أحاديث عن: عبد الله بن أبي
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
24 نتيجة — لكلمة: عبد الله بن أبي
⭐ متفق عليه
📂 باب النهي عن الاستنجاء باليمين
عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفَّس في الإناء، وإذا أتي أحدكم الخلاء فلا يمسَّ ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه».
متفق عليه رواه البخاري في الوضوء (١٥٣) ومسلم في الطهارة (٢٦٧) كلاهما من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة به مثله.
📚 كتاب الطهارة
📖 اقرأ الشرح
⭐ صحيح
📂 باب ما جاء في غسل...
عن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة عن وتر رسول الله ﷺ، فذكر الحديث قلت: كيف كان يصنعُ في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام، أم ينامُ قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعلُ. ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام.
قال الأعظمي: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً.
قال الأعظمي: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً.
صحيح رواه مسلم في الحيض (٣٠٧) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قبر فذكر مثله.
📚 كتاب الغسل
📖 اقرأ الشرح
⭐ صحيح
📂 باب كم فرض الله على...
عن ابن عباس قال: جاء أعرابي من بني سعد بن بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا غلام بني عبد المطلب! فقال له النبي ﷺ: «وعليك السلام» فقال: إني رجل من أخوالك من بني سعد بن بكر، وأنا رسول قومي إليك ووافدهم، وإني سائلك فمشتدَّة مسألتي إياك، ومناشدك فمشتدة مناشدني إياك، فقال النبي ﷺ: «دونك يا أخا بني سعد!» فقال: من خلقك ومن خلق من قبلك ومن هو خالق بعدك؟ قال: «الله» قال: فنشدتك بذلك أهو أرسلك؟ قال: «نعم» قال: أخبرني من خلق السماوات السبع والأرضين السبع وأجرى بينهم الرزق؟
قال: «الله» قال: فنشدتك بذلك أهو أرسلك؟ قال: نعم، قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن نصلي بالليل والنهار خمس صلوات لمواقيتها فنشدتك بذلك أهو أمرك؟ قال: نعم، قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن تصوم شهر رمضان فنشدتك بذلك أهو أمرك؟ قال: نعم، قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن تأخذ من حواشي أموالنا متجعلة في فقرائنا، فنشدتك بذلك، أهو أمرك؟ قال: «نعم» قال: أما الخامسة فلست سائلا عنها، ولا أرب لي فيها - يعني: الفواحش - ثمَّ قال: أما والذي بعثك بالحق لأعملن بها ومن أطاعني من قومي، ثمَّ رجع، فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه ثم قال: «لئن صدق ليدخلن الجنة».
قال: «الله» قال: فنشدتك بذلك أهو أرسلك؟ قال: نعم، قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن نصلي بالليل والنهار خمس صلوات لمواقيتها فنشدتك بذلك أهو أمرك؟ قال: نعم، قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن تصوم شهر رمضان فنشدتك بذلك أهو أمرك؟ قال: نعم، قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن تأخذ من حواشي أموالنا متجعلة في فقرائنا، فنشدتك بذلك، أهو أمرك؟ قال: «نعم» قال: أما الخامسة فلست سائلا عنها، ولا أرب لي فيها - يعني: الفواحش - ثمَّ قال: أما والذي بعثك بالحق لأعملن بها ومن أطاعني من قومي، ثمَّ رجع، فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه ثم قال: «لئن صدق ليدخلن الجنة».
صحيح رواه الطبراني في الكير (٨/ ٣٦٦) وابن خزيمة (٢٣٨٣) والدارمي (٦٧٧) وابن أبي شيبة (١٤٩١٤) كلهم من حديث محمد بن فضيل بن غزوان، ثنا عطاء بن السائب وموسى بن السائب أبو جعفر، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس فذكره.
📚 كتاب الصلاة
📖 اقرأ الشرح
عَن عائِشةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حينَ قال لَها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبَرَّأها اللهُ، وكُلُّهم حَدَّثَني طائِفةً مِن حَديثِها، وبَعضُهم كان أوعى لحَديثِها مِن بَعضٍ، وأثبَتَ له اقتِصاصًا وقد وعَيتُ عَن كُلِّ رَجُلٍ مِنهُمُ الحَديثَ الذي حَدَّثَني عَن عائِشةَ، وبَعضُ حَديثِهم يُصَدِّقُ بَعضًا، وإن كان بَعضُهم أوعى له مِن بَعضٍ، قالوا: قالت عائِشةُ: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ سَفَرًا أقرَعَ بينَ أزواجِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها خَرَجَ بها، فذَكَرَ الحَديثَ، إلَّا أنَّه قال: آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ فقُمتُ، حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، وقال: مِن جَزعِ ظَفارٍ، وقال: يَهبُلنَ، وقال: فيَمَّمتُ مَنزِلي، وقال: قال عُروةُ: أُخبِرتُ أنَّه كان يُشاعُ ويُحَدَّثُ به عِندَه فيُقِرُّه ويَستَمِعُه ويَستَوشيه، وقال عُروةُ أيضًا: لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ إلَّا حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ ومِسطَحُ بنُ أُثاثةَ، وحَمنةُ بنتُ جَحشٍ في ناسٍ آخَرينَ لا عِلمَ لي بهم إلَّا أنَّهم عُصبةٌ، كما قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّ كِبرَ ذلك كان يُقالُ عِندَ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، قال عُروةُ: وكانَت عائِشةُ تَكرَهُ أن يُسَبَّ عِندَها حَسَّانُ وتَقولُ: إنَّه الذي قال [البَحرُ الوافِرُ] فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرضي... لعِرضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقاءُ. وقالت: وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنزيهِ، وقال: لَها ضَرائِرُ، وقال: بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وقال: فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، وقال: وإن كان مِن إخوانِنا الخَزرَجِ، وقال: فقامَ رَجُلٌ مِنَ الخَزرَجِ، وكانَت أُمُّ حَسَّانَ بنتَ عَمِّه مِن فخِذِه، وهو سَعدُ بنُ عُبادةَ، وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، قالت: وكانَ قَبلَ ذلك رَجُلًا صالِحًا ولَكِنِ احتَمَلَتْه الحَميَّةُ، وقال: قَلَصَ دَمعي، وقال: وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ تُحارِبُ لَها، وقال عُروةُ: قالت عائِشةُ: واللهِ إنَّ الرَّجُلَ الذي قيلَ له ما قيلَ لَيَقولُ: سُبحانَ اللهِ! فوالذي نَفسي بيَدِه ما كَشَفتُ عَن كَنَفِ أُنثى قَطُّ، قالت: ثُمَّ قُتِلَ بَعدَ ذلك في سَبيلِ اللهِ شَهيدًا. قال عبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ: قال أبي: في أحَدِ الحَديثَينِ تَجاذُبٌ [عَن حَديثِ عائِشةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حينَ قال لَها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبَرَّأها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكُلُّهم حَدَّثَني بطائِفةٍ مِن حَديثِها، وبَعضُهم كان أوعى لحَديثِها مِن بَعضٍ، وأثبَتَ اقتِصاصًا، وقد وعَيتُ عَن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ الحَديثَ الذي حَدَّثَني، وبَعضُ حَديثِهم يُصَدِّقُ بَعضًا، ذَكَروا أنَّ عائِشةَ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت: «كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يَخرُجَ سَفَرًا أقرَعَ بينَ نِسائِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها، خَرَجَ بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معهُ» قالت عائِشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غَزوةٍ غَزاها فخَرَجَ فيها سَهمي، فخَرَجتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك بَعدَما أُنزِلَ الحِجابُ، فأنا أُحمَلُ في هَودَجي، وأُنزَلُ فيه مَسيرَنا، حتَّى إذا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزوِه، وقَفَلَ ودَنَونا مِنَ المَدينةِ، آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، فمَشَيتُ حتَّى جاوزتُ الجَيشَ، فلَمَّا قَضَيتُ شَأني أقبَلتُ إلى الرَّحلِ، فلَمَستُ صَدري، فإذا عِقدٌ مِن جَزعِ أظفارٍ قدِ انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَستُ عِقدي، فاحتَبَسَني ابتِغاؤُه، وأقبَلَ الرَّهطُ الذينَ كانوا يَرحَلونَ بي، فحَمَلوا هَودَجي فرَحَلوه على بَعيري الذي كُنتُ أركَبُ، وهم يَحسَبونَ أنِّي فيه، قالت: وكانَتِ النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لم يُهَبِّلْهنَّ ولَم يَغشَهنَّ اللحمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقةَ مِنَ الطَّعامِ، فلَم يَستَنكِرِ القَومُ ثِقَلَ الهَودَجِ حينَ رَحَلوه ورَفَعوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ، فبَعَثوا الجَمَلَ وساروا، فوجَدتُ عِقدي بَعدَما استَمَرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم ولَيسَ بها داعٍ ولا مُجيبٌ، فيَمَّمتُ مَنزِلي الذي كُنتُ فيه، وظَنَنتُ أنَّ القَومَ سَيَفقِدوني، فيَرجِعوا إلَيَّ، فبَينا أنا جالِسةٌ في مَنزِلي، غَلَبَتني عَيني فنِمتُ، وكانَ صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكوانيُّ قد عَرَّسَ وراءَ الجَيشِ، فأدلَجَ فأصبَحَ عِندَ مَنزِلي، فرَأى سَوادَ إنسانٍ نائِمٍ، فأتاني فعَرَفَني حينَ رَآني، وقد كان يراني قَبلَ أن يُضرَبَ عليَّ الحِجابُ، فاستَيقَظتُ باستِرجاعِه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرتُ وجهي بجِلبابي، فواللهِ ما كَلَّمَني كَلِمةً، ولا سَمِعتُ مِنهُ كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه حتَّى أناخَ راحِلَتَه، فوطِئَ على يَدِها، فرَكِبتُها فانطَلَقَ يَقودُ بي الرَّاحِلةَ، حتَّى أتَينا الجَيشَ بَعدَما نَزَلوا موغِرينَ في نَحرِ الظَّهيرةِ، فهَلَكَ مَن هَلَكَ في شَأني، وكانَ الذي تَولَّى كِبرَه عبدَ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ، فقدِمتُ المَدينةَ فاشتَكَيتُ حينَ قدِمنا شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أهلِ الإفكِ، ولَم أشعُرْ بشيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطفَ الذي كُنتُ أرى مِنهُ حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تيكُم؟ فذاكَ يَريبُني، ولا أشعُرُ بالشَّرِّ، حتَّى خَرَجتُ بَعدَما نَقَهتُ، وخَرَجتُ مَعي أُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نَخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيلٍ، وذلك قَبلَ أن تُتَّخَذَ الكُنُفُ قَريبًا مِن بُيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أن نَتَّخِذَها عِندَ بُيوتِنا، وانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ - وهي بنتُ أبي رُهمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأُمُّها بنتُ صَخرِ بنِ عامِرٍ، خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ- وأقبَلتُ أنا وبنتُ أبي رُهمٍ قِبَلَ بَيتي حينَ فرَغنا مِن شَأنِنا، فعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقُلتُ لَها: بئسَ ما قُلتِ، تَسُبِّينَ رَجُلًا قد شَهِدَ بَدرًا! قالت: أيْ هَنْتاه أولَم تَسمَعي ما قال؟ قُلتُ: وماذا قال؟ فأخبَرَتني بقَولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا إلى مَرَضي، فلَمَّا رَجَعتُ إلى بَيتي، فدَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال: كيفَ تيكُم؟ قُلتُ: أتَأذَنُ لي أن آتيَ أبَويَّ؟ قالت: وأنا حينَئذٍ أُريدُ أن أتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، فأذِنَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجِئتُ أبَويَّ، فقُلتُ لأُمِّي: يا أُمَّتاه ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فقالت: أي بُنَيَّةُ هَوِّني عليكِ، فواللهِ لَقَلَّما كانَتِ امرَأةٌ قَطُّ وضيئةً عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّها، ولَها ضَرائِرُ إلَّا كَثَّرنَ عليها، قالت قُلتُ: سُبحانَ اللهِ! أوقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلك اللَّيلةَ حتَّى أصبَحتُ، لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ أصبَحتُ أبكي، ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، وأُسامةَ بنَ زَيدٍ حينَ استَلبَثَ الوحيُ يَستَشيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ بنُ زَيدٍ فأشارَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ في نَفسِه لهم مِنَ الوُدِّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ هُم أهلُكَ، ولا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، وأمَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ فقال: لم يُضَيِّقِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليكَ، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وإن تَسألِ الجاريةَ تَصدُقْكَ، قالت: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ، قال: أي بَريرةُ هل رَأيتِ مِن شيءٍ يَريبُكِ مِن عائِشةَ؟ قالت له بَريرةُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إن رَأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغمِصُه عليها أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عَن عَجينِ أهلِها، فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَعذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، فقالت قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على المِنبَرِ: «يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَني أذاه في أهلِ بَيتي، فواللهِ ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خَيرًا، ولَقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا، وما كان يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي»، فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ فقال: أعذِرُكَ مِنهُ يا رَسولَ اللهِ؟ إن كان مِنَ الأوسِ ضَرَبنا عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا مِنَ الخَزرَجِ أمَرتَنا ففَعَلنا أمرَكَ، قالت: فقامَ سَعدُ بنُ عُبادةَ وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، وكانَ رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ اجتَهَلَتْه الحَميَّةُ، فقال لسَعدِ بنِ مُعاذٍ: لَعَمرُ اللهِ لا تَقتُلُه، ولا تَقدِرُ على قَتلِه، فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبتَ! لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّه؛ فإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقينَ، فثارَ الحَيَّانِ الأوسُ والخَزرَجُ، حتَّى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَرِ، فلَم يَزَلْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَتوا وسَكَتَ. قالت: وبَكَيتُ يَومي ذاكَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ بَكَيتُ لَيلَتي المُقبِلةَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، وأبَوايَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، قالت: فبَينا هُما جالِسانِ عِندي، وأنا أبكي استَأذَنَت عليَّ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ، فأذِنتُ لَها فجَلَسَت تَبكي مَعي، فبَينا نَحنُ على ذلك دَخَلَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالت: ولَم يَجلِسْ عِندي مُنذُ قيلَ لي ما قيلَ، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يوحى إلَيه في شَأني شيءٌ، قالت: فتَشَهَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قال: «أمَّا بَعدُ، يا عائِشةُ فإنَّه بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ، ثُمَّ توبي إلَيه؛ فإنَّ العَبدَ إذا اعتَرَفَ بذَنبٍ، ثُمَّ تابَ تابَ اللهُ عليه»، قالت: فلَمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حتَّى ما أُحِسُّ مِنهُ قَطرةً، فقُلتُ لأبي: أجِبْ عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال! فقال: ما أدري واللهِ ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقُلتُ لأُمِّي: أجيبي عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقالت: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! قالت: فقُلتُ وأنا جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كَثيرًا مِنَ القُرآنِ: إنِّي واللهِ قد عَرَفتُ أنَّكُم قد سَمِعتُم بهذا، حتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقتُم به، ولَئِن قُلتُ لَكُم إنِّي بَريئةٌ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- لا تُصَدِّقوني بذلك، ولَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بأمرٍ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- تُصَدِّقوني، وإنِّي واللهِ ما أجِدُ لي ولَكُم مَثَلًا إلَّا كما قال أبو يوسُفَ {فصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ} [يوسف: 18] قالت: ثُمَّ تَحَوَّلتُ فاضطَجَعتُ على فِراشي، قالت: وأنا واللهِ حينَئذٍ أعلَمُ أنِّي بَريئةٌ، وأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ مُبَرِّئي ببَرائَتي، ولَكِن واللهِ ما كُنتُ أظُنُّ أن يُنزَلَ في شَأني وحيٌ يُتلى، ولَشَأني كان أحقَرَ في نَفسي مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولَكِن كُنتُ أرجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا، يُبَرِّئُني اللهُ عَزَّ وجَلَّ بها، قالت: فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَجلِسَه، ولا خَرَجَ مِن أهلِ البَيتِ أحَدٌ حَتَّى أنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على نَبيِّه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه مِنَ البُرَحاءِ عِندَ الوحيِ، حَتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ في اليَومِ الشَّاتي مِن ثِقَلِ القَولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فلَمَّا سُرِّيَ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يَضحَكُ، فكانَ أوَّلَ كَلِمةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال: أبشِري يا عائِشةُ، أمَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ فقد بَرَّأكِ، فقالت لي أُمِّي: قومي إلَيه، فقُلتُ: واللهِ لا أقومُ إلَيه، ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، هو الذي أنزَلَ بَراءَتي، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {إنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ مِنكُم} عَشرَ آياتٍ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ هذه الآياتِ بَراءَتي، قالت: فقال أبو بَكرٍ -وكانَ يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقَرابَتِه منه وفَقرِه: واللهِ لا أُنفِقُ عليه شَيئًا أبَدًا بَعدَ الذي قال لعائِشةَ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {ولا يَأتَلِ أولو الفَضلِ مِنكُم والسَّعةِ} إلى قَولِه {ألا تُحِبُّونَ أن يَغفِرَ اللهُ لَكُم} [النُّور: 22] فقال أبو بَكرٍ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطَحٍ النَّفَقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبَدًا، قالت عائِشةُ: وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَألَ زَينَبَ بنتَ جَحشٍ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن أمري: ما عَلِمتِ أو ما رَأيتِ أو ما بَلَغَكِ؟ قالت: يا رَسولَ اللهِ، أحمي سَمعي وبَصَري، وأنا ما عَلِمتُ إلَّا خَيرًا، قالت عائِشةُ: وهيَ التي كانَت تُساميني مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعَصَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ بالورَعِ، وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ بنتُ جَحشٍ تُحارِبُ لَها، فهَلَكَت فيمَن هَلَكَ. قال: ابنُ شِهابٍ: فهذا ما انتَهى إلَينا مِن أمرِ هَؤُلاءِ الرَّهطِ]
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يُسافِرَ أقرَع بينَ نسائِه فأيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها معه فخرَج سهمُ عائشةَ في غزوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بني المُصْطَلِقِ مِن خُزاعةَ فلمَّا انصرَف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكان قريبًا مِنَ المدينةِ وكانت عائشةُ جُوَيريَةً حديثةَ السِّنِّ قليلةَ اللَّحمِ خفيفةً وكانت تلزَمُ خِدرَها فإذا أراد النَّاسُ الرَّحيلَ ذهَبَتْ ثمَّ رجَعَتْ فدخَلَتْ مِحَفَّتَها فيُرَحَّلُ بعيرُها ثمَّ تُحْمَلُ مِحَفَّتُها فتوضَعُ على البَعيرِ فكان أوَّلَ ما قال فيها المنافقون وغيرُهم ممَّنِ اشترَك في أمرِ عائشةَ إنَّها خرجَتْ تتوضَّأُ حينَ دنَوا مِنَ المدينةِ فانسَلَّ مِن عُنُقِها عِقْدٌ لها مِن جَزْعِ أظْفَارٍ فارتحَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والنَّاسُ وهي في بُغاءِ العِقدِ ولم تعلَمْ برحيلِهم فشدُّوا على بعيرِها المِحَفَّةَ وهم يُرَوْنَ أنَّها فيها كما كانت تكونُ فرجَعَتْ عائشةُ إلى منزلِها فلم تجِدْ في العَسْكَرِ أحدًا فغلَبَتْها عيناها وكان صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ صاحبُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تخلَّف تلك اللَّيلةَ عَنِ العَسْكَرِ حتَّى أصبَح قالت فمرَّ بي فرآني فاسترجَع وأعظَمَ مكاني حينَ رآني وقد كنْتُ أعرِفُه ويعرِفُني قبلَ أن يُضرَبَ علينا الحِجابُ قالت فسألني عن أمري فستَرْتُ وجهي عنه بجِلْبابي وأخبَرْتُه بأمري فقرَّب بعيرَه فوَطِئَ على ذِراعِه فولَّاني قفاه حتَّى رَكِبْتُ وسوَّيْتُ ثيابي ثمَّ بعَثَه فأقبَل يسيرُ بي حتَّى دخَلْنا المدينةَ نِصفَ النَّهارِ أو نحوَه فهنالك قال فيَّ وفيه مَن قال مِن أهلِ الإفكِ وأنا لا أعلَمُ شيئًا مِن ذلك ولا ممَّا يخوضُ النَّاسُ فيه مِن أمري وكنْتُ تلك اللَّياليَ شاكيةً وكان أوَّلَ ما أنكَرْتُ مِن أمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه كان يعودُني قبلَ ذلك إذا مرِضْتُ وكان تلك اللَّياليَ لا يدخُلُ عليَّ ولا يعودُني إلَّا أنَّه كان يقولُ وهو مارٌّ كيف تِيكُمْ فيسألُ عنِّي أهلَ البيتِ فلمَّا بلَغ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أكثَرَ النَّاسُ فيه مِن أمري غمَّه ذلك وقد شكَوْتُ قَبلَ ذلك إلى أمِّي ما رأيْتُ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الجَفْوةِ فقالت لي يا بُنَيَّةُ اصبِري فواللهِ ما كانتِ امرأةٌ حَسْناءُ لها ضرائرُ إلَّا رمَيْنها قالت فوجَدْتُ حِسًّا تلك اللَّيلةَ الَّتي بعَث النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن صُبحِها إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأسامةَ بنِ زيدٍ يستشيرُهما في أمري وكنَّا ذلك الزَّمانَ ليس لنا كُنُفٌ نذهَبُ فيها إنَّما كنَّا نذهَبُ كما يذهَبُ العربُ ليلًا إلى ليلٍ فقلْتُ لأمِّ مِسْطَحِ بنِ أُثاثةَ خُذي الإداوةَ فامْلَئيها ماءً فاذهَبي بها إلى المَناصِعِ وكانت هي وابنُها مِسْطَحٌ بينَهما وبينَ أبي بكرٍ قَرابةٌ وكان أبو بكرٍ يُنفِقُ عليهما فكانا يكونان عندَه ومع أهلِه فأخَذَتِ الإداوةَ وخرَجَتْ نحوَ المَناصِعِ فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ فقالت تعِسَ مِسْطَحٌ فقلْتُ بئسَ ما قلْتِ قالت ثمَّ مشَيْنا فعثَرَتْ أيضًا فقالت تعِسَ مِسْطَحٌ فقلْتُ لها بئسَ ما قلْتِ لصاحبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصاحبِ بَدْرٍ فقالت إنَّكِ لَغافلةٌ عمَّا فيه النَّاسُ مِن أمرِك فقلْتُ أجَلْ فما ذاك فقالت إنَّ مِسْطَحًا وفلانًا وفُلانةً فيمن استَزَلَّهُمُ الشَّيطانُ مِنَ المنافقين يجتمِعون في بيتِ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ أخي بني الحارثِ بنِ الخزرجِ يتحدَّثون عنكِ وعن صَفْوانَ بنِ المُعَطَّلِ يَرْمونكِ به قالت فذهَب عنِّي ما كنْتُ أجِدُ مِنَ الغائطِ فرَجَعْتُ على يدَيَّ فلمَّا أصبَحْنا مِن تلك اللَّيلةِ بعَث النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأسامةَ بنِ زيدٍ فأخبرَهما بما قيل فيَّ واستشارَهما في أمري فقال أسامةُ واللهِ يا رسولَ اللهِ ما علِمْنا على أهلِك سوءًا وقال عليٌّ له يا رسولَ اللهِ ما أكثَرَ النِّساءَ وإنْ أرَدْتَ أن تعلَمَ الخبرَ فتوعَّدِ الجاريةَ يعني بَريرةَ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعليٍّ فشأنُك بالخادمِ فسَأَلَها عليٌّ عنِّي فلم تُخْبِرْه والحمدُ للهِ إلَّا بخيرٍ قالت واللهِ ما عَلِمْتُ على عائشةَ سوءًا إلَّا أنَّها جُوَيريَةٌ تُصبِحُ عن عجينِ أهلِها فتدخُلُ الشَّاةُ الدَّاجِنُ فتأكُلُ مِنَ العجينِ قالت ثمَّ خرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ سمِعَ ما قالت بَريرةُ لِعَليٍّ إلى النَّاسِ فلمَّا اجتمَعوا إليه قال يا معشرَ المسلمين مَن لي مِن رجالٍ يُؤذونَني في أهلي فما علِمْتُ على أهلي سوءًا ويَرْمون رجُلًا مِن أصحابي ما علِمْتُ عليه سوءًا ولا خرَجْتُ مَخْرجًا إلَّا خرَج معي فيه قال سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ الأشْهَلِيُّ مِنَ الأوسِ يا رسولَ اللهِ إنْ كان ذلك مِن أحَدٍ مِنَ الأوسِ كَفَيْنَاكَهُ وإنْ كان مِنَ الخزرجِ أمَرْتَنا فيه بأمرِك وقام سعدُ بنُ عُبادةَ الأنصاريُّ ثمَّ الخَزْرَجِيُّ فقال لسعدِ بنِ معاذٍ كذَبْتَ واللهِ وهذا الباطلُ فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ الأنصاريُّ ثمَّ الأشْهَلِيُّ ورجالٌ مِنَ الفريقين فاستبُّوا وتنازَعوا حتَّى كاد أن يعظُمَ الأمرُ بينَهم فدخَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيتي وبعَث إلى أبويَّ فأتَياه فحمِد اللهَ وأثنى عليه بما هو أهلُه ثمَّ قال لي يا عائشةُ إنَّما أنتِ مِن بناتِ آدمَ فإنْ كنْتِ أخطأْتِ فتوبي إلى اللهِ واستَغْفِريه فقلْتُ لأبي أجِبْ عنِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال لا أفعَلُ هو نبيُّ اللهِ والوحيُ يأتيه فقلْتُ لأمِّي أجيبي عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت لي كما قال أبي فقلْتُ واللهِ لئن أقْرَرْتُ على نفسي بباطلٍ لتُصَدِّقُنَّني ولئن برَّأْتُ نفسي واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ لتُكَذِّبُنَّني فما أجِدُ لي ولكم مَثَلًا إلَّا قولَ أبي يوسفَ { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } ونَسيتُ اسمَ يعقوبَ لِما بي مِنَ الحُزنِ والبُكاءِ واحتراقِ الجوفِ فتغشَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما كان يتغشَّاه مِنَ الوحيِ ثمَّ سُرِّيَ عنه فمسَح وجهَه بيدِه ثمَّ قال أبْشِري يا عائشةُ قد أنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ براءتَك فقالت عائشةُ واللهِ ما كنْتُ أظُنُّ أن ينزِلَ القرآنُ في أمري ولكنِّي كنْتُ أرجو لِما يعلَمُ اللهُ مِن براءتي أن يرى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أمري رؤيا فيُبَرِّئَني اللهُ بها عندَ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال لي أبوايَ عندَ ذلك قومي فقبِّلي رأسَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقلْتُ واللهِ لا أفعَلُ بحمدِ اللهِ لا بحَمْدِكم قال وكان أبو بكرٍ يُنفِقُ على مِسْطَحٍ وأمِّه فلمَّا رماني حلَف أبو بكرٍ أن لا ينفَعَه بشيءٍ أبدًا قال فلمَّا تلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ } بكى أبو بكرٍ قال بلى يا ربِّ وأعاد النَّفقةَ على مِسْطَحٍ وأمِّه قالت وقعَد صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ لحسَّانَ بنِ ثابتٍ بالسَّيفِ فضرَبه ضربةً فقال صَفْوانُ لحسَّانَ حينَ ضرَبَه تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنْكَ فَإِنَّنِي ... غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ وَلَكِنَّنِي أَحْمِي حِمَايَ وأَنْتَقِمْ ... مِنَ الْبَاهِتِ الرَّامِي الْبُرَاةِ الطَّوَاهِرِ. ثمَّ صاح حسَّانُ فاستغاث النَّاسُ على صَفْوانَ فلمَّا جاء النَّاسُ فرَّ صَفْوانُ فجاء حسَّانُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَعْداه على صَفْوانَ في ضَرْبتِه إيَّاه فسألَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يهَبَ له ضربةَ صَفْوانَ إيَّاه فوهَبها للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعاوَضَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حائطًا مِن نخلٍ عظيمٍ وجاريةٍ روميَّةٍ ويُقالُ قِبطيَّةٌ تُدعى سِيرينَ فولَدَتْ لحسَّانَ ابنَه عبدَ الرَّحمنِ الشَّاعرَ قال أبو أُوَيسٍ أخبَرَني بذلك حُسَينُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ عَن عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالت عائشةُ ثمَّ باع حسَّانُ ذلك الحائطَ مِن معاويةَ بنِ أبي سفيانَ في ولايتِه بمالٍ عظيمٍ قالت عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها وبلَغَني واللهِ أعلمُ أنَّ الَّذي قال اللهُ فيه { والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أنَّه عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ أحدُ بني الحارثِ بن ِالخزرجِ قالت عائشةُ فقيل في أصحابِ الإفكِ الأشعارُ وقال أبو بكرٍ في مِسْطَحٍ في رَمْيِه عائشةَ فكان يُدعى عَوفًا يَا عَوْفُ وَيْحَكَ هَلَّا قُلْتَ عَارِفَةً ... مِنَ الْكَلَامِ وَلَمْ تَبْغِي بِهِ طَمَعَا فَأَدْرَكَتْكَ حُمَيَّا مَعْشَرٍ أُنُفٍ ... فَلَمْ يَكُنْ قَاطِعًا يَا عَوْفُ مَنْ قَطَعَا هَلَّا حَرِبْتَ مِنَ الْأَقْوَامِ إِذْ حَسَدُوا ... فَلَا تَقُولُ وَإِنْ عَادَيْتَهُمْ قَذَعَا لَمَّا رَمَيْتَ حَصَانًا غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ... أَمِينَةَ الْجَيْبِ لَمْ نَعْلَمْ لَهَا خَضَعَا فِيمَنْ رَمَاهَا وَكُنْتُمْ مَعْشَرًا أُفُكًا ... فِي سَيِّئِ الْقَوْلِ مِنْ لَفْظِ الْخَنَا شَرَعَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرًا فِي بَرَاءَتِهَا ... وَبَيْنَ عَوْفٍ وَبَيْنَ اللَّهِ مَا صَنَعَا فَإِنْ أَعِشْ أَجْزِ عَوْفًا فِي مَقَالَتِهِ ... سُوءَ الْجَزَاءِ بِمَا أَلْفَيْتُهُ تَبَعَا. وقالَت أمُّ سعدِ بنِ معاذٍ في الَّذين رمَوا عائشةَ مِنَ الشِّعرِ تَشْهَدُ الْأَوْسُ كُلُّهَا وَفَتَاهَا ... بِحِقْدٍ وَذَلِكَ مَعْلُومُ نِسَاءُ الْخَزْرَجِيِّينَ يَشْهَدْنَ ... وَالْخُمَاسِيُّ مِنْ نَسْلِهَا وَالْعَظِيمُ أَنَّ بِنْتَ الصِّدِّيقِ كَانَتْ حَصَانًا ... عَفَّةَ الْجَيْبِ دِينُهَا مُسْتَقِيمُ تَتَّقِي اللَّهَ فِي الْمَغِيبِ عَلَيْهَا ... نِعْمَةُ اللَّهِ سِرُّهَا مَا يَرِيمُ خَيْرُ هَدْيِ النِّسَاءِ حَالًا وَنَفْسًا ... وَأَبًا لِلْعُلَا نَمَاهَا كَرِيمُ لِلْمَوَالِي إِذَا رَمَوهَا بِإِفْكٍ ... أَخَذَتْهُمْ مَقَامِعٌ وَجَحِيمُ لَيْتَ مَنْ كَانَ قَدْ قَفَاهَا بِسُوءٍ ... فِي حُطَامٍ حَتَّى يَبُولَ اللَّئِيمُ وَعَوَانٍ مِنَ الْحُرُوبِ تَلَظَّى ... ثَغْسًا قُوتُهَا عَقَارٌ صَرِيمُ لَيْتَ سَعْدًا وَمَنْ رَمَاهَا بِسُوءٍ ... فِي كَظَاظٍ حَتَّى يَتُوبَ الظَّلُومُ. وقال حسَّانُ وهو يُبَرِّئُ عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عنها - فيما قيل فيها، ويعتذِرُ إليها: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ خَلِيلَةُ خَيْرِ النَّاسِ دِينًا وَمَنْصِبًا ... نَبِيِّ الْهُدَى وَالْمَكْرُمَاتِ الْفَوَاضِلِ عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهَا غَيْرُ زَائِلِ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيَمَهَا ... وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلٍّ سُوءٍ وَبَاطِلِ فَإِنْ كَانَ مَا قَدْ جَاءَ عَنِّي قُلْتُهُ ... فَلَا رَفَعَتْ صَوْتِي إِلَىَّ أَنَامِلِي وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ ... بِكِ الدَّهْرَ بَلْ قَوْلُ امْرِئٍ غَيْرِ هَائِلِ وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي ... لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ لَهُ رَتْبٌ عَالٍ عَلَى النَّاسِ فَضْلُهَا ... تَقَاصَرُ عَنْهَا سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ.قال أبو يونسَ وحدَّثَني أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَر بالَّذين رمَوا عائشةَ فجُلِدوا الحدَّ ثمانين وقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ في الشِّعرِ حين جُلِدوا لَقَدْ ذَاقَ عَبْدُ اللَّهِ مَا كَانَ أَهْلَهُ ... وَحَمْنَةُ إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ تَعَاطَوْا بِرَجْمِ الْغَيْبِ زَوْجَ نَبِيِّهِمْ ... وَسَخْطَةَ ذِي الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فَأَنْزَحُوا فَآذَوْا رَسُولَ اللَّهِ فِيهَا وَعَمَّمُوا ... مَخَازِيَ سُوءٍ حَلَّلُوهَا وَفُضِّحُوا
أقامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعدَ أُحُدٍ بقيَّةَ شوَّالٍ وذا القعدةِ وذا الحجَّةِ ووَلي تلك الحِجَّةُ والمُحرَّمُ ثم بعثَ أصحابَ بئرَ معونةَ في صفرٍ على رأسِ أربعةِ أشهُرٍ من أُحُدٍ فكان من حديثِهِم كما حدَّثني إسحاقُ عن المغيرةِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ حزْمٍ وغيرُهُم من أهلِ العلمِ قالوا قدِمَ أبو بَراءٍ عامرُ بنُ مالكِ بنُ جعفرٍ ملاعِبُ الأسنَّةِ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلم يُسلِمْ ولم يَبْعُد من الإسلامِ وقال يا محمدُ لو بعثتَ رجلًا من أصحابِكَ يدعوهُم إلى أمرِكَ رجوتُ أن يستجيبوا لكَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إني أخشى عليهم أهلَ نجدٍ فقال أبو براءٍ أنا لهم جارٌ فابْعَثْهُم فلْيدعوا الناسَ إلى أمرِكَ فبعثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المنذرَ بنَ عمرو أخا بني ساعدةَ بنِ الخزرجِ المُعنَقِ ليموتَ في أربعينَ رجلًا من المسلمينَ من خيارِهِم منهم الحارثُ بنُ الصِّمَّةِ وحَرَامُ بنُ مِلحانٍ أخو بني عديِّ بنِ النَّجَّارِ وعُروةُ بنُ أسماءَ بنِ الصَّلْتِ السُّلَميُّ ونافِعُ بنُ بُديْلِ بنِ ورقاءَ الخُزَاعِيُّ وعامرُ بنُ فُهَيْرةُ مولى أبي بكرٍ ورجالًا مُسَمَّوْنَ من خيارِ المسلمينَ فساروا حتى نزلوا بئرَ معونةَ وهي بئرُ أرضِ بني عامرٍ وحَرَّةُ بني سُلَيْمٍ كِلا البلَدَيْنِ منها قريبٌ وهي من بني سُلَيْمٍ أقربُ فلمَّا نزلوا بعثوا حَرَامَ بنَ مِلحانَ بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى عامرِ بنِ الطُّفيلِ فلمَّا أتاهُم لم ينظرْ في كتابِه حتى غَدَا على الرجلِ فقتَلَه ثم اسْتصْرَخَ بني عامرٍ فأبَوْا أن يُجيبوهُ إلى ما دعاهم وقالوا لن نَخفِرَ أبا براءٍ وقد عقدَ لهم عقدًا وجوارا فاستَصْرخَ عليهم قبائلَ من بني سُلَيْمٍ عَصِيَّةَ ورَعْلًا وذَكْوانَ فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غَشَوْا القومَ فأحاطوا بهم في رِحالِهم فلمَّا رأَوْهُم أخذوا أسيافَهُم فقاتلوا حتى قُتِلُوا عن آخرِهِم إلَّا كعبَ بنَ زيدٍ أخو بني دينارَ بنِ النَّجَّارِ فإنَّهم تركوه وبه رَمَقٌ فارْتَثَّ من بينِ القتلى فعاشَ حتى قُتِلَ يومَ الخندقِ وكان في السَّرْحِ عمرو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ورجلٌ من الأنصارِ أخو بني عمرو بنُ عوفٍ فلم يُنْبِئْهُما بِمُصابِ إخوانِهما إلَّا الطَّيْرُ تحومُ على العسكرِ فقالا واللهِ إنَّ لهذا الطَّيْرِ لشأْنًا فأقبلا لِينظُرَا فإذا القومُ في دمائِهِم وإذا الخيلُ التي أصابَتْهُم واقفةٌ فقال الأنصارِيُّ لِعمرو بنِ أُمَيَّةَ ما ترى قال أرى أن نلحقَ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فنُخبرَهُ الخبرَ فقال الأنصاريُّ لكنِّي ما كنتُ لأرغبَ بنفسي عن موطنٍ قُتِلَ فيه المنذِرُ بنُ عمرٍو وما كنتُ لتخبرني عنه الرِّجالُ فقاتلَ القومَ حتى قُتِلَ وأخذوا عمرو بنَ أُمَيَّةَ أسيرًا فلمَّا أخبرَهُم أنَّه من مضرَ أطلقَه عامرُ بنُ الطُّفيلِ وجَزَّ ناصِيَتَه وأعتقَه عن رقبةٍ زعمَ أنَّها على أُمِّه فخرجَ عمرو بنُ أُمَيَّةَ حتى إذا كان بالقَرْقَرَةِ من صدرِ قناة أتاه رجلانِ من بني عامرٍ نزلا في ظِلٍّ هو فيه وكان للعامِرِيِّينَ عقدٌ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وجِِوارٌ فلم يعلمْ به عمرو بنُ أُمَيَّةَ وقد سأَلَهُما حينَ نزلَ مِمَّن أنتُما قالا من بني عامرٍ فأَمْهَلْهُما حتى ناما فغدا عليهِما فقتلَهُما وهو يرى أنَّه قد أصابَ بهما ثأْرَه من بني عامرٍ لما أصابوا من أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلمَّا قدِمَ عمرو بنُ أُمَيَّةَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخبرَه الخبرَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لقد قتلتَ قتيلينِ لأُدِينَّهُما ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هذا عملُ أبي براءٍ قد كنتُ لهذا كارِهًا مُتخوِّفًا فبلغَ ذلك أبا براءٍ فشقَّ عليه إخفارُ عامرٍ إيَّاهُ وما أُصيبَ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بسبَبِه وجِوارِه فقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ يُحَرِّضُ ابنَ أبي براءٍ على عامرِ بنِ الطُّفيلِ بني أُمِّ البنينَ ألمْ يَرُعْكُم وأنتم من ذَوائِبِ أهلِ نجدِ – تَهَكُّمُ عامرٍ بأبي براءٍ وليَخْفِرَه وما خطَأٌ كَعَمْدِ – أَلا أَبْلِِِِِِِغْ ربيعةَ ذا المساعِي بما أَحْدَثْتَ في الحُدْثانِ بعدِي – أبوكَ أبو الحروبِ أبو براءٍ وخالُكَ ماجِدٌ حكمُ بنُ سعدِ – فحملَ ربيعةُ بنُ عامرٍ على عامرِ بنِ الطُّفيلِ فطعَنَه بالرُّمْحِ فوقعَ في فَخِذِه فأَشْواهُ ووقعَ عن فرسِه فقال هذا عملُ أبي براءٍ فإنْ أَمُتْ فدَمِي لعَمِّي لا يُتْبَعُ به وإنْ أَعِشْ فَسأَرَى رأْيي فيما أَتَى إليَّ
كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ سَفَرًا أقرَعَ بينَ أزواجِه، فأيُّهنَّ خَرَجَ سَهمُها خَرَجَ بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معهُ، قالت عائِشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غَزوةٍ غَزاها، فخَرَجَ فيها سَهمي، فخَرَجتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ ما أُنزِلَ الحِجابُ، فكُنتُ أُحمَلُ في هَودَجي وأُنزَلُ فيه، فسِرنا حتَّى إذا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزوتِه تلك وقَفَلَ، دَنَونا مِنَ المَدينةِ قافِلينَ، آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، فمَشيتُ حتَّى جاوزتُ الجَيشَ، فلَمَّا قَضَيتُ شَأني أقبَلتُ إلى رَحلي، فلَمَستُ صَدري، فإذا عِقدٌ لي مِن جَزعِ ظَفارِ قدِ انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَستُ عِقدي فحَبَسَني ابتِغاؤُه، قالت: وأقبَلَ الرَّهطُ الذينَ كانوا يُرَحِّلوني، فاحتَمَلوا هَودَجي فرَحَلوه على بَعيري الذي كُنتُ أركَبُ عليه، وهم يَحسِبونَ أنِّي فيه، وكان النِّساءُ إذ ذاك خِفافًا لم يَهبُلنَ، ولم يَغشَهنَّ اللَّحمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقةَ مِنَ الطَّعامِ، فلَم يَستَنكِرِ القَومُ خِفَّةَ الهَودَجِ حينَ رَفَعوه وحَمَلوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ، فبَعَثوا الجَمَلَ فساروا، ووجَدتُ عِقدي بَعدَ ما استَمَرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم وليسَ بها منهم داعٍ ولا مُجيبٌ، فتَيَمَّمتُ مَنزِلي الذي كُنتُ به، وظَنَنتُ أنَّهم سَيَفقِدوني فيَرجِعونَ إليَّ، فبينا أنا جالِسةٌ في مَنزِلي، غَلَبَتني عَيني فنِمتُ، وكان صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكوانيُّ مِن وراءِ الجَيشِ، فأصبَحَ عِندَ مَنزِلي، فرَأى سَوادَ إنسانٍ نائِمٍ فعَرَفَني حينَ رَآني، وكان رَآني قَبلَ الحِجابِ، فاستَيقَظتُ باستِرجاعِه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرتُ وجهي بجِلبابي، وواللهِ ما تَكَلَّمنا بكَلِمةٍ، ولا سَمِعتُ منه كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه، وهَوى حتَّى أناخَ راحِلَتَه، فوطِئَ على يَدِها، فقُمتُ إليها فرَكِبتُها، فانطَلَقَ يَقودُ بي الرَّاحِلةَ حتَّى أتَينا الجَيشَ موغِرينَ في نَحرِ الظَّهيرةِ وهم نُزولٌ، قالت: فهَلَك مَن هَلَك، وكان الذي تَولَّى كِبرَ الإفكِ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ، قال عُروةُ: أُخبِرتُ أنَّه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عِندَه، فيُقِرُّه ويَستَمِعُه ويَستَوشيه، وقال عُروةُ أيضًا: لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلَّا حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ، ومِسطَحُ بنُ أُثاثةَ، وحَمنةُ بنتُ جَحشٍ، في ناسٍ آخَرينَ لا عِلمَ لي بهم، غيرَ أنَّهم عُصبةٌ، كما قال اللهُ تَعالى، وإنَّ كِبرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ، قال عُروةُ: كانَت عائِشةُ تَكرَهُ أن يُسَبَّ عِندَها حَسَّانُ، وتَقولُ: إنَّه الذي قال: فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرضي لعِرضِ مُحَمَّدٍ منكم وِقاءُ. قالت عائِشةُ: فقدِمنا المَدينةَ، فاشتَكَيتُ حينَ قدِمتُ شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أصحابِ الإفكِ، لا أشعُرُ بشيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطفَ الذي كُنتُ أرى منه حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تِيكُم؟ ثُمَّ يَنصَرِفُ، فذلك يَريبُني ولا أشعُرُ بالشَّرِّ، حتَّى خَرَجتُ حينَ نَقَهتُ، فخَرَجتُ مع أُمِّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وكان مُتَبَرَّزَنا، وكُنَّا لا نَخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيلٍ، وذلك قَبلَ أن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَريبًا مِن بُيوتِنا، قالت: وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في البَرِّيَّةِ قِبَلَ الغائِطِ، وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أن نَتَّخِذَها عِندَ بُيوتِنا، قالت: فانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ، وهي ابنةُ أبي رُهمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأُمُّها بنتُ صَخرِ بنِ عامِرٍ، خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ، فأقبَلتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ بَيتي حينَ فرَغنا مِن شَأنِنا، فعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقُلتُ لَها: بئسَ ما قُلتِ، أتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدرًا؟ فقالت: أي هَنْتَاه ولم تَسمَعي ما قال؟! قالت: وقُلتُ: ما قال؟ فأخبَرَتني بقَولِ أهلِ الإفكِ، قالت: فازدَدتُ مَرَضًا على مَرَضي، فلَمَّا رَجَعتُ إلى بَيتي دَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَلَّمَ، ثُمَّ قال: كيفَ تِيكُم؟ فقُلتُ له: أتَأذَنُ لي أن آتيَ أبَويَّ؟ قالت: وأُريدُ أن أستَيقِنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، قالت: فأذِنَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ لأُمِّي: يا أُمَّتاه، ماذا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قالت: يا بُنَيَّةُ، هَوِّني عليكِ، فواللهِ لَقَلَّما كانَتِ امرَأةٌ قَطُّ وضيئةً عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّها، لَها ضَرائِرُ، إلَّا كَثَّرنَ عليها، قالت: فقُلتُ: سُبحانَ اللهِ، أوَلقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلك اللَّيلةَ حتَّى أصبَحتُ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ أصبَحتُ أبكي، قالت: ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ وأُسامةَ بنَ زَيدٍ حينَ استَلبَثَ الوحيُ، يَسألُهما ويَستَشيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ فأشارَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ لهم في نَفسِه، فقال أُسامةُ: أهلَكَ، ولا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، وأمَّا عَليٌّ فقال: يا رَسولَ اللهِ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وسَلِ الجاريةَ تَصدُقْك، قالت: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ، فقال: أي بَريرةُ، هل رَأيتِ مِن شيءٍ يَريبُكِ؟ قالت له بَريرةُ: والذي بَعَثَك بالحَقِّ، ما رَأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغمِصُه غيرَ أنَّها جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عن عَجينِ أهلِها، فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، قالت: فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن يَومِه فاستَعذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ، وهو على المِنبَرِ، فقال: يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَني عنه أذاه في أهلي؟! واللهِ ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خَيرًا، ولقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا، وما يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي. قالت: فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ أخو بَني عبدِ الأشهَلِ، فقال: أنا يا رَسولَ اللهِ أعذِرُك، فإن كان مِنَ الأوسِ ضَرَبتُ عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا مِنَ الخَزرَجِ أمَرتَنا ففَعَلنا أمرَك، قالت: فقامَ رَجُلٌ مِنَ الخَزرَجِ، وكانَت أُمُّ حَسَّانَ بنتَ عَمِّه مِن فخِذِه، وهو سَعدُ بنُ عُبادةَ، وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، قالت: وكان قَبلَ ذلك رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ احتَمَلَته الحَميَّةُ، فقال لسَعدٍ: كَذَبتَ، لَعَمرُ اللهِ لا تَقتُلُه، ولا تَقدِرُ على قَتلِه! ولو كان مِن رَهطِك ما أحبَبتَ أن يُقتَلَ! فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابنُ عَمِّ سَعدٍ، فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبتَ، لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّه؛ فإنَّك مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقينَ! قالت: فثارَ الحَيَّانِ الأوسُ والخَزرَجُ حتَّى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَرِ، قالت: فلَم يَزَلْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم، حتَّى سَكَتوا وسَكَتَ، قالت: فبَكَيتُ يَومي ذلك كُلَّه لا يَرقَأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، قالت: وأصبَحَ أبَوايَ عِندي، وقد بَكَيتُ لَيلَتَينِ ويَومًا، لا يَرقَأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، حتَّى إنِّي لَأظُنُّ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، فبينا أبَوايَ جالِسانِ عِندي وأنا أبكي، فاستَأذَنَت عليَّ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ فأذِنتُ لَها، فجَلَسَت تَبكي مَعي، قالت: فبينا نَحنُ على ذلك دَخَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علينا فسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قالت: ولم يَجلِسْ عِندي مُنذُ قيلَ ما قيلَ قَبلَها، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يوحى إليه في شَأني بشيءٍ، قالت: فتَشَهَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قال: أمَّا بَعدُ، يا عائِشةُ، إنَّه بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ وتوبي إليه؛ فإنَّ العَبدَ إذا اعتَرَفَ ثُمَّ تابَ، تابَ اللهُ عليه، قالت: فلَمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطرةً، فقُلتُ لأبي: أجِبْ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِّي فيما قال، فقال أبي: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ لأُمِّي: أجيبي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالت أُمِّي: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ وأنا جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ مِنَ القُرآنِ كَثيرًا: إنِّي واللهِ لقد عَلِمتُ لقد سَمِعتُم هذا الحَديثَ حتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقتُم به، فلَئِن قُلتُ لَكُم: إنِّي بَريئةٌ، لا تُصَدِّقوني، ولَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بأمرٍ، واللهُ يَعلَمُ أنِّي منه بَريئةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، فواللهِ لا أجِدُ لي ولَكُم مَثَلًا إلَّا أبا يوسُفَ حينَ قال: {فصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ} ثُمَّ تَحَوَّلتُ واضطَجَعتُ على فِراشي، واللهُ يَعلَمُ أنِّي حينَئِذٍ بَريئةٌ، وأنَّ اللهَ مُبَرِّئي ببَراءَتي، ولَكِن واللهِ ما كُنتُ أظُنُّ أنَّ اللهَ مُنزِلٌ في شَأني وحيًا يُتلى؛ لَشَأني في نَفسي كان أحقَرَ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ، ولَكِن كُنتُ أرجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها، فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَجلِسَه، ولا خَرَجَ أحَدٌ مِن أهلِ البَيتِ، حتَّى أُنزِلَ عليه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه مِنَ البُرَحاءِ، حتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِنَ العَرَقِ مِثلُ الجُمانِ، وهو في يَومٍ شاتٍ؛ مِن ثِقَلِ القَولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فسُرِّيَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَضحَكُ، فكانَت أوَّلَ كَلِمةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال: يا عائِشةُ، أمَّا اللهُ فقد بَرَّأكِ! قالت: فقالت لي أُمِّي: قومي إليه، فقُلتُ: واللهِ لا أقومُ إليه، فإنِّي لا أحمَدُ إلَّا اللهَ عزَّ وجلَّ، قالت: وأنزَلَ اللهُ تَعالى: {إنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ منكم} العَشرَ الآياتِ، ثُمَّ أنزَلَ اللهُ هذا في بَراءَتي، قال أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ، وكان يُنفِقُ على مِسطَحِ بنِ أُثاثةَ لقَرابَتِه منه وفَقرِه: واللهِ لا أُنفِقُ على مِسطَحٍ شيئًا أبَدًا، بَعدَ الذي قال لعائِشةَ ما قال، فأنزَلَ اللهُ: {ولا يَأتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ} إلى قَولِه: {غَفورٌ رَحيمٌ}، قال أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: بَلى، واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطَحٍ النَّفَقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: واللهِ لا أنزِعُها منه أبَدًا، قالت عائِشةُ: وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَألَ زَينَبَ بنتَ جَحشٍ عن أمري، فقال لزَينَبَ: ماذا عَلِمتِ، أو رَأيتِ؟ فقالت: يا رَسولَ اللهِ، أحمي سَمعي وبَصَري، واللهِ ما عَلِمتُ إلَّا خَيرًا، قالت عائِشةُ: وهي التي كانَت تُساميني مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعَصَمَها اللهُ بالورَعِ، قالت: وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ تُحارِبُ لَها، فهَلَكَت فيمَن هَلَك قال ابنُ شِهابٍ: فهذا الذي بَلَغَني مِن حَديثِ هؤلاء الرَّهطِ، ثُمَّ قال عُروةُ: قالت عائِشةُ: واللهِ إنَّ الرَّجُلَ الذي قيلَ له ما قيلَ لَيقولُ: سُبحانَ اللهِ، فوالذي نَفسي بيَدِه ما كَشَفتُ مِن كَنَفِ أُنثى قَطُّ! قالت: ثُمَّ قُتِلَ بَعدَ ذلك في سَبيلِ اللهِ
حديثُ الإفكِ الطويلِ في قصةِ عائشةَ رضوانُ اللهِ عليها [يعني حديث: كانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بيْنَ نِسَائِهِ، فأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ معهُ . قالَتْ عَائِشَةُ: فأقْرَعَ بيْنَنَا في غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مع رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَذلكَ بَعْدَ ما أُنْزِلَ الحِجَابُ، فأنَا أُحْمَلُ في هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فيه مَسِيرَنَا حتَّى إذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مِن غَزْوِهِ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ، فَمَشيتُ حتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِن شَأْنِي أَقْبَلْتُ إلى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ علَى بَعِيرِيَ الذي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ . قالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إنَّما يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجَمَلَ وَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ ما اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَليسَ بهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الذي كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أنَّ القَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إلَيَّ، فَبيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ في مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قدْ عَرَّسَ مِن وَرَاءِ الجَيْشِ فَادَّلَجَ، فأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إنْسَانٍ نَائِمٍ، فأتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَدْ كانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الحِجَابُ عَلَيَّ، فَاسْتَيْقَظْتُ باسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ ما يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ منه كَلِمَةً غيرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ علَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بيَ الرَّاحِلَةَ، حتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ، بَعْدَ ما نَزَلُوا مُوغِرِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَن هَلَكَ في شَأْنِي، وَكانَ الذي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا المَدِينَةَ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ في قَوْلِ أَهْلِ الإفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بشيءٍ مِن ذلكَ، وَهو يَرِيبُنِي في وَجَعِي أَنِّي لا أَعْرِفُ مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ اللُّطْفَ، الذي كُنْتُ أَرَى منه حِينَ أَشْتَكِي، إنَّما يَدْخُلُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تِيكُمْ؟ فَذَاكَ يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بالشَّرِّ، حتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ ما نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ، وَهو مُتَبَرَّزُنَا، وَلَا نَخْرُجُ إلَّا لَيْلًا إلى لَيْلٍ وَذلكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهي بنْتُ أَبِي رُهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابنُهَا مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ، فأقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي، حِينَ فَرَغْنَا مِن شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِهَا، فَقالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلتُ لَهَا: بئْسَ ما قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قدْ شَهِدَ بَدْرًا، قالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ، أَوْ لَمْ تَسْمَعِي ما قالَ؟ قُلتُ: وَمَاذَا قالَ؟ قالَتْ: فأخْبَرَتْنِي بقَوْلِ أَهْلِ الإفْكِ فَازْدَدْتُ مَرَضًا إلى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إلى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ: كيفَ تِيكُمْ؟ قُلتُ: أَتَأْذَنُ لي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهِمَا، فأذِنَ لي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلتُ لِأُمِّي: يا أُمَّتَاهْ ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقالَتْ: يا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ لَقَلَّما كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قالَتْ قُلتُ: سُبْحَانَ اللهِ وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلكَ اللَّيْلَةَ حتَّى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ، يَسْتَشِيرُهُما في فِرَاقِ أَهْلِهِ، قالَتْ فأمَّا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ فأشَارَ علَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بالَّذِي يَعْلَمُ مِن بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ في نَفْسِهِ لهمْ مِنَ الوُدِّ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، هُمْ أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وإنْ تَسْأَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ فَقالَ: أَيْ بَرِيرَةُ هلْ رَأَيْتِ مِن شيءٍ يَرِيبُكِ مِن عَائِشَةَ؟ قالَتْ له بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ إنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا، أَكْثَرَ مِن أنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عن عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، قالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ علَى المِنْبَرِ، فَاسْتَعْذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قالَتْ: فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَهو علَى المِنْبَرِ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مَن يَعْذِرُنِي مِن رَجُلٍ قدْ بَلَغَ أَذَاهُ في أَهْلِ بَيْتي فَوَاللَّهِ ما عَلِمْتُ علَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا، وَلقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عليه إلَّا خَيْرًا، وَما كانَ يَدْخُلُ علَى أَهْلِي إلَّا مَعِي فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ الأنْصَارِيُّ، فَقالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ منه، يا رَسُولَ اللهِ، إنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ وإنْ كانَ مِن إخْوَانِنَا الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وَهو سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وَكانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الحَمِيَّةُ، فَقالَ لِسَعْدِ بنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ علَى قَتْلِهِ فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، وَهو ابنُ عَمِّ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، فَقالَ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فإنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ فَثَارَ الحَيَّانِ الأوْسُ وَالْخَزْرَجُ حتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، قَائِمٌ علَى المِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قالَتْ: وَبَكَيْتُ يَومِي ذلكَ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتي المُقْبِلَةَ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بنَوْمٍ وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبيْنَما هُما جَالِسَانِ عِندِي وَأَنَا أَبْكِي اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأنْصَارِ، فأذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي، قالَتْ: فَبيْنَا نَحْنُ علَى ذلكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِندِي مُنْذُ قيلَ لي ما قيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لا يُوحَى إلَيْهِ في شَأْنِي بشيءٍ، قالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قالَ: أَمَّا بَعْدُ يا عَائِشَةُ، فإنَّه قدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وإنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إلَيْهِ، فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بذَنْبٍ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عليه قالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، مَقالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطْرَةً، فَقُلتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فِيما قالَ فَقالَ: وَاللَّهِ ما أَدْرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فَقُلتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَتْ: وَاللَّهِ ما أَدْرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقُلتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ إنِّي وَاللَّهِ لقَدْ عَرَفْتُ أنَّكُمْ قدْ سَمِعْتُمْ بهذا حتَّى اسْتَقَرَّ في نُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ به، فإنْ قُلتُ لَكُمْ إنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لا تُصَدِّقُونِي بذلكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِي وإنِّي، وَاللَّهِ ما أَجِدُ لي وَلَكُمْ مَثَلًا إلَّا كما قالَ أَبُو يُوسُفَ {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ علَى ما تَصِفُونَ} . قالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ علَى فِرَاشِي، قالَتْ: وَأَنَا، وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي ببَرَاءَتِي، وَلَكِنْ، وَاللَّهِ ما كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ في شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كانَ أَحْقَرَ في نَفْسِي مِن أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ بأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بهَا، قالَتْ: فَوَاللَّهِ ما رَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ مِن أَهْلِ البَيْتِ أَحَدٌ حتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ علَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فأخَذَهُ ما كانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ عِنْدَ الوَحْيِ، حتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثْلُ الجُمَانِ مِنَ العَرَقِ، في اليَومِ الشَّاتِ، مِن ثِقَلِ القَوْلِ الذي أُنْزِلَ عليه، قالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَهو يَضْحَكُ، فَكانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بهَا أَنْ قالَ: أَبْشِرِي يا عَائِشَةُ أَمَّا اللَّهُ فقَدْ بَرَّأَكِ فَقالَتْ لي أُمِّي: قُومِي إلَيْهِ، فَقُلتُ: وَاللَّهِ لا أَقُومُ إلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إلَّا اللَّهَ، هو الذي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، قالَتْ: فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُم} عَشْرَ آيَاتٍ فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِي، قالَتْ: فَقالَ أَبُو بَكْرٍ وَكانَ يُنْفِقُ علَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ منه وَفَقْرِهِ: وَاللَّهِ لا أُنْفِقُ عليه شيئًا أَبَدًا بَعْدَ الذي قالَ لِعَائِشَةَ فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا يَأْتَلِ أُولو الفَضْلِ مِنكُم وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى} إلى قَوْلِهِ: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} . قالَ حِبَّانُ بنُ مُوسَى: قالَ عبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ: هذِه أَرْجَى آيَةٍ في كِتَابِ اللَّهِ . فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ إنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إلى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتي كانَ يُنْفِقُ عليه، وَقالَ: لا أَنْزِعُهَا منه أَبَدًا . قالَتْ عَائِشَةُ: وَكانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ سَأَلَ زَيْنَبَ بنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن أَمْرِي ما عَلِمْتِ؟ أَوْ ما رَأَيْتِ؟ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ ما عَلِمْتُ إلَّا خَيْرًا . قالَتْ عَائِشَةُ: وَهي الَّتي كَانَتْ تُسَامِينِي مِن أَزْوَاجِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بالوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ . قالَ الزُّهْرِيُّ: فَهذا ما انْتَهَى إلَيْنَا مِن أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ . وقالَ في حَديثِ يُونُسَ: احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ .]
كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يَخرُجَ سَفَرًا أقرَعَ بينَ نِسائِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها خَرَجَ بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معهُ. قالت عائِشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غَزوةٍ غَزاها، فخَرَجَ فيها سَهمي، فخَرَجتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك بَعدَ ما أُنزِلَ الحِجابُ، فأنا أُحمَلُ في هَودَجي، وأُنزَلُ فيه مَسيرَنا حتَّى إذا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزوِه، وقَفَلَ، ودَنَونا مِنَ المَدينةِ، آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ فقُمتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، فمَشيتُ حتَّى جاوزتُ الجَيشَ، فلَمَّا قَضَيتُ مِن شَأني أقبَلتُ إلى الرَّحلِ، فلَمَستُ صَدري فإذا عِقدي مِن جَزعِ ظَفارِ قدِ انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَستُ عِقدي فحَبَسَني ابتِغاؤُه وأقبَلَ الرَّهطُ الذينَ كانوا يَرحَلونَ لي فحَمَلوا هَودَجي فرَحَلوه على بَعيريَ الذي كُنتُ أركَبُ وهم يَحسِبونَ أنِّي فيه. قالت: وكانَتِ النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا، لم يُهَبَّلنَ ولم يَغشَهنَّ اللَّحمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقةَ مِنَ الطَّعامِ، فلم يَستَنكِرِ القَومُ ثِقَلَ الهَودَجِ حينَ رَحَلوه ورَفَعوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ، فبَعَثوا الجَمَلَ وساروا، ووجَدتُ عِقدي بَعدَ ما استَمَرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم وليسَ بها داعٍ ولا مُجيبٌ، فتَيَمَّمتُ مَنزِلي الذي كُنتُ فيه، وظَنَنتُ أنَّ القَومَ سَيَفقِدوني فيَرجِعونَ إليَّ، فبينا أنا جالِسةٌ في مَنزِلي غَلَبَتني عَيني فنِمتُ، وكانَ صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكوانيُّ قد عَرَّسَ مِن وراءِ الجَيشِ فادَّلَجَ، فأصبَحَ عِندَ مَنزِلي فرَأى سَوادَ إنسانٍ نائِمٍ، فأتاني فعَرَفَني حينَ رَآني، وقد كان يَراني قَبلَ أن يُضرَبَ الحِجابُ عليَّ، فاستَيقَظتُ باستِرجاعِه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرتُ وجهي بجِلبابي، وواللهِ ما يُكَلِّمُني كَلِمةً ولا سَمِعتُ منه كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه، حتَّى أناخَ راحِلَتَه، فوطِئَ على يَدِها فرَكِبتُها، فانطَلَقَ يَقودُ بيَ الرَّاحِلةَ، حتَّى أتَينا الجَيشَ بَعدَ ما نَزَلوا موغِرينَ في نَحرِ الظَّهيرةِ، فهَلَكَ مَن هَلَكَ في شَأني، وكانَ الذي تَولَّى كِبرَه عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ، فقدِمنا المَدينةَ فاشتَكَيتُ حينَ قدِمنا المَدينةَ شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أهلِ الإفكِ، ولا أشعُرُ بشيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطفَ الذي كُنتُ أرى منه حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تيكُم؟ فذاكَ يَريبُني، ولا أشعُرُ بالشَّرِّ، حتَّى خَرَجتُ بَعدَ ما نَقَهتُ وخَرَجَت مَعي أُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نَخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيلٍ، وذلك قَبلَ أن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَريبًا مِن بُيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأولِ في التَّنَزُّهِ، وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أن نَتَّخِذَها عِندَ بُيوتِنا، فانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ، وهي بنتُ أبي رُهمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأُمُّها ابنةُ صَخرِ بنِ عامِرٍ، خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ، فأقبَلتُ أنا وبنتُ أبي رُهمٍ قِبَلَ بَيتي حينَ فرَغنا مِن شَأنِنا، فعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقُلتُ: لَها: بئسَ ما قُلتِ! أتَسُبِّينَ رَجُلًا قد شَهِدَ بَدرًا؟! قالت: أي هَنتاه، أو لم تَسمَعي ما قال؟ قُلتُ: وماذا قال؟ قالت: فأخبَرَتني بقَولِ أهلِ الإفكِ فازدَدتُ مَرَضًا إلى مَرَضي، فلَمَّا رَجَعتُ إلى بَيتي، فدَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَلَّمَ، ثُمَّ قال: كيفَ تيكُم؟ قُلتُ: أتَأذَنُ لي أن آتيَ أبَويَّ؟ قالت: وأنا حينَئِذٍ أُريدُ أن أتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، فأذِنَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجِئتُ أبَويَّ فقُلتُ لأُمِّي: يا أُمَّتاه، ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فقالت: يا بُنَيَّةُ هَوِّني عليكِ، فواللهِ لَقَلَّما كانَتِ امرَأةٌ قَطُّ وضيئةٌ عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّها، ولَها ضَرائِرُ، إلَّا كَثَّرنَ عليها، قالت قُلتُ: سُبحانَ اللهِ! وقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا! قالت: فبَكَيتُ تلك اللَّيلةَ حتَّى أصبَحتُ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ أصبَحتُ أبكي، ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ وأُسامةَ بنَ زَيدٍ حينَ استَلبَثَ الوحيُ، يَستَشيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ بنُ زَيدٍ فأشارَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ في نَفسِه لهم مِنَ الوُدِّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، هُم أهلُكَ ولا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، وأمَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ فقال: لم يُضَيِّقِ اللهُ عليكَ، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وإن تَسألِ الجاريةَ تَصدُقْكَ، قالت: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ، فقال: أي بَريرةُ هل رَأيتِ مِن شيءٍ يَريبُكِ مِن عائِشةَ؟ قالت له بَريرةُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إن رَأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغمِصُه عليها أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عن عَجينِ أهلِها، فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، قالت: فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المِنبَرِ، فاستَعذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، قالت: فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على المِنبَرِ: يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَ أذاه في أهلِ بَيتي؟ فواللهِ ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خَيرًا، ولقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا، وما كان يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي، فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ، فقال: أنا أعذِرُكَ منه يا رَسولَ اللهِ، إن كان مِنَ الأوسِ ضَرَبنا عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا الخَزرَجِ أمَرتَنا ففَعَلنا أمرَكَ، قالت: فقامَ سَعدُ بنُ عُبادةَ وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، وكانَ رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ اجتَهَلَتْه الحَميَّةُ، فقال لسَعدِ بنِ مُعاذٍ: كَذَبتَ! لَعَمرُ اللهِ لا تَقتُلُه ولا تَقدِرُ على قَتلِه، فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبتَ! لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّه، فإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقينَ، فثارَ الحَيَّانِ الأوسُ والخَزرَجُ حتَّى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَرِ، فلم يَزَلْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَتوا وسَكَتَ، قالت: وبَكَيتُ يَومي ذلك لا يَرقَأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ بَكَيتُ لَيلَتي المُقبِلةَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، وأبَوايَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، فبينَما هُما جالِسانِ عِندي وأنا أبكي استَأذَنَت عليَّ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ، فأذِنتُ لَها فجَلَسَت تَبكي، قالت: فبينا نَحنُ على ذلك دَخَلَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالت: ولم يَجلِسْ عِندي مُنذُ قيلَ لي ما قيلَ، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يوحى إليه في شَأني بشيءٍ، قالت: فتَشَهَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قال: أمَّا بَعدُ يا عائِشةُ؛ فإنَّه قد بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ وتوبي إليه؛ فإنَّ العَبدَ إذا اعتَرَفَ بذَنبٍ ثُمَّ تابَ، تابَ اللهُ عليه، قالت: فلَمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطرةً، فقُلتُ: لأبي: أجِبْ عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، فقال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ لأُمِّي: أجيبي عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ وأنا جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كَثيرًا مِنَ القُرآنِ: إنِّي واللهِ لقد عَرَفتُ أنَّكُم قد سَمِعتُم بهذا حتَّى استَقَرَّ في نُفوسِكُم وصَدَّقتُم به، فإن قُلتُ لَكُم إنِّي بَريئةٌ -واللهُ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- لا تُصَدِّقوني بذلك، ولَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بأمرٍ -واللهُ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- لَتُصَدِّقونَني، وإنِّي واللهِ ما أجِدُ لي ولَكُم مَثَلًا إلَّا كما قال أبو يوسُفَ: {فصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ}. قالت: ثُمَّ تَحَوَّلتُ فاضطَجَعتُ على فِراشي، قالت: وأنا واللهِ حينَئِذٍ أعلَمُ أنِّي بَريئةٌ، وأنَّ اللهَ مُبَرِّئي ببَراءَتي، ولَكِن واللهِ ما كُنتُ أظُنُّ أن يُنزَلَ في شَأني وحيٌ يُتلى، ولَشَأني كان أحقَرَ في نَفسي مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولَكِنِّي كُنتُ أرجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها، قالت: فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَجلِسَه، ولا خَرَجَ مِن أهلِ البَيتِ أحَدٌ حتَّى أنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه مِنَ البُرَحاءِ عِندَ الوحيِ، حتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ في اليَومِ الشَّاتِ؛ مِن ثِقَلِ القَولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فلَمَّا سُرِّيَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَضحَكُ، فكانَ أوَّلَ كَلِمةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال: أبشِري يا عائِشةُ! أمَّا اللهُ فقد بَرَّأكِ، فقالت لي أُمِّي: قومي إليه، فقُلتُ: واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ، هو الذي أنزَلَ بَراءَتي، قالت: فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {إنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ مِنكُم} عَشرَ آياتٍ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ هؤلاء الآياتِ بَراءَتي، قالت: فقال أبو بَكرٍ، وكانَ يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقَرابَتِه منه وفَقرِه: واللهِ لا أُنفِقُ عليه شيئًا أبَدًا بَعدَ الذي قال لعائِشةَ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {ولا يَأتَلِ أولو الفَضلِ مِنكُم والسَّعةِ أن يُؤتوا أولي القُربى} إلى قَولِه: {ألا تُحِبُّونَ أن يَغفِرَ اللهُ لَكُم}. قال حِبَّانُ بنُ موسى: قال عبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ: هذه أرجى آيةٍ في كِتابِ اللهِ. فقال أبو بَكرٍ: واللهِ إنِّي لأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطَحٍ النَّفَقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبَدًا. قالت عائِشةُ: وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَألَ زَينَبَ بنتَ جَحشٍ، زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، عن أمري ما عَلِمتِ؟ أو ما رَأيتِ؟ فقالت: يا رَسولَ اللهِ، أحمي سَمعي وبَصَري، واللهِ ما عَلِمتُ إلَّا خَيرًا. قالت عائِشةُ: وهي التي كانَت تُساميني مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعَصَمَها اللهُ بالورَعِ، وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ بنتُ جَحشٍ تُحارِبُ لَها، فهَلَكَت فيمَن هَلَكَ. قال الزُّهريُّ: فهذا ما انتَهى إلينا مِن أمرِ هؤلاء الرَّهطِ. وقال في حَديثِ يونُسَ: احتَمَلَتْه الحَميَّةُ
فذَكَرَ الحَديثَ وإسنادَه، وقال مِن جَزعِ ظَفارٍ، وقال يَهبُلنَ، وقال: تَيَمَّمتُ، وقال: في البَريَّةِ، وقال: لَها ضَرائِرُ، وقال: فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، وقال: وكانَ قَبلَ ذلك رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ احتَمَلَتْه الحَميَّةُ وقال: لم يَزَل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَتوا، وقال: قَلَصَ دَمعي، وقال: تُحارِبُ [عَن حَديثِ عائِشةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حينَ قال لَها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبَرَّأها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكُلُّهم حَدَّثَني بطائِفةٍ مِن حَديثِها، وبَعضُهم كان أوعى لحَديثِها مِن بَعضٍ، وأثبَتَ اقتِصاصًا، وقد وعَيتُ عَن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ الحَديثَ الذي حَدَّثَني، وبَعضُ حَديثِهم يُصَدِّقُ بَعضًا، ذَكَروا أنَّ عائِشةَ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت: «كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يَخرُجَ سَفَرًا أقرَعَ بينَ نِسائِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها، خَرَجَ بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معهُ» قالت عائِشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غَزوةٍ غَزاها فخَرَجَ فيها سَهمي، فخَرَجتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك بَعدَما أُنزِلَ الحِجابُ، فأنا أُحمَلُ في هَودَجي، وأُنزَلُ فيه مَسيرَنا، حتَّى إذا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزوِه، وقَفَلَ ودَنَونا مِنَ المَدينةِ، آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، فمَشَيتُ حتَّى جاوزتُ الجَيشَ، فلَمَّا قَضَيتُ شَأني، أقبَلتُ إلى الرَّحلِ، فلَمَستُ صَدري، فإذا عِقدٌ مِن جَزعِ أظفارٍ قدِ انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَستُ عِقدي، فاحتَبَسَني ابتِغاؤُه، وأقبَلَ الرَّهطُ الذينَ كانوا يَرحَلونَ بي، فحَمَلوا هَودَجي فرَحَلوه على بَعيري الذي كُنتُ أركَبُ، وهم يَحسَبونَ أنِّي فيه، قالت: وكانَتِ النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لم يُهَبِّلْهنَّ ولَم يَغشَهنَّ اللحمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقةَ مِنَ الطَّعامِ، فلَم يَستَنكِرِ القَومُ ثِقَلَ الهَودَجِ حينَ رَحَلوه ورَفَعوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ فبَعَثوا الجَمَلَ، وساروا، فوجَدتُ عِقدي بَعدَما استَمَرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم ولَيسَ بها داعٍ ولا مُجيبٌ، فيَمَّمتُ مَنزِلي الذي كُنتُ فيه، وظَنَنتُ أنَّ القَومَ سَيَفقِدوني، فيَرجِعوا إلَيَّ، فبَينا أنا جالِسةٌ في مَنزِلي، غَلَبَتني عَيني فنِمتُ، وكانَ صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكوانيُّ قد عَرَّسَ وراءَ الجَيشِ، فأدلَجَ فأصبَحَ عِندَ مَنزِلي، فرَأى سَوادَ إنسانٍ نائِمٍ، فأتاني فعَرَفَني حينَ رَآني، وقد كان يراني قَبلَ أن يُضرَبَ عليَّ الحِجابُ، فاستَيقَظتُ باستِرجاعِه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرتُ وجهي بجِلبابي، فواللهِ ما كَلَّمَني كَلِمةً، ولا سَمِعتُ مِنهُ كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه حتَّى أناخَ راحِلَتَه، فوطِئَ على يَدِها، فرَكِبتُها فانطَلَقَ يَقودُ بي الرَّاحِلةَ، حتَّى أتَينا الجَيشَ بَعدَما نَزَلوا موغِرينَ في نَحرِ الظَّهيرةِ، فهَلَكَ مَن هَلَكَ في شَأني، وكانَ الذي تَولَّى كِبرَه عبدَ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ، فقدِمتُ المَدينةَ فاشتَكَيتُ حينَ قدِمنا شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أهلِ الإفكِ، ولَم أشعُرْ بشيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطفَ الذي كُنتُ أرى مِنهُ حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تيكُم؟ فذاكَ يَريبُني، ولا أشعُرُ بالشَّرِّ، حتَّى خَرَجتُ بَعدَما نَقَهتُ، وخَرَجتُ مَعي أُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نَخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيلٍ، وذلك قَبلَ أن تُتَّخَذَ الكُنُفُ قَريبًا مِن بُيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أن نَتَّخِذَها عِندَ بُيوتِنا، وانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ - وهي بنتُ أبي رُهمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأُمُّها بنتُ صَخرِ بنِ عامِرٍ، خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ- وأقبَلتُ أنا وبنتُ أبي رُهمٍ قِبَلَ بَيتي حينَ فرَغنا مِن شَأنِنا، فعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقُلتُ لَها: بئسَ ما قُلتِ، تَسُبِّينَ رَجُلًا قد شَهِدَ بَدرًا! قالت: أيْ هَنْتاه أولَم تَسمَعي ما قال؟ قُلتُ: وماذا قال؟ فأخبَرَتني بقَولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا إلى مَرَضي، فلَمَّا رَجَعتُ إلى بَيتي، فدَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال: كيفَ تيكُم؟ قُلتُ: أتَأذَنُ لي أن آتيَ أبَويَّ؟ قالت: وأنا حينَئذٍ أُريدُ أن أتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، فأذِنَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجِئتُ أبَويَّ، فقُلتُ لأُمِّي: يا أُمَّتاه ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فقالت: أي بُنَيَّةُ هَوِّني عليكِ، فواللهِ لَقَلَّما كانَتِ امرَأةٌ قَطُّ وضيئةً عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّها، ولَها ضَرائِرُ إلَّا كَثَّرنَ عليها، قالت قُلتُ: سُبحانَ اللهِ! أوقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلك اللَّيلةَ حتَّى أصبَحتُ، لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ أصبَحتُ أبكي، ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، وأُسامةَ بنَ زَيدٍ حينَ استَلبَثَ الوحيُ يَستَشيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ بنُ زَيدٍ فأشارَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ في نَفسِه لهم مِنَ الوُدِّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ هُم أهلُكَ، ولا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، وأمَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ فقال: لم يُضَيِّقِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليكَ، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وإن تَسألِ الجاريةَ تَصدُقْكَ، قالت: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ، قال: أي بَريرةُ هل رَأيتِ مِن شيءٍ يَريبُكِ مِن عائِشةَ؟ قالت له بَريرةُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إن رَأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغمِصُه عليها أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عَن عَجينِ أهلِها، فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَعذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، فقالت قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على المِنبَرِ: «يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَني أذاه في أهلِ بَيتي، فواللهِ ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خَيرًا، ولَقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا، وما كان يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي»، فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ فقال: أعذِرُكَ مِنهُ يا رَسولَ اللهِ؟ إن كان مِنَ الأوسِ ضَرَبنا عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا مِنَ الخَزرَجِ أمَرتَنا ففَعَلنا أمرَكَ، قالت: فقامَ سَعدُ بنُ عُبادةَ وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، وكانَ رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ اجتَهَلَتْه الحَميَّةُ، فقال لسَعدِ بنِ مُعاذٍ: لَعَمرُ اللهِ لا تَقتُلُه، ولا تَقدِرُ على قَتلِه، فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبتَ! لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّه؛ فإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقينَ، فثارَ الحَيَّانِ الأوسُ والخَزرَجُ، حتَّى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَرِ، فلَم يَزَلْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَتوا وسَكَتَ. قالت: وبَكَيتُ يَومي ذاكَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ بَكَيتُ لَيلَتي المُقبِلةَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، وأبَوايَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، قالت: فبَينا هُما جالِسانِ عِندي، وأنا أبكي استَأذَنَت عليَّ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ، فأذِنتُ لَها فجَلَسَت تَبكي مَعي، فبَينا نَحنُ على ذلك دَخَلَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالت: ولَم يَجلِسْ عِندي مُنذُ قيلَ لي ما قيلَ، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يوحى إلَيه في شَأني شيءٌ، قالت: فتَشَهَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قال: «أمَّا بَعدُ، يا عائِشةُ فإنَّه بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ، ثُمَّ توبي إلَيه؛ فإنَّ العَبدَ إذا اعتَرَفَ بذَنبٍ، ثُمَّ تابَ تابَ اللهُ عليه»، قالت: فلَمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حتَّى ما أُحِسُّ مِنهُ قَطرةً، فقُلتُ لأبي: أجِبْ عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال! فقال: ما أدري واللهِ ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقُلتُ لأُمِّي: أجيبي عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقالت: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! قالت: فقُلتُ وأنا جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كَثيرًا مِنَ القُرآنِ: إنِّي واللهِ قد عَرَفتُ أنَّكُم قد سَمِعتُم بهذا، حتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقتُم به، ولَئِن قُلتُ لَكُم إنِّي بَريئةٌ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- لا تُصَدِّقوني بذلك، ولَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بأمرٍ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- تُصَدِّقوني، وإنِّي واللهِ ما أجِدُ لي ولَكُم مَثَلًا إلَّا كما قال أبو يوسُفَ {فصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ} [يوسف: 18] قالت: ثُمَّ تَحَوَّلتُ فاضطَجَعتُ على فِراشي، قالت: وأنا واللهِ حينَئذٍ أعلَمُ أنِّي بَريئةٌ، وأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ مُبَرِّئي ببَرائَتي، ولَكِن واللهِ ما كُنتُ أظُنُّ أن يُنزَلَ في شَأني وحيٌ يُتلى، ولَشَأني كان أحقَرَ في نَفسي مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولَكِن كُنتُ أرجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا، يُبَرِّئُني اللهُ عَزَّ وجَلَّ بها، قالت: فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَجلِسَه، ولا خَرَجَ مِن أهلِ البَيتِ أحَدٌ حَتَّى أنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على نَبيِّه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه مِنَ البُرَحاءِ عِندَ الوحيِ، حَتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ في اليَومِ الشَّاتي مِن ثِقَلِ القَولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فلَمَّا سُرِّيَ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يَضحَكُ، فكانَ أوَّلَ كَلِمةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال: أبشِري يا عائِشةُ، أمَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ فقد بَرَّأكِ، فقالت لي أُمِّي: قومي إلَيه، فقُلتُ: واللهِ لا أقومُ إلَيه، ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، هو الذي أنزَلَ بَراءَتي، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {إنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ مِنكُم} عَشرَ آياتٍ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ هذه الآياتِ بَراءَتي، قالت: فقال أبو بَكرٍ -وكانَ يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقَرابَتِه منه وفَقرِه: واللهِ لا أُنفِقُ عليه شَيئًا أبَدًا بَعدَ الذي قال لعائِشةَ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {ولا يَأتَلِ أولو الفَضلِ مِنكُم والسَّعةِ} إلى قَولِه {ألا تُحِبُّونَ أن يَغفِرَ اللهُ لَكُم} [النُّور: 22] فقال أبو بَكرٍ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطَحٍ النَّفَقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبَدًا، قالت عائِشةُ: وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَألَ زَينَبَ بنتَ جَحشٍ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن أمري: ما عَلِمتِ أو ما رَأيتِ أو ما بَلَغَكِ؟ قالت: يا رَسولَ اللهِ، أحمي سَمعي وبَصَري، وأنا ما عَلِمتُ إلَّا خَيرًا، قالت عائِشةُ: وهيَ التي كانَت تُساميني مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعَصَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ بالورَعِ، وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ بنتُ جَحشٍ تُحارِبُ لَها، فهَلَكَت فيمَن هَلَكَ. قال: ابنُ شِهابٍ: فهذا ما انتَهى إلَينا مِن أمرِ هَؤُلاءِ الرَّهطِ]
عَن حَديثِ عائِشةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حينَ قال لَها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبَرَّأها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكُلُّهم حَدَّثَني بطائِفةٍ مِن حَديثِها، وبَعضُهم كان أوعى لحَديثِها مِن بَعضٍ، وأثبَتَ اقتِصاصًا، وقد وعَيتُ عَن كُلِّ واحِدٍ منهمُ الحَديثَ الذي حَدَّثَني، وبَعضُ حَديثِهم يُصَدِّقُ بَعضًا، ذَكَروا أنَّ عائِشةَ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يَخرُجَ سَفَرًا، أقرَعَ بَينَ نِسائِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها خَرَجَ بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَه، قالت عائِشةُ: فأقرَعَ بَينَنا في غَزوةٍ غَزاها فخَرَجَ فيها سَهمي، فخَرَجتُ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك بَعدَما أُنزِلَ الحِجابُ، فأنا أُحمَلُ في هَودَجي، وأنزلُ فيه مَسيرَنا، حَتَّى إذا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزوِه، وقَفَلَ ودَنَونا مِنَ المَدينةِ، آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، فمَشَيتُ حَتَّى جاوزتُ الجَيشَ، فلَمَّا قَضَيتُ شَأني أقبَلتُ إلى الرَّحلِ، فلَمَستُ صَدري، فإذا عِقدٌ مِن جَزعِ أظفارٍ قدِ انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَستُ عِقدي، فاحتَبَسَني ابتِغاؤُه، وأقبَلَ الرَّهطُ الذينَ كانوا يَرحَلونَ بي، فحَمَلوا هَودَجي فرَحَلوه على بَعيري الذي كُنتُ أركَبُ، وهم يَحسَبونَ أنِّي فيه، قالت: وكانَتِ النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لم يُهَبِّلْهنَّ ولَم يَغشَهنَّ اللحمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقةَ مِنَ الطَّعامِ، فلَم يَستَنكِرِ القَومُ ثِقَلَ الهَودَجِ حينَ رَحَلوه ورَفَعوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ فبَعَثوا الجَمَلَ وساروا، فوجَدتُ عِقدي بَعدَما استَمَرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم ولَيسَ بها داعٍ ولا مُجيبٌ، فيَمَّمتُ مَنزِلي الذي كُنتُ فيه، وظَنَنتُ أنَّ القَومَ سَيَفقِدوني، فيَرجِعوا إلَيَّ، فبَينَما أنا جالِسةٌ في مَنزِلي غَلَبَتني عَيني فنِمتُ، وكانَ صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكوانيُّ قد عَرَّسَ وراءَ الجَيشِ، فأدلَجَ فأصبَحَ عِندَ مَنزِلي، فرَأى سَوادَ إنسانٍ نائِمٍ، فأتاني فعَرَفَني حينَ رَآني، وقد كان يَراني قَبلَ أن يُضرَبَ عليَّ الحِجابُ، فاستَيقَظتُ باستِرجاعِه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرتُ وجهي بجِلبابي، فواللهِ ما كَلَّمَني كَلِمةً، ولا سَمِعتُ منه كَلِمةً غَيرَ استِرجاعِه حَتَّى أناخَ راحِلَتَه، فوطِئَ على يَدِها، فرَكِبتُها فانطَلَقَ يَقودُ بيَ الرَّاحِلةَ، حَتَّى أتَينا الجَيشَ بَعدَما نَزَلوا موغِرينَ في نَحرِ الظَّهيرةِ، فهَلَكَ مَن هَلَكَ في شَأني، وكانَ الذي تَولَّى كِبرَه عَبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ، فقدِمتُ المَدينةَ فاشتَكَيتُ حينَ قدِمنا شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أهلِ الإفكِ، ولَم أشعُرْ بشَيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطفَ الذي كُنتُ أرى منه حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقولُ: كَيفَ تيكُم؟ فذاكَ يَريبُني، ولا أشعُرُ بالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجتُ بَعدَما نَقَهتُ، وخَرَجَت مَعي أُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نَخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيلٍ، وذلك قَبلَ أن تُتَّخَذَ الكُنُفُ قَريبًا مِن بُيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أن نَتَّخِذَها عِندَ بُيوتِنا، وانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ - وهيَ بنتُ أبي رُهمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبدِ مَنافٍ، وأُمُّها بنتُ صَخرِ بنِ عامِرٍ، خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ- وأقبَلتُ أنا وبنتُ أبي رُهمٍ قِبَلَ بَيتي حينَ فرَغنا مِن شَأنِنا، فعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقُلتُ لَها: بئسَ ما قُلتِ، تَسُبِّينَ رَجُلًا قد شَهِدَ بَدرًا! قالت: أيْ هَنْتَاه أولَم تَسمَعي ما قال؟ قُلتُ: وماذا قال؟ فأخبَرَتني بقَولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا إلى مَرَضي، فلَمَّا رَجَعتُ إلى بَيتي، فدَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال: كَيفَ تيكُم؟ قُلتُ: أتَأذَنُ لي أن آتيَ أبَويَّ؟ قالت: وأنا حينَئِذٍ أُريدُ أن أتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، فأذِنَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجِئتُ أبَويَّ، فقُلتُ لأُمِّي: يا أُمَّتاه ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فقالت: أيْ بُنَيَّةُ، هَوِّني عليكِ، فواللهِ لَقَلَّما كانَتِ امرَأةٌ قَطُّ وضيئةً عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّها، ولَها ضَرائِرُ، إلَّا كَثَّرنَ عليها، قالت قُلتُ: سُبحانَ اللهِ! أوَقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلك اللَّيلةَ حَتَّى أصبَحتُ، لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ أصبَحتُ أبكي، ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، وأُسامةَ بنَ زَيدٍ حينَ استَلبَثَ الوحيُ يَستَشيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ بنُ زَيدٍ فأشارَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ في نَفسِه لَهم مِنَ الوُدِّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، هُم أهلُكَ، ولا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، وأمَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ فقال: لم يُضَيِّقِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليكَ، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وإن تَسألِ الجاريةَ تَصدُقْكَ، قالت: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ، قال: أي بَريرةُ هَل رَأيتِ مِن شَيءٍ يَريبُكِ مِن عائِشةَ؟ قالت له بَريرةُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إن رَأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغمِصُه عليها أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عَن عَجينِ أهلِها، فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَعذَرَ مِن عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، فقالت: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على المِنبَرِ: يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَني أذاه في أهلِ بَيتي، فواللهِ ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خَيرًا، ولَقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا، وما كان يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي، فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ، فقال: أعذِرُكَ منه يا رَسولَ اللهِ، إن كان مِنَ الأوسِ ضَرَبنا عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا مِنَ الخَزرَجِ أمَرتَنا ففَعَلنا أمرَكَ، قالت: فقامَ سَعدُ بنُ عُبادةَ، وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، وكانَ رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ اجتَهَلَتْه الحَميَّةُ، فقال لسَعدِ بنِ مُعاذٍ: لَعَمرُ اللهِ لا تَقتُلُه، ولا تَقدِرُ على قَتلِه، فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبتَ، لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّه؛ فإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقينَ، فثارَ الحَيَّانِ الأوسُ والخَزرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَرِ، فلَم يَزَلْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حَتَّى سَكَتوا وسَكَتَ. قالت: وبَكَيتُ يَومي ذاكَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ بَكَيتُ لَيلَتي المُقبِلةَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، وأبَوايَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، قالت: فبَينَما هُما جالِسانِ عِندي، وأنا أبكي، استَأذَنَت عليَّ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ، فأذِنتُ لَها فجَلَسَت تَبكي مَعي، فبَينَما نَحنُ على ذلك دَخَلَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالت: ولَم يَجلِسْ عِندي مُنذُ قيلَ لي ما قيلَ، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يوحى إلَيه في شَأني شَيءٌ، قالت: فتَشَهَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قال: أمَّا بَعدُ، يا عائِشةُ فإنَّه بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ، ثُمَّ توبي إلَيه؛ فإنَّ العَبدَ إذا اعتَرَفَ بذَنبٍ ثُمَّ تابَ، تابَ اللهُ عليه، قالت: فلَمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حَتَّى ما أُحِسُّ منه قَطرةً، فقُلتُ لأبي: أجِب عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال! فقال: ما أدري واللهِ ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقُلتُ لأُمِّي: أجيبي عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقالت: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! قالت: فقُلتُ وأنا جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كَثيرًا مِنَ القُرآنِ: إنِّي واللهِ قد عَرَفتُ أنَّكُم قد سَمِعتُم بهذا حَتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقتُم به، ولَئِن قُلتُ لَكُم: إنِّي بَريئةٌ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- لا تُصَدِّقوني بذلك، ولَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بأمرٍ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- تُصَدِّقوني، وإنِّي واللهِ ما أجِدُ لي ولَكُم مَثَلًا إلَّا كما قال أبو يوسُفَ {فصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ} [يوسُف: 18] قالت: ثُمَّ تَحَوَّلتُ فاضطَجَعتُ على فِراشي، قالت: وأنا واللهِ حينَئِذٍ أعلَمُ أنِّي بَريئةٌ، وأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ مُبَرِّئي ببَراءَتي، ولَكِن واللهِ ما كُنتُ أظُنُّ أن يَنزِلَ في شَأني وحيٌ يُتلى، ولَشَأني كان أحقَرَ في نَفسي مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولَكِن كُنتُ أرجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا يُبَرِّئُني اللهُ عَزَّ وجَلَّ بها، قالت: فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَجلِسَه، ولا خَرَجَ مِن أهلِ البَيتِ أحَدٌ حَتَّى أنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على نَبيِّه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه مِنَ البُرَحاءِ عِندَ الوحيِ، حَتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ في اليَومِ الشَّاتي مِن ثِقَلِ القَولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فلَمَّا سُرِّيَ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يَضحَكُ، فكانَ أوَّلَ كَلِمةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال: أبشِري يا عائِشةُ، أمَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ فقد بَرَّأكِ، فقالت لي أُمِّي: قومي إلَيه، فقُلتُ: واللهِ لا أقومُ إلَيه، ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، هو الذي أنزَلَ بَراءَتي، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {إنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ مِنكُم} عَشرَ آياتٍ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ هذه الآياتِ بَراءَتي، قالت: فقال أبو بَكرٍ -وكانَ يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقَرابَتِه منه وفَقرِه: واللهِ لا أُنفِقُ عليه شَيئًا أبَدًا بَعدَ الذي قال لعائِشةَ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {ولا يَأتَلِ أولو الفَضلِ مِنكُم والسَّعةِ} إلى قَولِه {ألا تُحِبُّونَ أن يَغفِرَ اللهُ لَكُم} [النُّور: 22] فقال أبو بَكرٍ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطَحٍ النَّفَقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبَدًا، قالت عائِشةُ: وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَألَ زَينَبَ بنتَ جَحشٍ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن أمري: ما عَلِمتِ أو ما رَأيتِ أو ما بَلَغَكِ؟ قالت: يا رَسولَ اللهِ، أحمي سَمعي وبَصَري، وأنا ما عَلِمتُ إلَّا خَيرًا، قالت عائِشةُ: وهيَ التي كانَت تُساميني مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعَصَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ بالورَعِ، وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ بنتُ جَحشٍ تُحارِبُ لَها، فهَلَكَت فيمَن هَلَكَ. قال: ابنُ شِهابٍ: فهذا ما انتَهى إلَينا مِن أمرِ هَؤُلاءِ الرَّهطِ
كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يَخرُجَ أقرَعَ بينَ أزواجِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها خَرَجَ بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معه، قالت عائِشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غَزوةٍ غَزاها فخَرَجَ سَهمي، فخَرَجتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَما نَزَلَ الحِجابُ، فأنا أُحمَلُ في هَودَجي، وأُنزَلُ فيه، فسِرنا حتَّى إذا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزوتِه تلك وقَفَلَ، ودَنَونا مِنَ المَدينةِ قافِلينَ، آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ فمَشيتُ حتَّى جاوزتُ الجَيشَ، فلَمَّا قَضَيتُ شَأني أقبَلتُ إلى رَحلي، فإذا عِقدٌ لي مِن جَزعِ ظَفارِ قدِ انقَطَعَ، فالتَمَستُ عِقدي وحَبَسَني ابتِغاؤُه، وأقبَلَ الرَّهطُ الذينَ كانوا يَرحَلونَ لي، فاحتَمَلوا هَودَجي فرَحَلوه على بَعيري الذي كُنتُ رَكِبتُ، وهم يَحسِبونَ أنِّي فيه، وكان النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا، لَم يُثقِلْهنَّ اللَّحمُ، إنَّما تَأكُلُ العُلقةَ مِنَ الطَّعامِ، فلَم يَستَنكِرِ القَومُ خِفَّةَ الهَودَجِ حينَ رَفَعوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ فبَعَثوا الجَمَلَ وساروا، فوجَدتُ عِقدي بَعدَما استَمَرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم وليسَ بها داعٍ، ولا مُجيبٌ فأمَمتُ مَنزِلي الذي كُنتُ به، وظَنَنتُ أنَّهم سَيَفقِدوني فيَرجِعونَ إليَّ، فبينا أنا جالِسةٌ في مَنزِلي غَلَبَتني عَيني فنِمتُ، وكان صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكوانيُّ مِن وراءِ الجَيشِ، فأدلَجَ فأصبَحَ عِندَ مَنزِلي، فرَأى سَوادَ إنسانٍ نائِمٍ، فأتاني فعَرَفَني حينَ رَآني، وكان رَآني قَبلَ الحِجابِ، فاستَيقَظتُ باستِرجاعِه حينَ عَرَفَني فخَمَّرتُ وجهي بجِلبابي، وواللهِ ما كَلَّمَني كَلِمةً ولا سَمِعتُ منه كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه، حتَّى أناخَ راحِلَتَه فوطِئَ على يَدَيها فرَكِبتُها، فانطَلَقَ يَقودُ بي الرَّاحِلةَ، حتَّى أتَينا الجَيشَ بَعدَما نَزَلوا موغِرينَ في نَحرِ الظَّهيرةِ، فهَلَكَ مَن هَلَكَ، وكان الذي تَولَّى الإفكَ عَبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ، فقدِمنا المَدينةَ، فاشتَكَيتُ حينَ قدِمتُ شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أصحابِ الإفكِ، لا أشعُرُ بشيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللَّطَفَ الذي كُنتُ أرى منه حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ ثُمَّ يقولُ: كيفَ تيكُم؟ ثُمَّ يَنصَرِفُ، فذاكَ الذي يَريبُني، ولا أشعُرُ بالشَّرِّ حتَّى خَرَجتُ بَعدَما نَقَهتُ، فخَرَجَت مَعي أُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وهو مُتَبَرَّزُنا، وكُنَّا لا نَخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيلٍ، وذلك قَبلَ أن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَريبًا مِن بُيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّبَرُّزِ قِبَلَ الغائِطِ، فكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أن نَتَّخِذَها عِندَ بُيوتِنا، فانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ، وهي ابنةُ أبي رُهمِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأُمُّها بنتُ صَخرِ بنِ عامِرٍ خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ، فأقبَلتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ بَيتي، وقد فرَغنا مِن شَأنِنا، فعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقُلتُ لَها: بئسَ ما قُلتِ، أتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدرًا؟ قالت: أي هَنْتَاه أولَم تَسمَعي ما قال؟! قالت: قُلتُ: وما قال؟ فأخبَرَتني بقَولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا على مَرَضي، فلَمَّا رَجَعتُ إلى بَيتي، ودَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَعني سَلَّمَ، ثُمَّ قال: كيفَ تِيكُم؟ فقُلتُ: أتَأذَنُ لي أن آتيَ أبَويَّ، قالت: وأنا حينَئِذٍ أُريدُ أن أستَيقِنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، قالت: فأذِنَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجِئتُ أبَويَّ فقُلتُ لأُمِّي: يا أُمَّتاه ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قالت: يا بُنَيَّةُ هَوِّني عليكِ، فواللهِ لَقَلَّما كانَتِ امرَأةٌ قَطُّ وضيئةٌ عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّها، ولَها ضَرائِرُ إلَّا كَثَّرنَ عليها، قالت: فقُلتُ: سُبحانَ اللهِ، أولقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلك اللَّيلةَ حتَّى أصبَحتُ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، حتَّى أصبَحتُ أبكي، فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ وأُسامةَ بنَ زَيدٍ رَضيَ اللهُ عنهما حينَ استَلبَثَ الوحيُ، يَستَأمِرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ بنُ زَيدٍ فأشارَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وبِالذي يَعلَمُ لهم في نَفسِه مِنَ الوُدِّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أهلَكَ ولا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، وأمَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ فقال: يا رَسولَ اللهِ، لَم يُضَيِّقِ اللهُ عليك، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وإن تَسألِ الجاريةَ تَصدُقْكَ، قالت: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ، فقال: أي بَريرةُ، هل رَأيتِ مِن شيءٍ يَريبُكِ؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ، إن رَأيتُ عليها أمرًا أغمِصُه عليها، أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عن عَجينِ أهلِها، فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فاستَعذَرَ يَومَئذٍ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، قالت: فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على المِنبَرِ: يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَني أذاه في أهلِ بَيتي؟ فواللهِ ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خَيرًا، ولقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا، وما كان يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي، فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أنا أعذِرُكَ منه، إن كان مِنَ الأوسِ ضَرَبتُ عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا مِنَ الخَزرَجِ أمَرتَنا ففَعَلنا أمرَكَ، قالت: فقامَ سَعدُ بنُ عُبادةَ وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، وكان قَبلَ ذلك رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ احتَمَلَتْه الحَميَّةُ، فقال لسَعدٍ: كَذَبتَ لَعَمرُ اللهِ لا تَقتُلُه ولا تَقدِرُ على قَتلِه، فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبتَ لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّه؛ فإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقينَ، فتَثاورَ الحَيَّانِ الأوسُ والخَزرَجُ حتَّى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَرِ، فلَم يَزَلْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَتوا، وسَكَتَ، قالت: فبَكَيتُ يَومي ذلك لا يَرقَأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، قالت: فأصبَحَ أبَوايَ عِندي وقد بَكَيتُ لَيلَتَينِ ويَومًا لا أكتَحِلُ بنَومٍ، ولا يَرقَأُ لي دَمعٌ، يَظُنَّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، قالت: فبينَما هُما جالِسانِ عِندي، وأنا أبكي، فاستَأذَنَت عليَّ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ، فأذِنتُ لَها فجَلَسَت تَبكي مَعي، قالت: فبينا نَحنُ على ذلك دَخَلَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قالت: ولَم يَجلِسْ عِندي مُنذُ قيلَ ما قيلَ قَبلَها، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يوحى إليه في شَأني، قالت: فتَشَهَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قال: أمَّا بَعدُ، يا عائِشةُ فإنَّه قد بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ وتوبي إليه؛ فإنَّ العَبدَ إذا اعتَرَفَ بذَنبِه ثُمَّ تابَ إلى اللهِ تابَ اللهُ عليه، قالت: فلَمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطرةً، فقُلتُ لأبي: أجِبْ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ لأُمِّي: أجيبي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالت: ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالت: فقُلتُ وأنا جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كَثيرًا مِنَ القُرآنِ: إنِّي واللهِ لقد عَلِمتُ لقد سَمِعتُم هذا الحَديثَ حتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقتُم به، فلَئِن قُلتُ لكم: إنِّي بَريئةٌ -واللهُ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- لا تُصَدِّقوني بذلك، ولَئِنِ اعتَرَفتُ لكم بأمرٍ -واللهُ يَعلَمُ أنِّي منه بَريئةٌ- لَتُصَدِّقُنِّي، واللهِ ما أجِدُ لكم مَثَلًا إلَّا قَولَ أبي يوسُفَ، قال: {فصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ}، قالت: ثُمَّ تَحَوَّلتُ فاضطَجَعتُ على فِراشي، قالت: وأنا حينَئِذٍ أعلَمُ أنِّي بَريئةٌ، وأنَّ اللهَ مُبَرِّئي ببَراءَتي، ولَكِن واللهِ ما كُنتُ أظُنُّ أنَّ اللهَ مُنزِلٌ في شَأني وحيًا يُتلى، ولَشَأني في نَفسي كان أحقَرَ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولَكِن كُنتُ أرجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها، قالت: فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا خَرَجَ أحَدٌ مِن أهلِ البَيتِ حتَّى أُنزِلَ عليه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه مِنَ البُرَحاءِ، حتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ، وهو في يَومٍ شاتٍ؛ مِن ثِقَلِ القَولِ الذي يُنزَلُ عليه، قالت: فلَمَّا سُرِّيَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سُرِّيَ عنه وهو يَضحَكُ، فكانَت أوَّلُ كَلِمةٍ تَكَلَّمَ بها: يا عائِشةُ، أمَّا اللهُ عزَّ وجلَّ فقد بَرَّأكِ! فقالت أُمِّي: قومي إليه، قالت: فقُلتُ: لا واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ عزَّ وجلَّ، فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {إنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ مِنكُم لا تَحسِبوه) العَشرَ الآياتِ كُلَّها، فلَمَّا أنزَلَ اللهُ هذا في بَراءَتي، قال أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضيَ اللهُ عنه، وكان يُنفِقُ على مِسطَحِ بنِ أُثاثةَ لقَرابَتِه منه وفَقرِه: واللهِ لا أُنفِقُ على مِسطَحٍ شيئًا أبَدًا بَعدَ الذي قال لعائِشةَ ما قال، فأنزَلَ اللهُ: {ولا يَأتَلِ أُولُو الفَضلِ مِنكُم والسَّعةِ أن يُؤتوا أولي القُربى والمَساكينَ والمُهاجِرينَ في سَبيلِ اللهِ وليَعفوا وليَصفَحوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغفِرَ اللهُ لَكُمْ واللهُ غَفورٌ رَحيمٌ} قال أبو بَكرٍ: بَلى واللهِ إنِّي أُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطَحٍ النَّفَقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: واللهِ لا أنزِعُها منه أبَدًا، قالت عائِشةُ: وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسألُ زَينَبَ ابنةَ جَحشٍ عن أمري، فقال: يا زَينَبُ، ماذا عَلِمتِ أو رَأيتِ؟ فقالت: يا رَسولَ اللهِ، أحمي سَمعي وبَصَري، ما عَلِمتُ إلَّا خَيرًا، قالت: وهي التي كانَت تُساميني مِن أزواجِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعَصَمَها اللهُ بالورَعِ وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ تُحارِبُ لَها، فهَلَكَت فيمَن هَلَكَ مِن أصحابِ الإفكِ
أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَكِبَ على حِمارٍ على قَطيفةٍ فدَكيَّةٍ، وأردَفَ أُسامةَ بنَ زَيدٍ وراءَه يَعودُ سَعدَ بنَ عُبادةَ في بَني الحارِثِ بنِ الخَزرَجِ قَبلَ وقعةِ بَدرٍ، قال: حتَّى مَرَّ بمَجلِسٍ فيه عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ، وذلك قَبلَ أن يُسلِمَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ، فإذا في المَجلِسِ أخلاطٌ مِنَ المُسلِمينَ والمُشرِكينَ؛ عَبَدةِ الأوثانِ واليَهودِ والمُسلِمينَ، وفي المَجلِسِ عبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ، فلَمَّا غَشيَتِ المَجلِسَ عَجاجةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ أنفَه برِدائِه، ثُمَّ قال: لا تُغَبِّروا علينا، فسَلَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليهم، ثُمَّ وقَفَ فنَزَلَ، فدَعاهم إلى اللهِ وقَرَأ عليهمُ القُرآنَ، فقال عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ: أيُّها المَرءُ، إنَّه لا أحسَنَ ممَّا تَقولُ إن كان حَقًّا، فلا تُؤذِنا به في مَجلِسِنا، ارجِع إلى رَحلِك، فمَن جاءَك فاقصُصْ عليه، فقال عبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ: بَلى يا رَسولَ اللهِ، فاغشَنا به في مَجالِسِنا؛ فإنَّا نُحِبُّ ذلك، فاستَبَّ المُسلِمونَ والمُشرِكونَ واليَهودُ، حتَّى كادوا يَتَثاورونَ، فلَم يَزَلِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَنوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دابَّتَه، فسارَ حتَّى دَخَلَ على سَعدِ بنِ عُبادةَ، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا سَعدُ، ألَم تَسمَع ما قال أبو حُبابٍ؟ -يُريدُ عَبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ- قال كَذا وكَذا، قال سَعدُ بنُ عُبادةَ: يا رَسولَ اللهِ، اعفُ عنه واصفَحْ عنه؛ فوالذي أنزَلَ عليك الكِتابَ لقد جاءَ اللهُ بالحَقِّ الذي أنزَلَ عليك، لَقدِ اصطَلَحَ أهلُ هذه البُحَيرةِ على أن يُتَوِّجوه فيُعَصِّبوه بالعِصابةِ، فلَمَّا أبى اللهُ ذلك بالحَقِّ الذي أعطاك اللهُ شَرِقَ بذلك، فذلك فعَلَ به ما رَأيتَ، فعَفا عنه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه يَعفونَ عَنِ المُشرِكينَ وأهلِ الكِتابِ كما أمَرَهمُ اللهُ، ويَصبِرونَ على الأذى؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {ولَتَسمَعُنَّ مِنَ الذينَ أوتوا الكِتابَ مِن قَبلِكُم ومِنَ الذينَ أشرَكوا أذًى كَثيرًا} [آل عمران: 186] الآيةَ، وقال اللهُ: {ودَّ كَثيرٌ مِن أهلِ الكِتابِ لَو يَرُدُّونَكُم مِن بَعدِ إيمانِكُم كُفَّارًا حَسَدًا مِن عِندِ أنفُسِهم} [البقرة: 109] إلى آخِرِ الآيةِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَأوَّلُ العَفوَ ما أمَرَه اللهُ به، حتَّى أذِنَ اللهُ فيهم، فلَمَّا غَزا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَدرًا، فقَتَلَ اللهُ به صَناديدَ كُفَّارِ قُرَيشٍ، قال ابنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ ومَن معهُ مِنَ المُشرِكينَ وعَبَدةِ الأوثانِ: هذا أمرٌ قد تَوجَّهَ، فبايَعوا الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الإسلامِ فأسلَموا
ثم مضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واستعمل على المدينةِ أبارَهم كلثومُ بنُ الحصينِ الغفاريُّ وخرج لعشرٍ مضيْنَ من رمضانَ فصام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصام الناسُ معه حتى إذا كان بالكديدِ _ ماءٌ بين عسفانَ وأمجٍ _ أفطرَ ثم مضى حتى نزل مرَّ الظهرانِ في عشرةِ آلافٍ من المسلمين وألفٍ من مزينةَ وسليمٍ وفي كلِّ القبائلِ عددٌ وسلاحٌ وأوعب مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المهاجرون والأنصارُ لم يتخلف منهم أحدٌ فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مرَّ الظهرانِ وقد عميتِ الأخبارُ على قريشٍ فلم يأتهم عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خبرٌ ولم يدروا ما هو فاعلٌ خرج في تلك الليلةِ أبو سفيانَ بنُ حربٍ وحكيمُ بنُ حزامٍ وبديلُ بنُ ورقاءَ يتجسسون وينظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعونَ به وقد كان العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ تلقى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بعضِ الطريقِ وقد كان أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنُ عبدِ المطلبِ وعبدُ اللهِ بنُ أبي أميةَ بنُ المغيرةَ قد لقِيا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيما بين المدينةِ ومكةَ والتمسا الدخولَ عليه فكلَّمَتْهُ أمُّ سلمةَ فيهما فقالت يا رسولَ اللهِ ابنُ عمِّكَ وابنُ عمَّتِك وصهرُك قال لا حاجةَ لي بهما أما ابنُ عمِّي فهتكَ عِرضي بمكةَ وأما ابنُ عمَّتِي وصِهري فهو الذي قال لي بمكةَ ما قال فلما خرج إليهما بذلك ومع أبي سفيانَ بنيٌّ له فقال واللهِ لتأذنُنَّ لي أو لآخذنَّ بيدِ بُنيَّ هذا ثم لنذهبنَّ بالأرضِ حتى نموتَ عطشًا وجوعًا فلما بلغ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رقَّ لهما ثم أَذِنَ لهما فدخلا فأسلما فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمرِّ الظهرانِ قال العباسُ واصباح قريشٍ واللهِ لئن دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مكةَ عنوةً قبل أن يستأمنُوهُ إنَّهُ لهلاكُ قريشٍ آخرَ الدهرِ قال فجلستُ على بغلةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ البيضاءَ فخرجتُ عليها حتى جئتُ الأراكَ فقلتُ لعلِّي ألقى بعض الحطَّابةِ أو صاحبَ لبنٍ أو ذا حاجةٍ يأتي مكةَ فيُخبرهم بمكانِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيستأمنوهُ قبل أن يدخلها عنوةً قال فواللهِ إني لأسيرُ عليها وألتمسُ ما خرجتُ له إذ سمعتُ كلامَ أبي سفيانَ وبديلَ بنَ ورقاءَ وهما يتراجعانِ وأبو سفيانَ يقول ما رأيتُ كاليومِ قط نيرانًا ولا عسكرًا قال يقول بديلُ هذه واللهِ نيرانُ خزاعةَ حشتها الحربُ قال يقول أبو سفيانَ خزاعةُ واللهِ أذلُّ وألأمُ من أن تكون هذه نيرانُها وعسكرُها قال فعرفتُ صوتَه فقلتُ يا أبا حنظلةَ فعرف صوتي فقال أبو الفضلِ فقلتُ نعم فقال ما لك فداكَ أبي وأمي فقلتُ ويحَك يا أبا سفيانَ هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الناسِ واصباح قريشٍ واللهِ قال فما الحيلةُ فداك أبي وأمي قال قلتُ لئن ظفرَ بك ليضربنَّ عُنُقَك فاركب معي هذه البغلةَ حتى آتيَ بك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأستأمِنُه لك قال فركب خلفي ورجع صاحباهُ وحركت به فكلما مررتُ بنارٍ من نيرانِ المسلمينَ قالوا من هذا فإذا رأوا بغلةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالوا عمُّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على بغلتِه حتى مررتُ بنارِ عمرَ بنِ الخطابِ فقال من هذا وقام إليَّ فلما رأى أبو سفيانَ على عجزِ البغلةِ قال أبو سفيانَ عدوُّ اللهِ الحمدُ للهِ الذي أمكنني اللهُ منك بغيرِ عقدٍ ولا عهدٍ ثم خرج يشتدُّ نحوَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وركضتِ البغلةُ فسبقَتْهُ بما تسبقُ الدابةُ الرجلَ البطيءَ فاقتحمتُ عن البغلةِ فدخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ودخل عمرُ فقال يا رسولَ اللهِ هذا أبو سفيانَ قد أمكن اللهُ منه بغيرِ عقدٍ ولا عهدٍ فدعني فلأضربَ عُنُقَه فقلتُ يا رسولَ اللهِ إني أجرتُه ثم جلستُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقلتُ لا واللهِ لا يُناجيهِ الليلةَ رجلٌ دوني قال فلما أكثرَ عمرُ في شأنِه قلتُ مهلًا يا عمرُ أما واللهِ أن لو كان من رجالِ بني عديِّ بنِ كعبٍ ما قلتَ هذا ولكنَّك عرفتَ أنَّهُ من رجالِ بني عبدِ منافٍ فقال مهلًا يا عباسُ واللهِ لإسلامُك يومَ أسلمتَ أحبَّ إليَّ من إسلامِ أبي لو أسلمَ وما بي إلا أني قد عرفتُ أنَّ إسلامَك كان أحبَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من إسلامِ الخطابِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اذهب به إلى رَحْلِك يا عباسُ فإذا أصبحتَ فائتني به فذهبتُ به إلى رَحْلِي فبات عندي فلما أصبح غدوتُ به على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلما رآهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال ويحك يا أبا سفيانَ ألم يأنِ لك أن تشهدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ قال بأبي أنت وأمي ما أكرمَك وأحلمَك وأوصلَك لقد ظننتُ أن لو كان مع اللهِ غيرَه لقد أغنى عني شيئًا قال ويحك يا أبا سفيانَ ألم يأنِ لك أن تعلمَ أني رسولُ اللهِ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمَك وأكرمَك وأوصلَك هذه واللهِ كان في النفسِ منها شيٌء حتى الآنَ , قال العباسُ ويحَكَ يا أبا سفيانَ أسلِمْ واشهَدْ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ قبل أن يضربَ عُنُقَك قال فشهد شهادةَ الحقِّ وأسلمَ قلتُ يا رسولَ اللهِ إنَّ أبا سفيانَ يحبُّ هذا الفخرَ فاجعل له شيئًا قال نعم من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ ومن أغلق بابَه فهو آمنٌ ومن دخل المسجدَ فهو آمنٌ فلما ذهب لينصرفَ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يا عباسُ احبِسْهُ بالوادي عند حطمِ الجبلِ حتى تمرَّ به جنودُ اللهِ فيراها قال فخرجتُ به حتى حبستُه بمضيقِ الوادي حيث أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن أحبسَه قال ومرَّتْ به القبائلُ على راياتها فكلما مرَّت قبيلةٌ قال من هؤلاءِ يا عباسُ فيقول بني سليمٍ فيقول ما لي ولسليمٍ قال ثم تمرُّ القبيلةُ فيقول من هؤلاءِ فأقول مزينةُ فيقول ما لي ولمزينةَ حتى نفدتِ القبائلُ يعني جاوزت لا تمرُّ قبيلةً إلا قال من هؤلاءِ فأقول بنو فلانٍ فيقول ما لي ولبني فلانٍ حتى مرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الخضراءِ فيها المهاجرون والأنصارُ لا يُرى منهم سوى الحدقُ قال سبحان اللهِ من هؤلاءِ يا عباسُ قلتُ هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المهاجرين والأنصارِ قال ما لأحدٍ بهؤلاءِ قبلٌ ولا طاقةٌ واللهِ يا أبا الفضلِ لقد أصبح ملكُ ابنُ أخيكَ الغداةَ عظيمًا قلتُ يا أبا سفيانَ إنها النبوةُ قال فنِعْمَ إذًا قلتُ التجِئْ إلى قومِك قال فخرج حتى جاءهم صرخ بأعلى صوتِه يا قريشُ هذا محمدٌ قد جاءَكم بما لا قِبَلَ لكم به فمن دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ فقامت إليه امرأتُه هندُ بنتُ عتبةَ فأخذت بشاربِه فقالت اقتلوا الدسمَ الأحمشَ فبئس طليعةُ قومٍ قال ويحكم لا تغرَّنَّكم هذه من أنفسِكم فإنَّهُ قد جاء بما لا قِبَلَ لكم به من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ قالوا ويحك وما تُغني عنا دارُك قال ومن أغلق بابَه فهو آمنٌ ومن دخل المسجدَ فهو آمنٌ فتفرَّقَ الناسُ إلى دورِهم وإلى المسجدِ
حينَ قال لها أهلُ الإفكِ ما قالوا فبرَّأها اللهُ، وكلٌّ حدَّثني بطائفةٍ مِن الحديثِ، وبعضُهم أوعى لحديثِها مِن بعضٍ وأسَدُّ اقتصاصًا، وقد وعَيْتُ مِن كلِّ واحدٍ الحديثَ الَّذي حدَّثني به، وبعضُهم يُصدِّقُ بعضًا، ذكَروا أنَّ عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أنْ يخرُجَ سفرًا أقرَع بينَ نسائِه فأيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معه، قالت: فأقرَع بينَنا في غزوةٍ غزاها فخرَج سهمي فخرَجْنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وذلك بعدَ أنْ أُنزِل الحجابُ فأنا أُحمَلُ في هَودجي وأنزِلُ فيه مسيرَنا حتَّى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غزوتِه تلك وقفَل ودنَوْنا مِن المدينةِ آذَن بالرَّحيلِ ليلةً فقُمْتُ [ حينَ آذَنوا ] في الرَّحيلِ، فمشَيْتُ حتَّى جاوَزْتُ الجيشَ فلمَّا قضَيْتُ شأني رجَعْتُ فلمَسْتُ صدري فإذا عِقدٌ مِن جَزْعِ ظَفارِ قد وقَع فرجَعْتُ فالتمَسْتُ عِقدي فحبَسني ابتغاؤُه وأقبَل الرَّهطُ الَّذينَ يرحَلونَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فحمَلوا هَودجي ورحَلوه على البعيرِ الَّذي كُنْتُ أركَبُ وهم يحسَبون أنِّي فيه قالت عائشةُ: وكان النِّساءُ إذ ذاك خِفافًا لم يغشَهنَّ اللَّحمُ فرحَلوه ورفَعوه فلمَّا بعَثوا وسار الجيشُ وجَدْتُ عِقدي بعدَما استمرَّ الجيشُ فجِئْتُ منازلَهم وليس بها داعي ولا مجيبٌ، فأقَمْتُ منزلي الَّذي كُنْتُ فيه فبَيْنا أنا جالسةٌ غلَبتْني عيني فنِمْتُ وكان صفوانُ بنُ المعطَّلِ السُّلَميُّ ثمَّ الذَّكوانيُّ عرَّس فأدلَج فأصبَح عندَ منزلي فرأى سوادَ إنسانٍ فعرَفني حينَ رآني وكان رآني قبْلَ أنْ ينزِلَ الحجابُ فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفني فخمَّرْتُ وجهي بجلبابي واللهِ ما كلَّمني بكلمةٍ ولا سمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه حتَّى أناخ راحلتَه فوطِئ على يدِها فركِبْتُه ثمَّ انطلَق يقودُ بي الرَّاحلةَ حتَّى أتَيْنا الجيشَ بعدَما نزَلوا موغِرينَ في نحرِ الظَّهيرةِ فهلَك في شأني مَن هلَك، وكان الَّذي تولَّى كِبْرَه منهم عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ ابنِ سلولٍ فقدِمْتُ المدينةَ فاشتكَيْتُ حينَ قدِمْتُها شهرًا والنَّاسُ يُفيضونَ في قولِ أهلِ الإفكِ ولا أشعُرُ بشيءٍ مِن ذلك وهو يُريبُني مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنِّي لا أرى منه اللُّطفَ الَّذي كُنْتُ أراه منه حينَ أشتكي إنَّما يدخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيقولُ: ( كيف تِيكُم ؟ ) فيُريبُني ذلك ولا أشعُرُ حتَّى خرَجْتُ بعدَما نقَهْتُ مِن مرَضي ومعي أمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ وهي مُتبرَّزُنا ولا نخرُجُ إلَّا ليلًا إلى ليلٍ وذلك أنَّا نكرَهُ أنْ نتَّخذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلِ في التَّبرُّزِ، وكنَّا نتأذَّى بالكُنُفِ قُرْبَ بيوتِنا فانطلَقْتُ ومعي أمُّ مِسطَحٍ وهي بنتُ أبي رُهمِ بنِ المطَّلبِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عبَّادِ بنِ المطَّلبِ، فأقبَلْنا حينَ فرَغْنا مِن شأنِنا لنأتيَ البيتَ فعثَرتْ أمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها فقالت: تعِس مِسطَحٌ فقُلْتُ لها: بئس ما قُلْتِ، أتسُبِّينَ رجلًا قد شهِد بدرًا ؟! فقالت: أيْ هَنتاه، أوَلم تسمَعي ما قال ؟ قُلْتُ: وما قال فأخبَرتْني بقولِ أهلِ الإفكِ فازدَدْتُ مرضًا إلى مرَضي ورجَعْتُ إلى بيتي فدخَل عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلَّم ثمَّ قال: ( كيف تِيكُم ؟ ) فقُلْتُ: أتأذَنُ لي أنْ آتيَ أبوَيَّ ؟ وأنا حينَئذٍ أُريدُ أنْ أتيقَّنَ الخبَرَ مِن قِبَلِهما فأذِن لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجِئْتُ أبويَّ فقُلْتُ لأمِّي: يا أمَّتاه ما يتَّحدثُ النَّاسُ ؟ قالت: أيْ بنيَّةُ هوِّني عليكِ فواللهِ لَقَلَّ امرأةٌ وضيئةٌ كانت عندَ رجلٍ يُحِبُّها ولها ضرائرُ إلَّا أكثَرْنَ عليها قالت: فقُلْتُ: سبحانَ اللهِ أوَتحدَّث النَّاسُ بذلك ؟ ! قالت: فمكَثْتُ تلك اللَّيلةَ لا يرقَأُ لي دمعٌ ولا أكتحِلُ بنومٍ، أُصبِحُ وأبكي ودعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ وهو حينَئذٍ يُريدُ أنْ يستشيرَهما في فِراقِ أهلِه وذلك حينَ استَلْبَث الوحيُ فأمَّا أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالَّذي يعلَمُ مِن براءةِ أهلِه وما له في نفسِه لهم مِن الوُدِّ فقال: هم أهلُك ولا نعلَمُ إلَّا خيرًا وأمَّا عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضوانُ اللهِ عليه فقال: لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنِّساءُ سواها كثيرٌ وإنْ تسأَلِ الجاريةَ تصدُقْكَ قالت: فدعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ فقال: ( أيْ بَريرةُ، هل رأَيْتِ مِن عائشةَ شيئًا يُريبُكِ ؟ ) قالت بَريرةُ: يا رسولَ اللهِ والَّذي بعَثك بالحقِّ ما رأَيْتُ عليها أمرًا قطُّ أغمضه عليها أكثرَ مِن أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ تنامُ عن عجينِ أهلِها فيدخُلُ الدَّاجنُ فيأكُلُه فقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستعذَر مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ ابنِ سلولٍ فقال وهو على المنبرِ: ( يا معشرَ المسلِمينَ مَن يعذِرُني مِن رجلٍ بلَغ أذاه في أهلِ بيتي ؟ فواللهِ ما علِمْتُ مِن أهلي إلَّا خيرًا ولقد ذكَروا رجلًا ما علِمْتُ منه إلَّا خيرًا وما كان يدخُلُ على أهلي إلَّا معي ) فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: أنا أعذِرُك منه يا رسولَ اللهِ إنْ كان مِن الأوسِ ضرَبْنا عُنقَه وإنْ كان مِن الخزرجِ أمَرْتَنا ففعَلْنا أمرَك فقام سعدُ بنُ عُبادةَ وهو سيِّدُ الخزرجِ وكان رجلًا صالحًا ولكنِ احتمَلتْه الحميَّةُ فقال: واللهِ ما تقتُلُه ولا تقدِرُ على قتلِه فقام أُسيدُ بنُ حُضيرٍ وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ مُعاذٍ فقال: كذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لنقتُلَنَّه فإنَّك منافقٌ تجادِلُ عن المنافقينَ فثار الحيَّانِ: الأوسُ والخزرجُ حتَّى همُّوا أنْ يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخفِّضُهم حتَّى سكَتوا وسكَت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبكَيْتُ يومي لا يرقَأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ وأبواي يظنُّانِ أنَّ البكاءَ فالقٌ كبِدي فبينما هما جالسانِ عندي إذ استأذَنتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأذِنْتُ لها فجلَستْ معي فبينما نحنُ على حالِنا ذلك إذ دخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلَّم ثمَّ جلَس ولم يكُنْ جلَس قبْلَ يومي ذلك مذُ كان مِن أمري ما كان ولبِث شهرًا لا يُوحى إليه قالت: فتشهَّد ثمَّ قال: ( أمَّا بعدُ فقد بلَغني يا عائشةُ عنكِ كذا وكذا فإنْ كُنْتِ بريئةً فسيُبرِّئُكِ اللهُ وإنْ كُنْتِ ألمَمْتِ بذنبٍ فاستغفِري اللهَ وتوبي فإنَّ العبدَ إذا اعترَف بالذَّنبِ ثمَّ تاب تاب اللهُ عليه ) فلمَّا قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتَه قلَص دمعي حتَّى ما أُحِسُّ منه بقطرةٍ فقُلْتُ لأبي: أجِبْ عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ لأمِّي: أجيبي عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت: واللهِ لا أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [ فقُلْتُ ] ـ وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كثيرًا مِن القرآنِ: إنِّي واللهِ لقد عرَفْتُ أنَّكم سمِعْتُم بذاك حتَّى استقرَّ في أنفسِكم وصدَّقْتُم به فإنْ قُلْتُ لكم: إنِّي بريئةٌ ـ واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ ـ لم تُصدِّقوني وإنِ اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ـ واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ ـ لتُصَدِّقوني وإنِّي واللهِ لا أجِدُ مثَلي ومَثَلَكم إلَّا كما قال أبو يوسفَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] ثمَّ تحوَّلْتُ فاضطجَعْتُ على فراشي وأنا واللهِ حينَئذٍ أعلَمُ أنِّي بريئةٌ وأنَّ اللهَ جلَّ وعلا يُبرِّئُني ببراءتي ولكنْ لم أظُنَّ أنَّ اللهَ جلَّ وعلا يُنزِلُ في شأني وحيًا يُتلَى ولَشأني كان أحقَرَ في نفسي مِن أنْ يتكلَّمَ اللهُ جلَّ وعلا فيَّ بأمرٍ يُتلى ولكنْ أرجو أنْ يرى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في منامِه رؤيا يُبرِّئُني اللهُ بها قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مجلسَه ولا خرَج مِن البيتِ أحدٌ حتَّى أنزَل اللهُ على نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخَذه ما كان يأخُذُه مِن البُرحاءِ عندَ الوحيِ مِن ثِقَلِ القولِ الَّذي أُنزِل عليه فلمَّا سُرِّي عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان أوَّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أنْ قال: ( يا عائشةُ أمَا واللهِ فقد برَّأكِ اللهُ ) فقالت لي أمِّي: قومي إليه فقُلْتُ: واللهِ لا أقومُ إليه ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ الَّذي هو أنزَل براءتي فأنزَل اللهُ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11] العشْرَ الآياتِ، قالت: فأنزَل اللهُ هذه الآياتِ في براءتي وكان أبو بكرٍ رضوانُ اللهِ عليه يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقرابتِه منه وفقرِه فقال: واللهِ لا أُنفِقُ عليه أبدًا بعدَ الَّذي قال لعائشةَ ما قال فأنزَل اللهُ {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور: 22] إلى قولِه: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] فقال أبو بكرٍ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أنْ يغفِرَ اللهُ لي فرجَع إلى مِسطَحٍ بالنَّفقةِ الَّتي كان يُنفِقُ عليه فقال: واللهِ لا أنزِعُها منه أبدًا قالت: وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سأَل زينبَ بنتَ جحشٍ عن أمري: ( ما علِمْتِ وما رأَيْتِ ؟ ) فقالت: أحمي سمعي وبصري ما علِمْتُ إلَّا خيرًا قالت: وهي الَّتي كانت تُساميني مِن أزواجِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعصَمها اللهُ بالورَعِ وطفِقتْ أختُها حَمنةُ بنتُ جحشٍ تُحارِبُ لها فهلَكتْ فيمَن هلَك قال الزُّهريُّ: فهذا ما انتهى إليَّ مِن أمرِ هؤلاء الرَّهطِ
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ رَكِبَ على حمارٍ عليهِ إِكافٌ على قطيفةٍ، وأردفَ أسامةَ بنَ زيدٍ وراءَهُ، يعودُ سعدَ بنَ عبادةَ في بَني الحارثِ بنِ خزرجَ، قبلَ وقعةِ بدرٍ . فسارَ، حتَّى مرَّ بمجلسٍ فيهِ عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ بنُ سلولَ وذلِكَ قبلَ أن يُسْلِمَ عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ بنُ سلولَ فإذا في المجلِسِ أخلاطٌ منَ المسلِمينَ والمشرِكينَ، عبدَةِ الأوثانِ، واليَهودِ، وفي المجلِسِ عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ . فلمَّا غشِيَتِ المجلسَ عَجاجةُ الدَّابَّةِ، خمَّرَ ابنُ أبيٍّ بنُ سلولَ أنفَهُ بردائِهِ ثمَّ قالَ: لا تُغَبِّروا علينا . فسلَّمَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ وقفَ فنزلَ، فدعاهُم على اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وقرأَ القرآنَ . قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ بنُ سلولَ: أيُّها المرءُ، لا أحسَن مِمَّا تقولُ، إن كانَ حقًّا، فلا تُؤذينا بِهِ في مَجالِسِنا، ارجِع إلى رحلِكَ، فمَن جاءَكَ فاقصُص عليهِ قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحةَ: بلَى يا رسولَ اللَّهِ، فاغشَنا بِهِ في مجالِسِنا، فإنَّا نحبُّ ذلِكَ . فاستبَّ المسلِمونَ والمشرِكونَ واليَهودُ، حتَّى كادوا يتَثاوَرونَ، فلم يزَلِ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يخفِّضُهُم، حتَّى سكَتوا ثمَّ رَكِبَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ دابَّتَهُ، فسارَ حتَّى دخلَ على سَعدِ بنِ عُبادةَ فقالَ لَهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: يا سعدُ ألم تسمَع إلى ما يقولُ أبو حُبابٍ ؟ يعني ابنَ سلولَ قالَ كذا وَكَذا قالَ سعدُ: يا رسولَ اللَّهِ، اعفُ عنهُ واصفَح، فوالَّذي نزَّلَ عليكَ الكتابَ، لقد جاءَكَ اللَّهُ بالحقِّ الَّذي أُنْزِلَ عليكَ ولقدِ اصطلحَ أَهْلُ هذِهِ البُحَيْرةِ على أن يتوِّجوهُ فيُعصبوهُ بالعِصابةِ، فلمَّا ردَّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ذلِكَ بالحقِّ الَّذي أعطاكَ، شَرقَ بذلِكَ فذلِكَ فَعلَ به ما رأيتَ، فعَفى عنهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ . وَكانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابُهُ يَعفونَ عنِ المشرِكينَ، وأَهْلِ الكتابِ كما أمرهم اللَّه ويصبِرونَ على الأذَى قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ وَلَتَسْمَعُنْ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ الآيةَ . وَكانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يتأوَّلُ العفوَ، كَما أمرَهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ بِهِ، حتَّى أذنَ اللَّهُ فيهم . فلمَّا غزا النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بدرًا، فقَتلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ بِهِ من قتلَ مِن صَناديدِ كفَّارِ قُرَيْشٍ، قالَ أبيٍّ بنُ أبي سلولَ ومن معَهُ منَ المشرِكينَ، وعَبدةِ الأوثانِ هذا أمرٌ قد توجَّهَ فبايَعوا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وأسلَموا
مضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، واستخلف على المدينةِ أبا رُهمٍ كُلثومَ بنَ حُصينٍ الغفاريَّ . وخرج لعشرٍ مضَين من رمضانَ ، فصام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، وصام الناسُ معه ؛ حتى إذا كان ب ( الكُدَيدِ ) ما بين ( عُسْفانَ ) و ( أمَجٍ ) أفطر . ثم مضى حتى نزل ( مَرَّ الظَّهرانِ ) في عشرةِ آلافٍ من المسلمين ؛ من مُزَينةَ وسُلَيمٍ ، وفي كل القبائلِ عددٌ وإسلامٌ ، وأوعبَ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم المهاجرون والأنصارُ ، فلم يتخلَّفْ منهم أحدٌ ، فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ب ( مَرِّ الظَّهرانِ ) ، وقد عمِيَتِ الأخبارُ عن قُريشٍ ؛ فلم يأْتهم عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم خبَرٌ ، ولا يدرون ما هو فاعلٌ ؟ ! . خرج في تلك الليلةِ أبو سفيانَ بنُ حربٍ ، وحكيمُ بنُ حِزامٍ ، وبُدَيلُ ابنُ وَرْقاءَ ، يتحسَّسون وينظرون ؛ هل يجدون خبرًا ، أو يسمعون به ؟ ! . وقد كان العباسُ بنُ عبدِ المطَّلبِ أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ببعض الطريقِ . وقد كان أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المطَّلبِ ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أُميَّةَ بنِ المغيرةِ قد لقيا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [ أيضًا ] فيما بين مكةَ والمدينةَ ، فالتمَسا الدخولَ عليه ، فكلَّمَتْه أمُّ سلَمةَ فيهما ، فقالت : يا رسولَ اللهِ ! ابنُ عمِّك ، وابنُ عمَّتِك وصِهرُك ، قال : لا حاجةَ لي بهما ، أما ابنُ عمِّي ؛ فهتك عِرْضي ، وأما ابنُ عمَّتي وصِهري ؛ فهو الذي قال لي بمكةَ ما قال . فلما أُخرِجَ إليهما بذلك – ومع أبي سفيانَ بَنِيٌّ له – فقال : واللهِ لَيأذنَنَّ لي أو لآخذنَّ بيدِ ابْني هذا ، ثم لَنذْهبَنَّ في الأرضِ حتى نموت عطشًا وجوعًا ، فلما بلغ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم رَقَّ لهما ، ثم أذِنَ لهما ، فدخلا وأسلما . فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ب ( مَرِّ الظَّهرانِ ) ؛ قال العباسُ : واصباحَ قريشٍ ! واللهِ لئن دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عَنْوَةٌ قبل أن يستأمِنوه ؛ إنه لَهلاكُ قريشٍ إلى آخر الدَّهرِ . قال : فجلستُ على بغلةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم البيضاءَ ؛ فخرجتُ عليها حتى جئتُ الأَراكَ ، فقلتُ : لعلِّي ألْقَى بعضَ الحطَّابةِ ، أو صاحبَ لبنٍ ، أو ذا حاجةٍ يأتي مكةَ ليخبرَهم بمكانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لَيَخرجوا إليه ، فيستأْمِنونه قبل أن يدخلَها عليهم عُنْوَةً . قال : فواللهِ إني لأسيرُ عليها وألتمسُ ما خرجتُ له ؛ إذ سمعتُ كلامَ أبي سفيانَ وبُدَيلِ بنِ وَرْقَاءَ ؛ وهما يتراجعانِ ، وأبو سفيانَ يقول : ما رأيتُ كاليومِ قطُّ نيرانًا ولا عسكرًا . قال : يقول بُدَيلٌ : هذه – واللهِ – نيرانُ خُزاعةَ ؛ حمشَتْها الحربُ . قال : يقول أبو سفيانَ : خزاعةُ – واللهِ – أَذَلُّ وأَلْأَمُ من أن تكون هذه نيرانُها وعسكرُها . قال : فعرفتُ صوتَه ، فقلتُ : يا أبا حَنظلةَ ! فعرف صَوتي فقال : أبو الفضلِ ؟ فقلتُ : نعم ، قال : ما لَك فداكَ أبي وأمي ؟ ! فقلتُ : ويحك يا أبا سفيانَ ! هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في الناس ، واصباحَ قريشٍ واللهِ ! قال : فما الحيلةُ فداكَ أبي وأمي ؟ ! قال : قلتُ : واللهِ لئن ظفَرَ بك ليضربنَّ عُنُقَك ، فاركبْ معي هذه البغلةَ حتى آتيَ بك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أستأْمِنَه لك . قال : فركب خلْفي ، ورجع صاحباه ، فحرَّكتُ به ، كلما مررتُ بنارٍ من نيرانِ المسلمين قالوا : من هذا ؟ فإذا رأوا بغلةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قالوا : عمُّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على بغْلَتِه ، حتى مررتُ بنارِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه ، فقال : مَن هذا ؟ وقام إليَّ ، فلما رأى أبا سفيانَ على عَجُزِ الناقةِ قال : أبو سفيانَ عدوُّ اللهِ ! الحمدُ لله الذي أمكن منك بغير عقدٍ ولا عهدٍ ، ثم خرج يشتَدُّ نحوَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، وركَضتُ البغلةَ ، فسبقتُه بما تسبقُ الدابةُ البطيئةُ الرجلَ البطيءَ ، فاقتحمْتُ عن البغلةِ ، فدخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، ودخل عمرُ ، فقال : يا رسولَ اللهِ ! هذا أبو سفيانَ ، قد أمكن اللهُ منه بغير عقدٍ ولا عهدٍ ، فدَعْني فلْأضْرِبْ عُنُقَه ، قال : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ! إني [ قد ] أجَرْتُه ، ثم جلستُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، فأخذتُ برأسِه فقلتُ : لا واللهِ ؛ لا يُناجيه الليلةَ رجلٌ دُوني ، فلما أكثر عمرُ في شأنِه ، قلتُ : مَهْلًا يا عمرُ ! واللهِ لو كان من رجالِ بني عديِّ بنِ كعبٍ ما قلتَ هذا ، ولكنك عرفتَ أنه رجلٌ من رجالِ بني عبدِ منافٍ ! فقال : مهلًا يا عباسُ ! فواللهِ لَإسلامُك يومَ أسلمْتَ كان أحبَّ إليَّ من إسلامِ الخطابِ لو أسلَمَ ، وما بي إلا أني قد عرفتُ أنَّ إسلامَك كان أحَبَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم من إسلامِ الخطابِ [ لو أسلمَ ] ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : اذهبْ به إلى رَحْلِك يا عباسُ ! فإذا أصبح فأْتِني به . فذهبتُ به إلى رَحْلي فبات عندي ، فلما أصبح غدَوْتُ به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فلما رآه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قال : ويحَك يا أبا سفيانَ ! ألم يأْنِ لك أن تعلمَ أن لا إلهَ إلا اللهُ ؟ ! . قال : بأبي أنت وأمي ؛ ما أكرمَك [ وأحلمَك ] وأوصَلك ! واللهِ لقد ظننتُ أن لو كان مع اللهِ غيرُه ؛ لقد أغنى عني شيئًا [ بعدُ ] ، قال : ويحَك يا أبا سفيانَ ! ألمْ يأْنِ لك أن تعلمَ أني رسولُ اللهِ ؟ ! . قال : بأبي أنت وأمي ؛ ما أحلمَك وأكرمَك وأوصلَك ! هذه – واللهِ – كان في نفسي منها شيءٌ حتى الآنَ ، قال العباسُ : ويحك يا أبا سفيانَ ! أسلِمْ واشهدْ أن لا إلهَ إلا اللهُ ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ قبل أن يُضرَبَ عُنُقُكَ ، قال : فشهد بشهادة الحقِّ وأسلمَ . قلتُ : يا رسولَ اللهِ ! إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ يحبُّ هذا الفخرَ ، فاجعَلْ له شيئًا . قال : نعم ، مَن دخل دارَ أبي سفيانَ ؛ فهو آمِنٌ ، ومن أغلق بابَه ؛ فهو آمِنٌ ، ومن دخل المسجدَ ؛ فهو آمِنٌ . فلما ذهب لِينصرفَ ؛ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : يا عباسُ ! احبِسْه بمضيقِ الوادي عند خطْمِ الجبلِ ، حتى تمرَّ به جنودُ اللهِ فيراها . قال : فخرجتُ به حتى حبستُه حيثُ أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أن أحبِسَه . قال : ومرَّتْ به القبائلُ على راياتِها ، كلما مَرَّت قبيلةٌ قال : مَن هؤلاءِ ؟ فأقول : ( سُلَيمٌ ) ، فيقول : ما لي ول ( سُلَيمٍ ) ؟ قال : ثم تمرُّ القبيلةُ ، قال : مَن هؤلاءِ ؟ فأقول : ( مُزَينةُ ) ، فيقول : ما لي ول ( مُزَينةُ ) ؟ حتى نفذَتِ القبائلُ ؛ لا تمرُّ قبيلةٌ إلا قال : من هؤلاءِ ؟ فأقول : بنو فلانٍ ، فيقول : ما لي ولبني فلانٍ ؟ حتى مرَّ رسولُ اللهِ في كتيبتِه الخضراءِ فيها المهاجرونَ والأنصارُ ، لا يُرى منهم إلا الحدَقُ [ من الحديدِ ] ، قال : سبحان اللهِ ! مَن هؤلاءِ يا عباسُ ؟ ! قلتُ : هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في المهاجرين والأنصارِ ، قال : ما لأحدٍ بهؤلاءِ قِبَلٌ ولا طاقةٌ ، واللهِ يا أبا الفضلِ ! لقد أصبح مُلْكُ ابنِ أخيك الغداةَ عظيمًا ! قلتُ : يا أبا سفيانَ ! إنها النُّبوَّةُ ، قال : فنعم إذا ، قلتُ : النَّجاءُ إلى قومك . قال : فخرج حتى إذا جاءهم ؛ صرخ بأعلى صوتِه : يا معشرَ قريشٍ ! هذا محمدٌ قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به ، فمن دخل دارَ أبي سفيانَ ؛ فهو آمِنٌ ، فقامت إليه امرأتُه هندُ بنتُ عُتبةَ ، فأخذتُ بشاربِه فقالت : اقتُلوا الدَّسِمَ الأحمس قُبِّحَ من طليعةِ قومٍ ! قال : ويحكم لا تغُرَّنكم هذه من أنفسِكم ؛ فإنه قد جاء ما لا قِبَلَ لكم به ، من دخل دارَ أبي سفيانَ ؛ فهو آمِنٌ ، قالوا : ويلك وما تُغني دارُك ؟ ! قال : ومن أغلق بابَه ؛ فهو آمِنٌ ، ومن دخل المسجدَ ؛ فهو آمِنٌ . فتفرَّق الناسُ إلى دُورهم ، وإلى المسجدِ
أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَكِبَ على حِمارٍ، عليه قَطيفةٌ فدَكيَّةٌ، وأُسامةُ وراءَه، يَعودُ سَعدَ بنَ عُبادةَ في بَني حارِثِ بنِ الخَزرَجِ، قَبلَ وقعةِ بَدرٍ، فسارا حتَّى مَرَّا بمَجلِسٍ فيه عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ، وذلك قَبلَ أن يُسلِمَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ، فإذا في المَجلِسِ أخلاطٌ مِنَ المُسلِمينَ والمُشرِكينَ عَبَدةِ الأوثانِ واليَهودِ، وفي المُسلِمينَ عبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ، فلَمَّا غَشيَتِ المَجلِسَ عَجاجةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ ابنُ أُبَيٍّ أنفَه برِدائِه، وقال: لا تُغَبِّروا علينا، فسَلَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليهم ثُمَّ وقَفَ، فنَزَلَ فدَعاهم إلى اللهِ وقَرَأ عليهمُ القُرآنَ، فقال له عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ: أيُّها المَرءُ، لا أحسَنَ ممَّا تَقولُ إن كان حَقًّا، فلا تُؤذِنا به في مَجالِسِنا، فمَن جاءَكَ فاقصُصْ عليه. قال عبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ: بَلى يا رَسولَ اللهِ، فاغشَنا في مَجالِسِنا، فإنَّا نُحِبُّ ذلك، فاستَبَّ المُسلِمونَ والمُشرِكونَ واليَهودُ حتَّى كادوا يَتَثاورونَ، فلَم يَزَل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَتوا، ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دابَّتَه، فسارَ حتَّى دَخَلَ على سَعدِ بنِ عُبادةَ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أي سَعدُ، ألَم تَسمَعْ ما قال أبو حُبابٍ -يُريدُ عَبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ- قال كَذا وكَذا، فقال سَعدُ بنُ عُبادةَ: أي رَسولَ اللهِ، بأبي أنتَ، اعفُ عنه واصفَحْ، فوالذي أنزَلَ عليك الكِتابَ لقد جاءَ اللهُ بالحَقِّ الذي أنزَلَ عليك، ولَقدِ اصطَلَحَ أهلُ هذه البَحرةِ على أن يُتَوِّجوه ويُعَصِّبوه بالعِصابةِ، فلَمَّا رَدَّ اللهُ ذلك بالحَقِّ الذي أعطاكَ شَرِقَ بذلك، فذلك فعَلَ به ما رَأيتَ. فعَفا عنه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه يَعفونَ عَنِ المُشرِكينَ وأهلِ الكِتابِ كما أمَرَهمُ اللهُ، ويَصبِرونَ على الأذى، قال اللهُ تَعالى: {ولَتَسمَعُنَّ مِنَ الذينَ أوتوا الكِتابَ} [آل عمران: 186] الآيةَ. وقال: {ودَّ كَثيرٌ مِن أهلِ الكِتابِ} [البقرة: 109] فكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَأوَّلُ في العَفوِ عنهم ما أمَرَه اللهُ به حتَّى أذِنَ له فيهم، فلَمَّا غَزا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَدرًا، فقَتَلَ اللهُ بها مَن قَتَلَ مِن صَناديدِ الكُفَّارِ وسادةِ قُرَيشٍ، فقَفَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه مَنصورينَ غانِمينَ، معهُم أُسارى مِن صَناديدِ الكُفَّارِ، وسادةِ قُرَيشٍ، قال ابنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ ومَن معهُ مِنَ المُشرِكينَ عَبَدةِ الأوثانِ: هذا أمرٌ قد تَوجَّهَ، فبايِعوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الإسلامِ، فأسلَموا
بعث النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعثًا إلى مؤتةَ في جمادى الأولى من سنةِ ثمانٍ واستعمل عليهم زيدَ بنَ حارثةَ فقال لهم إن أُصيب زيدٌ فجعفرُ بنُ أبي طالبٍ على الناسِ فإن أُصيبَ جعفرُ فعبدُ اللهِ بنُ رواحةَ على الناسِ فتجهَّزَ الناسُ ثم تهيَّئُوا للخروجِ وهم ثلاثةُ آلافٍ فلما حضر خروجَهم ودعِ الناسَ أُمراءَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وسلَّموا عليهم فلما ودَّعَ عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ مع من ودَّعَ بكى فقيل له ما يُبكيكَ يا ابنَ رواحةَ فقال واللهِ ما بي حبُّ الدنيا وصبابةٌ ولكن سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقرأُ آيةً من كتابِ اللهِ يذكرُ فيها النارَ وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا فلستُ أدري كيف لي بالصدرِ بعد الورودِ فقال لهم المسلمون صحِبَكُمُ اللهُ ودفع عنكم وردَّكم إلينا صالحين فقال عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ لكنني أسألُ الرحمنَ مغفرةً وضربةً ذاتَ فزعٍ تقذفُ الزبدا _ أو طعنةً بيدي حرَّانَ مجهزةً بحربةٍ تنفذُ الأحشاءَ والكبدا _ حتى يقولوا إذا مرُّوا على جدثي أرشدَه اللهُ من غازٍ وقد رشدَا ثم إنَّ القومَ تهيَّئُوا للخروجِ فأتى عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُودِّعُه فقال يُثَبِّتُ اللهُ ما آتاكَ من حسنٍ تثبيتَ موسى ونصرًا كالذي نصروا _ إني تفرَّستُ فيك الخيرَ نافلةً فراسةً خالفتُهم في الذي نظروا _ أنت الرسولُ فمن يُحرِّمُ نوافلَه والوجهَ منه فقد أزرى به القدرَ ثم خرج القومُ وخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُشيِّعُهم حتى إذا ودَّعهم وانصرف عنهم قال عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ خلِّفِ السلامَ على امرئٍ ودَّعتَه في النخلِ غيرَ مُودِّعٍ وكليلٍ ثم مضوا حتى نزلوا معانٍ من أرضِ الشامِ فبلَغَهم أنَّ هرقلَ في مابٍ من أرضِ البلقاءِ في مائةِ ألفٍ من الرومِ وقد اجتمعت إليه المستعربةُ من لخمٍ وجذامٍ وبلقينٍ وبهرامٍ وبلى في مائةِ ألفٍ عليهم رجلٌ يلي أخذَ رايتِهم يقال له ملكُ بنُ زانةَ فلما بلغ ذلك المسلمينَ قاموا بمعانٍ ليلتيْنِ ينظرون في أمرِهم وقالوا نكتبُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فنُخبرُه بعددِ عدوِّنا فإما أن يُمدَّنا وإما أن يأمرنا بأمرِه فنمضي له فشجع عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ الناسَ وقال يا قومُ واللهِ إنَّ الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبونَ الشهادةَ وما نُقاتلُ الناسَ بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرةٍ إنما نُقاتلهم بهذا الدِّينِ الذي أكرَمَنا اللهُ به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيَيْنِ إما ظهورًا أو شهادةً , قال عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ في مقامِهم ذلك قال ابنُ إسحقٍ كما حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ أنَّهُ حدَّث عن زيدِ بنِ أرقمٍ قال كنتُ يتيمًا لعبدِ اللهِ بنِ رواحةَ في حجرِه فخرج في سفرتِه تلك مردفي على حقيبةِ راحلتِه وواللهِ إنَّا لنسيرُ ليلةً إذ سمعتُه يتمثَّلُ ببيتِه هذا إذا أدَّيتني وحملتُ رحلي مسيرةَ أربعٍ بعد الحساءِ فلما سمعتُه منهُ بكيتُ فخفقني بالدِّرَّةِ وقال ما عليك يا لُكعُ أن يرزقني اللهُ الشهادةَ وترجعُ من شِعبتي الرَّحلُ ومضى الناسُ حتى إذا كانوا بتخومِ البلقاءِ لقيَتْهُم جموعُ هرقلَ من الرومِ والعربِ بقريةٍ من قُرَى البلقاءِ يقال لها مابُ ثم دنا المسلمون وانحاز المسلمونَ إلى قريةٍ يقال لها مؤتةَ فالتقى الناسُ عندها وتعبَّأَ المسلمون فجعلوا على ميمنَتِهم رجلًا من بني عذرةَ يقال له قطبةُ بنُ قتادةَ وعلى مسيرتِهم رجلًا من الأنصارِ يقال له عبادةُ بنُ مالكٍ ثم التقى الناسُ واقتتلوا فقاتل زيدُ بنُ حارثةَ برايةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتى شاطَ في رماحِ القومِ ثم أخذها جعفرُ فقاتلَ بها حتى إذا ألجمَه القتالُ اقتحم عن فرسٍ له شقراءٍ فعقَرَها فقاتلَ القومَ حتى قُتِلَ وكان جعفرُ أولُ رجلٍ من المسلمين عُقِرَ في الإسلامِ
لمَّا نزلنا أرضَ الحبشةِ جاورَنا بها خيرَ جارٍ النجاشيَّ أَمِنَّا على دِينِنَا وعَبَدْنَا اللهَ وحْدَهُ لا نُؤْذَى ولَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ فَلمَّا بَلَغَ ذلك قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا أنْ يَبْعَثُوا إلى النجاشِيِّ فينا رجلَيْنِ جَلْدَيْنِ وأنْ يَهْدُوا لِلنَّجاشِيِّ هدَايا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ من مَتاعِ مَكَّةَ وكَانَ أَعْجَبَ ما يَأْتِيهِ منهَا الأَدَمُ فجَمَعُوا لَهُ أُدُمًا كَثِيرًا ولَمْ يَتْرُكُوا من بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إلَّا أهدوا لهُ هديَّةً وبعَثُوا بِذَلِكَ مع عَبْدِ اللهِ بنِ أبي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ - وعَمْرِو بنِ العَاصِ بنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ وأَمَّرُوهُمَا أَمْرَهُمْ وقَالُوا لَهُمَا ادْفَعُوا إلى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قبل أنْ تُكَلِّمُوا النَّجاشيَّ فيهمْ ثمَّ قَدِّمُوا لِلنجاشِيِّ هداياهُ ثمَّ اسْأَلُوهُ أنْ يُسَلِّمَهُمْ إليكُمْ قبلَ أنْ يُكَلِّمَهُمْ قالتْ فخرجا فقدِمَا على النَّجَاشِيِّ ونحن عِنْدَهُ بِخَيْرِ دارٍ وخَيْرِ جارٍ فلمْ يَبْقَ من بَطَارِقَتِهِ بطريقٍ إلَّا دَفَعَا إليه هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ ثمَّ قالا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ إنَّه قَدْ ضَوَى إلى بلدِ المَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ ولَمْ يَدْخُلُوا في دِينِكُمْ وجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لا نَعْرِفُهُ نَحْنُ ولَا أَنْتُمْ وقَدْ بَعَثَنَا إلى المَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِيَرُدَّهُمْ إليهمْ فإذا كَلَّمْنَا المَلِكَ فِيهِمْ فَأَشِيرُوا عليْه أنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْنَا ولَا يُكَلِّمَهُمْ فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بهم عَيْنًا وأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُمَا نَعَمْ ثمَّ قَرَّبُوا هَدَاياهُمْ إلى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ ثمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالَا لَهُ أَيُّهَا المَلِكُ قَدْ صَبا إلى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ ولَمْ يَدْخُلُوا في دِينِكَ وجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لا نَعْرِفُهُ نَحْنُ ولَا أَنْتَ وقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ من آبائِهِمْ وأَبْنَائِهِمْ وعَشَائِرِهِمْ ; لِنَرُدَّهُمْ إليهمْ فَلَهُمْ أَعْلَى بهم عَيْنًا وأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وعَاتَبُوهُمْ فِيهِ ولَمْ يَكُنْ شيءٌ أَبْغَضُ إلى عَبْدِ اللهِ بنِ أبي رَبِيعَةَ وعَمْرِو بنِ العَاصِ من أنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلَامَهُمْ فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ صَدَقُوا أَيُّهَا المَلِكُ قَوْمُهُمْ أَعْلَى بهم عَيْبًا وأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَأَسْلِمْهُمْ إليهمْ فَلْيَرُدَّاهُمْ إلى بِلَادِهِمْ وقَوْمِهِمْ فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ وقَالَ لا هَا اللهِ ايْمُ اللهِ إِذًا لا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْهِمَا ولَا أَكَادُ قَوْمًا جَاوَرُونِي ونَزَلُوا بِلَادِي واخْتارُونِي على مَنْ سِوَايَ حتى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ عَمَّا يقولُ هَذَانِ في أَمْرِهِمْ فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا ورَدَدْتُهُمْ إلى قَوْمِهِمْ وإِنْ كَانُوا على غيرِ ذلك مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا وأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ ما جَاوَرُونِي قالتْ ثمَّ أَرْسَلَ إلى أَصْحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَدَعَاهُمْ فَلمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا فقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ما تَقُولُونَ في الرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا نَقُولُ واللهِ ما عَلَّمَنَا ومَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَائِنٌ في ذلك ما هو كَائِنٌ فَلمَّا جَاءُوهُ وقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ فقال ما هذا الدِّينُ الذي قَدْ فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ ولَمْ تَدْخُلُوا في دِينِي ولَا في دِينِ أَحَدٍ من هذه الأُمَمِ؟ قالتْ وكَانَ الذي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بنُ أبي طَالِبٍ - عليْه السَّلَامُ - قال أَيُّهَا المَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ ونَأْكُلُ المَيْتَةَ ونَأْتِي الفَوَاحِشَ ونَقْطَعُ الأَرْحامَ ونُسِيءُ الجِوَارَ ويَأْكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا على ذلك حتى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأَمَانَتَهُ وعَفَافَهُ فَدَعَانَا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ; لِنُوَحِّدَهُ ونَعْبُدَهُ ونَخْلَعَ ما كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وآباؤُنَا من دُونِ اللهِ من الحِجَارَةِ والْأَوْثَانِ وأَمَرَنَا بِصِدْقِ الحَدِيثِ وأَدَاءِ الأَمَانَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وحُسْنِ الجِوَارِ والْكَفِّ عَنِ المَحارِمِ والدِّمَاءِ ونَهَانَا عَنِ الفَوَاحِشِ وشَهَادَةِ الزُّورِ وأَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ وقَذْفِ المُحْصَنَةِ وأَمَرَنَا أنْ نَعْبُدَ اللهَ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وإِقَامَ الصَّلَاةِ وإِيتاءَ الزَّكَاةِ - قالتْ فَعَدَّدَ عليْه أُمُورَ الإِسْلَامِ - فَصَدَّقْنَاهُ وآمَنَّا بِهِ واتَّبَعْنَاهُ على ما جَاءَ بِهِ فَعَبَدْنَا اللهَ وحْدَهُ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وحَرَّمْنَا ما حَرَّمَ عَلَيْنَا وأَحْلَلْنَا ما أَحِلَّ لنا فَغَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وفَتَنُونَا عن دِينِنَا ; لِيَرُدُّونَا إلى عِبادَةِ الأَوْثَانِ من عِبادَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأَنْ نَسْتَحِلَّ ما كُنَّا نَسْتَحِلُّ من الخَبائِثِ فَلمَّا قَهَرُونَا وظَلَمُونَا وشَقُّوا عَلَيْنَا وحالُوا بَيْنَنَا وبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إلى بَلَدِكَ واخْتَرْنَاكَ على مَنْ سِوَاكَ ورَغِبْنَا في جِوَارِكَ ورَجَوْنَا أنْ لا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا المَلِكُ قالتْ فقال النَّجَاشِيُّ هل مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللهِ من شَيْءٍ؟ قالتْ فقال لَهُ جَعْفَرٌ نَعَمْ قالتْ فقال لَهُ النَّجَاشِيُّ فَاقْرَأْهُ فَقَرَأَ عليْه صَدْرًا من (كهيعص) قالتْ فَبَكَى واللهِ النَّجَاشِيُّ حتى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ وبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حتى أَخْضَلُوا مَصاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا ما تَلَا عَلَيْهِمْ ثمَّ قال النَّجَاشِيُّ إِنَّ هذا واللهِ والَّذِي جَاءَ بِهِ موسى لَيَخْرُجُ من مِشْكَاةٍ واحِدَةٍ انْطَلِقَا فَوَاللَّهِ لا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْكُمْ أَبَدًا ولَا أَكَادُ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَلمَّا خَرَجَا من عِنْدِهِ قال عَمْرُو بنُ العَاصِ واللهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا أَعِيبُهُمْ عِنْدَهُ بِمَا اسْتَأْصَلَ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ فقال لَهُ عبدُ اللهِ بنُ أبي رَبِيعَةَ - وكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا - لا تَفْعَلْ فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحامًا وإِنْ كَانُوا قَدْ خالَفُونَا قال واللهِ لَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى بنَ مَرْيَمَ - عليْه السَّلَامُ عَبْدٌ - قالتْ ثمَّ غَدَا عليْه الغَدُ فقال أَيُّهَا المَلِكُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ في عِيسَى بنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا فَأَرْسِلْ إليهمْ فَسَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ قالتْ فَأَرْسَلَ إليهمْ يَسْأَلُهُمْ عنه قالتْ ولَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا واجْتَمَعَ القَوْمُ فقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ما تَقُولُونَ في عِيسَى إِذَا سَأَلَكُمْ عنه قَالُوا نَقُولُ واللهِ ما قال اللهُ - عزَّ وجلَّ - ومَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَائِنٌ في ذلك ما هو كَائِنٌ فَلمَّا دَخَلُوا عليْه قال لَهُمْ ما تَقُولُ في عِيسَى بنِ مَرْيَمَ؟ فقال لَهُ جَعْفَرُ بنُ أبي طَالِبٍ نَقُولُ فِيهِ الذي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو عبدُ اللهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ العَذْرَاءِ البَتُولِ قال فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إلى الأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا ثمَّ قال ما عَدَا عِيسَى بنُ مَرْيَمَ ما قُلْتَ هذا العُودَ فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقُهُ حَوْلَهُ حِينَ قال ما قال فقال وإِنْ نَخَرْتُمْ واللهِ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي - والسُّيُومُ الآمِنُونَ - مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ما أُحِبُّ أَنَّ لِي دُبُرًا ذَهَبًا وأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ - والدُّبُرُ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ الجَبَلُ - رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَاياهُمَا فَلَا حاجَةَ لِي فِيهِمَا فَوَاللَّهِ ما أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فَآخُذَ فِيهِ الرِّشْوَةَ ومَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ فَخَرَجَا من عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا ما جَاءَا بِهِ وأَقَمْنَا عِنْدَهُ في خَيْرِ دَارٍ مع خَيْرِ جَارٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَعَلَى ذلك إِذْ نَزَلَ بِهِ - يَعْنِي مَنْ يُنَازِعُهُ في مُلْكِهِ - قالتْ واللهِ ما عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ من حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذلك ; تَخَوُّفًا أنْ يَظْهَرَ ذلك على النَّجَاشِيِّ فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لا يَعْرِفُ من حَقِّنَا ما كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ قالتْ وسَارَ النَّجَاشِيُّ وبَيْنَهُمَا عُرْضُ النِّيلِ قالتْ فقال أَصْحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حتى يُحْضِرَ وقِيعَةَ القَوْمِ ثمَّ يَأْتِيَنَا؟ قالتْ فقال الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ أَنَا قالتْ وكَانَ من أَحْدَثِ القَوْمِ سِنًّا قالتْ فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلُوهَا في صَدْرِهِ فَسَبَحَ عَلَيْهَا حتى خرج إلى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى القَوْمِ ثمَّ انْطَلَقَ حتى حَضَرَهُمْ قالتْ ودَعَوْنَا اللهَ عزَّ وجلَّ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ على عَدُّوِهِ والتَّمْكِينِ لَهُ في بِلَادِهِ واسْتَوْسَقَ عليْه أَمْرُ الحَبَشَةِ فَكُنَّا عِنْدَهُ في خَيْرِ مَنْزِلٍ حتى قَدِمْنَا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهُوَ بِمَكَّةَ
أنَّ عائشةَ زوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالت لم أعقِلْ أبويَّ قطُّ إلا وهما يَدِينانِ الدِّينَ ، ولم يمُرَّ علينا يومٌ إلا أتينا فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ طرَفَي النهارِ بُكرةً وعشِيَّةً ، فلما ابتُلِيَ المسلمونَ ، خرج أبو بكرٍ مُهاجرًا نحو أرضِ الحبشةِ حتى إذا بلغ برْكَ الغَمادِ لقِيَه ابنُ الدَّغِنَةَ وهو سيِّدُ القارَةِ قال : أين تريدُ يا أبا بكرٍ ؟ قال أبو بكرٍ : أَخْرَجَني قومي ، فأريدُ أن أسيحَ في الأرضِ ، وأعبدُ ربي ، قال ابنُ الدَّغِنَةَ : فإنَّ مثلَك – يا أبا بكرٍ – لا يخرجُ ، ولا يخرجُ ، أنت تَكسِبُ المُعدَمَ ، وتَصِلُ الرَّحِمَ ، وتَحمِلُ الكَلَّ ، وتُقرِي الضَّيفَ ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ ، فأنا لك جارٌ . ارجِعْ واعبُدْ ربَّك ببلدِك ، فرجع ، وارتحل معه ابنُ الدَّغِنَةَ ، فطاف ابنُ الدَّغِنةَ عشيَّةً في أشرافِ قريشٍ ، فقال لهم : إنَّ أبا بكرٍ لا يُخرَجُ مثله ، ولا يَخرُجُ ، أَتُخرِجونَ رجُلًا يُكسبُ المُعدَمَ ، ويَصِلُ الرَّحِمَ ، ويَحمِلُ الكَلَّ ، ويُقرِي الضَّيفَ ، ويعينُ على نوائبِ الحقِّ . فلم تَكذِبْ قريشٌ بجوارِ ابنِ الدَّغِنَةَ ، وقالوا لابنِ الدَّغِنَةَ : مُرْ أبا بكرٍ ، فلْيعبُدْ ربَّه في دارِه ، فلْيُصلِّ فيها ، وليقرأْ ما شاء ، ولا يُؤذِينا بذلك ، ولا يَستَعْلِنْ به ، فإنا نخشى أن يَفتِنَ نساءَنا وأبناءَنا . فقال ذلك ابنُ الدَّغِنَةَ لأبي بكرٍ ، فلبثَ أبو بكرٍ بذلك يعبدُ ربَّه في دارِه ، ولا يَستَعْلِنْ بصلاتِه ، ولا يقرأُ في غيرِ دارِه ، ثم بدا لأبي بكرٍ ، فابتَنى مسجدًا بفناءِ دارِه ، وكان يُصلِّي فيه ، ويقرأُ القرآنَ ، فيتقذَّفُ عليه نساءُ المُشركينَ وأبناؤهم يعجَبون منه ، وينظرون إليه ، وكان أبو بكرٍ رجلًا بكَّاءً لا يملِكُ عينَيه إذا قرأ القرآنَ ، وأفزَع ذلك أشرافَ قريشٍ من المشركين ، فأرسَلوا إلى ابنِ الدَّغِنَةَ ، فقدِم عليهم ، فقالوا : إنا أَجَرْنا أبا بكرٍ بجوارِك على أن يعبدَ ربَّه في دارِه ، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناءِ دارِه ، فأعلنَ الصلاةَ والقراءةَ فيه ، وإنا قد خشِينا أن يَفتِنَ نساءَنا وأبناءَنا ، فانْهَه ، فإن أحَبَّ أن يقتصرَ على أن يعبدَ ربَّه في دارِه ، فعل ، وإن أبى إلا أن يُعلِنَ بذلك ، فسَلْه أن يَرُدَّ إليك ذِمَّتَك ، فإنا قد كَرِهنا أن نَخفِرَك ، ولسنا مُقِرِّينَ لأبي بكرٍ الاستعلانَ . قالت عائشةُ : فأتى ابنُ الدَّغِنَةَ إلى أبي بكرٍ ، فقال : قد علمتَ الذي عاقدتُ لك عليه ، فإما أن تقتصرَ على ذلك ، وإما أن تُرجِعَ إليَّ ذِمَّتي ، فإني لا أُحبُّ أن تسمعَ العربُ أني أُخفِرْتُ في رجُلٍ عَقدتُ له ، فقال أبو بكرٍ : فإني أرُدُّ إليك جوارَك ، وأَرْضَى بجوارِ اللهِ ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومئذٍ بمكةَ ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للمسلمينَ : إني أُريتَ دارَ هجرتِكم ذاتَ نَخْلٍ بين لابَتَينِ ، وهي الحَرَّتانِ ، فهاجر من هاجر قبلَ المدينةِ ، ورجع عامَّةُ من كان هاجر بأرضِ الحبشةِ إلى المدينةِ ، وتجهَّز أبو بكرٍ قِبَلَ المدينةِ ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : على رِسلِك ، فإني أرجو أن يُؤذَنَ لي . فقال أبو بكرٍ : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال : نعم فحَبس أبو بكرٍ نفسَه على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليصحَبَه ، وعلق راحلتَينِ كانتا عند ورَقِ السَّمُرِ – وهو الخَبطُ – أربعةَ أشهرٍ . قال ابنُ شهابٍ : قال عروةُ : قالت عائشةُ : فبينما نحن يومًا جلوسٌ في بيتِ أبي بكرٍ في نَحْرِ الظهيرةِ ، قال قائلٌ لأبي بكرٍ : هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُتَقَنِّعًا في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكرٍ : فدى له أبي وأمي ، واللهِ ما جاء به في هذه الساعةِ إلا أمْرٌ ، قالت فجاء رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، واستأذَن ، فأذِن له ، فدخل ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأبي بكرٍ : أَخرِجْ مَن عندَك . فقال أبوبكرٍ : إنما هم أَهلك بأبي أنت يا رسولَ اللهِ ، قال : فإني قد أُذِنَ لي في الخروجِ . قال أبو بكرٍ : الصحابةَ بأبي أنت يا رسولَ اللهِ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : نعم ، قال أبو بكرٍ : فخُذْ بأبي أنت يا رسولَ اللهِ إحدى راحلتيَّ هاتَينِ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : بالثَّمنِ . قالت عائشةُ : فجهَّزْناهما أَحَثَّ الجهازِ ، وصنَعْنا لهما سُفرةً في جِرابٍ ، فقطعتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ قطعةً من نِطاقِها ، فربطَتْ به على فَمِ الجِرابِ ، فبذلك سُمِّيَتْ ذاتُ النِّطاقَينِ ، قالت : ثم لحِقَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ بغارٍ في جبلِ ثَوْرٍ ، فمكَثا فيه ثلاثَ ليالٍ ، يبيتُ عندهما عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ ، وهو غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ ، فيَدَّلِجُ من عندهما بسَحَرٍ ، فيصبحُ مع قريشٍ بمكةَ كبائتٍ ، فلا يسمعُ أمرًا يكتادانِ به إلا وعاه حتى يأتيَهما بخبرِ ذلك حين يختلِطُ الظلامُ ، ويرعى عليهما عامرُ بنُ فُهَيرَةَ مولى أبي بكرٍ مِنحةً من غنمٍ ، فيَريحُها عليهما حين يذهبُ ساعةٌ من العشاءِ ، فيبيتان في رِسْلٍ ، وهو لبنٌ منَحَتْهما ورضَيفَهما حتى يَنعِقَ بهما عامرُ بنُ فُهَيرةَ بغَلَسٍ يفعلُ ذلك في كلِّ ليلةٍ من تلك الليالي الثلاثةِ ، واستأجر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ رجلًا من بني الدِّيلِ وهو من بني عبدٍ بنِ عديٍّ هاديًا خِرِّيتًا – والخِرِّيتُ : الماهرُ بالهدايةِ – قد غمَس حِلفًا في آلِ العاصِ بنِ وائلِ السَّهميِّ ، وهو على دِينِ كفارِ قريشٍ فأمِناه ، فدفعا إليه راحلَتَيهما ، وواعداه غارَ ثورٍ بعد ثلاثِ ليالٍ براحلتَيهما صبحَ ثلاثٍ ، فانطلق معهما عامرُ بنُ فُهَيرةَ والدَّليلُ ، فأخذ بهم طريقَ الساحلِ . قال ابنُ شهابٍ : وأخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بنُ مالكٍ المُدَّلَجِيِّ وهو ابنُ أخي سراقةَ بنَ مالكٍ بنِ جُعشُمٍ يقول : جاءنا رسلُ كفارِ قريشٍ يجعلونَ في رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبي بكرٍ دِيَةَ كل ِّواحدٍ منهما لمن قتلَه أو أسره ، فبينما أنا جالسٌ في مجلسٍ من مجالس قومي بني مدلجٍ ، أقبل رجلٌ منهم حتى قام علينا ، ونحن جلوسٌ فقال : يا سراقةُ إني قد رأيتُ آنفًا أسودةً بالساحلِ أراها محمدًا وأصحابَه . قال سراقةُ : فعرفتُ أنهم هم ، فقلتُ له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيتَ فلانًا وفلانًا انطلَقوا بأعيُنِنا ، ثم لبثتُ في المجلسِ ساعةً ، ثم قمتُ ، فدخلتُ فأمرتُ جاريتي أن تخرجَ بفرسي وهي من وراءِ أَكَمَةٍ ، فتحبِسُها عليَّ ، وأخذتُ رُمْحي ، فخرجتُ به من ظهرِ البيتِ ، فخططتُ بزَجِّه الأرضَ وخفضتُ عاليه حتى أتيتُ فرَسي فركبتُها ، فدفعتُها تقرب بي حتى دنَوتُ منهم ، فعثُرَتْ بي فرَسي ، فخررتُ عنها ، فقمتُ فأهويتُ يدي إلى كنانَتي ، فاستخرجتُ منها الأزلامَ ، فاستقسمتُ بها أَضُرُّهم أم لا ، فخرج الذي أكْرَه ، فركبتُ فرسي ، وعصيتُ الأزلامَ تقربُ بي حتى إذا سمعتُ قراءةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهو لا يلتفتُ ، وأبو بكرٍ يكثرُ الالتفاتَ ، ساخت يدا فرسي في الأرضِ حتى بلغَتا الرُّكبتَينِ ، فخررتُ عنها ، ثم زجَرتُها ، فنهضتُ ، فلم تَكَدْ تُخرجُ يدَيها ، فلما استوتْ قائمةً إذا لأَثَرِ يدَيها غبارٌ ساطعٌ في السماءِ مثلُ الدُّخانِ ، فاستقسمتُ بالأزلامِ ، فخرج الذي أَكْرَهُ ، فناديتُهم بالأمانِ ، فوقفوا فركبتُ فرسي حتى جئتُهم ، ووقع في نفسي حين لقيتُ ما لقيتُ من الحبسِ عنهم أن سيظهرُ أمرُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقلتُ له : إنَّ قومَك قد جعلوا فيك الدِّيَةَ ، وأخبرتُهم أخبارَ ما يريد الناسُ بهم ، وعرضتُ عليهم الزادَ والمتاعَ ، فلم يرْزَآني ، ولم يسأَلاني إلا أن قال : أَخْفِ عنا . فسألتُه أن يكتُبَ لي كتابَ أمنٍ ، فأمر عامرَ بنَ فُهَيرَةَ ، فكتب في رقعةٍ من أَدمٍ ، ثم مضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . قال ابنُ شهابٍ : فأخبرَني عروةُ بنُ الزبيرِ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لقِيَ الزبيرَ في ركبٍ من المسلمين كانوا تُجارًا قافلينَ من الشامِ ، فكسا الزبيرُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبا بكرٍ ثيابَ بياضٍ ، ويسمع المسلمون بالمدينةِ مَخرجَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من مكةَ ، فكانوا يَغدونَ كلَّ غداةٍ إلى الحَرَّةِ ، فينتظرونه حتى يَرُدَّهم حَرُّ الظهيرةِ ، فانطلقوا أيضًا بعد ما أطالوا انتظارَهم ، فلما أووا إلى بيوتِهم ، أوفَى رجلٌ من اليهودِ على أَطَمٍ من آطامِهم لأمرٍ ينظرُ إليه ، فبصر برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابِه مُبيضِينَ ، يزولُ بهم السَّرابُ ، فلم يملِكِ اليهوديُّ ، أن قال بأعلى صوتِه : يا معشرَ العربِ هذا جَدُّكم الذي تنتظرونَ . فثار المسلمون إلى السِّلاحِ ، فتلقَّوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بظَهرِ الحَرَّةِ ، فعدل بهم ذاتَ اليمينِ حتى نزل بهم في بني عَمرو بنِ عوفٍ ، وذلك يومَ الاثنينِ من شهرِ ربيعٍ الأوَّلِ ، فقام أبو بكرٍ للناسِ ، وجلس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صامتًا ، فطفِق من جاء من الأنصارِ ممن لم يرَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُحَيِّي أبا بكرٍ حتى أصابتِ الشمسُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأقبل أبو بكرٍ حتى ظلَّلَ عليه برِدائِه ، فعرف الناسُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عند ذلك ، فلبِثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بني عَمرو بنِ عَوفٍ بضعَ عشرةَ ليلةً ، وأسَّس المسجدَ الذي أُسِّسَ على التقوَى ، وصلَّى فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثم ركب راحلتَه ، فسار يمشي معه الناسُ حتى بركَتْ عند مسجدِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالمدينةِ ، وهو يُصلي فيه يومئذٍ رجالٌ من المُسلمين ، وكان مَربَدًا للتَّمرِ لسُهيلٍ وسهلٍ غلامَينِ يتيمينِ في حِجرِ سعدِ بنِ زُرارةَ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حين بركَت به راحلتُه : هذا – إن شاء اللهُ – المنزلُ . ثم دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الغلامَينِ ، فساومَهما بالمَربَدِ ، لِيَتَّخِذَه مسجدًا ، فقالا : بل نَهَبُه لك يا رسولَ اللهِ ، ثم بناه مسجدًا ، وطفِق رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينقلُ معهم اللَّبِنَ في بُنيانِه ، ويقول وهو ينقُلُ اللَّبِنَ : هذا الحِمالُ لا حِمالُ خيبرَ*هذا أَبَرُّ ربَّنا وأطهرُ . ويقول : اللهمَّ إنَّ الأجرَ أجرُ الآخرةِ*فارحَمِ الأنصارَ والمُهاجِرَةِ . فتمثَّل ببيتِ رجلٍ من المسلمين لم يُسمَّ لي . قال ابنُ شهابٍ : ولم يَبلُغْنا في الأحاديثِ أنَّ رسولَ الله ِصلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تمثَّلَ ببيتِ شِعرٍ تامٍّ غيرِ هذه الأبياتِ
في تسميةِ من شَهِدَ بدرًا من الأنصارِ ثم من بني أَصرَمَ بنِ فِهرِ بنِ غَنْمِ بنِ عوفِ بنِ الحارثِ بنِ الخزرجِ أوسُ بنُ الصَّامتِ أخو عُبادَةَ , ومِمَّن شَهِدَ العقبةَ من الأنصارِ ثم من بني عمرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجَّارِ , وشَهِدَ بدرًا أَوسُ بنُ ثابتِ بنِ المُنذرِ لا عَقِبَ له , ومن الأنصارِ ثم من بني قَربوسَ بنِ غَنْمِ بنِ سالمٍ أُمَيَّةُ بنُ لَوْذَانَ بنِ سالِمِ بنِ ثابتٍ بنِ هَزَّالِ بنِ عمرو بنِ قربوسَ بنِ غَنْمٍ , وأُنَيْسَةُ مَوْلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ , ومن قريشٍ ثم من بني مخزومِ بنِ يَقَظةَ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبٍ الأرقمُ بنُ أبي الأرقَمِ واسمُ ابنِ أبي الأرقمِ عبدُ منافٍ ويُكَنَّى أبا خِنْدَفِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ بنِ مخزوم , وبلالٌ مولى أبي بكرٍ , وممن شهد العقبةَ الذين بايعوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من الأنصارِ من بني عبيدِ بنِ عديِّ بشرُ بنُ البراءِ بنِ معرورٍ وقد شهد بدرًا , ومن الأنصارِ ثم من بني الحرثِ بنِ الخزرجِ بشيرُ بنُ سعدٍ وقد شهد بدرًا , وشهد بدرًا من الأنصارِ من بني مالكِ بنِ ثعلبةَ بنِ كعبِ بنِ الخزرجِ بشيرُ بنُ سعدِ بنِ ثعلبةَ بنِ جُلَاسٍ ومن الأنصارِ ثم من بني طريفِ بنِ الخزرجِ بَسْبَسٌ الجُهَنِيُّ حليفٌ لهم , ومن الأنصارِ ثم من بني خلدةَ بنِ عوفِ بن الحرثِ بنِ الخزرجِ تميمُ بنُ يغارَ بنِ قيسِ بنِ عديٍّ , ومن الأنصارِ تميمٌ مولى بني غَنمِ بنِ السلَمِ بنِ مالكِ بنِ الأوسِ بنِ حارثةَ , ومن الأنصارِ تميمٌ مولى خَرَاشِ بنِ الصِّمَّةَ , ومن الأنصارِ ثم من الخزرج ثم من بني سلمةَ تميمٌ مولى خَرَاشِ بنِ الصِّمَّةَ , ومن الأنصارِ ثم من بني العجلانِ ثابتُ بنُ أقرمِ بنِ ثعلبةَ بنِ عديِّ بنِ العجلانِ , ومن الأنصارِ ثم من بني عديِّ بن النجارِ بنِ أوسٍ ثابتُ بنُ أوسِ بنِ المنذرِ بنِ حرامِ بنِ عمرِو بنِ زيدِ مناةَ بنِ عديِّ بنِ عمرٍو وشهد بدرًا ثابتُ بنُ عمرَ بنِ زيدِ بنِ عديِّ بنِ سوادِ بنِ عصمةَ أو عصبةَ حليفٌ لهم من أشجعَ , ومن الأنصارِ ثعلبةُ بنُ عمرِو بنِ محصنِ بنِ عبيدٍ , ومن الأنصارِ ثم من بني جُشَمِ بنِ الخزرجِ ثعلبةُ الذي يُقالُ له الجَذِعُ ؛ ومن الأنصارِ ثعلبةُ بنُ عتمةَ , ومن الأنصارِ جبيرُ بنُ إياسِ بنِ خالدِ بنِ مخلدِ بنِ زُريقٍ , ومن الأنصارِ ثم من بني دينارِ بنِ النجارِ جابرُ بنُ خالدِ بنِ عبدِ الأشهلِ لا عقِبَ له , ومن الأنصارِ ثم من بني الحرثِ بنِ الخزرجِ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ رئابِ بنِ نعمانِ بنِ سنانٍ , ومن الأنصارِ ثم من بني معاويةَ بنِ عمرِو بنِ عوفٍ جابرُ بنُ عتيكِ بنِ الحرثِ بنِ قيسِ بنِ حبشيةَ , وقال ابنُ إسحقَ ابنُ هيشةَ , ومن الأنصارِ ثم من بني حابسِ بنِ سنانِ بنِ عبيدِ بنِ عديِّ بنِ غَنمٍ وشهد بدرًا حاطبُ بنُ بلتعةَ , ومن الأنصارِ ثم من بني عُبيدِ بنِ عديِّ بنِ غَنمِ بنِ كعبِ بنِ سلمةَ حارثةُ بنُ الحميرِ من أشجعَ بنِ دهمانَ , وشهد بدرًا الحارثُ بنُ سوَّادٍ , ومن الأنصارِ ثم من بني النجارِ الحارثُ بنُ سراقةَ , ومن الأنصارِ ثم من بني عبدِ الأشهلِ الحارثُ بنُ معاذِ بنِ النعمانِ , وشهِد العقبةَ من الأنصارِ ثم من بني زُريقٍ الحارثُ بنُ قيسِ بنِ مَخْلَدٍ وقد شهد بدرًا وهو أبو خالدٍ , ومن الأنصارِ ثم من بني مبذولٍ الحارثُ بنُ الصِّمَّةِ بنِ عبيدِ بنِ عامرٍ , ومن الأنصارِ ثم من بني عبدِ الأشهلِ الحارثُ بنُ معاذِ بنِ النعمانِ , ومن الأنصارِ الحارثُ بنُ خزمةَ بنِ أبي غَنمِ بنِ سالمِ بنِ عوفِ بنِ الحرثِ بنِ الخزرجِ , ومن الأنصارِ ثم من بني جُشَمِ بنِ الحرثِ بنِ الخزرجِ حريثُ بنُ زيدٍ , ومن الأنصارِ ثم من بني زُريقٍ ذكوانُ بنُ عبدِ قيسِ بنِ خَلْدَةَ وكان خرج من المدينةِ إلى مكةَ مهاجرًا إلى اللهِ وقد شهِد بدرًا , ومن الأنصارِ ثم من بني زَعْورِ بنِ عبدِ الأشهلِ بنِ يزيدَ رافعُ بنُ يزيدَ , ومن الأنصارِ رافعُ بنُ المعلَّى بنِ لوذانِ بنِ حارثةَ بنِ عديِّ بنِ زيدِ بنِ مناةَ بنِ حبيبِ بنِ حارثةَ بنِ عَصْبِ بنِ جُشَمِ بنِ الخزرجِ اسْتُشْهِد يومَ بدرٍ , ومن الأنصارِ رافعُ بنُ جَعْدَبَةَ , ومن الأنصارِ رافعُ بنُ الحرثِ بنِ سوَّادِ بنِ زيدِ بنِ ثعلبةَ وعن عروةَ أيضًا أنَّ بشيرَ بنَ عبدِ المنذرِ والحارثِ بنِ حاطبٍ خرجا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى بدرٍ فرجَعَهُما وأمَّر أبا لبابةَ على المدينةِ وضرب لهما بسهمينِ مع أصحابِ بدرٍ , وشهد العقبةَ من الأنصارِ ثم من بني زُريقٍ رفاعةُ بنُ رافعِ بنِ مالكِ بنِ عجلانَ بنِ عمرِو بنِ زُريقٍ وهو نقيبٌ وقد شهد بدرًا , وشهد بدرًا من خلفاءِ بني عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ ربيعةُ بنُ أكتمَ من بني أسدِ بنِ خزيمةَ , وشهد العقبةَ رفاعةُ بنُ قيسِ بنِ عمرِو بنِ ثعلبةَ بنِ مالكِ بنِ سالمِ بنِ غنمِ بنِ عوفِ بنِ الحرثِ , وقد شهد بدرًا وكان ممن خرجا مهاجرًا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ , وشهد بدرًا من الأنصارِ ثم من بني لَوْذَانَ بنِ غَنمِ بنِ عوفِ بنِ الخزرجِ ربيعُ بنُ إياسِ بنِ غَنمِ بنِ أميةَ بنِ لَوْذَانَ بنِ غَنمِ , وشهد بدرًا زيدُ بنُ حارثةَ بنِ شراحيلَ بنِ كعبِ بنِ عبدِ العزَّى بنِ يزيدَ بنِ امرئِ القيسِ الكلبيِّ أنعمَ اللهُ عليْه ورسولُه , ومن قريشٍ ثم من بني عديِّ بنِ كعبٍ زيدُ بنِ الخطابِ , وشهد العقبةَ من الأنصارِ ثم من بني عمرِو بنِ مالكِ بنِ النجارِ وهم بنو جَدِيلةَ أبو طلحةَ زيدُ بنُ سهلِ بنِ الأسودِ وقد شهد بدرًا وهو نقيبٌ , قال الطبراني قال ابنُ لهيعةَ سهلُ بنُ زيدِ بدلُ زيدِ بنِ سهلٍ وشهد بدرًا من الأنصارِ ثم من بني جشمِ بنِ الخزرجِ زيدُ بنُ الحرثِ بنِ الخزرجِ ومن الأنصارِ ثم من بني حدْرةَ بنِ عوفِ بنِ الحرثِ بنِ الخزرجِ وهو بنو الحُبَلِيِّ زيدُ بنُ المرسِ ومن الأنصارِ ثم من بني سالمِ بنِ غنمِ بنِ عوفِ بنش الخزرجِ وهم بنو الحُبَلِيِّ زيدُ بنُ عمرِو بنِ وديعةَ بنِ عمرِو بنِ قيسِ بنِ جَزِيِّ بنِ عديِّ بنِ مالكِ بنِ سالمِ بنِ غَنمِ بنِ عوفِ بنِ الخزرجِ ومن الأنصارِ زيدُ بنُ أسلمَ بنِ ثعلبةَ بنِ عديِّ ومن الأنصارِ ثم من بني بياضةَ بنِ عامرِ بنِ زُريقِ بنِ عبدِ حارثةَ زيادُ بنُ لبيدِ بنِ ثعلبةَ بنِ سنانَ بنِ عامرِ بنِ عديِّ بنِ أميةَ بنِ بياضةَ ومن الأنصارِ سعدُ بنُ معاذِ بنِ امرئِ القيسِ بنِ عبدِ الأشهلِ وشهد العقبةَ من الأنصارِ ثم من بني ساعدةَ بنِ كعبِ بنِ الخزرجِ سعدُ بنُ عبادةَ بنِ دُلَيْمِ بنِ حارثةَ بنِ خزيمةَ وهو نقيبٌ وقد شهد بدرًا وشهد بدرًا من الأنصارِ ثم من بني عمرِو بنِ عوفِ سعدُ بنُ خيثمةَ ومن الأنصارِ ثم من بني عبدِ بنِ كعبِ بنِ عبدِ الأشهلِ سعدُ بنُ زيدِ بنِ مالكِ بنِ عبدِ بنِ كعبٍ ومن الأنصارِ ثم من بني دينارِ بنِ النجارِ سعدُ بنُ سهلِ بنِ عبدِ الأشهلِ بنِ حارثةَ بنِ دينارِ بنِ النجارِ ومن الأنصارِ ثم من بني سوَّادَ بنِ كعبِ واسمُ كعبٍ ظُفَرُ سعدُ بنُ عبيدِ بنِ النعمانَ ومن الأنصارِ سعدُ بنُ النعمانَ بنِ قيسٍ وشهد بدرًا سعدٌ مولى حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ وسعدٌ مولى حَوْلِيٍّ وهو رجلٌ من مَذْحِجٍ ومن الأنصارِ ثم من بني جَشمِ بنِ الخزرجِ سهلُ بنُ عديٍّ ومن قريشٍ ثم من بني الحرثِ بنِ فهرٍ سُهيلُ بنُ بيضاءَ وشهد العقبةَ من الأنصارِ ثم من الأوسِ ثم من بني عبدِ الأشهلِ سلمةُ بنُ سلامةَ بنِ وقْشٍ وقد شهد بدرًا , ومن قريشٍ ثم من بني عبدِ شمسِ بنِ عوفٍ سالمٌ مولى أبي حذيفةَ , ومن الأنصارِ ثم من بني ساعدةَ أبو دجانةَ سِماكُ بن خرشةَ بنِ أوسِ بنِ لَوْذَانَ بنِ عبدِ ودِّ بنِ زيدِ بنِ ثعلبةَ وشهد العقبةَ لبيعةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من الأنصارِ ثم من بني سلمةَ بنِ زيدِ بنِ جُشمٍ نَهيكُ بنُ نعمانِ بنِ خنساءَ وقد شهد بدرًا , وشهد بدرًا من الأنصارِ عثمانُ بنُ عمرِو بنِ رفاعةَ بنِ الحرثِ بنِ سوَّادةَ , ومن الأنصارِ ثم من بني الحرثِ بنِ الخزرجِ ثم من بني امرئِ القيسِ بنِ ثعلبةَ بنِ كعبِ بنِ الخزرجِ عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ وشهد العقبةَ لبيعةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من الأنصارِ ثم من بني حارثةَ بنِ الحرثِ عبدُ اللهِ بنِ سرخسَ بنِ النعمانِ بنِ أميةَ بنِ البُرَكِ وهو بدريٌّ وشهدها من الأنصارِ ثم من بني حرامِ بنِ كعبِ بنِ عمرِو بنِ غَنمِ بنِ كعبِ بنِ سلمةَ عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ حرامٍ وهو نقيبٌ وقد شهد بدرًا وشهد بدرًا من الأنصارِ ثم من بني عوفِ بنِ الخزرجِ ثم من بني عبيدِ اللهِ بنِ مالكِ بنِ سالمِ بنِ غانمِ بنِ الخزرجِ وهو الحُبَلِيُّ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أُبيِّ ابنِ سلولٍ ومن الأنصارِ عبدُ اللهِ بنُ طارقِ البَلويِّ حليفٌ لهم , ومن الأنصارِ ثم من بني عمرِو بنِ عوفٍ عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ بنِ مالكِ بنِ الحرثِ بنِ عديِّ بنِ العجلانِ , ومن الأنصارِ ثم من بني حدرةَ بنِ عوفِ بنِ الحرثِ بنِ الخزرجِ عبدُ اللهِ بنُ عرفطةَ ومن الأنصارِ ثم من بني حدرةَ بنِ عوفٍ عبدُ اللهِ بنِ عميرٍ , ومن الأنصارِ ثم من بني الأبجرِ بنِ عوفِ بنِ الحرثِ بنِ الخزرجِ عبدُ اللهِ بنِ ربيعِ بنِ قيسِ بنِ عمرِو بنِ عايدِ بنِ الأبْجرِ , ومن الأنصارِ ثم من بني لَوْذَانَ بنِ غَنمِ عبدُ اللهِ بنِ ثعلبةَ بنِ حزمةَ بنِ أصرمَ حليفٌ لهم , ومن الأنصارِ ثم من بني عُبيدِ بنِ عديِّ بنِ غَنمِ بنِ كعبِ بنِ سلمةَ ثم من بني خنساءَ بنِ شيبانَ بنِ عُبيدٍ عبدُ اللهِ بنِ جدِّ بنِ قيسِ بنِ صخرِ بنِ خنساءَ , ومن الأنصارِ عبدُ اللهِ بنِ الحميرِ الأشجعيِّ حليفٌ لهم من أشجعَ , ومن الأنصارِ ثم من بني خنساءَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ منافِ بنِ نعمانَ بنِ شيبانَ بنِ عُبيدِ بنِ عديِّ بنِ غنمِ بنِ كعبِ بنِ سلمةَ عبدُ اللهِ بنِ قيسِ بنِ صخرِ بنِ جذامِ بنِ ربيعةَ بنِ عديِّ بنِ غنمِ , واسْتُشهدَ ببدرٍ من المسلمينَ ثم من قريشٍ عُبيدةَ بنِ الحرثِ بنِ المطلبِ قتلَه شيبةُ بنُ ربيعةَ قطع رجلَه فمات بالصفراءِ , وشهد بدرًا من الأنصارِ ثم من بني الحارثِ بنِ الخزرجِ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ الأوسِ أبو قيسِ بنِ جبرِ بنِ عمرِو بنِ زيدِ بنِ جُشَمِ بنِ حارثةَ , ومن قريشٍ ثم من بني تيمِ بنِ مرَّةَ عامرُ بنُ فهيرةَ مولى أبي بكرٍ , ومن الأنصارِ عمارةُ بنُ حزمِ بنِ زيدٍ , ومن الأنصارِ ثم من بني مازنِ بنِ النجارِ ثم من بني خنساءَ بنِ مُدْرِكِ بنِ عمرِو بنِ غنمِ بنِ مازنٍ عميرٌ ويُكنَّى عميرٌ أبو داودَ بنَ عامرِ بنِ مالكِ بنِ خنساءَ بنِ مُدْركٍ , واسْتُشْهِدَ من المسلمينَ يومَ بدرٍ من قريشٍ ثم من بني زهرةَ عميرُ بنُ أبي وقاصٍ , وشهد بدرًا عروةُ بنُ عتبةَ بنُ غزوانَ بنِ جابرِ بنِ وهبِ بنِ بشيرِ بنِ مالكِ بنِ مازنِ بنِ منصورِ بنِ عكرمةَ بنِ خَصْفةَ بنِ قيسِ عيلانَ من مضرَ حليفُ نوفلِ بنِ عبدِ منافٍ , ومن الأنصارِ ثم من بني سالمٍ عَتبانُ بنُ مالكِ بنِ عمرِو بنِ عجلانَ بنِ زيدِ بنِ غَنمِ بنِ سالمِ بنِ عوفِ بنِ عمرِو بنِ الخزرجِ , ومن الأنصارِ ثم من بني بياضةَ فروةُ بنُ عمرٍو وقد شهِد بدرًا , وشهد العقبةَ من الأنصارِ ثم من بني مازنِ بنِ النجارِ بنِ قيسِ بن أبي صعصعةَ زيدُ بنُ عوفِ بنِ مبذولٍ , وشهد بدرًا من الأنصارِ ثم من بني سوَّادِ بنِ كعبٍ واسمُ كعبٍ ظُفَرُ قتادةُ بنُ النعمانِ , وشهد بدرًا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبو مرثدٍ الغَنَوِيُّ حليفُ حمزةَ بنِ عبدِ المطلبِ ومات أبو مرثدٍ سنةَ ثنتي عشرةَ وهو ابنُ ستٍّ وستينَ سنةً , ومن الأنصارِ ثم من بنى زَعْوَرا بنِ عبدِ الأشهلِ محمدُ بنُ مسلمةَ بنِ خالدِ بنِ مجْدَعةَ بنِ حارثةَ بنِ الحرثِ , وشهِد العقبةَ من الأنصارِ ثم من الأوسِ ثم من بني عبدِ الأشهلِ أبو الهيثمَ بنُ النبهانِ وهو نقيبٌ وقد شهِد بدرًا وهو أوُّلُ من بايع بالعقبةِ , وشهِد العقبةَ من الأنصارِ ثم من بني سلمةَ معاذُ بنُ جبلِ بنِ عمرِو بنِ عايدِ بنِ عديِّ بن شاردةَ بنِ تَزِيدَ بنِ جُشْمٍ وقد شهِد بدرًا , وشهِد بدرًا المقدادُ بنُ عمرٍو , وشهِد بدرًا مرثدُ بنُ أبي مرثدِ الغنويِّ , وشهِد العقبةَ من الأنصارِ ثم من بني حارثةَ أبو بردةَ بنُ نَيَّارِ بنِ عمرِو بنِ عبيدِ وهو حليفٌ لهم من بَلِىٍّ وهو بدريٌّ
كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا أراد سفراً أقرَعَ بين أزواجِهِ، فأيَّتُهُنَّ خرج سهمُها خرج بِها معَهُ، قال عروَةُ وعَمرةُ: فخرجَ سهمُ عائشةَ ابنتَ أبي بكرٍ زوجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في غَزوَةِ النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّمَ بَني المصطَلقِ مِن خزاعَةَ، فلمَّا انصرفَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فكانَ قريباً مِنَ المدينَةِ، قال عُروَةُ وعمرَةُ: وكانَت عائشةُ جُويرِيَةً حديثَةَ السِّنِّ، قليلةَ اللَّحمِ خفيفَةً، وكانَت تلزَمُ خِدرَها، فإذا أراد النَّاسُ الرحيلَ ذهبَت فتَوضَّأتْ ورجعَت فدخلَت مَحفَّتَها فتوضَع على البعيرِ وهيَ في المَحفَّةِ، فكان أوَّلَ ما قال فيها المنافِقونَ وغيرُهم مِمَّن اشتركوا في أمرِ عائشةَ أنَّها خرجَت تتوضَّأُ حين دنَوا من المدينَةِ فانسلَّ مِن عنقِها عِقدٌ لها مِن جزِعِ ظِفارٍ، فارتَحلَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ والنَّاسُ وهي في بِغاءِ العِقدِ ولم تعلَم برحيلهِم، فشدُّوا على بعيرِها المحفَّةَ وهم يرَونَ أنَّها فيها كما كانَت تكونُ، فرجَعت عائشَةُ إلى منزلِها فلم تجِدْ في العسكَرِ أحداً، وغلبَتها عَيناها، قال عروةُ وعَمرةُ: قالَت عائشةُ: وكان صفوانُ بن المعطَّلِ السُّلَميُّ صاحبُ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ تخلَّفَ تلكَ الليلةَ عن العسكرِ حتَّى أصبحَ، قالَت: فمرَّ بي، فرآني، فاستَرجع وأعظَم مكاني حينَ رآني وحدي، وقد كنتُ أعرِفُهُ ويعرفُني قبلَ أَن يُضرَبَ علَينا الحِجابُ، قالت: فسأَلني عَن أَمري، فسَترتُ وَجهي عنهُ بِجِلبابي وأخبرتُهُ بأمري، فقرَّبَ لي بعيرَه ووطِئَ على ذراعِهِ وولَّاني قَفاهُ حتى ركِبتُ وسوَّيتُ ثيابي، ثُمَّ بعثَهُ، فأقبل يسيرُ بي حتَّى دخَلنا المدينَةَ نِصفَ النَّهارِ، أو نحوَهُ، فهنالِكَ قال فيَّ وفيه مَن قال مِن أهلِ الإفكِ وأنا لا أعلَمُ شيئاً مِن ذلكَ ولا مِمَّا يخوضُ فيه النَّاسُ مِن أمري، فَكُنت تلك الليالي شاكيَةً، فكان أوَّلَ ما أنكَرتُ مِن أمرِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ كانَ يعودُني قبل ذلكَ إذا مرِضتُ، فكانَ تلك اللَّيالي لا يدخُلُ عليَّ ولا يعودُني، إلا إنَّهُ يقولُ وهو مارٌّ: كيفَ تيكُم؟ فيسألُ عنِّي بَعضَ أهل البيتِ، فلمَّا بلغَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عَليه وسلَّمَ ما أكثَر فيه النَّاسُ مِن أَمري غمَّهُ ذلِكَ، قالَت: وكنتُ شكوتُ إلى أُمِّي قبلَ ذلكَ ما رأيتُ من النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ من الجفوَةِ فقالَت لي يا بنيَّةُ اصبري، فواللَّهِ لقَلَّ ما كانَت امرأةٌ حسناءُ يُحبُّها زوجُها لها ضرائرُ إلا رمَينَها، قالَت: فوجدتُ تلكَ اللَّيلةَ التي بعَث النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مِن صُبحها إلى علِي بنِ أبي طالبٍ، وأسامةَ بنِ زيدٍ، فاستشارَهُما في أَمري، وكنَّا ذلك الزَّمانِ ليسَ لنا كنُفٌ نذهب فيها، وإنَّما كنَّا نذهُبُ كما يذهَبُ العربُ ليلًا إلى ليلٍ، فقلتُ لأمِّ مسطحِ بن أثاثةَ، وهي امرأةٌ من بني المطلِّبِ بن عبدِ منافٍ، خذي الإداوَةَ فاملَئيها ماءً فاذهبي بنا إلى المناصِعِ، وكانَت هي وابنُها مِسطحٌ بينَهم وبينَ أبي بكرٍ قرابَةٌ، وكان أبو بكرٍ يُنفقُ عليهِم، وكانوا يكونون معَهُ ومع أهلهِ، فأخَذَت الإداوَةَ وخرَجنا نحوَ المناصِعِ، وإنِّي لما شَقَّ عليَّ من الغائطِ، فعثَرتْ أمُّ مِسطَحٍ فقالَت: تَعِسَ مسطَحٌ، فقلت لها: بئسَ ما قلتِ، ثُمَّ مشَينا فعثرَت أيضا، فقالَت: تعِسَ مِسطحٌ فقلتُ لها بئسَ ما قلتِ لصاحِبِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وصاحِبِ بدرٍ ، فقالَت إنَّكِ لغافلةٌ عمَّا فيه النَّاسُ مِن أمرِكِ، فقلتُ أجَل، فما ذاكَ؟ قالت: إنَّ مِسطَحًا وفلانًا ، وفلانَةً، وغيرَهم، مِمَّنِ استزَلُّوهم مِن المنافِقينَ مُجتمعينَ في بيتِ عبدِ اللَّهِ بنِ أُبيِّ بنِ سَلولَ أخي بني الحارِثِ بنِ الخزرَجِ الأنصارِيِّ يتحدَّثونَ عنكِ وعَن صفوانِ بنِ المعطَّلِ، ويرمونَكِ بهِ، قالَت: فذهَب عنِّي ما كنتُ أجِد من الغائطِ، ورجعتُ عَودي على بَدئي إلى بَيتي، فلمَّا أصبَحنا مِن تلكَ اللَّيلةِ بعَث النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إلى عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وإلى أسامةَ بنِ زَيدٍ، فأخبرَهُما بما قيل فِيَّ، واستشارَهُما في أمري، فقال له أسامَةُ: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ ما علِمنا علَى أهلِكَ سوءًا، وقال له علِيٌّ: يا رسولَ اللَّهِ ما أكثرَ النِّساءَ، وإن أردتَ أن تعلَم الخبرَ فتواعَدِ الخادِمَ واضربْها تُخبِركَ، يعني بَريرةَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لعلِيِّ فشأنَكَ أنت بالخادِمِ، فسألها علِيٌّ عنِّي وتواعدَها فلم تُخبرْهُ والحمدُ لله إلَّا بخيرٍ، ثُمَّ ضربها وسألَها عنِّي فقالَت: واللَّه ما علِمتُ على عائشةَ سوءًا، إلا أنَّها جاريةٌ تصبِحُ عن عجينِ أهلِها فتدخُلُ الشَّاةُ الداجِنُ أو الدَّجاجُ فيأكلونَ منَ العجينِ، قالَت: ثُمَّ خرجَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلَّمَ حينَ سمعَ ما قالَت فيَّ بريرةُ لعليٍّ، فخرجَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إلى النَّاسِ، فلمَّا اجتَمعوا إليهِ قال: يا معشَر المسلِمينَ مَن لي مِن رجالٍ يُؤذونَني في أهلي، وما علِمتُ على أهلي سوءًا، ويَرمونَ رجُلًا مِن أصحابي ما علِمتُ عليه سوءًا، ولا خَرَجتُ مخرجًا إلَّا خرجَ مَعي، فقال سعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصارِيُّ ثُمَّ الأشهلِيُّ من الأوسِ: يا رسولَ اللَّهِ، لو كانَ ذلكَ في أحدٍ من الأوسِ كفَيناكاهُ، فقامَ سَعدُ بن عُبادَةَ الأنصاريُّ ثُمَّ الخزرجِيُّ فقالَ لسعدِ بنِ معاذٍ كذبتَ واللَّهِ وهذا الباطِلُ ، فقام أُسَيدُ بنُ الحُضيرِ الأنصارِيُّ ثُمَّ الأشهلِيُّ ورجالٌ من الفَريقينِ جميعًا فاستَّبوا وتنازَعوا حتَّى كادَ أن يعظُم الأمرُ بينهُم فدخلَ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّمَ بيتَهُ وبعثَ إلى أبوَيَّ، فأتياهُ فحمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ بِما هو أهلُهُ ثُمَّ قال لي يا عائشَةُ إنَّما أنتِ مِن بني آدمَ، فإن كنتِ أخطأتِ فتوبي إلى اللَّهِ واستَغفريهِ، فقلتُ لأبي أجِب عنِّي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: إنِّي لا أفعَلُ، هوَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وسلَّمَ والوحْيُ يأتيهِ، فقلتُ لأمِّي أجيبي عنِّي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَت لي كما قال لي أبي، فقلتُ: واللَّهِ لئن أقرَرتُ على نفسي بباطِلٍ لتُصدِّقُنَّني ولئن برَّأتُ نفسي واللَّهُ يعلَم أنِّي لبريئَةٌ لتُكذِّبُنَّني، فما أجدُ لي ولكُم إلَّا ما قالَ أبو يوسُفَ حينَ يقولُ فَصَبَرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ونسيتُ اسمَ يعقوبَ لما بي مِن الحُزنِ والبُكاءِ واحتراقِ الجَوفِ فتغَشَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ما كانَ يغشاهُ منَ الوحيِ، ثُمَّ سُرِّيَ عنهُ فمسحَ وجهَهُ بيديهِ ثُمَّ قال أبشِري يا عائشَةُ، قد أنزلَ اللَّهُ براءتَكِ، فقالَت عائشةُ فواللَّهِ ما كنتُ أظنُّ أنَّ يُنزَّلَ القُرآنُ في أمري، ولكنِّي كنتُ أرجو لما يعلَمُ اللَّهُ مِن بَراءتي أَن يُريَ اللَّهُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في أمري رُؤيا يبرِّئُني اللَّهُ بها عندَ نَبيِّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال لي أبواي عند ذلك قومي فقَبِّلي رأسَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقُلتُ واللَّهِ لا أفعَلُ، بِحَمدِ اللَّهِ كان ذلكَ لا بحمدِكُمْ ، فقالَت: وكان أبو بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ ينفقُ على مسطَحٍ وأمِّهِ، فلمَّا رماني حلَف أبو بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنه أن لا يَنفعَهُ بشيءٍ أبدًا، قالَت: فلمَّا تلا النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ علينا قولَ اللَّهِ تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ فبكَى أبو بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنه وقال: بلَى يا ربِّ، وعاد النَّفقةَ علَى مسطَحٍ وأمِّهِ، قالَت: وقعدَ صفوانُ بن المعطَّلِ لحسَّانَ بنِ ثابتٍ بالسَّيفِ فضربَهُ ضربَةً وقال صفوانُ لحسَّانَ في الشِّعرِ حينَ ضربَهُ: تَلقَّ ذُبابَ السَّيفِ عنكَ فإنَّني * غلامٌ إذا هُوجِيتُ لستُ بشاعِرِ * ولكنَّني أحْمي حِماتي وَأنتَقِمْ * مِن الباهتِ الرَّامي البَراءِ الطَّواهرِ. وصاح حسَّانُ واستغاث النَّاسَ على صفوانَ، فلمَّا جاء النَّاسُ فرَّ صفوانُ وجاء حسَّانُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّمَ فاستَعداهُ على صَفوانَ في ضربتِهِ إيَّاهُ فسألَهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّمَ أن يهَب له ضربَةَ صفوانَ إياه فوهبَها للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فعاضَه منها حائطًا من نخلً عظيم وجاريةٍ روميَّةٍ يقالُ أو قبطيَّةٍ تُدعى سيرينَ فوُلدَ لحسَّانَ ابنُهُ عبدُ الرَّحمنِ الشَّاعرُ قال أبو أُوَيسٍ: أخبرَني ذلكَ حُسَينُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنُ عبيدِ اللَّهِ بنُ عبَّاسٍ بنُ عبد المطَّلبِ عَن عِكرمةَ عَن عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ قالَت عائِشةُ: ثُم باعَ حسَّانُ ذلكَ الحائطَ من معاويةَ بن أبي سُفيان في ولايتِهِ بمالٍ عَظيمٍ قالَت عائشَةُ بلغني واللَّهُ أعلَمُ أنَّ الذي قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فيهِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ إنَّهُ عبدُ اللَّهِ بنُ أبيِّ بنِ سلولَ أحَدُ بني الحارثِ بنِ الخزرَجِ، قالَت عائشَةُ: فقيلَ في أصحابِ الإفكِ أشعارٌ، فقالَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضيَ اللَّهُ عنه: يا عوفُ ويحكَ هلَّا قلتَ عارفَةً * من الكَلامِ ولَم تَبتَغْ بهِ طَمَعًا * هلَّا جزَيتَ منَ الأقوامِ إذ حشَدوا * ولَم تَقول وإن عادَيتَهُم قَذعا * لَمَّا رميتَ حصانًا غيرَ مُقرِفَةٍ * أمينَةُ الجيبِ لَم يعلَم لَها خَضَعا * فيمَن رماها وكنتُم معشَرًا أُفُكًا * في سيِّئِ القَولِ مِن لفظِ الخنَا شُرُعَا * فأنزلَ اللَّهُ عذرًا في براءتِها * وبينَ عوفٍ وبينَ اللَّهِ ما صنَعا * فإن أعِش أجزِ عَوفًا في مقالتِهِ * شرَّ الجزاءِ بِما ألفَيتَهُ تَبعَا. وقالَت أمُّ سعدِ بنُ معاذٍ الأَشهَلِيُّ ثُمَّ الأوسِيُّ في الَّذين رمَوا عائشَةَ: تشهَدُ الأوسُ كهلُهَا وفَتاهَا * والخَماسِيُّ مِن نَسلِها والعَظيمُ * ونِساءُ الخَزرَجِيِّينَ يَشهَدنَ * بِحقٍّ فذلِكُم مَعلُومُ * أن ابنَتَ الصِّدِّيقِ كانَت حَصانًا * عفَّةَ الجَيبِ دينُها مُستَقيمُ * تَّتقي اللَّهَ في المغيبِ علَيها * نِعمةَ اللَّهِ سِترُها ما يَريمُ * خيرُ هذي النِّساءِ حالًا ونفسًا * وأبًا لِلعُلا نَماها كَريمُ * لِلمَوالي الأُولى رمَوها بإفكٍ * أخذَتْهم مقامِعٌ وجَحيمُ * ليتَ مَن كانَ قد بَغاها بِسَوءٍ * في حُطام حتَّى يتوبَ اللَّئيمُ * وعوانٍ مِن الحُروبِ تَلظَّى * بَينَنا فَوقها عَذابٌ صَريمُ * ليتَ سعدًا ومَن رمَاها بسَوءٍ * في كَظَاظٍ حتَّى يتوبَ الظُّلومُ. وقالَ حسَّانُ بنُ ثابِتٍ الأنصارِيُّ ثُمَّ النجَّاريُّ وهو يُبرِّئُ عائشَةَ مِمَّا قيلَ فيها ويعتَذرُ إليها فقَال في الشِّعرِ لها: حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِريبَةٍ * وتُصبِحُ غَرثَى مِن لُحومِ الغَوافِلِ * خَليلةُ خَيرِ النَّاسِ دينًا ومنصبًا * نَبِيُّ الهدى والمُكرَماتِ الفَواضِلِ * عَقيلَةُ حَيٍّ مِن لُؤيِّ بنِ غالِبِ * كِرامِ المساعي مَجدُها غيرُ زائلِ * مهذَّبةٌ قد طَيَّبَ اللَّهُ خَيمَها * وطَهَّرَها مِن كُلِّ سوءٍ وباطِلٍ * فإن كانَ ما قد جاءَ عنِّيَ قلتُهُ * فلا رفَعَت سَوطي إليَّ أنامِلي * وإنَّ الذي قد قيلَ ليس بِلائطٍ * بكَ الدَّهرَ بَل قولُ امرِئٍ غيرِ ماجِلِ * وكيفَ وَوُدِّي ما حَييتُ ونُصرَتي * لآلِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ زينِ المحافِلِ * لهُ رُتبٌ عالٍ على النَّاسِ فَضلُها * تقاصَرَ عنها سورَةُ المتطاوِلِ. قالوا أبو أُويسٍ: فأخبَرني أبي أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أمر بالَّذينَ رمَوا عائشَةَ فجَلدوا الحدَّ جميعًا ثمانين، وقالَ حسَّانُ في الشِّعرِ لَهُم حينَ جُلِدوا: لقَد ذاقَ عَبدُ اللَّهِ ما كان أهلَهُ * وحَمنَةُ إذ قالُوا هَجيرًا ومِسطَحُ تعاطَوا بِرجْمِ الغَيبِ زَوجَ نَبيِّهِمْ * وسُخطَةِ ذي العَرشِ الكريمِ فأبحَروا قال لنا أبو عليٍّ يحيى بن يعقوبَ: الصَّواب: وقَبَّحوا. وآذَوا رسولَ اللَّهِ فيها فعَمَّموا * مَخازيَ ذُلٍّ جلَّلوها وفضَّحوا * وصُبَّ عليهِم مُحمَداتٌ كأنَّها * شَآبيبُ قَطرٍ مِن ذُري المُزنِ تُدلِجُ. قال أبو علي: الشَّآبيبُ جمعُ شُؤبوبٍ، وهي الحُلبَةُ من الوابِلِ الشَّديدَةُ، ومُحمداتُ السِّياطِ المفتولَةِ. قال أبو أُوَيسٍ: وحدَّثَني الحسَنُ بنُ زَيدٍ بنِ الحسَنِ بنِ علِيٍّ بنِ أبي طالِبٍ عَن عَبدِ اللَّهِ ابنِ أبي بَكرٍ بنِ مُحمَّدٍ بن عَمرٍو بن حَزمٍ الأنصارِيِّ ثُمَّ النَّجَّاريِّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم جلدَ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ بن سَلولَ، ومِسطَحًا، وحمنَةَ، الحدودَ ثَمانينَ، ثَمانينَ، ثَمانينَ، في رميهِمْ عائشَةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. وقالَ أبو أُوَيسٍ قال الحسَنُ بنُ زيدٍ قالَ عبدُ اللَّهِ بن أبي بَكرٍ بلغَني أنَّ الَّذي قالَ اللَّهُ تعالى فيه في القُرآنِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ إنَّهُ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولَ. قالَ أبو أُوَيسٍ وحدَّثَني يزيدُ بنُ بَكرٍ الكنانِيُّ ثُمَّ الَّليثِيُّ عَن القاسِم بنِ مُحمَّدِ بنِ أبي بَكرٍ، أو عَن سعيدِ بن المسيَّبِ بنِ حَزنٍ المخزومِيِّ أنَّ الَّذي أنزَلَ اللَّهُ فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ إنَّهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولَ
عن أُمِّ سَلَمةَ ابنةِ أبي أُمَيَّةَ بنِ المُغيرةِ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالت: لَمَّا نَزَلنا أرضَ الحَبَشةِ جاوَرنا بها خَيرَ جارٍ النَّجاشيَّ أمِنَّا على دينِنا، وعَبَدنا اللهَ تَعالى لا نُؤذى، ولا نَسمَعُ شَيئًا نَكرَهُهُ، فلَمَّا بَلَغَ ذلك قُرَيشًا ائتَمَروا أن يَبعَثوا إلى النَّجاشيِّ فينا رَجُلَينِ جَلْدَينِ، وأن يُهدوا للنَّجاشيِّ هَدايا مِمَّا يُستَطرَفُ مِن مَتاعِ مَكَّةَ، وكان مِن أعجَبِ ما يَأتيه مِنها إليه الأدَمُ، فجَمَعوا له أدَمًا كَثيرًا ولَم يَترُكوا مِن بَطارِقَتِه بِطريقًا إلَّا أهدَوا له هَديَّةً، ثُمَّ بَعَثوا بذلك عَبدَ اللهِ بنَ أبي رَبيعةَ بنِ المُغيرةِ المَخزوميَّ وعَمرَو بنَ العاصِ بنِ وائِلٍ السَّهميَّ، وأمَروهُما أمرَهم وقالوا لهما: ادفَعا إلى كُلِّ بِطريقٍ هَديَّتَه قَبلَ أن تُكَلِّموا النَّجاشيَّ فيهم، ثُمَّ قدِّما للنَّجاشيِّ هَداياهُ، ثُمَّ سَلاهُ أن يُسلِمَهم إليكُم قَبلَ أن يُكَلِّمَهم، قالت: فخَرَجا فقدِما على النَّجاشيِّ ونَحنُ عِندَه بخَيرِ دارٍ، وخَيرِ جارٍ، فلَم يَبقَ مِن بَطارِقَتِه بِطريقٌ إلَّا دَفَعا إليه هَديَّتَه قَبلَ أن يُكَلِّما النَّجاشيَّ، ثُمَّ قالا لكُلِّ بِطريقٍ مِنهم: إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِ المَلِكِ مِنَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دينَ قَومِهم، ولَم يَدخُلوا في دينِكُم، وجاؤوا بدينٍ مُبتَدَعٍ لا نَعرِفُه نَحنُ ولا أنتُم، وقد بَعَثَنا إلى المَلِكِ فيهم أشرافُ قَومِهم لنَرُدَّهم إليهم، فإذا كَلَّمنا المَلِكَ فيهم فأشيروا عليه بأن يُسلِمَهم إلينا ولا يُكَلِّمَهم؛ فإنَّ قَومَهم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نَعَم. ثُمَّ إنَّهما قَرَّبا هَداياهُما إلى النَّجاشيِّ فقَبِلَها مِنهما، ثُمَّ كَلَّماهُ فقالا له: أيُّها المَلِكُ، إنَّه قد صَبا إلى بَلَدِكَ مِنَّا غِلمانٌ سُفَهاءُ، فارَقوا دينَ قَومِهم، ولَم يَدخُلوا في دينِكَ وجاؤوا بدينٍ مُبتَدَعٍ لا نَعرِفُه نَحنُ ولا أنتَ، وقد بَعَثَنا إليكَ فيهم أشرافُ قَومِهم مِن آبائِهم وأعمامِهم وعَشائِرِهم لتَرُدَّهم إليهم، فهُم أعلى بهم عَينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم وعاتَبوهُم فيه. قالت: ولَم يَكُنْ شَيءٌ أبغَضَ إلى عَبدِ اللهِ بنِ أبي رَبيعةَ وعَمرِو بنِ العاصِ مِن أن يَسمَعَ النَّجاشيُّ كَلامَهم، فقالت بَطارِقَتُه حَولَه: صَدَقوا أيُّها المَلِكُ، قَومُهم أعلى بهم عَينًا وأعلَمُ بما عابوا عليهم فأسلِمهم إليهما فليَرُدَّاهُم إلى بلادِهم وقَومِهم. قال: فغَضِبَ النَّجاشيُّ ثُمَّ قال: لا هَيمُ اللهِ إذًا لا أُسلِمُهم إليهما ولا أُكادُ قَومًا جاوروني، ونَزَلوا بلادي واختاروني على مَن سِوايَ، حَتَّى أدعوَهُم فأسألَهم ما يَقولُ هذانِ في أمرِهم، فإن كانوا كما يَقولانِ أسلَمتُهم إليهما ورَدَدتُهم إلى قَومِهم، وإن كانوا على غَيرِ ذلك مَنَعتُهم مِنهما، وأحسَنتُ جِوارَهم ما جاوروني، قالت: ثُمَّ أرسَلَ إلى أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَعاهُم فلَمَّا جاءَهم رَسولُه اجتَمَعوا. ثُمَّ قال بَعضُهم لبَعضٍ: ما تَقولونَ للرَّجُلِ إذا جِئتُموهُ؟ قالوا: نَقولُ واللهِ ما عَلِمنا وما أمَرَنا به نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كائِنٌ في ذلك ما هو كائِنٌ، فلَمَّا جاؤوهُ، وقد دَعا النَّجاشيُّ أساقِفَتَه، فنَشَروا مَصاحِفَهم حَولَه، سَألَهم فقال: ما هذا الدِّينُ الذي فارَقتُم فيه قَومَكُم ولَم تَدخُلوا في ديني ولا في دينِ أحَدٍ مِن هذه الأُمَمِ؟ قالت: فكان الذي كَلَّمَه جَعفَرُ بنُ أبي طالِبٍ، فقال له: أيُّها المَلِكُ، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهِليَّةٍ نَعبُدُ الأصنامَ، ونَأكُلُ المَيتةَ، ونَأتي الفَواحِشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يَأكُلُ القَويُّ مِنَّا الضَّعيفَ، فكُنَّا على ذلك حَتَّى بَعَثَ اللهُ إلينا رَسولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَه وصِدقَه وأمانَتَه وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ تَعالى لنوحِّدَه ونَعبُدَه ونَخلَعَ ما كُنَّا نَعبُدُ نَحنُ وآباؤُنا مِن دونِه مِنَ الحِجارةِ والأوثانِ، وأمَرَ بصِدقِ الحَديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصِلةِ الرَّحِمِ، وحُسنِ الجِوارِ، والكَفِّ عنِ المَحارِمِ والدِّماءِ، ونَهانا عن الفَواحِشِ، وقَولِ الزُّورِ، وأكلِ مالِ اليَتيمِ، وقَذفِ المُحصَنةِ، وأمَرَنا أن نَعبُدَ اللهَ وحدَه لا نُشرِكَ به شَيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ. قال: فعَدَّدَ عليه أُمورَ الإسلامِ فصَدَّقناهُ وآمَنَّا به، واتَّبَعناهُ على ما جاءَ به، فعَبَدنا اللهَ وحدَه فلَم نُشرِكْ به شَيئًا، وحَرَّمنا ما حَرَّمَ علينا، وأحلَلنا ما أحَلَّ لَنا، فعَدا علينا قَومُنا فعَذَّبونا ففَتَنونا عن دينِنا ليَرُدُّونا إلى عِبادةِ الأوثانِ مِن عِبادةِ اللهِ، وأن نَستَحِلَّ ما كُنَّا نَستَحِلُّ مِنَ الخَبائِثِ، فلَمَّا قَهَرونا وظَلَمونا، وشَقُّوا علينا، وحالوا بَينَنا وبَينَ دينِنا، خَرَجنا إلى بَلَدِكَ، واختَرناكَ على مَن سِواكَ، ورَغِبنا في جِوارِكَ، ورَجَونا أن لا نُظلَمَ عِندَكَ أيُّها المَلِكُ. قالت: فقال له النَّجاشيُّ: هَل مَعَكَ مِمَّا جاءَ به عنِ اللهِ مِن شَيءٍ؟ قالت: فقال له جَعفَرٌ: نَعَم. فقال له النَّجاشيُّ: فاقرَأْه عليَّ. فقَرَأ عليه صَدرًا مِن {كَهيعص}. قالت: فبَكى واللهِ النَّجاشيُّ حَتَّى أخضَلَ لحيَتَه، وبَكَت أساقِفَتُه حَتَّى أخضَلوا مَصاحِفَهم حينَ سَمِعوا ما تَلا عليهم، ثُمَّ قال النَّجاشيُّ: إنَّ هذا والذي جاءَ به موسى لَيَخرُجُ مِن مِشكاةٍ واحِدةٍ، انطَلِقا فواللهِ لا أُسلِمُهم إليكُم أبَدًا ولا أُكادُ. قالت أُمُّ سَلَمةَ رَضيَ اللهُ عنها: فلَمَّا خَرَجا مِن عِندِه قال عَمرو بنُ العاصِ: واللهِ لَآتيَنَّه غَدًا أعيبُهم عِندَه، ثُمَّ أستَأصِلُ به خَضراءَهم. قالت: فقال له عَبدُ اللهِ بنُ أبي رَبيعةَ -وكان أتقى الرَّجُلَينِ فينا-: لا تَفعَلْ؛ فإنَّ لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالَفونا. قال: واللهِ لَأُخبِرَنَّه أنَّهم يَزعُمونَ أنَّ عيسى ابنَ مَريَمَ عَبدٌ. قالت: ثُمَّ غَدا عليه الغَدَ. فقال له: أيُّها المَلِكُ، إنَّهم يَقولونَ في عيسى ابنِ مَريَمَ قَولًا عَظيمًا، فأرسِلْ إليهم فسَلْهم عَمَّا يَقولونَ فيه. قالت أُمُّ سَلَمةَ: فأرسَلَ إليهم يَسألُهم عنه، قالت: ولَم يَنزِلْ بنا مِثلُها، فاجتَمَعَ القَومُ. فقال بَعضُهم لبَعضٍ: ماذا تَقولونَ في عيسى إذا سَألَكُم عنه؟ قالوا: نَقولُ واللهِ فيه ما قال اللهُ وما جاءَ به نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كائِنًا في ذلك ما هو كائِنٌ، فلَمَّا دَخَلوا عليه قال لهم: ما تَقولونَ في عيسى ابنِ مَريَمَ؟ قال له جَعفَرُ بنُ أبي طالِبٍ: نَقولُ فيه الذي جاءَ به نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، هو عَبدُ اللهِ ورَسولُه ورُوحُه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ العَذراءِ البَتولِ. قالت: فضَرَبَ النَّجاشيُّ يَدَه على الأرضِ، فأخَذَ مِنها عودًا. ثُمَّ قال: ما عَدا عيسى ابنُ مَريَمَ ما قُلتَ هذا العودَ، فتَناخَرَت بَطارِقَتُه حَولَه حينَ قال ما قال، فقال: وإن نَخَرتُم واللهِ، اذهَبوا فأنتُم سُيومٌ بأرضي -والسُّيومُ: الآمِنونَ- مَن سَبَّكُم غُرِّمَ، ثُمَّ مَن سَبَّكُم غُرِّمَ، ثُمَّ مَن سَبَّكُم غُرِّمَ، فما أُحِبُّ أنَّ لي دَيرَ ذَهَبٍ وإنِّي آذَيتُ رَجُلًا مِنكُم، -والدَّيرُ بلِسانِ الحَبَشةِ: الجَبَلُ- رُدُّوا عليهما هَداياهُما، فلا حاجةَ لَنا بها، فواللهِ ما أخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشوةَ حينَ رَدَّ عليَّ مُلكي فآخُذَ الرِّشوةَ فيه، وما أطاعَ النَّاسَ فيَّ فأُطيعَهم فيه! قالت: فخَرَجا مِن عِندِه مَقبوحَينِ مَردودًا عليهما ما جاءا به، وأقَمنا عِندَه بخَيرِ دارٍ مَعَ خَيرِ جارٍ، قالت: فواللهِ إنَّا على ذلك إذ نَزَلَ به يَعني مَن يُنازِعُه في مُلكِه. قالت: فواللهِ ما عَلِمنا حُزنًا قَطُّ كان أشَدَّ مِن حُزنٍ حَزِنَّاهُ عِندَ ذلك؛ تَخَوُّفًا أن يَظهَرَ ذلك على النَّجاشيِّ فيَأتيَ رَجُلٌ لا يَعرِفُ مِن حَقِّنا ما كان النَّجاشيُّ يَعرِفُ مِنه. قالت: وسارَ النَّجاشيُّ وبَينَهما عَرضُ النِّيلِ، قال: فقال أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن رَجُلٌ يَخرُجُ حَتَّى يَحضُرَ وقعةَ القَومِ، ثُمَّ يَأتيَنا بالخَبَرِ. قالت: فقال الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ: أنا. قالت: وكان مِن أحدَثِ القَومِ سِنًّا، قالت: فنَفَخوا له قِربةً فجَعَلَها في صَدرِه، ثُمَّ سَبَحَ عليها حَتَّى خَرَجَ مِن ناحيةِ النِّيلِ التي بها مُلتَقى القَومِ، ثُمَّ انطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهم. قالت: ودَعَونا اللهَ تَعالى للنَّجاشيِّ بالظُّهورِ على عَدوِّهِ والتَّمكينِ له في بلادِه، واستَوسَقَ عليه أمرُ الحَبَشةِ، فكُنَّا عِندَه في خَيرِ مَنزِلٍ، حَتَّى قدِمنا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو بمَكَّةَ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
من دخل دار أبي سفيان فهو آمنصدق الحديث وأداء الأمانةمن دخل المسجد فهو آمنبني الحارث بن الخزرجفاغشنا به في مجالسنامن أغلق بابه فهو آمنعيسى عبد الله ورسولهبني الحارث بن خزرجالمهاجرون والأنصاربني حارث بن الخزرجالقرعة بين النساءيعفون عن المشركينفاغشنا في مجالسناعبد الله بن رواحةالأساقفة والمصاحفجعفر بن أبي طالبعبد الله بن أبيصفوان بن المعطللا تغبروا علينالا إله إلا اللهعبد الله ورسولهعامر بن الطفيلالمنذر بن عمرومحمد رسول اللهلا أسلمهم أبداالهدية والرشوةحرام بن ملحانمسطح بن أثاثةأذن الله فيهمصبر على الأذىإحدى الحسنيينسراقة بن مالكحسان بن ثابتحمنة بنت جحشالآيات العشرسعد بن عبادةقبل وقعة بدرزينب بنت جحشأسامة بن زيدزيد بن حارثةعيسى بن مريمذات النطاقينبراءة عائشةهجرة الحبشةحديث الإفكسورة النورآيات الإفكمر الظهرانأرض الحبشةابن الدغنةبرك الغمادشهد العقبةالاستنجاءآية الإفكالمنافقونبئر معونةالاستعذارأبو سفيانالنور: 11المستعربةعقر الفرسمسجد قباءسورة مريمصبر جميلأبو براءابن سلولالبطارقةباليميناستعذاراستبراءأم مسطحفتح مكةالإسلامالشهادةالنجاشيأبو بكرغار ثورالمدينةالأزلامالأنصارالكهيعصالإناءغسل...على...الحجابالحميةالداجنالعباسالأمانالنبوةالورودالسيومالرشوةمهاجرااستشهدأحدكميتنفسالنهياغتسلوربما
تخريج حديث عبد الله بن أبي
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








