه، فلمَّا أمْسَيتُ أخَذْتُه ثُمَّ ذَهَبتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وهو بقُباءٍ، فدَخَلتُ عليه، فقُلتُ له: إنَّه قد بَلَغَني أنَّكَ رَجُلٌ صالِحٌ، ومعَكَ أصحابٌ لكَ غُرَباءُ ذَوو حاجَةٍ، وهذا شَيءٌ كان عِندي للصَّدَقةِ، فرَأيْتُكُم أحَقَّ به مِن غَيرِكُم، قال: فقَرَّبتُه إليه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لِأصحابِه: كُلوا، وأمْسَكَ يَدَه فلم يَأكُلْ، قال: فقُلتُ في نفْسي: هذه واحِدةٌ، ثُمَّ انصَرَفتُ عنه فجَمَعتُ شَيئًا، وتَحَوَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ إلى المَدينةِ، ثُمَّ جِئْتُه به، فقُلتُ: إنِّي رَأيتُكَ لا تَأكُلُ الصَّدَقةَ، وهذه هَديَّةٌ أكرَمْتُكَ بها، قال: فأكَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ منها، وأمَرَ أصحابَه فأكَلوا معَه، قال: فقُلتُ في نَفْسي: هاتانِ اثْنَتانِ، قال: ثُمَّ جِئتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وهو ببَقيعِ الغَرْقَدِ، قال: وقد تَبِعَ جِنازةً مِن أصحابِه، عليه شَمْلَتانِ له، وهو جالِسٌ في أصحابِه، فسَلَّمتُ عليه، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أنظُرُ إلى ظَهْرِه، هل أرَى الخاتَمَ الذي وَصَفَ لي صاحِبي؟ فلمَّا رَآني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ استَدْبَرْتُه، عَرَفَ أنِّي أسْتَثْبِتُ في شَيءٍ وُصِفَ لي، قال: فألْقى رِداءَه عن ظَهْرِه، فنَظَرْتُ إلى الخاتَمِ فعَرَفْتُه، فانْكَبَبْتُ عليه أُقَبِّلُه وأبْكي، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: تَحَوَّلْ، فتَحَوَّلتُ، فقَصَصْتُ عليه حَديثي كما حَدَّثتُكَ يا ابنَ عبَّاسٍ، قال: فأُعجِبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أنْ يَسمَعَ ذلك أصحابُه، ثُمَّ شَغَلَ سَلْمانَ الرِّقُّ حتى فاتَه مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بَدْرٌ، وأُحُدٌ، قال: ثُمَّ قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: كاتِبْ يا سَلْمانُ، فكاتَبْتُ صاحِبي على ثَلاثِ مِئةِ نَخلةٍ، أُحْييها له بالفَقيرِ، وبأرْبَعينَ أُوقيَّةً، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لِأصحابِه: أعِينوا أخاكُم، فأعانوني بالنَّخلِ: الرَّجُلُ بثَلاثينَ وَدِيَّةً، والرَّجُلُ بعِشْرينَ، والرَّجُلُ بخَمْسَ عَشْرةَ، والرَّجُلُ بعَشْرٍ؛ يَعْني: الرَّجُلُ بقَدْرِ ما عِندَه، حتى اجتَمَعَتْ لي ثلاثُ مِئةِ وَدِيَّةٍ، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: اذْهَبْ يا سَلْمانُ ففَقِّرْ لها، فإذا فَرَغْتُ فأْتِني أكونُ أنا أضَعُها بِيَدي، قال: ففَقَّرتُ لها، وأعانَني أصْحابي، حتى إذا فَرَغتُ منها جِئْتُه فأخبَرْتُه، فخَرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ معي إليها، فجَعَلْنا نُقَرِّبُ له الوَديَّ ويَضَعُه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بِيَدِه، فوالذي نَفْسُ سَلْمانَ بِيَدِه، ما ماتَتْ منها وَدِيَّةٌ واحِدةٌ، فأدَّيتُ النَّخلَ، وبَقِيَ علَيَّ المالُ، فأُتِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بمِثْلِ بَيْضةِ الدَّجاجةِ مِن ذَهَبٍ مِن بَعضِ المَغازي، فقال: ما فَعَلَ الفارِسيُّ المُكاتَبُ؟ قال: فدُعِيتُ له، فقال: خُذْ هذه فأدِّ بها ما عليكَ يا سَلْمانُ، فقُلتُ: وأين تَقَعُ هذه يا رسولَ اللهِ ممَّا علَيَّ؟ قال: خُذْها؛ فإنَّ اللهَ سيُؤَدِّي بها عنكَ، قال: فأخَذْتُها فوَزَنْتُ لهُم منها، والذي نَفْسُ سلَمْانَ بِيَدِه، أربَعينَ أُوقِيَّةً، فأوْفَيْتُهم حَقَّهُم، وعَتَقْتُ! فشَهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ الخَندَقَ، ثُمَّ لم يَفُتْني معَه مَشهَدٌ.]
كنتُ رجلًا فارسيًّا من أهلِ أصبهانَ من أهلِ قريةٍ منها يقال لها : جيُّ وكان أبي دِهقانَ قريتِه وكنتُ أحبَّ خلقِ اللهِ إليه فلم يزلْ به حبُّه إيايَ حتى حبسني في بيتِه أي ملازمُ النَّارِ كما تُحبس الجاريةُ وأجهدتُ في المجوسيَّةِ حتى كنتُ قاطنَ النارِ الذي يوقدُها لا يتركها تخبُو ساعةً قال : وكانت لأبي ضَيعةٌ عظيمةٌ قال فشغل في بنيانٍ له يومًا فقال لي : يا بُنيَّ إني قد شُغِلتُ في بنيانٍ هذا اليومَ عن ضَيعتي فاذهبُ فاطلُعها وأمرني فيها ببعضِ ما يريدُ فخرجت أريدُ ضَيعتَه فمررتُ بكنيسةٍ من كنائسِ النَّصارى فسمعتُ أصواتَهم فيها وهم يُصلُّون وكنتُ لا أدري ما أمر الناسِ لحبسِ أبي إيايَ في بيتِه فلما مررتُ بهم وسمعتُ أصواتَهم دخلتُ عليهم أنظرْ ما يصنعون قال : فلما رأيتُهم أعجبَتْني صلاتُهم ورغبتُ في أمرِهم وقلتُ : هذا واللهِ خيرٌ من الدِّينِ الذي نحنُ عليه فواللهِ ما تركتُهم حتى غربتِ الشَّمسُ وتركتُ ضَيعةَ أبي ولم آتِها فقلتُ لهم : أين أصلُ هذا الدِّينِ ؟ قالوا : بالشَّامِ قال : ثم رجعتُ إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلتُه عن عملِه كلِّه قال فلما جئتُه قال : أي بُنيَّ أين كنتَ ؟ ألم أكن عهدتُ إليك ما عهدتُ ؟ قال ؟ قلتُ : يا أبتِ مررتُ بناسٍ يُصلُّونَ في كنيسةٍ لهم فأعجَبني ما رأيتُ من دينِهم فواللهِ ما زلتُ عندهم حتى غربتِ الشَّمسُ قال : أي بُنيَّ ليس في ذلك الدِّينِ خيرٌ دينُك ودينُ آبائِك خيرٌ منه قال : قلتُ : كلا واللهِ إنه خيرٌ من دينِنا قال : فخافَني فجعل في رجليَّ قَيدًا ثم حبَسني في بيته قال : وبعثتُ إلى النَّصارى فقلتُ : لهم إذا قدم عليكم رَكبٌ من الشامِ تجارٌ من النَّصارى فأخبروني بهم قال : فقدم عليهم رَكبٌ من الشامِ تجارٌ من النَّصارى قال : فأخبروني بهم قال : فقلتُ لهم : إذا قضُوا حوائجَهم وأرادوا الرَّجعةَ إلى بلادِهم فآذِنوني بهم قال : فلما أرادوا الرَّجعةَ إلى بلادِهم أخبروني بهم فألقيتُ الحديدَ من رجليَّ ثم خرجتُ معهم حتى قدمتُ الشَّام فلما قدمتُها قلتُ : من أفضلُ أهلِ هذا الدِّينِ قالوا : الأسقفُ في الكنيسةِ قال : فجئتُه فقلتُ : إني قد رغبتُ في هذا الدينِ وأحببتُ أن أكون معك أخدمُك في كنيستِك وأتعلَّمُ منك وأصلِّي معك قال : فادخُلْ فدخلتُ معه قال : فكان رجلَ سوءٍ يأمرُهم بالصدقةِ ويرغبُهم فيها فإذا جمعوا إليه منها أشياءَ اكتنزه لنفسِه ولم يعطه المساكينَ حتى جمع سبعَ قِلالٍ من ذهبٍ وورقٍ قال : وأبغضتُه بغضًا شديدًا لما رأيتُه يصنعُ ثم مات فاجتمعت إليه النصارى لِيدفنوه فقلتُ لهم : إنَّ هذا كان رجلَ سوءٍ يأمركم بالصدقةِ ويرغبُكم فيها فإذا جئتُموه بها اكتنزَها لنفسِه ولم يُعطِ المساكينَ منها شيئًا قالوا : وما علمُك بذلك ؟ قال : قلتُ : أنا أدلُّكم على كنزِه قالوا : فدَلَّنا عليه قال : فأريتُهم موضعَه قال : فاستخرجُوا منه سبعَ قِلالٍ مملوءةً ذهبًا وورقًا قال : فلما رأوها قالوا : واللهِ لا ندفنُه أبدًا فصلبُوه ثم رجمُوه بالحجارةِ ثم جاؤوا برجلٍ آخرَ فجعلوه بمكانِه قال : يقول سلمانُ : فما رأيتُ رجلًا لا يُصلِّي الخَمسَ أرى أنه أفضلَ منه أزهدَ في الدنيا ولا أرغبَ في الآخرةِ ولا أدأبُ ليلًا ونهارًا منه قال : فأحببتُه حبًّا لم أُحبُّه من قبلَه وأقمتُ معه زمانًا ثم حضرتْه الوفاةُ فقلتُ له : يا فلانُ إني كنتُ معك وأحببتُك حبًّا لم أُحبُّه من قبلِك وقد حضرك ما ترى من أمرِ اللهِ فإلى من تُوصي بي ؟ وما تأمرُني ؟ قال : أيْ بُنيَّ ما أعلمُ أحدًا اليومَ على ما كنتُ عليه لقد هلك الناسُ وبدَّلوا وتركوا أكثرَ ما كانوا عليه إلا رجلًا بالمَوصلِ وهو فلانٌ فهو على ما كنتُ عليه فالْحَقْ به قال : فلما مات وغُيِّبَ لحقتُ بصاحبِ المَوصلِ فقلتُ له : يا فلانُ إنَّ فلانًا أوصاني عند موتِه أن ألحقَ بك وأخبرَني أنك على أمرِه قال : فقال لي : أقِمْ عندي فأقمتُ عنده فوجدتُه خيرَ رجلٍ على أمرِ صاحبِه فلم يلبثْ أن مات فلما حضرته الوفاةُ قلتُ له : يا فلانُ إنَّ فلانًا أوصى بي إليكَ وأمرَني بالُّلحوقِ بك وقد حضرك من اللهِ عزَّ وجلَّ ما ترى فإلى من تُوصي بي ؟ وما تأمرُني ؟ قال : أي بُنيَّ واللهِ ما أعلم رجلًا على مثلِ ما كنا عليه إلا رجلًا بنَصيبينَ وهو فلانٌ فالْحقْ به قال : فلما مات وغُيِّبَ لحقتُ بصاحبِ نصِيبينَ فجئتُه فأخبرتُه بخبري وما أمرَني به صاحبي قال : فأقِمْ عندي فأقمتُ عندَه فوجدتُه على أمرِ صاحبَيه فأقمتُ مع خيرِ رجلٍ فواللهِ ما لبث أن نزل به الموتُ فلما حضر قلتُ له : يا فلانُ إنَّ فلانًا كان أوصى بي إلى فلانٍ ثم أوصى بي فلانٌ إليك فإلى من تُوصي بي ؟ وما تأمرُني ؟ قال : أيْ بُنيَّ واللهِ ما نعلم أحدًا بقِيَ على أمرِنا آمرُك أن تأتيَه إلا رجلًا بعَمُوريَّةَ فإنه بمثلِ ما نحنُ عليه فإن أحببتَ فأْتِه قال : فإنه على أمرِنا قال : فلما مات وغُيِّبَ لحقت بصاحبِ عَموريَّةَ وأخبرتُه خبري فقال : أَقِمْ عندي فأقمتُ مع رجلٍ على هدْي أصحابِه وأمرِهم قال : واكتسبتُ حتى كان لي بقَراتٌ وغُنَيمةٌ قال : ثم نزل به أمرُ اللهِ فلما حضر قلتُ له : يا فلانُ إني كنتُ مع فلانٍ فأوصى بي فلانٌ إلى فلانٍ وأوصى بي فلانٌ إلى فلانٍ ثم أوصى بي فلانٌ إليك فإلى من تُوصي بي ؟ وما تأمرُني ؟ قال : أيْ بُنيَّ واللهِ ما أعلمُه أصبحَ على ما كنا عليه أحدٌ من الناسِ آمرُك أن تأتيَه ولكنه قد أظلك زمانُ نبيٍّ هو مبعوثٌ بدينِ إبراهيمَ يخرج بأرضِ العربِ مهاجرًا إلى أرضٍ بين حَرَّتينِ بينهما نخلٌ به علاماتٌ لا تَخفى يأكلُ الهديَّةَ ولا يأكلُ الصَّدقةَ بين كتِفَيه خاتمُ النُّبوَّةِ فإنِ استطعتَ أن تلحقَ بتلك البلادِ فافعلْ قال : ثم مات وغُيِّبَ فمكثتُ بعمورِيَّةَ ما شاء اللهُ أن أمكثَ ثم مرَّ بي نفرٌ من كلبٍ تُجَّارًا فقلتُ لهم : تحمِلوني إلى أرضِ العربِ وأُعطيكم بقَراتي هذه وغُنيمَتي هذه قالوا : نعم فأعطيتُهموها وحمَلوني حتى إذا قدِموا بي وادي القُرى ظلمُوني فباعوني من رجلٍ من اليهودٍ عبدًا فكنتُ عندَه ورأيتُ النَّخلَ ورجوتُ أن تكون البلدُ الذي وَصفَ لي صاحبي ولم يحقْ لي في نفسي فبينما أنا عنده قدِم عليه ابنُ عمٍّ له من المدينةِ من بني قُريظةَ فابتاعني منه فاحتملَني إلى المدينةِ فواللهِ ما هو إلا أن رأيتُها فعرفتُها بصفةِ صاحبي فأقمتُ بها وبعث اللهُ رسولَه فأقام بمكةَ ما أقام لا أسمعُ له بذكرٍ مع ما أنا فيه من شُغلِ الرِّقِّ ثم هاجر إلى المدينةَ فواللهِ إني لفي رأسِ عذقٍ لسيدي أعملُ فيه بعضَ العملِ وسيدي جالسٌ إذ أقبل ابنُ عمٍّ له حتى وقف عليه فقال : فلانٌ قاتَل اللهُ بني قَيلَةَ واللهِ إنهم الآن لمُجتمعونَ بقُباءَ على رجلٍ قدِم عليهم من مكةَ اليومَ يزعمون أنه نبيٌّ قال : فلما سمعتُها أخذتْني العرواءُ حتى ظننتُ أني سأسقطُ على سيدي قال : ونزلتُ عن النَّخلةِ فجعلتُ أقولُ لابنِ عمِّه ذلك ماذا تقولُ ؟ ماذا تقول ؟ قال : فغضِب سيِّدي فلكَمني لكمةً شديدةً ثم قال : مالكَ ولهذا ؟ أقبِلْ على عملِك قال : قلتُ : لا شيءَ إنما أردتُ أن أستثْبتَ عما قال : وقد كان عندي شيءٌ قد جمعتُه فلما أمسيتُ أخذتُه ثم ذهبتُ به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو بقُباءَ فدخلتُ عليه فقلتُ له : إنه قد بلغَني أنك رجلٌ صالحٌ ومعك أصحابٌ لك غُرباءُ ذَووا حاجةٍ وهذا شيءٌ كان عندي للصدقةِ فرأيتُكم أحقَّ به من غيركِم قال : فقرَّبتُه إليه فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأصحابِه : كُلوا وأمسكَ يدَه فلم يأكلْ قال : فقلتُ : في نفسي هذه واحدةٌ ثم انصرفتُ عنه فجمعتُ شيئًا وتحوَّل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى المدينةِ ثم جئتُ به فقلتُ : إني رأيتُك لا تأكلُ الصَّدقةَ وهذه هديةٌ أكرمتُك بها قال : فأكل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ منها وأمر أصحابَه فأكَلوا معه قال : فقلتُ : في نفسي هاتان اثنتانِ ثم جئتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو ببقيع الغرقدِ قال : وقد تبع جنازةً من أصحابِه عليه شَملتانِ له وهو جالسٌ في أصحابه فسلَّمتُ عليه ثم استدرتُ أنظرُ إلى ظهرِه هل أرى الخاتَمَ الذي وَصف لي صاحبي ؟ فلما رآني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ استدرتُه عرف أني استثْبتُ في شيءٍ وُصِف لي قال : فألقى رداءَه عن ظهرِه فنظرتُ إلى الخاتمِ فعرفتُه فانكببتُ عليه أُقبِّلُه وأبكي فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : تحوَّلْ فتحوَّلتُ فقصصتُ عليه حديثي كما حدَّثتُك يا ابنَ عباسٍ قال : فأعجب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أن يسمع ذلك أصحابُه ثم شغل سلمانُ الرِّقَّ حتى فاته مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بدرٌ وأُحُدٌ قال : ثم قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : كاتِبْ يا سلمانُ فكاتبتُ صاحبي على ثلاثمائةِ نخلةٍ أُحيبها له بالفقيرِ وبأربعينَ أُوقيَّةً فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأصحابه : أَعينُوا أخاكم فأعانُوني بالنَّخلِ الرجلُ بثلاثين ودِيَّةً والرجلُ بعشرين والرجلُ بخمسَ عشرةَ والرجلُ بعشرٍ يعنى الرجلَ بقدرِ ما عنده حتى اجتمعَتْ لي ثلاثمائةِ وَدِيَّةٍ فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ اذهبْ يا سلمانُ ففقِّرْ لها فإذا فرغْتَ فائتِني أكون أنا أضعُها بيديَّ ففقَّرتُ لها وأعانني أصحابي حتى إذا فرغتُ منها جئتُه فأخبرتُه فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ معي إليها فجعلْنا نُقرِّبُ له الوَدِيَّ ويضعُه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بيدِه فوالذي نفسُ سلمانَ بيدِه ما ماتتْ منها وَدِيَّةٌ واحدةٌ فأدَّيتُ النَّخلَ وبقِيَ عليَّ المالُ فأُتِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بمثلِ بيضةِ الدَّجاجةِ من ذهبٍ من بعضِ المغازي فقال : ما فعل الفارسيُّ المُكاتَبُ قال : فدُعيتُ له فقال : خُذْ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمانُ فقلتُ : وأين تقعُ هذه يا رسولَ اللهِ مما عليَّ ؟ قال : خُذْها فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سُيؤدِّى بها عنك قال : فأخذتُها فوزنتُ لهم منها والذي نفسُ سلمانَ بيدِه أربعينَ أُوقيَّةً فأوفيتُهم حقَّهم وعُتِقتُ فشهدتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الخندقَ ثم لم يَفُتْني معه مشهدٌ
كنتُ رجُلًا فارِسيًّا مِن أهلِ أصبَهانَ مِن أهلِ قَريةٍ منها يُقالُ لها جَيٌّ، وكان أبي دِهْقانَ قَريَتِه، وكنتُ أحَبَّ خَلقِ اللهِ إليه، فلم يَزَلْ به حُبُّه إيَّايَ حتى حَبَسَني في بَيتِه، أُلازِمُ النارَ، كما تُحبَسُ الجاريةُ، وأجهَدتُ في المَجوسيَّةِ حتى كنتُ قَطَنَ النارِ الذي يُوقِدُها، لا يَترُكُها تَخبو ساعةً. قال: وكانتْ لأبي ضَيْعةٌ عَظيمةٌ، قال: فشُغِلَ في بُنيانٍ له يَومًا، فقال لي: يا بُنَيَّ، إنِّي قد شُغِلتُ في بُنيانٍ هذا اليَومَ، فاذهَبْ فاطَّلِعْها. وأمَرَني فيها ببعضِ ما يُريدُ، فخَرَجتُ أُريدُ ضَيعَتَه، فمَرَرتُ بكَنيسةٍ مِن كَنائسِ النَّصارى، فسمِعتُ أصواتَهم فيها وهم يُصَلُّونَ، وكنتُ لا أدْري ما أمْرُ الناسِ؛ لحَبسِ أبي إيَّاي في بَيتِه، فلمَّا مَرَرتُ بهم وسمِعتُ أصواتَهم دَخَلتُ عليهم أنظُرُ ما يَصنَعونَ، قال: فلمَّا رأَيتُهم أعجَبَتْني صَلاتُهم، ورَغِبتُ في أمْرِهم، وقلتُ: هذا واللهِ خَيرٌ مِن الدِّينِ الذي نحنُ عليه. فوَاللهِ ما تَرَكتُهم حتى غَرَبتِ الشَّمسُ، وتَرَكتُ ضَيعةَ أبي، ولم آتِها، فقلتُ لهم: أينَ أصْلُ هذا الدِّينِ؟ قالوا: بالشَّامِ. قال: ثمَّ رَجَعتُ إلى أبي وقد بعَثَ في طَلَبي، وشَغَلتُه عن عَمَلِه كلِّه. قال: فلمَّا جِئتُه قال: أيْ بُنَيَّ، أينَ كُنتَ؟ ألم أكُنْ عَهِدتُ إليكَ ما عَهِدتُ؟ قال: قلتُ: يا أبتِ، مَرَرتُ بناسٍ يُصَلُّونَ في كَنيسةٍ لهم، فأعجَبني ما رأَيتُ مِن دِينِهم؛ فوَاللهِ ما زِلتُ عندَهم حتى غَرَبتِ الشَّمسُ. قال: أيْ بُنَيَّ، ليسَ في ذلكَ الدِّينِ خَيرٌ، دِينُكَ ودِينُ آبائكَ خَيرٌ منه. قال: قلتُ: كَلَّا واللهِ، إنَّه خَيرٌ مِن دِينِنا. قال: فخافَني، فجعَلَ في رِجلَيَّ قَيدًا، ثمَّ حَبَسَني في بَيتِه. قال: وبَعَثتُ إلى النَّصارى فقلتُ لهم: إذا قَدِمَ عليكم رَكبٌ مِن الشَّامِ تُجَّارٌ مِن النَّصارى فأخبِروني بهم. قال: فقَدِمَ عليهم رَكبٌ مِن الشَّامِ تُجَّارٌ مِن النَّصارى، قال فأخبَروني بهم، قال: فقلتُ لهم: إذا قَضَوْا حَوائجَهم وأرادوا الرَّجعةَ إلى بِلادِهم فآذِنوني بهم. قال: فلمَّا أرادوا الرَّجعةَ إلى بِلادِهم أخبَروني بهم، فألقَيتُ الحَديدَ مِن رِجلَيَّ، ثمَّ خَرَجتُ معهم حتى قَدِمتُ الشَّامَ، فلمَّا قَدِمتُها قلتُ: مَن أفضَلُ أهلِ هذا الدِّينِ؟ قالوا: الأُسْقُفُّ في الكَنيسةِ. قال: فجِئتُه فقلتُ: إنِّي قد رَغِبتُ في هذا الدِّينِ، وأحبَبتُ أنْ أكونَ معكَ أخدُمُكَ في كَنيسَتِكَ، وأتَعَلَّمُ منكَ وأُصلِّي معكَ. قال: فادخُلْ. فدَخَلتُ معه. قال: فكانَ رجُلَ سَوْءٍ، يأمُرُهم بالصَّدَقةِ ويُرَغِّبُهم فيها، فإذا جَمَعوا إليه منها أشياءَ اكتَنَزَه لنَفْسِه ولم يُعطِه المَساكينَ، حتى جَمَعَ سَبعَ قِلالٍ مِن ذَهَبٍ ووَرِقٍ. قال: وأبغَضتُه بُغضًا شَديدًا لمَا رأَيتُه يَصنَعُ، ثمَّ ماتَ، فاجتَمَعتْ إليه النَّصارى ليَدفِنوه، فقلتُ لهم: إنَّ هذا كان رجُلَ سَوءٍ، يأمُرُكم بالصَّدَقةِ ويُرَغِّبُكم فيها، فإذا جِئتُموه بها اكتَنَزَها لنَفْسِه ولم يُعطِ المَساكينَ منها شَيئًا. قالوا: وما عِلمُكَ بذلكَ؟ قال: قلتُ: أنا أدُلُّكم على كَنزِه. قالوا: فدُلَّنا عليه، قال: فأرَيتُهم مَوضِعَه. قال: فاستَخرَجوا منه سَبعَ قِلالٍ مَملوءةٍ ذَهَبًا ووَرِقًا، فلمَّا رأوْها قالوا: واللهِ لا نَدفِنُه أبَدًا. فصَلَبوه، ثمَّ رَجَموه بالحِجارةِ، ثمَّ جاؤوا برجُلٍ آخَرَ فجَعَلوه مَكانَه. قال: يقولُ سَلمانُ: فما رأَيتُ رجُلًا لا يُصَلِّي الخَمسَ أُرَى أنَّه أفضَلُ منه، أزهَدُ في الدُّنيا، ولا أرغَبُ في الآخِرةِ، ولا أدأَبُ لَيلًا ونَهارًا منه، قال: فأحبَبتُه حُبًّا لم أُحِبَّه مَن قبلَه، وأقَمتُ معه زَمانًا، ثمَّ حَضَرَتْه الوَفاةُ، فقلتُ له: يا فُلانُ، إنِّي كنتُ معكَ وأحبَبتُكَ حُبًّا لم أُحِبَّه مَن قبلَكَ، وقد حَضَرَكَ ما تَرى مِن أمْرِ اللهِ، فإلى مَن تُوصي بي؟ وما تأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعلَمُ أحَدًا اليَومَ على ما كنتُ عليه، لقد هلَكَ الناسُ وبدَّلوا وتَرَكوا أكثَرَ ما كانوا عليه، إلَّا رجُلًا بالمَوصِلِ، وهو فُلانٌ، فهو على ما كنتُ عليه؛ فالحَقْ به. قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ لَحِقتُ بصاحِبِ المَوصِلِ. فقلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا أوصاني عِندَ مَوتِه أنْ ألحَقَ بكَ، وأخبَرَني أنَّكَ على أمْرِه. قال: فقال لي: أقِمْ عِندي. فأقَمتُ عندَه فوَجَدتُه خَيرَ رجُلٍ على أمْرِ صاحِبِه، فلم يَلبَثْ أنْ ماتَ، فلمَّا حَضَرَتْه الوَفاةُ قلتُ له: يا فُلانُ. إنَّ فُلانًا أوصى بي إليكَ، وأمَرَني باللُّحوقِ بكَ، وقد حضَرَكَ مِن اللهِ عَزَّ وجَلَّ ما تَرى، فإلى مَن تُوصي بي؟ وما تأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعلَمُ رجُلًا على مِثلِ ما كُنَّا عليه إلَّا رجُلًا بنَصيبينَ، وهو فُلانٌ، فالحَقْ به. قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ لَحِقتُ بصاحِبِ نَصيبينَ، فجِئتُه فأخبَرتُه بخَبَري وما أمَرَني به صاحِبَيَّ. قال: فأقِمْ عِندي. فأقَمتُ عندَه، فوَجَدتُه على أمْرِ صاحِبَيْه، فأقَمتُ مع خَيرِ رجُلٍ، فوَاللهِ ما لَبِثَ أنْ نزَلَ به المَوتُ، فلمَّا حَضَرَ قلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا كان أوْصى بي إلى فُلانٍ، ثمَّ أوْصى بي فُلانٌ إليكَ، فإلى مَن تُوصي بي؟ وما تأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما نَعلَمُ أحَدًا بَقيَ على أمْرِنا آمُرُكَ أنْ تأتيَه إلَّا رجُلًا بعَمُّوريَّةَ؛ فإنَّه بمِثلِ ما نحنُ عليه، فإنْ أحبَبتَ فأْتِه. قال: فإنَّه على أمْرِنا. قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ لَحِقتُ بصاحِبِ عَمُّوريَّةَ وأخبَرتُه خَبَري، فقال: أقِمْ عِندي. فأقَمتُ مع رجُلٍ على هَديِ أصحابِه وأمْرِهم. قال: واكتَسَبتُ حتى كان لي بَقَراتٌ وغُنَيمةٌ، قال: ثمَّ نزَلَ به أمْرُ اللهِ، فلمَّا حَضَرَ قلتُ له: يا فُلانُ، إنِّي كنتُ مع فُلانٍ، فأوْصى بي فُلانٌ إلى فُلانٍ، وأوصى بي فُلانٌ إلى فُلانٍ، ثمَّ أوصى بي فُلانٌ إليكَ، فإلى مَن تُوصي بي؟ وما تأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعلَمُه أصبَحَ على ما كُنَّا عليه أحَدٌ مِن الناسِ آمُرُكَ أنْ تأتيَه، ولكِنَّه قد أظَلَّكَ زَمانُ نَبيٍّ هو مَبعوثٌ بدِينِ إبراهيمَ، يَخرُجُ بأرضِ العَرَبِ مُهاجِرًا إلى أرضٍ بينَ حَرَّتينِ بَينَهما نَخلٌ به عَلاماتٌ لا تَخفى، يأكُلُ الهَديَّةَ، ولا يأكُلُ الصَّدَقةَ، بينَ كَتِفَيْه خاتَمُ النُّبُوَّةِ، فإنِ استَطَعتَ أنْ تَلحَقَ بتلك البِلادِ فافعَلْ. قال: ثمَّ ماتَ وغُيِّبَ، فمَكَثتُ بعَمُّوريَّةَ ما شاءَ اللهُ أنْ أمكُثَ، ثمَّ مَرَّ بي نَفَرٌ مِن كَلبٍ تُجَّارًا، فقلت لهم: تَحمِلوني إلى أرضِ العَرَبِ وأُعطيكم بَقَراتي هذه وغُنَيمَتي هذه؟ قالوا: نعَمْ. فأعطَيتُهموها، وحَمَلوني، حتى إذا قَدِموا بي واديَ القُرى ظَلَموني، فباعوني مِن رجُلٍ مِن يَهودَ عبدًا، فكنتُ عندَه ورأَيتُ النَّخلَ، ورَجَوتُ أنْ تَكونَ البَلَدَ الذي وَصَفَ لي صاحِبي، ولم يَحِقْ لي في نَفْسي، فبَينَما أنا عندَه قَدِمَ عليه ابنُ عَمٍّ له مِن المَدينةِ مِن بني قُرَيظةَ، فابتاعَني منه، فاحتَمَلَني إلى المَدينةِ، فوَاللهِ ما هو إلَّا أنْ رأَيتُها فعَرَفتُها بصِفةِ صاحِبي، فأقَمتُ بها، وبعَثَ اللهُ رسولَه، فأقامَ بمَكَّةَ ما أقامَ، لا أسمَعُ له بذِكرٍ مع ما أنا فيه مِن شُغْلِ الرِّقِّ، ثمَّ هاجَرَ إلى المَدينةِ، فوَاللهِ إنِّي لَفي رأْسِ عَذقٍ لسَيِّدي أعمَلُ فيه بعضَ العَمَلِ، وسَيِّدي جالِسٌ؛ إذْ أقبَلَ ابنُ عَمٍّ له حتى وَقَفَ عليه، فقال: فُلانُ، قاتَلَ اللهُ بني قَيْلةَ، واللهِ إنَّهمُ الآنَ لَمُجتَمِعونَ بقُباءٍ على رجُلٍ قَدِمَ عليهم مِن مَكَّةَ اليَومَ يَزعُمونَ أنَّه نَبيٌّ. قال: فلمَّا سمِعتُها أخَذَتْني العُرَواءُ حتى ظَنَنتُ سأسقُطُ على سَيِّدي، قال: ونَزَلتُ على النَّخلةِ، فجَعَلتُ أقولُ لابنِ عَمِّه ذلكَ: ماذا تَقولُ؟ قال: فغَضِبَ سَيِّدي، فلَكَمَني لَكمةً شَديدةً، ثمَّ قال: ما لكَ ولِهذا، أقبِلْ على عَمَلِكَ. قال: قلتُ: لا شيءَ، إنَّما أرَدتُ أنْ أستَثبِتَ عَمَّا قال. وقد كان عِندي شيءٌ قد جَمَعتُه، فلمَّا أمسَيتُ أخَذتُه، ثمَّ ذَهَبتُ به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ وهو بقُباءٍ، فدَخَلتُ عليه، فقلتُ له: إنَّه قد بلَغَني أنَّكَ رجُلٌ صالِحٌ، ومعكَ أصحابٌ لكَ غُرَباءُ ذَوو حاجةٍ، وهذا شيءٌ كان عِندي للصَّدَقةِ، فرأَيتُكم أحَقَّ به مِن غَيرِكم. فقَرَّبتُه إليه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ لأصحابِه: كُلوا. وأمسَكَ يَدَه، فلم يأكُلْ. قال: فقلتُ في نَفْسي: هذه واحِدةٌ. ثمَّ انصَرَفتُ عنه فجَمَعتُ شَيئًا، وتَحَوَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ إلى المَدينةِ، ثمَّ جِئتُ به، فقلتُ: إنِّي قد رأَيتُكَ لا تأكُلُ الصَّدَقةَ، وهذه هَديَّةٌ أكرَمتُكَ بها. قال: فأكَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ منها، وأمَرَ أصحابَه، فأكَلوا معه، قال: فقلتُ في نَفْسي: هاتانِ اثنَتانِ. ثمَّ جِئتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ وهو ببَقيعِ الغَرْقَدِ، قال: وقد تَبِعَ جِنازةً مِن أصحابِه، عليه شَملَتانِ له، وهو جالِسٌ في أصحابِه، فسَلَّمتُ عليه، ثمَّ استَدَرتُ أنظُرُ إلى ظَهرِه هل أرَى الخاتَمَ الذي وَصَفَ لي صاحِبي، فلمَّا رآني رسولُ اللهِ استَدَرتُه عَرَفَ أنِّي أستَثبِتُ في شيءٍ وُصِفَ لي. قال: فألقى رِداءَه عن ظَهرِه، فنَظَرتُ إلى الخاتَمِ فعَرَفتُه، فانكَبَبتُ عليه أُقَبِّلُه وأبكي. فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: تَحَوَّلْ. فتَحَوَّلتُ فقَصَصتُ عليه حديثي كما حَدَّثتُكَ يا ابنَ عَبَّاسٍ. قال: فأَعجَبَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ أنْ يَسمَعَ ذلكَ أصحابُه. ثمَّ شغَلَ سَلمانَ الرِّقُّ حتى فاتَه مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ بَدرٌ وأُحُدٌ. قال: ثمَّ قال لي رسولُ اللهِ: كاتِبْ يا سَلمانُ. فكاتَبتُ صاحِبي على ثلاثِ مئةِ نَخلةٍ أُحْييها له بالفَقيرِ، وبأربَعينَ أُوقيَّةً. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ لأصحابِه: أَعِينوا أخاكم. فأعانوني بالنَّخلِ، الرجُلُ بثلاثينَ وَديَّةً، والرجُلُ بعِشرينَ، والرجُلُ بخَمسَ عَشْرةَ، والرجُلُ بعَشْرٍ؛ يَعني: الرجُلُ بقَدرِ ما عندَه، حتى اجتَمَعتْ لي ثلاثُ مئةِ وَديَّةٍ. فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: اذهَبْ يا سَلمانُ ففَقِّرْ لها، فإذا فَرَغتَ فأْتِني أكونُ أنا أضَعُها بيَدي. ففَقَّرتُ لها، وأعانَني أصحابي، حتى إذا فَرَغتُ منها جِئتُه، فأخبَرتُه، فخرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ معي إليها، فجَعَلْنا نُقَرِّبُ له الوَديَّ ويَضَعُه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ بيَدِه، فوَالذي نَفْسُ سَلمانَ بيَدِه ما ماتَ منها وَديَّةٌ واحِدةٌ، فأدَّيتُ النَّخلَ وبَقيَ علَيَّ المالُ، فأُتيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ بمِثلِ بَيضةِ الدَّجاجِ مِن ذَهَبٍ مِن بعضِ المَغازي، فقال: ما فعَلَ الفارِسيُّ المُكاتَبُ؟ قال: فدُعيتُ له، فقال: خُذْ هذه فأدِّ بها ما عليكَ يا سَلمانُ. فقلتُ: وأينَ تَقَعُ هذه يا رسولَ اللهِ ممَّا علَيَّ. قال: خُذْها؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ سيُؤَدِّي بها عنكَ، قال: فأخَذتُها فوَزَنتُ لهم منها، والذي نَفْسُ سَلمانَ بيَدِه أربَعينَ أُوقيَّةً، فأوفَيتُهم حَقَّهم، وأُعتِقتُ، فشَهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ الخَندَقَ، ثمَّ لم يَفُتْني معه مَشهَدٌ
عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ قال : حدَّثني سلمانُ الفارسيُّ حديثَه من فيه قال : كنتُ رجلًا فارسيًّا مِن أهلِ أصبهانَ ، ومِن أهلِ قريةٍ منها يُقالُ لها : جي . وكان أبي دهقانَ قريتِه . وكنتُ أحَبَّ خلقِ اللهِ إليه . فلم يزَلْ به حبُّه إياي حتى حبسني في بيتِه ، أي ملازمَ النارِ ، كما تُحبَسُ الجاريةُ . وأجهدتُ في المجوسيةِ حتى كنتُ قطنَ النارِ الذي يوقِدُها لا يترُكُها تخبو ساعةً قال : وكانتْ لأبي ضيعةٌ عظيمةٌ قال : فشُغِل في بُنيانٍ له يومًا فقال لي : يا بُنَيَّ إني شُغِلتُ في بنيانٍ هذا اليومَ عن ضَيعَتي ، فاذهَبْ فاطَّلِعْها ، وأمَرني فيها ببعضِ ما يريدُ . فخرَجتُ أريدُ ضَيعتَه ، فمرَرتُ بكنيسةٍ من كنائسِ النصارى ، فسمِعتُ أصواتَهم فيها وهم يصلُّونَ ، وكنتُ لا أدري ما أمرُ الناسِ لحبسِ أبي إياي في بيتِه . فلما مرَرتُ بهم وسمِعتُ أصواتَهم ، دخَلتُ عليهِم أنظُرُ ما يصنَعونَ . قال : فلما رأيتُهم أعجَبَني صلاتُهم ورغِبتُ في أمرِهم وقلتُ : هذا واللهِ خيرٌ منَ الدينِ الذي نحن عليه . فواللهِ ما تركتُهم حتى غرَبَتِ الشمسُ . وتركتُ ضيعةَ أبي ولم آتِها . فقلتُ لهم : أين أصلُ هذا الدينِ ؟ قالوا : بالشامِ قال : ثم رجَعتُ إلى أبي وقد بعَث في طلبي وشغَلتُه عن عملِه كلِّه . قال فلما جِئتُه قال : أي بُنَيَّ أين كنتَ ؟ ألم أكُنْ عهِدتُ إليكَ ما عهِدتُ قال قلتُ : يا أبَتِ مرَرتُ بناسٍ يصلُّونَ في كنيسةٍ لهم ، فأعجَبَني ما رأيتُ من دينِهم ، فواللهِ ما زِلتُ عندَهم حتى غرَبَتِ الشمسُ قال : أي بُنَيَّ ليس في ذلك الدينِ خيرٌ . دينُكَ ودينُ آبائِكَ خيرٌ منه . قال قلتُ : كلا واللهِ إنه خيرٌ من ديننِا قال : فخافَني فجعَل في رِجلي قيدًا ، ثم حبسَني في بيتِه قال : وبعَثتُ إلى النصارى فقلتُ لهم : إذ قدِم عليكم رَكبٌ منَ الشامِ ، تجارٌ منَ النصارى ، فأخبِروني بهِم قال : فقدِم عليهِم رَكبٌ منَ الشامٍ تجارٌ منَ النصارى قال : فأخبَروني بهم قال فقلتُ لهم : إذ قضَوا حوائجَهم وأرادوا الرَّجعةَ إلى بلادِهم فآذِنوني بهم قال : فلما أرادوا الرَّجعَةَ إلى بلادِهم أخبَروني بهم . فألقيتُ الحديدَ مِن رِجلي ، ثم خرَجتُ معهم حتى قدِمتُ الشامَ . فلما قدِمْتُها قلتُ : مَن أفضلُ أهلِ هذا الدينِ قالوا : الأسقُفُ في الكنيسةِ قال : فجِئتُه فقلتُ : إني قد رغِبتُ في هذا الدينِ وأحبَبتُ أن أكونَ معكَ أخدمُكَ في كنيستِكَ وأتعلَّمُ منكَ وأصلِّي معكَ قال : فادخُلْ فدخَلتُ معه قال : فكان رجلَ سوءٍ يأمُرُهم بالصدقةِ ويُرَغِّبُهم فيها . فإذا جمَعوا إليه منها أشياءَ اكتَنَزه لنفسِه ، ولم يُعطِه المساكينَ ، حتى جمَع سبعَ قلالٍ من ذهبٍ وورِقٍ قال : وأبغَضتُه بُغضًا شديدًا لِما رأيتُه يَصنَعُ . ثم مات فاجتمعَتْ إليه النصارى ليَدفِنوه فقلتُ لهم : إنَّ هذا كان رجلَ سوءٍ يأمُرُكم بالصدقةِ ويُرَغِّبُكم فيها ، فإذا جِئتُموه بها اكتَنَزها لنفسِه ولم يُعطِ المساكينَ منها شيئًا قالوا : وما عِلمُكَ بذلك ؟ قال : قلتُ : أنا أدُلُّكم على كَنزِه قالوا : فدُلَّنا عليه قال : فأريتُهم مَوضِعَه قال : فاستَخرَجوا منه سبعَ قلالٍ مملوءةٍ ذهبًا وورِقًا . فلما رأَوها قالوا : واللهِ لا نَدفِنُه أبدًا . فصلَبوه ثم رجَموه بالحجارةِ ، ثم جاءوا برجلٍ آخرَ فجعَلوه بمكانِه . قال يقولُ سلمانُ فما رأيتُ رجلًا لا يصلِّي الخمسَ ، أرى أنه أفضلَ منه ، أزهدَ في الدنيا ولا أرغبَ في الآخرةِ ولا أدأَبَ ليلًا ونهارًا منه قال : فأحبَبتُه حُبًّا لم أحِبَّه مَن قبلَه ، وأقَمتُ معه زمانًا . ثم حضرَتْه الوفاةُ فقلتُ له : يا فلانُ إني كنتُ معكَ وأحبَبتُكَ حبًّا لم أحِبَّه مَن قبلَكَ ، وقد حضَركَ ما ترى من أمرِ اللهِ فإلى مَن توصي بي ؟ وما تأمُرُني ؟ قال : أيْ بُنَيَّ واللهِ ما أعلمُ أحدًا اليومَ على ما كنتُ عليه . لقد هلَك الناسُ وبدَّلوا وترَكوا أكثرَ ما كانوا عليه ، إلا رجلًا بالموصلِ ، وهو فلانٌ . فهو على ما كنتُ عليه ، فالحَقْ به قال : فلما مات وغُيِّبَ لحِقتُ بصاحبِ الموصلِ فقلتُ له ، يا فلانُ ، إنَّ فلانًا أوصاني عندَ موتِه أن ألحَق بكَ ، وأخبَرني أنكَ على أمرِه . قال فقال لي أقِمْ عندي فأقَمتُ عندَه ، فوجَدتَه خيرَ رجلٍ على أمرِ صاحبِه . فلم يَلبَثْ أن مات فلما حضرَتْه الوفاةُ قلتُ له : يا فلانُ ، إنَّ فلانًا أوصى بي إليكَ ، وأمرَني باللحوقِ بكَ ، وقد حضَرك منَ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، ما ترى فإلى مَن توصي بي وتأمُرُني ؟ قال : أيْ بُنَيَّ واللهِ ما أعلمُ رجلًا على مثلِ ما كنا عليه إلا رجلًا بنصيبينَ ، وهو فلانٌ فالحَقْ به . قال : فلما مات وغُيِّبَ لحِقتُ بصاحبِ نَصيبينَ ، فجِئتُه فأخبَرتُه بخبري وما أمرَني به صاحبي قال : فأقِمْ عندي فأقَمتُ عندَه ، فوجَدتُه على أمرِ صاحبَيه . فأقَمتُ مع خيرِ رجلٍ ، فواللهِ ما لبِث أن نزَل به الموتُ . فلما حُضِر قلتُ له : يا فلانُ إنَّ فلانًا كان أوصى بي إلى فلانٍ ثم أوصى بي فلانٌ إليكَ . فإلى مَن توصي بي ؟ وما تأمُرُني ؟ قال : أيْ بُنَيَّ واللهِ ما نعلمُ أحدًا بقي على أمرِنا آمُرُكَ أن تأتيَه ، إلا رجلًا بعَموريةَ ، فإنه بمثلِ ما نحن عليه ، فإن أحبَبتَ فأتِه قال : فإنه على أمرِنا . قال : فلما مات وغُيِّبَ ، لحِقتُ بصاحبِ عَموريةَ ، وأخبَرتُه خبري فقال : أقِمْ عندي ، فأقَمتُ مع رجلٍ على هديِ أصحابِه وأمرِهم . قال : واكتسَبتُ حتى كان لي بقراتٌ وغُنَيمةٌ قال : ثم نزَل به أمرُ اللهِ فلما حُضِر قلتُ : يا فلانُ إني كنتُ مع فلانٍ فأوصى بي فلانٌ إلى فلانٍ ، وأوصى بي فلانٌ إلى فلانٍ ، ثم أوصى بي فلانٌ إليكَ ، فإلى مَن توصي بي وما تأمُرُني ؟ قال : أيْ بُنَيَّ واللهِ ما أعلمُه أصبَح على ما كنا عليه أحدٌ منَ الناسِ آمُرُكَ أن تأتيَه . ولكنَّه قد أظلَّكَ زَمانُ نبيٍّ هو مبعوثٌ بدينِ إبراهيمَ ، يخرُجُ بأرضِ العربِ مُهاجِرًا إلى أرضٍ بين حرَّتَينِ ، بينهما نخلٌ ، به علاماتٌ لا تَخفى . يأكُلُ الهديةَ ولا يأكُلُ الصدقةَ ، بين كتِفَيه خاتَمُ النبوةِ . فإنِ استَطَعتَ أن تَلحَقَ بتلك فافعَلْ . قال : ثم مات وغُيِّبَ ، فمكَثتُ بعَموريةَ ما شاء اللهُ أن أمكُثَ ، ثم مرَّ بي نفَرٌ من كلبٍ ، تجارًا فقلتُ لهم : تَحمِلوني إلى أرضِ العربِ وأُعطيكم بقَراتي هذه وغُنيمَتي هذه ؟ قالوا : نعم . فأعطَيتُهموها وحمَلوني حتى إذا قدِموا بي واديَ القِرى ، ظلَموني فباعوني من رجلٍ من يهودَ عبدًا . فمكَثتُ عندَه ، ورأيتُ النخلَ ، ورجَوتُ أن تكونَ البلدَ الذي وصَف لي صاحبي ، ولم يحِقَّ لي في نفسي ، فبينما أنا عندَه ، قدِم عليه ابنُ عمٍّ له منَ المدينةِ من بني قُرَيظَةَ فابتاعني منه ، فاحتمَلني إلى المدينةِ ، فواللهِ ما هو إلا أن رأيتُها فعرَفتُها بصفةِ صاحبي بها فأقَمتُ بها وبعَث اللهُ رسولَه فأقام بمكةَ ما أقام ، لا أسمَعُ له بذكرٍ ، مع ما أنا فيه من شغلِ الرِّقِّ . ثم هاجَر إلى المدينةِ فواللهِ إني لفي رأسِ عِذقٍ لسيدي أعمَلُ فيه بعضَ العملِ ، وسيدي جالسٌ ، إذ أقبَل ابنُ عمٍّ له حتى وقَف عليه فقال فلانُ قاتَل اللهُ بني قيلةَ . واللهِ إنهم الآنَ لمجتمِعونَ بقُباءَ على رجلٍ قدِم عليهم من مكةَ اليومَ ، يزعُمونَ أنه نبيٌّ قال : فلما سمِعتُها أخَذَتْني العرواءُ حتى ظنَنتُ أنني سأسقُطُ على سيدي قال : ونزَلتُ عنِ النخلةِ فجعَلتُ أقولُ لابنِ عمِّه ذلك : ماذا تقولُ ماذا تقولُ ؟ قال : فغضِب سيدي ، فلكَمني لكمةً شديدةً ثم قال : ما لَكَ ولهذا ، أقبِلْ على عملِكَ ؟ قال قلتُ : لا شيءَ إنما أرَدتُ أن أستَثبِتَ عما قال . وقد كان عندي شيءٌ قد جمَعتُه . فلما أمسَيتُ أخَذتُه ثم ذهَبتُ به إلى رسولِ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – وهو بقُباءَ ، فدخَلتُ عليه فقلتُ له : إنه قد بلَغني أنَّكَ رجلٌ صالحٌ ، ومعكَ أصحابٌ لكَ غُرَباءُ ذَوو حاجةٍ ، وهذا شيءٌ كان عندي للصدقةِ فرأيتُكم أحقَّ به من غيرِكم قال : فقرَّبتُه إليه فقال رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – لأصحابِه : كُلوا ، وأمسَك يدَه فلم يأكُلْ . قال فقلتُ في نفسي : هذه واحدةٌ ، ثم انصرَفتُ عنه فجمَعتُ شيئًا ، وتحوَّل رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – إلى المدينةِ ثم جِئتُ به فقلتُ : إني رأيتُكَ لا تأكُلُ الصدقةَ ، وهذه هديةٌ أكرَمتُكَ بها قال : فأكَل رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – منها وأمَر أصحابَه فأكَلوا معه . قال فقلتُ في نفسي : هاتانِ اثنَتانِ . ثم جِئتُ رسولَ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – وهو ببقيعِ الغَرقَدِ قال : وقد تبِع جنازةَ رجلٍ من أصحابِه عليه شملتانِ له ، وهو جالسٌ في أصحابِه . فسلَّمتُ عليه ثم استدَرتُ أنظُرُ إلى ظهرِه ، هل أرى الخاتَمَ الذي وصَف لي صاحبي ، فلما رآني رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – استدَرتُه ، عرَف أني أستَثبِتُ في شيءٍ وُصِف لي قال : فألقى رِداءَه عن ظهرِه ، فنظَرتُ إلى الخاتَمِ فعرَفتُه . فانكبَبتُ عليه أُقَبِّلُه وأبكي فقال لي رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم –تحوَّلْ فتحوَّلتُ ، فقصَصتُ عليه حديثي كما حدَّثتُكَ يا ابنَ عباسٍ قال : فأعجَب رسولَ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – أن يسمَعَ ذلك أصحابُه ، ثم شغَل سلمانَ الرقُّ ، حتى فاته مع رسولِ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – بدرٌ وأحُدٌ . قال لي رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – : كاتِبْ يا سلمانُ . فكاتَبتُ صاحبي على ثلاثمائةِ نخلةٍ أُحيِيها له بالفقيرِ ، وبأربعينَ أوقيةً ، قال رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخلِ ، الرجلُ بثلاثينَ وديةً ، والرجلُ بعشرينَ ، والرجلُ بخمسَ عشرةَ ، والرجلُ بعشرٍ ، يعني الرجلُ بقدْرِ ما عندَه ، حتى اجتمعَتْ لي ثلاثُمائةِ وديةٍ . فقال لي رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – اذهَبْ يا سلمانُ ففقِّرْ لها ، فإذا فرَغتَ فائتِني أكونُ أنا أضعُها بيدي ففقَّرتُ لها وأعانني أصحابي . حتى إذا فرَغتُ منها ، جِئتُه فأخبَرتُه . فخرَج رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – معي إليها . فجعَلْنا نقربُ له الوديَ ويضَعُه رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – بيدِه . فوالذي نفسُ سلمانَ بيدِه ، ما ماتتْ منها وديةٌ واحدةٌ . فأدَّيتُ النخلَ وبقي عليَّ المالُ . فأتى رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – بمثلِ بيضةِ دجاجةٍ ، من ذهبٍ ، من بعضِ المَغازي فقال : ما فعَل الفارسيُّ المكاتَبُ ؟ قال : فدُعيتُ له فقال : خُذْ هذه فأدِّ بها ما عليكَ يا سلمانُ فقلتُ : وأين تقَعُ هذه يا رسولَ اللهِ مما عليَّ ؟ قال : خُذْها فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ، سيؤدِّي بها عنكَ قال : فأخَذتُها فوزَنتُ لهم منها ، والذي نفسُ سلمانَ بيدِه ، أربعينَ أوقيةً ، فأوفَيتُهم حقَّهم وعُتِقتُ . فشهِدتُ مع رسولِ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم – الخِندقَ ثم لم يَفُتْني معه مَشهَدٌ
عن عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، قال: حدَّثَني سَلْمانُ الفارِسيُّ حَديثَه مِن فيه، قال: كُنتُ رَجُلًا فارسِيًّا مِن أهْلِ أصْبَهانَ مِن أهْلِ قَرْيةٍ منها يُقالُ لها جَيُّ، وكان أبي دِهْقانَ قَرْيَتِه، وكُنتُ أحَبَّ خَلقِ اللهِ إليه، فلم يَزَلْ به حُبُّه إيَّايَ حتى حَبَسَني في بَيتِه كما تُحبَسُ الجاريةُ، واجتَهَدْتُ في المَجوسيَّةِ حتى كُنتُ قَطِنَ النارِ الذي يُوقِدُها لا يَترُكُها تَخْبو ساعةً، قال: وكانَتْ لأبي ضَيْعةٌ عَظيمةٌ، قال: فشُغِلَ في بُنْيانٍ له يَومًا، فقال لي: يا بُنَيَّ، إنِّي قد شُغِلْتُ في بُنْيانٍ هذا اليومَ عن ضَيْعَتي، فاذْهَبْ فاطَّلِعْها، وأمَرَني فيها ببَعْضِ ما يُريدُ، فخَرَجْتُ أُريدُ ضَيْعَتَه، فمَرَرْتُ بكَنيسةٍ مِن كَنائِسِ النَّصارى، فسَمِعتُ أصْواتَهُم فيها وهُم يُصَلُّون، وكُنتُ لا أدْري ما أمْرُ الناسِ لِحَبْسِ أبي إيَّايَ في بَيتِه، فلمَّا مَرَرتُ بهِم، وسَمِعتُ أصْواتَهم، دَخَلتُ عليهم أنظُرُ ما يَصنَعون، قال: فلمَّا رَأيتُهُم أعْجَبَني صَلاتُهُم، ورَغِبتُ في أمْرِهِم، وقُلتُ: هذا -واللهِ- خَيرٌ مِن الدِّينِ الذي نَحنُ عليه، فواللهِ ما تَرَكْتُهم حتى غَرَبَتِ الشمسُ، وتَرَكْتُ ضَيْعةَ أبي ولم آتِها، فقُلتُ لهُم: أين أصْلُ هذا الدِّينِ؟ قالوا: بالشَّامِ قال: ثُمَّ رَجَعتُ إلى أبي، وقد بَعَثَ في طَلَبي وشَغَلْتُه عن عَمَلِه كلِّه، قال: فلمَّا جِئْتُه، قال: أيْ بُنَيَّ، أين كُنتَ؟ ألم أكُنْ عَهِدتُ إليكَ ما عَهِدتُ؟ قال: قلتُ: يا أبَتِ، مَرَرتُ بناسٍ يُصَلُّون في كَنيسةٍ لهُم فأعْجَبَني ما رَأيتُ مِن دِينِهِم، فواللهِ ما زِلتُ عِندَهُم حتى غَرَبَتِ الشمسُ، قال: أيْ بُنَيَّ، ليس في ذلك الدِّينِ خَيرٌ، دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ خَيرٌ منه! قال: قلتُ: كلَّا واللهِ إنَّه لخَيرٌ مِن دِينِنا، قال: فخافَني، فجَعَلَ في رِجْلي قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَني في بَيتِه، قال: وبَعَثتُ إلى النَّصارى فقُلتُ لهم: إذا قَدِمَ عليكم رَكْبٌ مِن الشَّامِ تُجَّارٌ مِن النَّصارى فأخْبِروني بهم، قال: فقَدِمَ عليهم رَكْبٌ مِن الشَّامِ تُجَّارٌ مِن النَّصارى، قال: فأخْبَروني بهم، قال: فقُلتُ لهُم: إذا قَضَوْا حَوائِجَهُم وأرادوا الرَّجْعةَ إلى بِلادِهِم فآذَنوني بهِم، قال: فلمَّا أرادوا الرَّجْعةَ إلى بِلادِهم أخْبَروني بهم، فألْقَيتُ الحَديدَ مِن رِجْلي، ثُمَّ خَرَجتُ معهم حتى قَدِمتُ الشَّامَ، فلمَّا قَدِمتُها، قُلتُ: مَن أفْضَلُ أهْلِ هذا الدِّينِ؟ قالوا: الأُسْقُفُّ في الكَنيسةِ، قال: فجِئْتُه، فقُلتُ: إنِّي قد رَغِبتُ في هذا الدِّينِ، وأحْبَبتُ أنْ أكونَ معَكَ أخْدِمُكَ في كَنيسَتِكَ، وأتَعَلَّمُ منكَ وأُصَلِّي معَكَ، قال: فادْخُلْ فدَخَلتُ معَه، قال: فكان رَجُلَ سُوءٍ؛ يَأمُرُهم بالصَّدَقةِ ويُرَغِّبُهم فيها، فإذا جَمَعوا إليه منها أشْياءَ، اكْتَنَزَه لنَفْسِه، ولم يُعْطِه المَساكينَ، حتى جَمَعَ سَبعَ قِلالٍ مِن ذَهَبٍ ووَرِقٍ، قال: وأبغَضْتُه بُغْضًا شَديدًا لِما رَأيتُه يَصنَعُ، ثُمَّ ماتَ، فاجتَمَعَتْ إليه النَّصارى لِيَدْفِنوه، فقُلتُ لهم: إنَّ هذا كان رَجُلَ سُوءٍ؛ يَأمُرُكم بالصَّدَقةِ ويُرَغِّبُكُم فيها، فإذا جِئْتُموه بها اكْتَنَزَها لنَفْسِه، ولم يُعْطِ المَساكينَ منها شَيئًا، قالوا: وما عِلْمُكَ بذلك؟ قال: قلتُ أنا أدُلُّكُم على كَنْزِه، قالوا: فدُلَّنا عليه، قال: فأرَيتُهُم مَوضِعَه، قال: فاسْتَخْرَجوا منه سَبْعَ قِلالٍ مَمْلوءةً ذَهَبًا ووَرِقًا، قال: فلمَّا رَأوْها قالوا: واللهِ لا نَدْفِنُه أبَدًا فصَلَبوه، ثُمَّ رَجَموه بالحِجارةِ، ثُمَّ جاؤوا برَجُلٍ آخَرَ، فجَعَلوه بمَكانِه، قال: يَقولُ سَلْمانُ: فما رَأيتُ رَجُلًا لا يُصلِّي الخَمْسَ، أرى أنَّه أفْضَلُ منه، أزْهَدُ في الدُّنْيا، ولا أرْغَبُ في الآخِرةِ، ولا أدْأبُ ليلًا ونَهارًا منه، قال: فأحبَبْتُه حُبًّا لم أُحِبَّه مَن قَبْلَه، فأقَمْتُ معَه زَمانًا، ثُمَّ حَضَرَتْه الوَفاةُ، فقُلتُ له: يا فُلانُ، إنِّي كُنتُ معَكَ وأحْبَبْتُكَ حُبًّا لم أُحِبَّه مَن قَبْلَكَ، وقد حَضَرَكَ ما تَرى مِن أمْرِ اللهِ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُ أحَدًا اليومَ على ما كُنتُ عليه، لقد هَلَكَ الناسُ وبَدَّلوا وتَرَكوا أكثَرَ ما كانوا عليه، إلَّا رَجُلًا بالمَوْصِلِ، وهو فُلانٌ، فهو على ما كُنتُ عليه، فالْحَقْ به، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ، لَحِقتُ بصاحِبِ المَوْصِلِ فقُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا أوْصاني عِندَ مَوتِه أنْ ألْحَقَ بكَ، وأخْبَرَني أنَّكَ على أمْرِه، قال: فقال لي: أقِمْ عِندي فأقَمتُ عِندَه، فوَجَدْتُه خَيرَ رَجُلٍ على أمْرِ صاحِبِه، فلم يَلبَثْ أنْ ماتَ، فلمَّا حَضَرَتْه الوَفاةُ، قُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا أوْصى بي إليكَ، وأمَرَني باللُّحوقِ بكَ، وقد حَضَرَكَ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ ما تَرى، فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُ رَجُلًا على مِثْلِ ما كُنَّا عليه إلَّا بِنَصِيبينَ، وهو فُلانٌ، فالْحَقْ به، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ لَحِقتُ بصاحِبِ نَصِيبينَ، فجِئْتُه فأخبَرْتُه خَبَري، وما أمَرَني به صاحِبي، قال: فأقِمْ عِندي، فأقَمْتُ عِندَه، فوَجَدْتُه على أمْرِ صاحِبَيْه، فأقَمْتُ مع خَيرِ رَجُلٍ، فواللهِ ما لَبِثَ أنْ نَزَلَ به الموتُ، فلمَّا حَضَرَ، قُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا كان أوْصى بي إلى فُلانٍ، ثُمَّ أوْصى بي فُلانٌ إليكَ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما نَعلَمُ أحَدًا بَقِيَ على أمْرِنا آمُرُكَ أنْ تَأتيَه إلَّا رَجُلًا بِعَمُّوريَّةَ؛ فإنَّه على مِثْلِ ما نَحنُ عليه، فإنْ أحْبَبْتَ فأْتِه، قال: فإنَّه على أمْرِنا، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ لَحِقتُ بصاحِبِ عَمُّوريَّةَ، وأخْبَرْتُه خَبَري، فقال: أقِمْ عِندي، فأقَمْتُ مع رَجُلٍ على هَدْيِ أصحابِه وأمْرِهِم، قال: واكتَسَبْتُ حتى كان لي بَقَراتٌ وغُنَيْمةٌ، قال: ثُمَّ نَزَلَ به أمْرُ اللهِ، فلمَّا حُضِرَ قُلتُ له: يا فُلانُ، إنِّي كُنتُ مع فُلانٍ، فأوْصى بي فُلانٌ إلى فُلانٍ، وأوْصى بي فُلانٌ إلى فُلانٍ، ثُمَّ أوْصى بي فُلانٌ إليكَ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تأْمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُه أصْبَحَ على ما كُنَّا عليه أحَدٌ مِن الناسِ آمُرُكَ أنْ تَأتيَه، ولكنَّه قد أظَلَّكَ زَمانُ نَبيٍّ هو مَبْعوثٌ بدِينِ إبْراهيمَ يَخرُجُ بأرْضِ العَرَبِ، مُهاجِرًا إلى أرضٍ بَينَ حرَّتَينِ بَينَهُما نَخْلٌ، به عَلاماتٌ لا تَخْفى: يَأكُلُ الهَديَّةَ ولا يَأكُلُ الصَّدَقةَ، بَينَ كَتِفَيْه خاتَمُ النُّبوَّةِ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَلحَقَ بتلك البِلادِ فافْعَلْ، قال: ثُمَّ ماتَ وغُيِّبَ، فمَكَثْتُ بِعَمُّوريَّةَ ما شاءَ اللهُ أنْ أمكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بي نَفَرٌ مِن كَلْبٍ تُجَّارًا، فقُلتُ لهُم: تَحمِلوني إلى أرضِ العَرَبِ، وأُعْطيكُم بَقَراتي هذه وغُنَيْمَتي هذه؟ قالوا: نَعَمْ، فأعطَيْتُهُموها وحَمَلوني، حتى إذا قَدِموا بي واديَ القُرى ظَلَموني فباعوني مِن رَجُلٍ مِن يَهودَ عَبدًا، فكُنتُ عِندَه، ورَأيتُ النَّخلَ، ورَجَوْتُ أنْ تكونَ البَلَدَ الذي وَصَفَ لي صاحِبي، ولم يَحِقْ لي في نَفْسي، فبَينَما أنا عِندَه، قَدِمَ عليه ابنُ عَمٍّ له مِن المَدينةِ مِن بَني قُرَيْظةَ فابْتاعَني منه، فاحْتَمَلَني إلى المَدينةِ، فواللهِ ما هو إلَّا أنْ رَأيْتُها فعَرَفْتُها بصِفةِ صاحِبي، فأقَمْتُ بها وبَعَثَ اللهُ رسولَه، فأقامَ بمكَّةَ ما أقامَ لا أسْمَعُ له بذِكْرٍ مع ما أنا فيه مِن شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدينةِ، فواللهِ إنِّي لَفي رَأسِ عَذْقٍ لسَيِّدي أعْمَلُ فيه بَعضَ العَمَلِ، وسَيِّدي جالِسٌ، إذْ أقبَلَ ابنُ عَمٍّ له حتى وَقَفَ عليه، فقال: فُلانُ، قاتَلَ اللهُ بَني قَيْلةَ، واللهِ إنَّهم الآنَ لَمُجتَمِعون بقُباءٍ على رَجُلٍ قَدِمَ عليهم مِن مكَّةَ اليومَ، يَزْعُمون أنَّه نَبيٌّ، قال: فلمَّا سَمِعْتُها أخَذَتْني العُرَواءُ، حتى ظَنَنتُ سأسْقُطُ على سيِّدي، قال: ونَزَلَتْ عن النَّخلةِ، فجَعَلتُ أقولُ لابنِ عمِّهِ ذلك: ماذا تقولُ؟ ماذا تقولُ؟ قال: فغَضِبَ سيِّدي فلَكَمَني لَكْمةً شَديدةً، ثُمَّ قال: ما لكَ ولهذا، أقْبِلْ على عَمَلِكَ، قال: قُلتُ: لا شَيءَ، إنَّما أرَدْتُ أنْ أسْتَثْبِتْه عمَّا قال، وقد كان عِندي شَيءٌ قد جَمَعْتُه، فلمَّا أمْسَيتُ أخَذْتُه ثُمَّ ذَهَبتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وهو بقُباءٍ، فدَخَلتُ عليه، فقُلتُ له: إنَّه قد بَلَغَني أنَّكَ رَجُلٌ صالِحٌ، ومعَكَ أصحابٌ لكَ غُرَباءُ ذَوو حاجَةٍ، وهذا شَيءٌ كان عِندي للصَّدَقةِ، فرَأيْتُكُم أحَقَّ به مِن غَيرِكُم، قال: فقَرَّبتُه إليه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لِأصحابِه: كُلوا، وأمْسَكَ يَدَه فلم يَأكُلْ، قال: فقُلتُ في نفْسي: هذه واحِدةٌ، ثُمَّ انصَرَفتُ عنه فجَمَعتُ شَيئًا، وتَحَوَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ إلى المَدينةِ، ثُمَّ جِئْتُه به، فقُلتُ: إنِّي رَأيتُكَ لا تَأكُلُ الصَّدَقةَ، وهذه هَديَّةٌ أكرَمْتُكَ بها، قال: فأكَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ منها، وأمَرَ أصحابَه فأكَلوا معَه، قال: فقُلتُ في نَفْسي: هاتانِ اثْنَتانِ، قال: ثُمَّ جِئتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وهو ببَقيعِ الغَرْقَدِ، قال: وقد تَبِعَ جِنازةً مِن أصحابِه، عليه شَمْلَتانِ له، وهو جالِسٌ في أصحابِه، فسَلَّمتُ عليه، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أنظُرُ إلى ظَهْرِه، هل أرَى الخاتَمَ الذي وَصَفَ لي صاحِبي؟ فلمَّا رَآني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ استَدْبَرْتُه، عَرَفَ أنِّي أسْتَثْبِتُ في شَيءٍ وُصِفَ لي، قال: فألْقى رِداءَه عن ظَهْرِه، فنَظَرْتُ إلى الخاتَمِ فعَرَفْتُه، فانْكَبَبْتُ عليه أُقَبِّلُه وأبْكي، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: تَحَوَّلْ، فتَحَوَّلتُ، فقَصَصْتُ عليه حَديثي كما حَدَّثتُكَ يا ابنَ عبَّاسٍ، قال: فأُعجِبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أنْ يَسمَعَ ذلك أصحابُه، ثُمَّ شَغَلَ سَلْمانَ الرِّقُّ حتى فاتَه مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بَدْرٌ، وأُحُدٌ، قال: ثُمَّ قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: كاتِبْ يا سَلْمانُ، فكاتَبْتُ صاحِبي على ثَلاثِ مِئةِ نَخلةٍ، أُحْييها له بالفَقيرِ، وبأرْبَعينَ أُوقيَّةً، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لِأصحابِه: أعِينوا أخاكُم، فأعانوني بالنَّخلِ: الرَّجُلُ بثَلاثينَ وَدِيَّةً، والرَّجُلُ بعِشْرينَ، والرَّجُلُ بخَمْسَ عَشْرةَ، والرَّجُلُ بعَشْرٍ؛ يَعْني: الرَّجُلُ بقَدْرِ ما عِندَه، حتى اجتَمَعَتْ لي ثلاثُ مِئةِ وَدِيَّةٍ، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: اذْهَبْ يا سَلْمانُ ففَقِّرْ لها، فإذا فَرَغْتُ فأْتِني أكونُ أنا أضَعُها بِيَدي، قال: ففَقَّرتُ لها، وأعانَني أصْحابي، حتى إذا فَرَغتُ منها جِئْتُه فأخبَرْتُه، فخَرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ معي إليها، فجَعَلْنا نُقَرِّبُ له الوَديَّ ويَضَعُه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بِيَدِه، فوالذي نَفْسُ سَلْمانَ بِيَدِه، ما ماتَتْ منها وَدِيَّةٌ واحِدةٌ، فأدَّيتُ النَّخلَ، وبَقِيَ علَيَّ المالُ، فأُتِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بمِثْلِ بَيْضةِ الدَّجاجةِ مِن ذَهَبٍ مِن بَعضِ المَغازي، فقال: ما فَعَلَ الفارِسيُّ المُكاتَبُ؟ قال: فدُعِيتُ له، فقال: خُذْ هذه فأدِّ بها ما عليكَ يا سَلْمانُ، فقُلتُ: وأين تَقَعُ هذه يا رسولَ اللهِ ممَّا علَيَّ؟ قال: خُذْها؛ فإنَّ اللهَ سيُؤَدِّي بها عنكَ، قال: فأخَذْتُها فوَزَنْتُ لهُم منها، والذي نَفْسُ سلَمْانَ بِيَدِه، أربَعينَ أُوقِيَّةً، فأوْفَيْتُهم حَقَّهُم، وعَتَقْتُ! فشَهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ الخَندَقَ، ثُمَّ لم يَفُتْني معَه مَشهَدٌ
عن ابنِ عباسٍ فكان من دَلالاتِ حَمل ِمحمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ كلَّ دابةٍ كانت لقريشٍ نطقت تلك الليلةَ قد حُمِل برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وربِّ الكعبةِ وهو أمانُ الدنيا وسراجُ أهلِها ولم يبق كاهنٌ في قريشٍ ولا قبيلةٌ من قبائلِ العربِ إلا حُجَبت عن صاحبتِها وانتزع علمَ الكهَنةِ منها ولم يبق سريرُ مَلِكٍ من ملوكِ الدنيا إلا أصبح منكوسًا والملِكُ مُخرسًا لا ينطق يومَه لذلك وفرَّت وحوشُ المشرقِ إلى وحوشِ المغربِ بالبشارات وكذلك أهلُ البحارِ بشَّر بعضُهم بعضًا وفي كلِّ شهرٍ من شهورِه نداءٌ في الأرضِ ونداءٌ في السمواتِ أبشِروا فقد آن لأبي القاسمِ أن يخرجَ إلى الأرضِ ميمونًا مباركًا قال وبقِي في بطنِ أمه تسعةَ أشهرٍ وهلك أبوه عبدُ اللهِ وهو في بطنِ أمِّه فقالت الملائكةُ إلهَنا وسيَّدَنا بقِيَ نبيُّك هذا يتيمًا فقال اللهُ تعالى للملائكةِ أنا له وليٌّ وحافظٌ ونصيرٌ فتبرَّكوا بمولدِه ميمونًا مباركًا وفتح اللهُ لمولدِه أبوابَ السماءِ وجناتِه وكانت آمنةُ تُحدِّثُ عن نفسِها وتقول أتى لي آتٍ حين مرَّ لي من حَملِه ستةُ أشهرٍ فوكزَني برجلِه في المنامِ وقال يا آمنةُ إنك حَمَلتِ بخير العالَمين طُرًّا فإذا ولدتِيه فسمِّيه محمدًا أو النبيَّ شأنُك قال وكانت تُحدِّث عن نفسِها وتقول لقد أخذني ما يأخذ النساءَ ولم يعلم بي أحدٌ من القومِ ذكرٌ ولا أنثى وإني لوحيدةٌ في المنزلِ وعبدُ المطلبِ في طوافِه قالت فسمعتُ وجبةً شديدةً وأمرًا عظيمًا فهالني ذلك وذلك يومَ الاثنين ورأيتُ كأن جناحَ طيرٍ أبيضَ قد مسح على فُؤادي فذهب كلُّ رُعبٍ وكلُّ فزَعٍ ووجَلٍ كنتُ أجدُ ثم التفتُّ فإذا أنا بشربةٍ بيضاءَ ظننتُها لبنًا وكنتُ عطشانةً فتناولتُها فشربتُها فأصابني نورٌ عالٍ ثم رأيتُ نسوةً كالنخلِ الطوالِ كأنهن من بناتِ عبدِ المطلبِ يُحدقْنَ بي فبينا أنا أعجبُ وأقول واغوثَاه من أين علِمْن بي واشتدَّ بي الأمرُ وأنا أسمع الوجبةَ في كلِّ ساعةٍ أعظمُ وأهولُ وإذا أنا بدِيباجٍ أبيضَ قد مُدَّ بين السماءِ والأرضِ وإذا قائلٌ يقول خُذوه عن أعينِ الناسِ قالت رأيتُ رجالًا وقفوا في الهواءِ بأيديهم أباريقُ فضة ٍوأنا يرشحُ مني عرَقٌ كالجُمانِ أطيبُ ريحًا من المسكِ الأزْفرِ وأنا أقولُ ياليتَ عبدَ المطلبِ قد دخل عليَّ قالت ورأيتُ قطعةً من الطيرِ قد أقبلتْ من حيثُ لا أشعرُ حتى غَطَّتْ حُجرتي مناقيرُها من الزُّمُرُّدِ وأجنحتُها من اليواقيتِ فكشف اللهُ لي عن بصيرتي فأبصرتُ من ساعتي مشارقَ الأرضِ ومغاربَها ورأيتُ ثلاثَ علاماتٍ مضروباتٍ علَمٌ بالمشرقِ وعلَمٌ بالمغربِ وعلَمٌ على ظهرِ الكعبةِ فأخذني المخاضُ واشتدَّ بي الطَّلقُ جدًّا فكنتُ كأني مُسنَدةٌ إلى أركانِ النساءِ وكثُرْن عليَّ حتى كأني مع البيتِ وأنا لا أرى شيئًا فولدتُ محمدًا فلما خرج من بطني دُرْت فنظرتُ إليه فإذا هو ساجدٌ وقد رفع إصبعَيه كالمتضرِّعِ المبتهِلِ ثم رأيتُ سحابةً بيضاءَ قد أقبلت من السماءِ تنزل حتى غشِيَته فغُيَّب عن عيني فسمعتُ مناديًا ينادي يقول طُوفوا بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شرقَ الأرضِ وغربَها وأَدخِلوه البحارَ كلَّها ليعرِفوه باسمِه ونَعْتهِ وصورتِه ويعلموا أنه سُمِّيَ الماحي لا يبقي شيءٌ من الشركِ إلا مُحِيَ به قالت ثم تخلَّوا عنه في أسرعِ وقتٍ فإذا أنا به مُدرَجٌ في ثوبِ صوفٍ أبيضَ أشدَّ بياضًا من اللبنِ وتحته حريرةٌ خضراءُ وقد قبض محمدٌ ثلاثةَ مفاتيحَ من اللؤلؤِ الرطبِ الأبيضِ وإذا قائلٌ يقولُ قبَضَ محمدٌ مفاتيحَ النَّصرِ ومفاتيحَ الرِّيحِ ومفاتيحَ النُّبوَّةِ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيالا يزيده شدة الجهل إلا حلمالا تزيده شدة الجهل إلا حلمااقضه حقه و زده عشرين صاعاأعطه حقه وزد عشرين صاعاأشهد أن لا إله إلا اللهمبايعته التمر إلى أجلبين كتفيه خاتم النبوةثمانين مثقالا من ذهبالزيادة عشرين صاعالم يطعمه أحد قبليعشرين صاعا من تمرإسلام زيد بن سعنةبقايا أهل الكتابلا إله إلا اللهيسبق حلمه جهلهرضيت بالله رباالأحمر والأسودحلمه يسبق جهلهبني عبد المطلبلا يأكل الصدقةمحمد رسول اللهعلامات النبوةثمانين مثقالاالتمر إلى أجلعمر بن الخطابشطر مالي صدقةالبيع إلى أجلصلى ولم يتوضأشرحبيل بن سعدسلمان الفارسيثلاث مئة نخلةثلاثمائة نخلةالشهر الحرامأطعمت المغنمأربعين أوقيةأربعون أوقيةمفاتيح النصرزيد بن سعنةصوموا رمضانحسن التباعةنصرت بالرعبخاتم النبوةيأكل الهديةحسن الأداءأعطيت خمساشامة مدورةسرير الملكلا تشربواشدة الجهلمسيرة شهرأرض العرببين حرتينالعلاماتأبو رافعآمن وصدقالمكاتبةزمان نبيالمجوسيةالبشاراتالفارسيالتباعةاليهوديانتهشهامقاضاتهالرهبانالنصارىالكتابةالمدينةالبدويناولنيالذراعالخندقالصدقةالهديةالعفيرالخاتمالنبوةالكعبةالكاهنالوحوشسلمانالدينإسلامربيعةالحلمالجهلالحبرالنخليبحثالحقمطالبصرىقباءشهدتمحمدآمنةدابةسراجقصة
تخريج حديث علامات النبوة
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








