تفسير الطبري تفسير الصفحة 550 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 550
551
549
 الآية : 5-6
القول فـي تأويـل قوله تعالى:{رَبّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلّذِينَ كَفَرُواْ وَاغْفِرْ لَنَا رَبّنَآ إِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَمَن يَتَوَلّ فَإِنّ اللّهَ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ }.
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل إبراهيم خليله والذين معه: يا ربّنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا بك فجحدوا وحدانيتك, وعبدوا غيرك, بأن تسلطهم علينا, فيروا أنهم على حقّ, وأنا على باطل, فتجعلنا بذلك فتنة لهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
26255ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً للّذِينَ كَفَرُوا قال لا تعذّبنا بأيديهم, ولا بعذاب من عندك, فيقولوا: لو كان هؤلاء على حقّ ما أصابهم هذا.
26256ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: رَبّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً للّذِينَ كَفَرُوا قال: يقول: لا تظهرهم علينا فيَفْتَتنوا بذلك. يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحقّ هم عليه.
26257ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً للّذِينَ كَفَرُوا يقول: لا تسلّطْهم علينا فيفتنونا.
وقوله: وَاغُفِرْ لَنا رَبّنا يقول: واستر علينا ذنوبنا بعفوك لنا عنها يا ربنا, إنّكَ أنْتَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني الشديد الانتقام ممن انتقم منه, الحكيم: يقول الحكيم في تدبيره خلقه, وصرفه إياهم فيما فيه صلاحهم.
وقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ يقول تعالى ذكره لقد كان لكم أيها المؤمنون قدوة حسنة في الذين ذكرهم إبراهيم والذين معه من الأنبياء صلوات الله عليهم والرسل لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللّهَ وَاليَوْمَ الاَخِرَ يقول: لمن كان منكم يرجو لقاء الله, وثواب الله, والنجاة في اليوم الاَخر.
وقوله وَمَنْ يَتَوَلّ فإنّ اللّهَ هُوَ الغَنِيّ الْحَمِيدُ يقول تعالى ذكره: ومن يتول عما أمره الله به وندبه إليه منكم ومن غيركم, فأعرض عنه وأدبر مستكبرا, ووالى أعداء الله, وألقى أليهم بالمودّة, فإن الله هو الغنيّ عن إيمانه به, وطاعته إياه, وعن جميع خلقه, الحميد عند أهل المعرفة بأياديه, وآلائه عندهم.
الآية : 7
القول فـي تأويـل قوله تعالى:{عَسَى اللّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الّذِينَ عَادَيْتُم مّنْهُم مّوَدّةً وَاللّهُ قَدِيرٌ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ }.
يقول تعالى ذكره: عسى الله أيها المؤمنون أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم من أعدائي من مشركي قريش مودّة, ففعل الله ذلك بهم, بأن أسلم كثير منهم, فصاروا لهم أولياء وأحزابا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
26258ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: عَسَى اللّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدّةً قال: هؤلاء المشركون قد فعل, قد أدخلهم في السلم وجعل بينهم مودّة حين كان الإسلام حين الفتح.
وقوله: واللّه قَدِيرٌ يقول: والله ذو قدرة على أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم من المشركين مودّة وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول: والله غفور لخطيئة من ألقى إلى المشركين بالمودّة إذا تاب منها, رحيم بهم أن يعذّبهم بعد توبتهم منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
26259ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: عَسَى اللّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدّةً واللّهُ قَدِيرٌ على ذلك واللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر الذنوب الكثيرة, رحيم بعباده.
الآية : 8
القول فـي تأويـل قوله تعالى:{لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ }.
يقول تعالى ذكره: لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ من أهل مكة وَلم يُخْرِجوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أنْ تَبرّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ يقول: وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم, وبرّكم بهم.
واختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية, فقال بعضهم: عُني بها: الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يهاجروا, فأذن الله للمؤمنين ببرّهم والإحسان إليهم. ذكر من قال ذلك:
26260ـ حدثنا محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: لا يَنْهاكُمْ اللّهُ عَن الّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُم فِي الدّينِ أن تستغفروا لهم, و وتبروّهم وتقسطوا إليهم قال: وهم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا.
وقال آخرون: عُنِي بها من غير أهل مكة مَنْ لم يهاجر. ذكر من قال ذلك:
26261ـ حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطيّ, قال: حدثنا هارون بن معروف, قال: حدثنا بشر بن السري, قال: حدثنا مصعب بن ثابت, عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير, عن أبيه, قال: نزلت في أسماء بنت أبي بكر, وكانت لها أمّ في الجاهلية يقال لها قُتَيلة ابنة عبد العُزى, فأتتها بهدايا وصِنَاب وأقط وَسمْن, فقالت: لا أقبل لك هدية, ولا تدخلي عليّ حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله لا يَنْهاكُمْ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ... إلى قوله: المُقْسِطِينَ.
قال: ثنا إبراهيم بن الحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن المبارك, قال: حدثنا مصعب بن ثابت, عن عامر بن عبد الله بن الزبير, عن أبيه, قال: قَدِمتْ قُتَيلة بنت عبد العُزى بن سعد من بني مالك بن حِسْل على ابنتها أسماء بنت أبي بكر, فذكر نحوه.
وقال آخرون: بل عُنِي بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين, ولم يخرجوهم من ديارهم قال: ونسخ الله ذلك بعدُ بالأمر بقتالهم. ذكر من قال ذلك:
26262ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: لا يَنْهاكُمُ اللّهُ... الآية, فقال: هذا قد نسخ, نَسَخه, القتال, أمروا أن يرجعوا إليهم بالسيوف, ويجاهدوهم بها, يضربونهم, وضرب الله لهم أجل أربعة أشهر, إما المذابحة, وإما الإسلام.
26263ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله لا يَنْهاكُمُ اللّهُ... الآية, قال: نسختها اقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين, من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرّوهم وتصلوهم, وتقسطوا إليهم, إن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله الّذِينَ لَمْ يُقاتلُوكُمْ فِي الدّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكمْ مِنْ دِيارِكُمْ جميع من كان ذلك صفته, فلم يخصُصْ به بعضا دون بعض, ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ, لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب, أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولانسب غير محرّم ولا منهى عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له, أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام, أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح. قد بين صحة ما قلنا في ذلك, الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمها.
وقوله: إنّ اللّهُ يُحِبّ المُقْسِطِينَ يقول: إن الله يحبّ المنصفين الذين ينصفون الناس, ويعطونهم الحقّ والعدل من أنفسهم, فيبرّون من برّهم, ويُحْسنون إلى من أحسن إليهم.
الآية : 9
القول فـي تأويـل قوله تعالى:{إِنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىَ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلّهُمْ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ }.
يقول تعالى ذكره: إنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ أيها المؤمنون عَن الّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدّين من كفار أهل مكة وأخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظَاهِرُوا على إخْرَاجِكُمْ أنْ تَوَلّوْهُمْ يقول: وعاونوا من أخرجكم من دياركم على إخراجكم أن تولوهم, فتكونوا لهم أولياء ونصراء وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ يقول: ومن يجعلهم منكم أو من غيركم أولياء فأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ يقول: فأولئك هم الذين تولوا غير الذي يجوز لهم أن يتولوهم, ووضعوا ولايتهم في غير موضعها, وخالفوا أمر الله في ذلك. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّين قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
26264ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد إنّمَا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَن الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّين قال: كفار أهل مكة.
الآية : 10
القول فـي تأويـل قوله تعالى: يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ اللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنّ إِلَى الْكُفّارِ لاَ هُنّ حِلّ لّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلّونَ لَهُنّ وَآتُوهُم مّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }.
يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ النساء المُوءْمِناتُ مُهاجِراتٍ من دار الكفر إلى دار الإسلام فامْتَحِنُوهُن وكانت محنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهن إذا قَدِمن مهاجرات, كما:
26265ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا يونس بن بكير, عن قيس بن الربيع, عن الأغرّ بن الصباح, عن خليفة بن حصين, عن أبي نصر الأسديّ, قال: سُئل ابن عباس: كيف كان امتحان رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء؟ قال: كان يمتحنهنّ بالله ما خرجت من بغض زوج, وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض, وبالله ما خرجت التماس دنيا, وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا الحسن بن عطية, عن قيس, قال: أخبرنا الأغر بن الصباح, عن خليفة بن حصين, عن أبي نصر, عن ابن عباس في يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ المُوءْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنّ قال كانت المرأة إذا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفها بالله ما خرجت... ثم ذكر نحوه.
26266ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهريّ, أن عائشة قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن المؤمنات إلا بالآية, قال الله: إذَا جاءَكَ المُوءْمِناتُ يُبايِعْنَكَ على أنْ لا يُشْرِكْنَ باللّهِ شَيْئا ولا, ولا.
26267ـ حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني يونس, عن ابن شهاب, قال: أخبرني عروة بن الزبير, أن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنّ بقول الله: يا أيّها النّبِيّ إذَا جاءَكَ المُوءْمِناتُ يُبايِعْنَكَ... إلى آخر الآية, قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات, فقد أقرّ بالمحبة, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهنّ قال لهنّ: «انطلقن فقد بايعتكن», ولا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قطّ, غير أنه بايعهنّ بالكلام قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء قطّ, إلا بما أمره الله عزّ وجلّ, وكان يقول لهنّ إذا أخذ عليهن «قد بايعتكنّ كلاما».
26268ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ المُوءْمِناتُ مُهاجِراتٍ... إلى قوله: عَلِيمٌ حَكِيم كان امتحانهنّ أن يشهدن أن لا إله إلا الله, وأن محمدا عبده ورسوله.
26269ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: فامْتَحِنُوهُنّ قال: سلوهنّ ما جاء بهنّ فإن كان جاء بهنّ غضب على أزواجهنّ, أو سخطة, أو غيره, ولم يؤمنّ, فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ.
26270ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة فامْتَحِنُوهُنّ كانت محنتهنّ أن يستحلفن بالله «ما أخرجكنّ النشوز, وما أخرجكنّ إلاّ حبّ الإسلام وأهله, وحِرْصٌ عليه», فإذا قلن ذلك قُبل ذلك منهنّ.
ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله فامْتَحِنُوهُنّ قال: يحلفن ما خرجن إلا رغبة في الإسلام, وحبا لله ورسوله.
26271ـ حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن أبيه أو عكرمة إذَا جاءَكُمُ المُوءْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنّ قال: يقال: ما جاء بك إلا حبّ الله, ولا جاء بك عشق رجل منا, ولا فرارا من زوجك, فذلك قوله فامْتَحِنُوهُنّ.
26272ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: كانت المرأة من المشركين إذا غضبت على زوجها, وكان بينه وبينها كلام, قالت: والله لأهاجرنّ إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه, فقال الله عزّ وجلّ: إذَا جاءَكُمُ المُوءْمِنات مُهاجِرات فامْتَحِنُوهُنّ إن كان الغضب أتى بها فردّوها, وإن كان الإسلام أتى بها فلا تردّوها.
26273ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني عمرو بن الحارث, عن بكير بن الأشجّ, قال: كان امتحانهنّ إنه لم يُخْرِجْكِ إلا الدين.
وقوله: اللّهُ أعْلَمُ بإيمَانِهِنّ يقول: الله أعلم بإيمان من جاء من النساء مهاجرات إليكم.
وقوله: فإنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُوءْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنّ إلى الكُفّارِ يقول: فإن أقررن عند المحنة بما يصحّ به عقد الإيمان لهنّ, والدخول في الإسلام, فلا تردّوهنْ عن ذلك إلى الكفار. وإنما قيل ذلك للمؤمنين, لأن العهد كان جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش في صلح الحديبية أن يردّ المسلمون إلى المشركين من جاءهم مسلما, فأبطل ذلك الشرط في النساء إذا جئن مؤمنات مهاجرات فامتحنّ, فوجدهنّ المسلمون مؤمنات, وصحّ ذلك عندهم مما قد ذكرنا قبل, وأمروا أن لا يردّوهنّ إلى المشركين إذا علم أنهنّ مؤمنات. وقال جل ثناؤه لهم: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُوءْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنّ إلى الكُفّار لاهُنّ حِلّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلّونُ لَهُنّ يقول: لا المؤمنات حلّ للكفار ولا الكفار يحلون للمؤمنات. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الاَثار. ذكر بعض ما رُوي في ذلك من الأثر:
26274ـ حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن الزهري, قال: دخلت على عُرْوة بن الزّبير, وهو يكتب كتابا إلى ابن أبي هُنيد صاحب الوليد بن عبد الملك, وكتب إليه يسأله عن قول الله عزّ وجلّ: إذَا جاءَكُمُ المُوءْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ... إلى قوله وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وكتب إليه عُرْوة بن الزّبير: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالح قريشا عام الحديبية على أن يردّ عليهم من جاء بغير إذن وليه فلما هاجر النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام, أبى الله أن يُرْدَدْن إلى المشركين, إذا هنّ امْتَحنّ محنة الإسلام, فعرفوا أنهنّ إنما جئن رغبة فيه.
وقوله وآتُوهُمْ ما أنْفَقُوا يقول جلّ ثناؤه: وأعطوا المشركين الذين جاءكم نساؤهم مؤمنات إذا علمتموهنّ مؤمنات, فلم ترجعوهنّ إليهم ما أنفقوا في نكاحهم إياهنّ من الصداق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
26275ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ المُوءْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ... إلى قوله عَلِيمٌ حَكِيمٌ قال: كان امتحانهنّ أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله, فإذا علموا أن ذلك حقّ منهنّ لم يرجعوهنّ إلى الكفار, وأعطى بعلها من الكفار الذين عقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صداقه الذي أصدقها.
26276ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, وإذا فررن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشركين الذين بينهم وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم عهد جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وآتُوهُم ما أنْفَقُوا وآتُوا أزواجهنّ صدقاتهن.
26277ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ المُوءْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنّ اللّهُ أعْلَمُ بإيمَانِهِن حتى بلغ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ هذا حكم حكمه عزّ وجلّ بين أهل الهدى وأهل الضلالة كنّ إذا فررن من المشركين الذي بينهم وبين نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عهد إلى أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فتزوّجوهنّ بعثوا مهورهنّ إلى أزواجهنّ من المشركين الذي بينهم وبين نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عهد وإذا فررن من أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين الذين بينهم وبين نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عهد بعثوا بمهورهنّ إلى أزواجهنّ من أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.
26278ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهريّ, قال: نزلت عليه وهو بأسفل الحديبية, وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم صالحهم أنه من أتاه منهم ردّه إليهم فلما جاءه النساء نزلت عليه هذه الآية, وأمره أن يردّ الصداق إلى أزواجهن حكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يردّوا الصداق إلى أزواجهنّ فقال وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ.
26279ـ حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: فامْتَحِنُوهُنّ اللّهُ أعْلَمُ بإيمَانِهنّ كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عاهد من المشركين ومن أهل الكتاب, فعاهدهم وعاهدوه, وكان في الشرط أن يردّوا الأموال والنساء, فكان نبيّ الله إذا فاته أحد من أزواج المؤمنين, فلحق بالمعاهدة تاركا لدينه مختارا للشرك, ردّ على زوجها ما أنفق عليها, وإذا لحق بنبيّ الله صلى الله عليه وسلم أحد من أزواج المشركين امتحنها نبيّ الله صلى الله عليه وسلم, فسألها: «ما أخرجك من قومك؟» فإن وجدها خرجت تريد الإسلام قبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وردّ على زوجها ما أنفق عليها, وإن وجدت فرّت من زوجها إلى آخر بينها وبينه قرابة, وهي متمسكة بالشرك ردّها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجها من المشركين.
26280ـ حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ المُوءْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنّ... الآية كلها, قال: لما هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين كان في الشرط الذي شُرط: أن تردّ إلينا من أتاك منا, ونردّ إليك من أتانا منكم, فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أتانا مِنْكُمْ فَنرُدّهُ إلَيْكُمُ, وَمَنْ أتاكُمْ مِنّا فاخْتارَ الكُفْرَ على الإيمَانِ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِمْ» قال: فأبى الله ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم في النساء, ولم يأبه للرجال, فقال الله عزّ وجلّ: إذَا جاءَكُمُ المُوءْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنّ... إلى قوله وآتُوهُمْ ما أنْفَقُوا أزواجهنّ.
26281ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عمرو بن الحارث, عن بكير بن الأشجّ, قال كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين هدنة فيمن فرّ من النساء, فإذا فرّت المشركة أعطى المسلمون زوجها نفقته عليها وكان المسلمون يفعلون وكان إذا لم يعط هؤلاء ولا هؤلاء أخرج المسلمون للمسلم الذي ذهبت امرأته نفقتها.
وقوله: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَنْكِحُوهُنّ إذَا آتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ يقول تعالى ذكره: ولا حرج عليكم أيها المؤمنون أن تنكحوا هؤلاء المهاجرات اللاتي لحقن بكم من دار الحرب مفارقات لأزواجهنّ, وإن كان لهنّ أزواج في دار الحرب إذا علمتموهنّ مؤمنات إذا أنتم أعطيتموهنّ أجورهن, ويعني بالأجور: الصّدقات. وكان قتادة يقول: كنّ إذا فررن من المشركين الذين بينهم وبين نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عهد إلى أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فتزوّجوهنّ, بعثوا بمهورهنّ إلى أزواجهنّ من المشركين الذين بينهم وبين أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عهد.
26282ـ حدثنا بذلك بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة.
وكان الزهريّ يقول: إنما أمر الله بردّ صداقهنُ إليهم إذا حُبِسن عنهم وإن هم ردّوا المسلمين على صداق من حبسوا عنهم من نسائهم.
26283ـ حدثنا بذلك ابن حُمَيد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن الزهريّ.
26284ـ حدثني يونس, أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَنْكِحُوهُنّ ولها زوج ثمّ, لأنه فرق بينهما الإسلام إذا استبرأتن أرحامهنّ.
وقوله: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ يقول جلّ ثناؤه للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمسكوا إيها المؤمنون بحبال النساء الكوافر وأسبابهنّ, والكوافر: جمع كافرة, والعصم: جمع عصمة, وهي ما اعتصم به من العقد والسبب, وهذا نهي من الله للمؤمنين عن الإقدام على نكاح النساء المشركات من أهل الأوثان, وأمر لهم بفراقهنّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
26285ـ حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان, قال: حدثنا عبد الله بن المبارك, قال أخبرنا معمر, عن الزهريّ, عن عروة, عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جاءه نسوة مؤمنات بعد أن كتب كتاب القضية بينه وبين قريش, فأنزل الله: يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُوءْمِنات مُهاجِرَاتٍ حتى بلغ بعِصَمِ الكَوَافِرِ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له بالشرك, فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية.
26286ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني يونس, عن ابن شهاب, قال: بلغنا أن آية المحنة التي مادّ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار قريش من أجل العهد الذي كان بين كفار قريش وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم, فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يردّ إلى كفار قريش ما أنفقوا على نسائهم اللاتي يسلمن ويهاجرن, وبعولتهنّ كفار للعهد الذي كان بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبينهم, ولو كانوا حربا ليست بينهم وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم مدّة وعقد لم يردّ عليهم شيئا مما أنفقوا, وحكم الله للمؤمنين على أهل المدّة من الكفار بمثل ذلك, قال الله: يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُوءْمِنات مُهاجِرَاتٍ حتى بلغ وَاللّهُ عَلِيمٌ حِكِيمٌ فطلق المؤمنون حين أنزلت هذه الآية كلّ امرأة كافرة كانت تحت رجل منهم, فطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته ابنة أبي أُمية بن المغيرة من بني مخزوم فتزوّجها معاوية بن أبي سفيان, وابنة جرول من خزاعة, فتزوّجها أبو جهم بن حذافة العَدَوِيّ, وجعل الله ذلك حكما حكم به بين المؤمنين والمشركين في هذه المدة التي كانت.
26287ـ حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, قال: وقال الزهريّ: لما نزلت هذه الآية يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُوءْمِنات... إلى قوله: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ كان ممن طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته قريبة ابنة أبي أمية بن المغيرة, فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان, وهما على شركهما بمكة وأم كلثوم ابنة جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر فتزوجها أبو جهم بن حُذافة بن غانم رجل من قومه, وهما على شركهما وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التيمي كانت عنده أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب, ففرّق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر, وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة على دين قومها, ثم تزوّجها في الاسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس. وكان ممن فرّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار ممن لم يكن بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فحبسها وزوّجها رجلاً من المسلمين أميمة بنت بشر الأنصارية, ثم إحدى نساء بني أمية بن زيد من أوس الله, كانت عند ثابت بن الدحداحة, ففرّت منه, وهو يومئذ كافر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل بن حنيف أحد بني عمرو بن عوف, فولدت عبد الله بن سهل.
حدثني ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهريّ, قال الله: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ قال: الزهريّ: فطلق عمر امرأتين كانتا له بمكة.
26288ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ قال: أصحاب محمد أُمروا بطلاق نسائهم كوافر بمكة, قعدن مع الكفار.
26289ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ مشركات العرب اللاتي يأبين الإسلام أُمر أن يُخَلّى سبِيلُهن.
26290ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِرِ إذا كفرت المرأة فلا تمسكوها, خلوها, وقعت الفرقة بينها وبين زوجها حين كفرت.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله وَلا تُمْسِكُوا فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والمدينة والكوفة والشأم, وَلا تُمْسِكُوا بتخفيف السين. وقرأ ذلك أبو عمرو «ولاَ تُمْسِكُوا» بتشديدها, وذكر أنها قراءة الحسن, واعتبر من قرأ ذلك بالتخفيف, وإمساك بمعروف.
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان, ولغتان مشهورتان, محكى عن العرب أمسكت به ومسكت, وتمسّكت به.
وقوله: وَاسْئَلُوا ما أنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أنْفَقُوا يقول تعالى ذكره لأزواج اللواتي لحقن من المؤمنين من دار الإسلام بالمشركين إلى مكة من كفار قريش: واسئلوا أيها المؤمنون الذين ذهبت أزواجهم فلحقن بالمشركين ما أنفقتم على أزواجكم اللواتي لحقن بهم من الصداق من تزوّجهن منهم, وليسئلكم المشركون منهم الذين لحق بكم أزواجهم مؤمنات إذا تزوّجن فيكم من تزوّجها منكم ما أنفقوا عليهنّ من الصداق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
26291ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني يونس, عن ابن شهاب, قال: أقر المؤمنون بحكم الله, وأدّوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم, وأبى المشركون أن يقرّوا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين.
26292ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: وَاسْئَلُوا ما أنْفَقْتُمْ وَلْيسْئَلُوا ما أنْفَقوا قال: ما ذهب من أزواج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكفار, فليعطهم الكفار صدقاتهنّ, وليمسكوهن, وما ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم, فمثل ذلك في صلح كان بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين قريش.
وقوله: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يقول تعالى ذكره: هذا الحكم الذي حكمت بينكم من أمركم أيها المؤمنون بمسألة المشركين, وما أنفقتم على أزواجكم اللاتي لحقن بهم وأمرهم بمسألتكم مثل ذلك في أزواجهن اللاتي لحقن بكم, حكم الله بينكم فلا تعتدوه, فإنه الحقّ الذي لا يسمع غيره, فانتهى المؤمنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذُكر إلى أمر الله وحكمه, وامتنع المشركون منه وطالبوا الوفاء بالشروط التي كانوا شارطوها بينهم في ذلك الصلح, وبذلك جاءت الاَثار والأخبار عن أهل السير وغيرهم. ذكر من قال ذلك:
26293ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهريّ, قال: أما المؤمنون فأقرّوا بحكم الله, وأما المشركون فأبوا أن يقرّوا, فأنزل الله عزّ وجلّ: وَإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ... الآية.
26294ـ حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن الزهري, قال: قال الله: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللّهِ يحكم بينكم, فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء, وردّه الرجال, وسأل الذي أمره الله أن يسأل من صدقات النساء من حبسوا منهنّ, وأن يردّوا عليهم مثل الذي يردّون عليهم إن هم فعلوا, ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء, كما ردّ الرجال, ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية أمسك النساء ولم يرد إليهم صداقا, وكذلك يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد.
قوله: وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يقول جلّ ثناؤه: والله ذو علم بما يصلح خلقه وغير ذلك من الأمور, حكيم في تدبيره إياهم.
الآية : 11
القول فـي تأويـل قوله تعالى:{وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ الّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِيَ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ }.
يقول جلّ ثناؤه للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَإنْ فَاتَكُمْ أيها المؤمنون شَيْءٌ مِنْ أزْواجِكُمْ إلَى الكُفّارِ فلحق بهم.
واختلف أهل التأويل في الكفار الذين عُنُوا بقوله إلى الكُفّارِ من هم؟ فقال بعضهم: هم الكفار الذين لم يكن بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد, قالوا: ومعنى الكلام: وإن فاتكم شيء من أزواجكم, إلى من ليس بينكم وبينهم عهد من الكفار. ذكر من قال ذلك:
26295ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ الذين ليس بينكم وبينهم عهد.
26296ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ إذا فررن من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى كفار ليس بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد.
حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت, عن مجاهد وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ قال: لم يكن بينهم عهد.
وقال آخرون: بل هم كفار قريش الذي كانوا أهل هدنة, وذلك قول الزهريّ.
26297ـ حدثني بذلك يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني يونس عنه.
وقوله: فَعاقَبْتُمْ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار فَعاقَبْتُمْ بالألف على مثال فاعلتم, بمعنى: أصبتم منهم عقبى. وقرأه حميد الأعرج فيما ذُكر عنه: «فَعَقّبْتُمْ» على مثال فعّلتم مشددة القاف, وهما في اختلاف الألفاظ بهما نظير قوله: وَلا تُصَعّرْ خَدّكَ للنّاسِ وتُصَاعِرْ مع تقارب معانيهما.
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك قراءة من قرأ فَعاقَبْتُمْ بالألف لإجماع الحجة من القرّاء عليه.
وقوله: فآتُوا الّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا يقول: فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم منكم إلى الكفار مثل ما أنفقوا عليهنّ من الصداق.
واختلف أهل التأويل في المال الذي أمر أن يعطى منه الذي ذهبت زوجته إلى المشركين, فقال بعضهم: أُمروا أن يعطوهم صداق من لحق بهم من نساء المشركين. ذكر من قال ذلك:
26298ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني يونس, عن الزهريّ, قال: أقرّ المؤمنون بحكم الله, وأدّوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم, وأبى المشركون أن يقرّوا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين, فقال الله للمؤمنين: وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فآتُوا الّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي أنْتُمْ بِهِ مُوءْمِنُونَ فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين, ردّ المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العقب الذي بأيديهم, الذي أمروا أن يردّوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرن, ثم ردّوا إلى المشركين فضلاً إن كان بقي لهم. والعقب: ما كان بأيدي المؤمنين من صداق نساء الكفار حين آمنّ وهاجرن.
26299ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهريّ, قال: أنزل الله وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فآتُوا الّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا فأمر الله المؤمنين أن يردّوا الصداق إذا ذهبت امرأة من المسلمين ولها زوج أن يردّ إليه المسلمون صداق امرأته من صداق إن كان في أيديهم مما أمروا أن يردوا إلى المشركين..
وقال آخرون. بل أُمروا أن يعطوه من الغنيمة أو الفيء. ذكر من قال ذلك:
26300ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فآتُوا الّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتّقُوا اللّهَ الّذِي أنْتُمْ بِهِ مُوءْمِنُونَ يعني: إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار, أمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطى من الغنيمة مثل ما أنفق.
26301ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, إنهم كانوا أُمروا أن يردّوا عليهم من الغنيمة. وكان مجاهد يقرأ: فَعاقَبْتُمْ.
26302ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد فَعاقَبْتُمْ يقول: أصبتم مغنما من قريش أو غيرهم فآتُوا الّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا صدقاتهنّ عوضا.
حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت, عن مجاهد وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ قال: من لم يكن بينهم وبينهم عهد, فذهبت امرأة إلى المشركين, فيدفع إلى زوجها مهر مثلها فَعاقَبْتُمْ فأصبتم غنيمة فآتُوا الّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا وَاتّقُوا اللّهَ قال: مهر مثلها يُدفع إلى زوجها.
26303ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ فآتُوا الّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا وَاتّقُوا اللّهَ كنّ إذا فررن من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الكفار ليس بينهم وبين نبيّ الله عهد, فأصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة, أعطى زوجها ما ساق إليها من جميع الغنيمة, ثم يقتسمون غنيمتهم.
26304ـ حدثني أحمد بن يوسف, قال: حدثنا القاسم, قال: سمعت الكسائي يخبر عن زائدة, عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق أنه قرأها فَعاقَبْتُمْ وفسّرها فغنمتم.
26305ـ حدثنا أحمد, قال: حدثنا القاسم, قال: حدثنا هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم, في قوله: فَعاقَبْتُمْ قال: غنمتم.
26306ـ حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: سألنا الزهريّ, عن هذه الآية وقول الله فيها: وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ. الآية, قال: يقول: إن فات أحدا منكم أهله إلى الكفار, ولم تأتكم امرأة تأخذون لها مثل الذي يأخذون منكم, فعوّضوه من فيء إن أصبتموه.
وقال آخرون في ذلك ما:
26307ـ حدثني به يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ قال: خرجت امرأة من أهل الإسلام إلى المشركين, ولم يخرج غيرها. قال: فأتت امرأة من المشركين, فقال القوم: هذه عُقْبتكم قد أتتكم, فقال الله وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ: أمسكتم الذي جاءكم منهم من أجل الذي لكم عندهمفآتُوا الّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا ثم أخبرهم الله أنه لا جناح عليهم إذا فعلوا الذي فعلوا أن ينكحوهنّ إذا استبرىء رحمها, قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذهبت امرأته إلى الكفار, فقال لهذه التي أتت من عند المشركين: هذا زوج التي ذهبت أزوجكه؟ فقالت: يا رسول الله, عذر الله زوجة هذا أن تفرّ منه, لا والله مالي به حاجة, فدعا البختري رجلاً جسيما, قال: هذا؟ قالت: نعم, وهي ممن جاء من مكة.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أمر الله عزّ وجلّ في هذه الآية المؤمنين أن يعطوا من فرّت زوجته من المؤمنين إلى أهل الكفر إذا هم كانت لهم على أهل الكفر عُقْبى, إما بغنيمة يصيبونها منهم, أو بلحاق نساء بعضهم بهم, مثل الذي أنفقوا على الفارّة منهم إليهم, ولم يخصص إيتاءهم ذلك من مال دون مال, فعليهم أن يعطوهم ذلك من كلّ الأموال التي ذكرناها.
وقوله: واتّقُوا اللّهَ الّذِي أنْتُمْ بِهِ مُوءْمِنُونَ يقول: وخافوا الله الذي أنتم به مصدّقون أيها المؤمنون فاتقوه بأداء فرائضه, واجتناب معاصيه