أحاديث عن: السلام عليك يا محمد
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
23 نتيجة — لكلمة: السلام عليك يا محمد
⭐ صحيح
📂 باب جواب النبي ﷺ لبعض...
عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدثه قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله، فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ: «إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي» فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول الله ﷺ: «أينفعك شيء إن حدثتك؟» قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه، فقال: «سل» فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ: «هم في الظلمة دون الجسر» قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: «فقراء المهاجرين» قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: «زيادة كبد النون» قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «من عين فيها تسمى سلسبيلا» قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض، إلا نبي أو رجل أو رجلان، قال: «ينفعك إن حدثتك؟» قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد؟ قال: «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة، أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل، آنثا بإذن الله» قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم
انصرف فذهب، فقال رسول الله ﷺ: «لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه، حتى أتاني الله به».
انصرف فذهب، فقال رسول الله ﷺ: «لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه، حتى أتاني الله به».
صحيح رواه مسلم في الحيض (٣٤: ٣١٥) عن الحسن بن علي بن الحلواني، حدثنا أبو توبة (وهو الربيع بن نافع) حدثنا معاوية (يعني ابن سلام)، عن زيد (يعني أخاه)، أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني أبو أسماء الرحبي، أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدّثه، فذكره.
📚 كتاب سيرة النبي ﷺ
📖 اقرأ الشرح
عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لِمَ تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله. فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله. فقال رسول الله ﷺ: «إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي». فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال له رسول الله ﷺ: «أينفعك شيء إن حدثتك؟». قال: أسمع بأذنَيَّ، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه. فقال: «سل». فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله ﷺ: «هم في الظلمة دون الجسر». قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: «فقراء المهاجرين». قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: «زيادة كبد النون» قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها». قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «من عين فيها تسمى سلسبيلا». قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهلِ الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: «ينفعك إن حدثتك؟». قال: أسمع بأذنيَّ. قال: جئت أسألك عن الولد؟ قال: «ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله». قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم انصرف فذهب. فقال رسول الله ﷺ: «لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به».
صحيح رواه مسلم في الحيض (٣١٥) عن الحسن بن علي الحلواني، حدثنا أبو توبة - وهو الربيع بن نافع -، حدثنا معاوية - يعني ابن سلام -، عن زيد - يعني أخاه -، أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني أبو أسماء الرحبى، أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، حدَّثَه، قال: فذكره.
📚 كتاب تفسير القرآن العظيم
📖 اقرأ الشرح
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابِه فيجيء الغريبُ فلا يدري أيهم هو حتى يسأل فطلبنا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريبُ إذا أتاه فبنينا له دكّانًا من طين ٍكان يجلس عليه وإنا لجلوس ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في مجلسه إذ أقبل رجلٌ أحسنُ الناسِ وجهًا وأطيبُ الناسِ ريحًا كأن ثيابه لم يمسَّها دنَسٌ حتى سلَّم في طرف البساطِ فقال السلامُ عليك يا محمدُ فردَّ عليه السلامَ قال أدنو يا محمدُ قال أدنُه فما زال يقول أدنو مرارا ويقول له ادنُ حتى وضع يدَه على ركبتي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال يا محمدُ أخبرني ما الإسلامُ ؟ قال : الإسلامُ أن تعبد اللهَ ولا تشرك به شيئًا، وتقيمَ الصلاةَ وتؤتي الزكاةَ وتحجَّ البيت وتصومَ رمضانَ . قال : إذا فعلتُ ذلك فقد أسلمتُ قال : نعم . قال : صدقتَ فلما سمعنا قول الرجلِ صدقتَ، أنكرناه . قال : يا محمدُ أخبرني ما الإيمانُ ؟ قال : الإيمانُ باللهِ وملائكته والكتاب والنبيين وتؤمن بالقدرِ . قال : فإذا فعلتُ ذلك فقد آمنتُ : قال رسولُ اللهِ : نعم . قال : صدقت، قال يا محمدُ أخبِرني ما الإحسانُ ؟ قال : أن تعبد اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . قال صدقتَ . قال : يا محمدُ أخبرني متى الساعةُ، قال . فنكس فلم يجبه شيئًا، ثم أعاد فلم يجبه شيئًا، ثم أعاد فلم يُجبه شيئًا، ورفع رأسَه فقال : ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السائلِ، ولكن لها علاماتٌ تعرف بها، إذا رأيت الرعاءَ البهمَ يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاةَ العراةَ ملوكَ الأرضِ، ورأيتَ المرأةَ تلدُ ربَّها خمسٌ لا يعلمها إلا اللهُ ( أن الله عنده علم الساعة ) . إلى قوله : ( إن الله عليم خبير ) ثم قال : لا والذي بعث محمدًا بالحق هدى وبشيرًا، ما كنتُ بأعلم به من رجلٍ منكم، وإنه لجبريلُ عليه السلامُ نزل في صورة دِحيةَ الكلبيِّ
كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ، يجلِسُ بينَ ظَهرانَي أصحابِه فيَجيءُ الغريبُ فلا يدرِي أيُّهم هُو ؟ فكلَّمْنَا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ في أنْ يتَّخذَ لهُ شيئًا يعرِفُه الغَريبُ إذا أتَاه ، فبنَينَا لهُ دكَّانًا مِن طينٍ فكانَ يجلسُ عليهِ أحسبُه قالَ : وكنَّا نجلسُ حولَه ، فإنَّا لَجلوسٌ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ في مجلِسِه ، إذ أقبلَ رجلٌ مِن أحسنِ النَّاسِ وجهًا وأطيَبِ النَّاسِ ريحًا وأنقَى النَّاسِ ثوبًا كأنَّ ثيابَه لَم يمسَّها دنَسٌ فسلَّمَ من طرفِ البِساطِ ، فقالَ : السَّلامُ عليكَ يا مُحمَّدٌ ، قالَ : عليك السَّلامُ قالَ : أُدنُو يا مُحمَّدُ ؟ فقالَ : ادنُه فما زالَ يقولُ : أدنُو يا محمَّدُ ؟ ويقولُ لهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ مِرارًا حتَّى وضعَ يدَه على رُكبةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : فقالَ : يا مُحمَّدُ ما الإسلامُ ؟ قالَ : أن تعبُدَ اللهَ ولا تُشركُ بهِ شيئًا ، وتُقيمَ الصَّلاةَ ، وتُؤتِي الزكاةَ ، وتحجَّ البَيتَ ، وتَصومَ رمضانَ قالَ : فإذا فعَلتُ هذا فَقدْ أسلَمتُ ، قال : نعَم ، قالَ : صدَقتَ ، فلمَّا سمِعنَا قولَ الرَّجلِ لرسولِ اللهِ صدَقتَ أنكرنَاه ، ثمَّ قالَ : فأخبِرنِي ما الإيمانُ ؟ قالَ : الإيمانُ باللهِ والملائكةِ والكِتابِ والنبيِّينَ ، وتُؤمِنَ بالقَدرِ كلِّه قالَ : فإذا فعَلتُ ذلكَ فقَد آمَنتُ ، قالَ : نعَم ، قال : صدقتَ ، قالَ : يا محمَّدُ ، أخبرنِي ما الإحسانُ ؟ قالَ : أن تعبُدَ اللهَ كأنَّك ترَاه ، فإنْ لَم تكنْ ترَاه فإنَّه يرَاك قالَ : صدَقتَ ، قالَ : فأخبرنِي يا محمَّدُ متَى الساعةِ ؟ فلم يُجبْه شيئًا ، ثمَّ أعادَ فلم يُجبْه مرَّةً أخرَى ، ثمَّ أعادَ فلم يُجبْه ثمَّ رفعَ رأسَه فحَلفَ لهُ باللهِ أو قالَ : والَّذي بَعثَ محمَّدًا بالهُدَى ودينِ الحقِّ ما المسئولُ بأعلمَ من السَّائلِ ، ولكنْ لها علاماتٌ ، إذا رأيتَ رِعاءَ البُهمِ يَتطاولونَ في البُنيانِ ، ورأيتَ الحُفاةَ العُراةَ مُلوكَ الأرضِ ، ورأيتَ المرأةَ تلدُ ربَّتَها في خَمسٍ لا يعلَمُهنَّ إلَّا اللهُ : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ، ثمَّ سَطعَ إلى السَّماءِ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : والَّذي بعَثَ مُحمَّدًا بالهُدَى ما كُنتُ بأعلَمَ بهِ مِن رجُلٍ منْكُم ، وإنَّه لَجبريلُ ، وإنَّه لَفي صُورةِ دِحيةَ الكلبيِّ
عَن أبي أُمامةَ الباهِليِّ، عَن هِشامِ بنِ العاصِ الأُمَويِّ، قال: بُعِثتُ أنا ورَجُلٌ آخَرُ إلى هِرَقلَ صاحِبِ الرُّومِ نَدعوهُ إلى الإسلامِ، فخَرَجنا حَتَّى قدِمنا الغوطةَ -يَعني دِمَشقَ- فنَزَلنا على جَبَلةَ بنِ الأيهَمِ الغَسَّانيِّ، فدَخَلنا عليه فإذا هو على سَريرٍ له، فأرسَلَ إلَينا برَسولٍ نُكَلِّمُه، فقُلنا [له]: واللَّهِ لا نُكَلِّمُ رَسولًا، إنَّما بُعِثنا إلى المَلِكِ، فإن أذِنَ لَنا كَلَّمناهُ، وإلَّا لَم نُكَلِّمِ الرَّسولَ. فرَجَعَ إلَيه الرَّسولُ فأخبَرَه بذلك، قال: فأذِنَ لَنا، فقال: تَكَلَّموا. فكَلَّمَه هِشامُ بنُ العاصِ، ودَعاهُ إلى الإسلامِ، فإذا عليه ثيابُ سَوادٍ، فقال له هِشامٌ: وما هذه التي عليكَ؟ فقال: لَبِستُها، وحَلَفتُ أن لا أنزِعَها حَتَّى أُخرِجَكُم مِنَ الشَّامِ! قُلنا: ومَجلِسُكَ هذا، فواللَّهِ لَنَأخُذَنَّه مِنكَ، ولَنَأذَنَنَّ مُلكَ المَلِكِ الأعظَمِ إن شاءَ اللَّه، أخبَرَنا بذلك نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: لَستُم بهم، بَل هُم قَومٌ يَصومونَ بالنَّهارِ ويَقومونَ باللَّيلِ، فكَيفَ صَومَتُكُم؟ فأخبَرناهُ، فمَلَأ وجهَه سَوادًا، فقال: قوموا. وبَعَثَ مَعَنا رَسولًا إلى المَلِكِ، فخَرَجنا حَتَّى إذا كُنَّا قَريبًا مِنَ المَدينةِ قال لَنا الذي مَعَنا: إنَّ دَوابَّكُم هذه لا تَدخُلُ مَدينةَ المَلِكِ، فإن شِئتُم حَمَلناكُم على بَراذينَ وبِغالٍ. قُلنا: واللَّهِ لا نَدخُلُ إلَّا عليها. فأرسَلوا إلى المَلِكِ: إنَّهم يَأبَونَ. فدَخَلنا على رَواحِلِنا مُتَقَلِّدينَ سُيوفَنا حَتَّى انتَهَينا إلى غُرفةٍ لَه، فأنَخنا في أصلِها -وهو يَنظُرُ إلَينا- فقُلنا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أكبَرُ. واللَّهُ يَعلَمُ، لَقد تَنَفَّضَتِ الغُرفةُ حَتَّى صارَت كَأنَّها عِذقٌ تَصفِقُه الرِّياحُ، فأرسَلَ إلَينا: ليس لَكُم أن تَجهَروا علينا بدينِكُم. وأرسَلَ إلَينا: أنِ ادخُلوا. فدَخَلنا عليه وهو على فِراشٍ لَه، وعِندَه بَطارِقَتُه مِنَ الرُّومِ، وكُلُّ شَيءٍ في مَجلِسِه أحمَرُ، وما حَولَه حُمرةٌ، وعليه ثيابٌ مِنَ الحُمرِ، فدَنَونا مِنهُ فضَحِكَ، وقال: ما كانَ عليكُم لَو حَيَّيتُموني بتَحيَّتِكُم فيما بَينَكُم، فإذا عِندَه رَجُلٌ فصيحٌ بالعَرَبيَّةِ، كَثيرُ الكَلامِ، فقُلنا: إنَّ تَحيَّتَنا فيما بَينَنا لا تَحِلُّ لَكَ، وتَحيَّتَكَ التي تُحَيَّا بها لا يَحِلُّ لَنا أن نُحَيِّيَكَ بها. قال: كَيفَ تَحيَّتُكُم فيما بَينَكُم؟ قُلنا: السَّلامُ عليكَ. قال: فكَيفَ تُحيُّونَ مَلِكَكُم؟ قُلنا: بها. قال: وكَيفَ يَرُدُّ عليكُم. قُلنا: بها. قال: فما أعظَمُ كَلامِكُم؟ قُلنا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أكبَرُ. فلَمَّا تَكَلَّمنا بها قال: واللَّهُ يَعلَمُ لَقد تَنَفَّضَتِ الغُرفةُ حَتَّى رَفَعَ رَأسَه إلَيها، قال: فهذه الكَلِمةُ التي قُلتُموها حَيثُ تَنَفَّضَتِ الغُرفةُ كُلَّما قُلتُموها في بُيوتِكُم تَنَفَّضَت بُيوتُكُم عليكُم؟ قُلنا: لا، ما رَأيناها فعَلَت هذا قَطُّ إلَّا عِندَكَ! قال: لَودِدتُ أنَّكُم كُلَّما قُلتُم تَنَفَّضَ كُلُّ شَيءٍ عليكُم، وإنِّي خَرَجتُ مِن نِصفِ مُلكي. قُلنا: لمَ؟ قال: لأنَّه كانَ أيسَرَ لشَأنِها، وأجدَرَ أن لا يَكونَ مِن أمرِ النُّبوَّةِ، وأن يَكونَ مِن حيَلِ النَّاسِ. ثُمَّ سَألَنا عَمَّا أرادَ فأخبَرناهُ، ثُمَّ قال: كَيفَ صَلاتُكُم وصَومُكُم؟ فأخبَرناهُ، فقال: قوموا، فأمَرَ لَنا بمَنزِلٍ حَسَنٍ ونُزُلٍ كَثيرٍ، فأقَمنا ثَلاثًا، فأرسَلَ إلَينا لَيلًا، فدَخَلنا عليه، فاستَعادَ قَولَنا فأعَدناهُ، ثُمَّ دَعا بشَيءٍ كَهَيئةِ الرَّبعةِ العَظيمةِ مُذهَبةٍ، فيها بُيوتٌ صِغارٌ، عليها أبوابٌ، ففَتَحَ بَيتًا وقُفلًا، فاستَخرَجَ حَريرةً سَوداءَ فنَشَرَها، فإذا فيها صورةٌ حَمراءُ، وإذا فيها رَجُلٌ ضَخمُ العَينَينِ عَظيمُ الأليَتَينِ، لَم أرَ مِثلَ طولِ عُنُقِه، وإذا لَيسَت له لحيةٌ، وإذا له ضَفيرَتانِ أحسَنُ ما خَلَقَ اللَّهُ، قال: تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا آدَمُ عليه السَّلامُ. وإذا هو أكثَرُ النَّاسِ شَعرًا. ثُمَّ [فتَحَ] بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ، وإذا فيها صورةٌ بَيضاءُ، وإذا له شَعرٌ كَشَعرِ القِطَطِ، أحمَرُ العَينَينِ، ضَخمُ الهامةِ، حَسَنُ اللِّحيةِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا نوحٌ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ، وإذا فيها رَجُلٌ شَديدُ البَياضِ، حَسَنُ العَينَينِ، صَلتُ الجَبينِ، طَويلُ الخَدِّ، أبيَضُ اللِّحيةِ، كَأنَّه يَبتَسِمُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا إبراهيمُ عليه السَّلامُ، ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ فإذا فيها صورةٌ بَيضاءُ، وإذا -واللَّهِ- رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أتَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: نَعَم، مُحَمَّدٌ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: وبَكَينا، قال: واللَّهُ يَعلَمُ أنَّه قامَ قائِمًا ثُمَّ جَلَسَ وقال: واللَّهِ إنَّه لَهو؟ قُلنا: نَعَم، إنَّه لَهو، كَأنَّما نَنظُرُ إلَيه. فأمسَكَ ساعةً يَنظُرُ إلَيها، ثُمَّ قال: أما إنَّه كانَ آخِرَ البُيوتِ، ولَكِن عَجَّلتُه لَكُم لأنظُرَ ما عِندَكُم. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ، وإذا فيها صورةٌ أدماءُ سَحماءُ، وإذا رَجُلٌ جَعدٌ قَطَطٌ، غائِرُ العَينَينِ، حَديدُ النَّظَرِ، عابِسٌ، مُتَراكِبُ الأسنانِ، مُقَلَّصُ الشَّفةِ، كَأنَّه غَضبانُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا موسى عليه السَّلامُ. وإلى جَنبِه صورةٌ تُشبِهُه، إلَّا أنَّه مدهانُ الرَّأسِ، عَريضُ الجَبينِ، في عَينَيه قَبَلٌ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا هارونُ بنُ عِمرانَ، ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً بَيضاءَ، فإذا فيها صورةُ رَجُلٍ آدَمَ، سَبطٍ، رَبعةٍ، كَأنَّه غَضبانُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا لوطٌ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً بَيضاءَ، فإذا فيها صورةُ رَجُلٍ أبيَضَ، مُشرَبٍ حُمرةً، أقنى، خَفيفِ العارِضَينِ، حَسَنِ الوجهِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا إسحاقُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ حَريرةً بَيضاءَ، فإذا فيها صورةٌ تُشبِهُ إسحاقَ إلَّا أنَّه على شَفَتِه السُّفلى خالٌ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا يَعقوبُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ فيها صورةُ رَجُلٍ أبيَضَ، حَسَنِ الوجهِ، أقنى الأنفِ، حَسَنِ القامةِ، يَعلو وجهَه نورٌ، يُعرَفُ في وجهِه الخُشوعُ، يَضرِبُ إلى الحُمرةِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا إسماعيلُ جَدُّ نَبيِّكُم (عليهما السَّلامُ). ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ حَريرةً بَيضاءَ، فيها صورةٌ كَأنَّها صورةُ آدَمَ، كَأنَّ وجهَه الشَّمسُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا يوسُفُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ حَريرةً بَيضاءَ، فيها صورةُ رَجُلٍ أحمَرَ، حَمشِ السَّاقَينِ، أخفَشِ العَينَينِ، ضَخمِ البَطنِ، رَبعةٍ، مُتَقَلِّدٍ سَيفًا، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا داوُدُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً بَيضاءَ فيها صورةُ رَجُلٍ، ضَخمِ الأليَتَينِ، طَويلِ الرِّجلَينِ، راكِبٍ فرَسًا، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا سُلَيمانُ بنُ داوُدَ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ منه حَريرةً سَوداءَ فيها صورةٌ بَيضاءُ، وإذا رَجُلٌ شابٌّ، شَديدُ سَوادِ اللِّحيةِ، كَثيرُ الشَّعرِ، حَسَنُ العَينَينِ، حَسَنُ الوجهِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا عيسى ابنُ مَريَمَ عليه السَّلامُ. قُلنا: مِن أينَ لَكَ هذه الصُّوَرُ؟ لأنَّا نَعلَمُ أنَّها على ما صُوِّرَت عليه الأنبياءُ عليهمُ السَّلامُ؛ لأنَّا رَأينا صورةَ نَبيِّنا عليه السَّلامُ. فقال: إنَّ آدَمَ عليه السَّلامُ سَألَ رَبَّه أن يُريَه الأنبياءَ مِن ولَدِه، فأنزَلَ (اللَّهُ) عليه صُوَرَهم، فكانَ في خِزانةِ آدَمَ عليه السَّلامُ عِندَ مَغرِبِ الشَّمسِ، فاستَخرَجَها ذو القَرنَينِ مِن مَغرِبِ الشَّمسِ، فدَفَعَها إلى دانيالَ. ثُمَّ قال: أما واللَّهِ إنَّ نَفسي طابَت بالخُروجِ مِن مُلكي، وإنِّي كُنتُ عَبدًا لا يَترُكُ مُلكَه حَتَّى أموتَ. ثُمَّ أجازَنا فأحسَنَ جائِزَتَنا، وسَرَّحَنا، فلَمَّا أتَينا أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضيَ اللهُ عنه حَدَّثَنا بما رَأينا، وما قال لَنا وما أجازَنا، فبَكى أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، وقال: مِسكينٌ، لَو أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ به خَيرًا لَفَعَلَ. ثُمَّ قال: أخبَرَنا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّهم واليَهودَ يَجِدونَ نَعتَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَهم
كنَّا إذا جلَسْنا خلْفَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الصَّلاةِ نقولُ: السَّلامُ على اللهِ السَّلامُ على جبريلَ السَّلامُ على ميكائيلَ السَّلامُ على فلانٍ السَّلامُ على فلانٍ فالتفت إلينا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: ( إنَّ اللهَ هو السَّلامُ فقولوا: التَّحيَّاتُ للهِ والصَّلواتُ والطَّيِّباتُ السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصَّالحينَ أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه فإنَّكم إذا فعَلْتُم ذلك فقد سلَّمْتُم على كلِّ عبدٍ صالحٍ في السَّمواتِ والأرضِ )
كنا إذا قعدنا في الصلاةِ قلنا : السلامُ على اللهِ السلامُ علينا من ربِّنا السلامُ على جبريلَ وميكائيلَ السلامُ على فلانٍ السلامُ على فلانٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ : إن اللهَ هو السلامُ فإذا قعدتم في الصلاةِ فقولوا : التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين فإنه إذا قال ذلك أصابت كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماءِ والأرضِ أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه ثم يتخيرُ من الكلامِ ما شاء
لَقِيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بعْضِ طُرُقِ المدينةِ، وعليه إزارٌ مِن قُطنٍ مُنتَشِرُ الحاشيةِ، قلْتُ: عليكَ السَّلامُ يا مُحمَّدُ -أو يا رسولَ اللهِ- فقالَ: عليكَ السَّلامُ تحيَّةُ المَيِّتِ، عليكَ السَّلامُ تحيَّةُ الميِّتِ، عليكَ السَّلامُ تحيَّةُ الميِّتِ، سَلامٌ عليكُمْ، سَلامٌ عليكُمْ، سلامٌ علَيْكُم، أي: هكذا فقُلْ، قالَ: فسَألْتُه عنِ الإزارِ، فأقْنَعَ ظَهْرَه، وأخَذَ بمُعظَمِ ساقِه، فقال: هاهنا، فإنْ أبيْتَ فهاهُنَا فوقَ الكَعْبَينِ، فإنْ أبيتَ فإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُختالٍ فَخورٍ
لَقِيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بعضِ طرقِ المدينةِ وعليه إزارٌ من قُطنٍ مٌنتشرُ الحاشيةِ فقلتُ عليك السَّلامُ يا محمدُ أو يا رسولَ اللهِ فقال عليكَ السَّلام تحيَّةُ الميِّتِ عليكَ السَّلامُ تحيَّةُ الميِّتِ عليك السَّلامُ تحيَّةُ الميِّتِ سلامٌ عليكم سلامٌ عليكُم سلامٌ عليكُم أي هكذا فقل قال فسألتُه عن الإزارِ فأقنعَ ظهرَه وأخذ بمُعظمِ ساقِه فقال ههنا فإن أَبَيتَ فههنا فوقَ الكعبَينِ فإن أَبَيتَ فإنَّ اللهَ لا يحب كلَّ مُختالٍ فخورٍ
عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المِعراجِ. [يعني حديثَ: ليلةَ أُسريَ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من مسجِدِ الكعبةِ، أنَّه جاءه ثلاثةُ نَفَرٍ قبل أن يُوحى إليه، وهو نائمٌ في المسجِدِ الحرامِ، فقال أوَّلُهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسَطُهم: هو خيرُهم، فقال آخِرُهم: خُذوا خَيرهم، وكانت تلك اللَّيلةَ، فلم يَرَهم حتَّى أتوه ليلةً أُخرى، فيما يرى قَلبُه، وتنامُ عيناه ولا ينامُ قَلبُه، وكذلك الأنبياءُ عليهم السَّلامُ؛ تنام أعينُهم ولا تنامُ قلوبُهم، فلم يُكَلِّموه حتَّى احتَمَلوه، فوضعوه عِندَ بئرِ زَمزَمَ، فتولَّاه منهم جبريلُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فشَقَّ نحْرَه إلى لبَّتِه، حتَّى فرغَ من صَدرِه وجوفِه، فغَسَلَه بماءِ زَمزَمَ بيَدِه، حتَّى أنقى جوفَه، ثمَّ أُتِيَ بطَستٍ من ذَهَبٍ، فيه تَورٌ من ذَهَبٍ، محشُوًّا إيمانًا وحِكمةً، فحشا به صَدرَه. ثمَّ عُرِج به إلى السَّماءِ، فضرب بابًا من أبوابِها، فناداه أهلُ السَّماءِ: مَن هذا؟ مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قالوا: مَن معك؟ قال: معي مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالوا: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلًا، فيستبشِرُ به أهلُ السَّماءِ، لا يعلَمُ أهلُ السَّماءِ بما يريدُ اللهُ عزَّ وجلَّ به في الأرضِ حتَّى يُعلِمَهم، فوجَد في السَّماءِ الدُّنيا آدَمَ، فقال له جِبريلُ: هذا أبوك، فسَلِّمْ عليه، فسَلَّم عليه، فرَدَّ عليه آدَمُ، وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نِعْمَ الابنُ أنت، فإذا هو في السَّماءِ بنهرَينِ يطرُدانِ، فقال: ما هذانِ النَّهرانِ يا جبريلُ؟ قال: النِّيلُ والفُراتُ، ثمَّ مضى به إلى السَّماءِ، فإذا هو بنَهرٍ آخَرَ عليه قَصرٌ من لُؤلؤةٍ وزَبرجَدٍ، فضَرَب يَدَه فإذا هو مِسكٌ أذفَرُ، فقال: ما هذا يا جِبريلُ؟ قال: هذا الكَوثَرُ الذي خبَّأ لك ربُّك عزَّ وجَلَّ، ثمَّ عَرَج به إلى السَّماءِ الثَّانيةِ، فقالت الملائِكةُ مِثلَ ما قالت في الأُولى، ثمَّ عرَجَ به إلى السَّماءِ الثَّالثةِ، فقالت له مِثلَ ما قالت الأُولى والثَّانيةِ، ثمَّ عُرِج به إلى السَّماءِ الرَّابعةِ، فقالوا له مِثلَ ذلك، ثمَّ عَرَج به إلى السَّماءِ الخامِسةِ، فقالوا له مِثلَ ذلك، وكُلُّ سماءٍ فيها أنبياءُ قد سمَّاهم، فوَعَيتُ منهم: إدريسَ في الثَّانيةِ، وهارونَ في الرَّابعةِ، وآخَرَ في الخامِسةِ لم أجِدْ له اسمًا، وإبراهيمُ في السَّادسةِ، وموسى في السَّابعةِ، عليهم السَّلامُ جميعًا، لتفصيلِ كلامِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، فقال موسى: ربِّ، لم أظُنَّ أن ترفَعَ عليَّ أحدًا! ثمَّ علا به فوقَ ذلك ما لا يعلَمُه إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ، حتَّى جاء سِدرةَ المُنتهى،... الجبَّار رب العِزَّةِ، يتدلَّى حتَّى كان منه قابَ قوسينِ أو أدنى، فأوحى اللهُ عزَّ وجَلَّ إليه فيما أوحى خمسينَ صلاةً على أمَّتِك كُلَّ يومٍ وليلةٍ، ثمَّ هبط حتَّى بلغ موسى، فاحتبَسَه موسى، فقال: يا مُحمَّدُ، ماذا عَهِد إليك ربُّك؟ قال: عَهِد إليَّ خمسين صلاةً كُلَّ يومٍ وليلةٍ، قال: إنَّ أمَّتَك لا تستطيعُ ذلك، فارجِعْ، فليخَفِّفْ عنك ربُّك وعنهم، فالتفَت النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى جِبريلَ كأنَّه يستشيرُه في ذلك، فأشار إليه جِبريلُ أنْ نَعَم إنْ شِئتَ، قال: فعلَا به إلى الجبَّارِ عزَّ وجَلَّ، قال وهو مكانَه: يا ربِّ خفِّفْ عنَّا؛ فإنَّ أمَّتي لا تستطيعُ على هذا، فوَضَع عنه عَشْرَ صَلَواتٍ، ثمَّ رجع إلى موسى، فاحتَبَسه، فلم يَزَلْ يَردُدُه موسى إلى ربِّه حتَّى صارت إلى خمسِ صَلَواتٍ، ثمَّ احتَبَسه موسى عِندَ الخَمسِ، قال: يا مُحمَّدُ، والله لقد راوَدْتُ بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضَعُفوا وتركوه، وإنَّ أمَّتَك أصغَرُ أجسادًا وقُلوبًا، وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجِعْ فليُخَفِّفْ عنك ربُّك عزَّ وجَلَّ، كُلَّ ذلك يلتَفِتُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى جبريلَ عليه السَّلامُ؛ ليشيرَ عليه، فلا يَكرَهُ ذلك جِبريلُ، فرجع عِندَ الخامِسةِ، فقال: يا رَبِّ، إنَّ أمَّتي ضعفاءُ أجسادُهم وقلوبُهم، وأبدانُهم وأسماعُهم وأبصارُهم، فخَفِّفْ عنَّا، قال الجبَّارُ: يا مُحمَّدُ، قال: لبَّيك وسَعْدَيك، قال: إنَّه لا يُبدَّلُ القولُ لدَيَّ، كما فرَضْتُ عليك في أمِّ الكِتابِ، فإنَّ كُلَّ حَسَنةٍ بعَشرِ أمثالِها، فهي خمسونَ في أمِّ الكتابِ، وهي خمسٌ عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف]
عن ليلةِ أسريَ برسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من مسجدِ الكعبةِ أنَّهُ جاءَهُ ثلاثةُ نفرٍ قبلَ أن يوحَى إليهِ وهوَ قائمٌ في المسجدِ الحرامِ فقال أوَّلُهم هوَ هوَ فقال أوسطُهم هوَ خيرُهم فقال آخرُهُم خذوا خيرَهم فَكانتِ اللَّيلةُ فلم يرَهم حتَّى جاءوا ليلةً أخرى فيما يرى قلبُهُ والنَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ تَنامُ عيناهُ ولا ينامُ قلبُهُ وَكذلِك الأنبياءُ تَنامُ أعينُهم ولا تَنامُ قلوبُهم فلم يُكلِّموهُ حتَّى احتملوهُ فوضعوهُ عندَ بئرِ زمزمَ فتولَّاهُ منهم جبريلُ عليهِ السَّلامُ فشقَّ جبريلُ ما بينَ نحرِهِ إلى لَبَّتِهِ حتَّى فرَّجَ من صدرِه وجوفِه وغسلَه من ماءِ زمزمَ بيدِه حتَّى ألقى جوفَهُ ثمَّ جاءَه بطَستٍ من ذَهبٍ محشوًّا إيمانًا وحِكمةً فحشا بهِ جوفَهُ وصدرَه ولغاديدَه ثمَّ أطبقَه ثمَّ عرجَ بهِ إلى السَّماءِ الدُّنيا فضربَ بابًا من أبوابِها فناداهُ أَهلُ السَّماءِ من هذا قال هذا جبريلُ قالوا ومن معَكَ قال محمَّدٌ قالوا وقد بعثَ إليهِ قال نعم قالوا فمرحبًا وأَهلًا يستبشرُ بهِ أَهلُ السَّماءِ الدُّنيا لا يعلمُ أَهلُ السَّماءِ ما يريدُ اللَّهُ بِهِ في الأرضِ حتَّى يعلمَهم فوجدَ في السَّماءِ الدُّنيا آدمَ فقال لَهُ جبريلُ عليهِ السَّلامُ هذا أبوكَ فسلِّم عليهِ فسلَّمَ عليهِ فردَّ عليهِ وقالَ مرحبًا وأَهلًا بابني فنعمَ الابنُ أنتَ فإذا هوَ في السَّماءِ الدُّنيا بنَهرينِ يطَّردانِ فقال ما هذانِ النَّهرانِ يا جبريلُ قال هذا النِّيلُ والفراتُ عنصرُهما قال ثمَّ مضى بِهِ في السَّماءِ فإذا هوَ بنَهرٍ آخرَ عليهِ قصرٌ من لؤلؤٍ وزبرجدٍ فذَهبَ يشمُّ ترابَه فإذا هوَ مسكٌ قال يا جبريلُ ما هذا النَّهرُ قال الكوثرُ الَّذي خبَّأَ لَك ربُّكَ ثمَّ عرجَ بهِ إلى السَّماءِ الثَّانيةِ فقالتِ الملائِكةُ لهُ مثلَ ما قالت لَهُ الأولى من هذا معَك قال محمَّدٌ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قالوا وقد بُعِثَ إليهِ قال نعم قالوا مرحبًا بهِ وأَهلًا ثمَّ عرجَ بهِ إلى السَّماءِ الثَّالثةِ فقالوا لهُ مثلَ ما قالتِ الأولى والثَّانيةُ ثمَّ عرجَ بهِ إلى السَّماءِ الرَّابعةِ فقالوا لهُ مثلَ ذلِك ثمَّ عرجَ بهِ إلى السَّماءِ الخامسةِ فقالوا لهُ مثلَ ذلِك ثمَّ عرجَ بهِ إلى السَّماءِ السَّادسةِ فقالوا لهُ مثلَ ذلِك ثمَّ عرجَ بهِ إلى السَّماءِ السَّابعةِ فقالوا لهُ مثلَ ذلِك وَكلُّ سماءٍ فيها أنبياءُ قد سمَّاهم فوعيتُ منهم إدريسَ في الثَّانيةِ وَهارونَ في الرَّابعةِ وآخرَ في الخامسةِ لم أحفظِ اسمَهِ وإبراهيمَ في السَّادسةِ وموسى في السَّابعةِ بفضلِ كلامِ اللَّهِ فقال موسى لم أظنَّ أن يرفعَ عليَّ أحدٌ ثمَّ علا بهِ فيما لا يعلمُه إلَّا اللَّهُ حتَّى جاءَ بِهِ سدرةَ المنتَهى ودنا الجبَّارُ ربُّ العرشِ فتدلَّى حتَّى كانَ منه قابَ قوسينِ أو أدنى فأوحى اللَّهُ إليهِ ما أوحى فأوحى إليهِ فيما أوحى خمسينَ صلاةً على أمَّتِهِ في كلِّ يومٍ وليلةٍ ثمَّ هبطَ بِهِ حتَّى بلغَ موسى فاحتبسَهُ موسى فقال يا محمَّدُ ماذا عَهدَ إليكَ ربُّكَ قال عَهدَ إليَّ خمسينَ صلاةً على أمَّتي كلَّ يومٍ وليلةٍ قال إنَّ أمَّتَك لا تستطيعُ ذلِك ارجع فليخفِّف عنكَ ربُّكَ وعنهم فالتفتَ إلى جبريلَ عليهِ السَّلامُ كأنَّ يستشيرُهُ في ذلِك فأشارَ إليهِ جبريلُ أن نعم إن شئتَ فعلا بهِ جبريلُ حتَّى أتيَ إلى الجبَّارِ وهوَ مَكانَه فقال يا ربِّ خفِّف فإنَّ أمَّتي لا تستطيعُ هذا فوضعَ عنهُ عشرَ صلواتٍ فلم يزل يردِّدُه موسى إلى ربِّهِ حتَّى صارت إلى خمسِ صلواتٍ ثمَّ احتبسَهُ عندَ الخامسةِ فقال يا محمَّدُ قد واللَّهِ راودتُ بني إسرائيلَ على أدنى من هذِهِ الخمسِ فضيَّعوهُ وترَكوهُ وأمَّتُكَ أضعفُ أجسادًا وقلوبًا وأبصارًا وأسماعًا فارجع فليخفِّف عنكَ ربُّكَ كلُّ ذلِك يلتفتُ إلى جبريلَ ليشيرَ عليهِ فلا يَكرَه ذلِك جبريلُ فرفعَه فرجعَه عندَ الخامسةِ فقال يا ربِّ إنَّ أمَّتي ضعفاءُ ضعافٌ أجسادُهم وقلوبُهم وأبصارُهم وأسماعُهم فخفِّف عنَّا فقال الجبَّارُ يا محمَّدُ قال لبَّيكَ وسعديكَ فقال إنَّهُ لا يبدَّلُ القولُ لديَّ وَهيَ خمسٌ عليكَ فرجعَ إلى موسى فقال كيفَ فعلتَ فقال خفَّفَ عنَّا أعطانا بِكلِّ حسنةٍ عشرةَ أمثالِها قال قد واللَّهِ راودتُ بني إسرائيلَ على أدنى من هذِهِ فترَكوهُ فارجع فليخفِّف عنكَ أيضًا قال قد واللَّهِ استحييتُ من ربِّي عزَّ وجلَّ ممَّا أختلفُ إليهِ قال فاهبط باسمِ اللَّهِ فاستيقظَ وهوَ في المسجدِ الحرامِ
كنا نقولُ قبلَ أنْ يُفرضَ علينا التشهدُ : السلامُ على اللهِ قبلَ عبادِه ، السلامُ على جبريلَ وميكائيلَ ، السلامُ على فلانٍ . فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : لا تقولوا : السلامُ على اللهِ ، فإنَّ اللهَ هو السلامُ ، ولكن قولوا : التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ ، السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه ، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ ، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه
كنَّا نصلِّي معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فنقولُ السَّلامُ على اللَّهِ السَّلامُ على جبريلَ السَّلامُ على ميكائيلَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ لا تقولوا السَّلامُ على اللَّهِ فإنَّ اللَّهَ هوَ السَّلامُ ولَكن قولوا التَّحيَّاتُ للَّهِ والصَّلواتُ والطَّيِّباتُ السَّلامُ عليْكَ أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللَّهِ وبرَكاتُهُ السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللَّهِ الصَّالحينَ أشْهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأشْهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ
عن مَعْبَدِ بن هلالٍ العَنْزِيّ قال : اجتمعَ رهطٌ من أهل البصرةِ وأنا فيهم فأتينا أنسَ بن مالكٍ واستشفعنا عليه بثابتِ البُنَانِيّ فدخلنا عليهِ فأجلسَ ثابتا معهُ على السرِيرِ ، فقلتُ لا تسألوهُ عن شيء غيرِ هذا الحديثِ فقال ثابتٌ : يا أبا حمزةَ إخوانكَ من أهلِ البصرةِ جاءوا يسألونكَ عن حديثِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الشفاعةِ فقال : حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال : إذا كانَ يومُ القيامة ماجَ الناسُ بعضهُم في بعضٍ فيُؤْتَى آدمُ عليهِ السلامُ فيقولونَ يا آدمُ اشفعْ لنا إلى ربكَ ، فيقول : لستُ لها ولكنْ عليكُم بإبراهيمَ عليهِ السلامُ فإنه خليلُ اللهِ عز وجل ، فيُؤتى إبراهيمُ فيقول : لستُ لها ولكنْ عليكُم بموسى فإنه كليمُ اللهِ ، فيُؤتَى موسى عليه السلامُ فيقولُ : لستُ لها ولكنْ عليكُم بعيسى بن مريمَ فإنه روحُ اللهِ وكلمتُهُ ، فيُؤْتى عليهِ السلامُ فيقولُ : لستُ لها ولكن عليكم بمحمد ، فأُوتَى فأقولُ : أنا لها فأنطلقُ فأسْتأذنُ على ربي عز وجل فيُؤْذَن لي فأقوم بين يديه مقاما فيُلهِمُني فيه محامِدَ لا أقْدِرُ عليها الآن فأحمدُهُ بتلكَ المحامِدَ ثم أخِرّ له ساجدا فيقول لي : يا محمد ارفعْ رأسكَ وقُلْ تُسمَعْ وسلْ تُعْطَ واشفعْ تشفَّعْ ، فأقول : أي رب أُمّتي أمتي ، فيقال لي انطلقْ فمن كان في قلبهِ مثقالُ ذرةٍ أو مثقالُ شعيرةٍ فأخرجهُ ، فأنطلقُ فأفعلُ ثم أرجعُ فأحمدهُ بتلك المحامدَ ثم أخرُّ له ساجدا فيقال : يا محمد ارفعْ رأسكَ وقلْ يُسمَعْ وسلْ تُعطَ واشفعْ تُشفَّعْ ، فأقول : أي رب أمتي أمتي ، فيقالُ : انطلقْ فمن كان في قلبهِ أدنَى مثقالُ حبةِ خردلٍ من إيمانٍ فأخرجهُ من النارِ . فلما رجعنا من عند أنسٍ قلتُ لأصحابي : هل لكم في الحسنِ وهو مستخفٍ في منزلِ أبي خليفةَ في عبدِ القيسِ ، فأتيناهُ فدخلنا عليهِ فقلنا : خرجنا من عندِ أخيكَ أنسُ بن مالكٍ فلم نسمعْ مثلَ ما حدثنا في الشفاعةِ ، قال : كيفَ حدثكُم ؟ فحدثناه الحديثَ حتى إذا انتهينا قلنا لم يزِدنَا على هذا ، قال : لقدْ حدثنا هذا الحديثَ منذُ عشرينَ سنةً ولقد تركَ منه شيئا فلا أدري أنسِي الشيخُ أم كرهَ أن يحدثكموهُ فتتكلوْا ؟ ثم قال في الرابعةِ : ثم أعودُ فأخرُّ له ساجدا ثم أحمدهُ بتلكَ المحامدَ فيقالُ لي : يا محمد ارفعْ رأسكَ وقلْ يُسمعْ لكَ وسلْ تُعطَ واشفعْ تُشفَّعْ ، فأقول : أي ربِّ ائذنْ لي فيمنْ قال : لا إله إلا اللهُ صادقا قال : فيقولُ تباركَ وتعالى : ليسَ لكَ وعزتِي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجنَّ منها من قال لا إله إلا اللهُ
عن هشامِ بنِ العاصِ الأُموَيِّ قال : بُعثتُ أنا ورَجلٌ آخرَ إلى هِرَقلَ صاحبِ الرومِ نَدعوه إلى الإسلامِ ، فخرجنا حتَّى قدِمنا الغوطةَ يَعني غوطةَ دمشقَ فنزَلنا على جَبلةَ بنِ الأَيهمِ الغسَّانيِّ ، فدَخلنا عليهِ ، فإذا هوَ علَى سريرٍ لهُ ، فأرسل إلينا بِرَسولٍ نكلِّمُه ، فقُلنا : واللَّهِ لا نكلِّمُ رسولًا ، إنَّما بُعِثْنا إلى المَلِكِ ، فإن أذِنَ لنا كلَّمناهُ ، وإلا لَم نكلِّمِ الرَّسولَ ، فرجع إليهِ الرَّسولُ فأخبرَه بذلكَ ، قال : فأذِنَ لنا فقال : تكلَّموا : فكلَّمَه هشامُ بنُ العاصِ ، ودعاه إلى الإسلامِ ، فإذا عليهِ ثيابُ سَوادٍ ، فقال لهُ هشامٌ ، وما هذهِ الَّتي عليكَ ؟ فقال : لبِستُها وحلفتُ أن لا أنزِعَها حتَّى أُخْرِجَكُم مِنَ الشَّامِ . قلنا : ومَجلِسَك هذا، واللهِ لَنأخذَنَّه مِنكَ ، ولَنأخذَنَّ مُلْكَ المَلِكِ الأعظَمِ ، إن شاء اللهُ ، أخبَرَنا بذلك نبيُّنَا صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ . قال : لستُم بِهِم . بل هم قومٌ يَصومونَ بالنَّهارِ ويَقومونَ باللَّيلِ ، فكيف صومُكم ؟ فأخبرناهُ ، فمُلِئَ وجهُه سَوادًا فقالَ : قوموا . وبعَث معنا رسولًا إلى المَلِكِ ، فخرَجنا، حتَّى إذا كنَّا قريبًا من المدينةِ، قال لنا الَّذي معَنا : إنَّ دوابَّكم هذهِ لا تَدخُلُ مدينةَ المَلِكِ، فإن شئتُم حَملناكُم على براذينَ و بِغالٍ ؟ قُلنا، واللهِ لا ندخلُ إلَّا علَيها . فأرسَلوا إلى المَلِكِ أنَّهم يأبَوْنَ ذلكَ فدخَلنا على رواحِلِنا مُتقلِّدِينَ سيوفَنا، حتَّى انتهَينا إلى غُرفةٍ، فأنَخْنَا في أصلِها وهوَ ينظرُ إلينا، فقُلنا : لا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، فاللهُ يعلمُ قد تنفَّضَتِ الغُرفةُ حتَّى صارَت كأنَّها عِذقٌ تَصفِقُهُ الرِّياحُ . فأرسلَ إلَينا : ليسَ لكم أن تجهَرُوا علَينا بدِينِكُم، و أرسلَ إلَينا : أن ادخُلوا ،فدخَلنا عليهِ وهوَ على فِراشٍ له، وعندَه بطارقتُه مِن الرُّومِ ، وكلُّ شيءٍ في مجلِسِهِ أحمرُ، و ما حولَه حُمرةٌ، وعليهِ ثيابٌ من الحُمرةِ، فدَنَونا منه فضحِكَ، فقالَ : ما كان عليكُم لَو حيَّيتمُوني بتحيَّتِكُم فيما بَينكُم ؟ . وإذا عندَه رجلٌ فَصيحٌ بالعربيةِ كثيرُ الكَلامِ، فقُلنا : إنَّ تحيَّتَنا فيما بينَنا لا تحلُّ لك، و تحيَّتُكَ الَّتي تُحَيَّي بِها لا تحلُّ لنا أن نُحيِّيَكَ بِها . قال : [ كيف ] تحيَّتُكم فيما بينَكم ؟ قلنا : السَّلامُ عليكَ . قالَ : وكيفَ تُحيُّونَ مَلِكَكُمْ ؟ قُلنا : بها . قال : وكيف يَردُّ عليكُم ؟ قُلنا : بِها . قالَ : فما أعظمُ كلامُكُم ؟ قُلنا : لا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ . فلمَّا تكلَّمنا بِها و اللهُ يعلَمُ لقد تنفَّضتِ الغرفةُ حتَّى رفَعَ رأسَه إليها، قال : فهذِهِ الكَلِمةُ الَّتي قلتُموها حيثُ تنفَّضَتِ الغُرفةُ، كلَّما قُلتُموها في بيوتِكم تنفَّضَتْ عليكم غُرَفُكُم ؟ قُلنا : لا، ما رأيناها فعَلَت هذا قطُّ إلَّا عِندَك . قالَ : لودِدتُ أنَّكُم كلَّما قلتُم تنفَّضَ كلُّ شيءٍ عليكُم . وأنِّي خرجتُ من نِصفِ مُلْكِي . قُلنا : لَم ؟ قال : لأنَّهُ كانَ أيسرَ لشأنِها، وأجدرَ ألَّا تكونَ مِن أمرِ النُّبَوَّةِ ، وأنها تكونُ من حِيَلِ النَّاسِ . ثمَّ سألَنا عمَّا أرادَ، فأخبَرناهُ . ثمَّ قال : كيف صلاتُكم وصومُكم ؟ فأخبرناهُ . فقال : قوموا . [ فقُمنا ] فأمر لنا بمنزلٍ حسَنٍ ونُزُلٍ [ كثيرٍ ] ، فأقمنا ثلاثًا ، فأرسل إلَينا ليلًا فدخَلنا عليهِ، فاستعادَ قولَنا، فأعَدناهُ . ثمَّ دعا بشَيءٍ كهيئةِ الرِّبعةِ العَظيمةِ مذهَّبَةً، فيها بيوتٌ صِغارٌ علَيها أبوابٌ ، ففَتح بيتًا وقُفلًا، فاستخرج حريرةً سوداءَ، فنشَرها، فإذا فيها صورةٌ حمراءُ، وإذا فيها رجلٌ ضخمُ العينيْنِ عظيمُ الأَليتيْنِ، لَم أر مثلَ طولِ عنقِه، وإذا لبِسَت لهُ لِحيةٌ، وإذا لَهُ ضَفيرتان أحسنَ ما خلق اللهُ . قال : أتعرِفون هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا آدمُ عَليهِ السَّلامُ : و إذ هوَ أكثرُ النَّاسِ شَعرًا . ثمَّ فتح بابًا آخَرَ، فاستخرج منه حَريرةً سوداءَ، وإذا فيها صورةٌ بيضاءُ ، وإذا لهُ شَعْرٌ [ كشعرِ ] القِططِ ، أحمرَ العينيْنِ ، ضخمَ الهامةِ ، حسَنَ اللحيةِ ، فقال : أتعرِفون هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا نُوحٌ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ، فاستخرجَ حريرةً سوداءَ ، وإذا فيها رجلٌ شديدُ البياضِ، حسَنَ العينيْنِ صلتَ الجبينِ ، طويلَ الخدِّ ، أبيضَ اللحيةِ كأنَّهُ يبتَسِمُ ، فقال : أتعرِفونَ هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا إبراهيمُ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ فإذا فيهِ صورةٌ بيضاءُ ، وإذا و اللهِ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ، فقال : أتعرِفون هذا ؟ قُلنا : نعَم ، مُحمَّدٌ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ قال : وبَكَيْنا . قال : و اللهُ يعلَمُ أنَّهُ قام قائمًا ثمَّ جلَس ، وقال : و اللهِ إنَّهُ لهوَ ؟ قُلنا : نعَم إنَّهُ لهُوَ ،كأنَّكَ تنظرُ إليهِ . فأمسكَ ساعةً ينظرُ إليها ، ثمَّ قال : أمَّا إنَّهُ كان آخرَ البُيوتِ ، ولكنِّي عجَّلْتُه لكُم لأنظرَ ما عِندَكم . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستخرج منه حريرةً سوداءَ ، فإذا فيها صورةٌ أدماءَ سحماءَ ، وإذا رجلٌ جعدٌ قَطَطٌ، غائرُ العينيْنِ،حديدُ النَّظرِ ، عابِسٌ متراكبُ [ الأسنانِ ] مقلِّصُ الشَّفةِ كأنَّهُ غَضبانٌ ، فقال : هل تعرِفون هذا ؟ قلنا : لا : قال : هذا موسَى عليهِ السَّلامُ . وإلى جانبِه صورةٌ تُشبِهُه،إلا أنَّه مُدهانُّ الرأسِ ، عَريضُ الجبينِ، في عينيه قَبلٌ ، فقال : هل تعرِفونَ هذا : قُلنا : لا . قالَ : هذا هارونُ بنُ عِمرانَ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ، فاستخرج منه حريرةً بيضاءَ ، فإذا فيها صورةُ رجُلٍ آدَمَ سبطٍ ربعةٍ . كأنَّهُ غضبانُ ،فقالَ : هل تعرفونَ هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا لُوطٌ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ،فاستخرَجَ منه حريرةً بيضاءَ، فإذا فيها صورةُ رجلٍ أبيضَ مُشرَبٌ حُمرةً، أقنَى، خفيفَ العارضيْنِ حسنَ الوجهِ ، فقال : هل تعرِفونَ هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا إسحاقُ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستخرَجَ حريرةً بيضاءَ ، فإذا فيها صورةٌ تُشبِهُ إسحاقَ، إلَّا أنَّهُ على شَفتِه خالٌ، فقالَ : هل تعرِفون هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا يَعقوبُ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستخرَجَ منه حريرةً سوداءَ فيها صورةُ رجلٍ أبيضَ حسَنَ الوجهِ ، أقنَى الأنفِ ، حسَنَ القامةِ ، يعلو في وجهِه نورٌ، يُعْرَفُ في وجهِه الخُشوعُ ،يضرِبُ إلى الحمرةِ ، قال : هل تعرِفون هذا ؟ قلنا : لا، قال : هذا إسماعيلُ جدُّ نبيِّكم عليهِما السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستخرَج منه حَريرةً بيضاءَ فيها صورةٌ كأنَّها آدَمُ عليهِ السَّلامُ ، كأنَّ وجهَه الشَّمسُ ، فقال : هل تعرِفونَ هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا يوسُفُ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستَخرجَ منه حريرةً بيضاءَ ، فإذا فيها صورةُ رجلٍ أحمرَ حَمِشِ السَّاقيْنِ ،أخفشِ العَينيْنِ، ضَخمَ البَطنِ ربعةٍ متقلِّد سيفًا، فَقالَ : هل تعرِفونَ هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا داودُ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستَخرج حريرةً بيضاءَ ، فيها صورةُ رجلٍ ضخمِ الأليتيْنِ ، طويلِ الرِّجليْنِ ، راكبٍ فرسًا ،فقال : هل تعرِفونَ هذا ؟ قلنا : لا قال : هذا سُلَيمانُ بنُ داودَ عليهِما السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستخرَجَ منه حريرةً سوداءَ، فيها صورةٌ بيضاءُ، وإذا شابٌّ شديدُ سَوادِ اللِّحيةِ ، كثيرُ الشَّعْرِ،حسنُ العينينِ، حَسنُ الوجهِ، فقالَ : هل تعرِفون هذا ؟ قُلنا : لا . قالَ : هذا عيسَى بنُ مريمَ عليهِ السَّلامُ، قُلنا : من أينَ لكَ هذهِ الصُّورُ ؟ لأنَّا نَعلمُ أنَّها على ما صوَّرْتَ عليهِ الأنبياءَ عليهِ السَّلامُ ، لأنَّا رأينا صورةَ نبيِّنا عليهِ السَّلامُ مِثلَه ،فقال : إنَّ آدمَ عليهِ السَّلامُ سأل ربَّهُ أن يُريهِ الأنبياءَ من ولَدِه ،فأنزلَ عليهِ صوُرَهُم،فكانَ في خزانةِ آدمَ عليهِ السَّلامُ عند مَغربِ الشَّمسِ ، فاستخرَجَها ذو القَرنينِ من مغرِبِ الشَّمسِ فدفَعها إلى دانيالَ . ثمَّ قال : أمَا و اللهِ إنَّ نفسي طابَت بالخروجِ من مُلكي وإنِّي كُنتُ عبدًا لأَشرِّكُم مَلَكةً ، حتَّى أموتُ . ثمَّ أجازَنا فأَحسنَ جائزتَنا، وسرَّحَنا،فلمَّا أتينا أبا بكرٍ الصديقَ رضيَ اللهُ عنهُ [ فحدَّثناه بما أرانا ، وبما قالَ لَنا، و ما أجازَنا ، قال : فبكى أبو بكرٍ ] و قال : مِسكينٌ ! لَو أراد اللهُ بهِ خيرًا لفَعلَ . ثمَّ قال : أخبرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ أنَّهم واليَهودُ يجِدونَ نَعتَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ عندَهُم
بيْنما النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بفِناءِ الكَعبَةِ، إذ نزَلَ عليه جِبريلُ، فقال: يا مُحمَّدُ، إنَّه سيَخرُجُ في أُمَّتِك رَجُلٌ يُشفَّعُ، فيُشفِّعُه اللهُ في عَدَدِ رَبيعةَ ومُضَرَ، فإنْ أدرَكتَه، فاسْأَلْه الشَّفاعَةَ لأُمَّتِك، فقال: يا جِبريلُ، ما اسمُه؟ وما صِفَتُه؟ قال: أمَّا اسمُه فأُوَيسٌ، وأمَّا صِفَتُه وقَبيلَتُه، فمِن اليَمَنِ مِن مُرادٍ، وهو رَجُلٌ أصهَبُ مَقرونُ الحاجبَينِ، أدعَجُ العَينَينِ، بكَفِّه اليُسرى وَضَحٌ أبيضُ، فلم يَزَلِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَطلُبُه، فلم يَقدِرْ عليه، فلمَّا احتُضِرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوصى أبا بَكرٍ وأخبَرَه بما قال له جِبريلُ في أُوَيسٍ القَرْنيِّ: فإنْ أنتَ أدرَكتَه، فاسْأَلْه الشَّفاعَةَ لك ولأُمَّتي، فلم يَزَلْ أبو بَكرٍ يَطلُبُه فلم يَقدِرْ عليه، فلمَّا احتُضِرَ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ أوصى به عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، وأخبَرَه بما قال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: يا عُمَرُ إنْ أنتَ أدرَكتَه، فاسْأَلْه الشَّفاعَةَ لي ولأُمَّةِ رسولِ اللهِ، فلم يَزَلْ عُمَرُ يَطلُبُه حتى كان آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّها عُمَرُ وعلِيُّ بنُ أبي طالبٍ، فأَتَيا رِفاقَ اليَمَنِ، فنادَى عُمَرُ بأعلى صَوتِه: يا مَعشَرَ النَّاسِ، هل فيكم أُوَيسٌ القَرْنيُّ؟ أعاد مرَّتينِ، فقامَ شَيخٌ مِن أقصى الرِّفاقِ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ نَعَمْ، هو ابنُ أخٍ لي، هو أخمَلُ أمْرًا وأهوَنُ ذِكرًا مِن أنْ يَسأَلَ مِثلُك عن مِثلِه، فأطرَقَ عُمَرُ طَويلًا حتى أنَّ الشَّيخَ ظَنَّ أنَّه ليس مِن شَأنِه ابنُ أخيهِ، قال عُمَرُ: أيُّها الشَّيخُ، ابنُ أخيكَ في حَرَمِنا هذا؟ قال الشَّيخُ: هو في وادي +أراك عَرَفاتٍ، فرَكِبَ عُمَرُ وعلِيٌّ حتى أتَيَا وادي أراك عَرَفاتٍ، فإذا هما برَجُلٍ كما وَصَفَه جِبريلُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ أصهَبُ، مَقرونُ الحاجِبَينِ، أدعَجُ العَينَينِ، رامٍ بذَقَنِه على صَدْرِه، شاخِصٌ ببَصَرِه نَحوَ مَوضِعِ سُجودِه، قائِمٌ يُصلِّي وهو يَتلو القُرآنَ، فدَنَيَا منه، فقالا له -وقد فَرَغَ-: السَّلامُ عليكَ ورَحمَةُ اللهِ، قال: أنبَأَنا عبدُ اللهِ بنُ عَبدِ اللهِ، فقال له علِيٌّ: قد عَلِمْنا أنَّ أهلَ السَّمواتِ وأهلَ الأرضِ كُلَّهم عَبيدُ اللهِ، قال: أنا راعي الإبِلِ وأجيرُ القَومِ، فقال له علِيٌّ: لسنا عن هذا سأَلْناك مِن رَعْيِك وإجارَتِك، إنَّما نَسأَلُك بحَقِّ حَرَمِنا هذا إلَّا أخبَرْتَنا باسْمِكَ الذي سمَّاك به أبوك، قال: أنا أُوَيسٌ القَرْنيُّ، فقال له علِيٌّ: يا أُوَيسُ، إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذَكَرَ أنَّ بكَفِّكَ اليُسرى وَضحًا أبيضَ، فأوضِحْ لنا فيه، فإذا هما إيَّاه، فأقبَلَ علِيٌّ وعُمَرُ يُقبِّلانِه، فقال عليٌّ: يا أُوَيسُ، إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذَكَرَ أنَّك سيِّدُ التَّابعينَ، وأنَّك تُشفَّعُ يُشفِّعُك اللهُ في عَدَدِ رَبيعةَ ومُضَرَ، فقال لهما أُوَيسٌ: فعَسَى أنْ يكونَ ذلك غيري، قال له عليٌّ: قد أيقَنَّا أنَّك أنتَ هو حقًّا يَقينًا، فرفَعَ يَدَه إلى السَّماءِ ثم قال: اللَّهُمَّ إنَّ هَذينِ ابنا عمِّي، بحَياتي عليك فاغْفِرْ لهما وللمُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ، والمُسلِمينَ والمُسلِماتِ، الأحياءِ منهم والأمواتِ. ثم إنَّ عُمَرَ قال له: أين الميعادُ بيني وبينَك، إنِّي أراك رَثَّ الحالِ؛ حتى آتِيَك بكِسوَةٍ ونَفَقةٍ مِن رِزقي؟ فقال له أُوَيسٌ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ، إنَّ بيْني وبينَك عَقَبةً كَؤودًا، لا يُجاوِزُها إلَّا كُلُّ ضامِرٍ عَطشانَ مَهزولٍ، ما تَرى يا عُمَرُ أنَّ عليَّ طِمرَينِ مِن صُوفٍ، ونَعلَينِ مَخصوفَتَينِ، ولي نَفَقةٌ، ولي على القَومِ حِسابٌ، قال: فإلى متى آكُلُ هذا؟ وإلى متى يَبْلى هذا؟ فأخرَجَ عُمَرُ الدِّرَّةَ مِن كُمِّه، ثم نادَى: يا مَعشَرَ النَّاسِ، مَن يأخُذُ الخِلافَةَ بما فيها؟ فقال أُوَيسٌ: مَن جَدَعَ اللهُ أنْفَه يا أميرَ المُؤمِنينَ، فقال له عُمَرُ: واللهِ ما نَكَّبتُ مِصرًا، ولا ظَلَمتُ فيه ذِمِّيًّا، ولا أَكَلتُ منها حِمى أرضٍ، قال أُوَيسٌ: جزاكَ اللهُ خيرًا يا عُمَرُ عن هذه الأُمَّةِ، وأنتَ يا عليُّ، فجزاكَ اللهُ خيرًا عن هذه الأُمَّةِ، فتَعيشانِ حَميدينِ، وتَموتانِ سَعيدينِ. فقالا له: أوْصِنا يَرحَمُك اللهُ، فقال: أُوصيكما بتَقْوى اللهِ، والعَمَلِ بطاعَتِه، والصَّبرِ على ما أصابَكما؛ فإنَّ ذلك مِن عَزمِ الأُمورِ، وأُوصيكما أنْ تَلْقَيَا هَرِمَ بنَ حَيَّانَ فتُقرِآه منِّي السَّلامَ، وخَبِّراه إنِّي أرجو أنْ يكونَ رَفيقي في الجَنَّةِ، قال: فوَدَّعاه، فلم يَزَلْ عُمَرُ وعليٌّ يَطلُبانِ هَرِمَ بنَ حَيَّانَ، فبينَما هما مارَّانِ في مَسجِدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا هما بهَرِمِ بنِ حَيَّانَ قائِمٍ يُصلِّي، فانتَظَراه، فلمَّا انصَرَفَ سَلَّمَا عليه، فرَدَّ عليهما السَّلامَ، ثم قال لهما: مِن أين جِئتُما؟ قالا: جِئنا مِن عندِ أُوَيسٍ القَرْنيِّ، وهو يُقرِئُك السَّلامَ، ويقولُ لك: إنِّي أرجو أنْ تكونَ رفيقي في الجَنَّة. فلم يَزَلْ هَرِمُ بنُ حَيَّانَ في طَلَبِ أُوَيسٍ، فبينَما هو بالكُوفَةِ مارٌّ على شاطِئِ الفُراتِ إذا هو برَجُلٍ أصهَبَ، مَقرونِ الحاجِبَينِ، أدعَجَ العَينَينِ، يَغسِلُ طِمرَينِ له مِن صُوفٍ، فدَنا منه هَرِمُ بنُ حَيَّانَ، فقال: السَّلامُ عليك يا أُوَيسُ، فأجابَه بمِثلِ ذلك مِن السَّلامِ، وقال له: يا هَرِمَ بنَ حَيَّانَ، قال له هَرِمٌ: كيف الزَّمانُ عليك؟ قال له أُوَيسٌ: كيف الزَّمانُ على رَجُلٍ إذا أصبَحَ يقولُ: لا أُمسي، ويُمسي يقولُ: لا أُصبِحُ؟ يا أخا مُرادٍ، إنَّ المَوتَ وذِكرَه لم يَترُكا لأحَدٍ فَرَحًا، وإنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكَرِ لم يَترُكا للمُؤمِنِ صَديقًا، فقال له هَرِمٌ: يا أُوَيسُ، أنا مُعرِّفُك، فإنَّ عُمَرَ وعَليًّا وَصَفاك لي فعَرَفتُك بصِفَتِهما، فأنتَ مِن أين عَرَفتَني؟ قال له أُوَيسٌ: إنَّ الأرواحَ جُنودٌ مُجنَّدَةٌ، فما تَعارَفَ منها في اللهِ ائتَلَفَ، وما تَناكَرَ في اللهِ اختَلَفَ، قال له أُوَيسٌ: يا هَرِمُ، اتْلُ علَيَّ آياتٍ مِن كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فتَلا عليه هذه الآيةَ: {مَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 16]، فخَرَّ أُوَيسٌ مَغشيًّا عليه، فلمَّا أفاقَ قال له: إنِّي أريدُ أصحَبُك وأكونُ معك، فقال له أُوَيسٌ: لا يا هَرِمُ، ولكن إذا مُتُّ لا يُكفِّنُني أحَدٌ حتى تأتيَ أنتَ فتُكَفِّنَني وتَدفِنَني. ثم إنَّهما افتَرَقا، ولم يَزَلْ هَرِمُ بنُ حَيَّانَ في طَلَبِ أُوَيسٍ حتى دَخَلَ مَدينةً مِن مَدائِنِ الشَّامِ يُقالُ لها: دِمَشقُ، فإذا هو برَجُلٍ مَلفوفٍ في عَباءَةٍ له، مُلقًى في صَحنِ المَسجِدِ، فدَنا منه فكَشَفَ العَباءَةَ عن وَجْهِه، فإذا هو أُوَيسٌ قد تُوفِّيَ، فوَضَعَ يَدَه على أُمِّ رَأسِه، ثم قال: وا أخاهُ! هذا أُوَيسٌ القَرْنيُّ مات ضائِعًا، فقال له: مَن أنتَ يا عبدَ اللهِ؟ ومَن هذا؟ فقال: أمَّا أنا فهَرِمُ بنُ حَيَّانَ المُراديُّ، وأمَّا هذا فأُوَيسٌ القَرْنيُّ وَليُّ اللهِ، قالوا: فإنَّا قد جَمَعْنا له ثَوبَينِ نُكفِّنُه فيهما، فقال لهم هَرِمٌ: ما له بثَمَنِ ثَوبِكم حاجَةٌ، ولكنْ يُكفِّنُه هَرِمُ بنُ حَيَّانَ المُراديُّ مِن مالِه، فضَرَبَ هَرِمٌ بيَدِه إلى مِردَةِ أُوَيسٍ القَرْنيِّ، فإذا هو بثَوبَينِ لم يكُنْ له بهما عَهدٌ عندَ رَأسِ أُوَيسٍ، على أحَدِهما مَكتوبٌ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، بَراءَةٌ مِن الرحمنِ الرحيمِ لأُوَيسٍ القَرْنيِّ مِن النَّارِ، وعلى الآخَرِ مَكتوبٌ: هذا كَفَنٌ لأُوَيسٍ القَرْنيِّ مِن الجَنَّةِ
15
◑ حسن📌 التَّحيَّاتُ للهِ والصَّلواتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبركاتُه
كنَّا نقولُ قبلَ أنْ [يُفْرَضَ] علينا التَّشهُّدُ: السَّلامُ على اللهِ قبْلَ عِبادِه، السَّلامُ على جِبريلَ ومِيكائيلَ، السَّلامُ على فُلانٍ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: لا تَقولوا: السَّلامُ على اللهِ؛ فإنَّ اللهَ هو السَّلامُ، ولكنْ قُولوا: التَّحيَّاتُ للهِ والصَّلواتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبركاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصالحينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبْدُه ورسولُه
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وحُذَيفَةَ، وابنِ عبَّاسٍ أنَّهم كانوا جُلوسًا ذاتَ يَومٍ، فجاءَ رَجُلٌ فقال: إنِّي سَمِعتُ العَجَبَ، فقال له حُذَيفَةُ: وما ذاك؟ قال: سَمِعتُ رِجالًا يَتَحدَّثون في الشَّمسِ والقَمَرِ، فقال: وما كانوا يَتَحدَّثون؟ فقال: زَعَموا أنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ يُجاءُ بهما يَومَ القيامةِ كأنَّهما ثَورانِ عُفَيرانِ، فيُقذَفانِ في جَهنَّمَ، فقال عليٌّ، وابنُ عبَّاسٍ، وحُذَيفَةُ: كَذَبوا، اللهُ أجَلُّ وأكرَمُ من أنْ يُعذِّبَ على طاعَتِه، ألَمْ تَرَ إلى قَولِه تَعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} [إبراهيم: 33]، يعني: دائِبَينِ في طاعَةِ اللهِ، فكيف يُعذِّبُ اللهُ عَبدَينِ يُثني عليهما أنَّهما دائبانِ في طاعَتِه؟! فقالوا لحُذَيفَةَ: حَدِّثْنا رَحِمَك اللهُ، فقال حُذَيفَةُ: بينَما نحن عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ سُئِلَ عن ذلك، فقال: إنَّ اللهَ لمَّا أبرَمَ خَلقَه أحكامًا، فلم يَبْقَ من غَيرِه غَيرُ آدَمَ، خَلَقَ شَمسينِ من نورِ عَرشِه، فأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنَّه يَدَعُها شَمسًا، فإنَّه خَلَقَها مِثلَ الدُّنيا على قَدْرِها، وأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنْ يَطمِسَها ويُحوِّلَها قَمَرًا، فإنَّه خَلَقَها دونَ الشَّمسِ في الضَّوءِ، ولكن إنَّما يَرى النَّاسُ صِغَرَهما؛ لشِدَّةِ ارتِفاعِ السَّماءِ وبُعدِها عنِ الأرضِ، ولو تَرَكَهما اللهُ كما خَلَقَهما في بَدءِ الأمْرِ لم يُعرَفِ اللَّيلُ من النَّهارِ، ولا النَّهارُ من اللَّيلِ، ولكان الأجيرُ ليس له وَقتٌ يَستريحُ فيه، ولا وَقتٌ يأخُذُ فيه أجْرَه، ولكان الصَّائمُ لا يَدري إلى متى يَصومُ ومتى يُفطِرُ، ولكانتِ المرأةُ لا تَدري كيف تَعتَدُّ، ولكان الدُّيَّانُ لا يَدرون متى تَحِلُّ دُيونُهم، ولكان النَّاس لا يَدرون أحوالَ مَعايِشِهم، ولا يَدرون متى يَسْكُنون لراحَةِ أجْسامِهِم، ولكانتِ الأَمَةُ المُضطَهَدةُ، والمَملوكُ المَقهورُ، والبَهيمةُ المُسخَّرةُ ليس لهم وَقتُ راحَةٍ، فكان اللهُ أنظَرَ لعبادِه وأرحَمَ بهم، فأرسَلَ جِبريلَ فأمَرَ بجَناحِه على وَجهِ القَمَرِ ثَلاثَ مرَّاتٍ، وهو يَومَئذٍ شَمسٌ، فمَحا عنه الضَّوءَ وبَقِيَ فيه النورُ؛ فذلك قَولُه تَعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12]، فالسَّوادُ الذي تَرَونَه في القَمَرِ شِبْهَ الخُيوطِ إنَّما هو أثَرُ ذلك المَحوِ. قال: وخلَقَ اللهُ الشَّمسَ على عَجَلةٍ من ضَوءِ نورِ العَرشِ، لها ثلاثُ مِئَةٍ وسِتَّونَ عُروَةً، وخلَقَ اللهُ القَمَرَ مِثلَ ذلك، ووكَّلَ بالشَّمسِ وعَجَلتَها ثَلاثَ مِئَةٍ وسِتِّينَ مَلَكًا من ملائكةِ أهلِ السَّماءِ الدُّنيا، قد تعلَّقَ كلُّ مَلَكٍ منهم بعُروَةٍ مِن تلك العُرَى، والقَمَرُ مِثلُ ذلك، وخلَقَ لهما مَشارِقَ ومَغارِبَ في قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفَيِ السَّماءِ؛ ثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَشرِقِ، وثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَغرِبِ، فكلُّ يَومٍ لهما مَطلَعٌ جَديدٌ، ومَغرِبٌ جَديدٌ، ما بين أوَّلِها مَطلَعًا وأوَّلِها مَغرِبًا، فأطوَلُ ما يكونُ النَّهارُ في الصَّيفِ إلى آخِرِها مَطلعًا وآخِرِها مَغرِبًا، وأقصَرُ ما يكونُ النَّهارُ في الشِّتاءِ؛ وذلك قولُ اللهِ تَعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17]، يعني: آخِرَ هَاهنا وهَاهنا، لم يَذكُرْ ما بين ذلك من عِدَّةِ العُيونِ، ثم جمَعَهما بعدُ فقالَ: {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [المعارج: 40]، فذكَرَ عِدَّةَ تلك العُيونِ كُلِّها. قال: وخلَقَ اللهُ بَحرًا بينَه وبين السَّماءِ مِقدارُ ثَلاثِ فَراسِخَ، وهو قائِمٌ بأمْرِ اللهِ في الهَواءِ، لا يَقطُرُ منه قَطرَةٌ، والبِحارُ كُلُّها ساكنةٌ، وذَنَبُ البَحرِ جارٍ في سُرعَةِ السَّهمِ، ثم انطِباقُه ما بينَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، فتَجري الشَّمسُ والقَمَرُ والنُّجومُ الخُنَّسُ في حَنَكِ البَحْرِ، فوالذي نفسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، لو أنَّ الشَّمسَ دَنَتْ من ذلك البَحرِ، لأحرَقَتْ كُلَّ شَيءٍ على وَجهِ الأرضِ حتى الصُّخورَ والحِجارةَ، ولو بَدا القَمَرُ من ذلك البَحرِ حتى تُعايِنَه النَّاسُ كهَيئَتِه لافتُتِنَ به أهلُ الأرضِ إلَّا مَن شاءَ اللهُ أنْ يَعصِمَه من أوْليائِه. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، إنَّك ما ذَكَرتَ مَجرى الخُنَّسِ في القُرآنِ إلَّا ما كان من ذِكرِكَ اليَومَ، فما الخُنَّسُ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: يا حُذَيفَةُ، هي خَمسَةُ كَواكِبَ: البَرجيسُ، وعُطارِدُ، وبَهرامُ، والزُّهَرةُ، وزُحَلُ، فهذه الكَواكِبُ الخَمسَةُ الطَّالِعاتُ الغارِباتُ الجارياتُ مِثلُ الشَّمسِ والقَمَرِ، وأمَّا سائِرُ الكَواكِبِ فإنَّها مُعلَّقةٌ بين السَّماءِ تَعليقَ القَناديلِ من المَساجِدِ ونُجومِ السَّماءِ، لَهنَّ دَوَرانٌ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ، فإنْ أحبَبتُم أنْ تَستَبينوا ذلك، فانظُروا إلى دَوَرانِ الفُلكِ مرَّةً هنا ومرَّةً هَاهنا؛ فإنَّ الكَواكِبَ تَدورُ معه، وكُلُّها تَزولُ سوى هذه الخَمسَةِ. ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أعجَبَ خَلْقَ الرحمنِ! وما بَقِيَ من قُدرتِه فيما لم نَرَ أعجَبُ من ذلك وأعجَبُ، وذلك قَولُ جِبريلَ لسارَةَ: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 73]؛ وذلك أنَّ للهِ مَدينَتَينِ: إحْداهما بالمَشرِقِ، والأخرى بالمَغرِبِ، على كُلِّ مَدينةٍ منها عَشَرةُ آلافِ بابٍ، بينَ كُلِّ بابينِ فَرسَخٌ، ينوبُ كُلَّ يَومٍ على كُلِّ بابٍ من أبوابِ تلك المَدينَتَينِ عَشَرةُ آلافٍ في الحِراسَةِ عليهم السِّلاحُ ومعهم الكُراعُ، ثم لا تَنوبُهم تلك الحِراسَةُ إلى يَومِ يُنفَخُ في الصُّورِ، اسمُ إحْداهما: جابرسا، والأُخرى: جابلقا، ومن وَرائِهِما ثَلاثُ أُمَمٍ: تنسك، وتارس، وتأويل، ومِن ورائِهِم: يَأجوجُ ومَأجوجُ. وإنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ انطَلَقَ بي لَيلَةَ أُسرِيَ بي من المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأقْصى، فدَعَوتُ يَأجوجَ ومَأجوجَ إلى دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ وعِبادَتِه، فأنْكَروا ما جِئتُهُم به، فهُمْ في النَّارِ، ثم انطَلَقَ بي إلى أهلِ المَدينَتَينِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ تَعالى وعِبادَتِه، فأجابوا وأنابوا، فهُمْ إخْوانُنا في الدِّينِ؛ مَن أحسَنَ منهم فهو مع المُحسِنين منكم، ومَن أساءَ منهم فهو مع المُسيئينَ منكم، فأهلُ المَدينَةِ التي بالمَشرِقِ من بَقايا عادٍ من نَسلِ ثَمودَ، من نَسلِ مُؤمِنيهم الذين كانوا آمَنوا بصالِحٍ. ثم انطَلَقَ بي إلى الأُمَمِ الثَّلاثِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ، فأنكَروا ما دَعَوتُهم إليه، فهُمْ في النَّار مع يَأجوجَ ومَأجوجَ، فإذا طَلَعتِ الشَّمسُ، فإنَّها تَطلُعُ من بَعضِ تلك العُيونِ على عَجَلتِها، ومعها ثَلاثُ مِئَةٍ وسِتَّون مَلَكًا يَجُرُّونَها في ذلك البَحرِ الغَمْرِ راكِبُهُ، فإذا أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَرى العِبادُ آيَةً من الآياتِ يَستَعتِبُهم رُجوعًا عن مَعصِيَتِه وإقبالًا إلى طَاعَتِه، خَرَّتِ الشَّمسُ عن عَجَلتِها، فتَقَعُ في غَمرِ ذلك البَحرِ، فإنْ أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُعظِّمَ الآيةَ ويَشتَدَّ تَخويفُ العِبادِ، خَرَّتِ الشَّمسُ كُلُّها عن العَجَلةِ، حتى لا يَبقى على العَجَلةِ منها شَيءٌ، فذلك حين يُظلِمُ النَّهارُ وتَبدو النُّجومُ، وإذا أرادَ اللهُ أنْ يُعجِّلَ آيةً دونَ آيَةٍ، خَرَّ منها النِّصفُ، أو الثُّلُثُ، أو أقَلُّ من ذلك، أو أكثَرُ في الماءِ، ويَبقى سائِرُ ذلك على العَجَلةِ، فإذا كان ذلك صارتِ الملائكةُ المُوكَّلون بالعَجَلةِ فِرقَتَينِ: فِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ ويَجُرُّونَها نحوَ العَجَلةِ، وفِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ على العَجَلةِ يَجُرُّونَها نحوَ البَحرِ، وهُمْ في ذلك يَقودونَها على مِقدارِ ساعاتِ النَّهارِ، لَيلًا كان ذلك أو نَهارًا حتى يَبدُوَ في طُلوعِها شَيءٌ، فإذا حَمَلوا الشَّمسَ فوَضَعوها على العَجَلةِ، حَمِدوا اللهَ على ما قوَّاهم من ذلك، وقد جعَلَ لهم تلك القُوَّةَ وأفهَمَهم عِلمَ ذلك، فهُم لا يَقصُرون عن ذلك شَيئًا، ثم يَجُرُّونَها بإذْنِ اللهِ تَعالى حتى يَبلُغوا بها إلى المَغرِبِ، ثم يُدخِلونَها بابَ العَينِ التي تَغرُبُ فيها، فتَسقُطُ من أُفُقِ السَّماءِ خَلفَ البَحرِ، ثم تَرتَفِعُ في سُرعَةِ طَيَرانِ الملائكةِ إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ العُليا، فتَسجُدُ تحت العَرشِ مِقدارَ اللَّيلِ، ثم تُؤمَرُ بالطُّلوعِ من المَشرِقِ، فتَطلُعُ من العَينِ التي وقَّتَ اللهُ لها، فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك من طُلوعِهما إلى غُروبِهما، وقد وكَّلَ اللهُ تَعالى باللَّيلِ مَلَكًا من الملائكَةِ، وخلَقَ اللهُ حُجُبًا من ظُلمَةٍ من المَشرِقِ عَدَدَ اللَّيالي في الدُّنيا على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا غَرَبتِ الشَّمسُ أقبَلَ ذلك المَلَكُ، فقَبَضَ قَبضَةً من ظُلمَةِ ذلك الحِجابِ، ثم استقبَلَ المَغرِبَ، فلا يَزالُ يُراعي الشَّفَقَ، ويُرسِلُ تلك الظُّلمَةَ من خِلالِ أصابِعِه قَليلًا قَليلًا، حتى إذا غابَ الشَّفَقُ أرسَلَ الظُّلمَةَ كُلَّها، ثم نَشَرَ جَناحَيهِ فيَبلُغانِ قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفيِ السَّماءِ، ثم يَسوقُ ظُلمَةَ اللَّيلِ بجَناحَيهِ إلى المَغرِبِ قَليلًا قَليلًا، حتى إذا بلَغَ المَغرِبَ انفَجَرَ الصُّبحُ من المَشرِقِ، ثم ضَمَّ الظُّلمَةَ بعضَها إلى بعضٍ، ثم قبَضَ عليها بكَفٍّ واحدةٍ نحوَ قَبضَتِه إذا تَناوَلَها من الحِجابِ بالمَشرِقِ، ثم يَضَعُها عندَ المَغرِبِ على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا نَقَلَ تلك الظُّلمَةَ من المَشرِقِ إلى المَغرِبِ نفَخَ في الصُّورِ وانصَرَفتِ الدُّنيا. فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك حتى يَأتيَ الوَقتُ الذي ضُرِبَ لتَوبَةِ العِبادِ، فتَنتَشِرُ المعاصي في الأرضِ وتَكثُرُ الفَواحِشُ، ويَظهُرُ المَعروفُ فلا يَأمُرُ به أحَدٌ، ويَظهَرُ المُنكَرُ فلا يَنهى عنه أحَدٌ، وتَكثُرُ أولادُ الخَبَثةِ، ويَلي أُمُورَهم السُّفَهاءُ، ويَكثُرُ أتباعُهم من السُّفَهاءِ، وتَظهُرُ فيهم الأباطيلُ، ويَتَعاونون على رِيَبِهم ويَتَزيَّنون بألسِنَتِهم، ويَعيبون العُلَماءَ من أُولي الألبابِ، ويَتَّخِذونَهم سُخْريًّا حتى يَصيرَ الباطِلُ منهم بمَنزِلَةِ الحَقِّ، ويَصيرَ الحَقُّ بمَنزِلَةِ الباطِلِ، ويَكثُرَ فيهم ضَربُ المَعازِفِ واتِّخاذُ القَيناتِ، ويَصيرَ دِينُهم بألسِنَتِهم، ويُصْغوا قُلوبَهم إلى الدُّنيا يُحادُّون اللهَ ورسولَه، ويَصيرَ المُؤمِنُ بينَهم بالتَّقيَّةِ والكِتمانِ، ويَستَحِلُّون الرِّبا بالبَيعِ، والخَمرَ بالنَّبيذِ، والسُّحتَ بالهَديَّةِ، والقِيلَ بالمَوعِظَةِ، فإذا فَعَلوا ذلك، قَلَّتِ الصَّدَقةُ، حتى يَطوفَ السَّائِلُ ما بين الجُمُعةِ إلى الجُمُعةِ، فلا يُعطى دينارًا ولا دِرهَمًا، ويَبخَلُ النَّاسُ بما عندَهم حتى يَظُنَّ الغَنيُّ أنَّه لا يَكفيهِ ما عندَه، ويَقطَعَ كُلُّ ذي رَحِمٍ رَحِمَه، فإذا فَعَلوا ذلك واجتَمَعتْ هذه الخِصالُ فيهم، حُبِسَتِ الشَّمسُ تحت العَرشِ مِقدارَ لَيلَةٍ، كما سجَدَتْ واستَأذَنَتْ مِن أين تُؤمَرُ أنْ تَطلُعَ، فلا تُجابُ حتى يُوافيَها القَمَرُ. فتكونُ الشَّمسُ مِقدارَ ثَلاثِ لَيالٍ، والقَمَرُ مِقدارَ لَيلتينِ، ولا يَعلَمُ طُولَ تلك اللَّيلةِ إلَّا المُتهجِّدون، وهم حَنيفيَّةٌ عِصابَةٌ قَليلَةٌ في ذِلَّةٍ من النَّاسِ، وهَوانٍ من أنْفُسِهم، وضِيقٍ من مَعايِشِهم، فيقومُ أحَدُهم بقيَّةَ تلك اللَّيلَةِ يُصلِّي مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَستَنكِرُ ذلك، ثم يقولُ: لَعَلِّي قد خَفَّفتُ قِراءَتي، إذ قُمتُ قَبلَ حِيني، فيَنظُرُ إلى السَّماءِ، فإذا هو باللَّيلِ كما هو، والنُّجومُ قدِ استَدارتْ مع السَّماءِ، فصارت مَكانَها من أوَّلِ اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه، فلا يأخُذُه النَّومُ، فيقومُ فيُصلِّي الثَّانيةَ مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَزيدُه ذلك إنْكارًا، ثم يَخرُجُ فيَنظُرُ إلى النُّجومِ، فإذا هي قد صارتْ كهَيئَتِها من اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه الثَّالثةَ، فلا يأخُذُه النَّومُ، ثم يقومُ أيضًا فيُصلِّي مِقدارَ وِردِه، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَخرُجُ ويَنظُرُ إلى السَّماءِ، فيَخنُقُهم البُكاءُ، فيُنادي بعضُهم بعضًا، فيَجتَمِعُ المُتهجِّدونُ في كُلِّ مَسجِدٍ بحَضرَتِهم، وهُم قَبلَ ذلك كانوا يَتَواصَلون ويَتَعارَفون، فلا يَزالون في غَفلَتِهم، فإذا تَمَّ للشَّمسِ مِقدارُ ثَلاثِ لَيالٍ وللقَمَرِ مِقدارُ لَيلَتَينِ، أرسَلَ اللهُ تَعالى إليهما جِبريلَ، فقال لهما: إنَّ الرَّبَّ يَأمُرُكما أنْ تَرجِعا إلى المَغرِبِ؛ لِتَطلُعا منه، فإنَّه لا ضَوءَ لكما عندَنا اليَومَ ولا نورَ، فيَبكيانِ عندَ ذلك وَجَلًا مِن اللهِ تَعالى، وتَبكي الملائكةُ لبُكائِهِما مع ما يُخالِطُهما من الخَوفِ، فيَرجِعانِ إلى المَغرِبِ فيَطلُعانِ من المَغرِبِ. فبينَما النَّاسُ كذلك، إذ نادَى مُنادٍ: ألَا إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ قد طَلَعا من المَغرِبِ، فيَنظُرُ النَّاس إليهِما، فإذا هُما أسوَدانِ كهَيئَتِهِما في حالِ كُسوفِهِما قَبلَ ذلك، لا ضَوءَ للشَّمسِ ولا نورَ للقَمَرِ، فذَلك قَولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، وقَولُه تَعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة: 8]، وقَولُه تَعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة: 9]، قال: فيَرتَفِعانِ يُنازِعُ كُلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه حتى يَبلُغا سَهوَةَ السَّماءِ وهو مَنصِفُهما، فيَجيئُهما جِبريلُ عليه السَّلامُ، فيأخُذُ بقَرنَيْهِما فيَرُدُّهما إلى المَغرِبِ آفِلًا، ويُغرِبُهما في تلك العُيونِ، ولكن يُغرِبُهما في بابِ التَّوبَةِ فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: بأبي وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما بابُ التَّوبَةِ؟ قال: يا عُمَرُ، خلَقَ اللهُ تَعالى خَلفَ المَغرِبِ مِصراعَينِ من ذَهَبٍ، مُكلَّلينِ بالجَوهَرِ للتَّوبَةِ، فلا يَتوبُ أحَدٌ من وَلَدِ آدَمَ تَوبَةً نَصوحًا إلَّا وَلِجتْ تَوبَتُه في ذلك البابِ، ثم تُرفَعُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما التَّوبَةُ النَّصوحُ؟ قال: النَّدَمُ على ما فاتَ منه، فلا يَعودُ إليه كما لا يَعودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، قال حُذَيفَةُ: يا رسولَ اللهِ، كيف بالشَّمسِ والقَمَرِ بعدَ ذلك؟ وكيف بالنَّاس بعدَ ذلك؟ قال: يا حُذَيفَةُ، أمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ، فإذا أغرَبَهما اللهُ في ذلك البابِ ردَّ المِصراعَينِ، فالْتَأَمَ ما بينَهما كأنْ لم يكن فيما بينَهما صَدْعٌ قَطُّ، فلا يَنفَعُ نَفْسًا بعدَ ذلك إيمانُها لم تكن آمَنَتْ مِن قَبلُ أو كَسَبتْ في إيمانِها خَيرًا، ولا تُقبَلُ مِن عَبدٍ حَسَنةٌ إلَّا مَن كان قَبلُ مُحسِنًا، فإنَّه يَجزي له وعليه، فتَطلُعُ الشَّمسُ عليهم وتَغرُبُ كما كانت قبلُ. فأمَّا النَّاسُ فإنَّهم بعدَما يَرَونَ من فَظيعِ تلك الآيَةِ وعِظَمِها، يُلِحُّون على الدُّنيا حتى يَغرِسوا فيها الأشجارَ ويُشقِّقوا فيها الأنهارَ، ويَبنوا فَوقَ ظُهورِها البُنيانَ. وأمَّا الدُّنيا فلو أنتَجَ رَجُلٌ مُهرًا لم يَركَبْه من لَدُن طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها إلى أنْ تَقومَ السَّاعَةُ، والذي نَفْسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، إنَّ الأيَّامَ واللَّياليَ أسرَعُ من مَرِّ السَّحابِ، لا يَدري الرَّجُلُ متى يُمسي ومتى يُصبِحُ، ثم تَقومُ السَّاعَةُ، فوالذي نَفْسي بيَدِه لَتَأتينَّهم، وإنَّ الرَّجُلَ قدِ انصَرَفَ بلَبَنِ لِقحَتِه من تَحتِها، فما يَذوقُه ولا يَطعَمُه، وإنَّ الرَّجُلَ في فيه اللُّقمَةُ فما يُسيغُها، فذلك قَولُ اللهِ تَعالى: {وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت: 53]. قال: وأمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ إلى ما خلَقَهما اللهُ منه، فذَلك قَولُه تَعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} [البروج: 13]، فيُعيدُهما إلى ما خلَقَهما منه. قال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي، فكيف قيامُ السَّاعةِ؟ وكيف النَّاسُ في تلك الحالِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حُذَيفَةُ، بينَما النَّاسُ في أسواقِهم أسَرُّ ما كانوا بدُنياهم، وأحرَصُ ما كانوا عليها، فبيْن كيَّالٍ يَكيلُ، ووزَّانٍ يَزِنُ، وبين مُشتَرٍ وبائِعٍ، إذ أتَتْهم الصَّيحَةُ، فخَرَّتِ الملائكةُ صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، وخَرَّ الآدَميُّون صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، فذلك قَولُه تَعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 49]. قال: فلا يَستطيعُ أحدُهم أنْ يَرى صاحِبَه، ولا يَرجِعَ إلى أهلِه، وتَخِرُّ الوُحوشُ على جُنوبِها مَوْتى، وتَخِرُّ الطَّيرُ مِن أوْكارِها ومن جَوِّ السَّماءِ مَوْتى، وتَموتُ السِّباعُ في الغِياضِ والآجامِ والفَيافي، وتَموتُ الحيتانُ في لُجَجِ البِحارِ، والهَوامُّ في بُطونِ الأرضِ، فلا يَبقى من خَلقِ ربِّنا عزَّ وجلَّ إلَّا أربعَةٌ: جِبريلُ، وميكائيلُ، وإسرافيلُ، ومَلَكُ المَوتِ، فيقولُ اللهُ لجِبريلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لإسرافيلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لميكائيلَ: مُتْ، فيَموتُ، ثم يقولُ لمَلَكِ المَوتِ: يا مَلَكَ المَوتِ، ما مِن نَفْسٍ إلَّا وهي ذائِقَةُ المَوتِ، فمُتْ، فيَصيحُ مَلَكُ المَوتِ صَيحَةً، فيَخِرُّ، ثم يُنادي السَّمواتِ، فتَنطَوي على ما فيها كطَيِّ السِّجِلِّ للكِتابِ، والسَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا تَبارك وتَعالى، كما لو أنَّ حَبَّةً مِن خَردَلٍ أُرسِلَتْ في رِمالِ الأرضِ وبُحورِها لم تَستَبِنْ، فكذلك السَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا عزَّ وجلَّ. ثم يقولُ اللهُ تَبارك وتَعالى: أين المُلوكُ؟ أين الجَبابِرَةُ؟ لمَنِ المُلْكُ اليَومَ؟ ثم يَرُدُّ على نَفْسِه: للهِ الواحِدِ القهَّارِ، ثم يقولُها الثَّانيةَ والثَّالثةَ، ثم يَأذَنُ اللهُ للسَّمواتِ فيَتَمسَّكنَ كما كُنَّ، ويَأذَنُ للأرَضين فيَنسَطِحنَ كما كُنَّ، ثم يَأذَنُ اللهُ لصاحِبِ الصُّورِ، فيَقومُ فيَنفُخُ نَفخَةً، فتَقشَعِرُّ الأرضُ منها، وتَلفِظُ ما فيها، ويَسعى كلُّ عُضوٍ إلى عُضوِه، ثم يُمطِرُ اللهُ عليهم من نَهرٍ يُقالُ له: الحَيَوانُ، وهو تحت العَرشِ، فيُمطِرُ عليهم شَبيهًا بمَنيِّ الرِّجالِ أربَعينَ يَومًا ولَيلَةً، حتى تَنبُتَ اللُّحومُ على أجسامِها، كما تَنبُتُ الطَّراثيثُ على وَجهِ الأرضِ، ثم يُؤذَنُ له في النَّفخَةِ الثَّانيةِ، فيَنفُخُ في الصُّورِ، فتَخرُجُ الأرواحُ، فتَدخُلُ كُلُّ رُوحٍ في الجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه. قال حُذَيفَةُ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل تَعرِفُ الرُّوحُ الجَسَدَ؟ قال: نَعَمْ يا حُذَيفَةُ؛ إنَّ الرُّوحَ لَأعرَفُ بالجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه مِن أحَدِكم بمَنزِلِه، فيقومُ النَّاسُ في ظُلمَةٍ، لا يُبصِرُ أحدُهم صاحِبَه، فيَمكُثون مِقدارَ ثَلاثينَ سَنَةً، ثم تَنْجلي عنهمُ الظُّلمَةُ، وتَنفَجِرُ البِحارُ، وتُضرَمُ نارًا، ويُحشَرُ كُلُّ شَيءٍ فَوجًا لَفيفًا، ليس يَختَلِطُ المُؤمِنُ بالكافِرِ، ولا الكافِرُ بالمُؤمِنِ، ويقومُ صاحِبُ الصُّورِ على صَخرَةِ بَيتِ المَقدِسِ، فيُحشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةً، مُشاةً غُرلًا، ما على أحَدٍ منهم طِحلِبَةٌ، وقد دَنَتِ الشَّمسُ فَوقَ رُؤوسِهم، فبينَهم وبينَهما سَنَتانِ، وقد أُمِدَّتْ بِحَرِّ عَشْرِ سِنينَ، فيُسمَعُ لأجوافِ المُشرِكينَ: غِقْ غِقْ، فيَنتَهون إلى أرضٍ يُقالُ لها: السَّاهِرَةُ، وهي بناحيةِ بَيتِ المَقدِسِ تَسَعُ النَّاسَ وتَحمِلُهم بإذْنِ اللهِ، فيقومُ النَّاسُ عليها، ثم جَثا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على رُكبَتَيهِ، فقال: ليس قيامًا على أقدامِهم، ولكن شاخِصَةً أبصارُهم إلى السَّماءِ، لا يَلتَفِتُ أحدٌ منهم يَمينًا، ولا شِمالًا، ولا خَلفًا، وقدِ اشتَغَلتْ كلُّ نَفْسٍ بما أتاها، فذلك قَولُه عزَّ وجلَّ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]، فيقومُون مِقدارَ مِئَةِ سَنَةٍ، فوالذي نَفْسي بيَدِه، إنَّ تلك المِئَةَ سَنَةٍ كقَومَةٍ في صَلاةٍ واحدةٍ، فإذا تَمَّ مِقدارُ مِئَةِ سَنَةٍ، انشَقَّتِ السَّماءُ الدُّنيا، وهبَطَ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ مِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، فيُحيطون بالخَلْقِ، ثم تَنشَقُّ السَّماءُ الثَّانيةُ ويَهبِطُ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ ممَّن هبَطَ مِن سَماءِ الدُّنيا ومِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ولا تَزالُ تَنشَقُّ سَماءً سَماءً، ويَهبِطُ سُكَّانُها أكثَرَ ممَّن هبَطَ مِن سِتِّ سَمواتٍ ومن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ثم يَجيءُ الرَّبُّ تَبارك وتَعالى في ظُلَلٍ مِن الغَمامِ، فأوَّلُ شَيءٍ يُكلِّمُ البَهائِمَ، فيقولُ: يا بَهائِمي، إنَّما خلَقْتُكم لوَلَدِ آدَمَ، فكيف كانت طاعَتُكم لهم؟! وهو أعلَمُ بذلك، فتقولُ البَهائِمُ: ربَّنا، خلَقْتَنا لهم، فكَلَّفونا ما لم نُطِقْ، وصَبَرْنا طَلَبًا لمَرضاتِكَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: صَدَقتُم يا بَهائِمي، إنَّكم طَلَبتُم رِضايَ، فأنا عنكم راضٍ، ومِن رِضايَ عنكم اليَومَ أنِّي لا أُريكم أهوالَ جَهنَّمَ، فكونوا تُرابًا ومَدَرًا، فعندَ ذلك يقولُ الكافِرُ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40]. ثم تَذهَبُ الأرضُ السُّفلى، والثَّانيةُ، والثَّالثةُ، والرَّابعةُ، والخامسةُ، والسَّادسةُ، وتَبقى هذه الأرضُ فتُكفَأُ بأهْلِها كما تُكفَأُ السَّفينةُ في لُجَّةِ البَحرِ إذا خَفَقتَها الرِّياحُ، فيقولُ الآدَميُّون: أليست هذه الأرضُ التي كُنَّا نَزرَعُ عليها، ونَمشي على ظَهرِها، ونَبني عليها البُنيانَ؛ فما لها اليَومَ لا تَقِرُّ؟! فتُجاوِبُهم، فتَقولُ: يا أهْلاهُ، أنا الأرضُ التي مهَّدَني الرَّبُّ لكم، كان لي ميقاتٌ مَعلومٌ، فأنا شاهِدَةٌ عليكم بما عَمِلتُم على ظَهري، ثم عليكم السَّلامُ، فلا تَرَوني أبدًا ولا أراكم، فتَشهَدُ على كُلِّ عبدٍ وأَمَةٍ بما عَمِلَ على ظَهرِها؛ إنْ خَيرًا فخَيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، ثم تَذهَبُ هذه الأرضُ، وتَأتي أرضٌ بيضاءُ، لم يُعمَلْ عليها المعاصي، ولم يُسفَكْ عليها الدِّماءُ، فعليها يُحاسَبُ الخَلقُ. ثم يُجاءُ بالنَّارِ مَزمومةً بسَبعينَ أَلْفَ زِمامٍ، يأخُذُ بكُلِّ زِمامٍ سَبعون أَلْفَ مَلَكٍ من الملائكَةِ، لو أنَّ مَلَكًا منهم أُذِنَ له لالتَقَمَ أهلَ الجَمعِ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ أربعِ مِئَةِ سَنَةٍ زفَرَتْ زَفرَةً، فيَتَجلَّى النَّاسَ السَّكَرُ، وتَطيرُ القُلوبُ إلى الحَناجِرِ، فلا يَستطيعُ أحَدٌ منهم النَّفَسَ إلَّا بعدَ جُهدٍ جَهيدٍ، ثم يأخُذُهم من ذلك الغَمِّ حتى يُلجِمَهم العَرَقُ في مكانِهم، فتَستَأذِنُ الرحمنَ في السُّجودِ، فيَأذَنُ لها، فتقولُ: الحَمدُ للهِ الذي جعَلَني أنتَقِمُ للهِ ممَّن عَصاه، ولم يَجعَلْني آدَميًّا فيَنتَقِمَ منِّي، ثم تُزيَّنُ الجَنَّةُ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ خَمسِ مِئَةِ سَنَةٍ، يَجِدُ المُؤمِنونَ رِيحَها ورَوحَها، فتَسكُنُ نُفوسُهم، ويَزدادون قُوَّةً على قُوَّتِهم، فتَثبُتُ عُقولُهم، ويُلقِّنُهم اللهُ حُجَجَ ذُنوبِهم، ثم تُنصَبُ المَوازينُ، وتُنشَرُ الدَّواوينُ، ثم يُنادى: أين فُلانٌ؟ أين فُلانٌ؟ قُمْ إلى الحِسابِ، فيقومُون، فيَشهَدون للرُّسُلِ أنَّهم قد بَلَّغوا رِسالاتِ ربِّهم، فأنتُم حُجَّةُ الرُّسُلِ يَومَ القيامةِ، فيُنادى رَجُلٌ رَجُلٌ، فيا لها من سَعادَةٍ لا شِقوَةَ بعدَها! ويا لها من شِقوَةٍ لا سعادَةَ بعدَها! فإذا قَضى بين أهلِ الدَّارينِ، ودخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ؛ بعَثَ اللهُ عزَّ وجلَّ ملائكةً إلى أُمَّتي خاصَّةً، وذلك في مِقدارِ يَومِ الجُمُعةِ معهم التُّحُفُ والهَدايا من عندِ ربِّهم، فيقولُون: السَّلامُ عليكم، إنَّ ربَّكم ربَّ العِزَّةِ يَقرَأُ عليكم السَّلامَ، ويقولُ لكم: أَرضيتُم الجَنَّةَ قَرارًا ومَنزِلًا؟ فيقولُون: هو السَّلامُ، ومنه السَّلامُ، وإليه يَرجِعُ السَّلامُ، فيقولُون: إنَّ الرَّبَّ قد أَذِنَ لكم في الزِّيارةِ إليه، فيَركَبون نُوقًا صُفرًا وبِيضًا، رِحالاتُها الذَّهَبُ، وأَزِمَّتُها الياقوتُ، تَخطُرُ في رِمالِ الكافورِ، أنا قائِدُهم، وبِلالٌ على مُقدَّمَتِهم، ووَجهُ بِلالٍ أشَدُّ نورًا من القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، والمُؤذِّنون حَولَه بتلك المَنزِلَةِ، وأهلُ حَرَمِ اللهِ تَعالى أدنى النَّاسِ منِّي، ثم أهلُ حَرَمي الذين يَلونَهم، ثم بعدَهم الأفضَلُ فالأفضَلُ، فيَسيرون ولهم تَكبيرٌ وتَهليلٌ، لا يَسمَعُ سامِعٌ في الجَنَّةِ أصواتَهم إلَّا اشتاقَ إلى النَّظَرِ إليهم، فيَمُرُّون بأهلِ الجِنانِ في جَنَّاتِهم، فيقولون: مَن هَؤلاءِ الذين مَرُّوا بنا؟ قدِ ازدادتْ جنَّاتُنا حُسنًا على حُسنِها، ونورًا على نورِها، فيقولون: هذا مُحمَّدٌ وأُمَّتُه يَزورون رَبَّ العِزَّةِ، فيقولون: لَئن كان مُحمَّدٌ وأُمَّتُه بهذه المَنزِلَةِ والكَرامَةِ، ثم يُعاينون وَجهَ رَبِّ العِزَّةِ، فيا ليتنا كُنَّا من أُمَّةِ مُحمَّدٍ، فيَسيرون حتى يَنتَهُوا إلى شَجَرةٍ يُقالُ لها: شَجَرةُ طُوبى، وهي على شَطِّ نَهرِ الكَوثَرِ، وهي لمُحمَّدٍ، ليس في الجَنَّةِ قَصرٌ مِن قُصورِ أُمَّةِ مُحمَّدٍ إلَّا وفيه غُصنٌ من أغصانِ تلك الشَّجَرةِ، فيَنزِلون تحتَها، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، اكْسُ أهلَ الجَنَّةِ، فيُكسى أحدُهم مِئَةَ حُلَّةٍ، لو أنَّها جُعِلتْ بين أصابِعِه لَوَسِعَتْها مِن ثيابِ الجَنَّةِ. ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، عَطِّرْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالطِّيبِ، فيُطيِّبون، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، فَكِّهْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالفاكهةِ، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا الحُجُبَ عنِّي حتى يَنظُرَ أوليائي إلى وَجْهي، فإنَّهم عَبَدوني ولم يَرَوْني، وعرَفَتْني قُلوبُهم ولم تَنظُرْ إليَّ أبصارُهم، فتقولُ الملائكةُ: سُبحانَك نحن ملائكتُك، ونحن حَمَلةُ عَرشِك، لم نَعصِكَ طَرْفةَ عَينٍ، لا نَستطيعُ النَّظَرَ إلى وَجهِكَ، فكيف يَستطيعُ الآدَميُّون ذلك؟! فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا ملائكتي، إنِّي طالما رأيتُ وُجوهَهم مُعفَّرَةً في التُّرابِ لوَجْهي، وطالما رأيتُهم صُوَّامًا لوَجْهي في يَومٍ شَديدِ الظَّمَأِ، وطالما رأيتُهم يَعمَلون الأعمالَ ابتِغاءَ رَحْمتي ورَجاءَ ثَوابي، وطالما رأيتُهم يَزوروني إلى بَيتي من كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ، وطالما رأيتُهم وعُيونُهم تَجري بالدُّموعِ من خَشيَتي يَحِقُّ للقَومِ عليَّ أنْ أُعطيَ أبصارَهم من القُوَّةِ ما يَستطيعون به النَّظَرَ إلى وَجْهي، فرفَعَ الحُجُبَ، فيَخِرُّون سُجَّدًا، فيقولون: سُبحانَك لا نُريدُ جِنانًا، ولا أزواجًا، ولا نُريدُ إلَّا النَّظَرَ إلى وَجْهِك، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا رُؤوسَكم يا عبادي؛ فإنَّها دارُ جَزاءٍ، وليست بدارِ عِبادَةٍ، وهذا لكم عندي مِقدارُ كُلِّ جُمُعةٍ، كما كُنتُم تَزوروني في بَيتي
عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه قال له أصحابه : يا رسولَ اللهِ، أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها : قال : قال الله عز وجل : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير }، قال : فأخبرهم فقال : فبينا أنا نائم عشاء في المسجد الحرام، إذ أتاني آت فأيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئا،، وإذا أنا بكهيئة خيال، فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة أدنى في شبهه بدوابكم هذه، بغالكم هذه، مضطرب الأذنين، يقال له : البراق . وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره عِندَ مد بصره، فركبته، فبينما أنا أسير عليه، إذ دعاني داع عن يميني : يا محمد، انظرني أسألك، يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبه ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يساري : يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه فبينما أنا أسير إذ أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالتْ : يا محمد، انظرني أسألك . فلم ألتفت إليها ولم أقم عليها، حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها . فأتاني جبريل عليه السلامُ بإناءين : أُحُدٍهما خمر، والآخر لبن، فشربت اللبن، وتركت الخمر، فقال جبريل : أصبت الفطرة . فقُلْت : الله أكبر، الله أكبر . فقال جبريل : ما رأيت في وجهك هذا ؟ قال : فقُلْت : بينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يميني : يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبه ولم أقم عليه . قال : ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك . قال : فبينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يساري قال : يا محمد، انظرني أسألك . فلم ألتفت إليه ولم أقم عليه . قال : ذاك داعي النصارى، أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك . قال : فبينما أنا أسير إذ أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، عليها من كل زينة خلقها الله تعالى تقول : يا محمد، انظرني أسألك . فلم أجبها ولم أقم عليها : قال : تلك الدنيا أما إنك لو أجبتها أو أقمت عليها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة . قال : ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلَّى كل واحد منا ركعتين . ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا إلى السماء، فإنما يشق بصره طامحا إلى السماء عجبه بالمعراج . قال : فصعدت أنا وجبريل، فإذا أنا بملك يقال له : إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف، مع كل ملك جنده مائة ألف ملك قال : وقال الله : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } فاستفتح جبريل باب السماء، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : أو قد بعث إليه ؟ قال : نعم . فإذا أنا بآدم كهيئته يومَ خلقه الله تعالى على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول : روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول : روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين . ثم مضيت هنية، فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح، ليس يقربها أُحُدٍ، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن، عِندَها أناس يأكلون منها، قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أمتك، يتركون الحلال ويأتون الحرام . قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أُحُدٍهم خر يقول : اللهم، لا تقم الساعة قال : وهم على سابلة آل فرعون، قال : فتجيء السابلة فتطؤهم، قال : فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل، قال : قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أمتك { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل قال : فتفتح على أفواههم ويلقمون من ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم . فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل . فقُلْت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء من أمتك { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن، فسمعتهن يضججن إلى الله عز وجل قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء النساء، قال : هؤلاء الزناة من أمتك . قال : ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمونه، فيقال له : كل كما كنتُ تأكل من لحم أخيك . قُلْت : يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون . قال : ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجلٌ أحسن ما خلق الله عز وجل، قد فضل الناس في الحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي ثم صعدت إلى السماء الثالثة : فإذا أنا بيحيى وعيسى عليهما السلام، ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما وسلما علي . ثم صعدت إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا، فسلمت عليه وسلم علي . قال : ثم صعدت إلى السماء الخامسة فإذا بهارون، ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي . ثم صعدت إلى السماء السادسة، فإذا بموسى بن عمران، رجلٌ آدم كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص، فإذا هو يقول : يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله تعالى مني، قال : قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أخوك موسى بن عمران عليه السلامُ، ومعه نفر من قومه . فسلمت عليه وسلم علي . ثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن ساند ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال، قُلْت : يا جبريل، من هذا ؟ قال : هذا أبوك خليل الرحمن ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي، وإذا أنا بأمتي شطرين، شطر عليهم ثياب بيض كأنهم القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد قال : فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد، وهم على خير فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي قال : والبيت المعمور يصلي فيه كل يومَ سبعون ألف ملك، لا يعودون فيه إلى يومَ القيامة . قال : ثم دفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد أن تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال لها : سلسبيل، فينشق منها نهران، أُحُدٍهما : الكوثر، والآخر يقال له : نهر الرحمة . فاغتسلت فيه، فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ثم إني دفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية، فقُلْت : لمن أنت يا جارية ؟ فقالتْ : لزيد بن حارثة، وإذا أنا بأنهار من { ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى } وإذا رمانها كأنه الدلاء عظما، وإذا أنا بطيرها كأنها بختيكم هذه فقال عِندَها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قُلْب بشر . قال : ثم عرضت علي النار، فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم أغلقت دوني . ثم إني دفعت إلى سدرة المنتهى، فتغشاني فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى قال : ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة - قال : وفرضت علي خمسون . وقال : لك بكل حسنة عشر، إذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة، فإذا عملتها كتبت لك عشرا، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة ثم دفعت إلى موسى فقال : بم أمرك ربك ؟ قُلْت : بخمسين صلاة . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، ومتى لا تطيقه تكفر . فرجعت إلى ربي فقُلْت : يا رب خفف عن أمتي، فإنها أضعف الأمم، فوضع عني عشرا، وجعلها أربعين . فما زلت أختلف بين موسى وربي، كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالتْه، حتى رجعت إليه فقال لي : بم أمرت ؟ فقُلْت : أمرت بعشر صلوات، قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت إلى ربي فقُلْت : أي رب، خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم، فوضع عني خمسا، وجعلها خمسا . فناداني ملك عِندَها : تممت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها . ثم رجعت إلى موسى فقال : بم أمرت ؟ فقُلْت : بخمس صلوات . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنه لا يؤوده شيء، فاسأله التخفيف لأمتك فقُلْت : رجعت إلى ربي حتى استحييته . ثم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب : إني أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بي إلى السماء، ورأيت كذا وكذا . فقال أبو جهل يعني ابن هشام : ألا تعجبون مما يقول محمد ؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا . وأُحُدٍنا يضرب مطيته مصعدة شهرا ومقفلة شهرا، فهذا مسيرة شهرين في ليلة واحدة، قال : فأخبرهم بعير لقريش : لما كنتُ في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت رأيتها عِندَ العقبة . وأخبرهم بكل رجلٌ وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا وكذا . فقال أبو جهل : يخبرنا بأشياء . فقال رجلٌ من المشركين أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه ؟ وكيف هيئته ؟ وكيف قربه من الجبل ؟ فإن يك محمد صادقا فسأخبركم، وإن يك كاذبا فسأخبركم، فجاء ذلك المشرك فقال : يا محمد، أنا أعلم الناس ببيت المقدس، فأخبرني : كيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل قال : فرفع لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيت المقدس من مقعده، فنظر إليه كنظر أُحُدٍنا إلى بيته : بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا . فقال الآخر : صدقت . فرجع إلى أصحابه فقال : صدق محمد فيما قال أو نحو هذا الكلام
عنِ ابنِ عبَّاسٍ في قولهِ عزَّ وجَلَّ: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا قال: مرِضَ الحسنُ والحُسَيْنُ فعادَهُما رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وعادَهُما عُمومَةُ العَربِ فقالوا يا أبا الحسَنِ- ورواهُ جابرٌ الجعفيُّ عن قُنبرٍ مولى عليٍّ قالَ مرضَ الحسنُ والحُسَيْنُ حتَّى عادَهُما أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ أبو بَكْرٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ يا أبا الحسَنِ- رجعَ الحديثُ إلى حديثِ ليثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ- لو نذَرتَ عن ولدك نذراً وَكُلُّ نذرٍ ليسَ لَهُ وفاءٌ فليسَ بشيءٍ. فقالَ رضيَ اللَّهُ عنهُ إن برأَ ولدي صُمتُ للَّهِ ثلاثةَ أيَّامٍ شُكْرًا. وقالت جاريةٌ لَهُم نوبيَّةٌ إن برأَ سيِّدايَ صمتُ للَّهِ ثلاثةَ أيَّامٍ شُكْرًا. وقالت فاطمةُ مثلَ ذلِكَ. وفي حديثِ الجعفيِّ فقالَ الحسنُ والحُسَيْنُ علينا مثلَ ذلِكَ فأُلْبِسَ الغلامانِ العافيةَ وليسَ عندَ آلِ محمَّدٍ قليلٌ ولا كثيرٌ فانطلقَ عليٌّ إلى شَمعونِ بنِ حاريًا الخيبريِّ وَكانَ يَهوديًّا فاستقرضَ منهُ ثلاثةَ أصوعٍ من شعيرٍ فجاءَ بِهِ فوضعَهُ ناحيةَ البيتِ فقامت فاطمةُ إلى صاعٍ فطَحنتهُ واختبَزتهُ وصلَّى عليٌّ معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ أتى المنزلَ فوُضِعَ الطَّعامُ بينَ يديهِ. وفي حديثِ الجعفيِّ فقامتِ الجاريةُ إلى صاعٍ من شعيرٍ فخبزت منهُ خمسةَ أقراصٍ لِكُلِّ واحدٍ منهم قُرصٌ فلمَّا مضى صيامُهُمُ الأوَّلُ وضعَ بينَ أيديهمُ الخبزُ والملحُ الجريشُ إذ أتاهم مسكينٌ فوقفَ بالبابِ وقالَ السَّلامُ عليكم أَهْلَ بيتِ محمَّدٍ- في حديثِ الجعفيِّ- أَنا مسكينٌ من مساكينَ أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وأَنا واللَّهِ جائعٌ أطعِموني أطعمَكُمُ اللَّهُ على موائدِ الجنَّةِ. فسمعَهُ عليٌّ رضيَ اللَّهُ عنهُ فأنشأَ يقولُ : فاطمَ ذاتَ الفضلِ واليقينْ * يا بنتَ خيرِ النَّاسِ أجمعينْ *أما ترينَ البائسَ المسكينْ * قد قامَ بالبابِ لَهُ حَنينْ *يشكو إلى اللَّهِ ويستَكينْ * يشكو إلينا جائعٌ حزينْ * كلُّ امرئٍ بِكَسبِهِ رَهينْ * وفاعلُ الخيراتِ يَستبينْ *موعدُنا جنَّةُ علِّيِّينْ * حرَّمَها اللَّهُ على الضَّنينْ * وللبخيلِ موقفٌ مَهينْ * تَهْوي بِهِ النَّارُ إلى سجِّينْ * شرابُهُ الحميمُ والغِسلينْ * من يفعلِ الخيرَ يقُم سمينْ * ويدخلُ الجنَّةَ أيَّ حينْ فأنشأت فاطمةُ رضيَ اللَّهُ عنها تقول: أمرُكَ عندي يا ابنَ عمٍّ طاعَهْ * ما بي من لؤمٍ ولا وضاعَهْ *عدلتُ في الخبزِ لَهُ صناعَهْ * أطعمُهُ ولا أبالي السَّاعَهْ * أرجو إذا أشبعتُ ذا المجاعَهْ * أن ألحقَ الأخيارَ والجماعَهْ * وأدخلَ الجنَّةَ لي شفاعَهْ فأطعموهُ الطَّعام، ومَكَثوا يومَهُم وليلتَهُم لم يذوقوا شيئًا إلَّا الماءَ القراح، فلمَّا أن كانَ في اليَومِ الثَّاني قامَت إلى صاعٍ فطحنتهُ واختبزته، وصلَّى عليٌّ معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم، ثمَّ أتى المنزلَ فوضعَ الطَّعامُ بينَ أيديهم، فوقفَ بالبابِ يتيمٌ فقال: السَّلامُ عليكم أَهْلَ بيتِ محمَّدٍ، يتيمٌ من أولادِ المُهاجرينَ استُشْهِدَ والدي يومَ العقبة. أطعموني أطعمَكُمُ اللَّهُ على موائدَ الجنَّة. فسمعَهُ عليٌّ فأنشأَ يقول: فاطمَ بنتَ السَّيِّدِ الكريمْ * بنتَ نبيٍّ ليسَ بالزَّنيمْ * لقد أتى اللَّهُ بذي اليتيمْ * مَن يرحمِ اليومَ يَكُن رحيمْ * ويدخلِ الجنَّةَ أي سليمْ * قد حُرِّمَ الجنَّةُ للَّئيمِ * ألَّا يجوزَ الصِّراطَ المستقيمْ * يزلُّ في النَّارِ إلى الجحيمْ *شرابُهُ الصَّديدُ والحميمْ فأنشأت فاطمةُ رضيَ اللَّهُ عنها تقول: أطعمُهُ اليومَ ولا أبالي * وأوثرُ اللَّهَ على عيالي * أمسوا جياعًا وَهُم أشبالي * أصغرُهُم يُقتَلُ في القتالِ * بكر بلا يقتلُ باغتيالِ * يا وَيلُ للقاتلِ مع وبالِ * تَهْوي بِهِ النَّارُ إلى سفالِ * وفي يديهِ الغلُّ والأغلالِ *كبولةٍ زادت على الأَكْبالِ فأطعَموهُ الطَّعامَ ومَكَثوا يومينِ وليلتينِ لم يذوقوا شيئًا إلَّا الماءَ القراح، فلمَّا كانت في اليومِ الثَّالثِ قامت إلى الصَّاعِ الباقي فطحنتهُ واختبزته، وصلَّى عليٌّ معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم، ثمَّ أتى المنزل، فوضعَ الطَّعامُ بينَ أيديهم، إذ أتاهم أسيرٌ فوقفَ بالبابِ فقال: السَّلامُ عليكم أَهْلَ بيتِ محمَّدٍ، تأسرونَنا وتشدُّونَنا ولا تطعمونَنا! أطعموني فإنِّي أسيرُ محمَّدٍ. فسمعَهُ عليٌّ فأنشأَ يقول: فاطمُ يا بنتَ النَّبيِّ أحمد * بنتَ نبيٍّ سيِّدٍ مسوَّد * سمَّاهُ اللَّهُ فَهوَ محمَّد * قد زانَهُ اللَّهُ بحسنٍ أغيَدْ* هذا أسيرٌ للنَّبيِّ المُهْتدْ * مثقَّلٌ في غلِّهِ مقيَّدْ * يشكو إلينا الجوعَ قد تمدَّدْ * من يطعمِ اليومَ يَجِدْهُ في غَدْ * عندَ العليِّ الواحدِ الموحَّدْ * ما يزرعُ الزَّارعُ سوفَ يحصُدْ * أعطيهِ لا لا تجعليهِ أقعَدْ فأنشأت فاطمةُ رضيَ اللَّهُ عنها تقول: لم يبقَ مِمَّا جاءَ غيرُ صاعْ * قد ذَهَبت كفِّي معَ الذِّراعْ * ابنايَ واللَّهِ هما جياعْ * يا ربِّ لا تترُكُهُما ضياعْ * أبوهما للخيرِ ذو اصطناعْ * يصطنعُ المعروفَ بابتداعْ * عبلُ الذِّراعينِ شديدُ الباعْ * وما على رأسيَ من قناعْ * إلَّا قناعًا نسجُهُ أنساعْ فأعطوهُ الطَّعامَ ومَكَثوا ثلاثةَ أيَّامِ ولياليها لم يذوقوا شيئًا إلَّا الماءَ القراح، فلمَّا أن كانَ في اليومِ الرَّابع، وقد قضى اللَّهُ النَّذرَ أخذَ عليٌّ بيدِهِ اليمنى الحسن، وبيده اليسرى الحسين، وأقبل نحوَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وَهُم يرتعشونَ كالفراخِ من شدَّةِ الجوعِ، فلمَّا أبصرَهُم رسول اللَّه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قال: يا أبا الحسنِ ما أشدَّ ما يسوؤني ما أرى بِكُمُ انطلق بنا إلى ابنتي فاطمةَ فانطلقوا إليها وَهيَ في محرابِها، قد لصقَ بطنُها بظَهْرِها، وغارَت عيناها مِن شدَّةِ الجوع، فلمَّا أن رآها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وعرفَ المجاعةَ في وجهِها بَكَى وقال: وا غَوثاه يا اللَّه، أَهْلُ بيتِ محمَّدٍ يموتونَ جوعًا فَهَبطَ جبريلُ عليهِ السَّلامُ وقال: السَّلامُ عليك، ربُّكَ يقرئُكَ السَّلامَ يا محمَّد، خذهُ هَنيئًا في أَهْلِ بيتِكَ. قال: وما آخُذُ يا جبريلُ فأقرأهُ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ إلى قولِهِ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا كانَ أوَّلُ ليلةٍ من شَهْرِ رمضانَ نادى اللَّهُ تبارَكَ وتعالى رضوانَ خازنَ الجنَّةِ يقولُ: يا رِضوانُ فيقولُ: لبَّيكَ وسعديكَ فيقولُ زيِّنِ الجِنانَ للصَّائمينَ والقائمينَ من أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ لا تُغلِقها حتَّى ينقضيَ شَهْرُهُم فإذا كانَ اليومُ الثَّاني أوحى اللَّه إلى مالِكٍ خازنِ النَّارِ يا مالِكُ أغلِق أبوابَ النِّيرانِ عنِ الصَّائمينَ والقائمينَ من أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ لا تفتَحُ حتَّى ينقضيَ شَهْرُهُم وإذا كانَ اليومُ الثَّالثُ أوحى اللَّهُ إلى جبريلَ يا جبريلُ اهبط إلى الأرضِ فغُلَّ على مردةِ الشَّياطينَ وعتاةِ الجنِّ كي لا يُفسِدوا على عبادي صومَهُم ثمَّ قالَ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إنَّ للَّهِ ملَكًا رأسُهُ تحتَ العرشِ ورجلاهُ في تُخومِ الأرضِ السَّابعةِ السُّفلى لَهُ جَناحانِ أحدُهُما بالمشرقِ والآخرُ بالمغربِ أحدُهُما من ياقوتٍ أحمرَ والآخرُ من زبرجدٍ أخضرَ يُنادي كلَّ ليلةٍ من شَهْرِ رمضانَ هل من تائبٍ يتابُ عليهِ هل من مستغفرٍ فيغفرُ لَهُ هل من صاحبِ حاجةٍ فيسعَفُ لحاجتِهِ يا طالبَ الخيرِ أبشِر ويا طالبَ الشَّرِّ أقصِر وأبصِر ثمَّ قالَ ألا وإنَّ للَّهِ عزَّ وجلَّ في كلِّ ليلةٍ عندَ السُّحورِ والإفطارِ سبعةَ آلافِ عتيقٍ منَ النَّارِ قدِ استوجَبوا العذابَ من ربِّ العالمينَ قالَ فإذا كانَ ليلةُ القدرِ يَهْبطُ جبريلُ في كبكبةٍ منَ الملائِكَةِ لَهُ جَناحانِ أخضرانِ منظومانِ بالدُّرِّ والياقوتِ لا ينشرُهُما جبريلُ في كلِّ سنةٍ إلا ليلةً واحدةً وذلِكَ قولُهُ تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أمَّا الملائِكَةُ فمن تحتِ سدرةِ المنتَهَى وأمَّا الرُّوحُ فَهوَ جبريلُ فيمسَحُ بجَناحَيهِ يسلِّمُ على القائِمِ والنَّائمِ والمصلِّي مَن في البرِّ ومَن في البحرِ السَّلامُ عليكَ يا مؤمنُ السَّلامُ عليكَ يا مؤمنُ حتَّى إذا طلعَ الفجرُ صعِد جبريلُ ومعه الملائكةُ فيتلَقَّاه أهلُ السَّمواتِ فيقولونَ يا جبريلُ ما فعلَ الرَّحمنُ بالصَّائمينَ شَهْرَ رمضانَ فيقولُ جبريلُ خيرًا ثمَّ يسجُدُ جبريلُ ومن معَهُ منَ الملائِكَةِ فيقولُ الجبَّارُ عزَّ وجلَّ يا ملائِكَتي ارفعوا رؤوسَكم إنِّي قد غفرتُ للصَّائمينَ بشَهْرِ رمضانَ إلا من أبى أن يسلِّمَ عليهِ جبريلُ قالَ جبريلُ عليهِ السَّلامُ لا يسلِّمُ في تلكَ اللَّيلةِ على مدمِنِ خمرٍ ولا عشَّارٍ ولا ساحِرٍ ولا صاحبِ كوبةٍ ولا عَرطةٍ ولا عاقٍّ والديهِ ثمَّ قالَ فإذا كانَ يومُ الفطرِ نزلتِ الملائِكَةُ فوقَفت على أفواهِ الطُّرقِ يقولونَ يا أمَّةَ محمَّدٍ اعْدوا إلى ربٍّ كريمٍ فإذا صاروا إلى المصلَّى نادى الجبَّارُ فقالَ يا ملائِكَتي ما جزاءُ الأجيرِ إذا فرغَ من عملِهِ قالوا ربَّنا جزاءُهُ أن يوفَّى أجرَهُ قالَ فإنَّ هؤلاءِ عبادي وبنو عِبادي أمرتُهُم بالصِّيامِ فصاموا فأطاعوني وقضوا فريضَتي قالَ فَنادى مُنادٍ يا أمَّةَ محمَّدٍ ارجِعوا راشدينَ قد غُفِرَ لَكُم
حديث تَزْيِينِ الجنةَ لصُوَّامِ رمَضَانِ [يعني حديث: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا كانَ أوَّلُ ليلةٍ من شَهْرِ رمضانَ نادى اللَّهُ تبارَكَ وتعالى رضوانَ خازنَ الجنَّةِ يقولُ: يا رِضوانُ فيقولُ: لبَّيكَ وسعديكَ فيقولُ زيِّنِ الجِنانَ للصَّائمينَ والقائمينَ من أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ لا تُغلِقها حتَّى ينقضيَ شَهْرُهُم فإذا كانَ اليومُ الثَّاني أوحى اللَّه إلى مالِكٍ خازنِ النَّارِ يا مالِكُ أغلِق أبوابَ النِّيرانِ عنِ الصَّائمينَ والقائمينَ من أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ لا تفتَحُ حتَّى ينقضيَ شَهْرُهُم وإذا كانَ اليومُ الثَّالثُ أوحى اللَّهُ إلى جبريلَ يا جبريلُ اهبط إلى الأرضِ فغُلَّ على مردةِ الشَّياطينَ وعتاةِ الجنِّ كي لا يُفسِدوا على عبادي صومَهُم ثمَّ قالَ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إنَّ للَّهِ ملَكًا رأسُهُ تحتَ العرشِ ورجلاهُ في تُخومِ الأرضِ السَّابعةِ السُّفلى لَهُ جَناحانِ أحدُهُما بالمشرقِ والآخرُ بالمغربِ أحدُهُما من ياقوتٍ أحمرَ والآخرُ من زبرجدٍ أخضرَ يُنادي كلَّ ليلةٍ من شَهْرِ رمضانَ هل من تائبٍ يتابُ عليهِ هل من مستغفرٍ فيغفرُ لَهُ هل من صاحبِ حاجةٍ فيسعَفُ لحاجتِهِ يا طالبَ الخيرِ أبشِر ويا طالبَ الشَّرِّ أقصِر وأبصِر ثمَّ قالَ ألا وإنَّ للَّهِ عزَّ وجلَّ في كلِّ ليلةٍ عندَ السُّحورِ والإفطارِ سبعةَ آلافِ عتيقٍ منَ النَّارِ قدِ استوجَبوا العذابَ من ربِّ العالمينَ قالَ فإذا كانَ ليلةُ القدرِ يَهْبطُ جبريلُ في كبكبةٍ منَ الملائِكَةِ لَهُ جَناحانِ أخضرانِ منظومانِ بالدُّرِّ والياقوتِ لا ينشرُهُما جبريلُ في كلِّ سنةٍ إلا ليلةً واحدةً وذلِكَ قولُهُ تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أمَّا الملائِكَةُ فمن تحتِ سدرةِ المنتَهَى وأمَّا الرُّوحُ فَهوَ جبريلُ فيمسَحُ بجَناحَيهِ يسلِّمُ على القائِمِ والنَّائمِ والمصلِّي مَن في البرِّ ومَن في البحرِ السَّلامُ عليكَ يا مؤمنُ السَّلامُ عليكَ يا مؤمنُ حتَّى إذا طلعَ الفجرُ صعِد جبريلُ ومعه الملائكةُ فيتلَقَّاه أهلُ السَّمواتِ فيقولونَ يا جبريلُ ما فعلَ الرَّحمنُ بالصَّائمينَ شَهْرَ رمضانَ فيقولُ جبريلُ خيرًا ثمَّ يسجُدُ جبريلُ ومن معَهُ منَ الملائِكَةِ فيقولُ الجبَّارُ عزَّ وجلَّ يا ملائِكَتي ارفعوا رؤوسَكم إنِّي قد غفرتُ للصَّائمينَ بشَهْرِ رمضانَ إلا من أبى أن يسلِّمَ عليهِ جبريلُ قالَ جبريلُ عليهِ السَّلامُ لا يسلِّمُ في تلكَ اللَّيلةِ على مدمِنِ خمرٍ ولا عشَّارٍ ولا ساحِرٍ ولا صاحبِ كوبةٍ ولا عَرطةٍ ولا عاقٍّ والديهِ ثمَّ قالَ فإذا كانَ يومُ الفطرِ نزلتِ الملائِكَةُ فوقَفت على أفواهِ الطُّرقِ يقولونَ يا أمَّةَ محمَّدٍ اعْدوا إلى ربٍّ كريمٍ فإذا صاروا إلى المصلَّى نادى الجبَّارُ فقالَ يا ملائِكَتي ما جزاءُ الأجيرِ إذا فرغَ من عملِهِ قالوا ربَّنا جزاءُهُ أن يوفَّى أجرَهُ قالَ فإنَّ هؤلاءِ عبادي وبنو عِبادي أمرتُهُم بالصِّيامِ فصاموا فأطاعوني وقضوا فريضَتي قالَ فَنادى مُنادٍ يا أمَّةَ محمَّدٍ ارجِعوا راشدينَ قد غُفِرَ لَكُم.]
كنتُ يومًا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من بعدما تفرَّق أصحابُه فأقبل عليَّ فقال لي يا أبا حمزةَ فقلتُ لبَّيك يا رسولَ اللهِ قال قُمْ بنا ندخلْ إلى سوقِ المدينةِ فنربحْ ويُربَحْ منَّا فقام وقمتُ معه حتَّى صِرنا إلى السُّوقِ إذا نحن أوَّلَ السُّوقِ برجلٍ جزارٍ شيخٍ كبيرٍ قائمًا على بيعِه يعالجُ من وراءِ ضعفٍ فوقعتْ له في قلبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رِقَّةٌ فهمَّ أن يقصدَه ويُسلِّمَ عليه ويدعوَ له إذ هبط عليه جبريلُ فقال له يا محمَّدُ إنَّ اللهَ يقرأُ عليك السَّلامَ ويقولُ لك لا تُسلِّمْ على الجزَّارِ فاغتَمَّ من ذلك النَّبيُّ لا يدري أيَّ سريرةٍ بينه وبين اللهِ إذ منعه عنه فانصرف وانصرفتُ معه ولم يدخُلِ السُّوقَ فكرِه في الجزَّارِ وبقي باقي يومِه وليلِه فلمَّا كان من غدٍ تفرَّق أصحابُه فقال لي يا أبا حمزةَ قُمْ بنا نذهَبْ إلى السُّوقِ فننظرْ أيْشِ حدث في ذي اللَّيلةِ على الجزَّارِ فقام وقمتُ معه حتَّى جِئنا إلى السُّوقِ فإذا نحن بالجزَّارِ قائمًا على بيعِه كما رأيناه أمسِ فهمَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقصدَه ويسألَه أيَّ سريرةٍ بينه وبين اللهِ إذ منعه عنه فهبط عليه جبريلُ فقال له يا محمَّدُ اللهُ يقرأُ عليك السَّلامَ ويقولُ لك سلِّمْ على الجزَّارِ فقال له حبيبي جبريلَ أمسِ منعني عنه ربِّي واليومَ أمرني به قال نعم يا محمَّدُ إنَّ الجزَّارَ في هذه اللَّيلةِ دعَكته الحُمَّى دعكًا شديدًا فيسألُ ربَّه وتضرَّع فقبِله على ما كان منه فاقصُدْه يا محمَّدُ وسلِّمْ عليه وبشِّرْه فإنَّ اللهَ قد قبِله على ما كان منه فقصده فسلَّم عليه وبشَّره وانصرف وانصرفت معه
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
أشهد أن محمدا عبده ورسولهأشهد أن لا إله إلا اللهالسلام عليك أيها النبيلا نريد جزاء ولا شكوراطلوع الشمس من المغربمسكينا ويتيما وأسيراتعبد الله كأنك تراهأصهب مقرون الحاجبينعباد الله الصالحينالسلام على ميكائيليا طالب الخير أبشرإن الله هو السلامالسلام على جبريلالنهي عن الإسبالالسلام على النبيمحمد عبده ورسولهلا إله إلا اللهالسلام على اللهالسحور والإفطارجبلة بن الأيهمالله هو السلامجبريل وميكائيلجابرسا وجابلقاصوم ثلاثة أيامعتقاء من النارالحفاة العراةمنتشر الحاشيةصومكم وصلاتكمالتوبة النصوحفضل أهل البيتالرعاء البهمالغرفة تنفضتالسلام عليناسدرة المنتهىليلة الإسراءتحية الإسلامالسلام عليكمالشمس والقمريأجوج ومأجوجإطعام الطعامدحية الكلبيالتحيات للهفوق الكعبينيوم القيامةأويس القرنيفناء الكعبةيا أبا حمزةسوق المدينةدعكته الحمىوالسماوات؟الإنسان...والله أكبرصورة النبيذو القرنينمختال فخورتحية الميتسلام عليكمخمسين صلاةربيعة ومضرباب التوبةبيت المقدسليلة القدرصوم رمضانقاب قوسينخمس صلواتمثقال ذرةالله أكبرخلق شمسينطاعة اللهلوجه اللهالأنبياءبئر زمزمشق الصدرحبة خردلالتابعينوضح أبيضالصالحينالصائمينالقائمينلبعض...أطرافهاالإسلامالإيمانالإحسانالتحياتالصلواتالطيباتالمعراجالتخفيفميكائيلالشفاعةإبراهيمالنصارىعلى حبهآل محمدالإفطارلا تسلمالظلمةالساعةالصلاة
تخريج حديث السلام عليك يا محمد
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








