تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 353 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 353

353 : تفسير الصفحة رقم 353 من القرآن الكريم

** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّىَ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىَ أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ * فَإِن لّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتّىَ يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىَ لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
هذه آداب شرعية, أدب الله بها عباده المؤمنين وذلك في الاستئذان أمرهم أن لا يدخلوا بيوتاً غير بيوتهم حتى يستأنسوا, أي يستأذنوا قبل الدخول, ويسلموا بعده, وينبغي أن يستأذن ثلاث مرات, فإن أذن له وإلا انصرف, كما ثبت في الصحيح أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثاً فلم يؤذن له انصرف, ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن ؟ ائذنوا له, فطلبوه فوجدوه قد ذهب, فلما جاء بعد ذلك قال: ما رجعك ؟ قال: إني استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي, وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف» فقال عمر لتأتيني على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضرباً, فذهب إلى ملإٍ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر فقالوا لا يشهد لك إلا أصغرنا فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك فقال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا عمر عن ثابت عن أنس أو غيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن على سعد بن عبادة فقال «السلام عليك ورحمة الله» فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله, ولم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم حتى سلم ثلاثاً, ورد عليه سعد ثلاثاً ولم يسمعه فرجع النبي صلى الله عليه وسلم واتبعه سعد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي, ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني, ولقد رددت عليك ولم أسمعك, وأردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة, ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيباً فأكل نبي الله, فلما فرغ قال «أكل طعامكم الأبرار, وصلت عليكم الملائكة, وأفطر عندكم الصائمون».
وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال: زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فقال «السلام عليكم ورحمة الله» فرد سعد رداً خفياً, قال قيس: فقلت ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: دعه يكثر علينا من السلام, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «السلام عليكم ورحمة الله» فرد سعد رداً خفياً ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «السلام عليكم ورحمة الله» ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم, واتبعه سعد فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك رداً خفياً لتكثر علينا من السلام. قال فانصرف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر له سعد بغسل فاغتسل, ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس, فاشتمل بها ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول «اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة». قال: ثم أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطعام, فلما أراد الانصراف قرب إليه سعد حماراً قد وطىء عليه بقطيفة, فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال قيس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اركب» فأبيت, فقال «إما أن تركب وإما أن تنصرف» قال: فانصرفت, وقد روي هذا من وجوه أخر, فهو حديث جيد قوي, والله أعلم.
ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه, ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بقية, حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بُشر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه, ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر, ويقول «السلام عليكم, السلام عليكم» وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور, تفرد به أبو داود.
وقال أبو داود أيضاً: حدثنا عثمان بن أبي شيبة, حدثنا جرير ـ (ح) ـ حينئذ, قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا حفص عن الأعمش عن طلحة عن هزيل قال: جاء رجل, قال عثمان: سعد فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن فقام على الباب قال عثمان: مستقبل الباب, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «هكذا عنك ـ أو هكذا ـ فإنما الاستئذان من النظر» وقد رواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن رجل عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم, رواه أبو داود من حديثه, وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه, ما كان عليك من جناح» وأخرج الجماعة من حديث شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي فدققت الباب, فقال «من ذا ؟» فقلت: أنا, قال «أنا أنا» كأنه كرهه, وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها, وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا, فلا يحصل بها المقصود من الإستئذان الذي هو الإستئناس المأمور به في الاَية, وقال العوفي عن ابن عباس: الإستئناس الإستئذان, وكذا قال غير واحد,
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الاَية {لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلمو} قال: إنما هي خطأ من الكاتب حتى تستأذنوا وتسلموا, وهكذا رواه هشيم عن أبي بشر ـ وهو جعفر بن إياس ـ عن سعيد عن ابن عباس بمثله, وزاد: كان ابن عباس يقرأ {حتى تستأذنوا وتسلمو} وكان يقرأ على قراءة أبيّ بن كعب رضي الله عنه, وهذا غريب جداً عن ابن عباس, وقال هشيم: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: في مصحف ابن مسعود حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا, وهذا أيضاً رواية عن ابن عباس وهو اختيار ابن جرير.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا روح, حدثنا ابن جريج, أخبرني عمرو بن أبي سفيان أن عمرو بن أبي صفوان أخبره أن كلدة بن الحنبل أخبره أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبأ وجدابة وصغابيس, والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي, قال: فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ولم أسلم ولم أستأذن, فقال صلى الله عليه وسلم «ارجع فقل السلام عليكم أأدخل ؟» وذلك بعدما أسلم صفوان, ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن جريج به. وقال الترمذي: حسن غريب, لا نعرفه إلا من حديثه. وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن ربعي قال: أتى رجل من بني عامر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته, فقال: أألج ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه «اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له: قل السلام عليكم أأدخل ؟» فسمعه الرجل, فقال: السلام عليكم أأدخل ؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم, فدخل.
وقال هشيم: أخبرنا منصور عن ابن سيرين, وأخبرنا يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أألج أو أنلج ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة «قومي إلى هذا فعلميه, فإنه لا يحسن يستأذن, فقولي له: يقول السلام عليكم أأدخل ؟» فسمعها الرجل فقالها فقال «ادخل». وقال الترمذي: حدثنا الفضل بن الصباح, حدثنا سعيد بن زكريا عن عنبسة بن عبد الرحمن عن محمد بن زاذان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «السلام قبل الكلام» ثم قال الترمذي: عنبسة ضعيف الحديث ذاهب, ومحمد بن زاذان منكر الحديث. وقال هشيم: قال مغيرة: قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه الرمضاء, فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل ؟ قالت: ادخل بسلام, فأعاد فأعادت وهو يراوح بين قدميه, قال: قولي ادخل. قالت: ادخل فدخل.
ولابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو نعيم الأحول, حدثني خالد بن إياس, حدثتني جدتي أم إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة, فقلت: ندخل ؟ فقالت: لا قلن لصاحبتكن تستأذن, فقالت: السلام عليكم أندخل قالت: ادخلوا, ثم قالت: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهله} الاَية. وقال هشيم: أخبرنا أشعث بن سوار عن كردوس عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم, قال أشعث عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد, وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال, قال فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت} الاَية.
وقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ثلاث آيات جحدهن الناس. قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} قال: ويقولون إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتاً, قال والأذن كله قد جحده الناس قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد ؟ قال: نعم فرددت عليه ليرخص لي فأبى, فقال: تحب أن تراها عريانة ؟ قلت: لا, قال: فاستأذن قال: فراجعته أيضاً. فقال: أتحب أن تطيع الله ؟ قلت نعم, قال: فاستأذن. قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إليّ أن أرى عورتها من ذات محرم, قال: وكان يشدد في ذلك, وقال ابن جريج عن الزهري. سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإذن على أمهاتكم وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته قال: لا وهذا محمول على عدم الوجوب, وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به, لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثنا محمد بن حازم عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخي زينب ـ امرأة عبد الله بن مسعود ـ عن زينب رضي الله عنها, قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه, إسناده صحيح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي, حدثنا عبد الله بن نمير, حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي هبيرة. قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس وتكلم ورفع صوته, وقال مجاهد: حتى تستأنسوا, قال: تنحنحوا أو تنخموا. وعن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: إذا دخل الرجل بيته استحب له أن يتنحنح أو يحرك نعليه, ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقاً ـ وفي رواية ـ ليلاً يتخونهم, وفي الحديث الاَخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة نهاراً, فأناخ بظاهرها, وقال «انتظروا حتى ندخل عشاء ـ يعني آخر النهار ـ حتى تمشط الشعثة وتستحد المغيبة».
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن واصل بن السائب, حدثني أبو ثورة بن أخي أبي أيوب عن أبي أيوب قال: قلت: يا رسول الله هذا السلام, فما الإستئناس ؟ قال «يتكلم الرجل بتسبيحة أو تكبيرة أو تحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت» هذا حديث غريب. وقال قتادة في قوله {حتى تستأنسو} هو الاستئذان ثلاثاً, فمن لم يؤذن له منهم فليرجع, أما الأولى فليسمع الحي, وأما الثانية فليأخذوا حذرهم, وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا, ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم, فإن للناس حاجات ولهم أشغال, والله أولى بالعذر.
وقال مقاتل بن حيان في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهله} كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه ويقول: حييت صباحاً وحييت مساء, وكان ذلك تحية القوم بينهم, وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول: قد دخلت, ونحو ذلك, فيشق ذلك على الرجل ولعله يكون مع أهله فغير الله ذلك كله في ستر وعفة, وجعله نقياً نزهاً من الدنس والقذر والدرن, فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهله} الاَية, وهذا الذي قاله مقاتل: حسن, ولهذا قال تعالى: {ذلكم خير لكم} يعني الاستئذان خير لكم بمعنى هو خير من الطرفين للمستأذن ولأهل البيت {لعلكم تذكرون}.
وقوله تعالى: {فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه, فإن شاء أذن, وإن شاء لم يأذن, {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} أي إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده {فارجعوا هو أزكى لكم} أي رجوعكم أزكى لكم وأطهر {والله بما تعملون عليم} وقال قتادة: قال بعض المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الاَية, فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع, فأرجع وأنا مغتبط {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم} وقال سعيد بن جبير {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعو} الاَية أي لا تقفوا على أبواب الناس.
وقوله تعالى: {ليس عليكم جناج أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة} الاَية, هذه الاَية الكريمة أخص من التي قبلها وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن, كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه أول مرة كفى. قال ابن جريج: قال ابن عباس {لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم} ثم نسخ واستثنى, فقال تعالى: {ليس عليكم جناج أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم} وكذا روي عن عكرمة والحسن البصري, وقال آخرون: هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار وبيوت مكة وغير ذلك, واختار ذلك ابن جرير وحكاه عن جماعة, والأول أظهر, والله أعلم. وقال مالك عن زيد بن أسلم: هي بيوت الشعر.

** قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَىَ لَهُمْ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم, فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه, وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم, فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد, فليصرف بصره عنه سريعاً, كما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير, عن جده جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة, فأمرني أن أصرف بصري. وكذا رواه الإمام أحمد عن هشيم عن يونس بن عبيد به. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه أيضاً. وقال الترمذي حسن صحيح, وفي رواية لبعضهم فقال«أطرق بصرك» يعني أنظر إلى الأرض, والصرف أعم, فإنه قد يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى, والله أعلم.
وقال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري, حدثنا شريك عن أبي ربيعة الإيادي, عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي «يا علي لاتتبع النظرة النظرة, فإن لك الأولى وليس لك الاَخرة» ورواه الترمذي من حديث شريك وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وفي الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إياكم والجلوس على الطرقات» قالوا: يارسول الله لابد لنا من مجالسنا نتحدث فيها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه» قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ فقال«غض البصر, وكف الأذى, ورد السلام, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر».
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا طالوت بن عباد, حدثنا فضل بن جبير, سمعت أبا أمامة, يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «اكفلوا لي ستاً أكفل لكم بالجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب, وإذا اؤتمن فلا يخن, وإذا وعد فلا يخلف, وغضوا أبصاركم, وكفوا أيدكم, واحفظوا فروجكم» وفي صحيح البخاري« من يكفل لي ما بين لحييه وما بين رجليه, أكفل له الجنة» وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال: كل ما عصي الله به فهو كبيرة, وقد ذكر الطرفين فقال {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب, كما قال بعض السلف: النظر سهم سم إلى القلب, ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك, فقال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا, كما قال تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} الاَية, وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» {ذلك أزكى لهم} أي أطهر لقلوبهم وأنقىَ لدينهم, كما قيل من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته, ويروى في قلبه.
وروى الإمام أحمد: حدثنا عتاب, حدثنا عبد الله بن المبارك, أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة (أول مرة) ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها» وروي هذا مرفوعاً عن ابن عمر وحذيفة وعائشة رضي الله عنهم, ولكن في إسنادها ضعف إلا أنها في الترغيب, ومثله يتسامح فيه. وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعاً «لتغضن أبصاركم, ولتحفظن فروجكم, ولتقيمن وجوهكم, أو لتكسفن وجوهكم».
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن زهير التستري قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرى, حدثنا يحيى بن أبي بكير, حدثنا هريم بن سفيان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه». وقوله تعالى: {إن الله خبير بما يصنعون} كما قال تعالى: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}. وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة, فزنا العينين النظر, وزنا اللسان النطق, وزنا الأذنين الاستماع, وزنا اليدين البطش, وزنا الرجلين الخطى, والنفس تمنىَ وتشتهي, والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» رواه البخاري تعليقاً, ومسلم مسنداً من وجه آخر بنحو ما تقدم, وقد قال كثير من السلف: إنهم كانوا ينهون أن يحد الرجل بصره إلى الأمرد, وقد شدد كثير من أئمة الصوفية في ذلك, وحرمه طائفة من أهل العلم لما فيه من الافتتان, وشدد آخرون في ذلك كثيراً جداً. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدني, حدثنا عمر بن سهل المازني, حدثني عمر بن محمد بن صهبان عن صفوان بن سليم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا غضت عن محارم الله, وعيناً سهرت في سبيل الله, وعيناً يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله عز وجل».

** وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أَوْ آبَآئِهِنّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَآئِهِنّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِيَ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنّ أَوْ نِسَآئِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفْلِ الّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىَ عَوْرَاتِ النّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنّ وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ
هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركين وكان سبب نزول هذه الاَية ما ذكره مقاتل بن حيان قال: بلغنا ـ والله أعلم ـ أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرثد كانت في محل لها في بني حارثة, فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل وتبدو صدورهن وذوائبهن فقالت أسماء: ما أقبح هذا فأنزل الله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} الاَية, فقوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} أي عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن, ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلاً.
واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة أنه حدث أن أم سلمة حدثته أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة قالت فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعدما أمرنا بالحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «احتجبا منه» فقلت يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أو عمياوان أنتما ؟ أوألستما تبصرانه» ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت.
وقوله {ويحفظن فروجهن} قال سعيد بن جبير: عن الفواحش. وقال قتادة وسفيان: عما لا يحل لهن. وقال مقاتل: عن الزنا, وقال أبو العالية: كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا إلا هذه الاَية {ويحفظن فروجهن} أن لا يراها أحد, وقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منه} أي لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب. فلا حرج عليها فيه لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لايمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم.
وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منه} قال: وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك, وهذا يحتمل أن يكون تفسيراً للزينة التي نهين عن إبدائها, كما قال أبو إسحاق السبقي عن أبي الأحوص عن عبد الله قال في قوله {ولا يبدين زينتهن} الزينة القرط والدملج والخلخال والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان: فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار, وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب. وقال الزهري لا يبدين لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر وأما عامة الناس فلا يبدين منها إلا الخواتم.
وقال مالك عن الزهري {إلاما ظهر منه} الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ماظهر منها بالوجه والكفين وهذا هو المشهور عند الجمهور, ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه حدثنا يعقوب بن كعب الانطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا: حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أي يرى منها إلا هذا» وأشار إلى وجهه وكفيه, لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي هذا مرسل¹ خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنها, والله أعلم.
وقوله تعالى: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} يعني المقانع يعمل لها صفات ضاربات على صدورهن لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية فإنهن لم يكن يفعلن ذلك بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها, فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن كما قال تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} وقال في هذه الاَية الكريمة {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} والخمر جمع خمار وهو ما يخمر به أي يغطى به الرأس وهي التي تسميها الناس المقانع.
قال سعيد بن جبير {وليضربن} وليشددن {بخمرهن على جيوبهن} يعني على النحر والصدر فلا يرى منه شيء وقال البخاري حدثنا أحمد بن شبيب حدثنا أبي عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} شققن مروطهن فاختمرن بها. وقال أيضاً حدثنا أبو نعيم, حدثنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: لما نزلت هذه الاَية {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا الزنجي بن خالد حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة قالت فذكرنا نساء قريش وفضلهن, فقالت عائشة رضي الله عنها إن لنساء قريش لفضلاً وإني والله مارأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل لقد أنزلت سورة النور {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه, فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان. ورواه أبو داود من غير وجه عن صفية بنت شيبه به.
وقال ابن جرير حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن قرة بن عبد الرحمن أخبره عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} شققن أكتف مروطهن فاختمرن بها, ورواه أبو داود من حديث ابن وهب به, وقوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} أي أزواجهن {أو آبائهن أو آباء بعولتهن أوأبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن} كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير اقتصاء وتبهرج. وقد روى ابن المنذر حدثنا موسى يعني ابن هارون حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا داود عن الشعبي وعكرمة في هذه الاَية {ولا يبدبن زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن} حتى فرغ منها وقال لم يذكر العم ولا الخال لأنهما ينعتان لأبنائهما ولا تضع خمارها عند العم والخال, فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره.
وقوله {أو نسائهن} يعني تظهر بزينتها أيضاً للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة لئلا تصفهن لرجالهن. وذلك وإن كان محذوراً في جميع النساء إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه, وقد قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم «لاتباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود وقال سعيد بن منصور في سننه حدثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغازي عن عبادة بن نسي عن أبيه عن الحارث بن قيس قال: كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك فإنه من قبلك فلا يحل لامرأة تؤمن با الله واليوم الاَخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها. وقال مجاهد في قوله {أو نسائهن} قال نساؤهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن, وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة, وروى عبد الله في تفسيره عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس {أو نسائهن} قال هن المسلمات لا تبديه ليهودية و لانصرانية وهو النحر والقرط والوشاح وما لا يحل أن يراه إلا محرم.
وروى سعيد حدثنا جرير عن ليث عن مجاهد قال لاتضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن الله تعالى يقول: {أو نسائهن} فليست من نسائهن, وعن مكحول وعبادة بن نسي أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة, فأما مارواه ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو عمير حدثنا ضمرة قال: قال ابن عطاء عن أبيه قال: لما قدم أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم بيت المقدس كان قوابل نسائهن اليهوديات والنصرانيات, فهذا إن صح فمحمول على حال الضرورة أو أن ذلك من باب الامتهان, ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد, والله أعلم.
وقوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن} قال ابن جرير: يعني من نساء المشركين, فيجوز لها أن تظهر زينتها لها, وإن كانت مشركة لأنها أمتها, وإليه ذهب سعيد بن المسيب, وقال الأكثرون: بل يجوز أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء, واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى, حدثنا أبو جميع سالم بن دينار عن ثابت, عن أنس: أن النبيصلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها, قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها, وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها, فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى, قال «إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك».
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة خديج الحمصي مولى معاوية: أن عبد الله بن مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة, وأنه قد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهبه لابنته فاطمة, فربته ثم أعتقته, ثم قد كان بعد ذلك كله برز مع معاوية أيام صفين, وكان من أشد الناس على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه, وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري, عن نبهان, عن أم سلمة, ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا كان إحداكن مكاتب, وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه» ورواه أبو داود عن مسدد, عن سفيان به. وقوله تعالى: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} يعني كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء, وهم مع ذلك في عقولهم وله وحَوْب, ولا همة لهم إلى النساء ولا يشتهونهن, قال ابن عباس: هو المغفل الذي لا شهوة له.
وقال مجاهد: هو الأبله, وقال عكرمة: هو المخنث الذي لا يقوم ذكره, وكذلك قال غير واحد من السلف, وفي الصحيح من حديث الزهري عن عروة, عن عائشة, أن مخنثاً كان يدخل على أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة, فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينعت امرأة يقول: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع, وإذا أدبرت أدبرت بثمان, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم» فأخرجه, فكان بالبيداء يدخل كل يوم جمعة ليستطعم.
وروى الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا هشام بن عروة عن أبيه, عن زينب بنت أبي سلمة, عن أم سلمة أنها قالت: دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها (أخوها) مخنث, وعندها عبد الله بن أبي أمية, والمخنث يقول: يا عبد الله, إن فتح الله عليكم الطائف غداً فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان, قال: فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأم سلمة «لا يدخلن هذا عليك» أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن الزهري, عن عروة بن الزبير, عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث, وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة, فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة, فقال إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع, وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم هذا» فحجبوه, ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق عبد الرزاق به عن أم سلمة.
وقوله تعالى: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن, فإذا كان الطفل صغيراً لا يفهم ذلك: فلا بأس بدخوله على النساء, فأما إن كان مراهقاً, أو قريباً منه, بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء, فلا يمكن من الدخول على النساء, وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «إياكم والدخول على النساء» قيل: يا رسول الله, أفرأيت الحمو ؟ قال «الحمو الموت».
وقوله تعالى {ولا يضربن بأرجلهن} الاَية, كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوته, ضربت برجلها الأرض, فيعلم الرجال طنينه, فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك, وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستوراً فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن} إلى آخره ومن ذلك أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها, فقد قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن ثابت بن عمارة الحنفي, عن غنيم بن قيس, عن أبي موسى رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا» يعني زانية, قال وفي الباب عن أبي هريرة: وهذا حسن صحيح, رواه أبو داود والنسائي من حديث ثابت بن عمارة به.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير, أخبرنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله, عن عبيد مولى أبي رهم, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب ولذيلها إعصار, فقال: يا أمة الجبار جئت من المسجد ؟ قالت: نعم. قال لها: وله تطيبت ؟ قالت: نعم, قال: إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة». ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة, عن سفيان هو ابن عيينة به. وروى الترمذي أيضاً من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد, عن ميمونة بنت سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها», ومن ذلك أيضاً أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج.
قال أبو داود: حدثنا التغلبي, حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن ابن أبي اليمان عن شداد بن أبي عمرو بن حماس, عن أبيه, عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد, وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء «استأخرن فإنه ليس لكن أن تحتضنّ الطريق, عليكن بحافات الطريق» فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. وقوله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} أي افعلوا ما أمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة, فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهيا عنه, والله تعالى هو المستعان.