تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 349 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 349

349 : تفسير الصفحة رقم 349 من القرآن الكريم

** أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىَ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ * قَالُواْ رَبّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنّا قَوْماً ضَآلّينَ * رَبّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنّا ظَالِمُونَ
هذا تقريع من الله وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك, فقال تعالى: {ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون} أي قد أرسلت إليكم الرسل, وأنزلت عليكم الكتب, وأزلت شبهكم, ولم يبق لكم حجة, كما قال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسول} وقال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ـ إلى قوله ـ فسحقاً لأصحاب السعير} ولهذا قالوا: {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين} أي قد قامت علينا الحجة, ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها, فضللنا عنها ولم نرزقها. ثم قالوا: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} أي ارددنا إلى الدنيا, فإن عدنا إلى ما سلف منا فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة, كما قال: {فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل * ـ إلى قوله ـ فالحكم لله العلي الكبير} أي لا سبيل إلى الخروج لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحده المؤمنون.

** قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ * إِنّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبّنَآ آمَنّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ * فَاتّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتّىَ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوَاْ أَنّهُمْ هُمُ الْفَآئِزُونَ
هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار. يقول {اخسئوا فيه} أي امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء, {ولا تكلمون} أي لا تعودوا إلى سؤالكم هذا فإنه لا جواب لكم عندي. قال العوفي عن ابن عباس {اخسئوا فيها ولا تكلمون} قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبدة بن سليمان المروزي, حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكاً فلا يجيبهم أربعين عاماً, ثم يرد عليهم إنكم ماكثون, قال هانت دعوتهم والله على مالك ورب مالك, ثم يدعون ربهم فيقولون {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم {اخسئوا فيها ولا تكلمون} قال: فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة واحدة, وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم, قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق.
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل, حدثنا أبو الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله تعالى أن لا يخرج منهم أحداً يعني من جهنم, غير وجوههم وألوانهم, فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع فيقول: يا رب, فيقول الله: من عرف أحداً فليخرجه, فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر فلا يعرف أحداً, فيناديه الرجل: يا فلان أنا فلان, فيقول ما أعرفك, قال: فعند ذلك يقولون {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} فعند ذلك يقول الله تعالى: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار فلا يخرج منهم أحد.
ثم قال تعالى مذكراً لهم بذنوبهم في الدنيا وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه, فقال تعالى: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمن * فاتخذتموهم سخري} أي فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إلي {حتى أنسوكم ذكري} أي حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي {وكنتم منهم تضحكون} أي من صنيعهم وعبادتهم, كما قال تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون} أي يلمزونهم استهزاء: ثم أخبر تعالى عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين, فقال تعالى: {إني جزيتهم اليوم بما صبرو} أي على أذاكم لهم واستهزائكم بهم {أنهم هم الفائزون} بالسعادة والسلامة والجنة والنجاة من النار.

** قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَآدّينَ * قَالَ إِن لّبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لّوْ أَنّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللّهُ الْمَلِكُ الْحَقّ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ رَبّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
يقول تعالى منبهاً لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده, ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين} أي كم كانت إقامتكم في الدنيا {قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين} أي الحاسبين {قال إن لبثتم إلا قليل} أي مدة يسيرة على كل تقدير {لو أنكم كنتم تعلمون} اي لما آثرتم الفاني على الباقي ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيء ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة, فلو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن يونس, حدثنا الوليد, حدثنا صفوان عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه سمعه يخطب الناس فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار, قال: يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين ؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم ـ قال ـ لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي امكثوا فيها خالدين مخلدين, ثم قال: يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين ؟ قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم, فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم, ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين مخلدين».
وقوله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبث} أي أفظننتم أنكم مخلوقون عبثاً بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا, وقيل: للعبث, أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب, وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل {وأنكم إلينا لا ترجعون} أي لا تعودون في الدار الاَخرة, كما قال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} يعني هملاً. وقوله: {فتعالى الله الملك الحق} أي تقدس أن يخلق شيئاً عبثاً, فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك {لا إله إلا هو رب العرش الكريم} فذكر العرش لأنه سقف جميع المخلوقات, ووصفه بأنه كريم أي حسن المنظر بهي الشكل, كما قال تعالى: {وأنبتنا فيها من كل زوج كريم}.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا علي بن محمد الطنافسي, حدثنا إسحاق بن سليمان شيخ من أهل العراق, أنبأنا شعيب بن صفوان عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه, ثم قال: أما بعد, أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثاً, ولن تتركوا سدى, وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم, فخاب وخسر وشقي عبد أخرجه الله من رحمته, وحرم جنة عرضها السموات والأرض, ألم تعلموا أنه لا يأمن عذاب الله غداً إلا من حذر هذا اليوم وخافه, وباع نافداً بباق وقليلاً بكثير وخوفاً بأمان, ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين, وسيكون من بعدكم الباقين حتى تردون إلى خير الوارثين ؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله عز وجل, قد قضى نحبه وانقضى أجله حتى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير ممهد ولا موسد, قد فارق الأحباب وباشر التراب, ووجه الحساب, مرتهن بعمله, غني عما ترك, فقير إلى ما قدم. فاتقوا الله قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم, ثم جعل طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن نصير الخولاني, حدثنا ابن وهب, أخبرني ابن لهيعة عن أبي هبيرة عن حسن بن عبد الله أن رجلاً مصاباً مربه عبد الله بن مسعود فقرأ في أذنه هذه الاَية {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق} حتى ختم السورة فبرأ, فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بماذا قرأت في أذنه ؟» فأخبره, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأها على جبل لزال» وروى أبو نعيم من طريق خالد بن نزار عن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} قال: فقرأناها فغنمنا وسلمنا.
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي, حدثنا أبو المسيب سالم بن سلام, حدثنا بكر بن حُبيش عن نهشل بن سعيد عن الضحاك بن مزاحم عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا السفينة باسم الله الملك الحق, وما قدروا الله حق قدره, والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة, والسموات مطويات بيمينه, سبحانه وتعالى عما يشركون, باسم الله مجراها ومرساها, إن ربي لغفور رحيم».

** وَمَن يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُل رّبّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ
يقول تعالى متوعداً من أشرك به غيره وعبد معه سواه, ومخبراً أن من أشرك بالله لا برهان له, أي لا دليل له على قوله, فقال تعالى: {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به} وهذه جملة معترضة, وجواب الشرط في قوله: {فإنما حسابه عند ربه} أي الله يحاسبه على ذلك, ثم أخبر {إنه لا يفلح الكافرون} أي لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة. قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «ما تعبد ؟» قال: أعبد الله وكذا وكذا حتى عد أصناماً, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك ؟» قال: الله عز وجل. قال «فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها ؟». قال: الله عز وجل, قال: «فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه, أم حسبت أن تغلب عليه ؟» قال: أردت شكره بعبارة هؤلاء معه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تعلمون ولا يعلمون» فقال الرجل بعد ما أسلم: لقيت رجلاً خصمني, هذا مرسل من هذا الوجه, وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسنداً عن عمران بن الحصين عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ذلك. وقوله تعالى: {وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين} هذا إرشاد من الله تعالى إلى هذا الدعاء, فالغفر إذا أطلق ومعناه محو الذنب وستره عن الناس, والرحمة معناها أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال.
آخر تفسير سورة المؤمنون.