أحاديث عن: إلا ساحرا أو عاشرا
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: إلا ساحرا أو عاشرا
مَرَّ عُثمانُ بنُ أبي العاصِ على كِلَابِ بنِ أُميَّةَ، وهو جالسٌ على مَجلسِ العاشرِ بالبصرةِ، فقال: ما يُجلِسُك هاهنا؟ قال: اسْتَعملني هذا على هذا المكانِ -يعني: زيادًا- فقال له عُثمانُ: ألَا أُحدِّثُك حديثًا سمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قال: بلى، قال عُثمانُ: سمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: كان لداودَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ساعةٌ يُوقِظُ فيها أهْلَه، يقولُ: يا آلَ داودَ، قُوموا فصَلُّوا؛ فإنَّ هذه ساعةٌ يَستجيبُ اللهُ فيها الدُّعاءَ إلَّا ساحرًا أو عاشرًا، فرَكِبَ كِلَابُ بنُ أُميَّةَ سَفينةً، فأتى زيادًا، فاستعفاهُ، فأعْفاهُ
كان لي أخٌ يُقالُ له أُنَيسٌ وكان شاعرًا فتنافَر هو وشاعرٌ آخَرُ فقال أُنَيسٌ أنا أشعَرُ منك وقال الآخَرُ أنا أشعَرُ منك فقال أُنَيسٌ فَبِمَن ترضى أن يكونَ بينَنا قال أرضى أن يكونَ بينَنا كاهنُ مكَّةَ قال نعم فخَرَجا إلى مكَّةَ فاجتمَعا عندَ الكاهنِ فأنشدَه هذا كلامَه وهذا كلامَه فقال لأُنَيسٍ قَضَيتَ لنَفْسِك فكأنَّه فضَّل شِعرَ أُنَيسٍ فقال يا أخي بمكَّةَ رجُلٌ يزعُمُ أنَّه نبيٌّ وهو على دينِك قال ابنُ عبَّاس قلْتُ لأبي ذرٍّ وما كان دِينُك قال رَغِبْتُ عن آلهةِ قَومي الَّتي كانوا يعبُدون فقلْتُ أيَّ شيءٍ كنْتَ تعبُدُ قال لا شيءَ كنْتُ أُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ حتَّى أُسقَطَ كأني حقا حتَّى يُوقِظَني حَرُّ الشَّمسِ فقيل له أين كنْتَ تُوَجِّهُ وجهَك قال حيثُ وجَّهَني ربِّي قال لي أُنَيسٌ وقد شتَموه يعني كرِهوه قال أبو ذرٍّ فجِئْتُ حتَّى دخَلْتُ مكَّة فكُنْتُ بينَ الكعبةِ وأستارِها خمسَ عشْرةَ ليلةً ويومًا أخرُجُ كلَّ ليلةٍ فأشرَبُ مِن ماءِ زمزمَ شَرْبةً فما وجَدْتُ على كَبِدي سَخْفةَ جوعٍ وقد تعَكَّن بَطْني فجعَلَتِ امرأتان تَدْعوان ليلةً آلهتَهما وتقولُ إحداهما يا إسافُ هَبْ لي غُلامًا وتقولُ الأخرى يا نائلةُ هَبْ لي كذا وكذا فقُلْتُ هَنٌّ بِهَنٍّ فوَلَّتا وجعَلَتا تقولان الصَّابِئُ بينَ الكعبةِ وأستارِها إذ مرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بكرٍ يمشي وراءَه فقالتا الصَّابِئُ بينَ الكعبةِ وأستارِها فتكلَّم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكلامٍ قبَّح ما قالتا قال أبو ذَرٍّ فظَنَنْتُ أنَّه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخرَجْتُ إليه فقلْتُ السَّلام عليك يا رسولَ اللهِ فقال وعليك السَّلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه ثلاثًا ثمَّ قال لي مُنذُ كم أنت هاهنا قلْتُ منذُ خمسةَ عشَرَ يومًا وليلةً قال فمِن أين كُنْتَ تأكُلُ قلْتُ كنْتُ آتي زمزمَ كلَّ ليلةٍ نصفَ اللَّيلِ فأشرَبُ منها شَرْبةً فما وجَدْتُ على كَبِدي سَخْفةَ جوعٍ ولقد تعكَّن بَطْني فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنَّها طُعْمٌ وشُرْبٌ وهي مُبارَكةٌ قالها ثلاثًا ثمَّ سألَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ممَّن أنت فقلْتُ مِن غِفَارٍ قال وكانت غِفَارٌ يقطَعون على الحاجِّ فكأنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تقبَّض عنِّي فقال لأبي بكرٍ انطلِقْ يا أبا بكرٍ فانطلَق بنا إلى منزلِ أبي بكرٍ فقرَّب لنا زَبيبًا فأكَلْنا منه وأقَمْتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعلَّمَني الإسلامَ وقرَأْتُ شيئًا مِنَ القرآنِ فقلْتُ يا رسولَ اللهِ إنِّي أُريدُ أن أُظْهِرَ ديني فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنِّي أخافُ عليك أن تُقتَلَ قلْتُ لابُدَّ منه يا رسولَ اللهِ وإنْ قُتِلْتُ فسكَت عنِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقريشٌ حِلَقٌ يتحدَّثون في المسجدِ فقلْتُ أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه فَتَنَفَّضَتِ الحِلَقُ فقاموا إليَّ فضرَبوني حتَّى ترَكوني كأنِّي نُصُبٌ أحمرُ وكانوا يُرون أنَّهم قد قتَلوني فقُمْتُ فجِئْتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرأى ما بي مِنَ الحالِ فقال ألم أنْهَك فقلْتُ يا رسولَ اللهِ حاجةٌ كانت في نفسي فقضَيتُها فأقَمْتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال لي الحَقْ بقَومِك فإذا بلغَك ظُهوري فائْتِني فجِئْتُ وقد أبطأْتُ عليهم فلَقيتُ أُنَيسًا فبكى وقال يا أخي ما كنْتُ أُراك إلَّا قد قُتِلْتَ لمَّا أبطأْتَ علينا ما صنَعْتَ أَلَقيتَ صاحِبَك الَّذي طلَبْتَ فقلْتُ أشهد أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ فأسلَم مكانَه ثمَّ أتيتُ أمِّي فلمَّا رأتْني بكَتْ وقالت يا بُنَيَّ أبطأْتَ علينا حتَّى تخوَّفْتُ أنْ قد قُتِلْتَ ما فعَلْتَ أَلَقيتَ صاحِبَك الَّذي طلَبْتَ قلْتُ نعم أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ قالت فما صنَع أُنَيسٌ قلْتُ أسلَم فقالت وما بي عنكما رَغبةٌ أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ فأقَمْتُ في قَومي فأسلَم منهم ناسٌ كثيرٌ حتَّى بلَغَنا ظهورُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتَيتُه وفي روايةٍ عندَه أيضا فاحتمَلْتُ أمِّي وأختي حتَّى نزَلْنا بحَضْرةِ مكَّةَ فقال أخي إنِّي مُدافعٌ رجلًا على الماءِ بشِعْرٍ وكان امْرَأً شاعرًا فقلْتُ لا تفعَلْ فخرَج به اللَّجَاجُ حتَّى دافَع دُرَيدَ بنَ الصِّمَّةِ صِرمتُه إلى صِرمتُه وأيمِ اللهِ لَدُريدٌ يومئذٍ أَشْعَرُ مِن أخي فتقاضَيا إلى خَنْساءَ فقضَت لأخي على دُرَيدٍ وذلك أنَّ دُرَيدًا خطَبها إلى أبيها فقالت شيخٌ كبيرٌ لا حاجةَ لي فيه فحقَدَتْ ذلك عليه فضَمَمْنا صِرمتَه إلى صِرمتِنا فكانت لنا هَجْمةٌ ثمَّ أتيتُ مكَّةَ فابتَدَأْتُ بالصَّفا فإذا عليه رِجالاتُ قُريشٍ وقد بلَغَني أنَّ بها صابئًا أو مجنونًا أو شاعرًا أو ساحرًا فقلْتُ أين الَّذي يزعُمون فقالوا هو ذاك حيثُ ترى فانقلَبْتُ إليه فواللهِ ما جُزْتُ عنهم قِيسَ حَجَرٍ حتَّى أكَبُّوا عليَّ كلَّ حَجَرٍ وعَظْمٍ ومَدَرٍ فضرَّجوني بالدَّمِ فأتَيتُ البيتَ فدخَلْتُ بينَ السُّتورِ والبِناءِ وصُمْتُ فيه ثلاثين يومًا لا آكُلُ ولا أشرَبُ إلَّا ماءَ زمزمَ حتَّى إذا كانت ليلةٌ قَمْراءُ فأقبَلَتِ امرأتان مِن خُزاعةَ فطافتا بالبيتِ
أنَّ ابنَ عامرٍ استَعمَلَ كِلابَ بنَ أُمَيَّةَ على الأُبُلَّةِ، وعُثمانُ بنُ أبي العاصِ في أرضِه، فأَتاهُ عُثمانُ فقالَ: سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -قال عبدُ الصمَدِ في حَديثِه- يقولُ: إنَّ بالليلِ ساعةً تُفتَحُ فيها أبوابُ السماءِ، يُنادي مُنادٍ: هل من سائلٍ فأُعطيَه؟ هل من داعٍ فأستَجيبَ له؟ هل من مُستَغفِرٍ فأغفِرَ له؟ - قالَا: جميعًا-. وإنَّ داوُدَ خرَجَ ذاتَ لَيلةٍ فقال: لا يَسألُ اللهَ أحَدٌ شيئًا إلَّا أعْطاهُ، إلَّا أنْ يكونَ ساحِرًا، أو عشَّارًا، فدَعا كِلابٌ بقُرْقورٍ، فركِبَ فيه، وانحَدَرَ إلى ابنِ عامرٍ، فقال: دونَكَ عملَكَ، قال: لمَ قال؟ حدَّثَنا عُثمانُ بكذا وكذا
اجتَمَعَت قُرَيشٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا، فقالوا: انظُروا أعلَمَكم بالسِّحرِ والكِهانةِ والشِّعرِ فليأتِ هذا الرَّجُلَ الذي فَرَّق جماعتَنا وشَتَّت أمرَنا وعاب دينَنا فيُكَلِّمُه ولينظُرْ ما يَرُدُّ عليه، فقالوا: ما نعلَمُ أحدًا غيرَ عُتبةَ بنِ ربيعةَ، فقالوا: أنت أبا الوليدِ، فقام عُتبةُ حتَّى جلَس إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال يا ابنَ أخي إنَّك منَّا حيثُ قد عَلِمتَ من السِّطةِ في العشيرةِ والمكانِ في النَّسَبِ، وإنَّك قد أتيتَ قَومَك بأمرٍ عظيمٍ فرَّقتَ به جماعتَهم وسَفَّهتَ أحلامَهم وعِبتَ آلهتَهم ودينَهم وكَفَّرتَ من مضى من آبائِهم، يا محمَّدُ، أنت خيرٌ أم عبدُ اللهِ؟ فسكت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أنت خيرٌ أم عبدُ المُطَّلِبِ؟ فسكت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فإن كنتَ تَزعُمُ أنَّ هؤلاء خيرٌ منك فقد عبدوا الآلهةَ، وإن كنتَ تَزعُمُ أنَّك خيرٌ منهم فتكَلَّمْ نَسمَعْ قولَك، إنَّا واللهِ ما رأينا سَخلةً قَطُّ أشأمَ على قومِك منك، فرَّقتَ جماعتَنا وأشتَتَّ أمرَنا وعِبتَ دينَنا وفَضَحتَنا في العَرَبِ، حتَّى طار فيهم أنَّ في قريشٍ ساحِرًا، وأنَّ في قريشٍ كاهِنًا، واللهِ ما ننتَظِرُ إلَّا مِثلَ صَيحةِ الحُبلى أن يقومَ بعضُنا بعضًا إليك بالسُّيوفِ حتَّى نتفانى، أيُّها الرَّجُلُ فاسمَعْ مني أعرِضْ عليك أمورًا تنظُرُ فيها لعلَّك تقبَلُ مِنَّا بعضَها، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قلْ أبا الوليدِ أسمَعْ. قال: يا ابنَ أخي، إن كنتَ إنما تريدُ بما جئتَ به من هذا الأمرِ مالًا جمعناه لك من أموالِنا حتَّى تكونَ أكثَرَنا مالًا، وإن كنتَ تريدُ به الشَّرَفَ سَوَّدناك علينا حتَّى لا نقطَعَ أمرًا دونك، وإن كنتَ تريدُ مُلكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا لا تستطيعُ رَدَّه عن نَفسِك طَلَبنا لك الطِّبَّ وبَذَلنا فيه أموالَنا حتَّى نُبرئَك منه، فإنَّه ربَّما غَلَب التَّابعُ على الرَّجُلِ حتَّى يداوى منه. أو كما قال له. حتَّى إذا فرغ عُتبةُ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسمعُه منه، قال له: أقد فرَغْتَ أبا الوليدِ؟ قال: نعم. قال: فاسمَعْ منِّي، قال: أفعَلُ. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ومضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيها يقرؤها عليه، فلمَّا سمعه عُتبةُ أنصت لها وألقى يَدَيه خَلفَ ظَهرِه معتَمِدًا عليهما، فسَمِع منه إلى أن بلغ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13]، فأمسك عُتبةُ على فيه وناشَدَه الرَّحِمَ أن يكُفَّ عنه، ثُمَّ انتهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى السَّجدةِ منها فسجَد، ثُمَّ قال: قد سَمِعتَ أبا الوليدِ ما سَمِعتَ، فأنت وذاك، فقال: ما عندك غيرُ هذا؟ فقال: ما عندي غيرُ هذا. فقام عُتبةُ ولم يَعُدْ إلى أصحابِه واحتبس عنهم، فقال أبو جهلٍ: واللهِ يا مَعشَرَ قُرَيشٍ ما نرى عُتبةَ إلَّا قد صبا إلى محمَّدٍ وأعجبه طعامُه، وما ذاك إلَّا من حاجةٍ أصابته، فانطَلِقوا بنا إليه. فأتوه. فقال أبو جهلٍ: واللهِ يا عُتبةُ ما جئناك إلَّا أنَّك قد صَبَوتَ إلى محمَّدٍ وأعجبك أمرُه، فإن كان لك حاجةٌ جمعنا لك من أموالِنا ما يغنيك عن طعامِ محمَّدٍ، فغَضِب وأقسَمَ لا يكَلِّمُ محمدًا أبدًا، وقال: لقد عَلِمتُم أنِّي من أكثَرِ قريشٍ مالًا ولكني أتيتُه، فقصَّ عليهم القصَّةَ. قالوا: فما أجابك؟ قال: واللهِ الذي نصَّها بنيةً ما فَهِمتُ شيئًا ممَّا قال غيرَ أنَّه أنذَركم صاعِقةً مِثلَ صاعِقةِ عادٍ وثمودَ، فأمسَك بفيه وناشَدتُه الرَّحِمَ أن يكُفَّ، وقد عَلِمتُم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذِبْ، فخِفتُ أن يَنزِلَ عليكم العذابُ. قالوا: ويك يُكَلِّمُك الرَّجُلُ بالعربيَّةِ لا تدري ما قال؟! قال: واللهِ ما سَمِعتُ مِثلَه، واللهِ ما هو بالشِّعرِ ولا بالسِّحرِ ولا بالكِهانةِ، يا مَعشَرَ قُرَيشٍ أطيعوني واجعَلوها بي وخَلُّوا بينَ الرَّجُلِ وبينَ ما هو فيه فاعتزِلوه، فواللهِ ليكونَنَّ لقولِه الذي سمِعتُ نبأٌ، فإن تُصِبْه العرَبُ فقد كُفِيتُموه بغيركم، وإن يظهَرْ على العَرَبِ فمُلكُه مُلكُكم وعِزُّه عِزُّكم، وكنتُم أسعَدَ النَّاسِ به، يا قومِ أطيعوني في هذا الأمرِ واعصوني بعدَه، فواللهِ لقد سمِعتُ من هذا الرَّجُلِ كلامًا ما سَمِعَت أذناي كلامًا مِثلَه، وما دَرَيتُ ما أردُّ عليه. قالوا: سَحَرَك واللهِ يا أبا الوَليدِ! قال: هذا رأيي فيه فاصنَعوا ما بدا لكم
5
◔ غير محدد📌 إنَّه قد رُفِعَتْ لي أرضٌ وهي ذاتُ نخلٍ لا أحسَبُها إلَّا تِهامةَ فاخرُجْ إلى قومِكَ فادْعُهم إلى ما دخَلْتَ فيه
إنَّ أوَّلَ ما دعاني إلى الإسلامِ أنَّا كنَّا قومًا عرَبًا فأصابَتْنا السَّنةُ فاحتمَلْتُ أُمِّي وأخي وكان اسمَه أُنَيْسٌ إلى أصهارٍ لنا بأعلى نَجْدٍ فلمَّا حلَلْنا بهم أكرَمونا فلمَّا رأى ذلكَ رجُلٌ مِن الحيِّ مشى إلى خالي فقال تعلَمُ أنَّ أُنَيْسًا يُخالِفُك إلى أهلِكَ فحزَّ في قلبِه فانصرَفْتُ مِن رِعيَةِ إبلي فوجَدْتُه كئيبًا يبكي فقُلْتُ ما بكاؤُكَ يا خالِ فأعلَمَني الخبَرَ فقُلْتُ حجَز اللهُ تعالى مِن ذلكَ إنَّا نعافُ الفاحشةَ وإنْ كان الزَّمانُ قد أخَلَّ بنا ولقد كدَّرْتَ علينا صَفْوَ ما ابتدَأْتَنا به ولا سبيلَ إلى اجتماعٍ فاحتمَلْتُ أُمِّي وأخي حتَّى نزَلْنا بحَضرةِ مكَّةَ فقال أخي إنِّي مُدافِعٌ رجُلًا على الماءِ بشِعرٍ وكان امرأً شاعرًا فقُلْتُ لا تفعَلْ فخرَج به اللَّجاجُ حتَّى دافَع دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّةِ صِرْمَتَه إلى صِرْمَتِه وايمُ اللهِ لَدُرَيْدٌ يومَئذٍ أشعَرُ مِن أخي فتقاضَيا إلى خَنْساءَ فقضَتْ لأخي على دُرَيْدٍ وذلكَ أنَّ دُرَيْدًا خطَبها إلى أبيها فقالت شيخٌ كبيرٌ لا حاجةَ لي فيه فحقَدَتْ ذلكَ عليه فضمَمْنا صِرْمَتَه إلى صِرْمَتِنا فكانت لنا هَجْمةٌ ثمَّ أتَيْتُ مكَّةَ فابتدَأْتُ بالصَّفا فإذا عليه رِجالاتُ قُرَيْشٍ وقد بلَغني أنَّ بها صابئًا أو مجنونًا أو شاعرًا أو ساحرًا فقُلْتُ أينَ هذا الَّذي تزعُمونَه فقالوا ها هو ذلكَ حيثُ ترى فانقلَبْتُ إليه فواللهِ ما جُزْتُ عنهم قِيسَ حجَرٍ حتَّى أكَبُّوا على كلِّ عَظْمٍ وحجَرٍ ومَدَرٍ فضرَّجونى بدَمِي فأتَيْتُ البيتَ فدخَلْتُ بَيْنَ السُّتورِ والبِناءِ وصُمْتُ فيه ثلاثينَ يومًا لا آكُلُ ولا أشرَبُ إلَّا مِن ماءِ زَمْزَمَ حتَّى إذا كانت ليلةٌ قَمْراءُ إِضْحِيَانٌ أقبَلَتِ امرأتانِ مِن خُزَاعةَ فطافَتا بالبيتِ ثمَّ ذكَرَتا إسافًا ونائلةَ وهما وَثَنَانِ كانوا يعبُدونَهما فأخرَجْتُ رأسي مِن تحتِ السُّتورِ فقُلْتُ احمِلا أحَدَهما على صاحبِه فغضِبَتا ثمَّ قالتا وايمُ اللهِ لو كانت رِجالُنا حضورًا ما تكلَّمْتَ بهذا فخرجتا تقفو آثارهما حتَّى لقِيَتا رسولَ اللهِ فقال مَن أنتما وممَّن أنتما ومِن أينَ جِئْتُما وما جاء بكما فأخبَرَتاه الخبَرَ فقال أينَ ترَكْتُما الصَّابئَ فقالتا ترَكْنَاه بَيْنَ السُّتورِ والبِناءِ فقال لهما هل قال لكما شيئًا قالتا نَعَمْ كلمةً تملَأُ الفَمَ فتبسَّم رسولُ اللهِ ثمَّ انسَلَّتا وأقبَلْتُ حتَّى جِئْتُ رسولَ اللهِ ثمَّ سلَّمْتُ عليه عندَ ذلكَ فقال مَن أنتَ وممَّن أنتَ ومِن أينَ أنتَ ومِن أينَ جِئْتَ وما جاء بكَ فأنشَأْتُ أُعلِمُه الخبَرَ فقال مِن أينَ كُنْتَ تأكُلُ وتشرَبُ فقُلْتُ مِن ماءِ زَمْزَمَ فقال أمَا إنَّه طعامُ طُعْمٍ ومعه أبو بكرٍ فقال يا رسولَ اللهِ ائذَنْ لي أنْ أُعشِّيَه قال نَعَمْ ثمَّ خرَج رسولُ اللهِ يمشى وأخَذ أبو بكرٍ بيدي حتَّى وقَف رسولُ اللهِ ببابِ أبي بكرٍ ثمَّ دخَل أبو بكرٍ بيتَه ثمَّ أتى بزَبيبٍ مِن زَبيبِ الطَّائفِ فجعَل يُلقيه لنا قُبَضًا قُبَضًا ونحنُ نأكُلُ منه حتَّى تملَّأْنا منه فقال لي رسولُ اللهِ يا أبا ذرٍّ فقُلْتُ لبَّيْكَ فقال إنَّه قد رُفِعَتْ لي أرضٌ وهي ذاتُ نخلٍ لا أحسَبُها إلَّا تِهامةَ فاخرُجْ إلى قومِكَ فادْعُهم إلى ما دخَلْتَ فيه قال فخرَجْتُ حتَّى أتَيْتُ أُمِّي وأخي فأعلَمْتُهما الخبَرَ فقالا ما بنا رَغبةٌ عنِ الدِّينِ الَّذي دخَلْتَ فيه فأسلَمْنا ثمَّ خرَجْنا حتَّى أتَيْنا المدينةَ فأعلَمْتُ قومي فقالوا إنَّا قد صدَّقْناكَ ولكنَّا نَلقى مُحمَّدًا فلمَّا قدِم علينا رسولُ اللهِ لقِيناه فقالت له غِفارُ يا رسولَ اللهِ إنَّ أبا ذرٍّ قد أعلَمَنا ما أعلَمْتَه وقد أسلَمْنا وشهِدْنا أنَّكَ رسولُ اللهِ ثمَّ تقدَّمَتْ أسلَمُ خُزاعةَ فقالوا يا رسولَ اللهِ إنَّا قد رغِبْنا ودخَلْنا فيما دخَل إخوانُنا وحُلَفاؤُنا فقال رسولُ اللهِ أسلَمُ سالَمها اللهُ وغِفارُ غفَر اللهُ لها ثمَّ أخَذ أبو بكرٍ بيدي فقال يا أبا ذرٍّ فقُلْتُ لبَّيْكَ يا أبا بكرٍ فقال قد كُنْتَ تأَلَّهُ في جاهليَّتِكَ قُلْتُ نَعَمْ لقد رأَيْتُني أقومُ عندَ الشَّمسِ فلا أزالُ أُصلِّي حتَّى يُؤذيَني حَرُّها فأخِرُّ كأنِّي خِفاءٌ فقال لي فأينَ كُنْتَ توَجَّهُ قُلْتُ لا أدري إلَّا حيثُ وجَّهني اللهُ حتَّى أدخَل اللهُ علَيَّ الإسلامَ
إنَّ أوَّلَ ما دَعاني إلى الإسْلامِ أنَّا كنَّا قَومًا غُرَباءَ فأصابَتْنا السَّنةُ، فاحتَمَلْتُ أُمِّي وأخِي، وكانَ اسْمُه أُنَيسًا إلى أصْهارٍ لنا بأعْلى نَجدٍ، فلمَّا حَلَلْنا بهِم أكْرَمونا، فلمَّا رَأى ذلك رَجُلٌ مِنَ الحَيِّ مَشى إلى خالي، فقالَ: تَعلَمُ أنَّ أُنَيسًا يُخالِفُكَ إلى أهلِكَ، قالَ: فخفِقَ في قَلبِه، فانصرَفْتُ في رَعيَّةِ إبِلي، فوجَدْتُه كَئيبًا يَبْكي، فقُلْتُ: ما بُكاؤُكَ يا خالُ؟ فأعْلَمَني الخبَرَ، فقُلْتُ: حجَزَ اللهُ مِن ذلك إنَّا نَخافُ الفاحِشةَ، وإنْ كانَ الزَّمانُ قد أخَلَّ بنا، ولقد كدَّرْتَ علينا صَفوَ ما ابْتَدأْتَنا به، ولا سَبيلَ إلى اجْتِماعٍ، فاحتمَلْتُ أُمِّي وأخِي حتَّى نزَلْنا بحَضْرةِ مكَّةَ، فقالَ أخِي: إنِّي رَجُلٌ مُدافِعٌ على الماءِ بشِعرٍ، وكانَ رَجُلًا شاعِرًا، فقُلْتُ: لا تَفعَلْ، فخرَجَ به اللَّجاجُ حتَّى دافَعَ دُرَيدَ بنَ الصِّمَّةِ صِرْمَتُه إلى صِرْمَتِه، وايْمُ اللهِ لَدُرَيدٌ يومَئذٍ أشعَرُ مِن أخِي، فتَقاضَيَا إلى خَنْساءَ ففضَّلَتْ أخِي على جُرَيجٍ؛ وذلك أنَّ جُرَيجًا خطَبَها إلى أبيها، فقالَتْ: شيخٌ كبيرٌ لا حاجةَ لي فيه، فحَقَدَتْ عليه، فضَمَمْنا صِرْمَتَه إلى صِرْمَتِنا، فكانَتْ لنا هَجْمةٌ، قالَ: ثمَّ أتَيْتُ مكَّةَ فابْتَدأْتُ بالصَّفا، فإذا عليها رِجالاتُ قُرَيشٍ، ولقد بَلَغَني أنَّ بها صابئًا، أو مَجنونًا، أو شاعِرًا، أو ساحِرًا، فقُلْتُ: أين هذا الَّذي تَزْعُمونَه؟ فقالوا: ها هو ذاك حيثُ تَرى، فانقلَبْتُ إليه، فواللهِ ما جُزْتُ عنهم قِيدَ حَجَرٍ حتَّى أكَبُّوا عليَّ كلَّ عَظمٍ وحَجرٍ ومَدَرٍ فضَرَّجوني بدَمي، وأتَيْتُ البَيتَ فدخَلْتُ بيْنَ السُّتورِ والبِناءِ وصُمْتُ فيه ثَلاثينَ يومًا، لا آكُلُ ولا أشرَبُ إلَّا مِن ماءِ زَمزَمَ حتَّى كانتْ ليلةٌ قَمْراءُ إضْحِيانٌ، أقبَلَتِ امْرأتانِ مِن خُزاعةَ طافَتَا بالبَيتِ ثمَّ ذكَرَتا إسافًا ونائلةَ، وهُما وَثَنانِ كانوا يَعبُدونَهما، فأخرَجْتُ رَأْسي مِن تَحتِ السُّتورِ، فقُلْتُ: احْمِلَا أحَدَهما على صاحِبِه، فغَضِبَتا ثمَّ قالَتَا: أمَا واللهِ لو كانتْ رِجالُنا حُضُورًا ما تَكلَّمْتَ بهذا، ثمَّ ولَّتَا، فخرَجْتُ أقْفو آثارَهُما حتَّى لَقِيَتا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: ما أنتُما، ومن أين أنتُما؟ ومن أين جِئتُما؟ وما جاءَ بكما؟ فأخبَرَتاهُ الخبَرَ، فقالَ: أين ترَكْتُما الصَّابئَ؟ فقالَتا: تَرَكْناه بيْنَ السُّتورِ والبِناءِ، فقالَ لهُما: هل قالَ لكُما شيئًا؟ قالَتا: نعمْ، وأقبَلْتُ حتَّى جِئْتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ سلَّمْتُ عليه عندَ ذلك، فقالَ: مَن أنتَ؟ وممَّن أنتَ؟ ومن أين أنتَ؟ ومن أين جِئْتَ؟ وما جاءَ بكَ؟ فأنشأْتُ أُعلِمُه الخبَرَ، فقالَ: مِن أينَ كنْتَ تأكُلُ وتَشرَبُ؟ فقُلْتُ: مِن ماءِ زَمزَمَ، فقالَ: أمَا إنَّه طَعامُ طُعمٍ، ومعه أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، ائْذَنْ لي أنْ أُعَشِّيَه، قالَ: نعمْ، ثمَّ خرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَمْشي، وأخَذَ أبو بَكرٍ بيَدي حتَّى وقَفَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ببابِ أبي بَكرٍ، ثمَّ دخَلَ أبو بَكرٍ بَيتَه، ثمَّ أتَى بزَبيبٍ مِن زَبيبِ الطَّائفِ، فجعَلَ يُلْقيه لنا، قَبضًا قَبضًا، ونحن نأكُلُ منه حتَّى مَلَأْنا منه، فقالَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا أبا ذَرٍّ فقُلْتُ: لبَّيكَ، فقالَ لي: إنَّه قد رُفِعَتْ لي أرْضٌ، وهي ذاتُ مالٍ، ولا أحسَبُها إلَّا تِهامةَ، فاخرُجْ إلى قَومِكَ فادْعُهم إلى ما دخَلْتَ فيه، قالَ: فخرَجْتُ حتَّى أتَيْتُ أُمِّي وأخِي فأعلَمْتُهمُ الخبَرَ، فقالَا: ما لنا رَغبةٌ عنِ الدِّين الَّذي دخلْتَ فيه فأسْلَمَا، ثمَّ خرَجْنا حتَّى أتَيْنا المَدينةَ فأعلَمْتُ قَوْمي فقالوا: إنَّا قد صدَّقْناكَ، ولعَلَّنا نَلْقى مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا قدِمَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقِيناهُ، فقالَتْ له غِفارٌ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أبا ذَرٍّ أعْلَمَنا ما أعلَمْتَه، وقد أسْلَمْنا وشهِدْنا أنَّكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ تقدَّمَتْ أسلَمُ، وخُزاعةُ، فقُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا قد رَغِبْنا، ودخَلْنا فيما دخَلَ فيه إخْوانُنا وحُلَفاؤُنا، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أسلَمُ سالَمَها اللهُ، وغِفارٌ غفَرَ اللهُ لها، ثمَّ أخَذَ أبو بَكرٍ بيَدي، فقالَ: يا أبا ذَرٍّ، قُلْتُ: لبَّيكَ يا أبا بَكرٍ، فقالَ: هل كنْتَ تأْلَهُ في جاهِليَّتِكَ؟ قُلْتُ: نعمْ، لقد رَأيْتُني أقومُ عندَ الشَّمسِ، فلا أزالُ مُصلِّيًا حتَّى يؤذِيَني حَرُّها فأخِرَّ كأنِّي خِفاءٌ، فقالَ لي: فأين كنْتَ توَجَّهُ؟ قُلْتُ: لا أدْري إلَّا حيثُ وَجَّهَني اللهُ حتَّى أدخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإسْلامَ
أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَلَّمَه وأَمَرَه أنْ يَتعاهدَ أهلَه في كُلِّ صباحٍ: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ وسَعديْكَ، والخيرُ في يَديْكَ ومنكَ وإليكَ، اللَّهُمَّ ما قُلتُ مِن قَولٍ، أوْ حَلَفتُ مِن حَلِفٍ، أوْ نَذرْتُ مِن نَذْرٍ فمَشيئتُكَ بيْنَ يديْ ذلك كُلِّهِ، ما شئتَ كان، وما لمْ تَشأْ لا يكُنْ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بكَ، إنَّكَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، اللَّهُمَّ ما صلَّيتُ مِن صلاةٍ فعلى مَنْ صلَّيتَ، وما لَعنتُ مِن لَعنٍ فعلى مَنْ لَعنتَ، أنتَ وَليِّي في الدُّنيا والآخِرةِ، تَوفَّني مسلمًا، وأَلحِقني بالصَّالحينَ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسألُكَ الرِّضا بعدَ القضاءِ، وبَرْدَ العَيشِ بعدَ الموتِ، ولَذَّةَ النَّظرِ إلى وَجهِكَ، وشوقًا إلى لقائكَ في غيرِ ضرَّاءَ مُضِرَّةٍ ولا فِتنةٍ مُضلَّةٍ، وأَعوذُ بكَ أنْ أَظلِمَ أوْ أُظلَمَ، أوْ أَعتدِيَ أوْ يُعتدَى عَلَيَّ، أوْ أَكسِبَ خطيئةً أوْ ذنبًا لا تَغفِرُه، اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغيبِ والشَّهادةِ ذا الجلالِ والإكرامِ، فإنِّي أَعهدُ إليكَ في هذه الحياةِ الدُّنيا، وأُشهِدُكَ، وكفى بكَ شَهيدًا أنِّي أَشهدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا أنتَ، وحْدَكَ لا شريكَ لكَ، لكَ المُلكُ، ولكَ الحمدُ، وأنتَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، وأَشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُكَ ورسولُكَ، وأَشهدُ أنَّ وَعدَكَ حقٌّ ولقاءَكَ حقٌّ، والسَّاعةَ آتيةٌ لا رَيبَ فيها، وأنَّكَ تَبعثُ مَن في القُبورِ، وأنَّكَ إنْ تَكِلْني إلى نفسي؛ تَكِلْني إلى ضَعفٍ وعَورةٍ وذَنبٍ وخطيئةٍ، وإنِّي لا أَثِقُ إلَّا برحمتِكَ، فاغفرْ لي ذنوبي كُلَّها؛ إنَّه لا يَغفِرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ، وتُبْ عَلَيَّ؛ إنَّكَ أنتَ التَّوابُ الرَّحيمُ
دخَلْتُ على ابنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما، وهو يَقرأُ في المصحفِ قبلَ أنْ يذْهَبَ بصرُهُ، وهو يبكي، فقلتُ: ما يُبكيكَ يا ابنَ عبَّاسٍ جَعَلَني اللهُ فِداكَ؟ قالَ: فقالَ: هل تعرفُ أيْلَةَ؟ قلتُ: وما أَيْلَةُ؟ قالَ: قريةٌ كان بها ناسٌ مِنَ اليهودِ، فحَرَّمَ اللهُ عليهم الحيتانَ يومَ السَّبتِ، فكانتْ حيتانُهُم تَأتِيهم يومَ سَبْتِهم، شُرَّعًا بيضاءَ سِمانَ، كأمثالِ المَخاضِ بأفْيائهِم وأبْنيائهِم، فإذا كان في غيرِ يومِ السَّبتِ، لم يجِدوها، ولم يُدْركوها إلَّا في مَشَقَّةٍ ومؤونةٍ شديدةٍ، فقالَ بعضُهُم لبَعْضٍ -أوْ مَنْ قالَ ذلك مِنْهم-: لعلَّنا لوْ أخَذْناها يومَ السَّبتِ، وأكَلْناها في غيرِ يومِ السَّبتِ. ففَعَلَ ذلك أهلُ بيتٍ منهم، فأَخَذوا فشَوَوْا، فوَجَدَ جيرانُهُم ريحَ الشَّويِ، فقالوا: واللهِ ما نرى أصحابَ بَني فلانٍ [شيئا] ، فأَخَذوها آخرونَ حتَّى فَشا ذلك فيهم، وكثُرَ فافترقوا فِرَقًا ثلاثًا؛ فِرقةً أكَلَتْ، وفِرقةً نَهَتْ، وفِرقةً قالتْ: لِمَ تَعِظونَ قومًا اللهُ مُهلِكُهُم أوْ مُعذِّبُهم عذابًا شديدًا. فقالتِ الفِرقةُ الَّتي نَهَتْ: إنَّا نُحذِّرُكم غضبَ اللهِ وعِقابَهُ، أنْ يُصيبَكُم بخَسْفٍ أوْ قَذْفٍ أو ببعضِ ما عندَهُ مِنَ العذابِ، واللهِ لا نُبايتُكم في مكانٍ وأنتم فيه. وخَرَجوا مِنَ السُّورِ، فغَدَوْا عليه مِنَ الغدِ، فضَرَبوا بابَ السُّورِ، فلمْ يُجبْهُم أَحدٌ، فأتَوْا بسُلَّمٍ فأسندوهُ إلى السُّورِ، ثُمَّ رَقَى منهم راقٍ على السُّورِ، فقالَ: يا عبادَ اللهِ، قِردةٌ واللهِ لها أذنابٌ تَعاوى، ثلاثَ مرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ مِنَ السُّور ففَتَحَ السُّورَ، فدَخَلَ النَّاسُ عليهم، فعَرَفَتِ القِردَةُ أنسابَها مِنَ الإنسِ، ولمْ يعرفِ الإنسُ أنسابَهُم مِنَ القِردَةِ. قالَ: فيأتي القِردُ إلى نَسيبِهِ وقريبِهِ مِنَ الإنسِ، فيَحتَكُّ به، ويَلصَقُ، ويقولُ الإنسانُ: أنتَ فلانٌ؟ فيشيرُ برأسِهِ أيْ نَعَمْ، ويبكي، وتأتي القِردَةُ إلى نَسيبِها وقريبِها مِنَ الإنسِ، فيقولُ لها: أنتِ فلانةٌ؟ فتُشيرُ برأسِها أيْ نَعَمْ، وتبكي، فيقولُ لهم الإنسُ: أما إنَّا حذَّرْناكم غضَبَ اللهِ وعِقابَهُ أنْ يُصيبَكُم بخَسْفٍ أوْ مَسْخٍ أوْ ببعضِ ما عندَهُ مِنَ العذابِ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ: فاسْمَعِ اللهَ يقولُ فـ{أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165] فلا أدري ما فَعَلَتِ الفِرقةُ الثَّالثةُ. قالَ ابنُ عبَّاسٍ: فكم قد رَأَيْنا مِن مُنكرٍ فلمْ ننْهَ عنه! قالَ عِكْرمةُ: فقلتُ: ما تَرى جَعَلَني اللهُ فِداكَ؟ إنَّهم قد أنْكَروا، وكَرِهوا حين قالوا لِمَ تَعِظونَ قومًا اللهُ مُهلِكُهُم أوْ مُعذِّبُهم عذابًا شديدًا؟ فأعْجَبَهُ قولي ذلك، وأَمَرَ لي ببُرْدَيْنِ غَليظينِ فكَسانِيهُما
شَهِدتُّ يومًا خُطْبَةً لِسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ فذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ حَدِيثًا عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُلْتُ فذَكَرَ حَدِيثَ كسوفِ الشمْسِ حتَّى قال فَوَافَقَ تَجَلِي الشمسِ جلوسَهُ في الركعةِ الثانيةِ قال زهيرٌ حَسِبْتُهُ قال فسلَّمَ فحَمِدَ اللهَ عزَّ وجلَّ وأَثْنَى عَلَيْهِ وشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ ورسولُهُ ثم قال يا أَيُّها الناسُ أَنشُدُكُمُ اللهَ إِنْ كنتم تعلمونَ أَنِّي قَصَّرْتُ عن شيءٍ من تبليغِ رسالاتِ ربي عزَّ وجلَّ لَمَا أَخْبَرْتُمونِي ذَاكَ قَالَ فَقَامَ رِجَالٌ فقالوا نشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ رِسَالَاتِ رَبِّكَ وَنَصَحْتَ لأُمَّتِكَ وَقَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رجالًا يَزْعُمُونَ أنَّ كسوفَ هذِهِ الشمسِ وكسوفَ هذا القمرِ وزَوَالَ هذه النجومِ عن مطالِعِها لِمَوْتِ رجالٍ عظماءَ من أهلِ الأرضِ وإنهم كَذَبُوا ولكنَّها آياتٌ مِنْ آياتِ اللهِ عزَّ وجلَّ يختبِرُ بِها عبادَهُ فَيَنْظُرُ مَنْ يُحَدِثُ لَهُ منهم توبَةً وإني واللهِ لقدْ رأيتُ منذُ قمتُ أُصلِّي ما أنتم لا قُوُهُ مِنْ أَمْرِ دنياكم وآخرتِكم وإنه واللهِ لا تقومُ الساعةُ حتى يخرجَ ثلاثونَ كذابًا آخِرُهم الأعورُ الدجالُ ممسوحُ العينِ اليُسْرَى كأَنَّها عينُ أَبِي تَحْيَا لشيخٍ حينئِذٍ مِنَ الأنصارِ بينَهُ وبينَ حجرةِ عائشةَ وإنَّهُ مَتَى يَخْرُجَ أو قال فإِنَّهُ مَتَى مَا يَخْرُج فإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ اللهُ فمَنْ آمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ واتَّبَعَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ صَالِحٌ من عمَلِهِ سَلَفَ ومَنْ كَفَرَ بِهِ وكذَّبَهُ لم يعاقَب بشيءٍ مِنْ عَمَلِهِ سَلَفَ وإِنَّهُ سوفَ يَظْهَرُ أَوْ قَالَ يَظْهَرُ عَلَى الأَرْضِ كُلِّها إِلَّا الحرَمَ وبيْتَ المقدسِ وإنه يُحْصَرُ المؤمنونَ في بيتِ المقدِسِ فيُزَلْزَلُوا زِلْزَالًا شديدًا ثم يُهْلِكُهُ اللهُ تَبَارَكَ وتعالى حتى إنَّ جَذْمَ الحائِطِ أَوْ قال أَصْلَ الحائِطِ وقال حسَنُ الأشْيَبُ أوْ أَصْلُ الشجرةِ لَيُنَادِي أوْ قال يَقولُ يا مؤْمِنُ أوْ قال يا مُسْلِمُ هذا يهودِيٌّ أو قال هذا كافِرٌ تعالَ فاقتُلْهُ قال ولن يكونَ ذلِكَ كذلِكَ حتى تَرَوا أمورًا يَتَفَاقَمُ شأْنُها في أنفُسِكم وتَسَّاءَلُونَ بَيْنَكُمْ هَلْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ذَكَرَ لكم مِنْ هَذضا ذِكْرًا وحتى تَزُولَ جِبَالٌ عن مراتِبِهَا قال ثم عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ الْقَبْضُ قال ثم شهدتُّ خطبةً لسمرةَ ذكَرَ فيها هذا الحديثَ ما قدَّمَ كَلِمَةً ولا آخَرَها عن موضِعِها
قرأ أبيٌّ آيةً وقرأ ابنُ مسعودٍ آيةً خلافَها وقرأ رجلٌ آخرُ خلافَهُما فأتينا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ ألمْ تقرأْ آيةَ كذا وكذا كذا وكذا وقال ابنُ مسعودٍ ألمْ تقرأْ آيةَ كذا وكذا كذا وكذا فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كلُّكمْ مُحسنٌ مُجملٌ قال قلتُ ما كلُّنا أحسنَ ولا أجملَ قال فضربَ صدري وقال يا أُبَيُّ إنِّي أُقرِئتُ القرآنَ فقلتُ على حرفٍ أوْ حرفينِ فقال لي الملَكُ الذي عندِي على حرفينِ فقلتُ على حرفينِ أو ثلاثةٍ فقال الملكُ الذي مَعي على ثلاثةٍ فقلتُ على ثلاثةٍ هكذا حتى بلغ سبعةَ أحرفٍ ليس منها إلا شافٍ كافٍ قلتَ غفورًا رحيمًا أوْ قلتَ سميعًا حكيمًا أوْ قلتَ عليمًا حكيمًا أوْ عزيزًا حكيمًا أيَّ ذلكَ قلتَ فإنَّهُ كما قلتَ وزادَ بعضُهمْ في الحديثِ ما لمْ تَختمْ عذابًا برحمةٍ أوْ رحمةً بعذابٍ
حديث: إنَّ أصحابَ الصُّفَّةِ كانوا أُناسًا ضُعَفاءَ [وأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ مَرَّةً: مَن كانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بثَالِثٍ، ومَن كانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بخَامِسٍ أوْ سَادِسٍ أوْ كما قالَ: وأنَّ أبَا بَكْرٍ جَاءَ بثَلَاثَةٍ، وانْطَلَقَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَشَرَةٍ، وأَبُو بَكْرٍ ثَلَاثَةً، قالَ: فَهو أنَا وأَبِي وأُمِّي، ولَا أدْرِي هلْ قالَ: امْرَأَتي وخَادِمِي، بيْنَ بَيْتِنَا وبيْنَ بَيْتِ أبِي بَكْرٍ، وأنَّ أبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ لَبِثَ حتَّى صَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حتَّى تَعَشَّى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَجَاءَ بَعْدَ ما مَضَى مِنَ اللَّيْلِ ما شَاءَ اللَّهُ، قالَتْ له امْرَأَتُهُ: ما حَبَسَكَ عن أضْيَافِكَ أوْ ضَيْفِكَ؟ قالَ: أوَعَشَّيْتِهِمْ؟ قالَتْ: أبَوْا حتَّى تَجِيءَ، قدْ عَرَضُوا عليهم فَغَلَبُوهُمْ، فَذَهَبْتُ فَاخْتَبَأْتُ، فَقالَ يا غُنْثَرُ ، فَجَدَّعَ وسَبَّ، وقالَ: كُلُوا، وقالَ: لا أطْعَمُهُ أبَدًا، قالَ: وايْمُ اللَّهِ ، ما كُنَّا نَأْخُذُ مِنَ اللُّقْمَةِ إلَّا رَبَا مِن أسْفَلِهَا أكْثَرُ منها حتَّى شَبِعُوا، وصَارَتْ أكْثَرَ ممَّا كَانَتْ قَبْلُ، فَنَظَرَ أبو بَكْرٍ فَإِذَا شيءٌ أوْ أكْثَرُ، قالَ لِامْرَأَتِهِ: يا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ، قالَتْ : لا وقُرَّةِ عَيْنِي، لَهي الآنَ أكْثَرُ ممَّا قَبْلُ بثَلَاثِ مَرَّاتٍ، فأكَلَ منها أبو بَكْرٍ وقالَ: إنَّما كانَ الشَّيْطَانُ، يَعْنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أكَلَ منها لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وكانَ بيْنَنَا وبيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَمَضَى الأجَلُ فَتَفَرَّقْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مع كُلِّ رَجُلٍ منهمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أعْلَمُ كَمْ مع كُلِّ رَجُلٍ، غيرَ أنَّه بَعَثَ معهُمْ، قالَ: أكَلُوا منها أجْمَعُونَ، أوْ كما قالَ.]
عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ قصَّةَ السَّقيفةِ بطُولِه [عن ابن عباس قال: كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالًا مِنَ المُهَاجِرِينَ، منهمْ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، فَبيْنَما أنَا في مَنْزِلِهِ بمِنًى، وهو عِنْدَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، إذْ رَجَعَ إلَيَّ عبدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: لو رَأَيْتَ رَجُلًا أتَى أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اليَومَ، فَقَالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هلْ لكَ في فُلَانٍ؟ يقولُ: لو قدْ مَاتَ عُمَرُ لقَدْ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَوَاللَّهِ ما كَانَتْ بَيْعَةُ أبِي بَكْرٍ إلَّا فَلْتَةً فَتَمَّتْ، فَغَضِبَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي -إنْ شَاءَ اللَّهُ- لَقَائِمٌ العَشِيَّةَ في النَّاسِ، فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ. قَالَ عبدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لا تَفْعَلْ؛ فإنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وغَوْغَاءَهُمْ؛ فإنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ علَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ في النَّاسِ، وأَنَا أخْشَى أنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وأَنْ لا يَعُوهَا، وأَنْ لا يَضَعُوهَا علَى مَوَاضِعِهَا، فأمْهِلْ حتَّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ؛ فإنَّهَا دَارُ الهِجْرَةِ والسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بأَهْلِ الفِقْهِ وأَشْرَافِ النَّاسِ، فَتَقُولَ ما قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِي أهْلُ العِلْمِ مَقَالَتَكَ، ويَضَعُونَهَا علَى مَوَاضِعِهَا.فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا واللَّهِ -إنْ شَاءَ اللَّهُ- لَأَقُومَنَّ بذلكَ أوَّلَ مَقَامٍ أقُومُهُ بالمَدِينَةِ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ في عُقْبِ ذِي الحَجَّةِ، فَلَمَّا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ عَجَّلْتُ الرَّوَاحَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ؛ حتَّى أجِدَ سَعِيدَ بنَ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ جَالِسًا إلى رُكْنِ المِنْبَرِ، فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ تَمَسُّ رُكْبَتي رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أنْشَبْ أنْ خَرَجَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلًا، قُلتُ لِسَعِيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ: لَيَقُولَنَّ العَشِيَّةَ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتُخْلِفَ، فأنْكَرَ عَلَيَّ وقَالَ: ما عَسَيْتَ أنْ يَقُولَ ما لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ؟! فَجَلَسَ عُمَرُ علَى المِنْبَرِ، فَلَمَّا سَكَتَ المُؤَذِّنُونَ قَامَ، فأثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فإنِّي قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قدْ قُدِّرَ لي أنْ أقُولَهَا، لا أدْرِي لَعَلَّهَا بيْنَ يَدَيْ أجَلِي، فمَن عَقَلَهَا ووَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بهَا حَيْثُ انْتَهَتْ به رَاحِلَتُهُ ، ومَن خَشِيَ أنْ لا يَعْقِلَهَا فلا أُحِلُّ لأحَدٍ أنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالحَقِّ، وأَنْزَلَ عليه الكِتَابَ، فَكانَ ممَّا أنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وعَقَلْنَاهَا ووَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورَجَمْنَا بَعْدَهُ، فأخْشَى إنْ طَالَ بالنَّاسِ زَمَانٌ أنْ يَقُولَ قَائِلٌ: واللَّهِ ما نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَهَا اللَّهُ، والرَّجْمُ في كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ علَى مَن زَنَى إذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كانَ الحَبَلُ، أوْ الِاعْتِرَافُ. ثُمَّ إنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيما نَقْرَأُ مِن كِتَابِ اللَّهِ: أنْ لا تَرْغَبُوا عن آبَائِكُمْ ؛ فإنَّه كُفْرٌ بكُمْ أنْ تَرْغَبُوا عن آبَائِكُمْ، أوْ: إنَّ كُفْرًا بكُمْ أنْ تَرْغَبُوا عن آبَائِكُمْ.ألَا ثُمَّ إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَالَ: لا تُطْرُونِي كما أُطْرِيَ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ، وقُولوا: عبدُ اللَّهِ ورَسولُهُ. ثُمَّ إنَّه بَلَغَنِي أنَّ قَائِلًا مِنكُم يقولُ: واللَّهِ لو قدْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا، فلا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أنْ يَقُولَ: إنَّما كَانَتْ بَيْعَةُ أبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وتَمَّتْ ، ألَا وإنَّهَا قدْ كَانَتْ كَذلكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ وقَى شَرَّهَا، وليسَ مِنكُم مَن تُقْطَعُ الأعْنَاقُ إلَيْهِ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ، مَن بَايَعَ رَجُلًا عن غيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فلا يُبَايَعُ هو ولَا الذي بَايَعَهُ؛ تَغِرَّةً أنْ يُقْتَلَا، وإنَّه قدْ كانَ مِن خَبَرِنَا حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّ الأنْصَارَ خَالَفُونَا، واجْتَمَعُوا بأَسْرِهِمْ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وخَالَفَ عَنَّا عَلِيٌّ والزُّبَيْرُ ومَن معهُمَا، واجْتَمع المُهَاجِرُونَ إلى أبِي بَكْرٍ، فَقُلتُ لأبِي بَكْرٍ: يا أبَا بَكْرٍ، انْطَلِقْ بنَا إلى إخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الأنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ، فَلَمَّا دَنَوْنَا منهمْ، لَقِيَنَا منهمْ رَجُلَانِ صَالِحَانِ، فَذَكَرَا ما تَمَالَأَ عليه القَوْمُ، فَقَالَا: أيْنَ تُرِيدُونَ يا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ؟ فَقُلْنَا: نُرِيدُ إخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَا: لا علَيْكُم أنْ لا تَقْرَبُوهُمْ، اقْضُوا أمْرَكُمْ، فَقُلتُ: واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ، فَانْطَلَقْنَا حتَّى أتَيْنَاهُمْ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ بيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلتُ: مَن هذا؟ فَقالوا: هذا سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ، فَقُلتُ: ما له؟ قالوا: يُوعَكُ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فأثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فَنَحْنُ أنْصَارُ اللَّهِ وكَتِيبَةُ الإسْلَامِ، وأَنْتُمْ مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ رَهْطٌ، وقدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ مِن قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أنْ يَخْتَزِلُونَا مِن أصْلِنَا، وأَنْ يَحْضُنُونَا مِنَ الأمْرِ. فَلَمَّا سَكَتَ أرَدْتُ أنْ أتَكَلَّمَ، وكُنْتُ قدْ زَوَّرْتُ مَقَالَةً أعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أنْ أُقَدِّمَهَا بيْنَ يَدَيْ أبِي بَكْرٍ، وكُنْتُ أُدَارِي منه بَعْضَ الحَدِّ، فَلَمَّا أرَدْتُ أنْ أتَكَلَّمَ، قَالَ أبو بَكْرٍ: علَى رِسْلِكَ ، فَكَرِهْتُ أنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ أبو بَكْرٍ، فَكانَ هو أحْلَمَ مِنِّي وأَوْقَرَ، واللَّهِ ما تَرَكَ مِن كَلِمَةٍ أعْجَبَتْنِي في تَزْوِيرِي، إلَّا قَالَ في بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا أوْ أفْضَلَ منها حتَّى سَكَتَ؛ فَقَالَ: ما ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِن خَيْرٍ فأنتُمْ له أهْلٌ، ولَنْ يُعْرَفَ هذا الأمْرُ إلَّا لِهذا الحَيِّ مِن قُرَيْشٍ؛ هُمْ أوْسَطُ العَرَبِ نَسَبًا ودَارًا، وقدْ رَضِيتُ لَكُمْ أحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أيَّهُما شِئْتُمْ، فأخَذَ بيَدِي وبِيَدِ أبِي عُبَيْدَةَ بنِ الجَرَّاحِ، وهو جَالِسٌ بيْنَنَا، فَلَمْ أكْرَهْ ممَّا قَالَ غَيْرَهَا، كانَ واللَّهِ أنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي، لا يُقَرِّبُنِي ذلكَ مِن إثْمٍ؛ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ أتَأَمَّرَ علَى قَوْمٍ فيهم أبو بَكْرٍ، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ تُسَوِّلَ إلَيَّ نَفْسِي عِنْدَ المَوْتِ شيئًا لا أجِدُهُ الآنَ. فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ ، وعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ ؛ مِنَّا أمِيرٌ، ومِنكُم أمِيرٌ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. فَكَثُرَ اللَّغَطُ ، وارْتَفَعَتِ الأصْوَاتُ، حتَّى فَرِقْتُ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَقُلتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يا أبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ، وبَايَعَهُ المُهَاجِرُونَ ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأنْصَارُ. ونَزَوْنَا علَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ منهمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ، فَقُلتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ. قَالَ عُمَرُ: وإنَّا واللَّهِ ما وجَدْنَا فِيما حَضَرْنَا مِن أمْرٍ أقْوَى مِن مُبَايَعَةِ أبِي بَكْرٍ؛ خَشِينَا إنْ فَارَقْنَا القَوْمَ ولَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا منهمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ علَى ما لا نَرْضَى، وإمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكونُ فَسَادٌ، فمَن بَايَعَ رَجُلًا علَى غيرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فلا يُتَابَعُ هو ولَا الذي بَايَعَهُ؛ تَغِرَّةً أنْ يُقْتَلَا.]
حديثُ نَهْيِ المرأةِ عن السَّفَرِ ، في بَعضِها ثلاثةَ أيَّامٍ إلَّا معَ ذي مَحرمٍ وفي بَعضِها : ليلَتينِ إلَّا معَ ذي مَحرمٍ وفي بَعضِها يومًا وليلةً إلَّا معَ ذي مَحرمٍ وفي بَعضِها يومًا إلَّا معَ ذي مَحرمٍ [يعني حديث: "لا تَسافِرِ المرأةُ ثلاثةَ أيَّامٍ إلَّا ومعها ذو مَحرَمٍ"، "ونَهي عن صيامِ الفِطرِ، ويومِ النَّحرِ"، "ونَهي عن صلاتَيْنِ: صلاةٍ بعدَ العَصرِ حتى تغرُبَ الشَّمسُ، وبعدَ الصُّبحِ حتى تطلُعَ الشَّمسُ". "ولا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجِدَ: المسجِدِ الحَرامِ، ومسجِدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والمسجِدِ الأَقْصى".] حديثُ نَهْيِ المرأةِ عن السَّفَرِ ، في بَعضِها ثلاثةَ أيَّامٍ إلَّا معَ ذي مَحرمٍ وفي بَعضِها : ليلَتينِ إلَّا معَ ذي مَحرمٍ وفي بَعضِها يومًا وليلةً إلَّا معَ ذي مَحرمٍ وفي بَعضِها يومًا إلَّا معَ ذي مَحرمٍ [يعني حديث: سَمِعْتُ أرْبَعًا مِنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأعْجَبْنَنِي، قالَ: لا تُسَافِرِ المَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَومَيْنِ إلَّا ومعهَا زَوْجُهَا أوْ ذُو مَحْرَمٍ، ولَا صَوْمَ في يَومَيْنِ: الفِطْرِ والأضْحَى، ولَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ولَا بَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ، ولَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِ الأقْصَى، ومَسْجِدِي هذا.] حديثُ نَهْيِ المرأةِ عن السَّفَرِ ، في بَعضِها ثلاثةَ أيَّامٍ إلَّا معَ ذي مَحرمٍ وفي بَعضِها : ليلَتينِ إلَّا معَ ذي مَحرمٍ وفي بَعضِها يومًا وليلةً إلَّا معَ ذي مَحرمٍ وفي بَعضِها يومًا إلَّا معَ ذي مَحرمٍ [يعني حديث: لا يَحِلُّ لامرأَةٍ تُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، تُسافِرُ يَومًا إلَّا مع ذي مَحرَمٍ.]
حديثُ عائشةَ أنَّ رسولَ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لم يرَ ملكَ الموتِ على صورتِهِ الَّتي خُلِقَ عليْها إلَّا مرَّتينِ [يعني حديث: كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عائِشَةَ، فقالَتْ: يا أبا عائِشَةَ، ثَلاثٌ مَن تَكَلَّمَ بواحِدَةٍ منهنَّ فقَدْ أعْظَمَ علَى اللهِ الفِرْيَةَ، قُلتُ: ما هُنَّ؟ قالَتْ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ رَأَى رَبَّهُ فقَدْ أعْظَمَ علَى اللهِ الفِرْيَةَ، قالَ: وكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ، فَقُلتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أنْظِرِينِي، ولا تُعْجِلِينِي، ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَلقَدْ رَآهُ بالأُفُقِ المُبِينِ} [التكوير: 23]، {وَلقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13]؟ فقالَتْ: أنا أوَّلُ هذِه الأُمَّةِ سَأَلَ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: إنَّما هو جِبْرِيلُ، لَمْ أرَهُ علَى صُورَتِهِ الَّتي خُلِقَ عليها غيرَ هاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّماءِ سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بيْنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، فقالَتْ: أوَ لَمْ تَسْمَعْ أنَّ اللَّهَ يقولُ: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأَبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، أوَ لَمْ تَسْمَعْ أنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسولًا فيُوحِيَ بإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّه عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]؟ قالَتْ: ومَن زَعَمَ أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ كَتَمَ شيئًا مِن كِتابِ اللهِ، فقَدْ أعْظَمَ علَى اللهِ الفِرْيَةَ، واللَّهُ يقولُ: {يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ} [المائدة: 67] ، قالَتْ: ومَن زَعَمَ أنَّه يُخْبِرُ بما يَكونُ في غَدٍ، فقَدْ أعْظَمَ علَى اللهِ الفِرْيَةَ، واللَّهُ يقولُ: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والْأَرْضِ الغَيْبَ إلَّا اللَّهُ} [النمل: 65].]
اجتَمعتْ قُرَيشٌ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومًا فقال: انظُروا أعلَمَكم بالسِّحرِ، والكَهانةِ، والشِّعرِ، فلْيأتِ هذا الرجُلَ الذي قد فرَّقَ جماعتَنا، وشتَّتَ أمْرَنا، وعاب دينَنا، فلْيُكلِّمْه، ولْينظُرْ ما يرُدُّ عليه. قالوا: ما نعلَمُ أحدًا غَيرَ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ. قالوا: أنتَ يا أبا الوليدِ، فأتاه عُتبةُ، فقال: يا محمَّدُ، أنتَ خَيرٌ أم عبدُ اللهِ؟ فسكَتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال: أنتَ خيرٌ أم عبدُ المطَّلِبِ؟ فسكَتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال: فإنْ كنتَ تزعُمُ أنَّ هؤلاءِ خيرٌ منكَ قد عبَدوا الآلهةَ التي عِبتَ، وإنْ كنتَ تزعُمُ أنَّكَ خيرٌ منهم فتكلَّمْ حتى نسمَعَ قولَكَ، أَمَا واللهِ ما رأَيْنا سَخْطةً أشأَمَ على قَومِكَ منكَ، فرَّقتَ جماعتَنا، وشتتَّ أمرَنا، وعِبتَ دينَنا، وفضَحْتَنا في العرَبِ، حتى طارَ فيهم أنَّ في قُرَيشٍ ساحرًا، وأنَّ في قُرَيش كاهنًا، ما ينتظِرُ الأمثَلُ صَيْحةَ الحُبْلى بأنْ يقومَ بعضُنا لبعضٍ بالسيوفِ حتى نتفانى، أيُّها الرجُلُ إنْ كان إنَّما بكَ الحاجةُ جمَعْنا لكَ مِن أموالِنا؛ حتى تكونَ أغنى قُرَيشٍ رجُلًا، وإنْ كان إنَّما بكَ الباءةُ فاختَرْ أيَّ نساءِ قُرَيشٍ، فنُزوِّجُكَ عشرًا. فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أفرَغتَ؟ قال: نعَمْ، قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ...} حتى بلَغَ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 1]. فقال عُتبةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ، ما عندَكَ غَيرُ هذا؟ قال: لا. فرجَعَ إلى قُرَيشٍ. فقالوا: ما وراءَكَ؟ فقال: ما ترَكتُ شيئًا أَرى أنَّكم تُكلِّمونَه به إلَّا كلَّمتُه. قالوا: هل أجابَكَ؟ قال: نعَمْ، قال والذي نصَبَها بَنِيَّةً، ما فهِمتُ شيئًا مما قال؛ غيرَ أنَّه قال: {أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13]. قالوا: وَيْلكَ يُكلِّمُكَ رجُلٌ بالعربيةِ، فلا تَدْري ما قال؟ قال: لا واللهِ، ما فهِمتُ شيئًا مما قال غيرَ ذِكْرِ الصاعقةِ
قالتِ السَّيِّدةُ عائشةُ : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد سَفَرًا أَقْرَعَ بينَ نسائِه فأَيَّتُهُنَّ خرج سَهْمُها خرج بها معه . فلما كانت غزوةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ خرج سَهْمِي عليهِنَّ ، فارْتَحَلْتُ معه . قالت : وكان النساءُ إذ ذاك يَأْكُلْنَ العَلَقَ ، لم يَهِجْهُنَّ اللحمُ فيَثْقُلْنَ ، وكنا إذا رَحَل لي بَعِيرِي جَلَسْتُ في هَوْدَجِي ، ثم يأتي القومُ فيَحْمِلُونَنِي يأخذونَ بأَسْفَلِ الْهَوْدَجِ فيَرْفَعُونَه ، ثم يَضَعُونَه على ظَهْرِ البَعِيرِ ويَشُدُّونَه بالحِبالِ وبَعْدَئِذٍ يَنْطَلِقُونَ . قالت : فلما فَرَغَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من سَفَرِهِ ذاك تَوَجَّهَ قافِلًا ، حتى إذا كان قريبًا من المدينةِ نزل مَنْزِلًا فبات فيه بعضَ الليلِ . ثم أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ في الناسِ بالرَّحِيلِ فتَهَيَّؤُوا لذلك وخَرَجْتُ لبعضِ حاجتي وفي عُنُقِي عِقْدٌ لي ، فلما فَرَغْتُ انْسَلَّ من عُنُقِي ولا أَدْرِي ، ورَجَعْتُ إلى الرَّحْلِ فالْتَمَسْتُ عِقْدِي فلم أَجِدْهُ وقد أخذ الناسُ في الرَّحِيلِ فعُدْتُ إلى مكاني الذي ذهبتُ إليه فالْتَمَسْتُه حتى وَجَدْتُه . وجاء القومُ الذين كانوا يَرْحَلُونَ لِيَ البعيرَ – وقد كانوا فَرَغُوا من رِحْلَتِهِ – فأخذوا الهَوْدَجَ يَظُنُّونَ أني فيه كما كنتُ أصنعُ ، فاحْتَمَلُوه فشَدُّوهُ على البَعِيرِ ، ولم يَشُكُّو أني به ثم أَخَذُوا برأسِ البَعِيرِ وانطلقوا ! ! . ورَجَعْتُ إلى الْمُعَسْكَرِ وما فيه داعٍ ولا مُجِيبٌ ، لقد انطلق الناسُ ! قالت : فتَلَفَّفْتُ بجِلْبابي ثم اضْطَجَعْتُ في مكاني وعَرَفْتُ أني لَوِ افتُقِدْتُ لرَجَع الناسُ إِلَيَّ ، فواللهِ إني لَمُضْطَجِعَةٌ ، إذ مَرَّ بي صَفْوَانُ بنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ وكان قد تَخَلَّف لبعضِ حاجتِه ، فلم يَبِتْ مع الناسِ ، فرأى سَوَادِي فأَقْبَلَ حتى وقف عَلَيَّ – وقد كان يَرَانِي قبلَ أن يُضْرَبَ علينا الحِجَابُ – فلما رآني قال : إنا للهِ وإنا إليه راجِعُونَ ظَعِينةُ رسولِ اللهِ ؟ وأنا مُتَلَفِّفَةٌ في ثِيَابِي ! ! . ما خَلَّفَكِ يَرْحَمُكِ اللهُ ؟ قالت : فما كَلَّمْتُه ، ثم قَرَّبَ إلَيَّ البَعِيرَ فقال : ارْكَبِي ، واسْتَأْخَرَ عني . قالت : فَرَكِبْتُ وأخذ برَأْسِ البَعِيرِ مُنْطَلِقًا يَطْلُبُ الناسَ ، فواللهِ ما أَدْرَكْنا الناسَ وما افْتُقِدْتُ حتى أَصْبَحْتُ ونَزَلُوا ، فلما اطْمَأَنُّوا طَلَعُ الرجلُ يقودُ بِيَ البعيرَ ، فقال أهلُ الإفكِ ما قالوا . وارْتَجَّ الْمُعَسْكَرُ ، وواللهِ ما أَعْلَمُ بشيءٍ من ذلك . ثم قَدِمْنا المدينةَ فلَمْ أَلْبَثْ أَنِ اشْتَكَيْتُ شَكْوَى شديدةً ؛ وليس يَبْلُغُنِي من ذلك شيءٌ ، وقد انتهى الحديثُ إلى رسولِ اللهِ وإلى أَبَوَيَّ ؛ وهم لا يَذْكُرُونَ لي منه كثيرًا ولا قليلًا إلا أَنِّي قد أَنْكَرْتُ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعضَ لُطْفِهِ بي في شَكْوَايَ هذه . فأَنْكَرْتُ ذلك منه ، كان إذا دخل عَلَيَّ وعندي أُمِّي تُمَرِّضُنِي قال : كيف تِيكُم ؟ لا يَزِيدُ على ذلك . قالت : حتى وَجَدْتُ في نفسي – غَضِبْتُ – فقلتُ يا رسولَ اللهِ – حين رَأَيْتُ ما رأيتُ من جَفَائِهِ لِي - : لو أَذِنْتَ لي فانْتَقَلْتُ إلى أُمِّي ؟ قال : لا عليكِ ، قالت : فانْقَلَبْتُ إلى أُمِّي ولا عِلْمَ لي بشيءٍ مما كان ، حتى نَقَهْتُ من وَجَعِي بعدَ بِضْعٍ وعشرينَ ليلةً ، وكنا قومًا عَرَبًا لا تُتَّخَذُ في بيوتِنا هذه الْكُنُفُ التي تَتَّخِذُها الأعاجِمُ ، نُعَافِها ونَكْرَهُها ، إنما كنا نَخْرُجُ في فَسَحِ المدينةِ ، وكانت النساءُ يَخْرُجْنَ كلَّ ليلةٍ في حَوَائِجِهِنَّ . فخَرَجْتُ ليلةً لبَعْضِ حاجَتِي ومَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ ، فواللهِ إنها لَتَمْشِي معي إذ عَثَرَتْ في مُرُطِها ، فقالت : تَعِسَ مِسْطَحٌ ؟ فقلتُ : بِئْسَ – لَعَمْرُ اللهِ – ما قُلْتِ لرجلٍ من المُهَاجِرِينَ شَهِدَ بَدْرًا ! . قالت : أَوَ ما بَلَغَكِ الخَبَرُ يا بنتَ أبي بكرٍ ؟ قلتُ : وما الخَبَرُ ! فأَخْبَرَتْنِي بالذي كان من أهلِ الإفكِ . قلتُ : أَوَ قْدَ كان هذا ؟ ! . قالت : نعم . واللهِ لَقَدْ كان ! . قالت عائشةُ : فواللهِ ما قَدَرْتُ على أن أَقْضِيَ حاجَتِي ورَجَعْتُ ، فواللهِ مازِلْتُ أَبْكِي حتى ظننتُ أنَّ البكاءَ سَيَصْدَعُ كَبِدِي . وقلتُ لِأُمِّي : يغفرُ اللهُ لكِ ، تَحَدَّثَ الناسُ بما تَحَدَّثُوا به ولا تَذْكُرِينَ لِي من ذلك شيئًا ؟ قالت : أَيْ بُنَيَّةُ ، خَفِّفِي عنكِ فوالله لَقَلَّ ما كانتِ امرأةٌ حَسْناءُ عند رَجُلٍ يُحِبُّها ، ولها ضَرَائِرُ ، إلا كَثَّرْنَ وكَثَّرَ الناسُ عليها . قالت : وقد قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخَطَبَهُم – ولا أعلمُ بذلك – فحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليه ثم قال : أَيُّها الناسُ ما بالُ رجالٍ يُؤْذُونَنِي في أهلي ويقولونَ عليهم غيرَ الْحَقِّ ؟ واللهِ ما عَلِمْتُ عليهِم إلا خَيْرًا . ويقولونَ ذلك لرجلٍ واللهِ ما عَلِمْتُ منه إلا خيرًا ولا يَدْخُلُ بيتًا من بيوتي إلا وهو معي ! . قالت : وكان كِبْرُ ذلك عندَ عبدِ اللهِ ابنِ أُبَيٍّ في رجالٍ من الْخَزْرَجِ ، مع الذي قال : مِسْطَحٌ وحَمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ وذلك أنَّ أُخْتَها زينبَ بنتَ جَحْشٍ كانت عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولم تَكُنِ امرأةٌ من نسائِه تُنَاصِينِي في المَنْزِلَةِ عندَه غيرَها ، فأما زينبُ فعَصَمَها اللهُ بدِينِها فلم تَقُلْ إلا خيرًا . وأَمَّا حَمْنَةُ فأشاعت من ذلك ما أشاعت تُضَارِّنِي بأختِها . فلما قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تلك الْمَقَالَةَ ، قال أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ : يا رسولَ اللهِ ، إن يكونوا من الْأَوْسِ نَكْفِكَهُم ، وإن يكونوا من إخوانِنا الْخَزْرَجِ فمُرْنا أَمْرَكَ ، فواللهِ إنهم لَأَهْلٌ أن يُضْرَبَ أعناقُهم . فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وكان قبلَ ذلك يُرَى رجلًا صالحًا – فقال : كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ ، ما تُضْرَبُ أعناقُهم ، إنك ما قُلْتَ هذه الْمَقالةَ إلا وقد عَرَفْتَ أنهم من الْخَزْرَجِ : ولو كانوا من قومِكَ ما قُلْتَ هذا . فقال أُسَيْدٌ : كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ ، ولكنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقينَ . . وتَسَاوَرَ الناسُ حتى كاد يكونُ بينَ هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ شَرٌّ ، ونزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدخل عَلَيَّ ودعا عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ فاستشارَهُما . فأَمَّا أسامةُ فأَثْنَى خيرًا ثم قال : يا رسولَ اللهِ ، أَهْلُكَ ، وما نعلمُ منهم إلا خيرًا . وهذا الكَذِبُ والباطلُ ! . وأَمَّا عَلِيٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ إنَّ النساءَ لكثيرٌ . وإنك لقادِرٌ على أن تُسْتَخْلَفَ . وسَلِ الجاريةَ فإنها تَصْدُقْكَ . فدعا رسولُ اللهِ بَرِيرَةَ يَسْأَلُها ، وقام إليها عَلِيٌّ فضَرَبَها ضَرْبًا شديدًا وهو يقولُ : اصْدُقِي رسولَ اللهِ ! فتقولُ : واللهِ ما أَعْلَمُ إلا خيرًا وما كنتُ أَعِيبُ على عائشةَ ، إلا أني كنتُ أَعْجِنُ عَجِينِي ، فآمُرُها أن تَحْفَظَه ، فتنامُ عنه فتأتِي الشاةُ وتأكلُه ! ! . قلتُ : ثم دخل عَلَيَّ رسولُ اللهِ وعِنْدِي أَبَوَايَ ، وعندي امرأةٌ من الأنصارِ وأنا أبكي وهي تبكي ، فجلس فحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليه ثم قال : يا عائشةُ إنه قد كان ما بَلَغَكِ من قولِ الناسِ ، فاتَّقِي اللهَ ، وإن كنتِ قد قارَفْتِ سُوءًا مما يقولُ الناسُ ، فتُوبِي إلى اللهِ فإنَّ اللهَ يقبلُ التوبةَ عن عبادِه . . قالت : فواللهِ ، إن هو إلا أن قال لي ذلك حتى قَلَصَ دَمْعِي ، فم أَحُسَّ منه شيئًا ، وانْتَظَرْتُ أَبَوَايَ أن يُجِيبَا عني فلم يَتَكَلَّمَا ! . قالت عائشةُ : وأَيْمُ اللهِ لَأَنَا كنتُ أَحْقَرُ في نفسي وأَصْغَرُ شأنًا من أن يُنْزِلَ اللهُ فِيَّ قُرْآنًا ، لكِنِّي كنتُ أَرْجُو أن يَرَى النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ في نومِه شيئًا يُكَذِّبُ اللهُ به عني ، لِمَا يعلمُ من براءتي ؛ أَمَّا قرآنًا يَنْزِلُ فِيَّ ، فواللهِ ، لَنَفْسِي كانت أَحْقَرَ عِنْدِي من ذلك . قالت : فلما لم أَرَ أَبَوَيَّ يتكلمانِ قلتُ لهما : أَلَا تُجِيبانِ رسولَ اللهِ ، فقالا : واللهِ لا نَدْرِي بما نُجِيبُه ، قالت : واللهِ ما أعلمُ أهلَ بيتٍ دخل عليهم ما دخل على آلِ أبي بكرٍ في تلك الأيامِ . ثم قالت : فلما اسْتَعْجَما عَلَيَّ اسْتَعْبَرْتُ فبَكَيْتُ ثم قلتُ : واللهِ لا أتوبُ إلى اللهِ مما ذَكَرْتَ أبدًا ، واللهِ إني لَأَعْلَمُ لَئِنْ أَقْرَرْتُ بما يقولُ الناسُ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لَأَقُولَنَّ ما لم يَكُنْ ، ولَئِنْ أنا أَنْكَرْتُ ما يقولونَ لا تُصَدِّقُونَنِي . قالت ثم التَمَسْتُ اسمَ يعقوبَ فما أَذْكُرُه ، فقلتُ : أقولُ ما قال أبو يوسفَ : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ . فواللهِ ما بَرَحَ رسولُ اللهِ مَجْلِسَه حتى تَغَشَّاهُ من اللهِ ما كان يَتَغَشَّاهُ فسُجِّيَ بثوبِه ، ووُضِعَتْ وِسادةٌ تحتَ رأسِه ، فأَمَّا أنا حينَ رأيتُ من ذلك ما رأيتُ ، فواللهِ ما فَزِعْتُ وما بالَيْتُ ، وقد عَرَفْتُ أني بريئةٌ وأنَّ اللهَ غيرُ ظالِمِي . وأَمَّا أَبَوَايَ فوالذي نفسُ عائشةَ بيدِه ماسُرِّيَ عن رسولِ اللهِ حتى ظننتُ لَتَخْرُجَنَّ أنفسُهُما فَرَقًا أن يأتيَ من اللهِ تحقيقُ ما قال الناسُ ، ثم سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ فجَلَس ، وإنه لَيَتَحَدَّرُ من وجهِه مِثْلُ الْجُمَانِ في يومٍ شاتٍ ، فجعل يمسحُ العرقَ عن وجهِه ويقولُ : أَبْشِرِي يا عائشةُ ، قد أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ براءتَكِ فقلتُ : الحمدُ للهِ ، ثم خرج إلى الناسِ فخَطَبَهُم وتلا عليهِمُ الآياتِ : إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ
إنَّ اللهَ لما فرغَ من خلقِ السمواتِ والأرضِ خلقَ الصورَ فأعطاهُ إسرافيلَ فهو واضعُهُ على فيهِ شاخصٌ ببصرِهِ إلى العرشِ ينتظرُ متى يؤمرُ . قلْتُ : يا رسولَ اللهِ وما الصورُ ؟ قال : قرنٌ . قلْتُ : كيفَ هو ؟ قال : عظيمٌ ، إنَّ عِظمَ دائرةٍ فيه لعرضِ السمواتِ والأرضِ لينفخَ فيه ثلاثَ نفخاتٍ : الأولى نفخةُ الفزعِ والثانيةُ نفخةُ الصعقِ والثالثةُ نفخةُ القيامِ لربِّ العالمينَ ، فيأمرُ اللهُ إسرافيلَ بالنفخةِ الأولى فيقولُ : انفخْ نفخةَ الفزعِ ، فيفزعَ أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شاءَ اللهُ ، ويأمرُهُ تعالى فيمدُّها ويطيلُها ولا يفترُ وهي التي يقولُ اللهُ فيها : وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [ ص : 15 ] فتسيرُ الجبالُ سيرَ السحابِ فتكونُ سرابًا وترتجُّ الأرضُ بأهلِها رجًّا فتكونُ كالسفينةِ الموقورةِ في البحرِ تضربُها الأمواجُ تكفأُ بأهلِها كالقنديلِ المعلقِ بالعرشِ ترجحُهُ الأرواحُ وهي التي يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [ النازعات : 6 - 7 ] فتميدُ الأرضُ بالناسِ على ظهرِها فتذهلُ المراضعُ وتضعُ الحواملُ وتشيبُ الولدانُ وتطيرُ الشياطينُ هاربةً منَ الفزعِ ، حتى تأتيَ الأقطُّارَ ، فتتلْقاها الملائكةُ ، فتضربُ وجوهَها ، فترجعُ ، ويولِّي الناسُ مدبرينَ يُنادي بعضُهم بعضًا ، فهو الذي يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ يَوْمَ التَّنَادِ ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [ غافر : 32 ، 33 ] فبينَما هم على ذلك إذْ تصدعَتِ الأرضُ ، فانصدعَتْ من قُطرٍ إلى قطُّرٍ ، فرأوا أمرًا عظيمًا ، ثم نظروا إلى السماءِ فإذا هي كالمُهلِ ، ثم انشقَّتْ فانتثرَتْ نجومُها ، وخسفَتْ شمسُها وقمرُها ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ والأمواتُ يومئذٍ لا يعلمونَ بشيءٍ من ذلك ، قلْتُ : يا رسولَ اللهِ فمن استثْنَى اللهُ في قولِهِ إلا مَن شاءَ اللهُ ؟ قال أولئكَ الشهداءُ ، وإنَّما يصلُ الفزعُ إلى الأحياءِ ، وهم أحياءُ عِندَ ربِّهم يرزقونَ فوقاهمُ اللهُ شرَّ ذلك اليومِ ، وأمَّنَهم منه ، وهو عذابٌ يبعثُهُ على شرارِ خلقِهِ ، وهو الذي يقولُ اللهُ فيه يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج : 1 , 2 ] فيمكثونَ في ذلك العذابِ ما شاء اللهُ ، ثم يأمرُ اللهُ إسرافيلَ فينفخُ نفخةَ الصعقِ ، فيُصعَقُ أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شاء اللهُ فإذا هم خَمَدوا ، جاء ملكُ الموتِ إلى الجبارِ ، فيقولُ : يا ربِّ . . مات أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شئْتَ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ بمن بقيَ فمن بقيَ ؟ فيقولُ : أي يا ربِّ بقيتَ أنتَ الحيُّ القيومُ الذي لا يموتُ ، وبقيَتْ حملةُ العرشِ ، وبقيَ جبريلُ وميكائيلُ ، وبقيتُ أنا ، فيقولُ : فليمتْ جبريلُ وميكائيلُ ، فيموتانِ ثم يأتي ملكُ الموتِ إلى الجبارِ فيقولُ : قد مات جبريلُ وميكائيلُ ، فيقولُ اللهُ تعالى : فليمتْ حملةُ العرشِ فيموتونَ ، ويأمرُ اللهُ العرشَ أن يقبضَ الصورَ من إسرافيلَ ، ثم يقولُ : ليمتْ إسرافيلُ فيموتُ ، ثم يأتي ملكُ الموتِ إلى الجبارِ ، فيقولُ : ربِّ قد مات حملةُ العرشِ ، فيقولُ وهو أعلمُ : فمن بقيَ ؟ فيقولُ : بقيتَ أنتَ الحيُّ القيومُ الذي لا يموتُ وبقيتُ أنا ، فيقولُ : أنتَ خلقٌ من خَلقي خُلِقتَ لِمَا رأيْتَ ، فمُتْ ، فيموتُ ، فإذا لم يبقَ إلا اللهُ الواحدُ الأحدُ ، طَوى السماءَ والأرضَ كطيِّ السجلِّ للكتابِ ، وقال : أنا الجبارُ ، لمنِ الملكُ اليومَ ؟ ثلاثَ مراتٍ ، فلم يجبْهُ أحدٌ ، فيقولُ لنفسِهِ : اللهُ الواحدُ القهارُ ، ويبدلُ الأرضَ غيرَ الأرضِ والسمواتِ فيبسطُها ويسطحُها ويمدُّها مدَّ الأديمِ العُكاظيِّ ، لا تَرى فيها عوجًا ولا أمتًا ، ثم يزجرُ اللهُ الخلقَ زجرةً واحدةً ، فإذا هم في مثلِ هذه الأرضِ المُبدَلةِ مثلُ ما كانوا فيه في الأولى من كان في بطنِها ، كان في بطنِها ، ومن كان على ظهرِها ، كان على ظهرِها ، ثم ينزلُ اللهُ عليْهِم ماءً من تحتِ العرشِ ، ثم يأمرُ اللهُ السماءَ أن تمطرَ ، فتمطرُ أربعينَ يومًا ، حتى يكونَ الماءُ فوقَهم اثنيْ عشرَ ذراعًا ، ثم يأمرُ اللهُ الأجسادَ أن تنبتَ فتنبتُ كنباتِ البقلِ ، حتى إذا تكاملَتْ أجسادُهم فكانَتْ كما كانَتْ ، قال اللهُ تعالى : لتحيَا حملةُ العرشِ ، فيحيونَ ، ويأمرُ اللهُ إسرافيلَ فيأخذُ الصورَ فيضعُهُ على فيهِ ، ثم يقولُ : ليحيَا جبريلُ وميكائيلُ فيَحييانِ ، ثم يدعو اللهُ بالأرواحِ فيؤتى بها ، تتوهجُ أرواحُ المسلمينَ نورًا ، والأخرى ظلمةً فيقبضُها جميعًا ، ثم يُلقيها في الصُّورِ ، ثم يأمرُ إسرافيلَ أن ينفخَ نفخةَ البعثِ والنشورِ ، فينفخُ نفخةَ البعثِ ، فتخرجُ الأرواحُ ، كأنَّها النحلُ قد ملأَتْ ما بين السماءِ والأرضِ فيقولُ اللهُ : وعزَّتي وجَلالي ليرجعَنَّ كلُّ روحٍ إلى جسدِهِ فتدخلُ الأرواحُ في الأرضِ إلى الأجسادِ ، فتدخلُ في الخياشيمِ ، ثم تَمشي في الأجسادِ مشيَ السُّمِّ في اللديغِ ، ثم تنشقُ الأرضُ عنكُمْ ، وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه فتخرجونَ منها سراعًا إلى ربِّكم تنسلونَ ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ حفاةً عراةً غلفًا غُرلًا ثم تقِفونَ موقفًا واحدًا مقدارَ سبعينَ عامًا ، لا ينظرُ إليكمْ ولا يُقضى بينَكم فتبكونَ حتى تنقطعَ الدموعُ ، ثم تدمعونَ دمًا ، وتعرقونَ حتى يبلغَ ذلك منكم أن يُلجمَكم أو يبلغَ الأذقانَ فتضجُّونَ ، وتقولونَ : من يشفعُ لنا إلى ربِّنا ليقضيَ بينَنا ؟ فيقولونَ : من أحقُّ بذلك من أبيكمْ آدمَ ؟ خلقَهُ اللهُ بيدِهِ ، ونفخَ فيه من روحِهِ ، وكلَّمَهُ قبلًا ، فيأتونَ آدمَ فيطلبونَ ذلك إليه ، فيأْبى ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلكَ ، فيأتونَ الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا ، كلما جاءُوا نبيًّا أبى عليْهِم ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : حتى تأتونَ فأنطلقُ حتى آتيَ الفحصَ فأخِرُّ ساجدًا قال أبو هريرةَ : يا رسولَ اللهِ وما الفَحصُ ؟ قال : موضعٌ قُدَّامَ العرشِ حتى يبعثَ اللهُ ملكًا فيأخذَ بعَضُدي ، فيقولُ : يا محمدُ ، فأقولُ : نعم لبيكَ يا ربِّ ، فيقولُ : ما شأنُكَ ؟ وهو أعلمُ فأقولُ : يا ربِّ وعدْتَني الشفاعةَ وشفَّعتَني في خلقِكَ ، فاقضِ بينهم ، فيقولُ اللهُ : قد شفعْتُكَ أنا آتيهُم فأقضيَ بينهم ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : فأرجعُ ، فأقفُ مع الناسِ ، فبينما نحنُ وقوفٌ إذا سمِعْنا حسًّا منَ السماءِ شديدًا ، فينزلُ أهلُ السماء الدُّنيا على من في الأرضِ منَ الجنِّ والإنسِ حتى إذا دَنوْا منَ الأرضِ أشرقَتِ الأرضُ بنورِها ، وأخَذوا مصافَّهم ، وقلْنا لهم : أفيكُمْ ربُّنا ؟ قالوا : لا ، هو آتٍ ، ثم ينزلُ أهلُ كلِّ سماءٍ على قدرِ ذلك منَ التضعيفِ ، ثم ينزلُ الجبارُ تباركَ وتعالى في ظُللٍ منَ الغمامِ والملائكةُ ويحملُ عرشَ ربِّكَ فوقَهم يومئذٍ ثمانيةٌ وهم اليومَ أربعةٌ أقدامُهم على تُخُومِ الأرضِ السُّفلى ، والأرضُ والسمواتُ إلى حُجزِهم والعرشُ على مناكبِهم ، لهم زَجلٌ من تَسبيحِهم ، يقولُ : سبحانَ ذي العزةِ والجبروتِ ، سبحانَ ذي المُلكِ والملكوتِ ، سبحانَ الحيِّ الذي لا يموتُ ، سبحانَ الذي يميتُ الخلائقَ ولا يموتُ ، سبوحٌ قدوسٌ ، سبحانَ ربِّنا الأعلى ربِّ الملائكةِ والروحِ ، سبحانَ ربِّنا الأعلى الذي خلقَ الخلائقَ ولا يموتُ ، فيضعُ اللهُ كرسيَّهُ ، حيث يشاءُ من أرضِهِ ، ثم يهتِفُ فيقولُ : يا معشرَ الجنِّ والإنسِ ، إنِّي قد أنصتُّ لكم من يومِ خلقْتُكم إلى يومِكم هذا ، أسمعُ قولَكم ، وأرى أعمالَكم ، فأنصِتوا إليَّ فإنَّما هي أعمالُكم وصحفُكم تُقرَأُ عليكم ، فمن وجدَ خيرًا فليحمدِ اللهَ ، ومن وجدَ غيرَ ذلك فلا يَلومنَّ غيرَ نفسِهِ ، ثم يأمرُ اللهُ جهنمَ ، فيخرجُ منها عُنقٌ ساطعٌ مظلمٌ ، ثم يقولُ اللهُ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [ يس : 59 , 60 ] فيميزُ اللهُ الناسَ ويُنادي الأممَ داعيًا كلَّ أمةٍ إلى كتابِها والأممُ جاثيةٌ منَ الهولِ ، يقولُ اللهُ تعالى : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا [ الجاثية : 28 ] فيَقضي اللهُ بين خلقِهِ إلا الثقلينِ الجنَّ والإنسَّ ، فيقضي بين الوحوشِ والبهائمِ حتى إنَّهُ ليقيدُ الجماءَ من ذاتِ القرنِ ، فإذا فرغَ اللهُ من ذلك فلم تبقَ تَبِعَةٌ عِندَ واحدةٍ للأخرى قال اللهُ : كوني ترابًا فعِندَ ذلك يقولُ الكافرُ : يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا . فيقضي بين العبادِ فيكونُ أولُ ما يُقضى فيه الدماءُ ، فيأتي كلُّ قتيلٍ في سبيلِ اللهِ ويأمرُ اللهُ كلَّ قتيلٍ فيحملُ رأسَهُ تشخبُ أوداجُهُ دمًا ، فيقولُ : يا ربِّ فيم قتلَني هذا ؟ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ : فيمَ قتلْتَهُ ؟ فيقولُ : يا ربِّ قتلْتهُ لتكون العزةُ لكَ ، فيقولُ اللهُ : صدقْتَ . فيجعلُ اللهُ وجهَهُ مثلَ نورِ السمواتِ ثم تسبقُهُ الملائكةُ إلى الجنةِ ، ثم يأمرُ اللهُ كلَّ قتيلٍ قُتِلَ على غيرِ ذلك فيأتي من قُتِلَ يحملُ رأسَهُ وتشخبُ أوداجُهُ دمًا فيقولُ : يا ربِّ فيمَ قتلَني هذا ؟ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ : فيم قتلْتَهُ ؟ فيقولُ : يا ربِّ قتلْتهُ لتكونَ العزةُ لي ، فيقولُ اللهُ : تعسْتَ ، ثم ما تبقى نفسٌ قتلَها قاتلٌ إلا قُتِلَ بها ، ولا مظلمةٌ إلا أخِذَ بها وكان في مشيئةِ اللهِ إن شاء عذبَهُ وإن شاء رحمَهُ ، ثم يَقضي اللهُ بين من تبقى من خلقِهِ حتى لا تَبقى مظلمةٌ لأحدٍ عِندَ أحدٍ إلا أخذَها للمظلومِ منَ الظالمِ حتى إنَّهُ ليكلفُ شائِبُ اللبنِ بالماءِ أن يُخلصَ اللبنَ منَ الماءِ ، فإذا فرغَ اللهُ من ذلك نادى منادٍ يُسمِعُ الخلائقَ كلَّهم فقال : ليلحقْ كلُّ قومٍ بآلهتِهم وما كانوا يعبدونَ من دونِ اللهِ فلا يبقى أحدٌ عبَدَ شيئًا من دونِ اللهِ إلا مُثِّلَتْ له آلهتُهُ بين يديْهِ فيُجعلُ يومئذٍ ملكًا منَ الملائكةِ على صورةِ عزيرٍ ويجعلُ اللهُ ملكًا منَ الملائكةِ على صورةِ عيسى ابنِ مريمَ فيتبعُ هذا اليهودُ وهذا النصارى ثم تقودُهم آلهتُهم إلى النارِ ، وهم الذين يقولُ اللهُ : لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [ الأنبياء : 99 ] فإذا لم يبقَ إلا المؤمنونَ ففيهمُ المنافقونَ جاءَهم اللهُ فيما يشاءُ من هيئةٍ فقال : يا أيُّها الناسُ ذهبَ الناسُ فالحَقوا بآلهتِكم وما كنْتم تعبدونَ ، فيقولونَ : واللهِ ما لنا إلهٌ إلا اللهُ وما كُنَّا نعبدُ غيرَهُ ، فينصرفُ اللهُ عنهم وهو اللهُ تبارك وتعالى فيمكثُ ما شاءَ اللهُ أن يمكثَ ثم يأتيهم فيقولُ : يا أيُّها الناسُ ذهب الناسُ فالحقوا بآلهتِكم وما كنْتُم تعبدونَ ، فيقولونَ : واللهِ ما لنا إلهٌ إلا اللهُ وما كُنَّا نعبدُ غيرَهُ ، فيكشفُ عن ساقِهِ ويتجلَّى لهم ويظهرُ لهم من عظمتِهِ ما يعرفونَ أنَّهُ ربُّهم فيخرونَ سُجدًا على وجوهِهم ويخرُّ كلُّ منافقٍ على قفاهُ ويجعلُ اللهُ أصلابَهم كصياصيِّ البقرِ ثم يأذنُ اللهُ لهم فيرفعونَ رؤوسَهم ويضربُ اللهُ الصراطٍ بين ظَهراني جهنمَ كعددِ أو كعقدةِ الشعرِ أو كحدِّ السيفِ عليْهِ كلاليبٌ وخطاطيفٌ وحسكٌ كحسكِ السعدانِ دونَهُ جسرٌ دحضٌ مزلةٌ فيمرونَ كطرفِ البصرِ أو كلمحِ البرقِ أو كمرِّ الريحِ أو كجيادِ الخيلِ أو كجيادِ الرِّكابِ أو كجيادِ الرجالِ ، فناجٍ سالمٍ وناجٍ مخدوشٍ ومكدوحٍ على وجهِهِ في جهنمَ ، فإذا أفضى أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ قالوا : من يشفعُ لنا إلى ربِّنا فندخلَ الجنةَ ؟ فيقولونَ : من أحقُّ بذلك من أبيكم آدمَ خلقَهُ اللهُ بيدِهِ ونفخَ فيه من روحِهِ وكلمَهُ قبلًا وأسجدَ له ملائكتَهُ ، فيأتونَ آدمَ فيطلبونَ إليه ذلك فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكن عليكم بنوحٍ فإنَّهُ أولُ رسلِ اللهِ ، فيُؤتى نوحٌ فيطلبونَ إليه ذلك فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكن عليكم بإبراهيمَ فإنَّ اللهَ اتخذَهُ خليلًا ، فيؤتى إبراهيمُ فيطلبونَ ذلك إليه فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكنْ عليكم بموسى فإنَّ اللهَ قربَهُ نجيًّا وكلمَهُ تكليمًا وأنزلَ عليْهِ التوراةَ ، فيؤتى موسى ، فيطلبُ ذلك إليه فيقولُ : ما أنا بصاحبِكم ، ولكن عليكم بروحِ اللهِ وكلمتِهِ ، عيسى ابنِ مريمَ ، فيؤتى عيسى ، فيطلبُ ذلك إليه ، فيقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ، ولكن عليكم بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ، وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فيأتوني ، ولي عِندَ ربِّي ثلاثُ شفاعاتٍ ، وعَدَنيهنَّ ، فأنطلقُ فآتي الجنةَ فآخذُ بحلقةِ البابِ ثم أستفتِحُ فيفتحُ لي فأُحيِّي ويرحبُ بي ، فإذا دخلْتُ الجنةَ ، فنظرْتُ إلى ربِّي عزَّ وجلَّ خررْتُ ساجدًا ، فيأذنَ لي من حمدِهِ وتحميدِهِ ، وتمجيدِهِ ، بشيءٍ ما أذنَ به لأحدٍ من خلقِهِ ، ثم يقولُ اللهُ : ارفعْ رأسَكَ يا محمدُ واشفعْ تشفعْ ، وسلْ تعطَ ، فإذا رفعْتُ رأسي ، قال اللهُ وهو أعلمُ ما شأنُكَ ؟ فأقولُ : يا ربِّ وعدْتَني الشفاعةَ ، فشفِّعْني في أهلِ الجنةِ ، أن يدخلوا الجنةَ ، فيقولُ : قد شفعْتُكَ فيهم ، وأذنْتُ في دخولِ الجنةِ ، فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يقولُ : والذي بعثَني بالحقِّ ما أنتُم في الدُّنيا بأعرفَ بأزواجِكم ، ومساكنِكم من أهلِ الجنةِ بأزواجِهم ، ومساكنِهم ، فيدخلُ كلُّ رجلٍ منهم على اثنتينِ وسبعينَ زوجةً كما ينشئُهنّ اللهُ ، واثنتينِ آدميتينِ من ولدِ آدمَ لهما فضلٌ على من شاءَ اللهُ لعبادتِهما اللهَ في الدُّنيا ، فيدخلُ على الأولى منهما في غرفةٍ من ياقوتةٍ على سريرٍ من ذهبٍ مكللٍ باللؤلؤِ ، له سبعونَ درجةً من سندسٍ وإستبرقٍ ، ثم يضعُ يدَهُ بين كتفيْها ، ثم ينظرُ إلى يدِهِ من صدرِها من وراءِ ثيابِها وجلدِها ولحمِها ، وإنَّهُ لينظرُ إلى لحمِ ساقِها كما ينظرُ أحدُكم إلى السلكِ في قصبةِ الياقوتِ ، كبدُهُ لها مِرآةٌ ، وكبدُها له مرآةٌ ، فبينما هو عِندَها لا يملُّها ولا تملُّهُ ما يأتيها من مرةٍ إلا وجدَها عذراءَ ، فبينما هو كذلك إذا نوديَ ، إنا قد عرفْنا أنكَ لا تَملُّ ولا تُملُّ ، إلا إنَّهُ لا منيَّ ولا منيةً إلا أن لك أزواجًا غيرَها ، فيخرجُ فيأتيهنَّ واحدةً واحدةً ، كلما جاءَ واحدة قالَتْ : واللهِ ما أرى في الجنةِ شيئًا أحسنَ منك ، وما في الجنةِ شيءٌ أحبَّ إليَّ منك ، فإذا وقعَ أهلُ النارِ في النارِ وقعَ فيها خلقٌ كثيرٌ من خلقِ ربِّك قد أوبقَتْهم أعمالُهم ، فمنهم من تأخذُهُ إلى قدميْهِ ، لا تجاوزُ ذلك ، ومنهم من تأخذُهُ إلى نصفِ ساقيْهِ ، ومنهم من تأخذُهُ إلى ركبتيْهِ ، ومنهم من تأخذُهُ إلى حِقويْهِ ومنهم من تأخذُهُ إلى ركبتيْهِ ، ومنهم من تأخذُهُ إلى حقويْهِ ومنهم من تأخذُ جسدَهُ كلَّهُ ، إلا وجهَهُ قد حرمَ اللهُ صورَهُ عليْها ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : فأقولُ : يا ربِّ شفعْني فيمن وقعَ في النارِ من أمتي ، فيقولُ اللهُ تعالى : أخرجوا من عرفْتم فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم واحدٌ ، ثم يأذنُ اللهُ لي في الشفاعةِ ، فلا يبقى نبيٌّ ولا شهيدٌ إلا شفعَ ، فيقولُ اللهُ : أخرجوا من وجدْتُم في قلبِهِ زِنةَ الدينارِ ، فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ فيشفعُ اللهُ فيقولُ : أخرِجوا من وجدْتم في قلبِهِ إيمانًا ثلثيْ دينارٍ ، ثم يقولُ : نصفُ دينارٍ ثم يقولُ : ثلثَ دينارٍ ، ثم يقولُ : ربعَ دينارٍ ، ثم يقولُ : قيراطًا ، ثم يقولُ : حبةً من خردلٍ ، فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ ، وحتى لا يبقى في النارِ من عملَ للهِ خيرًا قطُّ ، ولا يبقى أحدٌ له شفاعةٌ إلا شُفِّعَ ، حتى أن إبليسَ ليتطاولُ لما يَرى من رحمةِ اللهِ ، رجاءَ أن يُشفَعَ له ثم يقولُ اللهُ تعالى : بقيتُ أنا ، وأنا أرحمُ الراحمينَ ، فيدخلَ اللهُ يدَهُ في جهنمَ فيخرجَ منها ما لا يحصيهُ غيرُهُ ، كأنَّهُم الحممُ على نهرٍ يقالُ له الحياةُ ، فينبتونَ كما تنبتُ الحبةُ في حميلِ السيلِ ما يَلي الشمسَ منها أُخيضرُ ، وما يلي الظلَّ منها أصيفرَ ، فينبتونَ كنباتِ الطراثيثِ حتى يكونوا أمثالَ الدُّرِّ مكتوبًا في رقابِهم الجهنميونَ عتقاءُ اللهِ ، فيعرفُهم أهلُ الجنةِ بذلك الكتابِ ، ما عملوا خيرًا قطُّ فيمكثونَ في الجنةِ ما شاءَ اللهِ وذلك الكتابُ في رقابِهم ثم يقولونَ : ربَّنا امحُ عنَّا هذا الكتابَ فيُمحى عنهم
لا تحلُّ الصدقةُ لغنيٍّ إلا لخمسةٍ : لعاملٍ عَليها ، أوْ لغازٍ في سبيلِ اللهِ ، أوْ لغنيٍّ اشترَاها بمالِهِ ، أوْ فقيرٍ تُصُدِّقَ عليهِ فأهدَاها لغنيٍّ ، أوْ غارمٍ
عنْ شَدَّادِ بنِ عبدِ اللهِ أَبي عَمَّارٍ، قالَ: سَمِعْتُ أبا أُمامَةَ الباهِلِيَّ وهو واقفٌ على رأسِ الحَروريَّةِ على بابِ حِمصَ –أوْ على بابِ دِمَشقَ- وهو يقولُ: كلابُ النَّارِ، كلابُ النَّارِ شرُّ قَتْلَى تحتَ ظِلِّ السَّماءِ، خيرُ قَتلَى مَن قَتلوهُم... ثُمَّ ساقَ الحديثَ نحوَ حديثِ أبي حُذَيفَةَ: [ودَمَعَتْ عَيناهُ، فقالَ له رَجلٌ: يا أبا أُمامَةَ، أَرَأَيتَ قولَكَ هؤلاء كِلابُ النَّارِ، أَشيءٌ سَمِعْتَه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أوْ مِن رأيٍ رَأَيْتَه مِن نفسِكَ؟ قالَ: إنِّي إذنْ لجَريءٌ، لوْ لمْ أَسْمَعْه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا مرَّةً أوْ مرَّتينِ أوْ ثلاثًا -وعَدَّ سبْعَ مرَّاتٍ- ما حدَّثْتُكُموه. قالَ له رَجلٌ: إنِّي رَأيتُكَ قد دَمَعَتْ عيناكَ، قالَ: إنَّهم لمَّا كانوا مؤمنين وكَفَروا بعدَ إيمانِهم، ثُمَّ قَرأَ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105] الآيةَ، فهي لهُم مرَّتينِ.]
حديثُ الإفكِ الطويلِ في قصةِ عائشةَ رضوانُ اللهِ عليها [يعني حديث: كانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بيْنَ نِسَائِهِ، فأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ معهُ . قالَتْ عَائِشَةُ: فأقْرَعَ بيْنَنَا في غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مع رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَذلكَ بَعْدَ ما أُنْزِلَ الحِجَابُ، فأنَا أُحْمَلُ في هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فيه مَسِيرَنَا حتَّى إذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مِن غَزْوِهِ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ، فَمَشيتُ حتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِن شَأْنِي أَقْبَلْتُ إلى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ علَى بَعِيرِيَ الذي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ . قالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إنَّما يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجَمَلَ وَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ ما اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَليسَ بهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الذي كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أنَّ القَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إلَيَّ، فَبيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ في مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قدْ عَرَّسَ مِن وَرَاءِ الجَيْشِ فَادَّلَجَ، فأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إنْسَانٍ نَائِمٍ، فأتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَدْ كانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الحِجَابُ عَلَيَّ، فَاسْتَيْقَظْتُ باسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ ما يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ منه كَلِمَةً غيرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ علَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بيَ الرَّاحِلَةَ، حتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ، بَعْدَ ما نَزَلُوا مُوغِرِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَن هَلَكَ في شَأْنِي، وَكانَ الذي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا المَدِينَةَ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ في قَوْلِ أَهْلِ الإفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بشيءٍ مِن ذلكَ، وَهو يَرِيبُنِي في وَجَعِي أَنِّي لا أَعْرِفُ مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ اللُّطْفَ، الذي كُنْتُ أَرَى منه حِينَ أَشْتَكِي، إنَّما يَدْخُلُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تِيكُمْ؟ فَذَاكَ يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بالشَّرِّ، حتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ ما نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ، وَهو مُتَبَرَّزُنَا، وَلَا نَخْرُجُ إلَّا لَيْلًا إلى لَيْلٍ وَذلكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهي بنْتُ أَبِي رُهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابنُهَا مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ، فأقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي، حِينَ فَرَغْنَا مِن شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِهَا، فَقالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلتُ لَهَا: بئْسَ ما قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قدْ شَهِدَ بَدْرًا، قالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ، أَوْ لَمْ تَسْمَعِي ما قالَ؟ قُلتُ: وَمَاذَا قالَ؟ قالَتْ: فأخْبَرَتْنِي بقَوْلِ أَهْلِ الإفْكِ فَازْدَدْتُ مَرَضًا إلى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إلى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ: كيفَ تِيكُمْ؟ قُلتُ: أَتَأْذَنُ لي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهِمَا، فأذِنَ لي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلتُ لِأُمِّي: يا أُمَّتَاهْ ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقالَتْ: يا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ لَقَلَّما كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قالَتْ قُلتُ: سُبْحَانَ اللهِ وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلكَ اللَّيْلَةَ حتَّى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ، يَسْتَشِيرُهُما في فِرَاقِ أَهْلِهِ، قالَتْ فأمَّا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ فأشَارَ علَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بالَّذِي يَعْلَمُ مِن بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ في نَفْسِهِ لهمْ مِنَ الوُدِّ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، هُمْ أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وإنْ تَسْأَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ فَقالَ: أَيْ بَرِيرَةُ هلْ رَأَيْتِ مِن شيءٍ يَرِيبُكِ مِن عَائِشَةَ؟ قالَتْ له بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ إنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا، أَكْثَرَ مِن أنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عن عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، قالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ علَى المِنْبَرِ، فَاسْتَعْذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قالَتْ: فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَهو علَى المِنْبَرِ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مَن يَعْذِرُنِي مِن رَجُلٍ قدْ بَلَغَ أَذَاهُ في أَهْلِ بَيْتي فَوَاللَّهِ ما عَلِمْتُ علَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا، وَلقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عليه إلَّا خَيْرًا، وَما كانَ يَدْخُلُ علَى أَهْلِي إلَّا مَعِي فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ الأنْصَارِيُّ، فَقالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ منه، يا رَسُولَ اللهِ، إنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ وإنْ كانَ مِن إخْوَانِنَا الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وَهو سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وَكانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الحَمِيَّةُ، فَقالَ لِسَعْدِ بنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ علَى قَتْلِهِ فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، وَهو ابنُ عَمِّ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، فَقالَ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فإنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ فَثَارَ الحَيَّانِ الأوْسُ وَالْخَزْرَجُ حتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، قَائِمٌ علَى المِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قالَتْ: وَبَكَيْتُ يَومِي ذلكَ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتي المُقْبِلَةَ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بنَوْمٍ وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبيْنَما هُما جَالِسَانِ عِندِي وَأَنَا أَبْكِي اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأنْصَارِ، فأذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي، قالَتْ: فَبيْنَا نَحْنُ علَى ذلكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِندِي مُنْذُ قيلَ لي ما قيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لا يُوحَى إلَيْهِ في شَأْنِي بشيءٍ، قالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قالَ: أَمَّا بَعْدُ يا عَائِشَةُ، فإنَّه قدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وإنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إلَيْهِ، فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بذَنْبٍ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عليه قالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، مَقالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطْرَةً، فَقُلتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فِيما قالَ فَقالَ: وَاللَّهِ ما أَدْرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فَقُلتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَتْ: وَاللَّهِ ما أَدْرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقُلتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ إنِّي وَاللَّهِ لقَدْ عَرَفْتُ أنَّكُمْ قدْ سَمِعْتُمْ بهذا حتَّى اسْتَقَرَّ في نُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ به، فإنْ قُلتُ لَكُمْ إنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لا تُصَدِّقُونِي بذلكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِي وإنِّي، وَاللَّهِ ما أَجِدُ لي وَلَكُمْ مَثَلًا إلَّا كما قالَ أَبُو يُوسُفَ {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ علَى ما تَصِفُونَ} . قالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ علَى فِرَاشِي، قالَتْ: وَأَنَا، وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي ببَرَاءَتِي، وَلَكِنْ، وَاللَّهِ ما كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ في شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كانَ أَحْقَرَ في نَفْسِي مِن أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ بأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بهَا، قالَتْ: فَوَاللَّهِ ما رَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ مِن أَهْلِ البَيْتِ أَحَدٌ حتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ علَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فأخَذَهُ ما كانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ عِنْدَ الوَحْيِ، حتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثْلُ الجُمَانِ مِنَ العَرَقِ، في اليَومِ الشَّاتِ، مِن ثِقَلِ القَوْلِ الذي أُنْزِلَ عليه، قالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَهو يَضْحَكُ، فَكانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بهَا أَنْ قالَ: أَبْشِرِي يا عَائِشَةُ أَمَّا اللَّهُ فقَدْ بَرَّأَكِ فَقالَتْ لي أُمِّي: قُومِي إلَيْهِ، فَقُلتُ: وَاللَّهِ لا أَقُومُ إلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إلَّا اللَّهَ، هو الذي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، قالَتْ: فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُم} عَشْرَ آيَاتٍ فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِي، قالَتْ: فَقالَ أَبُو بَكْرٍ وَكانَ يُنْفِقُ علَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ منه وَفَقْرِهِ: وَاللَّهِ لا أُنْفِقُ عليه شيئًا أَبَدًا بَعْدَ الذي قالَ لِعَائِشَةَ فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا يَأْتَلِ أُولو الفَضْلِ مِنكُم وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى} إلى قَوْلِهِ: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} . قالَ حِبَّانُ بنُ مُوسَى: قالَ عبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ: هذِه أَرْجَى آيَةٍ في كِتَابِ اللَّهِ . فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ إنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إلى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتي كانَ يُنْفِقُ عليه، وَقالَ: لا أَنْزِعُهَا منه أَبَدًا . قالَتْ عَائِشَةُ: وَكانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ سَأَلَ زَيْنَبَ بنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن أَمْرِي ما عَلِمْتِ؟ أَوْ ما رَأَيْتِ؟ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ ما عَلِمْتُ إلَّا خَيْرًا . قالَتْ عَائِشَةُ: وَهي الَّتي كَانَتْ تُسَامِينِي مِن أَزْوَاجِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بالوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ . قالَ الزُّهْرِيُّ: فَهذا ما انْتَهَى إلَيْنَا مِن أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ . وقالَ في حَديثِ يُونُسَ: احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ .]
حديثُ أنه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يشفعُ يومَ القيامةِ لكثيرٍ من العصاةِ من أمتِه الذين دخلوا النارَ بذنوبِهم، عدَّةَ شفاعاتٍ، فيحدُّ اللهُ له حدًّا في كلِّ شفاعةٍ، فيخرجُهُم من النارِ، وتشفعُ الملائكةُ، والأنبياءُ والصالحون والأفراطُ بعد إذنِه سبحانه لهم ويبقى في النارِ بقيةٌ من العصاةِ لم تشملْهُم الشَّفاعةُ، فيخرجُهم اللهُ سبحانه من النَّارِ بفضلِه ورحمتِه، ولا يبقى في النَّارِ إلا الكفَّارُ [يعني حديث: أنَّ ناسًا في زَمَنِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هلْ نَرَى رَبَّنا يَومَ القِيامَةِ؟ قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: نَعَمْ قالَ: هلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بالظَّهِيرَةِ صَحْوًا ليسَ معها سَحابٌ؟ وهلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ صَحْوًا ليسَ فيها سَحابٌ؟ قالوا: لا يا رَسولَ اللهِ، قالَ: ما تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالَى يَومَ القِيامَةِ إلَّا كما تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ أحَدِهِما، إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ، فلا يَبْقَى أحَدٌ كانَ يَعْبُدُ غيرَ اللهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأصْنامِ والأنْصابِ إلَّا يَتَساقَطُونَ في النَّارِ، حتَّى إذا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِن بَرٍّ وفاجِرٍ وغُبَّرِ أهْلِ الكِتابِ، فيُدْعَى اليَهُودُ، فيُقالُ لهمْ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فيُقالُ: كَذَبْتُمْ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن صاحِبَةٍ ولا ولَدٍ، فَماذا تَبْغُونَ؟ قالوا: عَطِشْنا يا رَبَّنا، فاسْقِنا، فيُشارُ إليهِم ألا تَرِدُونَ؟ فيُحْشَرُونَ إلى النَّارِ كَأنَّها سَرابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا، فَيَتَساقَطُونَ في النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصارَى، فيُقالُ لهمْ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فيُقالُ لهمْ، كَذَبْتُمْ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن صاحِبَةٍ ولا ولَدٍ، فيُقالُ لهمْ: ماذا تَبْغُونَ؟ فيَقولونَ: عَطِشْنا يا رَبَّنا، فاسْقِنا، قالَ: فيُشارُ إليهِم ألا تَرِدُونَ؟ فيُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ كَأنَّها سَرابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا، فَيَتَساقَطُونَ في النَّارِ حتَّى إذا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالَى مِن بَرٍّ وفاجِرٍ أتاهُمْ رَبُّ العالَمِينَ سُبْحانَهُ وتَعالَى في أدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتي رَأَوْهُ فيها قالَ: فَما تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ، قالوا: يا رَبَّنا، فارَقْنا النَّاسَ في الدُّنْيا أفْقَرَ ما كُنَّا إليهِم، ولَمْ نُصاحِبْهُمْ، فيَقولُ: أنا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: نَعُوذُ باللَّهِ مِنْكَ لا نُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا مَرَّتَيْنِ، أوْ ثَلاثًا، حتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكادُ أنْ يَنْقَلِبَ، فيَقولُ: هلْ بيْنَكُمْ وبيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بها؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، فيُكْشَفُ عن ساقٍ فلا يَبْقَى مَن كانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إلَّا أذِنَ اللَّهُ له بالسُّجُودِ، ولا يَبْقَى مَن كانَ يَسْجُدُ اتِّقاءً ورِياءً إلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً واحِدَةً، كُلَّما أرادَ أنْ يَسْجُدَ خَرَّ علَى قَفاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ وقدْ تَحَوَّلَ في صُورَتِهِ الَّتي رَأَوْهُ فيها أوَّلَ مَرَّةٍ، فقالَ: أنا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنا، ثُمَّ يُضْرَبُ الجِسْرُ علَى جَهَنَّمَ، وتَحِلُّ الشَّفاعَةُ ، ويقولونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، وما الجِسْرُ؟ قالَ: دَحْضٌ مَزِلَّةٌ ، فيه خَطاطِيفُ وكَلالِيبُ وحَسَكٌ تَكُونُ بنَجْدٍ فيها شُوَيْكَةٌ يُقالُ لها السَّعْدانُ، فَيَمُرُّ المُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العَيْنِ، وكالْبَرْقِ، وكالرِّيحِ، وكالطَّيْرِ، وكَأَجاوِيدِ الخَيْلِ والرِّكابِ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ، حتَّى إذا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوالذي نَفْسِي بيَدِهِ، ما مِنكُم مِن أحَدٍ بأَشَدَّ مُناشَدَةً لِلَّهِ في اسْتِقْصاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَومَ القِيامَةِ لإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ في النَّارِ، يقولونَ: رَبَّنا كانُوا يَصُومُونَ معنا ويُصَلُّونَ ويَحُجُّونَ، فيُقالُ لهمْ: أخْرِجُوا مَن عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ علَى النَّارِ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدِ أخَذَتِ النَّارُ إلى نِصْفِ ساقَيْهِ، وإلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا ما بَقِيَ فيها أحَدٌ مِمَّنْ أمَرْتَنا به، فيَقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ دِينارٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها أحَدًا مِمَّنْ أمَرْتَنا، ثُمَّ يقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ نِصْفِ دِينارٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها مِمَّنْ أمَرْتَنا أحَدًا، ثُمَّ يقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها خَيْرًا. وَكانَ أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ يقولُ: إنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بهذا الحَديثِ فاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]، فيَقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَبْقَ إلَّا أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فيُخْرِجُ مِنْها قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قدْ عادُوا حُمَمًا ، فيُلْقِيهِمْ في نَهَرٍ في أفْواهِ الجَنَّةِ يُقالُ له: نَهَرُ الحَياةِ، فَيَخْرُجُونَ كما تَخْرُجُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ ، ألا تَرَوْنَها تَكُونُ إلى الحَجَرِ، أوْ إلى الشَّجَرِ، ما يَكونُ إلى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وأُخَيْضِرُ، وما يَكونُ مِنْها إلى الظِّلِّ يَكونُ أبْيَضَ؟ فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، كَأنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بالبادِيَةِ، قالَ: فَيَخْرُجُونَ كاللُّؤْلُؤِ في رِقابِهِمُ الخَواتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أهْلُ الجَنَّةِ هَؤُلاءِ عُتَقاءُ اللهِ الَّذِينَ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ الجَنَّةَ بغيرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، ولا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يقولُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَما رَأَيْتُمُوهُ فَهو لَكُمْ، فيَقولونَ: رَبَّنا، أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فيَقولُ: لَكُمْ عِندِي أفْضَلُ مِن هذا، فيَقولونَ: يا رَبَّنا، أيُّ شيءٍ أفْضَلُ مِن هذا؟ فيَقولُ: رِضايَ، فلا أسْخَطُ علَيْكُم بَعْدَهُ أبَدًا.]
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
ما شئت كان وما لم تشأ لا يكنأنت وليي في الدنيا والآخرةلا حول ولا قوة إلا باللهالصورة التي خلق عليهافاطر السموات والأرضإنك على كل شيء قديرلا تختم عذابا برحمةلا ترغبوا عن آبائكميستجيب الله الدعاءإلا ساحرا أو عاشرالذة النظر إلى وجهكغني اشتراها بمالهكفروا بعد إيمانهمالرضا بعد القضاءلا تدركه الأبصارغزوة بني المصطلقغاز في سبيل اللهفقير أهداها لغنيصاعقة عاد وثمودصوم ثلاثين يومالبيك اللهم لبيكالنهي عن المنكرعبد الله ورسولهسقيفة بني ساعدةصفوان بن المعطلتفرقوا واختلفواعبد الله بن أبيالسحر والكهانةشوقا إلى لقائكلا إله إلا أنتتبليغ الرسالاتمشورة المسلمينصلاة بعد العصرخمس عشرة ليلةعتبة بن ربيعةدريد بن الصمةالأعور الدجالعيسى ابن مريملا تشد الرحالالمسجد الحرامالمسجد الأقصىاستشارة النبيلا تحل الصدقةتحت ظل السماءأرحم الراحمينأبواب السماءثلاثون كذابابيعة أبي بكرقوموا فصلواإساف ونائلةفرق جماعتناالأعراف 165يقتل الدجالغفورا رحيماسميعا حكيماعليما حكيماعزيزا حكيماأصحاب الصفةبركة الطعامبراءة عائشةنفخة القياميوم القيامةيا آل داودكسوف الشمسبيت المقدسأبي بن كعبطعام اثنينثلاثة أيامرؤية النبيسحر وكهانةحديث الإفكسورة النورنفخة الفزعنفخة الصعقعامل عليهاكلاب الناردمعت عيناهنهر الحياةعتقاء اللهتعكن بطنيسورة فصلتيوم السبتآيات اللهسبعة أحرفابن مسعودلا تطرونيآية الرجميوم وليلةصوم الفطرملك الموتشتت أمرناعاب دينناعاد وثمودالمنافقونآية الإفكمثقال ذرةطعم وشربماء زمزمطعام طعمالجاهلية
تخريج حديث إلا ساحرا أو عاشرا
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








