أحاديث عن: أعرض عنها
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
23 نتيجة — لكلمة: أعرض عنها
⭐ حسن
📂 باب ما جاء في رؤية...
عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «يجمع اللَّه الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، قال: وينزل اللَّه عز وجل في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسيّ، ثم ينادي منادٍ: أيّها الناس ألم ترضوا من ربّكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل ناس منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في الدين؟ أليس ذلك عدلا من ربّكم؟ قالوا: بلى. قال: فلينطلق كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون في الدنيا، قال: فينطلقون ويمثل لهم أشياء ما كانوا يعبدون؛ فمنهم من ينطلق إلى الشّمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان من الحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون. قال: ويُمثَّل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويُمثّل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير، ويبقى محمّد ﷺ وأمّتُه. قال: فيتمثل الرّب عز وجل فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ قال: فيقولون: إن لنا لإلهًا ما رأيناه بعدُ. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إنّ بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها؟ قال: فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك كشف عن ساق، فيخرُّ كلُّ من كان نَظَرَه، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السُّجود فلا يستطيعون وقد كان يُدعون إلى السجود وهم سالمون، ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورَهم على قدر أعمالهم فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك، ومنهم من يعطى نورًا مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نورًا أصغر من ذلك، حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ مرة، فإذا أضاء قدّم قدمه فمشى، وإذا طفئ قام. قال: والربُّ عز وجل أمامهم حتى يمر في النار فيبقى أثره كحد السيف دحض مزلّة. قال: ويقول: مُرُّوا، فيمرون على قدر نورهم منهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمرُّ كالرّيح، ومنهم من يمرُّ كشدّ الفرس، ومنهم من يمرّ كشدّ الرجل، حتى يمر الذي أعطي نوره على إبهام
قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه تخرّ يد وتعلق يد تخرّ رجل وتعلق رجل ويصيب جوانبه النّار، فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها، ثم قال: الحمد للَّه لقد أعطاني اللَّه ما لم يعط أحدًا أن نجاني منها بعد إذ رأيتها. قال: فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في الجنة من خلال الباب، فيقول: ربِّ أدخلني الجنّة. فيقول اللَّه له: أتسأل الجنة وقد نجيتك من النّار؟ فيقول: ربّ اجعل بيني وبينها حجابا. لا أسمع حسيسها. قال: فيدخل الجنة. قال: فيرى أو يرفع له منزلًا أمام ذلك كأنما هو فيه إليه حلم. فيقول: ربّ أعطني ذلك المنزل. فيقول له: فلعلّك إن أعطيتكهـ تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزّتِك لا أسألك غيره، وأيُّ منزل يكون أحسن منه؟ فيعطيه فينزله ويرى أمام ذلك منزلًا كأنما هو فيه إليه حلم، قال: رب أعطني ذلك المنزل فيقول اللَّه عز وجل له: فلعلك إن أعطيتكهـ تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه، قال: فيعطى منزله، قال: ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما هو إليه حلم، فيقول: أعطني ذلك المنزل. فيقول اللَّه ﷻ: فلعلّك إنْ أعطيُتكَهُ تسأل غيره؟ قال: لا وعزّتِك لا أسألُك غيره وأيُّ منزلٍ يكون أحسن منه. قال: فيُعطاه فينزله، ثم يسكت، فيقول اللَّه عز وجل: ما لك لا تسأل؟ فيقول: ربّ لقد سألتُك حتى استحييتك وأقسمت لك حتى استحييتك. فيقول اللَّه تعالى: ألم ترضَ أن أعطيك مثل الدّنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنت ربُّ العِزّة، فيضحك الرّبُّ عز وجل من قوله. -قال: فرأيت عبد اللَّه بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدّث هذا الحديث مرارًا كلما بلغت هذا المكان ضحكتَ؟ - فقال: إنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يحدِّثُ هذا الحديث مرارًا كلّما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضَحِك حتى تبدو أضراسه. قال: فيقول الرّبُّ عز وجل: لا ولكني على ذلك قادر سَلْ، فيقول: ألحقني بالناس، فيقول: إلحق النّاس. قال: فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من النّاس، رفع له قصر من درّة فيخر ساجدًا. فيقال له: ارفع رأسك، مالك؟ فيقول: رأيت ربّي أو تراءى لي ربّي! فيقال له: إنّما هو منزل من منازلك. قال: ثم يلقى رجلًا فيتهيأ للسجود له، فيقال له: مَهْ مالك؟ فيقول رأيت أنك ملَك من الملائكة، فيقول: إنما أنا خازن من
خزّانك، عبد من عبيدك تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه. قال: فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر قال وهو في درّة مجوفة سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها تستقبله جوهرة، جوهرة خضراء مبطنة بحمراء، كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى، في كلّ جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة، يُرى مخُّ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته وكبده مرآتها إذا أعرض عنها إعراضة ازدادتْ في عينه سبعين ضعفًا عمّا كانت قبل ذلك، وإذا أعرضتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عمّا كان قبل ذلك. فيقول لها: واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! وتقول له: وأنت واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! فيقال له: أَشْرِفْ. قال: فيُشْرِفُ، فيقال له: ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصره».
قال: فقال عمر: ألا تسمع ما يحدّثنا ابنُ أمِّ عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلًا، فكيف أعلاهم؟ فقال كعب: يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إنّ اللَّه عز وجل جعل دارًا فجعل فيها ما شاء من الأزواج والثّمرات والأشربة ثم أطبقها ثم لم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة ثم قرأ كعب: قال: وخلق دون ذلك جنتين وزينهما بما شاء وأراهما من شاء من خلقه. ثم قال: مَنْ كان كتابه في عليين نزل تلك الدّار التي لم يرها أحدٌ، حتّى إنّ الرّجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه فما تبقى خيمة من خيم الجنّة إلا دخلها من ضوء وجهه فيستبشرون بريحه فيقولون واها لهذا الريح، هذا رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكهـ فقال: ويحك يا كعب، إنّ هذه القلوب قد استرسلتْ واقبضها. فقال كعب: والذي نفسي بيده! إنّ لجهنّم يوم القيامة لزفرة ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر لركبتيه حتى إنّ إبراهيم خليل اللَّه ليقول: ربّ نفسي نفسي، حتى لو كان لك عمل سبعين نبيًّا إلى عملك لظننتَ أنّك لا تنجو.
قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه تخرّ يد وتعلق يد تخرّ رجل وتعلق رجل ويصيب جوانبه النّار، فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها، ثم قال: الحمد للَّه لقد أعطاني اللَّه ما لم يعط أحدًا أن نجاني منها بعد إذ رأيتها. قال: فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في الجنة من خلال الباب، فيقول: ربِّ أدخلني الجنّة. فيقول اللَّه له: أتسأل الجنة وقد نجيتك من النّار؟ فيقول: ربّ اجعل بيني وبينها حجابا. لا أسمع حسيسها. قال: فيدخل الجنة. قال: فيرى أو يرفع له منزلًا أمام ذلك كأنما هو فيه إليه حلم. فيقول: ربّ أعطني ذلك المنزل. فيقول له: فلعلّك إن أعطيتكهـ تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزّتِك لا أسألك غيره، وأيُّ منزل يكون أحسن منه؟ فيعطيه فينزله ويرى أمام ذلك منزلًا كأنما هو فيه إليه حلم، قال: رب أعطني ذلك المنزل فيقول اللَّه عز وجل له: فلعلك إن أعطيتكهـ تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه، قال: فيعطى منزله، قال: ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما هو إليه حلم، فيقول: أعطني ذلك المنزل. فيقول اللَّه ﷻ: فلعلّك إنْ أعطيُتكَهُ تسأل غيره؟ قال: لا وعزّتِك لا أسألُك غيره وأيُّ منزلٍ يكون أحسن منه. قال: فيُعطاه فينزله، ثم يسكت، فيقول اللَّه عز وجل: ما لك لا تسأل؟ فيقول: ربّ لقد سألتُك حتى استحييتك وأقسمت لك حتى استحييتك. فيقول اللَّه تعالى: ألم ترضَ أن أعطيك مثل الدّنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنت ربُّ العِزّة، فيضحك الرّبُّ عز وجل من قوله. -قال: فرأيت عبد اللَّه بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدّث هذا الحديث مرارًا كلما بلغت هذا المكان ضحكتَ؟ - فقال: إنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يحدِّثُ هذا الحديث مرارًا كلّما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضَحِك حتى تبدو أضراسه. قال: فيقول الرّبُّ عز وجل: لا ولكني على ذلك قادر سَلْ، فيقول: ألحقني بالناس، فيقول: إلحق النّاس. قال: فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من النّاس، رفع له قصر من درّة فيخر ساجدًا. فيقال له: ارفع رأسك، مالك؟ فيقول: رأيت ربّي أو تراءى لي ربّي! فيقال له: إنّما هو منزل من منازلك. قال: ثم يلقى رجلًا فيتهيأ للسجود له، فيقال له: مَهْ مالك؟ فيقول رأيت أنك ملَك من الملائكة، فيقول: إنما أنا خازن من
خزّانك، عبد من عبيدك تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه. قال: فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر قال وهو في درّة مجوفة سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها تستقبله جوهرة، جوهرة خضراء مبطنة بحمراء، كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى، في كلّ جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة، يُرى مخُّ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته وكبده مرآتها إذا أعرض عنها إعراضة ازدادتْ في عينه سبعين ضعفًا عمّا كانت قبل ذلك، وإذا أعرضتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عمّا كان قبل ذلك. فيقول لها: واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! وتقول له: وأنت واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! فيقال له: أَشْرِفْ. قال: فيُشْرِفُ، فيقال له: ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصره».
قال: فقال عمر: ألا تسمع ما يحدّثنا ابنُ أمِّ عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلًا، فكيف أعلاهم؟ فقال كعب: يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إنّ اللَّه عز وجل جعل دارًا فجعل فيها ما شاء من الأزواج والثّمرات والأشربة ثم أطبقها ثم لم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة ثم قرأ كعب: قال: وخلق دون ذلك جنتين وزينهما بما شاء وأراهما من شاء من خلقه. ثم قال: مَنْ كان كتابه في عليين نزل تلك الدّار التي لم يرها أحدٌ، حتّى إنّ الرّجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه فما تبقى خيمة من خيم الجنّة إلا دخلها من ضوء وجهه فيستبشرون بريحه فيقولون واها لهذا الريح، هذا رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكهـ فقال: ويحك يا كعب، إنّ هذه القلوب قد استرسلتْ واقبضها. فقال كعب: والذي نفسي بيده! إنّ لجهنّم يوم القيامة لزفرة ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر لركبتيه حتى إنّ إبراهيم خليل اللَّه ليقول: ربّ نفسي نفسي، حتى لو كان لك عمل سبعين نبيًّا إلى عملك لظننتَ أنّك لا تنجو.
حسن رواه الطبرانيّ في الكبير (٩/ ٤١٦ - ٤٢١) من طريقين: عن علي بن عبد العزيز، ثنا أبو غسان، ثنا عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدّالانيّ، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود.
📚 كتاب الإيمان
📖 اقرأ الشرح
⭐ حسن
📂 باب جامع في ذكر عدد...
عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «يجمع اللَّه الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، قال: وينزل اللَّه عز وجل في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسيّ، ثم ينادي منادٍ: أيّها الناس ألم ترضوا من ربّكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كلَّ ناس منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في الدين؟ أليس ذلك عدلا من ربّكم؟ قالوا: بلى. قال: فلينطلق كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون في الدنيا. قال:
فينطلقون، ويمثل لهم أشياء ما كانوا يعبدون؛ فمنهم من ينطلق إلى الشّمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان من الحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون. قال: ويُمثَّل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويُمثّل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير، ويبقى محمّد ﷺ وأمّتُه. قال: فيتمثل الرّب عز وجل فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ قال: فيقولون: إن لنا لإلهًا ما رأيناه بعدُ. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إنّ بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها؟ قال: فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك يكشف عن ساق، فيخرُّ كلُّ من كان بظهره طَبَق، ويبقى قوم ظهورهم كصياصيِّ البقر يريدون السُّجود فلا يستطيعون، وقد كانوا يُدعَون إلى السجود وهم سالمون، ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم، فيرفعون رؤوسهم، فيعطيهم نورَهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك، ومنهم من يعطى نورًا مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نورًا أصغر من ذلك، حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ مرة، فإذا أضاء قدّم قدمه فمشى، وإذا طفئ قام. قال: والربُّ عز وجل أمامهم حتى يمر في النار فيبقى أثره كحد السيف دحض مَزلّة. قال: ويقول: مُرُّوا، فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمرُّ كالرّيح، ومنهم من يمرُّ كشدّ الفرس، ومنهم من يمرّ كشدّ الرجل، حتى يمر الذي أعطي نوره على إبهام قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه، تخرّ يد وتعلق يد، تخرّ رجل وتعلق رجل، ويصيب جوانبه النّار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، فإذا خلص وقف عليها، ثم قال: الحمد للَّه لقد أعطاني اللَّه ما لم يعط أحدًا أن نجاني منها بعد إذ رأيتها. قال: فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة، فيغتسل، فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم، فيرى ما في الجنة من خلال الباب، فيقول: ربِّ أدخلني الجنة. فيقول اللَّه له: أتسأل الجنة وقد نجيتك من النّار؟ فيقول: رب اجعل بيني وبينها حجابا لا أسمع حسيسها. قال: فيدخل الجنة. قال: فيرى أو يرفع له منزلًا أمام ذلك كأنما هو فيه إليه حلم. فيقول: ربّ أعطني ذلك المنزل. فيقول له: فلعلّك إن أعطيتكه تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزّتِك لا أسألك غيره، وأيُّ منزل يكون أحسن منه؟ فيعطيه فينزله، ويرى أمام ذلك منزلًا كأنما هو فيه إليه حلم، قال: رب
أعطني ذلك المنزل، فيقول اللَّه عز وجل له: فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه، قال: فيعطى منزله، قال: ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما هو إليه حلم، فيقول: أعطني ذلك المنزل. فيقول اللَّه ﷻ: فلعلّك إنْ أعطيتُكَهُ تسأل غيره؟ ! قال: لا وعزّتِك لا أسألُك غيره، وأيُّ منزلٍ يكون أحسن منه؟ ! قال: فيُعطاه فينزله، ثم يسكت، فيقول اللَّه عز وجل: ما لك لا تسأل؟ فيقول: رب لقد سألتُك حتى استحييتك، وأقسمت لك حتى استحييتك. فيقول اللَّه تعالى: ألم ترضَ أن أعطيك مثل الدّنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنت ربُّ العِزّة، فيضحكُ الرّبُّ عز وجل من قوله.
قال: فرأيت عبد اللَّه بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدّث هذا الحديث مرارًا، كلما بلغت هذا المكان ضحكتَ؟ - فقال: إنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يحدِّثُ هذا الحديث مرارًا، كلّما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضَحِك حتى تبدو أضراسه.
قال: فيقول الرّبُّ عز وجل: لا، ولكني على ذلك قادر سَلْ، فيقول: ألحقني بالناس، فيقول: الحق الناس. قال: فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من النّاس، رفع له قصر من درّة فيخر ساجدًا. فيقال له: ارفع رأسك، مالك؟ فيقول: رأيت ربّي أو تراءى لي ربّي! فيقال له: إنّما هو منزل من منازلك. قال: ثم يلقى رجلًا فيتهيأ للسجود له، فيقال له: مَهْ مالك؟ فيقول: رأيت أنك ملك من الملائكة، فيقول: إنما أنا خازن من خزّانك، عبد من عبيدك، تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه. قال: فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر. قال: وهو في درّة مجوفة سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها تستقبله جوهرة، جوهرة خضراء مبطنة بحمراء، كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى، في كلّ جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة، يُرى مخُّ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادتْ في عينه سبعين ضعفًا عمّا كانت قبل ذلك، وإذا أعرضتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عمّا كان قبل ذلك. فيقول لها: واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! وتقول له: وأنت واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! فيقال له: أَشْرِفْ. قال: فيُشْرِفُ، فيقال له: ملكك مسيرة مائة
عام ينفذه بصره».
قال: فقال عمر: ألا تسمع ما يحدّثنا ابنُ أمِّ عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلًا، فكيف أعلاهم؟ فقال كعب: يا أمير المؤمنين، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إنّ اللَّه عز وجل جعل دارًا، فجعل فيها ما شاء من الأزواج والثّمرات والأشربة، ثم أطبقها، ثم لم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قرأ كعب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]
قال: وخلق دون ذلك جنتين وزينهما بما شاء، وأراهما من شاء من خلقه. ثم قال: مَنْ كان كتابه في عليين نزل تلك الدّار التي لم يرها أحدٌ، حتى إنّ الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فما تبقى خيمة من خيم الجنّة إلا دخلها من ضوء وجهه فيستبشرون بريحه، فيقولون: واهًا لهذا الريح! هذا رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكة فقال: ويحك يا كعب! إنّ هذه القلوب قد استرسلتْ واقبضها. فقال كعب: والذي نفسي بيده إنّ لجهنّم يوم القيامة لزفرة ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر لركبتيه حتى إنّ إبراهيم خليل اللَّه ليقول: رب نفسي نفسي، حتى لو كان لك عمل سبعين نبيا إلى عملك لظننتَ أنّك لا تنجو.
فينطلقون، ويمثل لهم أشياء ما كانوا يعبدون؛ فمنهم من ينطلق إلى الشّمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان من الحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون. قال: ويُمثَّل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويُمثّل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير، ويبقى محمّد ﷺ وأمّتُه. قال: فيتمثل الرّب عز وجل فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ قال: فيقولون: إن لنا لإلهًا ما رأيناه بعدُ. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إنّ بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها؟ قال: فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك يكشف عن ساق، فيخرُّ كلُّ من كان بظهره طَبَق، ويبقى قوم ظهورهم كصياصيِّ البقر يريدون السُّجود فلا يستطيعون، وقد كانوا يُدعَون إلى السجود وهم سالمون، ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم، فيرفعون رؤوسهم، فيعطيهم نورَهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك، ومنهم من يعطى نورًا مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نورًا أصغر من ذلك، حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ مرة، فإذا أضاء قدّم قدمه فمشى، وإذا طفئ قام. قال: والربُّ عز وجل أمامهم حتى يمر في النار فيبقى أثره كحد السيف دحض مَزلّة. قال: ويقول: مُرُّوا، فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمرُّ كالرّيح، ومنهم من يمرُّ كشدّ الفرس، ومنهم من يمرّ كشدّ الرجل، حتى يمر الذي أعطي نوره على إبهام قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه، تخرّ يد وتعلق يد، تخرّ رجل وتعلق رجل، ويصيب جوانبه النّار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، فإذا خلص وقف عليها، ثم قال: الحمد للَّه لقد أعطاني اللَّه ما لم يعط أحدًا أن نجاني منها بعد إذ رأيتها. قال: فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة، فيغتسل، فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم، فيرى ما في الجنة من خلال الباب، فيقول: ربِّ أدخلني الجنة. فيقول اللَّه له: أتسأل الجنة وقد نجيتك من النّار؟ فيقول: رب اجعل بيني وبينها حجابا لا أسمع حسيسها. قال: فيدخل الجنة. قال: فيرى أو يرفع له منزلًا أمام ذلك كأنما هو فيه إليه حلم. فيقول: ربّ أعطني ذلك المنزل. فيقول له: فلعلّك إن أعطيتكه تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزّتِك لا أسألك غيره، وأيُّ منزل يكون أحسن منه؟ فيعطيه فينزله، ويرى أمام ذلك منزلًا كأنما هو فيه إليه حلم، قال: رب
أعطني ذلك المنزل، فيقول اللَّه عز وجل له: فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه، قال: فيعطى منزله، قال: ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما هو إليه حلم، فيقول: أعطني ذلك المنزل. فيقول اللَّه ﷻ: فلعلّك إنْ أعطيتُكَهُ تسأل غيره؟ ! قال: لا وعزّتِك لا أسألُك غيره، وأيُّ منزلٍ يكون أحسن منه؟ ! قال: فيُعطاه فينزله، ثم يسكت، فيقول اللَّه عز وجل: ما لك لا تسأل؟ فيقول: رب لقد سألتُك حتى استحييتك، وأقسمت لك حتى استحييتك. فيقول اللَّه تعالى: ألم ترضَ أن أعطيك مثل الدّنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنت ربُّ العِزّة، فيضحكُ الرّبُّ عز وجل من قوله.
قال: فرأيت عبد اللَّه بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدّث هذا الحديث مرارًا، كلما بلغت هذا المكان ضحكتَ؟ - فقال: إنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يحدِّثُ هذا الحديث مرارًا، كلّما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضَحِك حتى تبدو أضراسه.
قال: فيقول الرّبُّ عز وجل: لا، ولكني على ذلك قادر سَلْ، فيقول: ألحقني بالناس، فيقول: الحق الناس. قال: فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من النّاس، رفع له قصر من درّة فيخر ساجدًا. فيقال له: ارفع رأسك، مالك؟ فيقول: رأيت ربّي أو تراءى لي ربّي! فيقال له: إنّما هو منزل من منازلك. قال: ثم يلقى رجلًا فيتهيأ للسجود له، فيقال له: مَهْ مالك؟ فيقول: رأيت أنك ملك من الملائكة، فيقول: إنما أنا خازن من خزّانك، عبد من عبيدك، تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه. قال: فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر. قال: وهو في درّة مجوفة سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها تستقبله جوهرة، جوهرة خضراء مبطنة بحمراء، كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى، في كلّ جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة، يُرى مخُّ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادتْ في عينه سبعين ضعفًا عمّا كانت قبل ذلك، وإذا أعرضتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عمّا كان قبل ذلك. فيقول لها: واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! وتقول له: وأنت واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! فيقال له: أَشْرِفْ. قال: فيُشْرِفُ، فيقال له: ملكك مسيرة مائة
عام ينفذه بصره».
قال: فقال عمر: ألا تسمع ما يحدّثنا ابنُ أمِّ عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلًا، فكيف أعلاهم؟ فقال كعب: يا أمير المؤمنين، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إنّ اللَّه عز وجل جعل دارًا، فجعل فيها ما شاء من الأزواج والثّمرات والأشربة، ثم أطبقها، ثم لم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قرأ كعب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]
قال: وخلق دون ذلك جنتين وزينهما بما شاء، وأراهما من شاء من خلقه. ثم قال: مَنْ كان كتابه في عليين نزل تلك الدّار التي لم يرها أحدٌ، حتى إنّ الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فما تبقى خيمة من خيم الجنّة إلا دخلها من ضوء وجهه فيستبشرون بريحه، فيقولون: واهًا لهذا الريح! هذا رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكة فقال: ويحك يا كعب! إنّ هذه القلوب قد استرسلتْ واقبضها. فقال كعب: والذي نفسي بيده إنّ لجهنّم يوم القيامة لزفرة ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر لركبتيه حتى إنّ إبراهيم خليل اللَّه ليقول: رب نفسي نفسي، حتى لو كان لك عمل سبعين نبيا إلى عملك لظننتَ أنّك لا تنجو.
حسن رواه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢٧٨)، وعبد اللَّه بن أحمد في السنة (١٢٠٣)، والطبرانيّ في الكبير (٩/ ٤١٦ - ٤٢١)، والدارقطني في الرؤية (١٦١)، وابن مندة في التوحيد (٥٣١)، وصحّحه الحاكم (٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢) من طريقين عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
📚 كتاب صفة القيامة، وأهوالها
📖 اقرأ الشرح
يَجمَعُ اللهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ لِميقاتِ يَومٍ مَعلومٍ قيامًا أربَعينَ سَنةً شاخِصةً أبصارُهم يَنتَظِرونَ فَصلَ القَضاءِ. قالَ: ويَنزِلُ اللهُ عزَّ وجلَّ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العَرشِ إلى الكُرسيِّ، ثم يُنادي مُنادٍ: أيُّها الناسُ: ألم تَرضَوْا مِن رَبِّكمُ الذي خَلَقَكم ورَزَقَكم، وأمَرَكم أنْ تَعبُدوه ولا تُشرِكوا به شَيئًا أنْ يُوَلِّيَ كُلَّ إنسانٍ مِنكم ما كانوا يَعبُدونَ في الدُّنيا؟ أليس ذلك عَدلًا مِن رَبِّكم؟ قالوا: بلى. فيَنطَلِقُ كُلُّ قَومٍ إلى ما كانوا يَعبُدونَ ويَتَوَلَّونَ في الدُّنيا. قالَ: فيَنطَلِقونَ ويُمَثَّلُ لهم أشباهُ ما كانوا يَعبُدونَ؛ فمِنهم مَن يَنطَلِقُ إلى الشَّمسِ، ومنهم مَن يَنطَلِقُ إلى القَمَرِ والأوثانِ مِنَ الحِجارةِ، وأشباهِ ما كانوا يَعبُدونَ. قالَ: ويُمَثَّلُ لِمَن كانَ يَعبُدُ عيسى شَيطانُ عيسى، ويُمَثَّلُ لِمَن كانَ يَعبُدُ عُزَيرًا شَيطانُ عُزَيرٍ، ويَبقى مُحمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأُمَّتُه، قالَ: فيَتَمَثَّلُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى فيَأتيهم فيَقولُ: ما لكم لا تَنطَلِقونَ كما انطَلَقَ النَّاسُ؟ قالَ: فيَقولونَ: إنَّ لنا إلهًا ما رَأيناه. فيَقولُ: هل تَعرِفونَه إنْ رأيتُموه؟ فيَقولونَ: إنَّ بَينَنا وبَينَه علامةً إذا رَأيناها عَرَفْناه. قالَ: فيَقولُ: ما هي؟ فيَقولونَ: يَكشِفُ عن ساقِه. فعِندَ ذلك يَكشِفُ عن ساقِه، فيَخِرُّ كُلُّ مَن كانَ مُشرِكًا يُرائي لِظَهرِه، ويَبقى قَومٌ ظُهورُهم كصَياصي البَقَرِ يُريدونَ السُّجودَ فلا يَستَطيعونَ، وقد كانوا يُدعَونَ إلى السُّجودِ وهم سالِمونَ، ثم يَقولُ: ارفَعوا رُؤوسَكم. فيَرفَعونَ رُؤوسَهم فيُعطيهم نُورَهم على قَدرِ أعمالِهم؛ فمِنهم مَن يُعطى نُورَه مِثلَ الجَبَلِ العَظيمِ يَسعى بَينَ أيديهم، ومنهم مَن يُعطَى نُورَه أصغَرَ مِن ذلك، ومنهم مَن يُعطى مِثلَ النَّخلةِ بيَدِه، ومِنهم مَن يُعطى أصغَرَ مِن ذلك حتى يَكونَ آخِرُهم يُعطَى نُورَه على إبهامِ قَدَمِه يُضيءُ مَرَّةً ويُطفَأُ مَرَّةً، فإذا أضاءَ قَدَمَه قَدَّمَ، وإذا أُطفِئَ قامَ. قالَ: والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى أمامَهم حتى يَمُرَّ بهم إلى النارِ، فيَبقى أثَرُه كحَدِّ السَّيفِ. قالَ: فيَقولُ: مُرُّوا. فيَمُرُّونَ على قَدرِ نُورِهم، مِنهم مَن يَمُرُّ كطَرفةِ العَينِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالبَرقِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالسَّحابِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كانقِضاضِ الكَواكِبِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالرِّيحِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كشَدِّ الفَرَسِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كشَدِّ الرَّجُلِ، حتى يَمُرَّ الذي يُعطَى نُورَه على ظَهرِ قَدَمَيْه يَحبو على وَجهِه ويَدَيْه ورِجلَيْه، تُجَرُّ يَدٌ، وتَعلَقُ يَدٌ، وتُجَرُّ رِجْلٌ وتَعلَقُ رِجلٌ، وتُصيبُ جَوانِبَه النارُ، فلا يَزالُ كذلك حتى يَخلُصَ، فإذا خَلُصَ وَقَفَ عليها فقالَ: الحَمدُ للهِ الذي أعطاني ما لم يُعطِ أحَدًا، إذْ أنجاني منها بَعدَ إذْ رَأيتُها. قالَ: فيُنطَلَقُ به إلى غَديرٍ عِندَ بابِ الجَنَّةِ فيَغتَسِلُ فيَعودُ إليه رِيحُ أهلِ الجَنَّةِ وألوانُهم، فيَرى ما في الجَنَّةِ مِن خُلَلِ البابِ فيَقولُ: رَبِّ أدخِلْني الجَنَّةَ. فيَقولُ اللهُ: أتَسألُ الجَنَّةَ وقد نَجَّيتُكَ مِنَ النارِ؟ فيَقولُ: رَبِّ اجعَلْ بَيني وبَينَها حِجابًا حتى لا أسمَعَ حَسيسَها. قالَ: فيَدخُلُ الجَنَّةَ، ويَرى، أو يُرفَعُ له مَنزِلٌ أمامَ ذلك، كأنَّ ما هو فيه بالنسبةِ إليه حُلمٌ، فيَقولُ: يا رَبِّ أعطِني ذلكَ المَنزِلَ. فيَقولُ لَعلَّكَ إنْ أُعطيتَه تَسألُ غَيرَه؟ فيَقولُ: لا وعِزَّتِكَ لا أسألُ غَيرَه، وأيُّ مَنزِلٍ أحسَنُ منه؟! فيُعطاهُ فيَنزِلُه، ويَرى أمامَ ذلك مَنزِلًا كأنَّ ما هو فيه بالنِّسبةِ إليه حُلمٌ، قالَ: رَبِّ أعطِني ذلكَ المَنزِلَ. فيَقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى له: لَعَلَّكَ إنْ أُعطيتَه تَسألُ غَيرَه؟ فيَقولُ: لا وعِزَّتِكَ ، وأيُّ مَنزِلٍ أحسَنُ منه؟! فيُعطاهُ، فيَنزِلُه ثم يَسكُتُ، فيَقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُه: ما لكَ لا تَسألُ؟ فيَقولُ: رَبِّ قد سألتُكَ حتى استَحيَيتُكَ. فيَقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُه: ألم تَرضَ أنْ أُعطيَكَ مِثلَ الدُّنيا مُنذُ خَلَقتُها إلى يَومِ أفنَيتُها وعَشَرةَ أضعافِه؟ فيَقولُ: أتَهزَأُ بي وأنتَ رَبُّ العِزَّةِ؟ قال: فيَقولُ الرَّبُّ جلَّ ذِكرُه: لا، ولكِنِّي على ذلك قادِرٌ. فيَقولُ: ألحِقْني بالناسِ. فيَقولُ: الحَقْ بالناسِ. قالَ: فيَنطَلِقُ يَرمُلُ في الجَنَّةِ، حتى إذا دَنا مِنَ الناسِ رُفِعَ له قَصرٌ مِن دُرَّةٍ، فيَخِرُّ ساجِدًا، فيَقولُ له: ارفَعْ رَأسَكَ، ما لكَ؟ فيَقولُ: رأيتُ رَبِّي. أو تَراءَى لي رَبِّي. فيُقالُ: إنَّما هو مَنزِلٌ مِن مَنازِلِكَ. قال: ثم يأتي رَجُلًا فيَتَهيَّأُ لِلسُّجودِ له، فيُقالُ له: مَهْ؟ فيَقولُ: رَأيتُ أنَّكَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكةِ. فيَقولُ: إنَّما أنا خازِنٌ مِن خُزَّانِكَ وعَبدٌ مِن عَبيدِكَ تَحتَ يَدي ألْفُ قَهرَمانٍ على ما أنا عليه. قالَ: فيَنطَلِقُ أمامَه حتى يَفتَحَ له بابَ القَصرِ. قالَ: وهو مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفةٍ، سَقائِفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومَفاتيحُها منها يَستَقبِلُه جَوهَرةٌ خَضراءُ مُبَطَّنةٌ بحَمراءَ، فيها سَبعونَ بابًا، كُلُّ بابٍ يُفضي إلى جَوهَرةٍ خَضراءَ مُبَطَّنةٍ، كُلُّ جَوهَرةٍ تُفضي إلى جَوهَرةٍ على غَيرِ لَونِ الأُخرى، في كُلِّ جَوهَرةٍ سُرُرٌ وأزواجٌ ووَصائِفُ، أدناهُنَّ حَوْراءُ عَيناءُ، عليها سَبعونَ حُلَّةً ، يُرى مُخُّ ساقِها مِن وَراءِ حُلَلِها، كَبِدُها مِرآتُه، وكَبِدُه مِرْآتُها، إذا أعرَضَ عنها إعراضةً ازدادَتْ في عَينِه سَبعينَ ضِعفًا عمَّا كانت قَبلَ ذلك، فيَقولُ لها: واللهِ لقدِ ازدَدتِ في عَيني سَبعينَ ضِعفًا، وتَقولُ له: وأنتَ لقدِ ازدَدتَ في عَيني سَبعينَ ضِعفًا، فيُقالُ له: أشرِفْ، فيُشرِفُ، فيُقالُ له: مُلكُكَ مَسيرةُ مِئةِ عامٍ، يَنفُذُه بَصَرُكَ. قالَ: فقال له عُمَرُ: ألَا تَسمَعُ ما يُحَدِّثُنا ابنُ أُمِّ عَبدٍ يا كَعبُ عن أدْنى أهلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا؟ فكيف أعلاهم؟ قالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، ما لا عَينٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ
يجمعُ اللهُ الأولينَ والآخرينَ لميقاتِ يومٍ معلومٍ قيامًا أربعينَ سنةً شاخصةً أبصارُهم ينتظرونَ فصلَ القضاءِ ، وينزلُ اللهُ في ظللٍ منَ الغمامِ منَ العرشِ إلى الكرسيِّ ثم يُنادي مُنادٍ : يا أيُّها الناسُ ألم تَرضوا من ربِّكمُ الذي خلقَكُم وصورَكُم ورزقَكُم وأمرَكم أن تَعبدوهُ ولا تُشركوا به شيئًا أن يواليَ كلَّ إنسانٍ منكمْ ما كان يعبدُ في الدُّنيا ويَتولى ؟ أليسَ ذلك عدلٌ من ربٍّكم ؟ قالوا : بلى . قال : فينطلقُ كلُّ إنسانٍ منكمْ إلى ما كان يَتولى في الدُّنيا ويتمثلُ لهم ما كانوا يعبدونَ ، فمنهم من ينطلقُ إلى الشمسِ ومنهم من ينطلقُ إلى القمرِ والأوثانِ منَ الحجارةِ وأشباهِ ما كانوا يعبدونَ ، ويمثلُ لمن كان يعبدُ عيسى شيطانُ عيسى ، ويمثلُ لمن كان يعبدُ عزيرًا شيطانُ عزيرٍ حتى يمثلَ الشجرُ والعودُ والحجرُ ويَبقى أهلُ الإسلامِ جُثومًا ، فيمتثلَ لهم الربُّ تعالى فيأتيَهُمْ فيقولُ : ما لكمْ لم تَنطلقوا كما انطلقَ الناسُ ؟ فيقولونَ : إنَّ لنا ربًّا ما رأيناهُ بعدُ ، فيقولُ : فهل تعرفونَ ربَّكم إن رأيتُموهُ ؟ قالوا : بينَنا وبينَهُ علامةٌ إذا رأيناها عرفناهُ . قال : وما هي ؟ قال : فيكشفُ عن ساقٍ . قال : فيَحْنى كلُّ من كان لظهرٍ طبقَ ساجدًا ويَبقى قومٌ ظهورُهم كصَياصي البقرِ يريدونَ السجودَ فلا يستطيعونَ ، ثم يؤمرونَ فيرفعونَ رؤوسَهمْ فيُعطونَ نورَهمْ على قدرِ أعمالِهم ، فمنهم من يُعطى نورَهُ على قدرِ جبلٍ بينَ يديْهِ ، ومنهم من يُعطى نورَهُ دونَ ذلك ، ومنهم من يُعطى نورَهُ مثلَ النخلةِ بيمينِهِ ومنهم من يُعطى دونَ ذلك حتى يكونَ آخرُ ذلك يُعطى نورَهُ على إبهامِ قدمِهِ يُضيءُ مرةً ويطفئُ مرةً فإذا أضاءَ قدَّمَ قدمَهُ وإذا طُفِئَ قام ، فيمرُّونَ الصراطَ ، والصراطُ كحدِّ السيفِ دحضٌ مزلَّةٌ فيقالُ : انجوا على قدرِ نورِكمْ ، فمنهم من يمرُّ كانقضاضِ الكوكبِ ومنهم من يمرُّ كالطرفِ ومنهم من يمرُّ كالريحِ ومنهم من يمرُّ كشدِّ الرجلِ ويرملُ رملًا ، فيمرونَ على قدرِ أعمالِهم حتى يمرَّ الذي نورُهُ على قدرِ إبهامِ قدمِهِ فيَحبو على وجهِهِ ويديْهِ ورجليْهِ يجرُّ يدًا ويعلقُ يدًا ويجرُّ رجلًا ويعلقُ رجلًا فتُصيبُ جوانبَهُ النارُ فلا يزالُ كذلك حتى يخلصَ فإذا خلصَ قال : الحمدُ للهِ الذي نَجاني مِنكَ فقد أَعطاني اللهِ ما لم يعطِ أحدًا ، وينطلقُ به إلى غديرٍ عِندَ بابِ الجنةِ فيغسلُ فيعودُ إليه ريحُ أهلِ الجنةِ وألوانُهم فيرى من في الجنةِ من ذلك البابِ ، فيقولُ : ربِّ اجعلْ بَيني وبينَهم حجابًا لا أسمعُ حَسيسَها فيدخلُ الجنةَ ويرفعُ له منزلٌ أمامَ ذلك ، فيقولُ : ربِّ أعطِني ذلك المنزلَ فيقولُ اللهُ له : فلعلَّكَ إن أعطيتُكهُ أن تسألَني غيرَهُ ، فيقولُ : لا وعزتِكَ يا ربِّ ، فيقولُ : وأيُّ منزلٍ يكونُ أحسنَ منه ، فيعطى ويسكتُ ، فيقولُ اللهُ : مالكَ لا تسألُ ؟ فيقولُ : يا ربِّ قد سألْتُكَ حتى استحييْتُ وأقسمْتُ حتى استحييْتُ ، فيقولُ اللهُ : ألمْ ترضَ إن أعطيْتُكَ مثلَ الدُّنيا منذُ خلقْتُها إلى يومِ القيامةِ وعشرةَ أضعافِها ، فيقولُ : أتهزأُ بي وأنتَ ربُّ العزةِ ؟ فيضحكُ الربُّ تعالى من قولِهِ ، فيقولُ : لا ولكني على ذلك قادرٌ ، سلْ ، فيقولُ : ألحقْني بالناسِ ، فيقولُ : الحقْ بالناسِ ، فينطلقُ يرملُ في الجنةِ حتى إذا دنا منَ الناسِ ترفعُ له قصرٌ من دُرةٍ مجوفةٍ فيخرُّ ساجدًا ، فيقال : ارفعْ رأسَكَ مالك ؟ فيقولُ : رأيْتُ ربِّي ، فيقالُ : إنَّما هذا منزلٌ من منازلِكَ ، فينطلقُ فيستقبلُهُ رجلٌ فيقولُ : أنتَ ملكٌ ؟ فيقولُ : إنَّما أنا خازنٌ من خزنتِكَ وعبدٌ من عبيدِكَ تحتَ يدي ألفُ قهرمانٍ على مثلِ ما أنا عليْهِ ، فينطلقُ أمامَهُ فيفتحُ له القصرَ وهو من دُرةٍ مجوفةٍ سقائفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومفاتيحُها منها ، وتستقبلُهُ جوهرةٌ خضراءُ مبطنةٌ بحمراءَ سبعونَ ذراعًا فيها ستونَ بابًا كلُّ بابٍ يفضي إلى جوهرةٍ واحدةٍ على غيرِ لونِ الأُخرى ، في كلِّ جوهرةٍ سُررٍ وأزواجٍ ووصائفٍ ، فيدخلُ فإذا هو بحوراءَ عيناءَ عليْها سبعونَ حلةً يًرى مخُّ ساقِها من وراءِ حُللِها ، كبدُها مِرآتُهُ وكبدُهُ مرآتُها إذا أعرضَ عنها إعراضةً ازدادَتْ في عينِهِ سبعينَ ضعفًا عما كانَتْ قبلَهُ ، فيقولُ : لقد ازددْتِ في عَيني سبعينَ ضِعفًا ، وتقولُ له مثلُ ذلك فيقالُ له : أشرفْ فيُشرفُ فيقالُ له : ملكُ مسيرةُ مائةِ عامٍ يَنفذُهُ بصرُكَ ، فقال عمرُ عِندَ ذلك : يا كعبُ ألا تسمعُ إلى ما يحدثُنا ابنُ أمِّ عبدٍ عن أدنى أهلُ الجنةِ منزلةً ؟ فكيفَ أعلاهُمْ ؟ قال : يا أميرَ المؤمنينَ ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعَتْ . إنَّ اللهَ خلقَ دارًا يجعلُ فيها ما شاء منَ الأزواجِ والثمراتِ والأشربةِ ثم أطبقَ فلم يرها أحدٌ من خلقِهِ لا جبريلُ ولا غيرُهُ منَ الملائكةِ ، ثم قرأَ كعبُ : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] وخلقَ دونَ ذلك جنتيْنِ وزينَهُما بما شاءَ وجعلَ فيها ما ذكرَ منَ الحريرِ والسندسِ والإستبرقِ وأراهُما من شاءَ من خلقِهِ منَ الملائكةِ ، فمن كان كتابُهُ في عليينَ نزلَ في تلك الدارِ التي لم يرَها أحدٌ حتى إن الرجلَ من أهلِ عليينَ ليخرجُ فيسيرُ في ملكِهِ فلا يَبقى خيمةٌ من خِيمِ الجنةِ إلا دخلَها من ضوءِ وجهِهِ حتى إنَّهُم يستنشقونَ ريحَهُ ويقولونَ : واهًا لهذه الريحِ الطيبةِ ، لقد أشرفَ اليومَ عليْنا رجلٌ من عليينَ ، فقال عمرُ : ويحكَ يا كعبُ إنَّ هذه القلوبَ قد استرسلَتْ فاقبضْها . فقال كعبٌ : يا أميرَ المؤمنينَ إنَّ لجهنمَ زفرةً ما من ملكٍ مقربٍ ولا نبيٍّ مرسلٍ إلا يخرُّ لركبَتيْهِ حتى يقولَ إبراهيمُ الخليلُ : نَفسي نَفسي ، وحتى لو كان لكَ عملُ سبعينَ نبيًّا إلى عملِكَ لظننْتَ أنَّكَ لا تَنجو مِنها
يَجمَعُ اللهُ النَّاسَ يَومَ القيامةِ فيُنادي مُنادٍ: يا أيُّها النَّاسُ، ألمْ تَرضَوا مِن ربِّكم الَّذي خَلَقَكم وصَوَّركم ورزَقَكم أنْ يُولِيَ كلَّ إنسانٍ ما كان يَعبُدُ في الدُّنيا ويَتولَّى؟ أليْس ذلكَ عدْلٌ مِن ربِّكم؟ قالوا: بَلى، قال: فيَنطلِقُ كلُّ إنسانٍ منكمْ إلى ما كان يَتولَّى في الدُّنيا، ويُمثَّلُ لهمْ ما كانوا يَعبُدون في الدُّنيا، وقال: يُمثَّل لمَن كان يَعبُدُ عِيسى شَيطانُ عِيسى، ويُمثَّلُ لمَن كان يَعبُدُ عُزيرًا شَيطانُ عُزَيرٍ، حتَّى يُمثَّلَ لهم الشَّجرُ والعُودُ والحَجرُ، ويَبْقى أهلُ الإسلامِ جُثومًا، فيَقولُ لهم: ما لكمْ لا تَنطلِقون كما انطلَقَ النَّاسُ؟ فيَقولون: إنَّ لنا ربًّا ما رَأيْناه بعْدُ، قال: فيَقولُ: فبِمَ تَعرفِون ربَّكم إنْ رَأيْتُموه؟ قالوا: بيْننا وبيْنه عَلامةٌ إنْ رَأيْناه عَرَفْناه، قال: وما هي؟ قالوا: فيُكشَفُ عن ساقٍ، قال: فيَحْني كلُّ مَن كان لِظَهْرٍ طبَقَ ساجدًا، ويَبْقى قومٌ ظُهورُهم كصَياصِي بَقرٍ، يُريدون السُّجودَ فلا يَستطِيعون، قال: ثمَّ يُؤمَرون فيَرفَعون رُؤوسَهم، فيُعطَون نُورَهم على قدْرِ أعمالِهم؛ فمنْهم مَن يُعطَى نُورَه مِثلَ الجبَلِ بيْن يَدَيه، ومنْهم مَن يُعطَى نُورَه دونَ ذلكَ، ومنْهم مَن يُعطَى نُورَه مِثلَ النَّخلةِ بيَمينِه، ومنْهم مَن يُعطى دونَ ذلكَ، حتَّى يكونَ آخِرُ ذلكَ يُعطَى نُورَه على إبهامِ قَدَمِه، يُضِيءُ مرَّةً ويُطفِئُ مرَّةً، فإذا أضاء قدَّمَ قَدَمَه، وإذا طُفِئَ قامَ، فيَمُرُّون على الصِّراطِ، والصِّراطُ كحَدِّ السَّيفِ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، قال: فيُقالُ: انْجُوا على قدْرِ نُورِكم؛ فمنْهم مَن يَمُرُّ كانقضاضِ الكوْكبِ، ومنْهم مَن يَمُرُّ كالرِّيحِ، ومنْهم مَن يَمُرُّ كشَدِّ الرَّجلِ ويَرمُلُ رَمَلًا، فيَمُرُّون على قدْرِ أعمالِهِم، حتَّى يَمُرَّ الَّذي نُورُه على إبهامِ قَدَمهِ يَجُرُّ يدًا ويُعلِّقً يدًا، ويَجُرُّ رِجلًا ويُعلِّقُ رِجلًا، فتُصيبُ جَوانبَه النَّارَ، قال: فيَخلُصون، فإذا خَلَصوا، قالوا: الحمدُ للهِ الَّذي نجَّانا منكِ بعْدَ إذ رَأيْناكِ؛ فقدْ أعْطانا اللهُ ما لم يُعطِ أحدًا، فيَنطلِقون إلى ضَحضاحٍ عندَ بابِ الجنَّةِ، وهو مُصْفَقٌ مَنزلًا في أدْنى الجنَّةِ، فيَقولُون: ربَّنا أعْطِنا ذلكَ المنزِلَ، قال: فيَقولُ لهم: تَسْألوني الجنَّةَ وهو مُصْفَقٌ، وقدْ أنْجَيْتُكم مِنَ النَّارِ، هذا البابُ لا يَسْمَعون حَسِيسَها، فيَقولُ لهم: لعلَّكم إنْ أُعطِيتُموه أنْ تَسألوني غيْرَه، قال: فيَقولُ: لا وعِزَّتِكَ لا نَسألُكَ غيْرَه، وأيُّ مَنزِلٍ يكونُ أحسَنَ منه؟ قال: فيُعطُوه ثمَّ يَسكُتون، قال: فيُقالُ لهم: ما لكمْ لا تَسأَلون؟ فيَقولُون: ربَّنا قدْ سَألْنا حتَّى استَحْيَينا، قال: فيَقولُ لهم: ألمْ تَرضَوا أنِّي أعطَيْتُكم مِثلَ الدنُّيا منذُ يومِ خَلقْتُها إلى يومِ أفْنَيْتُها، وعَشَرةَ أضعافِها؟ قال: قال مَسروقٌ: فما بلَغَ عبدُ اللهِ هذا المكانَ مِنَ الحديثِ إلَّا ضَحِك، قال: فقال له رجُلٌ: يا أبا عبْدَ الرَّحمنِ، لَقدْ حدَّثْتَ بهذا الحديثِ مِرارًا، فما بلَغْتَ هذا المكانَ مِن هذا الحديثِ إلَّا ضَحِكتَ، قال: فقال عبْدُ اللهِ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحدِّثُ بهذا الحديثِ مِرارًا، فما بلَغَ هذا المكانَ مِن هذا الحديثِ إلَّا ضَحِك حتَّى تَبْدوَ لَهواتُه ويَبدُوَ آخِرُ ضَرسٍ مِن أضراسِه؛ لقولِ إنسانٍ قال: [أتَهزَأُ بي وأنتَ الملِكُ؟! قال:] فيَقولُ الرَّبُّ تَبارَك وتعالَى: لا، ولكنِّي على ذلكَ قادرٌ، فسَلُوني، قال: فيَقولُون: ربَّنا ألْحِقْنا بالنَّاسِ [فيَقولُ لهم: الْحَقُوا بالنَّاسِ]، قال: فيَنطلِقون يَرمُلون في الجنَّةِ، حتَّى يَبدُوَ للرَّجلِ منْهم قصْرٌ مِن دُرَّةٍ مُجوَّفةٍ، قال: فيَخِرُّ ساجدًا، قال: فيُقالُ له: ارفَعْ رأْسَكَ، فيَرفَعُ رأْسَه، فيُقالُ: إنَّما هذا مَنزِلٌ مِن مَنازلِكَ، قال: فيَنطلِقُ فيَستقبِلُه رجُلٌ، فيَقولُ: أنتَ مَلَكٌ أو مَلِكٌ؟ فيُقالُ: إنَّما ذلكَ قَهْرمانٌ مِن قَهارِمتِك على هذا القصْرِ، تحْتَ يَدِي ألْفُ قَهْرمانٍ، كلُّهم على ما أنا عليهِ، قال: فيَنطلِقُ به عِندَ ذلكَ حتَّى يَفتَحَ القصْرَ، وهو دُرَّةٌ مُجوَّفةٌ؛ سَقايفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومَفاتيحُها منها، فيَفتَحُ له القصْرُ، فيَستقبِلُه جَوهرةٌ خَضْراءُ مُبطَّنةٌ بحَمْراءَ سَبْعون ذِراعًا فيها، فيها سِتُّونَ بابًا، كلُّ بابٍ يُفْضي إلى جَوهرةٍ واحدةٍ على غيرِ لَونِ صاحبتِها، في كلِّ جَوهرةٍ سُرَرٌ وأزواجٌ وتَصاريفُ -أو قال: ووَصائفُ- قال: فيَدخُلُ، فإذا هو بحَوْراءَ عَيْناءَ، عليها سَبعونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ ساقِها مِن وَراءِ حُلَلِها، كَبِدُها مِرآتُه، وكَبِدُه مِرآتُها، إذا أعرَضَ عنها إعراضةً ازدادتْ في عَينِه سَبعينَ ضِعفًا عمَّا كان قبْلَ ذلكَ، فيَقولُ: لَقدِ ازددْتِ في عَيْني سَبعينَ ضِعفًا، وتقولُ له مِثلَ ذلك، قال: فيُشرِفُ ببَصرِه على مُلكِه مَسيرةَ مائةِ عامٍ. قال: فقالَ عُمرُ عندَ ذلكَ: يا كَعبُ، ألَا تَسمَعُ إلى ما يُحدِّثُنا ابنُ أُمِّ عبْدٍ عن أدْنى أهلِ الجنَّةِ ما له؟ فكيْف بأعْلاهم؟! قال: يا أميرَ المُؤمنينَ، ما لا عَينٌ رأَتْ، ولا أُذنٌ سَمِعتْ؛ إنَّ اللهَ كان فوْقَ العرشِ والماءِ، فخَلَق لِنفسِه دارًا بيَدِه، فزيَّنَها بما شاء، وجعَلَ فيها مِنَ الثَّمراتِ والشَّرابِ، ثمَّ أطْبَقَها، فلم يَرَها أحدٌ مِن خَلقِه منذُ يومِ خَلَقَها؛ لا جِبريلُ ولا غيرُه مِنَ الملائكةِ، ثمَّ قرَأَ كَعبٌ {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]، وخلَقَ دونَ ذلكَ جنَّتَينِ، فزيَّنَهما بما شاء، وجعَلَ فيهما ما ذَكَر مِنَ الحريرِ والسُّندسِ والإسْتَبرقِ، وأَراهما مَن شاء مِن خَلقِه مِنَ الملائكةِ، فمَن كان كِتابُه في عِلِّيِّينَ يَرى في تلكَ الدَّارِ، فإذا ركِبَ الرَّجلُ مِن أهلِ عِلِّيِّين في مِلكِه بيْن خَيمةٍ مِن خِيامِ الجنَّةِ إلَّا دَخَلَها مِن ضَوءِ وَجْهِه، حتَّى إنَّهم يَسْتنشِقون رِيحَه ويَقولونَ: واهًا لهذهِ الرِّيحِ الطَّيِّبةِ! ويَقولون: لَقدْ أشرَفَ علينا اليومَ رجُلٌ مِن أهلِ عِلِّيِّينَ. فقال عمرُ: وَيْحَكَ يا كَعبُ! إنَّ هذه القلوبَ قدِ اسْتَرْسَلَت فاقْبِضْها، فقال كَعبٌ: يا أميرَ المُؤمنينَ، إنَّ لِجَهنَّمَ زَفرةً ما مِن مَلَكٍ مُقرَّبٍ ولا نَبيٍّ إلَّا يَخِرُّ لِرُكبَتَيه حتَّى يَقولَ إبراهيمُ خَليلُ اللهِ: رَبِّ نفْسي نفْسي، وحتَّى لوْ كان لكَ عمَلُ سَبعينَ نبيًّا إلى عَملِكَ لَظنَنْتَ ألَّا [تَنجُوَ] منها
يَجْمَعُ اللهُ الأولِينَ والآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلومٍ قِيامًا أربعينَ سَنَةً ، شَاخِصَةً أَبْصارُهُمْ إلى السَّماءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضَاءِ قال : ويَنْزِلُ اللهُ عزَّ وجلَّ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العرشِ إلى الكُرْسِيِّ ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ أيُّها الناسُ أَلْم تَرْضَوْا من رَبِّكُمُ الذي خلقَكُمْ ورَزَقَكُمْ وأمرَكُمْ أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بهِ شيئًا أنْ يُوَلِّيَ كلَّ أناسٍ مِنكمْ ما كانُوا يتولونَ ويعبدونَ في الدنيا ، أَليسَ ذلكَ عَدْلا من رَبِّكُمْ ؟ قالوا : بلى ، فَيَنْطَلِقُ كلُّ قومٍ إلى ما كانُوا يعبدونَ ويَتَوَلَّوْنَ في الدنيا ، قال : فَيَنْطَلِقُونَ ، ويمثلُ لهُمْ أَشْباهُ ما كَانُوا يَعْبُدُونَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إلى الشمسِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إلى القمرِ ، والأوْثَانِ مِنَ الحِجَارَةِ وأشْباهِ ما كَانُوا يَعْبُدونَ ، قال : ويمثلُ لِمَنْ كان يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى ، ويمثلُ لِمَنْ كان يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ ، ويَبْقَى محمدٌ وأُمَّتُهُ ، قال : فيتمثلُ الربُّ تباركَ وتعالى ، فَيأتيهِمُ فيقولُ : ما لَكُمْ لا تَنْطَلِقُونَ كما انطلقَ الناسُ ؟ قال : فَيقولونَ : إِنَّ لَنا إِلَهًا ما رَأَيْناهُ ( بَعْدُ ( فيقولُ : هل تَعْرِفُونَهُ إنْ رأيتُمُوهُ ؟ فَيقولونَ : إنَّ بينَنا وبينَهُ عَلامَةٌ إذا رأيناهُ ، عرفناهُ ، قال فيقولُ : ماهيَ ؟ فَيقولونَ : يَكْشِفُ عن ساقِهِ ، ( قال : ( فعندَ ذلكَ يَكْشِفُ عن ساقِهِ ، فَيَخِرُّ كلُّ مَنْ كان لِظهرِهِ طَبَقٌ ساجدًّا ، ويَبْقَى قومٌ ظُهورُهُمْ كَصَياصِي البَقَرِ ، يُرِيدُونَ السُّجُودَ فلا يَسْتَطِيعُونَ ، ( وقد كَانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهُمْ سالِمُونَ ( ثُمَّ يقولُ : ارفعُوا رؤوسَكُمْ ، فَيَرْفَعُونَ روؤسَهُمْ ، فِيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ على قدرِ أَعْمالِهِمْ ، فمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مثل الجَبَلِ العَظِيمِ ، يَسْعَى بين أيديهِمْ ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نورَهُ أَصْغَرَ من ذلكَ ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى مثلَ النخلةِ بِيَمِينِهِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى أَصْغَرَ من ذلكَ حتى يَكُونَ آخِرُهُمْ رجلًا يُعْطَى نُورَهُ على إِبْهامِ قَدَمِهِ ، يُضِيءُ مرةً ، ويطفأُ مرةً ، فإذا أَضَاءَ قَدَمَهُ قدمٌ ( ومَشَى ) وإذا طُفِىءَ قامَ ، قال : والربُّ تباركَ وتعالى أَمامَهُمْ حتى يَمُرَّ بِهَمْ إلى النارِ فَيَبْقَى أَثَرُهُ كَحَدِّ السَّيْفِ ( دَحْضٌ مَزِلَّةٌ ) قال : فيقولُ : مُرُّوا ، فَيَمُرُّونَ على قدرِ نُورِهِمْ ، مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كطرفةِ العَيْنِ ،وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالبَرْقِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كالسَّحابِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الكوكبِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الفَرَسِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرجلِ ، حتى يَمُرُّ الذي يُعطَى نورَهُ على ظهرِ ( إبهِامِ ) قَدَمِهِ يَحْبُو على وجهِهِ ويديْهِ ورِجْلَيْهِ ، تخرُّ يدٌ وتعلقُ يدٌ ، وتخرُّ رجلٌ ، وتعلقُ رجلٌ ، وتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النارُ فلا يزالُ كَذلكَ حتى يَخْلُصَ فإذا خَلَصَ وقَفَ عليْها فقال : الحمدُ للهِ الذي أَعْطَانِي ما لمْ يُعْطِ أحدًا ، إذْ أنجانِي مِنْها بعدَ إذْ رأيْتُها قال : فَيُنْطَلَقُ بهِ إلى غَدِيرٍ عندَ بابِ الجنةِ فَيَغْتَسِلُ ، فَيَعُودُ إليهِ رِيحُ أهلِ الجنةِ وأَلْوَانُهُمْ ، فيَرَى ما في الجنةِ من خِلالِ البابِ ، فيقولُ : رَبِّ أَدْخِلْنِي الجنةَ فيقولُ اللهُ ( لهُ ) : أَتَسْأَلُ الجنةَ وقد نَجَّيْتُكَ مِنَ النارِ ؟ فيقولُ : رَبِّ اجعلْ بَيْنِي وبينَها حِجابًا حتى لا أَسْمَعُ حَسِيسَها قال : فَيدخلُ الجنةَ ، ويَرَى أوْ يُرْفَعُ لهُ مَنْزِلٌ أَمامَ ذلكَ كأنَّ ما هو فيهِ بالنسبةِ إليهِ حُلْمٌ ، فيقولُ : رَبِّ ! أعطِنِي ذلكَ المَنْزِلَ فيقولُ ( لهُ ) لَعَلَّكَ إنْ أَعْطَيْتُكَ تَسْأَلُ غيرَهُ ؟ فيقولُ لا وعِزَّتِكَ لا أسألُكَ غيرَهُ ، وأنَّى مَنْزِلٌ أحسنُ مِنْهُ ؟ فَيُعْطَاهُ ، فَيَنْزِلُهُ ، ويَرَى أَمامَ ذلكَ مَنْزِلًا ، كأنَّ ما هو فيهِ بالنسبةِ إليهِ حُلْمٌ قال : رَبِّ أعطِنِي ذلكَ المَنْزِلَ فيقولُ اللهُ تباركَ وتعالى لهُ : لَعَلَّكَ إنْ أَعْطَيْتُكَ تَسْأَلُ غيرَهُ ؟ فيقولُ : لا وعِزَّتِكَ ( لا أسألُكَ ) وأنَّى منَزَلٌ أحسنُ مِنْهُ ؟ فَيُعْطَاهُ فَيَنْزِلُهُ ، ثُمَّ يسكتُ فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرهُ : ما لكَ لا تَسْأَلُ ؟ فيقولُ : رَبِّ ! قد سَأَلْتُكَ حتى اسْتَحْيَيْتُكَ ، ( أَقْسَمْتُ لكَ حتى اسْتَحْيَيْتُكَ ( فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرهُ : ألمْ ترضَ أنْ أُعْطِيَكَ مثل الدنيا مُنْذُ خَلَقْتُها إلى يومِ أَفْنَيْتُها وعشرَةَ أَضْعَافِهِ ؟ فيقولُ : أتهزأُ بي وأنتَ رَبُّ العزةِ ؟ ( فَيَضْحَكُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ من قولِهِ قال : فَرأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ إذا بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحَدِيثِ ضَحِكَ ، فقال لهُ رجلٌ : يا أبا عَبْدِ الرحمنِ ! قد سَمِعْتُكَ تُحَدِّثُ بهِذا الحَدِيثِ مِرَارًا ، كلَّما بَلَغْتَ هذا المكانَ ضَحِكْتَ ؟ فقال : إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ يُحَدِّثُ هذا الحديثَ مِرَارًا كلَّما بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحَدِيثِ ضَحِكَ حتى تبدُو أضراسَهُ ( ، قال : فيقولُ الرَّبُّ جلَّ ذكرهُ : لا ، ولَكِنِّي على ذلكَ قادِرٌ ، فيقولُ : أَلْحِقْنِي بِالناسِ ، فيقولُ : الحَقْ بِالناسِ . فَيَنْطَلِقُ يرملُ في الجنةِ ، حتى إذا دَنا مِنَ الناسِ رُفِعَ لهُ قَصْرٌ من دُرَّةٍ ، فَيَخِرُّ ساجِدًا ، فيقولُ لهُ : ارفعْ رأسَكَ مالكَ ؟ فيقولُ : رأيْتُ ربِّي أوْ تَرَاءَى لي ربِّي ، فيقالُ إِنَّما هو مَنْزِلٌ من مَنازِلِكَ قال ثُمَّ يَلْقَى رجلًا فَيَتَهَيَّأُ للسجودِ لهُ فيقالُ لهُ : مَهْ ! فيقولُ : رأيْتُ أنَّكَ مَلَكٌ مِنَ الملائكةِ ، فيقولُ : إِنَّما أنا خَازِنٌ من خُزَّانِكَ ، وعَبْدٌ من عَبيدِكَ ، تَحْتَ يَدَيَّ أَلْفُ قَهْرَمانٍ على ( مثل ( ما أنا عليهِ قال : فَيَنْطَلِقُ أَمامَهُ حتى يَفْتَحَ لهُ بابَ القصرِ ، قال وهوَ من دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ شقائقُها وأبوابُها وإغْلاقُها ومَفَاتِيحُها مِنْها ، تَسْتَقْبِلُهُ جَوْهَرَةٌ خَضْرَاءُ مُبَطَّنَةٌ بِحمراءَ ( فيها سبعونَ بابًا ، كلُّ بابٍ يُقضِي إلى جوهرةٍ خضراءُ ، مبطنةٍ كلُّ جوهرةٍ تُفضِي إلى جَوْهَرَةٍ على غَيْرِ لَوْنِ الأُخْرَى ، في كلِّ جَوْهَرَةٍ سُرُرٌ وأزواجٌ ووَصائِفُ ، أَدْناهُنَّ حَوْرَاءُ عَيْناءُ ، عليْها سبعونَ حُلَّةً يُرَى مُخُّ ساقِها من ورَاءِ حُلَلِها ، كَبِدُها مِرْآتُهُ ، وكَبِدُهُ مِرْآتُها إذا أَعْرَضَ عَنْها إِعْرَاضَةً ازْدَادَتْ في عَيْنِهِ سبعينَ ضِعْفًا عَمَّا كانَتْ قبلَ ذلكَ فيقولُ لها : واللهِ لَقَدِ ازْدَدْتِ في عَيْنِي سبعينَ ضِعْفًا عما كُنْتِ قبلَ ذلكَ ، وتَقُولَ لهُ وأنت ( واللهِ ) لقد ازددت في عيني سبعينَ ضعفا فيقالُ لهُ : أشرف ، أشرف . فيشرف ، فيقالُ لهُ : ملكُكَ مسيرةُ مِئةِ عامٍ ، يُنْفِذُهُ بَصَرُكَ قال : فقال لهُ عمرُ : ألا تسمَعُ ما يحَدَّثُنا ابنُ أمِّ عبدٍ يا كعبُ عن أَدْنَى أهلِ الجنةِ منزلًا ، فكَيْفَ أعلاهُمْ ؟ قال : يا أَمِيرَ المؤمنينَ مالًا عينٌ رأَتْ ولا أذنٌ سمَعَتْ ، فذكرَ الحَدِيثَ
يَجمَعُ اللهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ لمِيقاتِ يَومٍ مَعلومٍ، قيامًا أربَعينَ سَنةً، شاخِصةً أبصارُهم، يَنتَظِرونَ فَصلَ القَضاءِ، قال: ويَنزِلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في ظُلَلٍ مِن الغَمامِ مِن العَرشِ إلى الكُرسيِّ، ثمَّ يُنادي مُنادٍ: أيُّها الناسُ: ألم تَرضَوْا مِن رَبِّكمُ الذي خَلَقَكم ورَزَقَكم، وأمَرَكم أنْ تَعبُدوه ولا تُشرِكوا به شَيئًا أنْ يُوَلِّيَ كلَّ إنسانٍ منكم ما كانوا يَعبُدونَ في الدُّنيا؟ أليسَ ذلكَ عَدلًا مِن رَبِّكم؟ قالوا: بَلى. فيَنطَلِقُ كلُّ قَومٍ إلى ما كانوا يَعبُدونَ ويَتوَلَّوْنَ في الدُّنيا. قال: فيَنطَلِقونَ ويُمَثَّلُ لهم أَشْباهُ ما كانوا يَعبُدونَ؛ فمِنهم مَن يَنطَلِقُ إلى الشَّمسِ، ومنهم مَن يَنطَلِقُ إلى القَمَرِ والأَوْثانِ مِن الحِجارةِ، وأَشْباهِ ما كانوا يَعبُدونَ. قال: ويُمَثَّلُ لمَن كان يَعبُدُ عيسى شَيطانُ عيسى، ويُمَثَّلُ لمن كان يَعبُدُ عُزَيرًا شَيطانُ عُزَيرٍ، ويَبقى محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأُمَّتُه، قال: فيَتمَثَّلُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى فيَأْتيهم فيقولُ: ما لكم لا تَنطَلِقونَ كما انطَلَقَ الناسُ؟ قال: فيقولونَ: إنَّ لنا إلهًا ما رأَيْناه. فيقولُ: هل تَعرِفونَه إنْ رأَيتُموه؟ فيقولونَ: إنَّ بَينَنا وبَينَه عَلامةً، إذا رأَيْناها عَرَفْناه. قال: فيقولُ: ما هي؟ فيقولونَ: يَكشِفُ عن ساقِه، فعِندَ ذلكَ يَكشِفُ عن ساقِه، فيَخِرُّ كلُّ مَن كان مُشرِكًا يُرائي لظَهرِه، ويَبقى قَومٌ ظُهورُهم كصياصي البَقَرِ، يُريدونَ السُّجودَ فلا يَستَطيعونَ، {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم: 43]، ثمَّ يقولُ: ارفَعوا رُؤوسَكم. فيَرفَعونَ رُؤوسَهم، فيُعطيهم نُورَهم على قَدْرِ أعمالِهم؛ فمِنهم مَن يُعطَى نُورَه مِثلَ الجَبَلِ العَظيمِ، يَسعى بينَ أيديهم، ومِنهم مَن يُعطَى نُورَه أصغَرَ مِن ذلكَ، ومنهم مَن يُعطَى مِثلَ النَّخلةِ بيَدِه، ومنهم مَن يُعطَى أصغَرَ مِن ذلكَ، حتى يكونَ آخِرُهم يُعطَى نُورَه على إبهامِ قَدَمِه، يُضيءُ مرَّةً، ويُطفَأُ مرَّةً، فإذا أضاءَ قَدَمُه قَدِمَ، وإذا أُطفِئَ قامَ. قال: والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى أمامَهم، حتى يَمُرَّ بهم إلى النارِ، فيَبقى أثَرُه كحَدِّ السَّيفِ، قال: فيقولُ: مُرُّوا. فيَمُرُّونَ على قَدْرِ نُورِهم، منهم مَن يَمُرُّ كطَرْفةِ العَينِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالبَرقِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالسَّحابِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كانقِضاضِ الكَواكِبِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالرِّيحِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كشَدِّ الفَرَسِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كشَدِّ الرجُلِ حتى يَمُرَّ الذي يُعطَى نُورَه على ظَهرِ قَدَمَيْه يَحْبو على وَجهِه ويَدَيْه ورِجلَيْه، تُجَرُّ يَدٌ، وتُعَلَّقُ يَدٌ، وتُجَرُّ رِجلٌ وتُعلَّقُ رِجلٌ، وتُصيبُ جَوانبَه النارُ، فلا يَزالُ كذلكَ حتى يَخلُصَ، فإذا خَلَصَ وَقَفَ عليها، فقال: الحَمدُ للهِ الذي أَعْطاني ما لم يُعطِ أحَدًا؛ إذْ أَنْجاني منها بعدَ إذْ رأَيتُها. قال: فيَنطَلِقُ به إلى غَديرٍ عِندَ بابِ الجنَّةِ، فيَغتَسِلُ، فيَعودُ إليه ريحُ أهلِ الجنَّةِ وألوانُهم، فيَرى ما في الجنَّةِ مِن خَلَلِ البابِ، فيقولُ: رَبِّ أدخِلْني الجنَّةَ. فيقولُ اللهُ: أتسأَلُ الجنَّةَ وقد نَجَّيتُكَ مِن النارِ؟ فيقولُ: رَبِّ اجعَلْ بَيني وبَينَها حِجابًا حتى لا أسمَعَ حَسيسَها. قال: فيَدخُلُ الجنَّةَ، ويَرى أو يُرفَعُ له مَنزِلٌ أمامَ ذلكَ، كأنَّ ما هو فيه بالنِّسبةِ إليه حُلْمٌ، فيقولُ: يا رَبِّ أعطِني ذلكَ المَنزِلَ. فيقولُ: لَعَلَّكَ إنْ أُعطيتَه تَسألُ غَيرَه؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ، لا أسألُ غَيرَه، وأيُّ مَنزِلٍ أحسَنُ منه؟! فيُعطاه، فيَنزِلُه، ويَرى أمامَ ذلكَ مَنزِلًا كأنَّ ما هو فيه بالنِّسبةِ إليه حُلْمٌ، قال: رَبِّ أعطِني ذلكَ المَنزِلَ. فيقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى له: لَعَلَّكَ إنْ أُعطيتَه تَسألُ غَيرَه؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ، وأيُّ مَنزِلٍ أحسَنُ منه، فيُعطاه فيَنزِلُه، ثمَّ يَسكُتُ، فيقولُ اللهُ جَلَّ ذِكرُه: ما لكَ لا تَسألُ؟ فيقولُ: رَبِّ، قد سأَلتُكَ حتى استَحيَيتُكَ. فيقولُ اللهُ جَلَّ ذِكرُه: ألم تَرضَ أنْ أُعطيَكَ مِثلَ الدُّنيا مُنذُ خَلَقتُها إلى يَومِ أَفْنَيتُها وعَشَرةَ أضعافِه؟ فيقولُ: أتَهزَأُ بي وأنتَ رَبُّ العِزَّةِ؟! قال: فيقولُ الرَّبُّ جَلَّ ذِكرُه: لا، ولكِنِّي على ذلكَ قادِرٌ. فيقولُ: أَلْحِقْني بالناسِ. فيقولُ: الْحَقْ بالناسِ. قال: فيَنطَلِقُ يَرمُلُ في الجنَّةِ، حتى إذا دَنا مِن الناسِ رُفِعَ له قَصرٌ مِن دُرَّةٍ، فيَخِرُّ ساجِدًا، فيقولُ له: ارفَعْ رأْسَكَ، ما لكَ؟ فيقولُ: رأَيتُ رَبِّي، أو تَراءَى لي رَبِّي، فيُقالُ: إنَّما هو مَنزِلٌ مِن مَنازِلِكَ. قال: ثمَّ يأتي رجُلًا فيَتهيَّأُ للسُّجودِ له، فيُقالُ له: مَهْ. فيقولُ: رأَيتُ أنَّكَ مَلَكٌ مِن المَلائكةِ. فيقولُ: إنَّما أنا خازِنٌ مِن خُزَّانِكَ، وعبدٌ مِن عَبيدِكَ، تَحتَ يَدي ألْفُ قَهرَمانٍ على ما أنا عليه. قال: فيَنطَلِقُ أمامَه حتى يَفتَحَ له بابَ القَصرِ. قال: وهو مِن دُرَةٍّ مُجَوَّفةٍ سَقائفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومَفاتيحُها منها، يَستَقبِلُها جَوهَرةٌ خَضراءُ مُبَطَّنةٌ بحَمراءَ، فيها سَبعونَ بابًا، كلُّ بابٍ يُفضي إلى جَوهَرةٍ خَضراءَ مُبَطَّنةٍ، كلُّ جَوهَرةٍ تُفضي إلى جَوهَرةٍ على غَيرِ لَونِ الأُخرى، في كلِّ جَوهَرةٍ سُرُرٌ وأزواجٌ ووَصائفُ، أدناهنَّ حَوراءُ عَيْناءُ، عليها سَبعونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ ساقِها مِن وَراءِ حُلَلِها، كَبِدُها مِرآتُه، وكَبِدُه مِرآتُها، إذا أعرَضَ عنها إعراضةً ازدادَتْ في عَينِه سَبعينَ ضِعفًا عَمَّا كانتْ قبلَ ذلك، فيقولُ لها: واللهِ لقدِ ازدَدتِ في عَيني سَبعينَ ضِعفًا. وتَقولُ له: وأنتَ لقدِ ازدَدتَ في عَيني سَبعينَ ضِعفًا. فيُقالُ له: أشرِفْ. فيُشرِفُ، فيُقالُ له: مُلكُكَ مَسيرةُ مئةِ عامٍ، يَنفُذُه بَصَرُكَ. قال: فقال له عُمَرُ: ألَا تَسمَعُ ما يُحَدِّثُنا ابنُ أُمِّ عبدٍ يا كَعبُ عن أَدْنى أهلِ الجنَّةِ مَنزِلًا؟ فكيفَ أَعْلاهم؟ قال: يا أميرَ المؤمِنينَ، ما لا عَينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعتْ، إنَّ اللهَ جَلَّ ذِكرُه خَلَقَ دارًا جعَلَ فيها ما شاءَ مِن الأَزْواجِ، والثَّمَراتِ، والأشرِبةِ، ثمَّ أطبَقَها، فلم يَرَها أحَدٌ مِن خَلْقِه، لا جِبريلُ ولا غَيرُه مِن المَلائكةِ، ثمَّ قَرأ كَعبٌ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]. قال: وخَلَقَ دونَ ذلكَ جَنَّتينِ وزَيَّنَهما بما شاءَ، وأراهما مَن شاءَ مِن خَلقِه، ثمَّ قال: مَن كان كِتابُه في عِلِّيِّينَ نزَلَ في تلكَ الدارِ التي لم يَرَها أحَدٌ، حتى إنَّ الرجُلَ مِن أهلِ عِلِّيِّينَ، فيَخرُجُ فيَسيرُ في مُلكِه، فلا تَبقى خَيمةٌ مِن خِيَمِ الجنَّةِ إلَّا دخَلَها مِن ضَوءِ وَجهِه، فيَستَبشِرونَ بريحِه، فيقولونَ: واهًا لهذا الرِّيحِ، هذا رِيحُ رجُلٍ مِن أهلِ عِلِّيِّينَ قد خرَجَ يَسيرُ في مُلكِه. قال: وَيحَكَ يا كَعبُ، إنَّ هذه القُلوبَ قدِ استَرسَلَتْ فاقبِضْها. فقال كَعبٌ: إنَّ لجَهنَّمَ يَومَ القِيامةِ لَزَفْرةً ما مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ولا نَبيٍّ مُرسَلٍ إلَّا خَرَّ لرُكبَتَيْه، حتى إنَّ إبراهيمَ خَليلَ اللهِ لَيقولُ: رَبِّ نَفْسي نَفْسي، حتى لو كان لكَ عَمَلُ سَبعينَ نَبيًّا إلى عَمَلِكَ لَظَنَنتَ ألَّا تَنجُوَ
يجمَعُ اللهُ الأَوَّلينَ والآخِرينَ لميقاتِ يومٍ معلومٍ، قيامًا أربعينَ سَنةً، شاخِصَةً أبصارُهم، ينتظِرونَ فصْلَ القضاءِ... فذكَرَ الحديثَ إلى أنْ قال: ثمَّ يقولُ -يعني: الرَّبَّ تبارَك وتعالى-: ارْفَعوا رؤوسَكم، فيرفعونَ رؤوسَهم، فيُعطيهم نورَهم على قَدْرِ أعمالِهم، فمنهم مَن يُعْطى نورَهُ مِثْلَ الجبلِ العظيمِ يَسْعى بينَ يدَيْهِ، ومنهم مَن يُعْطى نورَهُ أصغَرَ مِن ذلكَ، ومنهم مَن يُعْطى مِثْلَ النَّخلةِ بيمينِهِ، ومنهم مَن يُعْطى (نورًا) أصغَرَ مِن ذلكَ، حتَّى يكونَ آخِرُهم رجُلًا يُعْطى نورَهُ على إبهامِ قَدَمِهِ، يُضيءُ مَرَّةً ويُطْفِئُ مرَّةً، فإذا أضاءَ قَدَّمَ قَدَمَهُ (فمَشَى)، وإذا أُطفِئَ قام، (قال: والرَّبُّ عزَّ وجلَّ أمامَهم، حتَّى يمُرَّ في النَّارِ، فيَبْقى أثرُهُ كحَدِّ السَّيفِ؛ دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، قال: ويقولُ: مُرُّوا، فيمرُّونَ على قَدْرِ نورِهم، منهم مَن يمُرُّ كطَرْفةِ العَيْنِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالبَرْقِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالسَّحابِ، ومنهم مَن يمُرُّ كانقِضاضِ الكوكبِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالرِّيحِ، ومنهم مَن يمُرُّ كشَدِّ الفَرَسِ، ومنهم مَن يمُرُّ كشَدِّ الرجُلِ، حتَّى يمُرَّ الذي يُعطى نورَهُ على إبهامِ قَدَمِهِ يَحْبُو على وجهِهِ ويدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، تَخِرُّ يَدٌ وتَعْلَقُ يَدٌ، وتَخِرُّ رِجْلٌ وتَعْلَقُ رِجْلٌ، وتُصيبُ جَوانِبَهُ النَّارُ، فلا يَزالُ كذلكَ حتَّى يَخْلُصَ، فإذا خَلَصَ وَقَفَ عليها، فقال: الحمدُ للهِ الذي أعطاني ما لم يُعْطِ أحدًا؛ إذْ نجَّاني منها بَعدَ إذْ رأيْتُها، قال: فيُنطَلَقُ به إلى غَديرٍ عندَ بابِ الجنَّةِ فيغتسِلُ، فيعودُ إليهِ ريحُ أهلِ الجنَّةِ وألوانُهم، فيرى ما في الجنَّةِ مِن خِلالِ البابِ، فيقولُ: ربِّ أَدْخِلْني الجنَّةَ، فيقولُ (اللهُ) لهُ: أتسألُ الجنَّةَ وقد نَجَّيْتُكَ مِنَ النَّارِ؟ فيقولُ: ربِّ اجعَلْ بيني وبينَها حِجابًا؛ لا أسمَعُ حَسيسَها، قال: فيدخُلُ الجنَّةَ، ويرى أو يُرْفَعُ له مَنزِلٌ أمامَ ذلكَ، كأنَّ ما هو فيه إليه حُلُمٌ، فيقولُ: ربِّ أعطِني ذلكَ المنزلَ، فيقولُ له: لعلَّكَ إنْ أَعطَيْتُكَهُ تسألُ غَيْرَهُ، فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ، لا أسألُكَ غَيْرَهُ، أنَّى مَنزِلٌ أحسنُ منه؟! فيُعطاهُ، فيَنْزِلُهُ، ويرى أمامَ ذلكَ مَنزِلًا كأنَّ ما هو فيه بالنِّسبةِ إليه حُلُمٌ، قال: ربِّ أَعْطِني ذلكَ المنزلَ، فيقولُ اللهُ تبارَكَ وتعالى له: فلعلَّكَ إنْ أَعْطَيْتُكَهُ تسألُ غَيْرَهُ، فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ، لا أسألُكَ غَيْرَهُ، أنَّى مَنزِلٌ أَحسَنُ منه؟! فيُعطاهُ، فيَنْزِلُهُ، قال: ويرى أوْ يُرْفَعُ له أمامَ ذلكَ مَنزِلٌ آخَرُ، كأنَّما هو إليه حُلُمٌ، فيقولُ: أعطِني ذلكَ المنزلَ، فيقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ: فلعلَّكَ إنْ أَعْطَيْتُكَهُ تسألُ غَيْرَهُ، قال: لا وعِزَّتِكَ لا أسألُ غَيْرَهُ، وأيُّ مَنزِلٍ يكونُ أَحْسَنَ منه؟! قال: فيُعطاهُ، فيَنْزِلُهُ، ثُمَّ يسكُتُ، فيقولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ما لكَ لا تسألُ؟ فيقولُ: ربِّ، قد سألْتُكَ حتَّى استَحْيَيْتُكَ، وأقسمْتُ لكَ حتَّى استَحْيَيْتُكَ، فيقولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ألَمْ تَرْضَ أنْ أُعطيَكَ مِثْلَ الدُّنيا منذُ خَلَقْتُها إلى يومِ أَفنَيْتُها وعشَرةَ أضعافِهِ؟ فيقولُ: أَتَهْزَأُ بي وأنتَ رَبُّ العِزَّةِ؟! فيَضْحَكُ الرَّبُّ تعالى مِن قولِهِ، قال: فرأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه إذا بَلَغَ هذا المكانَ مِن هذا الحديثِ ضَحِكَ، فقال له رجُلٌ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، قد سمِعْتُكَ تُحَدِّثُ هذا الحديثَ مِرارًا، كلَّما بَلَغْتَ هذا المكانَ ضَحِكْتَ، فقال: إنِّي سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحَدِّثُ هذا الحديثَ مِرارًا كلَّما بَلَغَ هذا المكانَ مِن هذا الحديثِ ضَحِكَ حتَّى تَبْدُوَ أضراسُهُ، قال: فيقولُ الرَّبُّ جَلَّ ذِكْرُهُ: لا، ولكنِّي على ذلكَ قادِرٌ، سَلْ، فيقولُ: أَلحِقْني بالنَّاسِ، فيقولُ: الْحَقْ بالنَّاسِ، فيَنطَلِقُ يَرْمُلُ في الجنَّةِ، حتَّى إذا دنا مِنَ النَّاسِ رُفِعَ له قَصْرٌ مِن دُرَّةٍ؛ فيَخِرُّ ساجِدًا، فيُقالُ له: ارفَعْ رأسَكَ، ما لكَ؟ فيقولُ: رأيْتُ ربِّي -أو :تَراءَى لي ربِّي-، فيُقالُ له: إنَّما هو مَنزِلٌ مِن مَنازِلِكَ، قال: ثمَّ يَلْقى رجُلًا فيَتهَيَّأُ للسُّجودِ له، فيُقالُ له: مَهْ، ما لَكَ؟! فيقولُ: رأيْتُ أنَّكَ مَلَكٌ مِنَ الملائكةِ، فيقولُ: إنَّما أنا خازِنٌ مِن خُزَّانِكَ، وعبْدٌ مِن عَبيدِكَ، تحتَ يَدَيَّ ألفُ قَهْرَمانٍ على مِثْلِ ما أنا عليهِ، قال: فيَنطَلِقُ أمامَهُ حتَّى يَفتَحَ له القَصْرَ، قال: وهو مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفةٍ، سَقائِفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومَفاتيحُها منها، تَستَقبِلُهُ جوهرةٌ خَضراءُ مُبَطَّنةٌ بحَمراءَ، فيها سبعونَ بابًا، كلُّ بابٍ يُفضي إلى جوهرةٍ خَضراءَ مُبَطَّنةٍ بحمراءَ، كلُّ جوهرةٍ تُفضي إلى جوهرةٍ على غيرِ لَونِ الأخرى، في كلِّ جوهرةٍ سُرُرٌ وأزواجٌ ووصائِفُ أَدناهُنَّ حَوْراءُ عَيْناءُ، عليها سبعونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ ساقِها مِن وراءِ حُلَلِها، كَبِدُها مِرْآتُهُ، وكَبِدُهُ مِرْآتُها، إذا أَعرَضَ عنها إعراضَةً ازدادَتْ في عَيْنِهِ سبعينَ ضِعفًا عمَّا كانت قَبلَ ذلكَ، وإذا أَعرَضَتْ عنُه إعراضةً ازدادَ في عَيْنِها سبعينَ ضِعفًا عمَّا كان قَبلَ ذلكَ، فيقولُ لها: واللهِ، لقد ازدَدْتِ في عَيْني سبعينَ ضِعفًا، وتقولُ له: وأنتَ واللهِ، لقد ازدَدْتَ في عَيْني سبعينَ ضِعْفًا، فيُقالُ له: أَشرِفْ، فيُشْرِفُ، فيُقالُ له: مُلْكُكَ مَسيرةُ مِئةِ عامٍ، يَنْفُذُهُ بصرُكَ، قال: فقال عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه: أَلَا تسمَعُ ما يُحَدِّثُنا ابنُ أُمِّ عبْدٍ يا كَعْبُ عن أَدْنَى أهلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا؟! فكيف أعلاهُم؟! قال: يا أميرَ المؤمنينَ، ما لا عَيْنٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، إنَّ اللهَ جَلَّ ذِكْرُهُ خَلَقَ دارًا، جعَلَ فيها ما شاءَ مِنَ الأزواجِ والثَّمراتِ والأَشرِبَةِ، ثمَّ أَطبَقَها؛ فلَمَ يَرَها أحدٌ مِن خَلْقِهِ، لا جِبريلُ ولا غَيْرُهُ مِنَ الملائكةِ، ثمَّ قرأَ كَعْبٌ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]، قال: وخَلَقَ دُونَ ذلكَ جَنَّتَيْنِ، وزَيَّنَهما بما شاءَ، وأَراهُمَا مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، ثمَّ قال: فمَن كان كِتابُهُ في عِلِّيِّينَ نَزَلَ في تلكَ الدَّارِ الَّتي لم يَرَها أحدٌ، حتَّى إنَّ الرجُلَ مِن أهلِ عِلِّيِّينَ لَيَخرُجُ فيَسيرُ في مُلْكِهِ، فلا تَبقى خَيْمةٌ مِن خِيَمِ الجنَّةِ إلَّا دَخَلَها مِن ضَوْءِ وجْهِهِ، فيَستَبْشِرونَ بريحِهِ فيقولونَ: واهًا لهذا الرِّيحِ! هذا ريحُ رجُلٍ مِن أهلِ عِلِّيِّينَ قد خرَجَ يَسيرُ في مُلْكِهِ، قال: وَيْحَكَ يا كَعْبُ، إنَّ هذهِ القُلوبَ قدِ اسْتَرسَلَتْ فاقبِضْها، فقال كَعْبٌ: والذي نفْسي بيدِهِ، إنَّ لِجَهنَّمَ يومَ القيامةِ لَزَفْرَةً ما مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ولا نبيٍّ مُرْسَلٍ إلَّا خَرَّ لرُكْبَتَيْهِ، حتَّى إنَّ إبراهيمَ خليلَ اللهِ لَيقولُ: ربِّ، نفْسي نفْسي، حتَّى لو كان لكَ عَمَلُ سبعينَ نبيًّا إلى عَمَلِكَ لَظَنَنْتَ ألَّا تَنْجُوَ
يجمَعُ اللهُ الأوَّلينَ والآخرينَ لميقاتِ يومٍ معلومٍ قيامًا أربعينَ سنةً شاخصةً أبصارُهم ينتَظِرونَ فصلَ القضاءِ قال وينزِلُ اللهُ عزَّ وجلَّ في ظُلَلٍ من الغمامِ من العرشِ إلى الكرسيِّ ثُمَّ يُنادِي منادٍ أيُّها النَّاسُ ألم تَرْضَوا من ربِّكم الَّذي خلَقكم ورزَقكم وأمَركم أن تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا أن يُولِّيَ كلَّ أناسٍ منكم ما كانوا يعبُدونَ في الدُّنيا أليس ذلك عدلًا من ربِّكم قالوا بلى قال فينطَلِقُ كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبُدونَ ويقولونَ في الدُّنيا قال فينطَلِقونَ ويُمثَّلُ لهم أشباهُ ما كانوا يعبُدونَ فمنهم مَن ينطَلِقُ إلى الشَّمسِ ومنهم مَن ينطَلِقُ إلى القمرِ والأوثانِ من الحجارةِ وأشباهِ ما كانوا يعبُدونَ قال ويُمثَّلُ لمَن كان يعبُدُ عيسى شيطانُ عيسى ويُمثَّلُ لمَن كان يعبُدُ عُزيرًا شيطانُ عُزيز ويبقى محمَّدٌ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم وأمَّتُه قال فيتمثَّلُ الرَّبُّ تبارَك وتعالى فيأتيهم فيقولُ ما لكم لا تنطَلِقونَ كانطلاقِ النَّاسِ فيقولونَ إنَّ لنا لَإلهًا ما رأَيْناه فيقولُ هل تعرِفونَه إن رأَيْتُموه فيقولونَ إنَّ بيننا وبينه علامةً إذا رأَيْناها عرَفْناها قال فيقولُ ما هي فنقولُ يكشِفُ عن ساقِه قال فعند ذلك يكشِفُ عن ساقِه فيخرُّ كلُّ مَن كان نظره ويبقى قومٌ ظهورُهم كصَياصيِّ البقرِ يُريدونَ السُّجودَ فلا يستَطيعونَ وقد كانوا يُدْعَونَ إلى السُّجودِ وهو سالمونَ ثُمَّ يقولُ ارفَعوا رؤوسَكم فيرفَعونَ رؤوسَهم فيُعْطِيهم نورَهم على قدرِ أعمالِهم فمنهم مَن يُعْطَى نورَه مثلَ الجبلِ العظيمِ يسعى بين يدَيْه ومنهم مَن يُعْطَى نورَه أصغرَ من ذلك ومنهم مَن يُعطَى مثلَ النَّخلةِ بيدِه ومنهم مَن يُعْطَى أصغرَ من ذلك حتَّى يكونَ آخرُهم رجلًا يُعْطَى نورَه على إبهامِ قدَمَيْه يُضيءُ مرَّةً ويُطفَأُ مرَّةً فإذا أضاء قدَّم قدمَه وإذا طُفِئ قام قال والرَّبُّ تبارَك وتعالى أمامَهم حتَّى يمرُّ في النَّار فيبقى أثرُه كحدِّ السَّيفِ قال فيقولُ مُرُّوا فيمُرُّون على قدرِ نورِهم منهم مَن يمُرُّ كطرفةِ العينِ ومنهم مَن يمُرُّ كالبَرْقِ ومنهم مَن يمُرُّ كالسَّحابِ ومنهم مَن يمُرُّ كانقضاضِ الكوكبِ ومنهم مَن يمُرُّ كالرِّيحِ ومنهم مَن يمُرُّ كشدِّ الفرسِ ومنهم مَن يمُرُّ كشدِّ الرَّحلِ حتَّى يمُرَّ الَّذي يُعْطَى نورَه على ظهرِ قدَمَيْه يجثو على وجهِه ويدَيْه ورِجْلَيْه تخِرُّ يدٌ وتعلَقُ يدٌّ وتخِرُّ رِجْلٌ ٌٌٌوتعلَقُ رِجْلٌ وتُصيبُ جوانبَه النَّارُ فلا يزالُ كذلك حتَّى يخلُصَ فإذا خلَص وقَف عليها فقال الحمدُ للهِ فقد أعطاني اللهُ ما لم يُعْطِ أحدًا إذ نجَّاني منها بعد إذ رأَيْتُها قال فيُنطَلَقُ به إلى غديرٍ عند بابِ الجنَّةِ فيغتَسِلُ فيعودُ إليه ريحُ أهلِ الجنَّةِ وألوانُهم فيرى ما في الجنَّةِ من خللِ البابِ فيقولُ ربِّ أدخِلْني الجنَّةَ فيقولُ اللهُ أتسأَلُ الجنَّةَ وقد نجَّيْتُك من النَّارِ فيقولُ ربِّ اجعَلْ بيني وبينها حجابًا لا أسمَعُ حسيسَها قال فيدخُلُ الجنَّةَ ويرى أو يُرفَعُ له منزلٌ أمامَ ذلك كأنَّ ما هو فيه إليه حُلْمٌ فيقولُ ربِّ أعطِني ذلك المنزلَ فيقولُ له لعلَّك إن أعطَيْتُكه تسأَلُ غيرَه فيقولُ لا وعزَّتِك لا أسأَلُك غيرَه وأنى منزلٍ أحسنُ منه فيُعْطَى فينزِلُه ويرى أمامَ ذلك منزلًا كأنَّ ما هو فيه إليه حُلْمٌ قال ربِّ أعطِني ذلك المنزلَ فيقولُ اللهُ تبارَك وتعالى فلعلَّك إن أعطَيْتُكه تسأَلُ غيرَه فيقولُ وعزَّتِك يا ربِّ وأنى منزلٍ يكونُ أحسنَ منه فيُعْطاه وينزِلُه ثُمَّ يسكُتُ فيقولُ اللهُ جلَّ ذِكْرُه ما لك لا تسأَلُ فيقولُ ربِّ قد سأَلْتُك حتَّى قد استحيَيْتُك وأقسَمْتُ حتَّى استحيَيْتُك فيقولُ اللهُ جلَّ ذِكْرُه ألم ترضَ أن أُعطِيَك مثلَ الدُّنيا منذ خلَقْتُها إلى يومِ أفنَيْتُها وعشَرةَ أضعافِه فيقولُ أتهزَأُ بي وأنتَ ربُّ العزَّةِ فيضحَكُ الرَّبُّ تبارَك وتعالى من قولِه قال فرأَيْتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ إذا بلَغ هذا المكانَ من هذا الحديثِ ضحِك فقال له رجلٌ يا أبا عبدَ الرَّحمنِ قد سمِعْتُك تُحدِّثُ هذا الحديثَ مرارًا كلَّما بلَغْتَ هذا المكانَ ضحِكْتَ قال إنِّي سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يُحدِّثُ هذا الحديثَ مرارًا كلَّما بلَغ هذا المكانَ من هذا الحديثِ ضحِك حتَّى تبدو أضراسُه قال فيقولُ الرَّبُّ جلَّ ذِكْرُه لا ولكنِّي على ذلك قادرٌ سَلْ فيقولُ ألحِقْني بالنَّاسِ فيقولُ الحَقْ بالنَّاسِ قال فينطَلِقُ يَرْمُلُ في الجنَّةِ حتَّى إذا دنا من النَّاسِ رُفِع له قصرٌ من درَّةٍ فيخِرُّ ساجدًا فيُقالُ له ارفَعْ رأسَك ما لك فيقولُ رأَيْتُ ربِّي أو تراءى لي ربِّي فيُقالُ له إنَّما هو منزلٌ من منازلِك قال ثُمَّ يلقى رجلًا فيتهيَّأُ للسُّجودِ له فيُقالُ له مَهْ فيقولُ رأَيْتُ أنَّك مَلَكٌ من الملائكةِ فيقولُ إنَّما أنا خازنٌ من خزَّانِك وعبدٌ من عبيدِك تحتَ يدي ألفُ قَهْرَمانٍ على مثلِ ما أنا عليه قال فينطَلِقُ أمامَه حتَّى يُفتَحَ له القصرُ قال وهو من دُرَّةٍ مجوَّفةٍ سَقائِفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومفاتيحُها منها تستَقبِلُه جوهرةٌ خضراءُ مبطَّنةُ بحمراءَ فيها سبعونَ بابًا كلُّ بابٍ يُفضِي إلى جوهرةٍ خضراءَ مبطَّنةٍ كلُّ جوهرةٍ تُفضِي إلى جوهرةٍ على غيرِ لونِ الأخرى في كلِّ جوهرةٍ سُرَرٌ وأزواجٌ ووصائفُ أدناهنَّ حَوْراءُ عَيْناءُ عليها سبعونَ حُلَّةً يُرَى مخُّ ساقِها من وراءِ حُلَلِها كَبِدُها مرآتُه وكَبِدُه مرآتُها إذا أعرَض عنها إعراضةً ازدادتْ في عينِه سبعينَ ضعفًا عمَّا كانت قبل ذلك فيقولُ لها واللهِ لقد ازدَدْتِ في عيني سبعينَ ضعفًا وتقولُ له وأنتَ ازدَدْتَ في عيني سبعينَ ضعفًا فيُقالُ له أشرِفْ فيُشرِفُ فيُقالُ له مُلْكُك مسيرةُ مائةِ عامٍ ينفُذُه بصرُك قال فقال عمرُ ألا تسمَعُ ما يُحدِّثُنا ابنُ أمِّ عبدٍ يا كعبُ عن أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلًا فكيف أعلاهم قال يا أميرَ المؤمنينَ ما لا عينٌ رأَتْ ولا أذنٌ سمِعَتْ إنَّ اللهَ جلَّ ذِكْرُه خلَق دارًا جعَل فيها ما شاء من الأزواجِ والثَّمَراتِ والأشربةِ ثُمَّ أطبَقَها فلم يَرَها أحدٌ من خلقِه لا جبريلُ ولا غيرُه من الملائكةِ ثُمَّ قال كعبٌ {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قال وخلَق دونَ ذلك جنَّتينِ وزيَّنهما بما شاء وأراهما مَن شاء من خلقِه ثُمَّ قال مَن كان كتابُه في عِلِّيِّينَ نزَل في تلك الدَّارِ الَّتي لم يَرَها أحدٌ حتَّى إنَّ الرَّجلَ من أهلِ عِلِّيِّينَ ليخرُجُ فيسيرُ في ملكِه فلا تبقى خيمةٌ من خِيَمِ الجنَّةِ إلَّا دخَلها من ضوءِ وجهِه فيستَبْشِرون لريحِه فيقولونَ واهًا لهذا الرِّيحِ هذا ريحُ رجلٍ من أهلِ عِلِّيِّينَ قد خرَج يسيرُ في مُلْكِه قال ويحَك يا كعبُ إنَّ هذه القلوبَ قد استَرْسَلَت فاقبِضْها فقال كعبُ إنَّ لجهنَّمَ يومَ القيامةِ لزفرةً ما من مَلَكٍ مقرَّبٍ ولا نبيِّ مرسلٍ إلَّا خرَّ لرُكْبتَيه حتَّى إنَّ إبراهيمَ خليلَ اللهِ ليقولُ ربِّ نفسي نفسي حتَّى لو كان لك عملُ سبعينَ نبيًّا إلى عملِك لظنَنْتَ أن لا تنجوَ وفي روايةٍ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يقومُ النَّاسُ لربِّ العالمينَ ألفَ سنةٍ شاخصةً أبصارُهم ينتَظِرونَ فصلَ القضاءِ
والَّذي نَفسي بيدِهِ لا تُقسِّمُ ورثتي شيئًا مِمَّا ترَكْتُ، ما ترَكْنا صدقةٌ، وَكانَت هذِهِ الصَّدقةُ بيدِ عليٍّ غلبَ عليها عبَّاسًا وطالت فيها خصومَتُها فأبى عمرُ أن يقسِمَها بينَهُما حتَّى أعرضَ عنها عبَّاسٌ غلبَهُ عليها عليٌّ، ثمَّ كانت على يدِ حسنِ بنِ عليٍّ، ثمَّ بيدِ حُسَيْنِ بنِ عليٍّ، ثمَّ بيدِ عليِّ بنِ حُسَيْنٍ، وحسنِ بنِ حُسَيْنٍ، فَكانا يتداولانِها، ثمَّ بيدِ زيدِ بنِ حسنٍ، وَهيَ صدقةُ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حقًّا
جعلت شعائرَ من ذهبٍ في رقَبتِها فدخل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأَعرض عنها فقالت ألا تنظرُ إلى زينتي فقال عن زينتِك أُعرِضُ قال فزعموا أنه قال ما ضرَّ إحداكن لو جعلت خُرصًا من وَرِقٍ ثم جعلته بزعفرانٍ
يجمعُ اللَّهُ الأوَّلينَ والآخرينَ لميقاتِ يومٍ معلومٍ قيامًا أربعينَ سنةً شاخصةً أبصارُهُم إلى السَّماءِ ينتظرونَ فصلَ القضاءِ قالَ وينزلُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ في ظللٍ منَ الغمامِ منَ العرشِ إلى الكرسيِّ ثمَّ يُنادي مُنادٍ أيُّها النَّاسُ ألم تَرضوا من ربِّكمُ الَّذي خلقَكُم ورزقَكُم وأمرَكُم أن تعبُدوهُ ولا تشرِكوا بِهِ شيئًا أن يولِّيَ كلَّ ناسٍ منكم ما كانوا يتولَّونَ ويعبدونَ في الدُّنيا قالَ فينطلِقونَ ويمثَّلُ لَهُم أشباهُ ما كانوا يعبدونَ فَمِنْهُم من ينطلقُ إلى الشَّمسِ وَمِنْهُم من ينطلقُ إلى القمرِ وإلى الأوثانِ منَ الحجارةِ وأشباهِ ما كانوا يعبدونَ قالَ ويمثَّلُ لمن كانَ يعبدُ عيسى شيطانُ عيسى ويمثَّلُ لمن كانَ يعبدُ عُزَيْرًا شيطانُ عُزَيْرٍ ويبقى محمَّدٌ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وأُمَّتُهُ فيأتيهم الرَّبُّ عزَّ وجلَّ فيقولُ ما بالَكُم لا تنطلقونَ كما انطلقَ النَّاسُ قالَ فيقولونَ إنَّ لَنا إلَهًا ما رأيناهُ بعدُ فيقولُ هل تعرفونَهُ إن رأيتُموهُ فيقولونَ إنَّ بينَنا وبينَهُ علامةً إذا رأيناهَ عرفناهَ قالَ فيقولُ ما هي فيقولونَ يَكْشفُ عن ساقِهِ فعندَ ذلِكَ يُكْشفُ عن ساقٍ فيخرُّونَ له سجَّدًا ويبقى قومٌ ظُهورُهُم كصياصيِّ البقرِ يريدونَ السُّجودَ فلا يستطيعونَ وقد كانوا يدعونَ إلى السُّجودِ وَهُم سالمونَ ثمَّ يقولُ ارفَعوا رؤوسَكُم فيرفعونَ رؤوسَهُم فيُعطيهم نورَهُم على قدرِ أعمالِهِم فَمِنْهُم من يعطى نورَهُ على قدر الجبلِ العظيمِ يسعى بينَ أيديهم وَمِنْهُم من يعطى نورًا أصغرَ من ذلِكَ حتَّى يَكونَ آخر رجل يعطى نورَهُ على إبهامِ قدمِهِ يضيءُ مرَّةً ويطفأ مرَّةً فإذا أضاءَ قدَّمَ قدمَهُ ومشى وإذا طفئَ قامَ والرَّبُّ تباركَ و تعالَى أمامَهُم حتَّى يمرَّ في النَّارِ فيبقى أثرُهُ كحدِّ السَّيفِ قالَ ويقولُ مرُّوا فيمرُّونَ على قدرِ نورِهِم منهم من يمرُّ كطرفِ العينِ وَمِنْهُم من يمرُّ كالبرقِ وَمِنْهُم من يمرُّ كالسَّحابِ وَمِنْهُم من يمرُّ كانقضاضِ الكوكبِ وَمِنْهُم من يمرُّ كالرِّيحِ وَمِنْهُم من يمرُّ كشدِّ الفرسِ وَمِنْهُم كشدِّ الرَّجُلِ حتَّى يمرَّ الَّذي أعطى نورَهُ على قدر إبهامِ قدمَهِ يحبو على وجهِهِ ويديهِ ورجليهِ تُجرُّ يدٌ وتعلَقُ يدٌ وتجرُّ رِجلٌ وتعلَقُ رجلٌ وتصيبُ جوانبَهُ النَّارُ فلا يزالُ كذلِكَ حتَّى يخلُصَ فإذا خلصَ وقفَ عليهم ثمَّ قالَ الحمدُ للَّهِ لقد أعطاني اللَّهُ ما لم يُعطِ أحدًا إذ نجَّاني منها بعدَ أن رأيتُها قالَ فينطلَقُ بِهِ إلى غديرٍ عندَ بابِ الجنَّةِ فيغتسلُ فيه فيعودُ إليهِ ريحُ أَهْلِ الجنَّةِ وألوانُهُم فيرى ما في الجنَّةِ من خلالِ البابِ فيقولُ ربِّ أدخِلني الجنَّةَ فيقولُ اللَّهُ تبارَكَ و تعالَى لَهُ أتسألُ الجنَّةَ وقد نجِّيتُكَ منَ النَّارِ فيقولُ يا ربِّ اجعل بيني وبينَها حِجابًا لا أسمعُ حسيسَها قالَ فيدخلُ الجنَّةَ قالَ ويرى - أو يرفعُ لَهُ - منزلٌ أمامَ ذلِكَ كأنَّما الذي هوَ فيهِ إليهِ حُلمٌ ليدخُلَهُ فيقولُ ربِّ أعطني ذلِكَ المنزلَ فيقولُ فلعلَّكَ إن أعطيتُكَهُ تسألُ غيرَهُ فيقولُ وعزَّتِكَ لا أسألُ غيرَهُ وأيُّ منزلٍ يكونُ أحسَنَ منهُ قالَ فيُعطاه فينزِلُهُ فقال ويرى أو يُرفَعُ له أمامَ ذلكَ ليدخُلَهُ فيقولُ ربِّ أعطِني ذلك المنزلَ فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فلعلَّكَ إن أعطيتُكَهُ تسألُ غيرَهُ قالَ لا وعزَّتِكَ لا أسألُ غيرَهُ وأيُّ منزلٍ يَكونُ أحسنَ منهُ قالَ فيعطاهُ فينزلُ قال ويرى أو يُرفَعُ له أمام ذلكَ منزلٌ آخرُ كأنَّما الَّذي هو فيهِ إليهِ حُلْمٌ فيقولُ ربِّ أعطني ذلك المنزلَ فيقولُ اللَّهُ جلَّ جلالُهُ فلعلَّكَ إن أعطيتُكَهُ تسألُ غيرَهُ قال لا وعزَّتِكَ لا أسألُ غيرَهُ وأيُّ منزِلٍ يكونُ أحسنَ منهُ قال فيُعطاه فينزِلُ ثمَّ يسكتُ فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ما لَكَ لا تسألُ فيقولُ ربِّ لقد سألتُكَ حتَّى استحييتُكَ وأقسَمتُ لَكَ حتَّى استحييتُكَ فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ألم تَرضى أن أُعْطيَكَ مثلَ الدُّنيا منذُ يوم خلقتُها إلى يومِ أفنيتُها وعشرةَ أضعافِهِ فيقولُ أتستَهْزئُ بي وأنتَ ربُّ العزَّةِ فيضحَكُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ من قولِهِ قالَ فرأيتُ عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ إذا بلغَ بهذا المَكانَ من هذا الحديثِ ضحِكَ فقالَ لَهُ رجلٌ يا أبا عبدِ الرَّحمنِ قد سَمِعْتُكَ تحدِّثُ هذا الحديثَ مرارًا كلَّما بلغتَ هذا المَكانَ مِن هذا الحديثِ ضحِكْتَ فقالَ إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يحدِّثُ بهذا الحديثَ مرارًا كلَّما بلغَ هذا المَكانَ من هذا الحديثِ ضحِكَ حتَّى تبدُوَ أضراسُهُ قالَ فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ لا ولَكِنِّي على ذلِكَ قادرٌ سَل فيقولُ ألحِقني بالنَّاسِ فيقولُ الحقِ بالنَّاسِ قالَ فينطلقُ يرمُلُ في الجنَّةِ حتَّى إذا دَنا منَ النَّاسِ رُفِعَ لَهُ قصرٌ من درَّةٍ فيخرُّ ساجدًا فقالُ لَهُ ارفع رأسَكَ ما لَكَ فيقولُ رأيتُ ربِّي - أو تراءى لي ربِّي - فيقالُ لَهُ إنَّما هوَ منزلٌ من مَنازلِكَ قالَ ثمَّ يَلقى فيها رجلًا فيتَهَيَّأُ للسُّجودِ فيقالُ لَهُ ما لَكَ فيقولُ رأيتُ أنَّكَ ملَكٌ منَ الملائِكَةِ فيقولُ له إنَّما أَنا خازنٌ من خزَّانِكَ عبدٌ من عبيدِكَ تحتَ يدي ألفُ قَهْرمانٍ على مثلِ ما أَنا عليهِ قالَ فينطلقُ أمامَهُ حتَّى يَفتحَ لَهُ القصرَ قالَ وَهوَ في درَّةٍ مجوَّفةٍ سقائفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومفاتيحُها منها تستقبلُهُ جوهرةٌ خضراءُ مبطَّنةٌ بحمراءَ كلُّ جوهرةٍ تُفضي إلى جوهرةٍ على غيرِ لونِ الأخرى في كلِّ جوهرةٍ سررٌ وأزواجٌ ووصائفُ أدناهنَّ حوراءُ عيناءُ عليها سبعونَ حلَّةً يُرى مخُّ ساقِها من وراءِ حللِها كبدُها مرآتُهُ إذا أعرضَ عنها إعراضةً ازدادت في عينِهِ سبعينَ ضعفًا عمَّا كانت قبلَ ذلِكَ فيقولُ لَها واللَّهِ لقدِ ازدَدتِ في عيني سبعينَ ضعفًا فتقولُ لَهُ واللَّه واللَّهِ أنت لقدِ ازددتَ في عيني سبعينَ ضعفًا فيقالُ لَهُ أشرِف قالَ فيشرفُ فيقالُ لَهُ ملكُكَ مسيرةُ مائةِ عامٍ ينفذُهُ بصرُهُ قالَ فقالَ عمرُ ألا تسمعُ إلى ما يحدِّثُنا ابنُ أمِّ عبدٍ يا كعبُ عن أدنى أَهْلِ الجنَّةِ منزلًا فَكَيفَ أعلاهم قالَ كعبٌ يا أميرَ المؤمنينَ فيها ما لا عينٌ رأَت ولا أذنٌ سمِعت إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ جعلَ دارًا فيها ما شاءَ منَ الأزواجِ والثَّمراتِ والأشربةِ ثمَّ أطبقَها فلم يرَها أحدٌ منَ خلقِهِ لا جبريلُ ولا غيرُهُ منَ الملائِكَةِ ثمَّ قرأَ كعبٌ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قالَ وخلقَ من دونَ ذلِكَ جنَّتينِ وزيَّنَهُما بما شاءَ وأراهما من شاءَ من خلقِهِ ثمَّ قالَ من كانَ كتابُهُ في علِّيِّينَ نزلَ تلكَ الدَّارَ الَّتي لم يرَها أحدٌ حتَّى إنَّ الرَّجلَ من أَهْلِ علِّيِّينَ ليخرجُ فيسيرُ في ملكِهِ فلا تبقى خيمةٌ من خيامِ الجنَّةِ إلَّا دخلَها من ضوءِ وجهِهِ فيستبشِرونَ بريحِهِ فيقولونَ واهًا لِهَذا الرِّيحِ هذا رجلٌ من أَهْلِ علِّيِّينَ قد خرجَ يسيرُ في ملكِهِ فقالَ ويحَكَ يا كعبُ هذِهِ القلوبُ قدِ استَرسَلَت فاقبِضها فقالَ كعبٌ والَّذي نفسي بيدِهِ إنَّ لِجهنَّمَ يومَ القيامةِ لَزفرةً ما يبقى من ملَكٍ مقرَّبِ ولا نبيٍّ مرسلٍ إلَّا يخرُّ لرُكْبتيهِ حتَّى إنَّ إبراهيمَ خليلَ اللَّهِ يقولُ ربِّ نَفسي نَفسي حتَّى لو كانَ لَكَ عملُ سبعينَ نبيًّا إلى عملِكَ لظننتَ أنَّكَ لا تَنجو
صفةُ العاقلِ أن يحلمَ عمَّن جهِل عليه ، ويتجاوزَ عمَّن ظلَمه ، ويتواضَعَ لمن هو دونَه ، ويسابقَ مَن هو فوقَه في طلبِ البرِّ ، وإذا أراد أن يتكلَّم فكَّر ، فإذا كان خيرًا تكلَّم فغنِم ، وإن كان شرًّا سكَت فسلِم ، وإذا عرَضَتْ له فتنةٌ استَعصَم باللهِ تبارَك وتعالى , وأمسَك يدَه ولسانَه , وإذا رأى فضيلةً انتهَزَها لا يفارقُه الحياءُ ، ولا يبدو منه الحرصُ ، فتلك عشرُ خصالٍ يعرفُ بها العاقلُ ، وصفةُ الجاهلِ أن يظلمَ مَن يخالطُه ، ويعتديَ على مَن هو دونَه ، ويتطاولَ على مَن فوقَه ، كلامُه بغيرِ تدبيرٍ ، فإن تكلَّم أثِم ، وإن سكَت سَها ، وإن عرَضَتْ له فتنةٌ سارَع إليها ، فأردَتْه ، وإن رأى فضيلةً أعرَض عنها وأبطَأ عنها ، لا يخافُ ذنوبَه القديمةَ ، ولا يرتدِعُ فيما بقي مِن عمرِه عن الذنوبِ ، يتوانى عن البرِّ ويبطئُ عنه غيرَ مكترثٍ لما فاته مِن ذلك ، أو ضيَّعه فتلك عشرُ خصالٍ مِن صفةِ الجاهلِ الذي حُرِم العقلَ
يَجمَعُ اللهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ لميقاتِ يومٍ معلومٍ، قيامًا أربعين سَنَةً، شاخِصَةً أبصارُهم إلى السَّماءِ، ينتَظِرون فصلَ القضاءِ، قال: ويَنزِلُ اللهُ عزَّ وجلَّ في ظُلَلٍ من الغَمامِ من العَرشِ إلى الكُرسيِّ، ثم يُنادي مُنادٍ: أيُّها الناسُ، أَلَمْ تَرضَوْا من ربِّكُم الذي خَلَقَكم ورَزَقَكم وأَمَرَكم أنْ تَعبُدوه، ولا تُشرِكوا به شيئًا أن يُولِّيَ كُلَّ ناسٍ منكم ما كانوا يتوَلَّوْنَ ويَعبُدون في الدُّنيا؟ أليس ذلك عدلًا من ربِّكم؟ قالوا: بلى. قال: فينطَلِقُ كُلُّ قومٍ إلى ما كانوا يَعبُدون ويتوَلَّوْنَ في الدُّنيا، فينطَلِقون ويُمثَّلُ لهم أشباهُ ما كانوا يَعبُدون، فمنهم مَن ينطَلِقُ إلى الشَّمسِ، ومنهم مَن ينطَلِقُ إلى القَمَرِ، وإلى الأوثانِ من الحِجارَةِ وأشباهِ ما كانوا يَعبُدون، قال: ويُمثَّلُ لمَن كان يعبُدُ عيسى شَيطانُ عيسى، ويُمثَّلُ لمَن كان يعبُدُ عُزيرًا شَيطانُ عُزيرٍ. ويَبقى مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأُمَّتُه، فيأتيهم الرَّبُّ عزَّ وجلَّ، فيقولُ: ما لكم لا تنطَلِقون كما انطَلَقَ الناسُ؟ فيقولون: إنَّ لنا إِلَهًا ما رأيْناهُ بعدُ، فيقولُ: هل تعرِفونَه إذا رأيْتُموه؟ فيقولون: إنَّ بينَنا وبينَه علامةً إنْ رأيْناها عَرَفْناها، قال: فيقولُ: ما هي؟ فيقولون: يُكشَفُ عن ساقِه، قال: فعندَ ذلك يُكشَفُ عن ساقٍ فيَخِرون له سُجَّدًا، ويَبقى قومٌ ظُهورُهم كصياصيِّ البَقَرِ، يُريدون السُّجودَ فلا يَسْتَطيعون، وقد كانوا يُدعَوْنَ إلى السُّجودِ وهم سالِمون. ثم يقولُ: ارْفَعوا رُؤُوسَكم، فيَرفَعون رُؤُوسَهم، ويُعْطيهم نُورَهم على قدْرِ أعمالِهم، فمنهم مَن يُعطى نورَه مثلَ الجَبَلِ العَظيمِ، يَسْعى بين يديْهِ، ومنهم مَن يُعطى أصغَرَ من ذلك، ومنهم مَن يُعطى نورًا مثلَ النَّخلةِ بيَمينِه، ومنهم مَن يُعطى نورَا أصغَرَ من ذلك، حتى يكونَ آخِرُهم رَجُلًا يُعطى نورَه على إبهامِ قَدَمِه يُضيءُ مرَّةً، ويُطفَأُ مرَّةً، فإذا أضاءَ قدَّم قَدَمَه فمَشى، وإذا طُفِئَ قامَ، والربُّ تَبارك وتَعالى أمامَهم حتى يمُرَّ في النارِ، فيبقى أثَرٌ كحَدِّ السَّيفِ، قال: ويقولُ: مُرُّوا، فيَمُرُّون على قدْرِ نورِهم. منهم مَن يمُرُّ كطرْفِ العَينِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالبَرقِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالسَّحابِ، ومنهم مَن يمُرُّ كانقِضاضِ الكَوكَبِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالرِّيحِ، ومنهم مَن يمُرُّ كشَدِّ الفَرَسِ، ومنهم مَن يمُرُّ كشَدِّ الرَّحْلِ، حتى يمُرَّ الذي أُعطِيَ نورَه على إبهامِ قَدَمِه يَحْبو على وجْهِه ويديْهِ ورِجْليهِ، تَخِرُّ يَدٌ وتَعلَقُ يَدٌ، وتَخِرُّ رِجلٌ وتَعلَقُ رِجلٌ، وتُصيبُ جوانِبَه النارُ، فلا يزالُ كذلك حتى يَخلُصَ، فإذا خَلَصَ، وَقَفَ عليها، وقال: الحمدُ للهِ، لقد أعْطانيَ اللهُ ما لم يُعطِ أحدًا؛ إذْ نجَّاني منها بعدَ إذْ رأيْتُها. قال: فيُنطَلَقُ به إلى غَديرٍ عندَ بابِ الجَنَّةِ، فيَغْتسِلُ، فيعودُ إليه ريحُ أهلِ الجَنَّةِ وألْوانُهم، فيَرى ما في الجَنَّةِ من خِلالِ البابِ، فيقولُ: ربِّ أدْخِلْني الجَنَّةَ، فيقولُ اللهُ تَبارك وتَعالى له: أَتَسأَلُ الجَنَّةَ وقد نَجَّيتُكَ من النارِ؟! فيقولُ: ربِّ اجعَلْ بيني وبينها حِجابًا لا أسَمُع حَسيسَها، قال: فيدخُلُ الجَنَّةَ، قال: ويَرى -أو يُرفَعُ له- مَنزِلٌ أمامَ ذلك كأنَّما الذي هو فيه إليه حُلمٌ، فيقولُ: ربِّ أعْطِني ذلك المَنزِلَ، فيقولُ: فلعلَّك إنْ أعطيتُكَهُ تَسأَلُ غيرَه، فيقولُ: لا وعِزَّتِك لا أَسأَلُك غيرَه، وأيُّ مَنزِلٍ يكونُ أحسَنَ منه، فيُعطاه؛ فيَنزِلَه، قال: ويَرى أمامَ ذلك مَنزِلًا آخَرَ، كأنَّما هو فيه إليه حُلمٌ، فيقولُ: أَعْطِني ذلك المَنزِلَ، فيقولُ اللهُ جلَّ جلالُه: فلعلَّك إنْ أعطيتُكَهُ تَسأَلُ غيرَه؟ قال: لا وعِزَّتِك، لا أَسأَلُ غيرَه، وأيُّ مَنزِلٍ يكونُ أحسَنَ منه؟ قال: فيُعطى؛ فيَنزِلَه، قال: ويَرى -أو يُرفَعُ له- أمامَ ذلك مَنزِلٌ آخَرُ، كأنَّما هو فيه إليه حُلمٌ، فيقولُ: أعْطِني ذلك المَنزِلَ، فيقولُ اللهُ جلَّ جلاله: فلعلَّك إنْ أعطيتُكَ إيَّاه تَسأَلُ غيرَه؟ قال: لا وعِزَّتِك لا أَسأَلُك غيرَه، وأيُّ مَنزِلٍ يكونُ أحسَنَ منه، قال: فيُعطاه؛ فيَنزِلَه، ثم يَسكُتُ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: مالَكَ لا تَسأَلُ؟ فيقولُ: رَبِّ، لقد سَأَلْتُك حتى استَحْيَيتُكَ، وأقْسَمْتُ لك حتى استَحْيَيتُكَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: أَلَا تَرضَى أنْ أُعْطيَكَ مثلَ الدُّنيا مُذْ يومِ خَلَقتُها إلى يومِ أفْنَيتُها وعَشْرةَ أضعافِه؟ فيقولُ: أتَسْتهزِئُ بي وأنتَ رَبُّ العِزَّةِ، فيضحَكُ الربُّ عزَّ وجلَّ من قولِه. قال: فرأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ إذا بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحديثِ ضَحِكَ، فقال له رَجُلٌ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، قد سَمِعتُكَ تُحدِّثُ هذا الحديثَ مِرارًا، كُلَّما بَلَغتَ هذا المَكانَ ضَحِكتَ، فقال: إني سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحدِّثُ هذا الحديثَ مِرارًا، كُلَّما بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحديثِ ضَحِكَ حتى تبدُوَ أضراسُه. قال: فيقولُ الربُّ عزَّ وجلَّ: لا: ولكني على ذلك قادِرٌ، سَلْ، فيقولُ: ألْحِقْني بالناسِ، فيقولُ: الْحَقِ بالناسِ قال: فينطَلِقُ يرمُلُ في الجَنَّةِ حتى إذا دَنا من الناسِ، رُفِعَ له قصرٌ من دُرَّةٍ، فيَخِرُّ ساجِدًا، فيُقالُ له: ارفَعْ رأسَك، ما لَك؟ فيقولُ: رأيتُ ربي، -أو تراءَى لي ربي- فيُقالُ له: إنَّما هو مَنزِلٌ من منازِلِكَ، قال: ثم يَلْقى رَجُلًا، فيتهيَّأُ للسُّجودِ، فيُقالُ له: مَهْ، ما لَك؟ فيقولُ: رأيتُ أنَّك مَلَكٌ من الملائكةِ، فيقولُ: إنَّما أنا خازِنٌ من خُزَّانِكَ، عبدٌ من عَبيدِكَ، تحتَ يديَّ ألفُ قَهْرَمانٍ على مِثلِ ما أنا عليه. قال: فينطَلِقُ أمامَه حتى يُفتَحَ له القَصرُ، قال: وهو في دُرَّةٍ مُجوَّفةٍ، سقائِفُها، وأبوابُها، وأغلاقُها، ومفاتيحُها منها، تستقبِلُه جَوهرةٌ خَضراءُ مُبطَّنةٌ بحَمراءَ، كُلُّ جَوهرةٍ تُفضي إلى جَوهرةٍ فيها سَبعون بابًا، كُلُّ بابٍ يُفضي إلى جَوهرةٍ خَضْراءَ مُبطَّنةٍ بحَمراءَ، كُلُّ جَوهرةٍ تُفضي إلى جَوهرةٍ على غيرِ لَوْنِ الأخرى، في كُلِّ جَوهرةٍ سُرُرٌ وأزْواجٌ، ووصائِفُ أدناهُنَّ حَوراءُ عَيناءُ عليها سَبعون حُلَّةً، يُرى مُخُّ ساقِها من وراءِ حُلَلِها، كَبِدُها مِرآتُه، وكَبِدُه مِرآتُها، إذا أعرَضَ عنها إعراضةً ازدادتْ في عَينِه سَبعينَ ضِعفًا عمَّا كانتْ قبلَ ذلك، فيقولُ لها: واللهِ لقدِ ازْدَدتِ في عَيني سَبعين ضِعفًا، وتقولُ له: واللهِ وأنتَ، لقدِ ازْدَدتَ في عَيني سَبعينَ ضِعفًا، فيُقالُ له: أشْرِفْ، قال: فيُشرِفُ، فيُقالُ له: مُلْكُكَ مَسيرةُ مِئَةِ عامٍ يَنفُذُه بَصَرُه. قال فقال عُمَرَ: أَلَا تَسمَعُ إلى ما يُحدِّثُنا ابنُ أُمِّ عبدٍ يا كعْبُ، عن أدْنى أهلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا، فكيف أعْلاهم؟ قال كعبٌ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، ما لا عينٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعتْ، إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ دارًا فيها ما شاءَ من الأزواجِ، والثَّمَراتِ، والأشرِبَةِ، ثم أطْبَقَها، فلم يَرَها أحَدٌ من خَلْقِه، لا جِبريلُ ولا غيرُهُ من الملائِكَةِ. ثُمَّ قَرَأَ كعبٌ: { فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [السجدة: 17]. قال: وخَلَقَ دُون ذلك جَنَّتينِ، فزيَّنهما بما شاءَ، وأراهما مَن شاءَ من خَلْقِه، ثم قال: مَن كان في عِليِّينَ نَزَلَ تلك الدارَ التي لم يَرَها أحدٌ، حتى إنَّ الرَّجُلَ من أهلِ عِليِّينَ؛ لَيخرُجُ فيسيرُ في مُلْكِه، فما تَبقى خَيمةٌ من خِيَمِ الجَنَّةِ إلَّا دَخَلَها من ضَوءِ وجْهِه، فيَسْتبشِرون برِيحِه، فيقولون: واهًا لهذه الرِّيحِ، هذا رَجُلٌ من أهلِ عِليِّينَ قد خَرَجَ يَسيرُ في مُلْكِه. فقال: وَيحَك يا كعبُ! هذه القُلوبُ قد استَرْسَلَتْ فاقْبِضْها، فقال كعبٌ: والذي نفْسي بيَدِه، إنَّ لجهنَّمَ يومَ القيامَةِ لَزفرَةً ما يَبقى من مَلَكٍ مُقرَّبٍ ولا نَبيٍّ مُرسَلٍ إلَّا خَرَّ لرُكْبتيهِ، حتى إنَّ إبراهيمَ خليلَ اللهِ عليه السَّلامُ يقولُ: ربِّ نَفْسي نَفْسي، حتى لو كان لكَ عَمَلُ سَبْعينَ نبيًّا إلى عَمَلِكَ لظَنَنتَ أنَّك لا تَنْجو
للعاقلِ خمسُ خصالٍ يُعرفُ بها يُغفرُ عمن ظلمَه ويتواضعُ لمن دونَه ويسابقُ إلى الخيرِ مَنْ فوقَه فإنْ رأى بابَ برٍّ انتهزَه ولا يفارقُه الخوفَ ويتدبرُ ثم يتكلمُ فإنْ تكلَّم غَنِمَ وإنْ سكت سلِمَ وإنْ عرضتْ لهم فتنةٌ اعتصمَ باللهِ وسكت وللجاهلِ خصالٌ يُعرفُ بها يظلمُ من يُخالطُه ويعتدي على مَنْ دونَه ويتطاولُ على مَنْ فوقَه ولا يُنصفُ من نفسِه ويتكلمُ بغيرِ تدبُّرٍ فيندمُ فإنْ تكلَّم أَثِمَ وإنْ سكت سها وإنْ عرضتْ له فتنةٌ أرْدَتْه وإنْ رأى بابَ فضيلةٍ أعرض عنها
سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ في خطبةِ أحدِ العيدينِ أَيُّهَا النَّاسُ الدُّنْيا دَارُ بَلاءٍ ومَنْزِلُ قُلْعَةٍ وعَنَاءٍ قَدْ نَزَعَتْ عَنْهَا نُفُوسُ السُّعَدَاءِ وانْتُزِعَتْ بِالكَرْهِ من أَيْدِي الأَشْقِياءِ فَأَسْعَدُ النَّاسِ بها أَرْغَبُهُمْ عَنْهَا وأَشْقَاهُمْ بها أَرْغَبُهُمْ فِيهَا هِيَ الغَاشَّةُ لِمَنِ انْتَصَحَهَا والمُغْوِيَةُ لِمَنْ أَطَاعَهَا والخاتِرَةُ لِمَنِ انْقَادَ لَهَا والفَائِزُ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا والهَالِكُ مَنْ هَوَى فِيهَا طُوبَى لِعَبْدٍ اتَّقَى فِيهَا رَبَّهُ ونَاصَحَ نَفْسَهُ وقَدَّمَ تَوْبَتَهُ وأَخَّرَ شَهْوَتَهُ مَنْ قَبْلِ أنْ تَلْفِظَهُ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ فَيُصْبِحُ في بَطْنٍ مُوحِشَةٍ غَبْرَاءَ مُدْلَهِمَّةٍ ظَلْمَاءَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَزِيدَ في حَسَنَةٍ ولا يُنْقِصَ من سَيِّئَةٍ ثمَّ يُنْشَرُ فَيُحْشَرُ إِمَّا إلى جَنَّةٍ لا يُرْفَعُ نَعِيمُهَا أَوْ إلى نَارٍ لا يَنْفَدُ عَذَابُهَا
صِفَةُ [ العاقلِ : أن يحلُمَ ] عَمَّن جهِلَ عليهِ ، ويتَجاوزَ عمَّن ظلَمَه ، ويتواضَعَ لمَن هوَ دونَه ، ويُسابِقُ من هوَ فوقَه في طلَبِ البِرِّ ، وإذا أرادَ أن يتكلَّم فكَّرَ ، فإذا كان خيرًا تكلَّمَ فغنِمَ ، وإن كان شَرًّا سكَتَ فسلِمَ ، وإذا عرَضَتْ لهُ فِتنةٌ استَعصَمَ باللهِ تعالى فأمسَكَ يدَه ولِسانَه ، وإذا رأى فَضيلةً انتهزَها ، لا يُفارِقُه الحياءُ ، ولا يَبدو مِنهُ الحرصُ ، فتَلكَ عشرُ خِصالٍ يُعرَفُ بها العاقلُ ، قال : وصفةُ الجاهلِ : أن يَظلمَ مَن يخالطُه ، ويعتدي [ علَى من ] هوَ دونَه ، ويتَطاولَ علَى مَن هوَ فوقَه ، كلامُه بغيرِ تَدبُّرٍ ، فإن تكلَّمَ أثِمَ ، وإن سكَت سَها ، وإن عرَضَت لهُ فتنةٌ سارَع إليها فأرْدَتْه ، وإن رأى فَضيلةً أعرَضَ عنها وأبطأَ عَنها ، لا يخافُ ذُنوبَه القديمةَ ، ولا يرتَدِعُ فيما يبقَى مِن عُمُرِه عن الذُّنوبِ ، مُتوانيًا عن البرِّ مُبطئًا عَنهُ ، غيرُ مكترِثٍ لما فاتَه مِن ذلكَ أو ضيَّعَه ، فتِلكَ عَشرُ خِصالٍ مِن صِفةِ الجاهلِ الَّذي حُرِمَ العقلَ
حديث حشرِ الخلقِ قيامًا شاخصةً أبصارُهُمْ أربعينَ سنةً إلى السماءِ [يعني حديث: يجمَعُ اللهُ الأوَّلينَ والآخرينَ لميقاتِ يومٍ معلومٍ قيامًا أربعينَ سنةً شاخصةً أبصارُهم ينتَظِرونَ فصلَ القضاءِ قال وينزِلُ اللهُ عزَّ وجلَّ في ظُلَلٍ من الغمامِ من العرشِ إلى الكرسيِّ ثُمَّ يُنادِي منادٍ أيُّها النَّاسُ ألم تَرْضَوا من ربِّكم الَّذي خلَقكم ورزَقكم وأمَركم أن تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا أن يُولِّيَ كلَّ أناسٍ منكم ما كانوا يعبُدونَ في الدُّنيا أليس ذلك عدلًا من ربِّكم قالوا بلى قال فينطَلِقُ كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبُدونَ ويقولونَ في الدُّنيا قال فينطَلِقونَ ويُمثَّلُ لهم أشباهُ ما كانوا يعبُدونَ فمنهم مَن ينطَلِقُ إلى الشَّمسِ ومنهم مَن ينطَلِقُ إلى القمرِ والأوثانِ من الحجارةِ وأشباهِ ما كانوا يعبُدونَ قال ويُمثَّلُ لمَن كان يعبُدُ عيسى شيطانُ عيسى ويُمثَّلُ لمَن كان يعبُدُ عُزيرًا شيطانُ عُزيز ويبقى محمَّدٌ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم وأمَّتُه قال فيتمثَّلُ الرَّبُّ تبارَك وتعالى فيأتيهم فيقولُ ما لكم لا تنطَلِقونَ كانطلاقِ النَّاسِ فيقولونَ إنَّ لنا لَإلهًا ما رأَيْناه فيقولُ هل تعرِفونَه إن رأَيْتُموه فيقولونَ إنَّ بيننا وبينه علامةً إذا رأَيْناها عرَفْناها قال فيقولُ ما هي فنقولُ يكشِفُ عن ساقِه قال فعند ذلك يكشِفُ عن ساقِه فيخرُّ كلُّ مَن كان نظره ويبقى قومٌ ظهورُهم كصَياصيِّ البقرِ يُريدونَ السُّجودَ فلا يستَطيعونَ وقد كانوا يُدْعَونَ إلى السُّجودِ وهو سالمونَ ثُمَّ يقولُ ارفَعوا رؤوسَكم فيرفَعونَ رؤوسَهم فيُعْطِيهم نورَهم على قدرِ أعمالِهم فمنهم مَن يُعْطَى نورَه مثلَ الجبلِ العظيمِ يسعى بين يدَيْه ومنهم مَن يُعْطَى نورَه أصغرَ من ذلك ومنهم مَن يُعطَى مثلَ النَّخلةِ بيدِه ومنهم مَن يُعْطَى أصغرَ من ذلك حتَّى يكونَ آخرُهم رجلًا يُعْطَى نورَه على إبهامِ قدَمَيْه يُضيءُ مرَّةً ويُطفَأُ مرَّةً فإذا أضاء قدَّم قدمَه وإذا طُفِئ قام قال والرَّبُّ تبارَك وتعالى أمامَهم حتَّى يمرُّ في النَّار فيبقى أثرُه كحدِّ السَّيفِ قال فيقولُ مُرُّوا فيمُرُّون على قدرِ نورِهم منهم مَن يمُرُّ كطرفةِ العينِ ومنهم مَن يمُرُّ كالبَرْقِ ومنهم مَن يمُرُّ كالسَّحابِ ومنهم مَن يمُرُّ كانقضاضِ الكوكبِ ومنهم مَن يمُرُّ كالرِّيحِ ومنهم مَن يمُرُّ كشدِّ الفرسِ ومنهم مَن يمُرُّ كشدِّ الرَّحلِ حتَّى يمُرَّ الَّذي يُعْطَى نورَه على ظهرِ قدَمَيْه يجثو على وجهِه ويدَيْه ورِجْلَيْه تخِرُّ يدٌ وتعلَقُ يدٌّ وتخِرُّ رِجْلٌ ٌٌٌوتعلَقُ رِجْلٌ وتُصيبُ جوانبَه النَّارُ فلا يزالُ كذلك حتَّى يخلُصَ فإذا خلَص وقَف عليها فقال الحمدُ للهِ فقد أعطاني اللهُ ما لم يُعْطِ أحدًا إذ نجَّاني منها بعد إذ رأَيْتُها قال فيُنطَلَقُ به إلى غديرٍ عند بابِ الجنَّةِ فيغتَسِلُ فيعودُ إليه ريحُ أهلِ الجنَّةِ وألوانُهم فيرى ما في الجنَّةِ من خللِ البابِ فيقولُ ربِّ أدخِلْني الجنَّةَ فيقولُ اللهُ أتسأَلُ الجنَّةَ وقد نجَّيْتُك من النَّارِ فيقولُ ربِّ اجعَلْ بيني وبينها حجابًا لا أسمَعُ حسيسَها قال فيدخُلُ الجنَّةَ ويرى أو يُرفَعُ له منزلٌ أمامَ ذلك كأنَّ ما هو فيه إليه حُلْمٌ فيقولُ ربِّ أعطِني ذلك المنزلَ فيقولُ له لعلَّك إن أعطَيْتُكه تسأَلُ غيرَه فيقولُ لا وعزَّتِك لا أسأَلُك غيرَه وأنى منزلٍ أحسنُ منه فيُعْطَى فينزِلُه ويرى أمامَ ذلك منزلًا كأنَّ ما هو فيه إليه حُلْمٌ قال ربِّ أعطِني ذلك المنزلَ فيقولُ اللهُ تبارَك وتعالى فلعلَّك إن أعطَيْتُكه تسأَلُ غيرَه فيقولُ وعزَّتِك يا ربِّ وأنى منزلٍ يكونُ أحسنَ منه فيُعْطاه وينزِلُه ثُمَّ يسكُتُ فيقولُ اللهُ جلَّ ذِكْرُه ما لك لا تسأَلُ فيقولُ ربِّ قد سأَلْتُك حتَّى قد استحيَيْتُك وأقسَمْتُ حتَّى استحيَيْتُك فيقولُ اللهُ جلَّ ذِكْرُه ألم ترضَ أن أُعطِيَك مثلَ الدُّنيا منذ خلَقْتُها إلى يومِ أفنَيْتُها وعشَرةَ أضعافِه فيقولُ أتهزَأُ بي وأنتَ ربُّ العزَّةِ فيضحَكُ الرَّبُّ تبارَك وتعالى من قولِه قال فرأَيْتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ إذا بلَغ هذا المكانَ من هذا الحديثِ ضحِك فقال له رجلٌ يا أبا عبدَ الرَّحمنِ قد سمِعْتُك تُحدِّثُ هذا الحديثَ مرارًا كلَّما بلَغْتَ هذا المكانَ ضحِكْتَ قال إنِّي سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يُحدِّثُ هذا الحديثَ مرارًا كلَّما بلَغ هذا المكانَ من هذا الحديثِ ضحِك حتَّى تبدو أضراسُه قال فيقولُ الرَّبُّ جلَّ ذِكْرُه لا ولكنِّي على ذلك قادرٌ سَلْ فيقولُ ألحِقْني بالنَّاسِ فيقولُ الحَقْ بالنَّاسِ قال فينطَلِقُ يَرْمُلُ في الجنَّةِ حتَّى إذا دنا من النَّاسِ رُفِع له قصرٌ من درَّةٍ فيخِرُّ ساجدًا فيُقالُ له ارفَعْ رأسَك ما لك فيقولُ رأَيْتُ ربِّي أو تراءى لي ربِّي فيُقالُ له إنَّما هو منزلٌ من منازلِك قال ثُمَّ يلقى رجلًا فيتهيَّأُ للسُّجودِ له فيُقالُ له مَهْ فيقولُ رأَيْتُ أنَّك مَلَكٌ من الملائكةِ فيقولُ إنَّما أنا خازنٌ من خزَّانِك وعبدٌ من عبيدِك تحتَ يدي ألفُ قَهْرَمانٍ على مثلِ ما أنا عليه قال فينطَلِقُ أمامَه حتَّى يُفتَحَ له القصرُ قال وهو من دُرَّةٍ مجوَّفةٍ سَقائِفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومفاتيحُها منها تستَقبِلُه جوهرةٌ خضراءُ مبطَّنةُ بحمراءَ فيها سبعونَ بابًا كلُّ بابٍ يُفضِي إلى جوهرةٍ خضراءَ مبطَّنةٍ كلُّ جوهرةٍ تُفضِي إلى جوهرةٍ على غيرِ لونِ الأخرى في كلِّ جوهرةٍ سُرَرٌ وأزواجٌ ووصائفُ أدناهنَّ حَوْراءُ عَيْناءُ عليها سبعونَ حُلَّةً يُرَى مخُّ ساقِها من وراءِ حُلَلِها كَبِدُها مرآتُه وكَبِدُه مرآتُها إذا أعرَض عنها إعراضةً ازدادتْ في عينِه سبعينَ ضعفًا عمَّا كانت قبل ذلك فيقولُ لها واللهِ لقد ازدَدْتِ في عيني سبعينَ ضعفًا وتقولُ له وأنتَ ازدَدْتَ في عيني سبعينَ ضعفًا فيُقالُ له أشرِفْ فيُشرِفُ فيُقالُ له مُلْكُك مسيرةُ مائةِ عامٍ ينفُذُه بصرُك قال فقال عمرُ ألا تسمَعُ ما يُحدِّثُنا ابنُ أمِّ عبدٍ يا كعبُ عن أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلًا فكيف أعلاهم قال يا أميرَ المؤمنينَ ما لا عينٌ رأَتْ ولا أذنٌ سمِعَتْ إنَّ اللهَ جلَّ ذِكْرُه خلَق دارًا جعَل فيها ما شاء من الأزواجِ والثَّمَراتِ والأشربةِ ثُمَّ أطبَقَها فلم يَرَها أحدٌ من خلقِه لا جبريلُ ولا غيرُه من الملائكةِ ثُمَّ قال كعبٌ {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قال وخلَق دونَ ذلك جنَّتينِ وزيَّنهما بما شاء وأراهما مَن شاء من خلقِه ثُمَّ قال مَن كان كتابُه في عِلِّيِّينَ نزَل في تلك الدَّارِ الَّتي لم يَرَها أحدٌ حتَّى إنَّ الرَّجلَ من أهلِ عِلِّيِّينَ ليخرُجُ فيسيرُ في ملكِه فلا تبقى خيمةٌ من خِيَمِ الجنَّةِ إلَّا دخَلها من ضوءِ وجهِه فيستَبْشِرون لريحِه فيقولونَ واهًا لهذا الرِّيحِ هذا ريحُ رجلٍ من أهلِ عِلِّيِّينَ قد خرَج يسيرُ في مُلْكِه قال ويحَك يا كعبُ إنَّ هذه القلوبَ قد استَرْسَلَت فاقبِضْها فقال كعبُ إنَّ لجهنَّمَ يومَ القيامةِ لزفرةً ما من مَلَكٍ مقرَّبٍ ولا نبيِّ مرسلٍ إلَّا خرَّ لرُكْبتَيه حتَّى إنَّ إبراهيمَ خليلَ اللهِ ليقولُ ربِّ نفسي نفسي حتَّى لو كان لك عملُ سبعينَ نبيًّا إلى عملِك لظنَنْتَ أن لا تنجوَ وفي روايةٍ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يقومُ النَّاسُ لربِّ العالمينَ ألفَ سنةٍ شاخصةً أبصارُهم ينتَظِرونَ فصلَ القضاءِ]
بَيْنَما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مسيرٍ له بَيْنَ يدَيْهِ رجُلٌ ينظُرُ هل في الطَّريقِ شيءٌ يكرَهُه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُميطُه عنه فإذا هو بامرأةٍ عجوزٍ لا تُواري عُرْيًا فقال إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظَلَّكِ فأعرَضَتْ وقال لها ثلاثَ مرَّاتٍ كلَّ مرَّةٍ تُعرِضُ عنه قالت فما تأمُرُني إنْ كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظَلَّني فسمِع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتَها فقال أعرِضْ عنها فإنَّها جبَّارةٌ
أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ كَعبِ بنِ مالِكٍ -وكان قائِدَ كَعبٍ مِن بَنيه حينَ عَميَ- قال: سَمِعتُ كَعبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حينَ تَخَلَّفَ عن قِصَّةِ تَبوكَ، قال كَعبٌ: لَم أتَخَلَّفْ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةٍ غَزاها إلَّا في غَزوةِ تَبوكَ، غيرَ أنِّي كُنتُ تَخَلَّفتُ في غَزوةِ بَدرٍ، ولَم يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنها، إنَّما خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ عيرَ قُرَيشٍ، حتَّى جَمَعَ اللهُ بينَهم وبينَ عَدوِّهِم على غيرِ ميعادٍ، ولقد شَهِدتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيلةَ العَقَبةِ حينَ تَواثَقنا على الإسلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشهَدَ بَدرٍ، وإن كانَت بَدرٌ أذكَرَ في النَّاسِ منها، كان مِن خَبَري: أنِّي لَم أكُنْ قَطُّ أقوى ولا أيسَرَ حينَ تَخَلَّفتُ عنه في تلك الغَزاةِ، واللهِ ما اجتَمعت عِندي قَبلَه راحِلَتانِ قَطُّ، حتَّى جَمَعتُهما في تلك الغَزوةِ، ولَم يَكُنْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ غَزوةً إلَّا ورَّى بغَيرِها، حتَّى كانَت تلك الغَزوةُ غَزاها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَرٍّ شَديدٍ، واستَقبَلَ سَفَرًا بَعيدًا ومَفازًا وعَدوًّا كَثيرًا، فجَلَّى للمُسلِمينَ أمرَهم؛ ليَتَأهَّبوا أُهبةَ غَزوِهم، فأخبَرَهم بوجهِه الذي يُريدُ، والمُسلِمونَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَثيرٌ، ولا يَجمَعُهم كِتابٌ حافِظٌ -يُريدُ الدِّيوانَ- قال كَعبٌ: فما رَجُلٌ يُريدُ أن يَتَغَيَّبَ إلَّا ظَنَّ أن سَيَخفى له، ما لَم يَنزِلْ فيه وحيُ اللهِ، وغَزا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تلك الغَزوةَ حينَ طابَتِ الثِّمارُ والظِّلالُ، وتَجَهَّزَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمونَ معهُ، فطَفِقتُ أغدو لكَي أتَجَهَّزَ معهُم، فأرجِعُ ولَم أقضِ شيئًا، فأقولُ في نَفسي: أنا قادِرٌ عليه، فلَم يَزَلْ يَتَمادى بي حتَّى اشتَدَّ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصبَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمونَ معهُ، ولَم أقضِ مِن جَهازي شيئًا، فقُلتُ: أتَجَهَّزُ بَعدَه بيَومٍ أو يَومَينِ، ثُمَّ ألحَقُهم، فغَدَوتُ بَعدَ أن فصَلوا لأتَجَهَّزَ، فرَجَعتُ ولَم أقضِ شيئًا، ثُمَّ غَدَوتُ، ثُمَّ رَجَعتُ ولَم أقضِ شيئًا، فلَم يَزَلْ بي حتَّى أسرَعوا وتَفارَطَ الغَزوُ، وهَمَمتُ أن أرتَحِلَ فأُدرِكَهم، ولَيتَني فعَلتُ! فلَم يُقدَّرْ لي ذلك، فكُنتُ إذا خَرَجتُ في النَّاسِ بَعدَ خُروجِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطُفتُ فيهم، أحزَنَني أنِّي لا أرى إلَّا رَجُلًا مَغموصًا عليه النِّفاقُ، أو رَجُلًا مِمَّن عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفاءِ، ولَم يَذكُرْني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بَلَغَ تَبوكَ، فقال وهو جالِسٌ في القَومِ بتَبوكَ: ما فعَلَ كَعبٌ؟ فقال رَجُلٌ مِن بَني سَلِمةَ: يا رَسولَ اللهِ، حَبَسَه بُرداه ونَظَرُه في عِطفِه، فقال مُعاذُ بنُ جَبَلٍ: بئسَ ما قُلتَ، واللهِ يا رَسولَ اللهِ، ما عَلِمنا عليه إلَّا خَيرًا، فسَكَتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال كَعبُ بنُ مالِكٍ: فلَمَّا بَلَغَني أنَّه تَوجَّهَ قافِلًا، حَضَرَني هَمِّي، وطَفِقتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وأقولُ: بماذا أخرُجُ مِن سَخَطِه غَدًا؟! واستَعَنتُ على ذلك بكُلِّ ذي رَأيٍ مِن أهلي، فلَمَّا قيلَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظَلَّ قادِمًا، زاحَ عَنِّي الباطِلُ، وعَرَفتُ أنِّي لَن أخرُجَ منه أبَدًا بشَيءٍ فيه كَذِبٌ، فأجمَعتُ صِدقَه، وأصبَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادِمًا، وكان إذا قدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأ بالمَسجِدِ، فيَركَعُ فيه رَكعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ للنَّاسِ، فلَمَّا فعَلَ ذلك جاءَه المُخَلَّفونَ، فطَفِقوا يَعتَذِرونَ إليه ويَحلِفونَ له، وكانوا بضعةً وثَمانينَ رَجُلًا، فقَبِلَ منهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلانيَتَهم، وبايَعَهم واستَغفَرَ لهم، ووكَلَ سَرائِرَهم إلى اللهِ، فجِئتُه، فلَمَّا سَلَّمتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغضَبِ، ثُمَّ قال: تَعالَ، فجِئتُ أمشي حتَّى جَلَستُ بينَ يَدَيه، فقال لي: ما خَلَّفَكَ؟ ألَم تَكُنْ قدِ ابتَعتَ ظَهرَكَ؟ فقُلتُ: بَلى، إنِّي واللهِ لو جَلَستُ عِندَ غيرِكَ مِن أهلِ الدُّنيا، لَرَأيتُ أن سَأخرُجُ مِن سَخَطِه بعُذرٍ، ولقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي واللهِ، لقد عَلِمتُ لَئِن حَدَّثتُكَ اليومَ حَديثَ كَذِبٍ تَرضى به عَنِّي، لَيوشِكَنَّ اللهُ أن يُسخِطَكَ عليَّ، ولَئِن حَدَّثتُكَ حَديثَ صِدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إنِّي لَأرجو فيه عَفوَ اللهِ، لا واللهِ، ما كان لي مِن عُذرٍ، واللهِ ما كُنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عَنكَ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا هذا فقد صَدَقَ، فقُمْ حتَّى يَقضيَ اللهُ فيكَ. فقُمتُ، وثارَ رِجالٌ مِن بَني سَلِمةَ فاتَّبَعوني، فقالوا لي: واللهِ ما عَلِمناكَ كُنتَ أذنَبتَ ذَنبًا قَبلَ هذا، ولقد عَجَزتَ أن لا تَكونَ اعتَذَرتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتَذَرَ إليه المُتَخَلِّفونَ، قد كان كافيَكَ ذَنبَكَ استِغفارُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَكَ، فواللهِ ما زالوا يُؤَنِّبوني حتَّى أرَدتُ أن أرجِعَ فأُكَذِّبَ نَفسي، ثُمَّ قُلتُ لهم: هل لَقيَ هذا مَعي أحَدٌ؟ قالوا: نَعَم، رَجُلانِ قالا مِثلَ ما قُلتَ، فقيلَ لهما مِثلُ ما قيلَ لَكَ، فقُلتُ: مَن هُما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ الرَّبيعِ العَمريُّ، وهِلالُ بنُ أُمَيَّةَ الواقِفيُّ، فذَكَروا لي رَجُلَينِ صالِحَينِ قد شَهِدا بَدرًا، فيهما أُسوةٌ، فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لي، ونَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المُسلِمينَ عن كَلامِنا أيُّها الثَّلاثةُ مِن بَينِ مَن تَخَلَّفَ عنه، فاجتَنَبَنا النَّاسُ، وتَغَيَّروا لَنا حتَّى تَنَكَّرَت في نَفسي الأرضُ، فما هي التي أعرِفُ، فلَبِثنا على ذلك خَمسينَ لَيلةً، فأمَّا صاحِبايَ فاستَكانا وقَعَدا في بُيوتِهما يَبكيانِ، وأمَّا أنا فكُنتُ أشَبَّ القَومِ وأجلَدَهم، فكُنتُ أخرُجُ فأشهَدُ الصَّلاةَ مع المُسلِمينَ، وأطوفُ في الأسواقِ ولا يُكَلِّمُني أحَدٌ، وآتي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأُسَلِّمُ عليه وهو في مَجلِسِه بَعدَ الصَّلاةِ، فأقولُ في نَفسي: هل حَرَّكَ شَفَتَيه برَدِّ السَّلامِ عليَّ أم لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريبًا منه، فأُسارِقُه النَّظَرَ، فإذا أقبَلتُ على صَلاتي أقبَلَ إليَّ، وإذا التَفَتُّ نَحوه أعرَضَ عَنِّي، حتَّى إذا طالَ عليَّ ذلك مِن جَفوةِ النَّاسِ مَشَيتُ حتَّى تَسَوَّرتُ جِدارَ حائِطِ أبي قَتادةَ، وهو ابنُ عَمِّي وأحَبُّ النَّاسِ إليَّ، فسَلَّمتُ عليه، فواللهِ ما رَدَّ عليَّ السَّلامَ، فقُلتُ: يا أبا قَتادةَ، أنشُدُكَ باللهِ، هل تَعلَمُني أُحِبُّ اللهَ ورَسولَه؟ فسَكَتَ، فعُدتُ له فنَشَدتُه، فسَكَتَ، فعُدتُ له فنَشَدتُه، فقال: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، ففاضَت عَينايَ، وتَولَّيتُ حتَّى تَسَوَّرتُ الجِدارَ، قال: فبينا أنا أمشي بسوقِ المَدينةِ إذا نَبَطيٌّ مِن أنباطِ أهلِ الشَّأمِ مِمَّن قدِمَ بالطَّعامِ يَبيعُه بالمَدينةِ، يقولُ: مَن يَدُلُّ على كَعبِ بنِ مالِكٍ؟ فطَفِقَ النَّاسُ يُشيرونَ له، حتَّى إذا جاءَني دَفَعَ إليَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسَّانَ، فإذا فيه: أمَّا بَعدُ، فإنَّه قد بَلَغَني أنَّ صاحِبَكَ قد جَفاكَ، ولَم يَجعَلكَ اللهُ بدارِ هَوانٍ ولا مَضيَعةٍ، فالحَقْ بنا نواسِكَ، فقُلتُ لَمَّا قَرَأتُها: وهذا أيضًا مِنَ البَلاءِ، فتَيَمَّمتُ بها التَّنُّورَ فسَجَرتُه بها، حتَّى إذا مَضَت أربَعونَ لَيلةً مِنَ الخَمسينَ، إذا رَسولُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأتيني، فقال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُكَ أن تَعتَزِلَ امرَأتَكَ، فقُلتُ: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعَلُ؟ قال: لا، بَلِ اعتَزِلْها ولا تَقرَبْها، وأرسَلَ إلى صاحِبَيَّ مِثلَ ذلك، فقُلتُ لامرَأتي: الحَقي بأهلِكِ، فتَكوني عِندَهم حتَّى يَقضيَ اللهُ في هذا الأمرِ، قال كَعبٌ: فجاءَتِ امرَأةُ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت: يا رَسولَ اللهِ: إنَّ هِلالَ بنَ أُمَيَّةَ شيخٌ ضائِعٌ، ليس له خادِمٌ، فهل تَكرَهُ أن أخدُمَه؟ قال: لا، ولَكِن لا يَقرَبْكِ. قالت: إنَّه واللهِ ما به حَرَكةٌ إلى شَيءٍ، واللهِ ما زالَ يَبكي مُنذُ كان مِن أمرِه ما كان إلى يَومِه هذا، فقال لي بَعضُ أهلي: لَوِ استَأذَنتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرَأتِكَ كما أذِنَ لامرَأةِ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ أن تَخدُمَه؟ فقُلتُ: واللهِ لا أستَأذِنُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يُدريني ما يقولُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استَأذَنتُه فيها وأنا رَجُلٌ شابٌّ؟ فلَبِثتُ بَعدَ ذلك عَشرَ لَيالٍ، حتَّى كَمَلَت لَنا خَمسونَ لَيلةً مِن حينَ نَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كَلامِنا، فلَمَّا صَلَّيتُ صَلاةَ الفَجرِ صُبحَ خَمسينَ لَيلةً وأنا على ظَهرِ بَيتٍ مِن بُيوتِنا، فبينا أنا جالِسٌ على الحالِ التي ذَكَرَ اللهُ قد ضاقَت عليَّ نَفسي، وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَت، سَمِعتُ صَوتَ صارِخٍ، أوفى على جَبَلِ سَلعٍ بأعلى صَوتِه: يا كَعبُ بنَ مالِكٍ، أبشِرْ، قال: فخَرَرتُ ساجِدًا، وعَرَفتُ أنْ قد جاءَ فرَجٌ، وآذَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتَوبةِ اللهِ علينا حينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجرِ، فذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ، ورَكَضَ إليَّ رَجُلٌ فرَسًا، وسَعى ساعٍ مِن أسلَمَ، فأوفى على الجَبَلِ، وكان الصَّوتُ أسرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فلَمَّا جاءَني الذي سَمِعتُ صَوتَه يُبَشِّرُني، نَزَعتُ له ثَوبَيَّ، فكَسَوتُه إيَّاهما ببُشراه، واللهِ ما أملِكُ غَيرَهما يَومَئذٍ، واستَعَرتُ ثَوبَينِ فلَبِستُهما، وانطَلَقتُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَتَلَقَّاني النَّاسُ فوجًا فوجًا، يُهَنُّوني بالتَّوبةِ، يَقولونَ: لتَهنِكَ تَوبةُ اللهِ عليك! قال كَعبٌ: حتَّى دَخَلتُ المَسجِدَ، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالِسٌ حَولَه النَّاسُ، فقامَ إليَّ طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يُهَروِلُ حتَّى صافَحَني وهَنَّاني، واللهِ ما قامَ إليَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرينَ غَيرَه، ولا أنساها لطَلحةَ، قال كَعبٌ: فلَمَّا سَلَّمتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَبرُقُ وجهُه مِنَ السُّرورِ: أبشِرْ بخَيرِ يَومٍ مَرَّ عليك مُنذُ ولَدَتكَ أُمُّكَ، قال: قُلتُ: أمِن عِندِكَ يا رَسولَ اللهِ، أم مِن عِندِ اللهِ؟ قال: لا، بَل مِن عِندِ اللهِ. وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سُرَّ استَنارَ وجهُه حتَّى كَأنَّه قِطعةُ قَمَرٍ، وكُنَّا نَعرِفُ ذلك منه، فلَمَّا جَلَستُ بينَ يَدَيه قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ مِن تَوبَتي أن أنخَلِعَ مِن مالي صَدَقةً إلى اللهِ وإلى رَسولِ اللهِ، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمسِكْ عليك بَعضَ مالِكَ؛ فهو خَيرٌ لَكَ. قُلتُ: فإنِّي أُمسِكُ سَهمي الذي بخَيبَرَ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ إنَّما نَجَّاني بالصِّدقِ، وإنَّ مِن تَوبَتي أن لا أُحَدِّثَ إلَّا صِدقًا ما بَقيتُ. فواللهِ ما أعلَمُ أحَدًا مِنَ المُسلِمينَ أبلاه اللهُ في صِدقِ الحَديثِ مُنذُ ذَكَرتُ ذلك لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسَنَ ممَّا أبلاني؛ ما تَعَمَّدتُ مُنذُ ذَكَرتُ ذلك لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يَومي هذا كَذِبًا، وإنِّي لَأرجو أن يَحفَظَني اللهُ فيما بَقيتُ، وأنزَلَ اللهُ على رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {لَقد تابَ اللهُ على النَّبيِّ والمُهاجِرينَ والأنصارِ} إلى قَولِه: {وكونوا مَعَ الصَّادِقينَ} [التوبة: 117]، فواللهِ ما أنعَمَ اللهُ عليَّ مِن نِعمةٍ قَطُّ بَعدَ أن هَداني للإسلامِ أعظَمَ في نَفسي مِن صِدقي لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكونَ كَذَبتُه، فأهلِكَ كما هَلَكَ الذينَ كَذَبوا؛ فإنَّ اللهَ قال للَّذينَ كَذَبوا -حينَ أنزَلَ الوحيَ- شَرَّ ما قال لأحَدٍ، فقال تَبارَكَ وتَعالى: {سَيَحلِفونَ باللهِ لكم إذا انقَلَبتُم} إلى قَولِه: {فإنَّ اللهَ لا يَرضى عَنِ القَومِ الفاسِقينَ} [التوبة: 96]. قال كَعبٌ: وكُنَّا تَخَلَّفنا أيُّها الثَّلاثةُ عن أمرِ أولئك الذينَ قَبِلَ منهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ حَلَفوا له، فبايَعَهم واستَغفَرَ لهم، وأرجَأ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرَنا حتَّى قَضى اللهُ فيه، فبِذلك قال اللهُ: {وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفوا} [التوبة: 118]، وليسَ الذي ذَكَرَ اللهُ ممَّا خُلِّفنا عَنِ الغَزوِ، إنَّما هو تَخليفُه إيَّانا وإرجاؤُه أمرَنا عَمَّن حَلَفَ له واعتَذَرَ إليه فقَبِلَ منه
عن كَعبِ بنِ مالِكٍ، يُحَدِّثُ حَديثَه حينَ تَخَلَّفَ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تَبوكَ، فقال كَعبُ بنُ مالِكٍ: لم أتَخَلَّفْ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةٍ غَزاها قَطُّ إلَّا في غَزوةِ تَبوكَ، غَيرَ أنِّي كُنتُ تَخَلَّفتُ في غَزوةِ بَدرٍ، ولَم يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنها، إنَّما خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ عيرَ قُرَيشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَينَهم، وبَينَ عَدوِّهِم على غَيرِ ميعادٍ، ولَقد شَهِدتُ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيلةَ العَقَبةِ، حينَ تَوافَقنا على الإسلامِ وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشهَدَ بَدرٍ، وإن كانَت بَدرٌ أذكَرَ في النَّاسِ مِنها وأشهَرَ، وكانَ مِن خَبَري حينَ تَخَلَّفتُ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تَبوكَ لأنِّي لم أكُنْ قَطُّ أقوى ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عنه في تلك الغَزاةِ، واللهِ ما جَمَعتُ قَبلَها راحِلَتَينِ قَطُّ حَتَّى جَمَعتُهما في تلك الغَزاةِ، وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَلَّما يُريدُ غَزاةً يَغزوها إلَّا ورَّى بغَيرِها، حَتَّى كانَت تلك الغَزاةُ، فغَزاها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَرٍّ شَديدٍ، واستَقبَلَ سَفَرًا بَعيدًا ومَفازًا، واستَقبَلَ عَدوًّا كَثيرًا، فجَلَّى للمُسلِمينَ أمرَه ليَتَأهَّبوا أُهبةَ عَدوِّهِم، فأخبَرَهم بوجهِه الذي يُريدُ، والمُسلِمونَ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَثيرٌ، لا يَجمَعُهم كِتابٌ حافِظٌ - يُريدُ الدِّيوانَ- فقال كَعبٌ: فقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ يَتَغَيَّبُ إلَّا ظَنَّ أنَّ ذلك سَيَخفى له ما لم يَنزِلْ فيه وحيٌ مِنَ اللهِ، وغَزا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تلك الغَزوةَ حينَ طابَتِ الثِّمارُ والظِّلُّ، وأنا إليها أصعَرُ فتَجَهَّزَ إليها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمُؤمِنونَ مَعَه، وطَفِقتُ أغدو لكَي أتَجَهَّزَ مَعَه، فأرجِعُ ولَم أقضِ شَيئًا، فأقولُ في نَفسي: أنا قادِرٌ على ذلك إذا أرَدتُ، فلَم يَزَلْ كَذلك يَتَمادى بي حَتَّى شَمَّرَ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصبَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غاديًا والمُسلِمونَ مَعَه، ولَم أقضِ مِن جَهازي شَيئًا، فقُلتُ: الجَهازُ بَعدَ يَومٍ أو يَومَينِ ثُمَّ ألحَقُهم، فغَدَوتُ بَعدَما فصَلوا لأتَجَهَّزَ فرَجَعتُ، ولَم أقضِ شَيئًا مِن جَهازي، ثُمَّ غَدَوتُ فرَجَعتُ، ولَم أقضِ شَيئًا، فلَم يَزَلْ ذلك يَتَمادى بي حَتَّى أسرَعوا، وتَفارَطَ الغَزوُ فهَمَمتُ أن أرتَحِلَ، فأُدرِكَهم ولَيتَ أنِّي فعَلتُ، ثُمَّ لم يُقدَّرْ ذلك لي، فطَفِقتُ إذا خَرَجتُ في النَّاسِ بَعدَ خُروجِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فطُفتُ فيهم يَحزُنُني أن لا أرى إلَّا رَجُلًا مَغموصًا عليه في النِّفاقِ، أو رَجُلًا مِمَّن عَذَرَه اللهُ، ولَم يَذكُرْني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى بَلَغَ تَبوكَ، فقال وهو جالِسٌ في القَومِ بتَبوكَ: «ما فعَلَ كَعبُ بنُ مالِكٍ» قال رَجُلٌ مِن بَني سَلِمةَ: حَبَسَه يا رَسولَ اللهِ بُرداه، والنَّظَرُ في عِطفَيه! فقال له مُعاذُ بنُ جَبَلٍ: بئسَما قُلتَ! واللهِ يا رَسولَ اللهِ ما عَلِمنا عليه إلَّا خَيرًا، فسَكَتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال كَعبُ بنُ مالِكٍ: فلَمَّا بَلَغَني أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد تَوجَّهَ قافِلًا مِن تَبوكَ حَضَرَني بَثِّي، فطَفِقتُ أتَفَكَّرُ الكَذِبَ، وأقولُ بماذا أخرُجُ مِن سُخطِه غَدًا، أستَعينُ على ذلك كُلَّ ذي رَأيٍ مِن أهلي، فلَمَّا قيلَ إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظَلَّ قادِمًا زاحَ عَنِّي الباطِلُ، وعَرَفتُ أنِّي لَن أنجوَ منه بشَيءٍ أبَدًا، فأجمَعتُ صِدقَه، وصَبَّحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادِمًا، وكانَ إذا قدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأ بالمَسجِدِ، فرَكَعَ فيه رَكعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ للنَّاسِ، فلَمَّا فعَلَ ذلك جاءَه المُتَخَلِّفونَ، فطَفِقوا يَعتَذِرونَ إليه ويَحلِفونَ لَه، وكانوا بضعةً وثَمانينَ رَجُلًا، فقَبِلَ منهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلانيَتَهم، ويَستَغفِرُ لَهم، ويَكِلُ سَرائِرَهم إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، حَتَّى جِئتُ، فلَمَّا سَلَّمتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغضَبِ، ثُمَّ قال لي: «تَعالَ» فجِئتُ أمشي حَتَّى جَلَستُ بَينَ يَدَيه، فقال لي: «ما خَلَّفَكَ، ألَم تَكُنْ قدِ استَمَرَّ ظَهرُكَ؟» قال: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي لَو جَلَستُ عِندَ غَيرِكَ مِن أهلِ الدُّنيا لَرَأيتُ أنِّي أخرُجُ مِن سُخطَتِه بعُذرٍ، لَقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولَكِنَّه واللهِ لَقد عَلِمتُ لَئِن حَدَّثتُكَ اليَومَ حَديثَ كَذِبٍ تَرضى عَنِّي به، لَيوشِكَنَّ اللهُ تَعالى يُسخِطُكَ عليَّ، ولَئِن حَدَّثتُكَ اليَومَ بصِدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه إنِّي لَأرجو قُرَّةَ عَيني عَفوًا مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، واللهِ ما كان لي عُذرٌ، واللهِ ما كُنتُ قَطُّ أفرَغَ ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عَنكَ. قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أمَّا هذا فقد صَدَقَ، فقُمْ حَتَّى يَقضيَ اللهُ تَعالى فيكَ» فقُمتُ، وبادَرَت رِجالٌ مِن بَني سَلِمةَ فاتَّبَعوني، فقالوا لي: واللهِ ما عَلِمناكَ كُنتَ أذنَبتَ ذَنبًا قَبلَ هذا، ولَقد عَجَزتَ أن لا تَكونَ اعتَذَرتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتَذَرَ به المُتَخَلِّفونَ، لَقد كان كافيَكَ مِن ذَنبِكَ استِغفارُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَكَ، قال: فواللهِ ما زالوا يُؤَنِّبوني حَتَّى أرَدتُ أن أرجِعَ فأُكَذِّبَ نَفسي، قال: ثُمَّ قُلتُ لَهم: هَل لَقيَ هذا مَعي أحَدٌ؟ قالوا: نَعَم، لَقيَه مَعَكَ رَجُلانِ قالا ما قُلتَ، فقيلَ لَهما مِثلُ ما قيلَ لَكَ، قال: فقُلتُ لَهم: مَن هُما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ الرَّبيعِ العامِريُّ، وهِلالُ بنُ أُمَيَّةَ الواقِفيُّ، قال: فذَكَروا لي رَجُلَينِ صالِحَينِ قد شَهِدا بَدرًا لي فيهما أُسوةٌ، قال: فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لي، قال: ونَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المُسلِمينَ عَن كَلامِنا أيُّها الثَّلاثةُ مِن بَينِ مَن تَخَلَّفَ عنه، فاجتَنَبَنا النَّاسُ، قال: وتَغَيَّروا لَنا حَتَّى تَنَكَّرَت لي مِن نَفسي الأرضُ، فما هيَ بالأرضِ التي كُنتُ أعرِفُ، فلَبِثنا على ذلك خَمسينَ لَيلةً، فأمَّا صاحِبايَ فاستَكَنَّا وقَعَدا في بُيوتِهما يَبكيانِ، وأمَّا أنا فكُنتُ أشَبَّ القَومِ وأجلَدَهم، فكُنتُ أشهَدُ الصَّلاةَ مَعَ المُسلِمينَ، وأطوفُ بالأسواقِ، ولا يُكَلِّمُني أحَدٌ، وآتي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو في مَجلِسِه بَعدَ الصَّلاةِ، فأُسَلِّمُ عليه، فأقولُ في نَفسي حَرَّكَ شَفَتَيه برَدِّ السَّلامِ أم لا، ثُمَّ أُصَلِّي قَريبًا منه، وأُسارِقُه النَّظَرَ، فإذا أقبَلتُ على صَلاتي نَظَرَ إليَّ، فإذا التَفَتُّ نَحوَه أعرَضَ، حَتَّى إذا طالَ عليَّ ذلك مِن هَجرِ المُسلِمينَ مَشَيتُ حَتَّى تَسَوَّرتُ حائِطَ أبي قَتادةَ، وهو ابنُ عَمِّي، وأحَبُّ النَّاسِ إليَّ، فسَلَّمتُ عليه، فواللهِ ما رَدَّ عليَّ السَّلامَ، فقُلتُ لَه: يا أبا قَتادةَ، أنشُدُكَ اللهَ، هَل تَعلَمُ أنِّي أُحِبُّ اللهَ ورَسولَه؟ قال: فسَكَتَ، قال: فعُدتُ فنَشَدتُه، فسَكَتَ، فعُدتُ فنَشَدتُه، فقال: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، ففاضَت عَينايَ، وتَولَّيتُ حَتَّى تَسَوَّرتُ الجِدارَ، فبَينا أنا أمشي بسوقِ المَدينةِ إذا نَبَطيٌّ مِن أنباطِ أهلِ الشَّامِ مِمَّن قدِمَ بطَعامٍ يَبيعُه بالمَدينةِ، يَقولُ: مَن يَدُلُّني على كَعبِ بنِ مالِكٍ؟ قال: فطَفِقَ النَّاسُ يُشيرونَ له إليَّ، حَتَّى جاءَ فدَفَعَ إليَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسَّانَ، وكُنتُ كاتِبًا، فإذا فيه: أمَّا بَعدُ، فقد بَلَغَنا أنَّ صاحِبَكَ قد جَفاكَ، ولَم يَجعَلْكَ اللهُ بدارِ هَوانٍ ولا مَضيَعةٍ، فالحَقْ بنا نواسِكَ، قال: فقُلتُ حينَ قَرَأتُها: وهذا أيضًا مِنَ البَلاءِ! قال: فتَيَمَّمتُ بها التَّنُّورَ فسَجَرتُه بها، حَتَّى إذا مَضَت أربَعونَ لَيلةً مِنَ الخَمسينَ، إذا برَسولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأتيني، فقال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُكَ أن تَعتَزِلَ امرَأتَكَ، قال: فقُلتُ: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعَلُ؟ قال: بَلِ اعتَزِلْها، فلا تَقرَبْها، قال: وأرسَلَ إلى صاحِبَيَّ بمِثلِ ذلك، قال: فقُلتُ لامرَأتي: الحَقي بأهلِكِ، فكوني عِندَهم حَتَّى يَقضيَ اللهُ في هذا الأمرِ، قال: فجاءَتِ امرَأةُ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت لَه: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ هِلالًا شَيخٌ ضائِعٌ، ليس له خادِمٌ، فهَل تَكرَهُ أن أخدُمَه؟ قال: «لا، ولَكِن لا يَقرَبَنَّكِ» قالت: فإنَّه واللهِ ما به حَرَكةٌ إلى شَيءٍ، واللهِ ما زالَ يَبكي مِن لَدُن أن كان مِن أمرِكَ ما كان إلى يَومِه هذا، قال: فقال لي بَعضُ أهلي: لَوِ استَأذَنتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرَأتِكَ فقد أذِنَ لامرَأةِ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ أن تَخدُمَه، قال: فقُلتُ: واللهِ لا أستَأذِنُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما أدري ما يَقولُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استَأذَنتُه، وأنا رَجُلٌ شابٌّ، قال: فلَبِثنا بَعدَ ذلك عَشرَ لَيالٍ كَمالَ خَمسينَ لَيلةً حينَ نَهى عَن كَلامِنا، قال: ثُمَّ صَلَّيتُ صَلاةَ الفَجرِ صَباحَ خَمسينَ لَيلةً على ظَهرِ بَيتٍ مِن بُيوتِنا، فبَينا أنا جالِسٌ على الحالِ التي ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِنَّا، قد ضاقَت عليَّ نَفسي، وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَت، سَمِعتُ صارِخًا أوفى على جَبَلِ سَلْعٍ يَقولُ بأعلى صَوتِه: يا كَعبُ بنَ مالِكٍ أبشِرْ، قال: فخَرَرتُ ساجِدًا، وعَرَفتُ أن قد جاءَ فرَجٌ، وآذَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتَوبةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى علينا حينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجرِ، فذَهَبَ يُبَشِّرونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ يُبَشِّرونَ، ورَكَضَ إليَّ رَجُلٌ فرَسًا، وسَعى ساعٍ مِن أسلَمَ، وأوفى الجَبَلَ، فكانَ الصَّوتُ أسرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فلَمَّا جاءَني الذي سَمِعتُ صَوتَه يُبَشِّرُني نَزَعتُ له ثَوبَيَّ، فكَسَوتُهما إيَّاه ببِشارَتِه، واللهِ ما أملِكُ غَيرَهما يَومَئِذٍ، فاستَعَرتُ ثَوبَينِ فلَبِستُهما فانطَلَقتُ أؤُمُّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَلقاني النَّاسُ فوجًا فوجًا يُهَنِّئوني بالتَّوبةِ، يَقولونَ: لتَهنِكَ تَوبةُ اللهِ عليكَ! حَتَّى دَخَلتُ المَسجِدَ، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالِسٌ في المَسجِدِ حَولَه النَّاسُ، فقامَ إليَّ طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يُهَروِلُ حَتَّى صافَحَني، وهَنَّأني، واللهِ ما قامَ إليَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرينَ غَيرُه، قال: فكانَ كَعبٌ لا يَنساها لطَلحةَ، قال كَعبٌ: فلَمَّا سَلَّمتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال وهو يَبرُقُ وجْهُه مِنَ السُّرورِ: أبشِر بِخَيرِ يَومٍ مَرَّ عليك مُنذُ ولَدَتكَ أُمُّكَ! قال: قُلتُ: أمِن عِندِكَ يا رَسولَ اللَّهِ، أم مِن عِندِ اللَّهِ؟ قال: لا، بَل مِن عِندِ اللَّهِ. وكانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سُرَّ استَنارَ وجهُه، حَتَّى كَأنَّهُ قِطعةُ قَمَرٍ، وكُنَّا نَعرِفُ ذلك مِنهُ، فَلَمَّا جَلَستُ بَينَ يَدَيه قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ مِن تَوبَتي أن أنخَلِعَ مِن مالي صَدَقةً إلى اللَّهِ وإلى رَسولِ اللَّهِ، قال رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمسِك عليك بَعضَ مالِكَ فهو خَيرٌ لَك، قال: فقُلتُ: فَإنِّي أُمسِكُ سَهمي الذي بخَيبَرَ، قال: فقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّما اللَّهُ تَعالى نَجَّاني بِالصِّدقِ، وإنَّ مِن تَوبَتي أن لا أُحَدِّثَ إلَّا صِدقًا ما بَقيتُ، قال: فواللهِ ما أعلَمُ أحَدًا مِنَ المُسلِمينَ أبلاه اللَّهُ مِنَ الصِّدقِ في الحَديثِ مُذ ذَكَرتُ ذلك لرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسَنَ مِمَّا أبلاني اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى، واللَّهِ ما تَعَمَّدتُ كَذبةً مُذ قُلتُ ذلك لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يَومي هذا، وإنِّي لَأرجو أن يَحفَظَني فيما بَقيَ، قال: وأنزَلَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: {لَقد تابَ اللَّهُ على النَّبيِّ والمُهاجِرينَ والأنصارِ الذينَ اتَّبَعوهُ في ساعةِ العُسرةِ مِن بَعدِ ما كادَ يَزيغُ قُلوبُ فَريقٍ مِنهُم ثُمَّ تابَ عَلَيهِم إنَّهُ بِهِم رَءوفٌ رَحيمٌ وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفوا حَتَّى إذا ضاقَت عَلَيهِمُ الأرضُ بِما رَحُبَت وضاقَت عَلَيهِم أنفُسُهُم وظَنُّوا أن لا مَلجَأ مِنَ اللَّهِ إلَّا إلَيهِ ثُمَّ تابَ عَلَيهِم ليَتوبوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوَّابُ الرَّحيمُ يا أيُّها الذينَ آمَنوا اتَّقوا اللَّهَ وكونوا مَعَ الصَّادِقينَ} قال كَعبٌ: فَواللَّهِ ما أنعَمَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيَّ مِن نِعمةٍ قَطُّ بَعدَ أن هَداني أعظَمَ في نَفسي مِن صِدقي رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَئِذٍ، أن لا أكونَ كَذَبتُه فأهلِكَ كما هَلَكَ الذينَ كَذَبوه حينَ كَذَبوه، فَإنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قال لِلَّذين كَذَبوه حينَ كَذَبوه شَرَّ ما يُقالُ لِأحَدٍ، فَقال اللَّهُ تعالى: {سَيَحلِفونَ بِاللَّهِ لَكُم إذا انقَلَبتُم إلَيهِم لِتُعرِضوا عَنهُم فَأعرِضوا عَنهُم إنَّهُم رِجسٌ ومَأواهُم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانوا يَكسِبونَ يَحلِفونَ لَكُم لِتَرضَوا عَنهُم، فَإن تَرضَوا عَنهُم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرضى عَنِ القَومِ الفاسِقينَ}، قال: وكُنَّا خُلِّفنا أيُّها الثَّلاثةُ عَن أمرِ أولَئِكَ الذينَ قَبِلَ مِنهُم رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ حَلَفوا، فَبايَعَهُم واستَغفَرَ لَهُم، فَأرجَأ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرَنا حَتَّى قَضى اللَّهُ تَعالى، فبذلك قال اللَّهُ تَعالى: {وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفوا} [التَّوبة: 118] وليس تَخليفُهُ إيَّانا وإرجاؤُهُ أمرَنا الذي ذكرَ مِمَّا خُلِّفْنا بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزوِ، وإنَّما هو عَمَّن حَلَفَ لَهُ واعتَذَرَ إليه فَقَبِلَ مِنهُ
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخَلْتُ على عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها، فقلْتُ: ألَا تُحَدِّثِيني عن مَرضِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فقالتْ: بلى. فذكَرَ الحديثَ بطولِه قد نقَلْناه في كتابِ الطَّهارةِ، إلى أنْ قالت: فأرسَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أبي بكرٍ أنْ يُصلِّيَ بالنَّاسِ، فأتاه الرسولُ فقال: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُك أنْ تُصلِّيَ بالنَّاسِ، فقال أبو بكرٍ -وكان رجلًا رَقيقًا-: يا عمرُ، صَلِّ بالنَّاسِ، قال عمرُ: أنتَ أحقُّ بذلك، ففعَلَ، فصلَّى بهم أبو بكرٍ تلك الأيَّامَ، ثمَّ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَدَ مِن نفْسِه خِفَّةً، فخرَجَ بيْن رجُلَينِ -أحدُهما العبَّاسُ- لصلاةِ الظُّهرِ، وأبو بكرٍ يُصلِّي بالنَّاسِ، فلمَّا رآهُ أبو بكرٍ ذهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فأَومَى إليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ألَّا يَتأخَّرَ، وقال لهما: أجْلِساني إلى جَنبِه، فأجْلَساهُ إلى جَنبِ أبي بكرٍ رضِيَ اللهُ عنه، قالت: فجعَلَ أبو بكرٍ يُصلِّي بصلاةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو قائمٌ، والنَّاسُ يُصلُّون بصلاةِ أبي بكرٍ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قاعدٌ. قال عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ: فدخَلْتُ على عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، فقلْتُ له: ألَا أَعرِضُ عليك ما حدَّثتْني عائشةُ عن مَرضِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال: هاتِ، فعرَضْتْ عليه حديثَها، فما أنكَرَ منه شيئًا، غيرَ أنَّه قال: أَسَمَّتْ لكَ الرَّجلَ الآخَرَ الَّذي كان معَ العبَّاسِ؟ فقلتُ: لا، قال: هو علِيٌّ رضِيَ اللهُ عنه
كانَت دارُ العبَّاسِ بن عبد المطَّلبِ إلى جنبِ المسجِدِ وكانَ ميزابُها تشرَعُ إلى الطَّريقِ فقالَ له عُمرُ : إنَّ ميزابَكِ يُؤذي المسلِمينَ فَحوِّلهُ إلى دارِكَ ، فقالَ : إنما هو ماءُ المطَرِ ، فقالَ عمرُ : إن المسلِمينَ لا يُحبُّونَ أن تَبُلَّ السَّماءُ ثيابَهمْ فحوِّلْهُ ، وكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أقطَعَها للعبَّاسِ ، ثُمَّ رأى عُمرَ في المسجِدِ ضيقًا من المسلِمينَ فاشتَرى ما حَولَهُ من المنازلِ وبقيَتْ حُجَرُ نِساءِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ ودارُ العبَّاسِ ، فقالَ عُمرُ للعبَّاسِ : إنَّ مسجِدَ المسلِمينَ قد ضاقَ بهم وقد ابتَعتَ ما حولهُ مِنَ المنازِلِ غيرَ حُجَرِ نساءِ رسولِ اللهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فلا سبيلَ إليها ، ودارِكَ فبِعنيها أوَسِّعْ بها مَسجِدَ المسلِمينَ . فقالَ العبَّاسُ : لستُ بفاعلٍ ، فأرادَه عمرُ فأبَى ، فقال له عُمَرُ : أخبِرني واحدَةً مِن ثلاثٍ خصالٍ ، فقال العبَّاسُ : هاتِها لعلَّ في بعضِها فرجًا ، فقالَ : اختَر منِّي : إمَّا أن تبيعَنيها بحُكمِكَ من بيتِ مالِ المسلِمينَ ، وإما أن أخُطَّكَ مكانَها خُطَّةً حيثُ أحببتَ فأبنيها لكَ مثلَ بناءِ داركَ ، وإما أن تصدَّقَ بها على المسلِمينَ توسِّعُ بها عليهِم مسجدَهم ، فقال لَهُ العبَّاسُ : ولا خَصلةٌ من هذه الخصالِ ، قال له عُمرُ : اجعَل بيني وبينَك حَكمًا ، فقالَ : أُبَيُّ بن كَعبٍ . فانطلَقا إليه فدَخلا ، فقال لعمَرُ : أخصمًا جئتَ أم زائرًا ؟ فقال : بل خصمًا ، قال : فاجلِس فجلَس الخصومُ ، فجلَسنا بينَ يديهِ فقصَّ عليه عُمرُ قصَّتَهُ ، فقالَ أبيُّ بنُ كَعبٍ : إن شئتُما حدَّثتُكُما حديثًا سمعتُهُ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ عمرُ : حدِّثنا . فقالَ : إني سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يقولُ : إنَّ اللهَ أوحى إلى داودَ عليهِ السَّلامُ أن ابنِ لي بيتًا أُذكَرُ فيهِ ، فاختَطَّ داودُ علَيهِ السَّلامُ مَوضِعَ بيتِ المقدِسِ فإذا خُطَّتُهُ تروى مِن بيَعِها دارًا لبَعضِ بني إسرائيلَ ، فسألَهُ أن يخرُجَ له عنهَا فيُدخِلَها في المسجدِ فيَسوي من بيعتِهِ ، فأبَي فهمَّ داودُ عليهِ السَّلامُ بأخذِها منهُ ، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ : إني أمرتُكَ أن تَبني لي بيتًا أُذكَرُ فيه فأردتَ أَن تُدخِلَ بَيتي الغَصبَ ، وليسَ مِن شَأني الغَصبَ ، وإنَّ عُقوبَتَكَ ألَّا تَبنِيَهُ ، فقال : يا ربِّ فمِن ذُرِّيَّتي ، قال : مِن ذُرِّيتِكَ ، فأوحَى اللهُ إلى سُلَيمانَ عليهِ السَّلامُ فبناهُ . فأخذ عُمرُ رضي الله عنه بمجامِعِ قميصِ أُبَيٍّ فقالَ : جئتُكَ بأمرٍ فما جئتَني بهِ أشَدَّ منهُ ، لتأتيَنِّي على هذا بِبيِّنَةٍ أو لأفعلَنَّ ولأفعلنَّ ولأفعلنَّ ، فقال أُبَيُّ : أي عُمرُ أتتَّهمُني على حديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟ فقالَ : هُوَ ما أقولُ لكَ ، فخرج بهِ حتَّى أتى بهِ المسجدَ فإذا به حَلقَةٌ من أصحابِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فوقَفَهُ عليهِمْ فقالَ أُبَيُّ : أنشُدُكُم اللَّهَ أيَّكُم سمِعَ مِن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يذكرُ حديثَ داودَ حيثُ أوحَى اللهُ إليهِ أن يَبنيَ بيتَ المقدِسِ . وحدَّثَهُم بهِ . فقالَ هذا مِن هاهُنا : أنا سمعتُهُ ، وقال هذا مِن هاهنا : أنا سمعتُهُ . فغضِبَ أُبَيٌّ رضيَ اللهُ عنهُ وقال : أي عُمرُ أتَتَّهمُني على حديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ؟ فأرسلَهُ عمَرُ وقال : يا أبا المنذِرِ لا واللَّهِ الذي لا إله إلا هو ما اتَّهمتُكَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديثٍ ولا غيرِهِ ولكن كرهتُ أن يجترِئَ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ظاهرًا ، وقالَ عُمرُ للعبَّاسِ : انطلِقْ إلى دارِك فقد تركتُها لا أعرِضُ فيها ، فقال العبَّاسُ : أتركتَها لا تعرِضُ فيها ؟ قال : نعَم . قال : فإنِّي قد جعلتُها صدقَةً علَى المسلِمينَ أُوَسِّعُ بها في مسجدِهِمْ ، فأمَّا وأنتَ غاصِبي فما كنتُ لأفعَلَ ، فأخطَّهُ عمرُ خطَّةً في السُّوقِ وبناها له مِن مالِ المسلِمينَ بحذاءٍ من بنائهِ فهي لَهُ اليومَ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
ينزل الله في ظلل من الغمامالحمد لله لقد أعطاني اللهالنبي صلى الله عليه وسلماقتداء المأموم بالإمامالنور على قدر الأعمالنورهم على قدر أعمالهمأدنى أهل الجنة منزلةالغدير عند باب الجنةنور على قدر الأعمالنور على قدر أعمالهمغدير عند باب الجنةأمسك عليك بعض مالكالرب تبارك وتعالىالمرور على الصراطالأولين والآخرينالعرش إلى الكرسيميقات يوم معلومالظلل من الغمامالحوراء العيناءعلى قدر أعمالهمالاستعصام باللهيسابق إلى الخيريتكلم بغير تدبرالدنيا دار بلاءصدقة رسول اللهيتدبر ثم يتكلمفكر قبل الكلامظلل من الغماممسيرة مئة عامشاخصة أبصارهمما تركنا صدقةلا تواري عرياعمر بن الخطابشعائر من ذهبيسبق في البراستعصم باللهالجنة والنارهجر المسلمينتوسعة المسجديوم القيامةكشف عن ساقهالحور العينأهل الإسلامحسين بن عليخرصا من ورقيكشف عن ساقنور الأعمالاعتصم باللهمعاذ بن جبلكعب بن مالكصلاة القاعدفصل القضاءشيطان عيسىشيطان عزيريقوم الناسحسن بن عليينادي منادالسجود للهخمسين ليلةدار العباسأبي بن كعببيت المقدسيجمع اللهزفرة جهنمكشف الساقسبعون حلةلا تقسموامنزل قلعةأعرض عنهارسول اللهغزوة تبوكمرض النبيوالآخرينطلب البرالصادقينالأولينرؤية...المناديالشفاعةالضحضاحألف سنةبزعفرانالتجاوزالتواضعلا تكذبأبو بكرلميقاتأربعينعدد...الصراطالسجودالغديرزعفرانالعاقلالجاهلالحياءالفتنةيتواضعباب برأشقياء
تخريج حديث أعرض عنها
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








