أحاديث عن: قدم النبي المدينة
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
22 نتيجة — لكلمة: قدم النبي المدينة
⭐ حسن
📂 باب ما جاء في خاتم...
عن بريدة، قال: جاء سلمان إلى رسول اللَّه ﷺ حين قدم المدينة، فقال النبيّ ﷺ لأصحابه: «أبسْطوا». فنظر سلمان إلى الخاتم الذي على ظهر رسول اللَّه ﷺ فآمن به.
حسن رواه الإمام أحمد (٢٢٩٩٧)، والبزّار -كشف الأستار (٢٧٢٦) -، والطبرانيّ في الكبير (٦٠٧٠) كلّهم من طريق زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد اللَّه بن بريدة، قال: سمعت بريدة، فذكر قصة إسلام سلمان مطوّلًا، وستأتي في موضعها.
📚 كتاب الإيمان
📖 اقرأ الشرح
قال جابرٌ رضيَ اللهُ تعالَى عنهُ : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مكث [ بالمدينةِ ] تسعَ سنين لم يحجَّ . ثم أذَّنَ في الناسِ في العاشرةِ : أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حاجٌّ [ هذا العامَ ] . فقدم المدينةَ بشرٌ كثيرٌ ( وفي روايةٍ : فلم يبق أحدٌ يقدرُ أن يأتيَ راكبًا أو راجلًا إلا قَدِمَ ) [ فتدارك الناسُ ليخرجوا معهُ ] كلُّهم يلتمسُ أن يَأْتَمَّ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ويعملَ مثلَ عملِه . [ وقال جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ : سمعتُ – قال الراوي : أحسبُه رُفِعَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، ( وفي روايةٍ قال : خطَبَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ) فقال : مَهِلُّ أهلِ المدينةِ من ذي الحليفةِ ، و [ مَهِلُّ أهلِ ] الطريقِ الآخرِ الجحفةُ ، ومَهِلُّ أهلِ العراقِ من ذاتِ عرقٍ ومَهِلُّ أهلِ نجدٍ من قرنٍ ، ومَهِلُّ أهلِ اليمنِ من يلملمَ ] . [ قال فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ] [ لخمسٍ بَقَيْنَ من ذي القعدةِ أو أربعٍ ] . [ وساق هديًا ] . فخرجنا معه [ معنا النساءُ والولدانُ ] . حتى أتينا ذا الحليفَةَ فولدتْ أسماءُ بنتُ عميسٍ محمدَ بنَ أبي بكرٍ . فأرسلت إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : كيف أصنعُ ؟ [ ف ] قال : اغتَسِلي واستثفري بثوبٍ وأحْرِمي . فصلى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في المسجدِ [ وهو صامتٌ ] . ثم ركب القصواءَ حتى إذا استوت به ناقتُه على البيداءِ [ أهلَّ بالحجِّ ( وفي روايةٍ : أفرد الحجَّ ) هو وأصحابُه ] . [ قال جابرٌ ] : فنظرتُ إلى مَدِّ بصري [ من ] بين يديهِ من راكبٍ وماشٍ ، وعن يمينِه مثلَ ذلك ، وعن يسارِه مثلَ ذلك ، ومن خلفِه مثلَ ذلك ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بين أَظْهُرِنا وعليه ينزلُ القرآنُ ، وهو يعرفُ تأويلَه ، وما عمل بهِ من شيٍء عمِلْنا به . فأَهَلَّ بالتوحيدِ : لبيكَ اللهمَّ لبيكَ ، لبيكَ لا شريكَ لك لبيكَ ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والمُلْكُ ، لا شريكَ لك . وأهلُ الناسِ بهذا الذي يُهِلُّونَ به ، ( وفي روايةٍ : ولبَّى الناسُ [ والناسُ يزيدون ] [ لبيكَ ذا المعارجِ لبيكَ ذا الفواصلِ ] فلم يَرُدَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عليهم شيئًا منه . ولزم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم تلبِيَتَه . قال جابرٌ : [ ونحنُ نقولُ [ لبيكَ اللهمَّ ] لبيكَ بالحجِّ ] [ نصرخُ صراخًا ] لسنا ننوي إلا الحجَّ [ مفردًا ] [ لا نخلطُه بعمرةٍ ] ( وفي روايةٍ : لسنا نعرفُ العمرةَ ) وفي أخرى : أَهْلَلْنَا أصحابَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بالحجِّ خالصًا ليس معهُ غيرُه ، خالصًا وحدَه ) [ قال : وأقبلت عائشةُ بعمرةٍ حتى إذا كانت ب ( ( سَرَفَ ) ) عركتْ ] . حتى إذا أتينا البيتَ معَهُ [ صُبْحَ رابعةٍ مضتْ من ذي الحجةِ ] ( وفي روايةٍ : دخلنا مكةَ عند ارتفاعِ الضحى ) فأتى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بابَ المسجدِ فأناخ راحلتَه ثم دخل المسجدَ ، ف ) استلمَ الركنَ ( وفي روايةٍ : الحجرَ الأسودَ ) [ ثم مضى عن يمينِه ] . فرَمَلَ [ حتى عاد إليهِ ] ثلاثًا ، ومشى أربعًا [ على هينتِه ] . ثم نفذ إلى مقامِ إبراهيمَ عليه السلامُ فقرأ ( وَاتَّخِذُوْا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى ) ، [ ورفع صوتَه يُسْمِعُ الناسَ ] . فجعل المقامَ بينَه وبين البيتِ . [ فصلى ركعتينِ ] . [ قال ] : فكان يقرأُ في الركعتينِ : ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) و ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ( وفي روايةٍ : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) . [ ثم ذهب إلى زمزمَ فشرب منها ، وصبَّ على رأسِه ] . ثم رجع إلى الركنِ فاستلمَه . ثم خرج من البابِ ( وفي روايةٍ : بابِ الصفا ) إلى الصفا . فلما دنا من الصفا قرأ : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) أبدأُ ( وفي روايةٍ : نبدأُ ) بما بدأ اللهُ به ، فبدأَ بالصفا فرقى عليهِ حتى رأى البيتَ . فاستقبل القِبلةَ فوحَّدَ اللهَ وكبَّرَه [ ثلاثًا ] و [ حمدَه ] وقال : لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ ، له المُلْكُ وله الحمدُ [ يُحْيِي ويُمِيتُ ] ، وهو على كلِّ شيٍء قديرٌ ، لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه [ لا شريكَ له ] ، أنجزَ وعدَه ، ونصر عبدَه ، وهزم الأحزابَ وحدَه ، ثم دعا بين ذلك ، وقال مثلَ هذا ثلاثَ مراتٍ . ثم نزل [ ماشيًا ] إلى المروةِ ، حتى إذا انصبَّتْ قدماهُ في بطنِ الوادي سعى ، حتى إذا صعَدْنا [ يعني ] [ الشِّقَّ الآخرَ ] مشى حتى أتى المروةَ [ فرقى عليها حتى نظرَ إلى البيتِ ] ففعل على المروةِ كما فعل على الصفا . حتى إذا كان آخرَ طوافِه ( وفي روايةٍ : كان السابعَ ) على المروةِ فقال : [ يا أيها الناسُ ] لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهَدْيَ و [ ل ] جعلتُها عمرةً ، فمن كان منكم معَهُ هَدْيٌ فليُحِلَّ وليجعَلْها عمرةً ، ( وفي روايةٍ : فقال : أحِلُّوا من إحرامِكم ، فطوفوا بالبيتِ ، وبين الصفا والمروةِ وقصرُوا ، وأقيموا حلالًا . حتى إذا كان يومَ الترويةِ فأهِلُّوا بالحجِّ واجعلوا التي قدِمْتُمْ بها متعةً ) . فقام سراقةُ بنُ مالكِ بنُ جعشمٍ ( وهو في أسفلِ المروةَ ) فقال : يا رسولَ اللهِ [ أرأيتَ عُمْرَتَنا ( وفي لفظٍ : مُتْعَتَنا ) هذه ] [أ]لعامِنا هذا أم لأبدِ [ الأبدِ ] ؟ [ قال ] فشبَّك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أصابعَه واحدةً في أخرى وقال : دخلتِ العمرةُ في الحجِّ [ إلى يومِ القيامةِ ] لا بل لأبدِ الأبدِ ، [ لا بل لأبدِ الأبدِ ] ، [ ثلاثَ مراتٍ ] . [ قال : يا رسولَ اللهِ بيِّنْ لنا دِينَنا كأنَّا خُلِقْنا الآن ، فيما العملُ اليومَ ؟ أفيما جفَّت به الأقلامُ وجرَتْ به المقاديرُ أفيما نستقبلُ ؟ قال : لا بل فيما جفَّتْ به الأقلامُ وجرَتْ به المقاديرُ . قال : ففيم العملُ [ إذن ] ؟ قال : اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ ] ، ( لِمَا خُلِقَ له ] . ( قال جابرٌ : فأُمِرْنَا إذا حَلَلْنَا أن نُهْدِيَ ، ويجتمعُ النفرُ منا في الهديةِ ] [ كلُّ سبعةٍ منا في بدنةٍ ] [ فمن لم يكن معَه هديٌ ، فليصم ثلاثةَ أيامٍ وسبعةً إذا رجع إلى أهلِه ] . [ قال : فقلنا : حَلَّ ماذا ؟ قال : الحِلُّ كلُّه ] . [ قال : فكبُرَ ذلك علينا ، وضاقت به صدُورُنا ] . [ قال : فخرجنا إلى البطحاءِ ، قال : فجعل الرجلُ يقول : عهدي بأهلي اليومَ ] . [ قال : فتذاكَرْنا بيننا فقلنا : خرجنا حُجَّاجًا لا نُرِيدُ إلا الحجَّ ، ولا ننوي غيرَه ، حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفةَ إلا أربعٌ ] ( وفي روايةٍ : خمسَ [ ليالٍ ] أمرنا أن نُفْضِي إلى نسائِنا فنأتيَ عرفةَ تقطرُ مذاكيرُنا المنيَّ [ من النساءِ ] ، قال : يقولُ جابرٌ بيدِه ، ( قال الرواي ) : كأني أنظرُ إلى قولِه بيدِه يُحرِّكُها ، [ قالوا : كيف نجعلُها متعةً وقد سمَّيْنا الحجَّ ؟ ] . قال : [ فبلغ ذلك النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فما ندري أشيٌء بلغَه من السماءِ . أم شيءٌ بلغَه من قِبَلِ السماءِ ] . [ فقام ] [ فخطب الناسَ فحمد اللهَ وأثنى عليهِ ] فقال : [ أباللهِ تُعلموني أيها الناسُ ! ؟ ] قد علمتُم أني أتقاكُم للهِ وأصدَقُكم وأبرُّكم ، [ افعلوا ما آمُرُكم به فإني ] لولا هَدْيِي لحللتُ لكم كما تُحِلُّونَ [ ولكن لا يحلُّ مني حرامٌ حتى يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ] ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهَدْيَ ، فحُلُّوا ] . [ قال : فواقعنا النساءَ وتطيَّبْنَا بالطِّيبِ ولبسنا ثيابَنا ] [ وسمِعْنا وأطعنا ] . فحلَّ الناسُ كلُّهم وقصَّرُوا إلا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ومن كان معه هديٌ ] . [ قال : وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غيرَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وطلحةَ ] . وقدم علي [ من سعايَتِه ] من اليمنِ ببدنِ النبيِّ ص . فوجد فاطمةَ رضيَ اللهُ عنها ممن حلَّ : [ ترجَّلَتْ ] ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلتْ ، فأنكرَ ذلك عليها ، [ وقال : من أمرَكِ بهذا ؟ ! ] ، فقالت أبي أمرَنِي بهذا . قال : فكان عليٌّ يقول بالعراقِ : فذهبتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم محرشًا على فاطمةَ للذي صنعتْ مستفتيًا لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فيما ذكرتُ عنه ، فأخبرتُه أني أنكرتُ ذلك عليها [ فقالت : أبي أمرَني بهذا ] فقال : صدقتْ ، صدقتْ ، [ صدقتْ ] [ أنا أمرتُها به ] . قال جابرٌ : وقال لعليٍّ : ماذا قلتَ حين فُرِضَ الحجُّ ؟ قال قلتُ : اللهمَّ إني أُهِلُّ بما أهلَّ به رسولُ اللهِ ص . قال : فإنَّ معيَ الهديَ فلا تحلُّ ، [ وامكث حرامًا كما أنت ] . قال : فكان جماعةُ الهديِ الذي قدم به عليٌّ من اليمنِ ، والذي أتى به النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [ من المدينةِ ] مائةَ [ بدنةٍ ] . قال : فحلَّ الناسُ كلُّهم وقصرُوا ، إلا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ومن كان معه هديٌ . فلما كان يومُ الترويةِ [ وجعلنا مكةَ بظهرٍ ] توجهوا إلى مِنى فأهِلُّوا بالحجِّ [ من البطحاءِ ] . [ قال : ثم دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على عائشةَ رضيَ اللهُ عنها فوجدها تبكي فقال : ما شأنُكِ ؟ قالت : شأني أني قد حِضْتُ ، وقد حلَّ الناسُ ولم أحلُلْ ، ولم أَطُفْ بالبيتِ ، والناسُ يذهبون إلى الحجِّ الآن ، فقال : إنَّ هذا أمرٌ كتبَه اللهُ على بناتِ آدمَ ، فاغتسلي ثم أهِلِّي بالحجِّ [ ثم حُجِّي واصنعي ما يصنعُ الحاجُّ غيرَ أن لا تطوفي بالبيتِ ولا تصلي ] ففعلتْ ] . ( وفي روايةٍ : فنسكتِ المناسكَ كلَّها غيرَ أنها لم تَطُفْ بالبيتِ ) وركب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وصلى بها ( يعني مِنَى ، وفي روايةٍ : بنا ) الظهرَ والعصرَ والمغربِ والعشاءِ والفجرِ . ثم مكث قليلًا حتى طلعتِ الشمسُ وأمر بقُبَّةٍ [ له ] من شعرٍ تُضْرَبُ له بنَمِرَةَ . فسار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ولا تشكُّ قريشٌ إلا أنَّهُ واقفٌ عند المشعرِ الحرامِ [ بالمزدلفةِ ] [ ويكونُ منزلُه ثم ] كما كانت قريشٌ تصنعُ في الجاهليةِ – فأجاز رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حتى أتى عرفةَ فوجد القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ ، فنزل بها . حتى إذا زاغتِ الشمسُ أمر بالقصواءِ فرُحِّلَتْ له ، ف [ ركب حتى ] أتى بطنَ الوادي . فخطب الناسَ وقال : إنَّ دماءَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم ، كحُرْمَةِ يومِكم هذا ، في شهرِكم هذا ، في بلدِكم هذا ، ألا [ و ] [ إنَّ ] كلَّ شيٍء من أمرِ الجاهليةِ تحت قدمي [ هاتين ] موضوعٌ ، ودماءُ الجاهليةِ موضوعةٌ ، وإنَّ أولَ دمٍ أضعُ من دمائِنا دمَ ابنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ [ ابنِ عبدِ المطلبِ ] – كان مسترضعًا في بني سعدٍ فقتَلَتْه هذيلٌ - . وربا الجاهليةِ موضوعٌ ، وأولُ ربًا أضعُ رِبَانَا : ربا العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ فإنَّهُ موضوعٌ كلُّه فاتّقوا اللهَ في النساءِ ، فإنكم أخذتموهنَّ بأمانِ [ ة ] اللهِ واستحللتُم فروجهنَّ بكلمةِ اللهِ و [ إنَّ ] لكم عليهنَّ أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحدًا تكرهونَه ، فإن فعلْنَ ذلك فاضربوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّحٍ ولهنَّ عليكم رزقُهُنَّ وكسوتُهُنَّ بالمعروفِ ، و [ إني ] قد تركتُ فيكم ما لن تضلُّوا بعدُ إن اعتصمتُم به كتابَ اللهِ وأنتم تسألون ( وفي لفظٍ مسؤولونَ ) عني ، فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهدُ أنك قد بلَّغْتَ [ رسالاتِ ربكَ ] وأدَّيْتَ ، ونصحتَ [ لأُمَّتِكَ ، وقضيتَ الذي عليك ] فقال بأصبعِه السبابةِ يرفعُها إلى السماءِ ويُنْكِتُها إلى الناسِ : اللهمَّ اشهد ، اللهمَّ اشهدْ . ثم أذَّنَ [ بلالٌ ] [ بنداءٍ واحدٍ ] ، ثم أقام فصلى الظهرَ ، ثم أقام فصلى العصرَ ، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا ، ثم ركب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [ القصواءَ ] حتى أتى الموقفَ فجعل بطنَ ناقتِه القصواءَ إلى الصخراتِ ، وجعل حبلَ المشاةِ بين يديهِ ، واستقبلَ القِبلةَ . فلم يزل واقفًا حتى غربتِ الشمسُ وذهبت الصُّفرةُ قليلًا حتى غاب القرصُ . [ وقال : وقفتُ ههنا وعرفةُ كلُّها موقفٌ ] . وأردف أسامةَ [ ابنَ زيدٍ ] خلفَه . ودفع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ( وفي روايةٍ : أفاض وعليه السكينةُ : ) وقد شنق للقصواءِ الزمامَ ، حتى إنَّ رأسَها ليُصيبُ مورِكَ رَحْلَه ويقول بيدِه اليمنى [ هكذا : وأشار بباطنِ كفِّهِ إلى السماءِ ] أيها الناسُ السكينةُ السكينةُ . كلما أتى حبلًا من الحبالِ أرخى لها قليلًا حتى تصعدَ حتى أتى المزدلفةَ فصلى بها [ فجمع بين ] المغربِ والعشاءِ ، بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ . ولم يُسَبِّحْ بينهما شيئًا . ثم اضطجع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حتى طلع الفجرُ وصلى الفجرَ حين تبيَّنَ له الفجرُ ، بأذانٍ وإقامةٍ . ثم ركب القصواءَ حتى أتى المشعرَ الحرامَ [ فرقى عليه ] . فاستقبلَ القِبلةَ ، فدعاه ( وفي لفظٍ : فحمد اللهَ ) وكبَّرَه وهلَّلَه ووحَّدَه . فلم يزل واقفًا حتى أسفرَ جدًّا . ( وقال : وقفتُ ههنا ، والمزدلفةُ كلُّها موقفٌ ) . فدفع [ من جمعٍ ] قبل أن تطلعَ الشمسُ [ وعليه السكينةُ ] . وأردف الفضلَ بنَ عباسٍ – وكان رجلًا حسنَ الشعرِ أبيضَ وسيمًا - ، فلما دفع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مرَّتْ به ظُعُنٌ تَجْرِينَ ، فطفق الفضلُ ينظرُ إليهنَّ ، فوضع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يدَه على وجهِ الفضلِ ، فحوَّلَ الفضلُ وجهَه إلى الشِّقِّ الآخرِ ، فحوَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يدَه من الشقِّ الآخرِ على وجهِ الفضلِ ، يصرفُ وجهَه من الشقِّ الآخرِ ينظرُ ! حتى أتى بطنَ مُحَسِّرٍ ، فحرك قليلًا [ وقال : عليكم السكينةَ ] . ثم سلك الطريقَ الوسطى التي تخرجُ [ ك ] على الجمرةِ الكبرى [ حتى أتى الجمرةَ التي ] عند الشجرةِ ، فرماها [ ضُحًى ] بسبعِ حصياتٍ ، يُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ منها ، مثل حصى الخذفِ [ ف ] رمى من بطنِ الوادي [ وهو على راحلتِه [ وهو ] يقول : لِتَأْخُذوا مناسِكَكم ، فإني لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجَّتي هذه ] . [ قال : ورمى بعدَ يومِ النحرِ [ في سائرِ أيامِ التشريقِ ] إذا زالتِ الشمسُ ] . [ ولقيَه سراقةُ وهو يرمي جمرةَ العقبةِ ، فقال : يا رسولَ اللهِ ، ألنا هذه خاصةً ؟ قال : لا ، بل لأبدٍ ] . ثم انصرف إلى المنحرِ فنحر ثلاثًا وستين [ بدنةً ] بيدِه ، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غَبَرَ [ يقول : ما بقيَ ] ، وأشرَكَه في هدْيِهِ . ثم أمر من كلِّ بدنةٍ ببضعةٍ فجُعِلَتْ في قِدْرٍ فطُبِخَتْ فأكلا من لحمِها ، وشربا من مَرَقِها . ( وفي روايةٍ قال : نحر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عن نسائِه بقرةً ) . ( وفي أخرى قال : فنحرنا البعيرَ ( وفي أخرى : نحر البعيرَ ) عن سبعةٍ ، والبقرةَ عن سبعةٍ ) ( وفي روايةٍ خامسةٍ عنه قال : فاشتركنا في الجزورِ سبعةً ، فقال له رجلٌ : أرأيتَ البقرةَ أيُشْتَرَكُ فيها ؟ فقال ما هيَ إلا من البُدْنِ ) ( وفي روايةٍ : قال جابرٌ : كنا لا نأكلُ من البُدْنِ إلا ثلاثَ مِنًى ، فأرخص لنا رسولُ اللهِ ص ، قال : كُلُوا وتزوَّدُوا ) . قال : فأكلنا وتزوَّدْنا ] ، [ حتى بَلَغْنَا بها المدينةَ ] ( وفي روايةٍ : نحر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [ فحلق ] ، وجلس [ بمنى يومَ النحرِ ] للناسِ ، فما سُئِلَ [ يومئذٍ ] عن شيٍء [ قُدِّمَ قبلَ شيٍء ] إلا قال : لا حرجَ ، لا حرجَ . حتى جاءَه رجلٌ فقال : حلقتُ قبلَ أن أنحرَ ؟ قال : لا حرجَ . ثم جاء آخرُ فقال : حلقتُ قبل أن أرمي ؟ قال : لا حرجَ . [ ثم جاءَه آخرُ فقال : طُفْتُ قبل أن أرمي ؟ قال لا حرج ] . [ قال آخرُ : طُفْتُ قبل أن أذبحَ ، قال : اذبح ولا حرجَ ] . [ ثم جاءَه آخرُ فقال : إني نحرتُ قبل أن أرميَ ؟ قال : [ ارْمِ و ] لا حرج ] . ثم قال نبيُّ اللهِ ص : قد نحرتُ ههنا ، ومِنَى كلُّها منحرٌ . [ وكلُّ فِجاجِ مكةَ طريقٌ ومنحرٌ ] . [ فانحروا من رِحالِكُم ] . [ وقال جابرٌ رضيَ اللهُ عنه : خَطَبَنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يومَ النحرِ فقال : أيُّ يومٍ أعظمُ حُرْمةً ؟ فقالوا : يومُنا هذا ، قال : فأيُّ شهرٍ أعظمُ حُرْمَةً ؟ قالوا : شهرُنا هذا ، قال : أيُّ بلدٍ أعظمُ حُرْمَةً ؟ قالوا بلدُنا هذا ، قال : فإنَّ دماءَكم وأموالَكم عليكم حرامٌ كحُرْمَةِ يومكم هذا في بلدِكم هذا في شهرِكم هذا ، هل بلَّغْتُ ؟ قالوا : نعم . قال : اللهمَّ اشهدْ ] . ثم ركب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فأفاض إلى البيتِ [ فطافوا ولم يطوفوا بين الصفا والمروةِ ] . فصلى بمكةَ الظهرَ . فأتى بني عبدِ المطلبِ [ وهم ] يسقون على زمزمَ فقال : انزعوا بني عبدِ المطلبِ ، فلولا أن يَغْلِبَكُمُ الناسُ على سِقَايَتِكُمْ لنزعتُ معكم ، فناولوهُ دَلْوًا فشرب منهُ . [ وقال جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ : وإنَّ عائشةَ حاضت فنسكتِ المناسكَ كلَّها غيرَ أنها لم تَطُفْ بالبيتِ ] . [ قال : حتى إذا طهرت طافت بالكعبةِ والصفا والمروةِ ، ثم قال : قد حللتِ من حجِّكِ وعمرتِكِ جميعًا ] ، [ قالت : يا رسولَ اللهِ أتنطلقون بحجٍّ وعمرةٍ وأنطلقُ بحجٍّ ؟ ] [ قال : إنَّ لكِ مثلَ ما لهم ] . [ فقالت : إني أجدُ في نفسي أني لم أَطُفْ بالبيتِ حتى حججتُ ] . [ قال : وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم رجلًا سهلًا إذا هويَتِ الشيءَ تابعَها عليه ] [ قال : فاذهب بها يا عبدَ الرحمنِ فأَعْمِرْها من التنعيمِ [ فاعتمرت بعد الحجِّ ] [ ثم أقبلت ] وذلك ليلةَ الحصبةِ ] . [ وقال جابرٌ : طاف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بالبيتِ في حجةِ الوداعِ على راحلتِه يستلمُ الحجرَ بمحجَنِه لأن يراهُ الناسُ ، وليُشْرِفَ ، وليسألوهُ ، فإنَّ الناسَ غشُوهُ ] . [ وقال : رفعت امرأةٌ صبيًّا لها إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقالت يا رسولَ اللهِ ألهذا حجٌّ ؟ قال : نعم ، ولكِ أجرٌ ]
أوَّلُ مَن قدِمَ علينا مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ، وابنُ أُمِّ مَكتومٍ، وكانا يُقرِئانِ النَّاسَ، فقدِمَ بلالٌ وسَعدٌ وعَمَّارُ بنُ ياسِرٍ، ثُمَّ قدِمَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ في عِشرينَ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قدِمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فما رَأيتُ أهلَ المَدينةِ فرِحوا بشَيءٍ فرَحَهم برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حتَّى جَعَلَ الإماءُ يَقُلنَ: قدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فما قدِمَ حتَّى قَرَأتُ: {سَبِّحِ اسمَ رَبِّك الأعلى} في سُوَرٍ مِنَ المُفَصَّلِ
كان وهبُ بنُ عميرٍ شهِدَ أحدًا كافرًا فأصابَتْهُ جِراحَةٌ فكان في القَتْلَى فمرَّ به رجلٌ منَ الأنصارِ فعرفَهُ فوضعَ سيفَهُ في بطنِهِ حتى خرجَ منْ ظهرِهِ ثم تركَهُ فلما دخل الليلُ وأصابَهُ البرْدُ لحِقَ بمكةَ فبرأَ فاجتمَعَ هو وصفوانُ بنُ أميةَ في الحجرِ فقال لصفوانَ بنِ أميةَ لولا عيالِي ودينٌ علَيَّ لأحبَبْتُ أنْ أكونَ أنا الذي أقتُلُ محمدًا بنفْسِي فقال صفوانُ فكيْفَ تصنَعُ فقال أنا رجلٌ جَوَادٌ لا أُلْحَقُ آتِيه فأَغْتَرَّهُ ثم أضرِبُهُ بالسيفِ ثم ألحقُ بالجبَلِ ولا يلْحَقُنِي أحدٌ فقال له صفوانُ فعيالُكَ ودينُكَ علَيَّ فخرج فشحَذَ سيفَهُ وسمَّهُ ثم خرج إلى المدينَةِ لا يُريدُ إلا قتلَ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلما قدِمَ المدينةَ رآه عمرُ بنُ الخطابِ فهالَهُ ذلكَ وشقَّ عليه وقال لأصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إني رأيتُ وهْبًا قدِمَ فرابَنِي قدومُهُ وهو رجلٌ غادِرٌ فأطَيفُوا بنَبِيِّكُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأطافَ المسلمونَ بالنَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجاءَ وهبٌ فوقَفَ علَى النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال أنعِمْ صباحًا يا محمدُ فقال قدْ أبدَلَنا اللهُ خيرًا منها فقال عهْدِي بِكَ تحدِّثُ بها وأنتَ مُعْجَبٌ فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أقْدَمَكَ قال جئتُ أفْدِي أُسَارَاكُمْ قال ما بالُ السيفِ قال أمَا إنَّا قدْ حمَلْنَاهَا يومَ بدرٍ فلم نُفْلِحْ ولم نَنْجَحْ قال فما شيءٌ قلْتَ لصفوانَ وأنتما في الحجرِ لولا عيالي ودَيْنِي لكنْتُ أنا الذي أقتُلُ محمَّدًا بنفْسِي فأخبرَهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الخبرَ فقال وهبٌ هاه كيفَ قلْتَ فأعادَ عليه قال وهبٌ قدْ كنتَ تخبرُنا خبرَ أهلِ الأرْضِ فنكذِّبُكَ فأراكَ تُخْبِرَ خبرَ أهلِ السماءِ أشهدُ أن لَّا إلَهَ إلَّا اللهُ وأنكَ رسولُ اللهِ فقال يا رسولَ اللهِ أعْطِني عَمَامَتَكَ فأعطاه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَمَامَتَهُ ثم رجع راجعًا إلى مكةَ فقال عمرُ لقدْ قدِمَ وإنه لأبْغَضُ إلِيَّ من الخنزيرِ ثم رجع وهو أحبُّ إلَيَّ مِنْ ولدِي
لم أتخلَّفْ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةٍ غزاها حتَّى كانت غزوةُ تبوكَ إلَّا بدر، ولم يُعاتِبِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحدًا تخلَّف عن بدرٍ إنَّما خرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ العيرَ وخرَجَت قريشٌ مُغيثينَ لعيرِهم فالتقَوا على غيرِ موعدٍ كما قال اللهُ ولعَمْري إنَّ أشرفَ مشاهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّاسِ لَبدرٌ وما أُحِبُّ أنِّي كُنْتُ شهِدْتُها مكانَ بيعتي ليلةَ العَقبةِ حينَ تواثَقْنا على الإسلامِ ولم أتخلَّفْ بعدُ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةٍ غزاها حتَّى كانت غزوةُ تبوكَ وهي آخِرُ غزوةٍ غزاها، آذَن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [ النَّاسَ ] بالرَّحيلِ وأراد أنْ يتأهَّبوا أُهبةَ غزوِهم وذلك حين طاب الظِّلالُ وطابتِ الثِّمارُ وكان قلَّما أراد غزوةً إلَّا ورَّى غيرَها وكان يقولُ: ( الحربُ خَدْعةٌ ) فأراد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ تبوكَ أنْ يتأهَّبَ النَّاسُ أُهبَتَه وأنا أيسَرُ ما كُنْتُ قد جمَعْتُ راحلتينِ لي فلم أزَلْ كذلك حتَّى قام النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غاديًا بالغداةِ وذلك يومَ الخميسِ ـ وكان يُحِبُّ أنْ يخرُجَ يومَ الخميسِ ـ فأصبَح غاديًا فقُلْتُ: أنطلِقُ إلى السُّوقِ وأشتري جَهازي ثمَّ ألحَقُ بها فانطلَقْتُ إلى السُّوقِ مِن الغدِ فعسُر علَيَّ بعضُ شأني فرجَعْتُ فقُلْتُ: أرجِعُ غدًا إنْ شاء اللهُ فألحَقُ بهم فعسُر علَيَّ بعضُ شأني أيضًا فلم أزَلْ كذلك حتَّى لبَّس بي الذَّنبُ وتخلَّفْتُ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجعَلْتُ أمشي في الأسواقِ وأطرافِ المدنيةِ فيُحزِنُني ألَّا أرى أحدًا تخلَّف عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا رجلًا مغموصًا عليه في النِّفاقِ وكان ليس أحدٌ تخلَّف إلَّا أرى ذلك سيَخفى له وكان النَّاسُ كثيرًا لا يجمَعُهم ديوانٌ وكان جميعُ مَن تخلَّف عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بضعةً وثمانينَ رجلًا ولم يذكُرْني النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بلَغ تبوكًا فلمَّا بلَغ تبوكًا قال: ( ما فعَل كعبُ بنُ مالكٍ ) ؟ فقال رجلٌ مِن قومي: خلَّفه يا رسولَ اللهِ بُرداهُ والنَّظرُ في عِطْفَيه فقال معاذُ بنُ جبلٍ: بئس ما قُلْتَ واللهِ يا نبيَّ اللهِ ما نعلَمُ إلَّا خيرًا قال: فبَيْنا هم كذلك إذا رجلٌ يزولُ به السَّرابُ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( كُنْ أبا خَيثمةَ ) فإذا هو أبو خَيثمةَ فلمَّا قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غزوةَ تبوكٍ وقفَل ودنا مِن المدينةِ جعَلْتُ أتذكَّرُ ماذا أخرُجُ به مِن سخَطِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ مِن أهلِ بيتي حتَّى إذا قيل: النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُصبِّحُكم بالغداةِ راح عنِّي الباطلُ وعرَفْتُ أنِّي لا أنجو إلَّا بالصِّدْقِ فدخَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضُحًى فصلَّى في المسجدِ ركعتينِ ـ وكان إذا قدِم مِن سفرٍ فعَل ذلك: دخَل المسجدَ فصلَّى فيه ركعتينِ ثمَّ جلَس ـ فجعَل يأتيه مَن تخلَّف فيحلِفون له ويعتذِرون إليه فيستغفرُ لهم ويقبَلُ علانيتَهم ويكِلُ سرائرَهم إلى اللهِ فدخَلْتُ المسجدَ فإذا هو جالسٌ فلمَّا رآني تبسَّم تبسُّمَ المُغضَبِ فجِئْتُ فجلَسْتُ بينَ يدَيهِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( ألم تكُنِ ابتَعْتَ ظَهرًا ) ؟ قُلْتُ: بلى يا نبيَّ اللهِ فقال ( ما خلَّفك عنِّي ) ؟ فقُلْتُ: واللهِ لو بينَ يدَيْ أحَدٍ مِن النَّاسِ غيرِك جلَسْتُ لخرَجْتُ مِن سخَطِه عليَّ بعُذْرٍ ولقد أوتيتُ جدَلًا ولكنِّي قد علِمْتُ ـ يا نبيَّ اللهِ ـ أنِّي إنْ حدَّثْتُك اليومَ بقولٍ تجِدُ عليَّ فيه وهو حقٌّ فإنِّي أرجو فيه عقبى اللهِ وإنْ حدَّثْتُك اليومَ بحديثٍ ترضى عنِّي فيه وهو كذِبٌ أوشَك أنْ يُطلِعَك اللهُ علَيَّ واللهِ يا نبيَّ اللهِ ما كُنْتُ قطُّ أيسَرَ ولا أخفَّ حاذًا منِّي حيثُ تخلَّفْتُ عليك فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أمَّا هذا فقد صدَقكم الحديثَ قُمْ حتَّى يقضيَ اللهُ فيك) فقُمْتُ فثار على أثري ناسٌ مِن قومي يؤنِّبونَني فقالوا: واللهِ ما نعلَمُك أذنَبْتَ ذنبًا قطُّ قبْلَ هذا فهلَّا اعتذَرْتَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعُذْرٍ يرضاه عنك فيه وكان استغفارُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سيأتي مِن وراءِ ذلك ولم تقِفْ موقفًا لا ندري ماذا يُقضى لك فيه فلم يزالوا يؤنِّبونَني حتَّى همَمْتُ أنْ أرجِعَ فأُكذِّبَ نفسي فقُلْتُ: هل قال هذا القولَ أحدٌ غيري ؟ قالوا: نَعم قاله هلالُ بنُ أُميَّةَ ومُرارةُ بنُ ربيعةَ فذكَروا رجلينِ صالحينِ شهِدا بدرًا لي فيهما أُسوةٌ فقُلْتُ: واللهِ لا أرجِعُ إليه في هذا أبدًا ولا أُكذِّبُ نفسي ونهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامِنا أيُّها الثَّلاثةُ فجعَلْتُ أخرُجُ إلى السُّوقِ ولا يُكلِّمُني أحدٌ وتنكَّر لنا النَّاسُ حتَّى ما هم بالَّذينَ نعرِفُ وتنكَّر لنا الحيطانُ حتَّى ما هي بالحيطانِ الَّتي نعرِفُ وتنكَّرَت لنا الأرضُ حتَّى ما هي بالأرضِ الَّتي نعرِفُ وكُنْتُ أقوى أصحابي فكُنْتُ أخرُجُ فأطوفُ في الأسواقِ فآتي المسجدَ وآتي النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأُسلِّمُ عليه وأقولُ: هل حرَّك شفَتَيهِ بالسَّلامِ فإذا قُمْتُ أُصلِّي إلى ساريةٍ وأقبَلْتُ على صلاتي نظَر إليَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمؤخِرِ عينَيْه وإذا نظَرْتُ إليه أعرَض عنِّي واشتكى صاحباي فجعَلا يبكيانِ اللَّيلَ والنَّهارَ ولا يُطلِعانِ رؤوسَهما قال: فبَيْنا أنا أطوفُ في الأسواقِ إذا رجلٌ نصرانيٌّ قد جاء بطعامٍ له يبيعُه يقولُ: مَن يدُلُّ على كعبِ بنِ مالكٍ فطفِق النَّاسُ يُشيرونَ له إليَّ فأتاني وأتى بصحيفةٍ مِن ملِكِ غسَّانَ فإذا فيها: أمَّا بعدُ فإنَّه بلَغني أنَّ صاحبَك قد جفاك وأقصاك ولسْتَ بدارِ هوانٍ ولا مَضيعةٍ فالحَقْ بنا نواسِكَ فقُلْتُ: هذا أيضًا مِن البلاءِ فسجَرْتُ لها التَّنُّورَ فأحرَقْتُها فيه فلمَّا مضَت أربعونَ ليلةً إذا رسولٌ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أتاني فقال: اعتزِلِ امرأتَك فقُلْتُ: أُطلِّقُها ؟ قال: لا ولكنْ لا تقرَبْها فجاءَتِ امرأةُ هلالِ بنِ أميَّةَ فقالت: يا نبيَّ اللهِ إنَّ هلالَ بنَ أميَّةَ شيخٌ ضعيفٌ فهل تأذَنُ لي أنْ أخدُمَه قال: ( نَعم ولكنْ لا يقرَبَنَّكِ ) قالت: يا نبيَّ اللهِ ما به حركةٌ لشيءٍ ما زال متَّكئًا يبكي اللَّيلَ والنَّهارَ مُذْ كان مِن أمرِه ما كان قال كعبٌ: فلمَّا طال علَيَّ البلاءُ اقتحَمْتُ على أبي قتادةَ حائطَه ـ وهو ابنُ عمِّي ـ فسلَّمْتُ عليه فلم يرُدَّ علَيَّ فقُلْتُ: أنشُدُكَ اللهَ يا أبا قتادةَ أتعلَمُ أنِّي أحب الله ورسوله ؟ فسكَت فقُلْتُ: أنشُدُك اللهَ يا أبا قتادةَ أتعلَمُ أنِّي أُحِبُّ اللهَ ورسولَه ؟ فسكَت فقُلْتُ: أنشُدُك اللهَ يا أبا قتادةَ أتعلَمُ أنِّي أُحِبُّ اللهَ ورسولَه فقال: اللهُ ورسولُه أعلَمُ قال: فلم أملِكْ نفسي أنْ بكَيْتُ ثمَّ اقتحَمْتُ الحائطَ خارجًا حتَّى إذا مضَتْ خمسونَ ليلةً مِن حينِ نهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامِنا صلَّيْتُ على ظهرِ بيتٍ لنا صلاةَ الفجرِ وأنا في المنزلةِ الَّتي قال اللهُ: قد ضاقَت علينا الأرضُ بما رحُبَت وضاقت علينا أنفسُنا إذ سمِعْتُ نداءً مِن ذِروةِ سَلْعٍ أنْ أبشِرْ يا كعبُ بنَ مالكٍ فخرجت ساجدًا وعرَفْتُ أنَّ اللهَ قد جاءنا بالفرَجِ ثمَّ جاء رجلٌ يركُضُ على فرسٍ يُبشِّرُني فكان الصَّوتُ أسرَعَ مِن فرسِه فأعطَيْتُه ثوبيَّ بشارةً ولبِسْتُ ثوبينِ آخَرينِ وكانت توبتُنا نزَلت على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثُلُثَ اللَّيلِ فقالت أمُّ سلَمةَ: يا نبيَّ اللهِ ألا نُبشِّرُ كعبَ بنَ مالكٍ فقال: ( إذًا يحطِمُكم النَّاسُ ويمَنعونَكم النَّومَ سائرَ اللَّيلةِ ) قال: وكانت أمُّ سلَمةَ محسنةً في شأني تُخبِرُني بأمري فانطلَقْتُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإذا هو جالسٌ في المسجدِ وحولَه المسلمونَ وهو يستنيرُ كاستنارِ القمرِ وكان إذا سُرَّ بالأمرِ استنار فجِئْتُ فجلَسْتُ بينَ يدَيْهِ فقال: ( يا كعبُ بنَ مالكٍ أبشِرْ بخيرِ يومٍ أتى عليك منذُ ولدَتْك أمُّك ) قال: فقُلْتُ: يا نبيَّ اللهِ أمِن عندِ اللهِ أم مِن عندِك ؟ قال: ( بل مِن عندِ اللهِ ) ثمَّ تلا عليهم: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 117] حتَّى بلَغ {هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] قال: وفينا نزَلت {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] قال: فقُلْتُ: يا نبيَّ اللهِ إنَّ مِن توبتي أنِّي لا أُحدِّثُ إلَّا صدقًا وأنْ أنخلَعَ مِن مالي كلِّه صدقةً إلى اللهِ وإلى رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال ( أمسِكْ عليك بعضَ مالِك فهو خيرٌ لك ) قال: فقُلْتُ: فإنِّي أُمسِكُ سهمي الَّذي بخيبرَ قال: فما أنعَمَ اللهُ علَيَّ مِن نعمةٍ بعدَ الإسلامِ أعظَمَ في نفسي مِن صدقي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ صدَقْتُه أنا وصاحباي ألَّا نكونَ كذَبْنا فهلَكْنا كما هلَكوا، وما تعمَّدْتُ لكذبةٍ بعدُ وإنِّي لأرجو أنْ يحفَظَني اللهُ فيما بقي قال الزُّهريُّ: فهذا ما انتهى إلينا مِن حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ
لمَّا قدمَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ المدينةَ، انجَفلَ النَّاسُ قبلَهُ، وقيلَ: قد قدمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، قد قدمَ رسولُ اللَّهِ، قد قدمَ رسولُ اللَّهِ ثلاثًا، فَجِئْتُ في النَّاسِ، لأنظرَ، فلمَّا تبيَّنتُ وجهَهُ، عرفتُ أنَّ وجهَهُ ليسَ بوَجهِ كذَّابٍ، فَكانَ أوَّلُ شيءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ، أن قالَ: يا أيُّها النَّاسُ أفشوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصلُّوا باللَّيلِ، والنَّاسُ نيامٌ، تدخلوا الجنَّةَ بسَلامٍ
أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا قدِمَ المَدينةَ نَحَرَ جَزورًا أو بَقَرةً، زادَ مُعاذٌ، عن شُعبةَ، عن مُحارِبٍ، سَمِعَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ اشتَرى مِنِّي النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعيرًا بوقيَّتَينِ ودِرهَمٍ أو دِرهَمَينِ، فلَمَّا قدِمَ صِرارًا أمَرَ ببَقَرةٍ، فذُبِحَت فأكَلوا منها، فلَمَّا قدِمَ المَدينةَ أمَرَني أن آتيَ المَسجِدَ، فأُصَلِّيَ رَكعَتَينِ ووزَنَ لي ثَمَنَ البَعيرِ
غَزَوتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فتَلاحَقَ بيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا على ناضِحٍ لَنا قد أعيا فلا يَكادُ يَسيرُ، فقال لي: ما لبَعيرِكَ؟ قال: قُلتُ: عَييَ. قال: فتَخَلَّفَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فزَجَرَه، ودَعا له، فما زالَ بينَ يَدَيِ الإبِلِ قُدَّامَها يَسيرُ، فقال لي: كيفَ تَرى بَعيرَكَ؟ قال: قُلتُ: بخَيرٍ، قد أصابَتْه بَرَكَتُكَ. قال: أفَتَبيعُنيه؟ قال: فاستَحيَيتُ، ولَم يَكُنْ لَنا ناضِحٌ غَيرُه، قال: فقُلتُ: نَعَم. قال: فبِعنيه. فبِعتُه إيَّاه على أنَّ لي فَقارَ ظَهرهِ حتَّى أبلُغَ المَدينةَ، قال: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي عَروسٌ. فاستَأذَنتُه، فأذِنَ لي، فتَقدَّمتُ النَّاسَ إلى المَدينةِ حتَّى أتَيتُ المَدينةَ، فلَقيَني خالي، فسَألَني عَنِ البَعيرِ، فأخبَرتُه بما صَنَعتُ فيه، فلامَني، قال: وقد كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لي حينَ استَأذَنتُه: هل تَزَوَّجتَ بكرًا أم ثَيِّبًا؟ فقُلتُ: تَزَوَّجتُ ثَيِّبًا. فقال: هَلَّا تَزَوَّجتَ بكرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ؟ قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، توفِّيَ والِدي -أوِ استُشهِدَ- ولي أخَواتٌ صِغارٌ، فكَرِهتُ أن أتَزَوَّجَ مِثلَهنَّ، فلا تُؤَدِّبُهنَّ، ولا تَقومُ عليهنَّ، فتَزَوَّجتُ ثَيِّبًا لتَقومَ عليهنَّ وتُؤَدِّبَهنَّ. قال: فلَمَّا قدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ غَدَوتُ عليه بالبَعيرِ، فأعطاني ثَمَنَه ورَدَّه عليَّ
قال أبو ذَرٍّ: خَرَجنا مِن قَومِنا غِفارٍ-وكانوا يُحِلُّونَ الشَّهرَ الحَرامَ- أنا وأخي أُنَيسٌ وأُمُّنا، فانطَلَقنا حَتَّى نَزَلنا على خالٍ لَنا ذي مالٍ وذي هَيئةٍ، فأكرَمَنا خالُنا وأحسَنَ إلينا، فحَسَدَنا قَومُه، فقالوا لَه: إنَّكَ إذا خَرَجتَ عَن أهلِكَ، خَلَفَكَ إليهم أُنَيسٌ، فجاءَ خالُنا فنَثا عليه ما قيلَ لَه، فقُلتُ: أمَّا ما مَضى مِن مَعروفِكَ فقد كَدَّرتَه، ولا جِماعَ لَنا فيما بَعدُ. قال: فقَرَّبنا صِرمَتَنا، فاحتَمَلنا عليها، وتَغَطَّى خالُنا ثَوبَه وجَعَلَ يَبكي، قال: فانطَلَقنا حَتَّى نَزَلنا بحَضرةِ مَكَّةَ، قال: فنافَرَ أُنَيسٌ رَجُلًا عَن صِرمَتِنا، وعَن مِثلِها، فأتَيا الكاهِنَ، فخَيَّرَ أُنَيسًا، فأتانا بصِرمَتِنا ومِثلِها، وقد صَلَّيتُ يا ابنَ أخي قَبلَ أن ألقى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثَلاثَ سِنينَ. قال: فقُلتُ: لمَن؟ قال: للَّهِ. قال: قُلتُ: فأينَ تَوَجَّهُ؟ قال: حَيثُ وجَّهَني اللهُ، قال: وأُصَلِّي عِشاءً حَتَّى إذا كان مِن آخِرِ اللَّيلِ أُلقيتُ كَأنِّي خِفاءٌ -قال أبو النَّضرِ: قال سُلَيمانُ: كَأنِّي خِفاءٌ، قال: يَعني خِباءً- تَعلوني الشَّمسُ. قال: فقال أُنَيسٌ: إنَّ لي حاجةً بمَكَّةَ، فاكفِني حَتَّى آتيَكَ. قال: فانطَلَقَ فراثَ عليَّ، ثُمَّ أتاني، فقُلتُ: ما حَبَسَكَ؟ قال: لَقيتُ رَجُلًا يَزعُمُ أنَّ اللهَ أرسَلَه على دينِكَ. قال: فقُلتُ: ما يَقولُ النَّاسُ لَه؟ قال: يَقولونَ: إنَّه شاعِرٌ وساحِرٌ وكاهِنٌ، وكانَ أُنَيسٌ شاعِرًا، قال: فقال: قد سَمِعتُ قَولَ الكُهَّانِ فما يَقولُ بقَولِهم، وقد وضَعتُ قَولَه على أقراءِ الشِّعرِ فواللهِ ما يَلتئمُ لسانُ أحَدٍ أنَّه شِعرٌ، واللهِ إنَّه لَصادِقٌ، وإنَّهم لَكاذِبونَ. قال: فقُلتُ لَه: هَل أنتَ كافيَّ حَتَّى أنطَلِقَ فأنظُرَ؟ قال: نَعَم، فكُنْ مِن أهلِ مَكَّةَ على حَذَرٍ؛ فإنَّهم قد شَنِفوا لَه، وتَجَهَّموا لَه. وقال عَفَّانُ: شَئِفوا لَه، وقال بَهزٌ: سَبَقوا لَه، وقال أبو النَّضرِ: شَفَوا لَه، قال: فانطَلَقتُ حَتَّى قدِمتُ مَكَّةَ، فتَضَعَّفتُ رَجُلًا منهم، فقُلتُ: أينَ هذا الرَّجُلُ الذي تَدعونَه الصَّابِئَ؟ قال: فأشارَ إليَّ، قال: الصَّابِئُ، قال: فمالَ أهلُ الوادي عليَّ بكُلِّ مَدَرةٍ وعَظمٍ حَتَّى خَرَرتُ مَغشيًّا عليَّ، فارتَفَعتُ حينَ ارتَفَعتُ كَأنِّي نُصُبٌ أحمَرُ، فأتَيتُ زَمزَمَ فشَرِبتُ مِن مائِها، وغَسَلتُ عَنِّي الدَّمَ، فدَخَلتُ بَينَ الكَعبةِ وأستارِها، فلَبِثتُ به ابنَ أخي ثَلاثينَ مِن بَينِ يَومٍ ولَيلةٍ، وما لي طَعامٌ إلَّا ماءُ زَمزَمَ، فسَمِنتُ حَتَّى تَكَسَّرَت عُكَنُ بَطني، وما وجَدتُ على كَبِدي سَخفةَ جوعٍ. قال: فبَينا أهلُ مَكَّةَ في لَيلةٍ قَمراءَ إضحيان، وقال عَفَّانُ: إصْحِيان، وقال بَهزٌ: إِضْحِيانٍ، وكَذلك قال أبو النَّضرِ، فضَرَبَ اللهُ على أصمِخةِ أهلِ مَكَّةَ فما يَطوفُ بالبَيتِ غَيرُ امرَأتَينِ، فأتَتا عليَّ وهما تَدعوانِ إسافًا ونائِلًا، قال: فقُلتُ: أنكِحوا أحَدَهما الآخَرَ، فما ثَناهما ذلك، قال: فأتَتا عليَّ، فقُلتُ: وهَنٌ مِثلُ الخَشَبةِ، غَيرَ أنِّي لم أَكْنِ، قال: فانطَلَقَتا تولوِلانِ، وتَقولانِ: لَو كان هاهنا أحَدٌ مِن أنفارِنا! قال: فاستَقبَلَهما رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بَكرٍ وهما هابِطانِ مِنَ الجَبَلِ، فقال: ما لَكُما؟ فقالتا: الصَّابِئُ بَينَ الكَعبةِ وأستارِها. قالا: ما قال لَكُما؟ قالتا: قال لَنا كَلِمةً تَملَأُ الفَمَ. قال: فجاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو وصاحِبُه حَتَّى استَلَمَ الحَجَرَ، فطافَ بالبَيتِ، ثُمَّ صَلَّى، قال: فأتَيتُه، فكُنتُ أوَّلَ مَن حَيَّاه بتَحيَّةِ أهلِ الإسلامِ، فقال: عليكَ ورَحمةُ اللهِ، مِمَّن أنتَ؟ قال: قُلتُ: مِن غِفارٍ. قال: فأهوى بيَدِه فوضَعَها على جَبهَتِه، قال: فقُلتُ في نَفسي: كَرِهَ أنِّي انتَهَيتُ إلى غِفارٍ. قال: فأرَدتُ أن آخُذَ بيَدِه، فقَذَفَني صاحِبُه، وكانَ أعلَمَ به مِنِّي، قال: مَتى كُنتَ هاهنا؟ قال: كُنتُ هاهنا مُنذُ ثَلاثينَ مِن بَينِ لَيلةٍ ويَومٍ. قال: فمَن كان يُطعِمُكَ؟ قُلتُ: ما كان لي طَعامٌ إلَّا ماءُ زَمزَمَ. قال: فسَمِنتُ حَتَّى تَكَسَّرَت عُكَنُ بَطني، وما وجَدتُ على كَبِدي سَخفةَ جوعٍ. قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّها مُبارَكةٌ، وإنَّها طَعامُ طُعمٍ. قال أبو بَكرٍ: ائذَنْ لي يا رَسولَ اللهِ في طَعامِه اللَّيلةَ. قال: ففَعَلَ، قال: فانطَلَقَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وانطَلَقَ أبو بَكرٍ، وانطَلَقتُ مَعَهما، حَتَّى فتَحَ أبو بَكرٍ بابًا، فجَعَلَ يَقبِضُ لَنا مِن زَبيبِ الطَّائِفِ، قال: فكانَ ذلك أوَّلَ طَعامٍ أكَلتُه بها، فلَبِثتُ ما لَبِثتُ، ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي قد وُجِّهتُ إلى أرضٍ ذاتِ نَخلٍ، ولا أحسَبُها إلَّا يَثرِبَ، فهَل أنتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَومَكَ لَعَلَّ اللهَ أن يَنفَعَهم بكَ ويَأجُرَكَ فيهم؟ قال: فانطَلَقتُ حَتَّى أتَيتُ أخي أُنَيسًا، قال: فقال لي: ما صَنَعتَ؟ قال: قُلتُ: إنِّي صَنَعتُ أنِّي أسلَمتُ وصَدَّقتُ. قال: قال: فما بي رَغبةٌ عَن دينِكَ؛ فإنِّي قد أسلَمتُ وصَدَّقتُ. ثُمَّ أتَينا أُمَّنا، فقالت: فما بي رَغبةٌ عَن دينِكُما؛ فإنِّي قد أسلَمتُ وصَدَّقتُ، فتَحَمَّلنا حَتَّى أتَينا قَومَنا غِفارًا، فأسلَمَ بَعضُهم قَبلَ أن يَقدَمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ، وقال، يَعني يَزيدَ ببَغدادَ: وقال بَعضُهم: إذا قدِمَ، وقال بَهزٌ: إخوانُنا، نُسلِمُ، وكَذا قال أبو النَّضرِ، وكانَ يَؤُمُّهم خُفافُ بنُ إيماءَ بنِ رَحَضةَ الغِفاريُّ، وكانَ سَيِّدَهم يَومَئِذٍ، وقال بَقيَّتُهم: إذا قدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أسلَمنا، فقدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ، فأسلَمَ بَقيَّتُهم، قال: وجاءَت أسلَمُ، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، إخوانُنا، نُسلِمُ على الذي أسلَموا عليه، فأسلَموا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: غِفارُ غَفَرَ اللهُ لَها، وأسلَمُ سالَمَها اللهُ، وقال بَهزٌ: وكانَ يَؤُمُّهم إيماءُ بنُ رَحَضةَ، وقال أبو النَّضرِ: إيماء
نَحوُه [قال أبو ذَرٍّ: خَرَجنا مِن قَومِنا غِفارٍ-وكانوا يُحِلُّونَ الشَّهرَ الحَرامَ- أنا وأخي أُنَيسٌ وأُمُّنا، فانطَلَقنا حَتَّى نَزَلنا على خالٍ لَنا ذي مالٍ وذي هَيئةٍ، فأكرَمَنا خالُنا وأحسَنَ إلينا، فحَسَدَنا قَومُه، فقالوا لَه: إنَّكَ إذا خَرَجتَ عَن أهلِكَ، خَلَفَكَ إليهم أُنَيسٌ، فجاءَ خالُنا فنَثا عليه ما قيلَ لَه، فقُلتُ: أمَّا ما مَضى مِن مَعروفِكَ فقد كَدَّرتَه، ولا جِماعَ لَنا فيما بَعدُ. قال: فقَرَّبنا صِرمَتَنا، فاحتَمَلنا عليها، وتَغَطَّى خالُنا ثَوبَه وجَعَلَ يَبكي، قال: فانطَلَقنا حَتَّى نَزَلنا بحَضرةِ مَكَّةَ، قال: فنافَرَ أُنَيسٌ رَجُلًا عَن صِرمَتِنا، وعَن مِثلِها، فأتَيا الكاهِنَ، فخَيَّرَ أُنَيسًا، فأتانا بصِرمَتِنا ومِثلِها، وقد صَلَّيتُ يا ابنَ أخي قَبلَ أن ألقى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثَلاثَ سِنينَ. قال: فقُلتُ: لمَن؟ قال: للَّهِ. قال: قُلتُ: فأينَ تَوَجَّهُ؟ قال: حَيثُ وجَّهَني اللهُ، قال: وأُصَلِّي عِشاءً حَتَّى إذا كان مِن آخِرِ اللَّيلِ أُلقيتُ كَأنِّي خِفاءٌ -قال أبو النَّضرِ: قال سُلَيمانُ: كَأنِّي خِفاءٌ، قال: يَعني خِباءً- تَعلوني الشَّمسُ. قال: فقال أُنَيسٌ: إنَّ لي حاجةً بمَكَّةَ، فاكفِني حَتَّى آتيَكَ. قال: فانطَلَقَ فراثَ عليَّ، ثُمَّ أتاني، فقُلتُ: ما حَبَسَكَ؟ قال: لَقيتُ رَجُلًا يَزعُمُ أنَّ اللهَ أرسَلَه على دينِكَ. قال: فقُلتُ: ما يَقولُ النَّاسُ لَه؟ قال: يَقولونَ: إنَّه شاعِرٌ وساحِرٌ وكاهِنٌ، وكانَ أُنَيسٌ شاعِرًا، قال: فقال: قد سَمِعتُ قَولَ الكُهَّانِ فما يَقولُ بقَولِهم، وقد وضَعتُ قَولَه على أقراءِ الشِّعرِ فواللهِ ما يَلتئمُ لسانُ أحَدٍ أنَّه شِعرٌ، واللهِ إنَّه لَصادِقٌ، وإنَّهم لَكاذِبونَ. قال: فقُلتُ لَه: هَل أنتَ كافيَّ حَتَّى أنطَلِقَ فأنظُرَ؟ قال: نَعَم، فكُنْ مِن أهلِ مَكَّةَ على حَذَرٍ؛ فإنَّهم قد شَنِفوا لَه، وتَجَهَّموا لَه. وقال عَفَّانُ: شَئِفوا لَه، وقال بَهزٌ: سَبَقوا لَه، وقال أبو النَّضرِ: شَفَوا لَه، قال: فانطَلَقتُ حَتَّى قدِمتُ مَكَّةَ، فتَضَعَّفتُ رَجُلًا منهم، فقُلتُ: أينَ هذا الرَّجُلُ الذي تَدعونَه الصَّابِئَ؟ قال: فأشارَ إليَّ، قال: الصَّابِئُ، قال: فمالَ أهلُ الوادي عليَّ بكُلِّ مَدَرةٍ وعَظمٍ حَتَّى خَرَرتُ مَغشيًّا عليَّ، فارتَفَعتُ حينَ ارتَفَعتُ كَأنِّي نُصُبٌ أحمَرُ، فأتَيتُ زَمزَمَ فشَرِبتُ مِن مائِها، وغَسَلتُ عَنِّي الدَّمَ، فدَخَلتُ بَينَ الكَعبةِ وأستارِها، فلَبِثتُ به ابنَ أخي ثَلاثينَ مِن بَينِ يَومٍ ولَيلةٍ، وما لي طَعامٌ إلَّا ماءُ زَمزَمَ، فسَمِنتُ حَتَّى تَكَسَّرَت عُكَنُ بَطني، وما وجَدتُ على كَبِدي سَخفةَ جوعٍ. قال: فبَينا أهلُ مَكَّةَ في لَيلةٍ قَمراءَ إضحيان، وقال عَفَّانُ: إصْحِيان، وقال بَهزٌ: إِضْحِيانٍ، وكَذلك قال أبو النَّضرِ، فضَرَبَ اللهُ على أصمِخةِ أهلِ مَكَّةَ فما يَطوفُ بالبَيتِ غَيرُ امرَأتَينِ، فأتَتا عليَّ وهما تَدعوانِ إسافًا ونائِلًا، قال: فقُلتُ: أنكِحوا أحَدَهما الآخَرَ، فما ثَناهما ذلك، قال: فأتَتا عليَّ، فقُلتُ: وهَنٌ مِثلُ الخَشَبةِ، غَيرَ أنِّي لم أَكْنِ، قال: فانطَلَقَتا تولوِلانِ، وتَقولانِ: لَو كان هاهنا أحَدٌ مِن أنفارِنا! قال: فاستَقبَلَهما رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بَكرٍ وهما هابِطانِ مِنَ الجَبَلِ، فقال: ما لَكُما؟ فقالتا: الصَّابِئُ بَينَ الكَعبةِ وأستارِها. قالا: ما قال لَكُما؟ قالتا: قال لَنا كَلِمةً تَملَأُ الفَمَ. قال: فجاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو وصاحِبُه حَتَّى استَلَمَ الحَجَرَ، فطافَ بالبَيتِ، ثُمَّ صَلَّى، قال: فأتَيتُه، فكُنتُ أوَّلَ مَن حَيَّاه بتَحيَّةِ أهلِ الإسلامِ، فقال: عليكَ ورَحمةُ اللهِ، مِمَّن أنتَ؟ قال: قُلتُ: مِن غِفارٍ. قال: فأهوى بيَدِه فوضَعَها على جَبهَتِه، قال: فقُلتُ في نَفسي: كَرِهَ أنِّي انتَهَيتُ إلى غِفارٍ. قال: فأرَدتُ أن آخُذَ بيَدِه، فقَذَفَني صاحِبُه، وكانَ أعلَمَ به مِنِّي، قال: مَتى كُنتَ هاهنا؟ قال: كُنتُ هاهنا مُنذُ ثَلاثينَ مِن بَينِ لَيلةٍ ويَومٍ. قال: فمَن كان يُطعِمُكَ؟ قُلتُ: ما كان لي طَعامٌ إلَّا ماءُ زَمزَمَ. قال: فسَمِنتُ حَتَّى تَكَسَّرَت عُكَنُ بَطني، وما وجَدتُ على كَبِدي سَخفةَ جوعٍ. قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّها مُبارَكةٌ، وإنَّها طَعامُ طُعمٍ. قال أبو بَكرٍ: ائذَنْ لي يا رَسولَ اللهِ في طَعامِه اللَّيلةَ. قال: ففَعَلَ، قال: فانطَلَقَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وانطَلَقَ أبو بَكرٍ، وانطَلَقتُ مَعَهما، حَتَّى فتَحَ أبو بَكرٍ بابًا، فجَعَلَ يَقبِضُ لَنا مِن زَبيبِ الطَّائِفِ، قال: فكانَ ذلك أوَّلَ طَعامٍ أكَلتُه بها، فلَبِثتُ ما لَبِثتُ، ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي قد وُجِّهتُ إلى أرضٍ ذاتِ نَخلٍ، ولا أحسَبُها إلَّا يَثرِبَ، فهَل أنتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَومَكَ لَعَلَّ اللهَ أن يَنفَعَهم بكَ ويَأجُرَكَ فيهم؟ قال: فانطَلَقتُ حَتَّى أتَيتُ أخي أُنَيسًا، قال: فقال لي: ما صَنَعتَ؟ قال: قُلتُ: إنِّي صَنَعتُ أنِّي أسلَمتُ وصَدَّقتُ. قال: قال: فما بي رَغبةٌ عَن دينِكَ؛ فإنِّي قد أسلَمتُ وصَدَّقتُ. ثُمَّ أتَينا أُمَّنا، فقالت: فما بي رَغبةٌ عَن دينِكُما؛ فإنِّي قد أسلَمتُ وصَدَّقتُ، فتَحَمَّلنا حَتَّى أتَينا قَومَنا غِفارًا، فأسلَمَ بَعضُهم قَبلَ أن يَقدَمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ، وقال، يَعني يَزيدَ ببَغدادَ: وقال بَعضُهم: إذا قدِمَ، وقال بَهزٌ: إخوانُنا، نُسلِمُ، وكَذا قال أبو النَّضرِ، وكانَ يَؤُمُّهم خُفافُ بنُ إيماءَ بنِ رَحَضةَ الغِفاريُّ، وكانَ سَيِّدَهم يَومَئِذٍ، وقال بَقيَّتُهم: إذا قدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أسلَمنا، فقدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ، فأسلَمَ بَقيَّتُهم، قال: وجاءَت أسلَمُ، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، إخوانُنا، نُسلِمُ على الذي أسلَموا عليه، فأسلَموا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: غِفارُ غَفَرَ اللهُ لَها، وأسلَمُ سالَمَها اللهُ، وقال بَهزٌ: وكانَ يَؤُمُّهم إيماءُ بنُ رَحَضةَ، وقال أبو النَّضرِ: إيماء]
أُحيلَتِ الصَّلاةُ ثلاثةَ أحْوالٍ، وأُحيلَ الصَّيامُ ثلاثةَ أحْوالٍ؛ فأمَّا أحْوالُ الصَّلاةِ: فإنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَدِمَ المدينةَ وهو يُصلِّي سَبعةَ عَشَرَ شَهرًا إلى بَيتِ المَقدِسِ، ثُمَّ إنَّ اللهَ أنزَلَ عليه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، قال: فوَجَّهَه اللهُ إلى مكَّةَ، قال: فهذا حَولٌ، قال: وكانوا يَجتمِعونَ للصَّلاةِ ويُؤذِنُ بها بعضُهم بعضًا، حتى نَقَسوا أو كادوا يَنقُسونَ، قال: ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِن الأنصارِ يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ زَيدٍ، أتى رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي رَأَيتُ فيما يَرى النَّائمُ -ولو قُلتُ: إنِّي لم أكُنْ نائمًا لصَدَقتُ- إنِّي بيْنَا أنا بيْنَ النَّائمِ واليَقظانِ، إذ رَأَيتُ شَخصًا عليه ثَوبانِ أخضرانِ، فاستَقبَلَ القِبلةَ، فقال: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، مَثنَى مَثنَى حتى فَرَغَ مِن الأذانِ، ثُمَّ أَمهَلَ ساعةً، قال: ثُمَّ قال مِثلَ الذي قال، غيرَ أنَّه يَزيدُ في ذلك: قد قامتِ الصَّلاةُ، قد قامتِ الصَّلاةُ، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عَلِّمْها بِلالًا فليُؤذِّنْ بها، فكان بِلالٌ أوَّلَ مَن أذَّنَ بها، قال: وجاء عُمَرُ بنُ الخطَّابِ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّه قد طاف بي مِثلُ الذي أطافَ به غيرَ أنَّه سَبَقَني، فهذان حَولانِ، قال: وكانوا يَأتونَ الصَّلاةَ، وقد سَبَقَهم ببعضِها النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: فكان الرَّجُلُ يُشيرُ إلى الرَّجُلِ إذا جاء: كم صَلَّى؟ فيَقولُ: واحدةً أو اثنتَينِ، فيُصلِّيها، ثُمَّ يَدخُلُ مع القَومِ في صَلاتِهم، قال: فجاء مُعاذٌ فقال: لا أجِدُه على حالٍ أبدًا إلَّا كنتُ عليها، ثُمَّ قَضَيتُ ما سَبَقَني، قال: فجاء وقد سَبَقَه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ببعضِها، قال: فثَبَتَ معه، فلمَّا قَضى رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلاتَه قام فقَضى، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّه قد سَنَّ لكم مُعاذٌ، فهكذا فاصنَعوا، فهذه ثلاثةُ أحْوالٍ. وأمَّا أحْوالُ الصِّيامِ: فإنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَدِمَ المدينةَ فجَعَلَ يَصومُ مِن كلِّ شَهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، وقال يَزيدُ: فصام تِسعةَ عَشَرَ شَهرًا مِن رَبيعٍ الأوَّلِ إلى رَمضانَ، مِن كلِّ شَهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، وصام يومَ عاشوراءَ، ثُمَّ إنَّ اللهَ فَرَضَ عليه الصَّيامَ، فأنزَلَ اللهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183]، إلى هذه الآيةِ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، قال: فكان مَن شاء صام، ومَن شاء أطعَمَ مِسكينًا، فأجزَأَ ذلك عنه، قال: ثُمَّ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أنزَلَ الآيةَ الأُخرى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، إلى قَولِه: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، قال: فأثبَتَ اللهُ صيامَه على المُقيمِ الصَّحيحِ، ورَخَّصَ فيه للمَريضِ والمُسافرِ، وثَبَتَ الإطعامُ للكَبيرِ الذي لا يَستطيعُ الصِّيامَ، فهذان حَوْلانِ، قال: وكانوا يأكُلونَ ويَشرَبونَ ويأتونَ النِّساءَ، ما لم يَناموا، فإذا ناموا امتَنَعوا، قال: ثم إنَّ رَجُلًا مِنَ الأنصارِ يُقالُ له: صِرْمةُ، ظَلَّ يَعمَلُ صائِمًا حتى أمْسى، فجاءَ إلى أهلِه، فصلَّى العِشاءَ، ثم نامَ، فلم يأكُلْ، ولم يَشرَبْ، حتى أصبَحَ، فأصبَحَ صائِمًا، قال: فرآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقد جُهِدَ جَهْدًا شَديدًا، قال: ما لي أراكَ قد جُهِدتَ جَهْدًا شَديدًا؟ قال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي عَمِلتُ أمسِ فجِئتُ حين جِئتُ، فألقَيتُ نَفْسي، فنِمتُ، وأصبَحتُ حين أصبَحتُ صائِمًا. قال: وكانَ عُمَرُ قد أصابَ مِنَ النِّساءِ مِن جاريةٍ، أو مِن حُرَّةٍ بَعدَما نامَ، وأتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فذَكَر ذلك له، فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]، إلى قَولِه: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، وقال يَزيدُ: فصامَ تِسعةَ عَشَرَ شَهرًا مِن رَبيعٍ الأوَّلِ إلى رَمَضانَ
كان في الأُسارى يومَ بدرٍ أبو العاصِ بنُ الربيعِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ عبدِ شمسٍ خَتَنُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زوجُ ابنتِه وكان أبو العاصِ مِن رجالِ مكَّةَ المعدودين مالًا وأمانةً وكان لهالةَ بنتِ خويلدٍ خديجةُ خالَتُه فسألَتْ خديجةُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُزَوِّجَه زينبَ وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يخالِفُها وكان قَبلَ أن يُنزَلَ عليه وكانت تعُدُّه بمنزلةِ ولدِها فلمَّا أكرَم اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالنُّبُوَّةِ وآمَنَتْ به خديجةُ وبناتُه وصدَّقْنَه وشهِدْنَ أنَّ ما جاء به هو الحقُّ ودِنَّ بدِينِه وثبَت أبو العاصِ على شِرْكِه وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد زوَّج عُتبةَ بنَ أبي لهبٍ إحدى ابنتَيه رُقيةَ أو أمَّ كُلْثومٍ فلمَّا نادى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُرَيشًا بأمرِ اللهِ ونادَوه قال إنَّكم قد فرَّغْتُم محمَّدًا مِن هَمِّه فرُدُّوا عليه بناتِه فاشْغِلوه بهنَّ فمشَوا إلى أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ فقالوا فارِقْ صاحِبَتَك ونحن نُزَوِّجُك أيَّ امرأةٍ شئْتَ فقال لاها اللهِ إذًا لا أفارِقُ صاحِبَتي وما أحِبُّ أنَّ لي بامرأتي امرأةً مِن قريشٍ فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُثني عليه في صِهرِه خيرًا فيما بلَغني فمشَوا إلى الفاسقِ عُتبةَ بنِ أبي لهبٍ فقالوا طلِّقِ امرأتَك بنتَ محمَّدٍ ونحن نُزَوِّجُك أيَّ امرأةٍ مِن قريشٍ فقال إنْ زوَّجْتُموني بنتَ أبانِ بنِ سعيدٍ ففارَقَها ولم يكُنْ عدوُّ اللهِ دخَل بها فأخرَجَها اللهُ مِن يدِه كرامةً لها وهوانًا له وخَلَف عثمانُ بنُ عفَّانَ عليها بعدَه وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُحِلُّ بمكَّةَ ولا يُحْرِمُ مغلوبًا على أمرِه وكان الإسلامُ قد فرَّق بينَ زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبينَ أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ إلَّا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان لا يَقدِرُ على أن يُفرِّقَ بينهما فأقامت معه على إسلامِها وهو على شِرْكِه حتَّى هاجر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ وهي مُقيمةٌ معه بمكَّةَ فلمَّا سارت قريشٌ إلى بدرٍ سار معهم أبو العاصِ بنُ الرَّبيعِ فأُصيبَ في الأُسارى يومَ بدرٍ وكان بالمدينةِ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال ابنُ إسحاقَ فحدَّثَني يحيى بنُ عبَّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ عن أبيه عبَّادٍ عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت لمَّا بعَث أهلُ مكَّةَ في فِداء أسْراهم بعَثَتْ زينبُ بنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في فِداء أبي العاصِ وبعثَتْ فيه بقِلادةٍ كانت خديجةُ أدخَلَتْها بها على أبي العاصِ حينَ بنى عليها فلمَّا رآها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَقَّ لها رِقَّةً شديدةً وقال إنْ رأيْتُم أن تُطلِقوا لها أسيرَها وترَدُّوا عليها الَّذي لها فافعَلوا فقالوا نعم يا رسولَ اللهِ فأطلَقوه وردُّوا عليها الَّذي لها قال وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أخَذ عليه ووعَده ذلك أن يُخَلِّي سبيلَ زينبَ إليه إذ كان فيما شرَط عليه في إطلاقِه ولم يظهَرْ ذلك منه ولا مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُعْلَمَ إلَّا أنَّه لمَّا خرَج أبو العاصِ إلى مكَّةَ وخلَّى سبيلَه بعَث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زيدَ بنَ حارثةَ ورجلًا مِنَ الأنصارِ فقال كونا ببطنِ ناجحٍ حتَّى تمُرَّ بكما زينبُ فتصحَبانِها فتأتياني بها فلمَّا قدِم أبو العاصِ مكَّةَ أمَرها باللُّحوقِ بأبيها فخرَجَتْ جَهْرةً قال ابنُ إسحاقَ قال عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرِ بنِ محمَّدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ حُدِّثْتُ عن زينبَ أنَّها قالت بينما أنا أتجهَّزُ بمكَّةَ للُّحوقِ بأبي لقِيَتْني هندُ بنتُ عُتبةَ فقالت يا بنتَ عمِّي إنْ كانت لكِ حاجةٌ بمتاعٍ مما يرفُقُ بكِ في سفرِكِ أو ما تبلُغِينَ به إلى أبيكِ فلا تَضْطَنِّي منه فإنَّه لا يدخُلُ بينَ النِّساءِ ما بينَ الرِّجالِ قالت وواللهِ ما أُراها قالت ذلك إلَّا لِتفعَلَ ولكنِّي خِفْتُها فأنكَرْتُ أن أكونَ أُريدُ ذلك فتجهَّزْتُ فلمَّا فرَغْتُ مِن جِهازي قدَّم إليَّ حَمِيِّ كِنانةُ بنُ الرَّبيعِ أخو زوجي بعيرًا فركِبْتُه وأخَذ قوسَه وكِنانتَه ثمَّ خرَج بها نهارًا يقودُ بها وهي في هَودجِها وتحدَّثَتْ بذلك رجالُ قريشٍ فخرَجوا في طَلَبِها حتَّى أدركوها بذي طُوًى وكان أوَّلَ مَن سبَق إليها هَبَّارُ بنُ الأسودِ بنِ المطَّلبِ بنِ أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ ونافعُ بنُ عبدِ القيسِ الزُّهرِيُّ فروَّعها هَبَّارٌ وهي في هَودَجِها وكانت حاملًا فيما يزعُمون فلمَّا وقَعَتْ ألقَتْ ما في بطنِها فبرَك حَمُوها ونثَر كِنانتَه وقال واللهِ لا يدنو منِّي رجلٌ إلَّا وضَعْتُ فيه سهمًا فتكَرْكَرَ النَّاسُ عنه وجاء أبو سفيانَ في جُلَّةٍ مِن قريشٍ فقال أيُّها الرَّجلُ كُفَّ عنَّا نَبْلَك حتَّى نُكَلِّمَك فكَفَّ وأقبَل أبو سفيانَ فأقبَل عليه فقال إنَّك لم تُصِبْ خرَجْتَ بامرأةٍ على رؤوسِ النَّاسِ نهارًا وقد علِمْتَ مُصيبتَنا ونَكْبَتَنا وما دخَل علينا مِن محمَّدٍ فيظنُّ النَّاسُ إذا خرَجَتْ إليه ابنتُه عَلانِيَةً مِن بينِ ظَهْرانينا أنَّ ذلك مِن ذُلٍّ أصابنا عن مُصيبتِنا الَّتي كانت وأنَّ ذلك مِنَّا ضَعْفٌ ووَهَنٌ وإنَّه لعَمْري ما لنا في حَبْسِها عن أبيها حاجةٌ ولكِنِ ارجِعِ المرأةَ حتَّى إذا هدَأَ الصَّوتُ وتحدَّث النَّاسُ أنَّا قد ردَدْناها فسُلَّها سِرًّا وألحِقْها بأبيها قال ففعَل وأقامت لياليَ حتَّى إذا هدَأ النَّاسُ خرَج بها ليلًا فأسلَمَها إلى زيدِ بنِ حارثةَ وصاحبِه فقَدِمْنا بها على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأقام أبو العاصِ بمكَّةَ وكانت زينبُ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد فرَّق الإسلامُ بينَهما حتَّى إذا كان قُبَيلَ الفتحِ خرَج أبو العاصِ تاجرًا إلى الشَّامِ وكان رجلًا مأمونًا بأموالٍ له وأموالٍ لقريشٍ أبضَعوها معه فلمَّا فرَغ مِن تجارتِه أقبَل قافِلًا فلحِقَتْه سَرِيَّةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأصابوا ما معه وأعجَزَهم هاربًا فلمَّا قدِمَتِ السَّريَّةُ بما أصابوا مِن مالِه أقبَل أبو العاصِ بنُ الرَّبيعِ تحتَ اللَّيلِ حتَّى دخَل على زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واستجارَها فأجارَتْه وجاء في طلَبِ مالِه فلمَّا خرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى صلاةِ الصُّبحِ كما حدَّثَني يزيدُ بنُ رُومانَ فكبَّر وكبَّر النَّاسُ خرَجَتْ زينبُ مِن صُفَّةِ النِّساءِ وقالت أيُّها النَّاسُ إنِّي قد أجَرت أبا العاصِ بنَ الرَّبيعِ فلمَّا سلَّم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الصَّلاةِ أقبَل على النَّاسِ فقال أيُّها النَّاسُ أسمِعْتُم قالوا نعم قال أمَا والَّذي نفسي بيدِه ما علِمْتُ بشيءٍ كان حتَّى سمِعْتُه إنَّه لَيُجيرُ على المسلمين أدناهم ثمَّ انصرَف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى دخَل على ابنتِه فقال يا بُنَيَّةُ أكْرِمي مثواه ولا يَخْلُصْ إليكِ فإنَّك لا تحِلِّينَ له قال ابنُ إسحاقَ وحدَّثَني عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَث إلى السَّريَّةِ الَّذين أصابوا مالَ أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ إنَّ هذا الرَّجلَ منَّا قد علِمْتُم أصَبْتُم له مالًا فإن تُحسِنوا وترُدُّوا عليه الَّذي له فإنَّا نُحِبُّ ذلك وإنْ أبيْتُم فهو فَيءُ اللهِ الَّذي أفاءه عليكم فأنتم أحقُّ به قالوا يا رسولَ اللهِ نردُّه فرَدُّوا عليه مالَه حتَّى إنَّ الرَّجلَ يأتي بالحَبْلِ ويأتي الرَّجلُ بالشَّنَّةِ والإداوةِ حتَّى إنَّ أحدَهم ليأتي بالشِّظَاظِ حتَّى إذا ردُّوا عليه مالَه بأسْرِه لا يُفقِدُ منه شيئًا احتمَل إلى مكَّةَ فردَّ إلى كلِّ ذي مالٍ مِن قريشٍ مالَه ممَّن كان أبضعَ معه ثمَّ قال يا معشرَ قريشٍ هل بقِيَ لأحدٍ منكم عندي مالٌ لم يأخُذْه قالوا لا وجزاكَ اللهُ خيرًا فقد وجَدْناك عفيفًا كريمًا قال فإنِّي أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه واللهِ ما منَعَني مِنَ الإسلامِ عندَه إلَّا تخوُّفُ أن تظُنُّوا أنِّي إنَّما أردْتُ أن آكُلَ أموالَكم فأمَّا إذ أدَّاها اللهُ إليكم وفرَغْتُ منها أسلَمْتُ وخرَج حتَّى قدِم على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
يا أبا هُرَيرةَ، إنَّكَ لم تَكُنْ معنا إذ بايَعْنا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إنَّا بايَعْناه على السَّمعِ والطَّاعةِ في النِّشاطِ والكَسلِ، وعلى النَّفقةِ في اليُسرِ والعُسرِ، وعلى الأمْرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ، وعلى أنْ نَقولَ في اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ولا نَخافَ لَومةَ لائمٍ فيه، وعلى أنْ نَنصُرَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا قَدِمَ علينا يَثرِبَ فنَمنَعَه ممَّا نَمنَعُ منه أنفُسَنا وأزْواجَنا وأبناءَنا، ولنا الجنَّةُ، فهذه بَيعةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ التي بايَعْنا عليها، فمَن نَكَثَ فإنَّما يَنكُثُ على نَفْسِه، ومَن أَوفى بما بايَعَ عليه رسولَ اللهِ صلي الله عليه وسلم وَفَّى اللهَ بما بايَعَ عليه نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فكَتَبَ مُعاويةُ إلى عُثمانَ بنِ عَفَّانَ أنَّ عُبادةَ بنَ الصَّامتِ قد أفسَدَ عليَّ الشَّامَ وأهلَه؛ فإمَّا تَكُفُّ إليك عُبادةَ، وإمَّا أُخلِّي بيْنَه وبيْنَ الشَّامِ، فكَتَبَ إليه أنْ رَحِّلْ عُبادةَ حتى تُرجِعَه إلى دارِه مِن المدينةِ، فبَعَثَ بعُبادةَ حتى قَدِمَ المدينةَ، فدَخَلَ على عُثمانَ في الدَّارِ، وليس في الدَّارِ غيرُ رَجُلٍ مِن السَّابقينِ أو مِن التَّابعينِ قد أدرَكَ القَومَ، فلمْ يَفجَأْ عُثمانَ إلَّا وهو قاعدٌ في جانبِ الدَّارِ، فالتفَتَ إليه فقال: يا عُبادةُ بنَ الصَّامتِ، ما لنا ولك، فقام عُبادةُ بيْنَ ظَهرَيِ النَّاسِ فقال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبا القاسمِ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنَّه سيَلي أُمورَكم بَعدي رِجالٌ، يُعرِّفونَكم ما تُنكِرونَ، ويُنكِرونَ عليكم ما تَعرِفونَ، فلا طاعةَ لمَن عَصى اللهَ، فلا تَعتَلُّوا بربِّكم
أنَّ عامرَ بنَ الطُّفَيلِ قدِم على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المدينةَ فراجَع النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وارتفع صوتُه وثابتُ بنُ قَيسٍ قائمٌ بسَيفِه على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال يا عامرُ غُضَّ من صوتِك على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال وما أنتَ وذاك فقال ثابتٌ أما والذي أكرمَه لولا أن يَكره رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لضربتُ بهذا السَّيْفِ رأسَك فنظر إليه عامرٌ وهو جالسٌ وثابتٌ قائمٌ فقال أما واللهِ يا ثابتُ لئن عرضتَ نفسَك لي لتُوَلِّينَ عني فقال ثابتٌ أما واللهِ يا عامرُ لئن عرضْتَ نفسَك للِساني لتكرَهنَّ حياتي فعطس ابنُ أخٍ لعامرِ بنِ الطُّفَيلِ فحمد اللهَ فشمَّتَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثم عطس عامرُ بنُ الطُّفَيلِ فلم يَحمَدِ اللهَ فلم يُشَمِّتْه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال عامرٌ شَمَّتَ هذا الصبيَّ ولم تُشَمِّتْني فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إنَّ هذا حمدَ اللهَ قال ومَحلوفِه لأملأنَّها عليك خيلًا ورجالًا فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يكفينِيك اللهُ وابنا قَيْلَةَ ثم خرج عامرٌ فجمع للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فاجتمع من بني سُلَيمٍ ثلاثةُ أبطُنٍ هم الذين كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يدعو عليهم في صلاةِ الصُّبحِ اللهمَّ العَنْ لَحْيانًا ورَعْلًا وذَكوانَ وعُصَيَّةَ عصَتِ اللهَ ورسولَه اللهُ أكبرُ فدعا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سبعَ عشرةَ ليلةً فلما سمع أنَّ عامرًا جمع له بعَث النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عشرةً فيهم عمرو بنُ أُميَّةَ الضَّمريُّ وسائرُهم من الأنصارِ وأميرُهم المُنذِرُ بنُ عَمرو فمضوا حتى نزلوا بئرَ مَعونةَ فأقبل حتى هجَم عليهم فقتلَهم كلَّهم فلم يَفلِتْ منهم إلا عَمرو بنُ أُمَيَّةَ كان في الرِّكابِ فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إلى نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ قُتِل خيرُ أصحابِه فقال قد قُتِلَ أصحابُكم من ورائِكم فدعا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على عامرِ بنِ الطُّفَيلِ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللهمَّ اكفِني عامرًا فكفاه اللهُ إياه فأقبل حتى نزل بفِنائِه فرماه اللهُ بالذَّبحةِ في حلقِه في بيتِ امرأةٍ من سَلولٍ فأقبل ينْزو هو يقول يا آلَ عامرٍ غُدَّةٌ كغُدَّةِ الجمَلِ في بيتِ سَلولِيَّةٍ ترغبُ أن تموتَ في بيتِها فلم يزلْ كذلك حتى مات في بيتِها وكان أرْبَدُ بنُ قَيسٍ أصابتْه صاعقةٌ فاحترق فمات فرجَع من كان معهم
بايعنا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على السمعِ. والطاعةِ في النشاطِ والكسلِ. وعلى النفقةِ في اليسرِ والعسرِ. وعلى الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ. وعلى أنْ نقولَ في اللهِ ولا نخافُ لومةَ لائمٍ فيه. وعلى أن ننصرَ النبيِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا قدم إلى يثربَ. فنمنعه مما نمنعُ منه أنفسَنا وأزواجَنا وأولادَنا ولنا الجنةُ.فهذه بيعةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ التي بايعنا عليها فمن نَكَثَ فإنما ينكثُ على نفسِه، ومن أوفى بما عاهد عليه رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وَفَّى اللهُ تبارك وتعالى له بما بايع عليه نبيَّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال عبادةُ لأبي هريرةَ: إنَّك لم تكن معنا إذ بايعنا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، إنا بايعناه على السمعِ والطَّاعةِ في النشاطِ والكسلِ، وعلى النفقةِ في اليسرِ والعسرِ، وعلى الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، وعلى أن نقولَ في اللهِ ولا نخافُ لومةَ لائمٍ، وعلى أن ننصرَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا قدم علينا يثربَ. فنمنعُه مما نمنعُ منه أنفسَنا وأزواجَنا وأبناءَنا ولنا الجنةُ.فهذه بيعةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ التي بايعنا عليها. فمن نَكَثَ فإنما ينكثُ على نفسِه. ومن أوفى بما بايع عليه رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وفَّى اللهُ له بما بايع عليه نبيَّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .فكتب معاويةُ إلى عثمانَ بنِ عفانَ: إنَّ عبادةَ بنَ الصامتِ قد أفسد عليَّ الشامَ، وأهلَه، فإمَّا أنْ تُكِنَّ إليك عُبادةَ، وإما أنْ أُخَلِّيَ بينه وبين الشامِ، فكتب إليه أنْ رَحِّل عبادةَ حتى ترجعَه إلى دارِه من المدينةِ. فبعث بعبادةَ حتى قدم المدينةَ. فدخل على عثمانَ في الدارِ، وليس في الدارِ غيرُ رجلٍ من السَّابقين، أو من التابعين قد أدرك القومَ. فلم يفاجأْ عثمانُ إلا وهو قاعدٌ في جنبِ الدَّارِ، فالتفتَ إليه. فقال: يا عُبادةَ بنَ الصامتِ. ما لنا ولك. فقام عبادةُ بنُ الصامتِ بين ظهراني النَّاسِ، فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أبا القاسمِ محمدًا يقولُ: إنه سيلي أمورَكُم بعدي رجالٌ يُعَرِّفونَكُم. ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعةَ لمن عصى اللهَ، فلا تعتلُّوا بربِّكم
لما قدِم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ منصرفَه من الطائفِ كتب بجيرُ بنُ زهيرِ بنِ أبي سلمَى إلى أخيه كعبِ بنِ زهيرِ بنِ أبي سلمَى يُخبره أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قتل رجلًا بمكةَ ممن كان يهجوهُ ويؤذيه وأنه بقِي من شعراءِ قريشٍ ابنُ الزبعرىِّ وهبيرةُ بنُ أبي وهبٍ قد هربوا في كلِّ وجهٍ فإن كانت لك في نفسِك حاجةٌ ففِرَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإنه لا يقتلُ أحدًا جاءه تائبًا وإن أنت لم تفعلْ فانجُ ولا نجا لك وقد كان كعبٌ قال أبياتًا نال فيها من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلما بلغ كعبًا الكتابُ ضاقت به الأرضُ وأشفق على نفسِه وأرجفَ به مَن كان حاضرُه من عدوِّه فلما لم يجدْ من شيءٍ بدا قال قصيدتَه التي يمدحُ فيها رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذكرِ خوفِه وإرجافِ الوشاةِ به ثم خرج حتى قدم المدينةَ فنزل على رجلٍ كانت بينَه وبينَه معرفةٌ من جهينةَ كما ذكر لي فغدا به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ صلَّى الصبحَ فصلَّى مع الناسِ ثم أشار له إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقمْ إليه فاستأمِنْه فذكر لي أنه قام إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى وضع يدَه في يدِه وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يعرفُه فقال يا رسولَ اللهِ إن كعبَ بنَ زُهيرٍ جاء ليستأمِنَ منك تائبًا مسلمًا فهل أنت قابلٌ منه إن أنا جئتُك به قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نعم فقال يا رسولَ اللهِ أنا كعبُ بنُ زهيرٍ قال ابنُ إسحاقَ فحدثني عاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ قال وثَب عليه رجلٌ من الأنصارِ فقال يا رسولَ اللهِ دعْنِي وعدوَّ اللهِ أضربُ عنقَه فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دعْه عنكَ فإنه قد جاء تائبًا نازعًا فغضب علي هذا الحيِّ من الأنصارِ لما صنع به صاحبُهم وذلك أنه لم يتكلمْ فيه رجلٌ من المهاجرين إلا بخيرٍ فقال قصيدتَه التي قالها حينَ قدم على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكان مما قال تمشِي الوشاةُ بجنبَيها وقولُهم إنك يا ابنَ أبِي سلمَى لمقتولُ فقلتُ خلُّوا سبيلِي لا أبًا لكمُ فكلُّ ما قدَّر الرحمنُ مفعولُ كلُّ ابنِ أنثَى وإن طالَت سلامَتُه يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ أُنبِئتُ أن رسولَ اللهِ أوعدَني والعفوُ عندَ رسولِ اللهِ مأمولُ مهلًا هداك الذي أعطاك نافلةً الفرقانُ فيها مواعيظُ وتفصيلُ لا تأخُذُني بأقوالِ الوشاةِ ولم أُذنِبْ وإن كثُرَت عني الأقاويلُ إن الرسولَ لَنورٌ يُستضاءُ به مهندٌ من سيوفِ اللهِ مسلولُ في عصبةٍ من قريشٍ قال قائلُهم ببطنِ مكةَ لما أسلَموا زُولوا زالوا فما زال أنكاسٌ ولا كُشُفٌ عندَ اللقاءِ ولا مِيلٌ مغازيلُ يمشونَ مَشيَ الجمالِ الزهرِ يعصِمُهم ضربٌ إذا غرَّد السودُ التنابيلُ شُمُّ العرانينِ أبطالٌ لبوسُهم من نسجِ داودَ في الهيجا سرابيلُ بيضٌ سوابغُ قد شكَّت لها حلقٌ كأنها حلقُ القفعاءِ مجدولُ ليسوا مفاريحَ إن نالت رماحُهم قومًا وليسوا مجازيعًا وإن نيلوا لا يقعُ الطعنُ إلا في نحورِهمُ وما لهم عن حِياضِ الموتِ تهليلُ قال ابنُ إسحاقَ فحدثني عاصمُ بنُ عمرِو بنِ قتادةَ قال فلما قال السودُ التنابيلُ وإنما أراد معشرَ الأنصارِ لما كان صاحبُهم صنع وخصَّ المهاجرين من قريشٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمدحتِه غضبت عليه الأنصارُ فبعد أن أسلمَ أخذ يمدحُ الأنصارَ ويذكُرُ بلاءَهم مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وموضعَهم من النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَن سرَه كرمُ الحياةِ فلا يزَلْ في مقنبٍ من صالِحيِ الأنصارِ الباذلينَ نفوسَهم لنبيِّهم يومَ الهياجِ وفتنةَ الحارِّ والضاربينَ الناسَ عن أحياضِهم بالمشرفيِ وبالقنا الخطارِ والناظرينَ بأعينٍ محمرةٍ كالجمرِ غيرِ كليلةِ الأبصارِ يتطهرونَ كأنه نسكٌ لهم بدماءِ مَن علَقوا من الكفارِ لو يعلمُ الأقوامُ علمِي كلَّه فيهم لصدَّقَني الذين أُمارِيَ
[عن] عبدِ اللهِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَقيلٍ قال قدِم أنَسُ بنُ مالكٍ المدينةَ فأرسَلني عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ فقال سَلْه عن حديثٍ حدَّث به الحَجَّاجَ بنَ يوسُفَ في قومٍ خرَجوا على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسمَل اثنَيْنِ وقطَع اثنَيْنِ وصلَب اثنَيْنِ فقال أنَسٌ أولئكَ كانوا أقَرُّوا بالإسلامِ ونزَلوا المدينةَ ثمَّ خرَجوا رغبةً عنِ الإسلامِ ولحِقوا بأهلِ الشِّركِ وأغاروا على سَرْحِ المدينةِ فاستاقوه فأُخبِر بهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبعَث في طلبِهم وأخَذ هؤلاءِ النَّفرَ قال فردَّ عُمَرُ إليه فقال لَيْتَ أنَّكَ لَمْ تُحدِّثْ بهذا الحديثِ الحَجَّاجَ إنَّ هؤلاءِ رغِبوا عنِ الإسلامِ ولحِقوا بأهلِ الشِّركِ وأغاروا على سَرْحِ المدينةِ وإنَّ الحَجَّاجَ استحَلَّ هذا ممَّن لَمْ يُرِدْ خُروجًا مِن الإسلامِ ولا لُحوقًا بأهلِ الشِّركِ قال عُمَرُ وسَلْه هل كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خضَب فإنَّا نرى ها هنا شَعرًا مِن شَعرِه كأنَّه قد لُوِّن فقال أنَسٌ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان مُتِّع بسَوادِ الشَّعرِ فلو أنِّي عدَدْتُ ما أقبَل علَيَّ مِن رأسِه ولِحيتِه ما عدَدْتُ خَمْسَ عَشْرةَ شَيبةً ولا أرى هذا الَّذي تجِدونَه مِن الشَّعرِ قد لُوِّن إلَّا مِن الطِّيبِ الَّذي جُعِل في شَعرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
[عن] عبدِ اللهِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَقيلٍ قال]قَدِمَ أَنسٌ المدينةَ [فأرسَلني عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ فقال سَلْه عن حديثٍ حدَّث به الحَجَّاجَ بنَ يوسُفَ في قومٍ خرَجوا على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسمَل اثنَيْنِ وقطَع اثنَيْنِ وصلَب اثنَيْنِ فقال أنَسٌ أولئكَ كانوا أقَرُّوا بالإسلامِ ونزَلوا المدينةَ ثمَّ خرَجوا رغبةً عنِ الإسلامِ ولحِقوا بأهلِ الشِّركِ وأغاروا على سَرْحِ المدينةِ فاستاقوه فأُخبِر بهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبعَث في طلبِهم وأخَذ هؤلاءِ النَّفرَ قال فردَّ عُمَرُ إليه فقال لَيْتَ أنَّكَ لَمْ تُحدِّثْ بهذا الحديثِ الحَجَّاجَ إنَّ هؤلاءِ رغِبوا عنِ الإسلامِ ولحِقوا بأهلِ الشِّركِ وأغاروا على سَرْحِ المدينةِ وإنَّ الحَجَّاجَ استحَلَّ هذا ممَّن لَمْ يُرِدْ خُروجًا مِن الإسلامِ ولا لُحوقًا بأهلِ الشِّركِ قال عُمَرُ وسَلْه هل كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خضَب فإنَّا نرى ها هنا شَعرًا مِن شَعرِه كأنَّه قد لُوِّن فقال أنَسٌ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان مُتِّع بسَوادِ الشَّعرِ فلو أنِّي عدَدْتُ ما أقبَل علَيَّ مِن رأسِه ولِحيتِه ما عدَدْتُ خَمْسَ عَشْرةَ شَيبةً ولا أرى هذا الَّذي تجِدونَه مِن الشَّعرِ قد لُوِّن إلَّا مِن الطِّيبِ الَّذي جُعِل في شَعرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم]
حديثا استِقْبالِ القِبْلةِ بالأذانِ [يعني حديث: أُحيلَتِ الصَّلاةُ ثلاثةَ أحْوالٍ ، وأُحيلَ الصَّيامُ ثلاثةَ أحْوالٍ؛ فأمَّا أحْوالُ الصَّلاةِ: فإنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَدِمَ المدينةَ وهو يُصلِّي سَبعةَ عَشَرَ شَهرًا إلى بَيتِ المَقدِسِ، ثُمَّ إنَّ اللهَ أنزَلَ عليه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، قال: فوَجَّهَه اللهُ إلى مكَّةَ، قال: فهذا حَولٌ، قال: وكانوا يَجتمِعونَ للصَّلاةِ ويُؤذِنُ بها بعضُهم بعضًا، حتى نَقَسوا أو كادوا يَنقُسونَ، قال: ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِن الأنصارِ يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ زَيدٍ، أتى رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي رَأَيتُ فيما يَرى النَّائمُ -ولو قُلتُ: إنِّي لم أكُنْ نائمًا لصَدَقتُ- إنِّي بيْنَا أنا بيْنَ النَّائمِ واليَقظانِ، إذ رَأَيتُ شَخصًا عليه ثَوبانِ أخضرانِ، فاستَقبَلَ القِبلةَ، فقال: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، مَثنَى مَثنَى حتى فَرَغَ مِن الأذانِ، ثُمَّ أَمهَلَ ساعةً، قال: ثُمَّ قال مِثلَ الذي قال، غيرَ أنَّه يَزيدُ في ذلك: قد قامتِ الصَّلاةُ، قد قامتِ الصَّلاةُ، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عَلِّمْها بِلالًا فليُؤذِّنْ بها، فكان بِلالٌ أوَّلَ مَن أذَّنَ بها، قال: وجاء عُمَرُ بنُ الخطَّابِ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّه قد طاف بي مِثلُ الذي أطافَ به غيرَ أنَّه سَبَقَني، فهذان حَولانِ، قال: وكانوا يَأتونَ الصَّلاةَ، وقد سَبَقَهم ببعضِها النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: فكان الرَّجُلُ يُشيرُ إلى الرَّجُلِ إذا جاء: كم صَلَّى؟ فيَقولُ: واحدةً أو اثنتَينِ، فيُصلِّيها، ثُمَّ يَدخُلُ مع القَومِ في صَلاتِهم، قال: فجاء مُعاذٌ فقال: لا أجِدُه على حالٍ أبدًا إلَّا كنتُ عليها، ثُمَّ قَضَيتُ ما سَبَقَني، قال: فجاء وقد سَبَقَه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ببعضِها، قال: فثَبَتَ معه، فلمَّا قَضى رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلاتَه قام فقَضى، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّه قد سَنَّ لكم مُعاذٌ، فهكذا فاصنَعوا، فهذه ثلاثةُ أحْوالٍ. وأمَّا أحْوالُ الصِّيامِ: فإنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَدِمَ المدينةَ فجَعَلَ يَصومُ مِن كلِّ شَهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، وقال يَزيدُ: فصام تِسعةَ عَشَرَ شَهرًا مِن رَبيعٍ الأوَّلِ إلى رَمضانَ، مِن كلِّ شَهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، وصام يومَ عاشوراءَ، ثُمَّ إنَّ اللهَ فَرَضَ عليه الصَّيامَ، فأنزَلَ اللهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183]، إلى هذه الآيةِ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، قال: فكان مَن شاء صام، ومَن شاء أطعَمَ مِسكينًا، فأجزَأَ ذلك عنه، قال: ثُمَّ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أنزَلَ الآيةَ الأُخرى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، إلى قَولِه: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، قال: فأثبَتَ اللهُ صيامَه على المُقيمِ الصَّحيحِ، ورَخَّصَ فيه للمَريضِ والمُسافرِ، وثَبَتَ الإطعامُ للكَبيرِ الذي لا يَستطيعُ الصِّيامَ، فهذان حَوْلانِ، قال: وكانوا يأكُلونَ ويَشرَبونَ ويأتونَ النِّساءَ، ما لم يَناموا، فإذا ناموا امتَنَعوا، قال: ثم إنَّ رَجُلًا مِنَ الأنصارِ يُقالُ له: صِرْمةُ، ظَلَّ يَعمَلُ صائِمًا حتى أمْسى، فجاءَ إلى أهلِه، فصلَّى العِشاءَ، ثم نامَ، فلم يأكُلْ، ولم يَشرَبْ، حتى أصبَحَ، فأصبَحَ صائِمًا، قال: فرآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقد جُهِدَ جَهْدًا شَديدًا، قال: ما لي أراكَ قد جُهِدتَ جَهْدًا شَديدًا؟ قال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي عَمِلتُ أمسِ فجِئتُ حين جِئتُ، فألقَيتُ نَفْسي، فنِمتُ، وأصبَحتُ حين أصبَحتُ صائِمًا. قال: وكانَ عُمَرُ قد أصابَ مِنَ النِّساءِ مِن جاريةٍ، أو مِن حُرَّةٍ بَعدَما نامَ، وأتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فذَكَر ذلك له، فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]، إلى قَولِه: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، وقال يَزيدُ: فصامَ تِسعةَ عَشَرَ شَهرًا مِن رَبيعٍ الأوَّلِ إلى رَمَضانَ.]
«إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أَنزَلَ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {الظَّالِمُونَ}، {الْفَاسِقُونَ}. قالَ ابنُ عبَّاسٍ: أَنْزَلَها في طائِفتَينِ مِن اليَهودِ، وكانَتْ إحْداهما قد قَهَرَتِ الأخرى في الجاهِليَّةِ حتَّى ارْتَضَوا واصْطَلَحوا على أنَّ كلَّ قَتيلٍ قَتَلَتْه العَزيزةُ مِن الذَّليلةِ فَدِيَتُه خَمْسونَ وَسْقًا، وكلَّ قَتيلٍ قَتَلَتْه الذَّليلةُ مِن العَزيزةِ فَدِيَتُه مِئةُ وَسْقٍ، فكانوا على ذلك حتَّى قَدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فذَلَّتِ الطَّائِفتانِ لِحُكْمِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَوْمَئذٍ لم يَظهَرْ عليهم ولم يُوطِئْهما وهو الصُّلْحُ، فقَتَلَتِ الذَّليلةُ مِن العَزيزةِ قَتيلًا فأَرسَلَتِ العَزيزةُ إلى الذَّليلةِ أن ابْعَثوا إلينا بمِئةِ وَسْقٍ، فقالَتِ الذَّليلةُ: فهلْ كانَ هذا دينُهما واحِدٌ ونَسَبُهما واحِدٌ، دِيَةُ بعضِهم نِصْفُ دِيَةِ بعضٍ؟! إنَّما أَعْطيناكم هذا ضَيْمًا مِنكم لنا، وفَرَقًا مِنكم، فأمَّا إذ قَدِمَ مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلا نُعْطيكم ذلك، فكادَتِ الحَرْبُ تَهيجُ بَيْنَهما، ثُمَّ ارْتَضَوا على أن جَعَلوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَيْنَهم، ففَكَّرَتِ العَزيزةُ: واللهِ ما مُحمَّدٌ بمُعْطيكم مِنهم ضِعْفَ ما يُعْطيهم مِنكم، ولقد صَدَقوا، ما أَعْطَونا هذا إلَّا ضَيْمًا وقَهْرًا لهم، فدُسُّوا إلى مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَن يَخبُرُ لكم رَأيَه، فإن أَعْطاكم ما تُريدونَ حَكَّمْتوه، وإن لم يُعْطيكموه حَذِرْتُموه فلم تُحَكِّموه، فدَسُّوا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ناسًا مِن المُنافِقينَ يَختَبِرونَ لهم رَأيَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا جاؤوا أَخبَرَ اللهُ رَسولَه بأمْرِهم كلِّه وماذا أرادوا، فأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا} -إلى قَوْلِه:- {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ثُمَّ قالَ: فيهم واللهِ أُنزِلَتْ، وإيَّاهم عَنى اللهُ. لَفْظُ داوُدَ بنِ عَمْرٍو الضَّبِّيِّ. وفي رِوايةِ إبْراهيمَ بنِ أبي العَبَّاسِ: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} - {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، قالَ: قالَ ابنُ عبَّاسٍ: أَنزَلَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ في الطَّائِفتَينِ مِن اليَهودِ، وعِنْدَه: حتَّى قَدِمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدينةَ فذَلَّتِ الطَّائِفتانِ كْلْتاهما لمَقدَمِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَوْمَئذٍ لم يَظهَرْ، ولم يُوطِئْهما غَلَبةً، وهُمْ في الصُّلْحِ، فقَتَلَتِ الذَّليلةُ مِن العَزيزةِ قَتيلًا، وعِنْدَه: وهلْ كانَ هذا في حَيَّينِ قَطُّ دِينُهما واحِدٌ ونَسَبُهما واحِدٌ وبَلَدُهما واحِدٌ، دِيَةُ بعضِهم نِصْفُ دِيَةِ بعضٍ؟ إنَّا إنَّما أَعْطَيْناكم هذا، وفيه: فلا نُعْطيكم ذاك، وكادَتِ الحَرْبُ، وعِنْدَه: ثُمَّ ذَكَرَتِ العَزيزةُ، وعِنْدَه: ضَيْمًا مِنَّا وقَهْرًا لهم، وعِنْدَه: وإن لم يُعْطِكم حَذِرْتُم فلم تُحَكِّموه، وعِنْدَه: ناسًا مِن المُنافِقينَ ليَخبُروا لهم رَأيَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا جاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَخبَرَ اللهُ رَسولَه بأمْرِهم كلِّه وما أرادوا، وعِنْدَه: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا} إلى قَوْلِه: {هُمُ الْفَاسِقُونَ}، وعِنْدَه: ثُمَّ قالَ: فيهما واللهِ أُنْزِلَتْ، وإيَّاهم عَنى اللهُ عَزَّ وجَلَّ»
كان أوَّلَ مَن قَدِمَ المَدينةَ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ وابنُ أُمِّ مَكتومٍ، فكانوا يُقرِئونَ النَّاسَ، قال: ثُمَّ قَدِمَ بِلالٌ وسعدٌ وعمَّارُ بنُ ياسرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه في عشرينَ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قَدِمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فما رَأَيتُ أهلَ المَدينةِ فَرِحوا بشيءٍ فَرحَهم برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: حتى جَعَلَ الإماءُ يقُلْنَ: قَدِمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: فما قَدِمَ حتى قَرَأتُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، في سُوَرٍ مِن المُفصَّلِ
قال عَمرو بنُ عَبَسةَ السُّلَميُّ: كُنتُ وأنا في الجاهِليَّةِ أظُنُّ أنَّ النَّاسَ على ضَلالةٍ، وأنَّهُم لَيسوا على شيءٍ وهم يَعبُدونَ الأوثانَ، فسَمِعتُ برَجُلٍ بمَكَّةَ يُخبِرُ أخبارًا، فقَعَدتُ على راحِلَتي، فقدِمتُ عليه، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُستَخفيًا جُرَآءُ عليه قَومُه، فتَلَطَّفتُ حتَّى دَخَلتُ عليه بمَكَّةَ، فقُلتُ له: ما أنتَ؟ قال: أنا نَبيٌّ، فقُلتُ: وما نَبيٌّ؟ قال: أرسَلَني اللهُ، فقُلتُ: وبِأيِّ شَيءٍ أرسَلَكَ؟ قال: أرسَلَني بصِلةِ الأرحامِ، وكَسرِ الأوثانِ، وأن يوحَّدَ اللهُ لا يُشرَكُ به شَيءٌ، قُلتُ له: فمَن معكَ على هذا؟ قال: حُرٌّ وعَبدٌ، قال: ومعهُ يَومَئذٍ أبو بَكرٍ وبِلالٌ مِمَّن آمَنَ به، فقُلتُ: إنِّي مُتَّبِعُكَ، قال: إنَّكَ لا تَستَطيعُ ذلك يَومَكَ هذا؛ ألا تَرى حالي وحالَ النَّاسِ، ولَكِنِ ارجِعْ إلى أهلِكَ، فإذا سَمِعتَ بي قد ظَهَرتُ فأتِني. قال: فذَهَبتُ إلى أهلي، وقدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ، وكُنتُ في أهلي، فجَعَلتُ أتَخَبَّرُ الأخبارَ، وأسألُ النَّاسَ حينَ قدِمَ المَدينةَ، حتَّى قدِمَ عليَّ نَفَرٌ مِن أهلِ يَثرِبَ مِن أهلِ المَدينةَ، فقُلتُ: ما فعَلَ هذا الرَّجُلُ الذي قدِمَ المَدينةَ؟ فقالوا: النَّاسُ إليه سِراعٌ، وقد أرادَ قَومُه قَتلَه، فلَم يَستَطيعوا ذلك، فقدِمتُ المَدينةَ فدَخَلتُ عليه، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أتَعرِفُني؟ قال: نَعَم، أنتَ الذي لَقيتَني بمَكَّةَ، قال: فقُلتُ: بَلى، فقُلتُ: يا نَبيَّ اللهِ، أخبِرْني عَمَّا عَلَّمَكَ اللهُ وأجهَلُه، أخبِرْني عَنِ الصَّلاةِ، قال: صَلِّ صَلاةَ الصُّبحِ، ثُمَّ أقصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ حتَّى تَرتَفِعَ؛ فإنَّها تَطلُعُ حينَ تَطلُعُ بينَ قَرنَي شيطانٍ، وحينَئِذٍ يَسجُدُ لَها الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ؛ فإنَّ الصَّلاةَ مَشْهودةٌ مَحضورةٌ حتَّى يَستَقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمحِ، ثُمَّ أقصِرْ عَنِ الصَّلاةِ؛ فإنَّ حينَئِذٍ تُسجَرُ جَهَنَّمُ، فإذا أقبَلَ الفَيءُ فصَلِّ؛ فإنَّ الصَّلاةَ مَشْهودةٌ مَحضورةٌ حتَّى تُصَلِّيَ العَصرَ، ثُمَّ أقصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ؛ فإنَّها تَغرُبُ بينَ قَرنَي شيطانٍ، وحينَئِذٍ يَسجُدُ لَها الكُفَّارُ. قال: فقُلتُ: يا نَبيَّ اللهِ، فالوُضوءَ حَدِّثْني عنه، قال: ما مِنكُم رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضوءَه فيَتَمَضمَضُ، ويَستَنشِقُ فيَنتَثِرُ، إلَّا خَرَّت خَطايا وجهِه، وفيه: وخَياشيمِه، ثُمَّ إذا غَسَلَ وجهَه كما أمَرَه اللهُ، إلَّا خَرَّت خَطايا وجهِه مِن أطرافِ لحيَتِه مع الماءِ، ثُمَّ يَغسِلُ يَدَيه إلى المِرفَقَينِ، إلَّا خَرَّت خَطايا يَدَيه مِن أنامِلِه مع الماءِ، ثُمَّ يَمسَحُ رَأسَه، إلَّا خَرَّت خَطايا رَأسِه مِن أطرافِ شَعرِه مع الماءِ، ثُمَّ يَغسِلُ قدَمَيه إلى الكَعبَينِ، إلَّا خَرَّت خَطايا رِجلَيه مِن أنامِلِه مع الماءِ، فإن هو قامَ فصَلَّى، فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ومَجَّدَه بالذي هو له أهلٌ، وفَرَّغَ قَلبَه للَّهِ؛ إلَّا انصَرَفَ مِن خَطيئَتِه كَهَيئَتِه يَومَ ولَدَتْه أُمُّه. فحَدَّثَ عَمرو بنُ عَبَسةَ بهذا الحَديثِ أبا أُمامةَ صاحِبَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال له أبو أُمامةَ: يا عَمرَو بنَ عَبَسةَ، انظُرْ ما تَقولُ، في مَقامٍ واحِدٍ يُعطى هذا الرَّجُلُ، فقال عَمرٌو: يا أبا أُمامةَ، لقد كَبِرَت سِنِّي، ورَقَّ عَظمي، واقتَرَبَ أجَلي، وما بي حاجةٌ أن أكذِبَ على اللهِ ولا على رَسولِ اللهِ، لو لَم أسمَعْه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا مَرَّةً، أو مَرَّتَينِ، أو ثَلاثًا -حتَّى عَدَّ سَبعَ مَرَّاتٍ- ما حَدَّثتُ به أبَدًا، ولَكِنِّي سَمِعتُه أكثَرَ مِن ذلك
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرأشهد أن لا إله إلا اللهثلاثين من بين يوم وليلةلا يقتل أحدا جاءه تائباالنفقة في اليسر والعسرأغاروا على سرح المدينةلا طاعة لمن عصى اللهعصية عصت الله ورسولهأبو العاص بن الربيعسبح اسم ربك الأعلىتاب الله على النبيتدخلوا الجنة بسلاموجهه ليس بوجه كذابزينب بنت رسول اللهكونوا مع الصادقيناللهم اكفني عامرالا نخاف لومة لائممهند من سيوف اللهعمر بن عبد العزيزالخروج عن الإسلامجابر بن عبد اللهالرفث إلى النساءلحقوا بأهل الشركالذليلة والعزيزةلبيك اللهم لبيكتلاعبها وتلاعبكعبد الله بن زيدفدية طعام مسكينإسلام أبي العاصالنهي عن المنكررغبة عن الإسلامقد قامت الصلاةصوم ثلاثة أيامالأمر بالمعروفبيعة رسول اللهعامر بن الطفيلالحجاج بن يوسفاستقبال القبلةبين قرني شيطانعمر بن الخطابصفوان بن أميةأطعموا الطعامبوقيتين ودرهمالسمع والطاعةالنشاط والكسلبما أنزل اللهمشهودة محضورةمصعب بن عميرابن أم مكتوماعتزل امرأتكأفشوا السلامصلوا الأرحامقدوم المدينةالشهر الحرامأحوال الصلاةأحوال الصيامتحويل القبلةإجارة المرأةابن أبي سلمىرمي الجمراتأهل المدينةوهب بن عميركعب بن مالكصلوا بالليلفداء الأسرىقلادة خديجةثابت بن قيستائبا مسلماأنس بن مالكصلة الأرحامكسر الأوثانخطايا الوجهحجة الوداعمناسك الحجالحرب خدعةخمسون ليلةالناس نيامثمن البعيرإساف ونائلغض من صوتكشعراء قريشسواد الشعرتوحيد اللهرسول اللهغزوة تبوكلا تقربهافقار ظهرهصوم رمضانبئر معونةابنا قيلةنصر النبيتسجر جهنمالمزدلفةقتل محمدنحر جزورذبح بقرةماء زمزمطعام طعمرد المالحمد الله
تخريج حديث قدم النبي المدينة
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








