أحاديث عن: انفلت رجل
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
22 نتيجة — لكلمة: انفلت رجل
⭐ حسن
📂 باب الصلح بين النَّبِيّ ﷺ...
عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة، وخرج رسول الله ﷺ حتَّى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبيّ، فقال: يا رسول الله! هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوأ جلود النمور، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عَنوة أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموه إلى كراع الغميم، فقال رسول الله ﷺ: «يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قُوة، فماذا تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتَّى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة». ثمّ أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة. قال: فسلك بالجيش تلك الطريق، فلمّا رأت خيلُ قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله ﷺ حتَّى إذا سلك ثنية المرار، بركت ناقته، فقال الناس: خلأت. فقال رسول الله ﷺ: «ما خلأت، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم، إِلَّا أعطيتهم إياها» ثمّ قال للناس:
«انزلوا». فقالوا: يا رسول الله، ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس. فأخرج رسول الله ﷺ سهمًا من كنانته فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القُلُب، فغرزه فيه فجاش الماء حتَّى ضرب الناس عنه بعطن. فلمّا اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبسر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدًا لم يأت لقتال، إنّما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه، فاتهموهم.
قال محمد بن إسحاق: قال الزهري: وكانت خزاعة في عيبة رسول الله ﷺ مشركها ومسلمها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئًا كان بمكة، فقالوا: وإن كان إنّما جاء لذلك فوالله! لا يدخلها أبدًا علينا عنوة، ولا تتحدث بذلك العرب. ثمّ بعثوا إليه مكرز بن حفص، أحد بني عامر بن لؤي، فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: «هذا رجل غادر». فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه رسول الله ﷺ بنحو ما كلم به أصحابه، ثمّ رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ.
قال: فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: «هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه»، فبعثوا الهدي، فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأى، فقال: يا معشر قريش! قد رأيت ما لا يحل صده، الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله. قالوا: اجلس، إنّما أنت أعرابي لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم، من التعنيف وسوء اللّفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثمّ جئت حتَّى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتَّى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه، فقال: يا محمد جمعت أوباش الناس، ثمّ جئت بهم لبيضتك لتفضها، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا. قال: وأبو بكر قاعد خلف رسول الله ﷺ فقال: امصص بظر اللات! أنحن ننكشف عنه؟ ! قال: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أبي قحافة». قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك
بها، ولكن هذه بها. ثمّ تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد، قال: فقرع يده. ثمّ قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبلَ - والله! - لا تصل إليك. قال: ويحك! ما أفظك وأغلظك! فتبسم رسول الله ﷺ. قال: من هذا يا محمد؟ قال ﷺ: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» قال: أغدر، وهل غسلت سوأتك إِلَّا بالأمس؟ ! قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا. قال: فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ وضوءا إِلَّا ابتدروه، ولا يبصق بصاقًا إِلَّا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إِلَّا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إنى جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت ملكا قطّ مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا، فروا رأيكم.
قال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له: «الثعلب» فلمّا دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش، حتَّى أتى رسول الله ﷺ فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله! إنى أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني: عثمان بن عفّان. قال: فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت، معظمًا لحرمته. فخرج عثمان حتَّى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله بين يديه وردف خلفه، وأجاره حتَّى بلغ رسالة رسول الله؟ ﷺ فانطلق عثمان حتَّى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتَّى يطوف به رسول الله ﷺ قال: واحتبسته قريش عندها، قال: وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل.
قال محمد: فحدثني الزهري: أن قريشًا بعثوا سهل بن عمرو، وقالوا: ائت محمدًا فصالحه ولا يكون في صلحه إِلَّا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عَنوة أبدًا. فأتاه سهل بن عمرو فلمّا رآه النَّبِيّ ﷺ قال: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرّجل». فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح، فلمّا التأم الأمر ولم يبق إِلَّا الكتاب، وثب عمر
ابن الخطّاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، أوليس برسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه حيث كان، فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد. ثمّ أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، أولسنا بالمسلمين أوليسوا بالمشركين؟ قال: «بلى» قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني». ثمّ قال عمر: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتَّى رجوت أن يكون خيرًا.
قال: ودعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب فقال: اكتب: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». فقال سهل بن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله: «اكتب باسمك اللهم. هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهلَ بن عمرو»، فقال: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله من أصحابه بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد رسول الله وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيهم ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب، فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب، إذا جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله ﷺ قال: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلمّا رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتَّى كادوا أن يهلكوا. فلمّا رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وقال: يا محمد! قد لَجَّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: «صدقت». فقام إليه فأخذ بتلابيبه. قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ قال: فزاد
الناس شرا إلى ما بهم، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدًا، وإنا لن نغدر بهم».
قال: فوثب إليه عمر بن الخطّاب فجعل يمشي مع أبي جندل إلى جنبه وهو يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه قال: فضن الرّجل بأبيه. قال: ونفذت القضية، فلمّا فرغا من الكتاب، وكان رسول الله ﷺ يُصَلِّي في الحرم، وهو مضطرب في الحل، قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس، انحروا واحلقوا». قال: فما قام أحد. قال: ثمّ عاد بمثلها، فما قام رجل حتَّى عاد ﷺ بمثلها، فما قام رجل. فرجع رسول الله ﷺ فدخل على أم سلمة فقال: «يا أم سلمة ما شأن الناس؟» قالت: يا رسول الله! قد دخلهم ما رأيت، فلا تكلمن منهم إنسانًا، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك. فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم أحدًا حتَّى أتى هديه فنحره، ثمّ جلس فحلق، قال: فقام الناس ينحرون ويحلقون. قال: حتَّى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق فنزلت سورة الفتح.
«انزلوا». فقالوا: يا رسول الله، ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس. فأخرج رسول الله ﷺ سهمًا من كنانته فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القُلُب، فغرزه فيه فجاش الماء حتَّى ضرب الناس عنه بعطن. فلمّا اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبسر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدًا لم يأت لقتال، إنّما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه، فاتهموهم.
قال محمد بن إسحاق: قال الزهري: وكانت خزاعة في عيبة رسول الله ﷺ مشركها ومسلمها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئًا كان بمكة، فقالوا: وإن كان إنّما جاء لذلك فوالله! لا يدخلها أبدًا علينا عنوة، ولا تتحدث بذلك العرب. ثمّ بعثوا إليه مكرز بن حفص، أحد بني عامر بن لؤي، فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: «هذا رجل غادر». فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه رسول الله ﷺ بنحو ما كلم به أصحابه، ثمّ رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ.
قال: فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: «هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه»، فبعثوا الهدي، فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأى، فقال: يا معشر قريش! قد رأيت ما لا يحل صده، الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله. قالوا: اجلس، إنّما أنت أعرابي لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم، من التعنيف وسوء اللّفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثمّ جئت حتَّى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتَّى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه، فقال: يا محمد جمعت أوباش الناس، ثمّ جئت بهم لبيضتك لتفضها، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا. قال: وأبو بكر قاعد خلف رسول الله ﷺ فقال: امصص بظر اللات! أنحن ننكشف عنه؟ ! قال: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أبي قحافة». قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك
بها، ولكن هذه بها. ثمّ تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد، قال: فقرع يده. ثمّ قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبلَ - والله! - لا تصل إليك. قال: ويحك! ما أفظك وأغلظك! فتبسم رسول الله ﷺ. قال: من هذا يا محمد؟ قال ﷺ: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» قال: أغدر، وهل غسلت سوأتك إِلَّا بالأمس؟ ! قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا. قال: فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ وضوءا إِلَّا ابتدروه، ولا يبصق بصاقًا إِلَّا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إِلَّا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إنى جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت ملكا قطّ مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا، فروا رأيكم.
قال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له: «الثعلب» فلمّا دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش، حتَّى أتى رسول الله ﷺ فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله! إنى أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني: عثمان بن عفّان. قال: فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت، معظمًا لحرمته. فخرج عثمان حتَّى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله بين يديه وردف خلفه، وأجاره حتَّى بلغ رسالة رسول الله؟ ﷺ فانطلق عثمان حتَّى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتَّى يطوف به رسول الله ﷺ قال: واحتبسته قريش عندها، قال: وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل.
قال محمد: فحدثني الزهري: أن قريشًا بعثوا سهل بن عمرو، وقالوا: ائت محمدًا فصالحه ولا يكون في صلحه إِلَّا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عَنوة أبدًا. فأتاه سهل بن عمرو فلمّا رآه النَّبِيّ ﷺ قال: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرّجل». فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح، فلمّا التأم الأمر ولم يبق إِلَّا الكتاب، وثب عمر
ابن الخطّاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، أوليس برسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه حيث كان، فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد. ثمّ أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، أولسنا بالمسلمين أوليسوا بالمشركين؟ قال: «بلى» قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني». ثمّ قال عمر: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتَّى رجوت أن يكون خيرًا.
قال: ودعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب فقال: اكتب: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». فقال سهل بن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله: «اكتب باسمك اللهم. هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهلَ بن عمرو»، فقال: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله من أصحابه بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد رسول الله وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيهم ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب، فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب، إذا جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله ﷺ قال: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلمّا رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتَّى كادوا أن يهلكوا. فلمّا رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وقال: يا محمد! قد لَجَّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: «صدقت». فقام إليه فأخذ بتلابيبه. قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ قال: فزاد
الناس شرا إلى ما بهم، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدًا، وإنا لن نغدر بهم».
قال: فوثب إليه عمر بن الخطّاب فجعل يمشي مع أبي جندل إلى جنبه وهو يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه قال: فضن الرّجل بأبيه. قال: ونفذت القضية، فلمّا فرغا من الكتاب، وكان رسول الله ﷺ يُصَلِّي في الحرم، وهو مضطرب في الحل، قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس، انحروا واحلقوا». قال: فما قام أحد. قال: ثمّ عاد بمثلها، فما قام رجل حتَّى عاد ﷺ بمثلها، فما قام رجل. فرجع رسول الله ﷺ فدخل على أم سلمة فقال: «يا أم سلمة ما شأن الناس؟» قالت: يا رسول الله! قد دخلهم ما رأيت، فلا تكلمن منهم إنسانًا، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك. فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم أحدًا حتَّى أتى هديه فنحره، ثمّ جلس فحلق، قال: فقام الناس ينحرون ويحلقون. قال: حتَّى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق فنزلت سورة الفتح.
حسن رواه الإمام أحمد (١٨٩١٠) عن يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب، عن عروة بن الزُّبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: فذكراه.
📚 كتاب سيرة النبي ﷺ
📖 اقرأ الشرح
أنه انفلت رجلٌ من القوم [ بني جُذيمةَ ] فأتى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأخبره الخبرَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هل أنكر عليه أحدٌ فقال نعم قد أنكر عليه رجلٌ أبيضُ رَبعةٌ فنهمه خالدٌ فسكت عنه وأنكر عليه رجلٌ آخرُ طويلٌ مُضطربٌ فاشتدَّت مراجعتُهما فقال عمرُ بنُ الخطابِ أما الأولُ يا رسولَ اللهِ فابني عبدُ اللهِ وأما الآخرُ فسالمٌ مولى أبي حُذيفةَ
أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يَقِتْ في الخمرِ حدًّا، قال ابنُ عبَّاسٍ: شَرِب رجُلٌ فسَكِرَ، فلُقِيَ في الفَجِّ، فانطَلَقْنا به إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا حاذى بدارِ العبَّاسِ انفَلَتَ، فدخَلَ على العبَّاسِ فالْتَزَمه، فذُكِرَ ذلكَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فضَحِك وقال: أفَعَلَها؟! ولم يَأمُرْ فيه بشَيءٍ
[أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ] لم يَقِتْ في الخَمرِ حَدًّا [قال ابنُ عبَّاسٍ: شَرِب رجُلٌ فسَكِرَ، فلُقِيَ في الفَجِّ، فانطَلَقْنا به إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا حاذى بدارِ العبَّاسِ انفَلَتَ، فدخَلَ على العبَّاسِ فالْتَزَمه، فذُكِرَ ذلكَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فضَحِك وقال: أفَعَلَها؟! ولم يَأمُرْ فيه بشَيءٍ.]
أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، لم يُقِتْ في الخَمرِ حَدًّا ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ : شَرِبَ رجلٌ فسَكِرَ ، فلُقِيَ يميلُ في فجٍّ ، فانطُلِقَ بِهِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ : فلمَّا حاذَى بدارِ عبَّاسٍ ، انفلتَ ، فدخلَ علَى عبَّاسٍ ، فالتزمَهُ مِن ورائِهِ ، فذَكَروا ذلِكَ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فضحِكَ ، وقالَ : قد فَعلَها ؟ ثمَّ لم يأمُرهُم فيهِ بشيءٍ
أنَّ رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - لم يَقِتْ في الخمرِ حدًّا وقالَ ابنُ عبَّاسٍ : شربَ رجلٌ فسكِرَ، فلُقِيَ يميلُ في فجٍّ، فانطُلِقَ بهِ إلى النَّبيِّ - صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - قال : فلمَّا حاذى بدارِ العبَّاسِ، انفلتَ فدخلَ على عبَّاسٍ فالتزمَهُ من ورائهِ فذكرَوا ذلكَ للنَّبيِّ - صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - فضحِكَ وقالَ: (قد فعلَها ثمَّ لم يأمرْهم فيهِ بشيءٍ)
قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ يَومٍ، وصَعِدَ المِنبَرَ، وكان لا يَصعَدُ عليه مِثلَ ذلك اليَومِ إلَّا يَومَ الجُمُعةِ، فاشتَدَّ ذلك على النَّاسِ، فمِن بينِ قائِمٍ وجالِسٍ، فأشارَ إليهم بيَدِه أنِ اقْعُدوا، فواللهِ ما قُمتُ مَقامي إلَّا لأمْرٍ يَنفَعُكم لا رَغبَةً ولا رَهبَةً، ولكنَّ تَميمًا الداريَّ أتاني فأخبَرَني خَبَرًا مَنَعَني القَيلولَةَ من الفَرَحِ وقُرَّةِ العَينِ، فأحبَبتُ أنْ أنشُرَ عليكم فَرَحَ نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ألَا إِنَّ ابنَ عَمٍّ لتَميمٍ الداريِّ أخبَرَني أنَّ الرِّيحَ أَلجَأَتْهم إلى جَزيرةٍ لا يَعرِفونُها، فقَعَدوا في قَواربِ السَّفينَةِ، فخَرَجوا بها، فإذا هُمْ بشَيءٍ أهدَبَ أسوَدَ كَثيرِ الشَّعَرِ، قالوا لها: ما أنتَ؟ قالت: أنا الجسَّاسَةُ، قالوا: أخْبِرينا؟ قالت: ما أنا مُخبِرُتُكم شَيئًا ولا سائِلَتُكم، ولكن هذا الدَّيرُ قد رَهِقتُموه فَأْتوه؛ فإنَّ فيه رَجُلًا بالأشْواقِ إلى أنْ تُخبِروه ويُخبِرَكم، فأَتَوْه فدَخَلوه عليه، فإذا هُمْ بشَيخٍ موثَقٍ شَديدِ الوِثاقِ، مُظهِرِ الحُزنِ، شَديدِ التَّشكِّي، قال لهم: مِن أين؟ فقالوا: من الشَّامِ، فقال: ما فَعَلتِ العَرَبُ؟ قالوا: نحن قَومٌ من العَرَبِ، عمَّ تَسأَلُ؟ قال: ما فَعَلَ الرَّجُلُ الذي خَرَجَ فيكم؟ قالوا: خَيرًا أتى قَومًا فأظهَرَه اللهُ عليهم، فأمْرُهم اليَومَ جَميعٌ، إلَهُهم واحِدٌ، ودِينُهم واحِدٌ، ونَبيُّهم واحِدٌ، قال: ما فَعَلتْ عَينُ زُغَرَ؟ قالوا: خَيرًا يَسقون منها لزُروعِهم، ويَستَقون منها لشُعَبِهم، قال: ما فَعَلَ نَخلٌ بين عمَّان وبَيْسانَ؟ قالوا: يُطعِمُ ثَمَرُه كُلَّ عامٍ، قال: ما فَعَلَتْ بُحَيرةُ الطَّبَريَّةِ؟ قالوا: تدفَّقُ بجَنَباتِها من كَثرَةِ الماءِ، قال: فزَفَرَ ثَلاثَ زَفَراتٍ ثم قال: لو انفَلَتُّ من وَثاقي هذا لم أَدَعْ أرضًا إلَّا وَطِئتُها برِجْليَّ هاتَينِ إلَّا طَيبَةَ، ليس لي عليها سَبيلٌ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إلى هذا انتَهَى وَحْيي، هذه طَيبَةُ، والذي نَفْسي بيَدِه ما فيها طَريقٌ ضيِّقٌ ولا واسِعٌ ولا سَهلٌ ولا جَبَلٌ إلَّا وعليه مَلَكٌ شاهِرٌ سَيفَه إلى يَومِ القيامَةِ
صلَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ وصعِدَ المنبرَ وَكانَ لا يصعَدُ علَيهِ قبلَ ذلِكَ إلَّا يومَ الجمعةِ، فاشتدَّ ذلِكَ علَى النَّاسِ فمِن بينِ قائمٍ وجالِسٍ، فأشارَ إليهم بيدِهِ أنِ اقعُدوا فإنِّي واللَّهِ ما قُمتُ مقامي هذا لأمرٍ ينفعُكُم، لرَغبةٍ ولا لرَهْبةٍ، ولَكِنَّ تميمًا الدَّاريَّ أتاني، فأخبرَني خبرًا مَنعَني القيلولةَ، منَ الفَرَحِ وقرَّةِ العينِ، فأحبَبتُ أن أنشُرَ عليكُم فرحَ نبيِّكم، ألا إنَّ ابنَ عمٍّ لتَميمٍ الدَّاريِّ أخبرَني، أنَّ الرِّيحَ ألجأَتْهم إلى جَزيرةٍ لا يعرِفونَها، فقعَدوا في قواربِ السَّفينةِ، فخَرجوا فيها، فإذا هُم بشيءٍ أَهْدَبَ أسودَ، قالوا لَهُ: ما أنتَ؟ قالَ: أَنا الجسَّاسةُ، قالوا: أخبِرينا، قالَت: ما أَنا بمُخْبِرَتِكُم شيئًا، ولا سائلتِكُم، ولَكِن هذا الدَّيرُ، قد رمَقتُموهُ، فأتوهُ، فإنَّ فيهِ رجلًا بالأشواقِ إلى أن تخبِروهُ ويُخْبِرَكم، فأتوهُ فدَخلوا علَيهِ، فإذا هم بشَيخٍ موثقٍ شديدِ الوثاقِ، يظهرُ الحُزنَ، شديدِ التَّشَكِّي، فقالَ لَهُم: مِن أينَ؟ قالوا: منَ الشَّامِ، قالَ: ما فعَلتِ العربُ؟ قالوا: نَحنُ قومٌ منَ العَربِ، عمَّ تسألُ؟ قالَ: ما فَعلَ هذا الرَّجلُ الَّذي خَرجَ فيكُم؟ قالوا: خَيرًا، ناوى قومًا، فأظهرَهُ اللَّهُ علَيهم، فأمرُهُمُ اليومَ جميعٌ: إلَهُهم واحدٌ، ودينُهُم واحدٌ، قالَ: ما فعَلت عينُ زغرَ؟ قالوا: خيرًا يَسقونَ منها زروعَهُم، ويستَقونَ منها لسقيِهِم، قالَ: فما فعلَ نخلٌ بينَ عمَّانَ وبيسانَ؟ قالوا: يَطعمُ ثمرَهُ كلَّ عامٍ، قالَ: فما فعَلت بُحَيْرةُ الطَّبريَّةِ؟ قالوا: تَدفَّقُ جنباتُها مِن كثرةِ الماءِ، قالَ: فزفرَ ثلاثَ زفراتٍ، ثمَّ قالَ: لوِ انفلَتُّ مِن وثاقي هذا، لم أدَع أرضًا إلَّا وَطِئْتُها برجلَيَّ هاتينِ، إلَّا طَيبةَ، ليسَ لي عليها سبيلٌ، قالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: إلى هذا ينتَهي فرحي، هذِهِ طَيبةُ، والَّذي نَفسي بيدِهِ، ما فيها طريقٌ ضيِّقٌ، ولا واسعٌ، ولا سَهْلٌ، ولا جبَلٌ، إلَّا وعلَيهِ ملَكٌ شاهرٌ سيفَهُ إلى يومِ القيامةِ
إني واللهِ ، ما قمتُ مقامي لأمرٍ ينفعكم لرغبةٍ ولا لرهبٍة ، ولكنَّ تميمًا الدَّاريَّ أتاني فأخبرني خبرًا منعَني القَيْلولَةَ من الفرحِ وقُرَّةِ العَينِ ، فأحبَبتُ أن أنشرَ عليكم فرحَ نبيِّكم ، ألا إنَّ تميمًا الدَّاريَّ أخبرني : أنَّ الريحَ ألجأَتْهم إلى جزيرةٍ لا يعرفونها ، فقعدوا في قواربِ السَّفينةِ ، حتى خرجوا إلى الجزيرة ، فإذا هم بشيءٍ أَهْلَبَ ، كثيرَ الشَّعرِ ، قالوا له : ما أنت ؟ قالت : أنا الجسَّاسَةُ ، قالوا : أخبِرينا ، قالت : ما أنا بمخبِرَتُكم شيئًا ؛ ولا سائلتُكم شيئًا ولكن هذا الدِّيرُ ، قد رَمَقْتُموه فأْتوه ، فإنَّ فيه رجلًا بالأشْواقِ إلى أن تُخبِروه ويخبركم ، فأَتَوه ، فدخلوا عليه ، فإذا هم بشيخٍ مُوثَقٍ ، شديدَ الوَثاقِ ، يُظهِرُ الحزْنَ ؛ شديدُ التشكِّي ؛ فقال لهم : من أين ؟ قالوا : من الشامِ ، قال : ما فعلَتِ العربُ ؟ قالوا : نحن قومٌ من العربِ ، عمَّ تسألُ ؟ قال : ما فعل هذا الرجلُ الذي خرج فيكم ؟ قالوا : خيرًا ، ناوَى قومًا ، فأظهره اللهُ عليهم ، فأمرُهم اليومَ جميعٌ : إلهُهم واحدٌ ، ودينُهم واحدٌ ، قال : ما فعلَتْ عينُ زُغَرَ ؟ قالوا : خيرًا ، يَسقون منها زرعَهم ، ويستَقون منها لِسَقْيِهم ، قال : ما فعل نخلُ بئرِ عُمانَ وبَيْسانَ ؟ قالوا : يُطعِمُ ثمرَه كلَّ عامٍ ، قال : ما فعلَتْ بُحَيرةُ طبَريَّةَ ؟ قالوا : تدفَّقَ جنَباتُها من كثرةِ الماءِ ، فزفَر ثلاثَ زَفَراتٍ ثم قال : لو انفلتُّ من وَثاقي هذا لم أدَعْ أرضًا إلا وطِئتُها برجليَّ هاتَين ؛ إلا طَيْبَةَ ، ليس لي عليها سبيلٌ ، إلى هذا انتهى فرَحي ، هذه طَيْبَةُ ، والذي نفسي بيدِه ، ما فيها طريق ضَيِّقٌ ، ولا واسعٌ ، ولا سهلٌ ، ولا جبلٌ ، إلا وعليه ملَكٌ شاهرٌ سَيْفَه إلى يومِ القيامةِ
«خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عامَ الحُدَيبيةِ يُريدُ زيارةَ البَيتِ، لا يُريدُ قِتالًا، وساقَ مَعَه الهَديَ سَبعينَ بَدَنةً، وكان النَّاسُ سَبعَ مِائةِ رَجُلٍ، فكانَت كُلُّ بَدَنةٍ عن عَشَرةٍ، قال: وخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بعُسفانَ لَقيَه بشرُ بنُ سُفيانَ الكَعبيُّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، هذه قُرَيشٌ قد سَمِعَت بمَسيرِكَ، فخَرَجَت مَعَها العوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وهذا خالِدُ بنُ الوليدِ في خَيلِهم قَدِموا إلى كُراعِ الغَميمِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا وَيحَ قُرَيشٍ، لَقد أكَلَتهمُ الحَربُ، ماذا عليهم لَو خَلَّوا بَيني وبَينَ سائِرِ النَّاسِ، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهَرَني اللهُ عليهم دَخَلوا في الإسلامِ وهُم وافِرونَ، وإن لم يَفعَلوا قاتَلوا وبهم قوَّةٌ، فماذا تَظُنُّ قُرَيشٌ، واللهِ إنِّي لا أزالُ أُجاهِدُهم على الذي بَعَثَني اللهُ له حَتَّى يُظهرَه اللهُ له أو تَنفَرِدَ هذه السَّالِفةُ»، ثُمَّ أمَرَ النَّاسَ، فسَلَكوا ذاتَ اليَمينِ بَينَ ظَهرَيِ الحَمضِ على طَريقٍ تُخرِجُه على ثَنيَّةِ المُرارِ والحُدَيبيةِ مِن أسفَلِ مَكَّةَ، قال: فسَلَكَ بالجَيشِ تلك الطَّريقَ، فلَمَّا رَأت خَيلُ قُرَيشٍ قَترةَ الجَيشِ قد خالَفوا عن طَريقِهم، نَكَصوا راجِعينَ إلى قُرَيشٍ، فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا سَلَكَ ثَنيَّةَ المُرارِ بَرَكَت ناقَتُه، فقال النَّاسُ: خَلَأت. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما خَلَأت، وما هو لها بخُلُقٍ، ولَكِن حَبَسَها حابِسُ الفيلِ عن مَكَّةَ، واللهِ لا تَدعوني قُرَيشٌ اليَومَ إلى خُطَّةٍ يَسألوني فيها صِلةَ الرَّحِمِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها» ثُمَّ قال للنَّاسِ: «انزِلوا» فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، ما بالوادي مِن ماءٍ يَنزِلُ عليه النَّاسُ. فأخرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَهمًا مِن كِنانَتِه، فأعطاه رَجُلًا مِن أصحابِه، فنَزَلَ في قَليبٍ مِن تلك القُلُبِ، فغَرَزَه فيه، فجاشَ الماءُ بالرِّواءِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عنه بعَطَنٍ، فلَمَّا اطمَأنَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا بُدَيلُ بنُ ورقاءَ في رِجالٍ مِن خُزاعةَ، فقال لهم كَقَولِه لبَشيرِ بنِ سُفيانَ، فرَجَعوا إلى قُرَيشٍ فقالوا: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنَّكُم تَعجَلونَ على مُحَمَّدٍ، وإنَّ مُحَمَّدًا لم يَأتِ لقِتالٍ، إنَّما جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحَقِّه. فاتَّهَموهُم. قال مُحَمَّدٌ يَعني ابنَ إسحاقَ: قال الزُّهريُّ: وكانَت خُزاعةُ في عَيبةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُسلِمُها ومُشرِكُها، لا يُخفونَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيئًا كان بمَكَّةَ، قالوا: وإن كان إنَّما جاءَ لذلك، فلا واللهِ لا يَدخُلُها أبَدًا علينا عَنوةً، ولا تَتَحَدَّثُ بذلك العَرَبُ. ثُمَّ بَعَثوا إليه مِكرَزَ بنَ حَفصِ بنِ الأخيَفِ، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: «هذا رَجُلٌ غادِرٌ». فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بنَحوٍ مِمَّا كَلَّمَ به أصحابَه، ثُمَّ رَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فأخبَرَهم بما قال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فبَعَثوا إليه الحِلْسَ بنَ عَلقَمةَ الكِنانيَّ، وهو يَومَئِذٍ سَيِّدُ الأحابِشِ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «هذا مِن قَومٍ يَتَألَّهونَ، فابعَثوا الهَديَ في وَجههِ». فبَعَثوا الهَديَ، فلَمَّا رَأى الهَديَ يَسيلُ عليه مِن عُرضِ الوادي في قَلائِدِه، قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه، رَجَعَ، ولَم يَصِلْ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إعظامًا لما رَأى، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، قد رَأيتُ ما لا يَحِلُّ صَدُّه: الهَديَ في قَلائِدِه قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه. فقالوا: اجلِسْ، إنَّما أنتَ أعرابيٌّ لا عِلمَ لَكَ، فبَعَثوا إليه عُروةَ بنَ مَسعودٍ الثَّقَفيَّ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي قد رَأيتُ ما يَلقى مِنكُم مَن تَبعَثونَ إلى مُحَمَّدٍ إذا جاءَكُم، مِنَ التَّعنيفِ وسوءِ اللَّفظِ، وقد عَرَفتُم أنَّكُم والِدٌ وأنِّي ولَدٌ، وقد سَمِعتُ بالذي نابَكُم، فجَمَعتُ مَن أطاعَني مِن قَومي، ثُمَّ جِئتُ حَتَّى آسَيتُكُم بنَفسي. قالوا: صَدَقتَ، ما أنتَ عِندَنا بمُتَّهَمٍ. فخَرَجَ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجَلَسَ بَينَ يَدَيه، فقال: يا مُحَمَّدُ، جَمَعتَ أوباشَ النَّاسِ، ثُمَّ جِئتَ بهم لبَيضَتِكَ لتَفُضَّها، إنَّها قُرَيشٌ قد خَرَجَت مَعَها العُوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وأيمُ اللهِ لَكَأنِّي بهؤلاء قدِ انكَشَفوا عنكَ غَدًا. قال: وأبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ خَلفَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قاعِدٌ، فقال: امصُصْ بَظرَ اللَّاتِ، أنَحنُ نَنكَشِفُ عنه؟! قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أبي قُحافةَ» قال: واللهِ لَولا يَدٌ كانَت لَكَ عِندي لَكافَأتُكَ بها، ولَكِن هذه بها. ثُمَّ تَناولَ لحيةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمُغيرةُ بنُ شُعبةَ واقِفٌ على رَأسِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحَديدِ، قال: يَقرَعُ يَدَه، ثُمَّ قال: أمسِكْ يَدَكَ عن لحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ واللهِ لا تَصِلُ إليكَ. قال: ويحَكَ، ما أفظَّكَ وأغلَظَكَ! قال: فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أخيكَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ» قال: أَغُدَرُ! هَل غَسَلتُ سَوأتَكَ إلَّا بالأمسِ؟! قال: فكَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمِثلِ ما كَلَّمَ به أصحابَه، فأخبَرَه أنَّه لم يَأتِ يُريدُ حَربًا. قال: فقامَ مِن عِندِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقد رَأى ما يَصنَعُ به أصحابُه، لا يَتَوضَّأُ وُضوءًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَبسُقُ بُساقًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَسقُطُ مِن شَعرِه شَيءٌ إلَّا أخَذوهُ، فرَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي جِئتُ كِسرى في مُلكِه، وجِئتُ قَيصَرَ والنَّجاشيَّ في مُلكِهما، واللهِ ما رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ مِثلَ مُحَمَّدٍ في أصحابِه، ولَقد رَأيتُ قَومًا لا يُسلِمونَه لشَيءٍ أبَدًا، فرُوا رَأيَكُم. قال: وقد كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ ذلك بَعَثَ خِراشَ بنَ أُمَيَّةَ الخُزاعيَّ إلى مَكَّةَ، وحَمَلَه على جَمَلٍ له يُقالُ له: الثَّعلَبُ، فلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَقَرَت به قُرَيشٌ، وأرادوا قَتلَ خِراشٍ، فمَنَعَهمُ الأحابِشُ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَعا عُمَرَ ليَبعَثَه إلى مَكَّةَ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أخافُ قُرَيشًا على نَفسي، وليس بها مِن بَني عَديٍّ أحَدٌ يَمنَعُني، وقد عَرَفَت قُرَيشٌ عَداوتي إيَّاها، وغِلظَتي عليها، ولَكِن أدُلُّكَ على رَجُلٍ هو أعَزُّ مِنِّي: عُثمانَ بنِ عَفَّانَ. قال: فدَعاه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَعَثَه إلى قُرَيشٍ يُخبِرُهم أنَّه لم يَأتِ لحَربٍ، وأنَّه جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحُرمَتِه، فخَرَجَ عُثمانُ حَتَّى أتى مَكَّةَ، ولَقيَه أبانُ بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ، فنَزَلَ عن دابَّتِه وحَمَلَه بَينَ يَدَيه، ورَدِفَ خَلفَه، وأجارَه حَتَّى بَلَّغَ رِسالةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فانطَلَقَ عُثمانُ حَتَّى أتى أبا سُفيانَ وعُظَماءَ قُرَيشٍ، فبَلَّغَهم عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أرسَلَه به، فقالوا لعُثمانَ: إن شِئتَ أن تَطوفَ بالبَيتِ فطُفْ به. فقال: ما كُنتُ لأفعَلَ حَتَّى يَطوفَ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فاحتَبَسَته قُرَيشٌ عِندَها، فبَلَغَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمينَ أنَّ عُثمانَ قد قُتِلَ. قال مُحَمَّدٌ: فحَدَّثَني الزُّهريُّ: أنَّ قُرَيشًا بَعَثوا سُهَيلَ بنَ عَمرٍو، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فقالوا: ائتِ مُحَمَّدًا فصالِحْه، ولا يَكونُ في صُلحِه إلَّا أن يَرجِعَ عنَّا عامَه هذا، فواللهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّه دَخَلَها علينا عَنوةً أبَدًا، فأتاه سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فلَمَّا رَآهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «قد أرادَ القَومُ الصُّلحَ حينَ بَعَثوا هذا الرَّجُلَ»، فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَكَلَّما، وأطالا الكَلامَ، وتَراجَعا حَتَّى جَرى بَينَهما الصُّلحُ، فلَمَّا التَأمَ الأمرُ ولَم يَبقَ إلَّا الكِتابُ وثَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فأتى أبا بَكرٍ، فقال: يا أبا بَكرٍ، أوَليس برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: بَلى. قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا. فقال أبو بَكرٍ: يا عُمَرُ، الزَمْ غَرزَه حَيثُ كان، فإنِّي أشهَدُ أنَّه رَسولُ اللهِ. قال عُمَرُ: وأنا أشهَدُ، ثُمَّ أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: «بَلى»، قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا؟ فقال: «أنا عَبدُ اللهِ ورَسولُه، لَن أُخالِفَ أمرَه، ولَن يُضَيِّعَني» ثُمَّ قال عُمَرُ: ما زِلتُ أصومُ وأتَصَدَّقُ وأُصَلِّي وأُعتِقُ مِنَ الذي صَنَعتُ؛ مَخافةَ كَلامي الذي تَكَلَّمتُ به يَومَئِذٍ حَتَّى رَجَوتُ أن يَكونَ خَيرًا، قال: ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لا أعرِفُ هذا، ولَكِنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، هذا ما صالَحَ عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لَو شَهِدتُ أنَّكَ رَسولُ اللهِ لم أُقاتِلْك، ولَكِنِ اكتُبْ: هذا ما اصطَلَحَ عليه مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ وسُهَيلُ بنُ عَمرٍو على وضعِ الحَربِ عَشرَ سِنينَ، يَأمَنُ فيها النَّاسُ، ويَكُفُّ بَعضُهم عن بَعضٍ، على أنَّه مَن أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أصحابِه بغَيرِ إذنِ وليِّه رَدَّه عليهم، ومَن أتى قُرَيشًا مِمَّن مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَرُدُّوهُ عليه، وإنَّ بَينَنا عَيبةً مَكفوفةً، وإنَّه لا إسلالَ ولا إغلالَ. وكان في شَرطِهم حينَ كَتَبوا الكِتابَ أنَّه مَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ مُحَمَّدٍ وعَهدِه دَخَلَ فيه، ومَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم دَخَلَ فيه، فتَواثَبَت خُزاعةُ فقالوا: نَحنُ مَعَ عَقدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعَهدِه، وتَواثَبَت بَنو بَكرٍ، فقالوا: نَحنُ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم. وأنَّكَ تَرجِعُ عنَّا عامَنا هذا، فلا تَدخُلْ علينا مَكَّةَ، وأنَّه إذا كان عامُ قابِلٍ خَرَجنا عنكَ، فتَدخُلُها بأصحابِكَ، وأقَمتَ فيهم ثَلاثًا مَعَكَ سِلاحُ الرَّاكِبِ، لا تَدخُلها بغَيرِ السُّيوفِ في القُرُبِ. فبَينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَكتُبُ الكِتابَ إذ جاءَه أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو في الحَديدِ قدِ انفَلَتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: وقد كان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجوا وهُم لا يَشُكُّونَ في الفَتحِ لرُؤيا رَآها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا رَأوا ما رَأوا مِنَ الصُّلحِ والرُّجوعِ، وما تَحَمَّلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على نَفسِه، دَخَلَ النَّاسَ مِن ذلك أمرٌ عَظيمٌ حَتَّى كادوا أن يَهلِكوا، فلَمَّا رَأى سُهَيلٌ أبا جَندَلٍ، قامَ إليه، فضَرَبَ وجهَه، ثُمَّ قال: يا مُحَمَّدُ، قد لَجَّتِ القَضيَّةُ بَيني وبَينَكَ قَبلَ أن يَأتيَكَ هذا. قال: «صَدَقتَ». فقامَ إليه، فأخَذَ بتَلبيبِه، قال: وصَرَخَ أبو جَندَلٍ بأعلى صَوتِه: يا مَعاشِرَ المُسلِمينَ، أتَرُدُّونَني إلى أهلِ الشِّركِ، فيَفتِنوني في ديني. قال: فزادَ النَّاسُ شَرًّا إلى ما بهم. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا أبا جَندَلٍ اصبِرْ واحتَسِبْ؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ جاعِلٌ لَكَ ولمَن مَعَكَ مِنَ المُستَضعَفينَ فرَجًا ومَخرَجًا، إنَّا قد عَقدنا بَينَنا وبَينَ القَومِ صُلحًا، فأعطَيناهُم على ذلك، وأعطَونا عليه عَهدًا، وإنَّا لَن نَغدِرَ بهم». قال: فوثَبَ إليه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مَعَ أبي جَندَلٍ، فجَعَلَ يَمشي إلى جَنبِه وهو يَقولُ: اصبِرْ أبا جَندَلٍ؛ فإنَّما هُمُ المُشرِكونَ، وإنَّما دَمُ أحَدِهم دَمُ كَلبٍ. قال: ويُدني قائِمَ السَّيفِ مِنه. قال: يَقولُ: رَجَوتُ أن يَأخُذَ السَّيفَ، فيَضرِبَ به أباه. قال: فضَنَّ الرَّجُلُ بأبيه، ونَفَذَتِ القَضيَّةُ، فلَمَّا فرَغا مِنَ الكِتابِ، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي في الحَرَمِ وهو مُضطَرِبٌ في الحِلِّ. قال: فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: «يا أيُّها النَّاسُ، انحَروا واحلِقوا» قال: فما قامَ أحَدٌ، قال: ثُمَّ عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، حَتَّى عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، فرَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فقال: «يا أُمَّ سَلَمةَ، ما شَأنُ النَّاسِ؟» قالت: يا رَسولَ اللهِ، قد دَخَلَهم ما قد رَأيتَ، فلا تُكَلِّمَنَّ مِنهم إنسانًا، واعمِدْ إلى هَديِكَ حَيثُ كان فانحَرْه واحلِقْ، فلَو قد فعَلتَ ذلك فعَلَ النَّاسُ ذلك. فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُكَلِّمُ أحَدًا حَتَّى أتى هَديَه فنَحَرَه، ثُمَّ جَلَسَ فحَلَقَ، فقامَ النَّاسُ يَنحَرونَ ويَحلِقونَ. قال: حَتَّى إذا كان بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ في وسَطِ الطَّريقِ، فنَزَلَت سورةُ الفَتحِ
أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لم يقت في الخمر حدا وقال ابن عبًاس شرب رجل فسكر فلقي يميل في الفج فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حاذى بدار العبًاس انفلت فدخل على العبًاس فالتزمه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك وقال أفعلها ولم يأمر فيه بشيء
شرِبَ رجلٌ فسكِرَ فلُقيَ يميلُ في الفجِّ فانطلقَ بهِ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فلمَّا حاذى دارَ العبَّاسِ انفلتَ فدخلَ على العبَّاسِ فالتزمَهُ فذكرَ ذلكَ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فضَحِكَ وقالَ أفَعَلَها ولم يأمر فيهِ بشيءٍ
أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يَقِتْ في الخمرِ حَدًّا. وقال ابنُ عبَّاسٍ: شرِبَ رجُلٌ فسكِرَ فلُقِي يَميلُ في الفَجِّ، فانطُلِقَ به إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا حاذى دارَ العباسِ انفَلتَ، فدخَلَ على العباسِ، فالتَزمَه، فذُكِرَ ذلك للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فضحِكَ، وقال: أفعَلَها؟ ولم يأمُرْ فيه بشيءٍ
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، لم يَقِت في الخَمرِ حَدًّا، قال ابنُ عبَّاسٍ: شرِبَ رَجُلٌ فسكِرَ، فلُقيَ يَميلُ في فَجٍّ، فانطُلِقَ به إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: فلمَّا حاذى بِدارِ عبَّاسٍ انفلَتَ، فدخَلَ على عبَّاسٍ، فالتزَمَه مِن وَرائِه، فذَكَروا ذلك للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فضحِكَ، وقال: قد فعَلَها؟ ثم لم يَأمُرْهم فيه بِشيءٍ
أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لم يقت في الخمرِ حدًّا. وقالَ ابنُ عبَّاسٍ شربَ رجلٌ فسَكرَ فلقيَ يميلُ في الفجِّ فانطلقَ بِهِ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فلمَّا حاذى بدارِ العبَّاسِ انفلتَ فدخلَ على العبَّاسِ فالتزمَهُ فذُكرَ ذلِكَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فضحِكَ وقالَ: أفعلَها. ولم يأمر فيهِ بشيءٍ
شربَ رجلٌ فسَكِرَ، فلُقيَ يميلُ في الفجِّ، فانطُلِقَ بِهِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، فلمَّا حاذى دارَ العبَّاسِ، انفلَتَ فدخلَ على العبَّاسِ فالتزمَهُ، فذُكرَ ذلِكَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فضحِكَ، وقالَ: أفعلَها ؟ ولم يأمُرْ فيهِ بشيءٍ
قال جعفرُ بنُ أبي طالبٍ: يا رسولَ اللهِ، ائذَنْ لي أنْ آتِيَ أرضًا أعبُدُ اللهَ فيها، لا أخافُ أحدًا حتَّى أموتَ، قال: فأذِنَ له، فأتى النَّجاشِيَّ. فقال مُعاذٌ: عنِ ابنِ عونٍ، فحدَّثني عميرُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني عمرُو بنُ العاصِ، قال: لمَّا رأَيْتُ جعفرًا وأصحابَه آمنينَ بأرضِ الحبشةِ، قلْتُ: لأفعلَنَّ بهذا وأصحابِه، فأتَيْتُ النَّجاشيَّ، فقلْتُ: ائذَنْ لعمرِو بنِ العاصِ، فأذِنَ لي، فدخَلْتُ فقلْتُ: إنَّ بأرضِنا ابنَ عمٍّ لهذا يزعُمُ أنَّه ليس للنَّاسِ إلَّا إلهٌ واحدٌ، وإنَّا -واللهِ- إنْ لم تُرِحْنا منه وأصحابِه لا أقطَعُ إليك هذه النُّطفةَ أبدًا ولا أحدٌ مِن أصحابي. فقال: أين هو؟ فقال: إنَّه يَجِيءُ مع رسولِه، إنَّه لا يَجِيءُ معي، فأرسِلْ معي رسولًا، فوجَدْناه قاعدًا بين أصحابِه، فدَعاه فجاء، فلمَّا أتَيْتُ البابَ نادَيْتُ: ائذَنْ لعمرِو بنِ العاصِ، ونادى خلفي: ائذَنْ لحِزْبِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فسمِعَ صوتَه، فأذِنَ له، فدخَلَ ودخَلْتُ، فإذا النَّجاشيُّ على السَّريرِ، وجعَلْتُه خلْفَ ظَهْري، وأقعَدْتُ بين كلِّ رجُلينِ مِن أصحابِه رجُلًا مِن أصحابي. قال: فسكَتَ وسكَتْنا، وسكَتَ وسكَتْنا، حتَّى قلْتُ في نفْسِي: الْعَنْ هذا العبْدَ الحبشِيَّ، أَلَا يتكلَّمُ؟ ثمَّ تكلَّمَ فقال: نجروا، قال عمرٌو: أي: تكلَّموا، فقلْتُ: إنَّ ابنَ عمِّ هذا يزعُمُ أنَّه ليس للنَّاسِ إلَّا إلهٌ واحدٌ، وإنَّك- واللهِ- إنْ لم تقتُلْه لا أقطَعُ إليك هذه النُّطفةَ أبدًا، أنا ولا واحدٌ مِن أصحابي. فقال: يا أصحابَ عمرٍو، ما تقولونَ؟ قالوا: نحن على ما قال عمرٌو. قال: يا حزبَ اللهِ نجر. قال: فتشهَّدَ جعفرٌ، فقال عمرٌو: واللهِ إنَّه لأوَّلُ يومٍ سمِعْتُ فيه التَّشهُّدَ لَيومئذٍ. فقال: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبْدُه ورسولُه. قال: فأنت ما تقولُ؟ قال: أنا على دِينِه –قال: فرفَعَ يَدَهُ فوضَعَها على جَبِينِه فيما وصَفَ ابنُ عونٍ– ثمَّ قال: أَنَامُوسٌ كَنَامُوسِ موسى؟! ما يقولُ في عيسى؟ قال: يقولُ: رُوحُ اللهِ وكلمتُه. قال: فأخَذَ شيئًا مِن الأرضِ، فقال: ما أخطَأَ فيه، مثْلُ هذه، وقال: لولا مُلْكي لاتَّبَعتُكم. اذهَبْ أنت يا عمرُو، فواللهِ ما أُبَالي ألَّا تأْتِيَني أنت ولا أحدٌ مِن أصحابِك أبدًا، واذهَبْ أنت يا حزبَ اللهِ فأنت آمِنٌ، مَن قتَلَك قتَلْتُه، ومَن سلَبَك عزَّرْتُه. وقال لِآذِنِه: انظْرُ هذا، فلا تحجِبْه عنِّي إلَّا أنْ أكونَ مع أهْلي، فإنْ كنْتُ مع أهْلي فأخْبِرْه، فإنْ أَبَى إلَّا أنْ تأذَنَ له، فأذَنْ له. قال: فلمَّا كان ذاتَ عَشِيَّةٍ لَقِيتُه في السِّكَّةِ، فنظَرْتُ خلْفَه، فلَمْ أَرَ خلْفَه أحدًا، فأخَذْتُ بيَدِهِ، فقلْتُ: تعلَمُ أنِّي أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ؟ قال: فغمَزَني وقال: أنت على هذا، وتفرَّقْنا. فما هو إلَّا أنْ أتَيْتُ أصحابي، فكأنَّما شهِدُوني وإيَّاه، فما سأَلوني عن شَيءٍ حتَّى أخَذوني فصَرَعوني، فجَعَلوا على وجْهِي قطيفةً، وجَعَلوا يغُمُّوني بها، وجعَلْتُ أُخْرِجُ رأْسي أحيانًا حتَّى انْفَلَتُّ عُريانًا ما عليَّ قِشرةٌ، ولم يَدَعوا لي شيئًا إلَّا ذَهَبوا به، فأخَذْتُ قِناعَ امرأةٍ عن رأْسِها فوضَعْتُه على فَرْجي، فقالت لي: كذا، وقلْتُ: كذا، كأنَّها تعجَبُ مِنِّي. قال: وأتَيْتُ جعفرًا، فدخَلْتُ عليه بيتَه، فلمَّا رآني قال: ما شأْنُك؟ قلْتُ: ما هو إلَّا أنْ أتَيْتُ أصحابي كأنَّما شَهِدوني وإيَّاك، فما سأَلوني عن شَيءٍ حتَّى طَرَحوا على وجْهِي قطيفةً غَمَّوني بها –أو غَمَزوني بها- وذَهَبوا بكلِّ شَيءٍ مِن الدُّنيا هو لي، وما ترى عليَّ إلَّا قناعَ حبشيَّةٍ أخذْتُه مِن رأْسِها، فقال: انطلِقْ. فلمَّا انتهَيْنا إلى بابِ النَّجاشيِّ نادى: ائذَنْ لِحزبِ اللهِ، وجاء آذِنُه فقال: إنَّه مع أهلِه، فقلْتُ: استئذِنْ لي عليه، فاستأذَنَ له عليه، فأذِنَ له، فلمَّا دخَلَ قال: إنَّ عمرًا قد ترَكَ دِينَه واتَّبَعَ دِينِي، قال: كلَّا، قال: بلى. فدَعا آذِنَه فقال: اذهَبْ إلى عمرٍو، فقُلْ: إنَّ هذا يزعُمُ أنَّك تركْتَ دِينَك واتَّبعْتَ دِينَه؟ فقلْتُ: نعم. فجاء إلى أصحابي حتَّى قُمْنا على بابِ البيتِ، وكتبْتُ كلَّ شَيءٍ، حتَّى كتبْتُ المِنديلَ، فلم أدَعْ شيئًا ذهَبَ إلَّا أخذْتُه، ولو أشاء أنْ آخُذَ مِن أموالِهم لأخذْتُ. قال: ثمَّ كنْتُ بعدُ مِن الَّذين أقْبَلوا في السُّفُنِ مُسلمينَ
صلَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، ذاتَ يومٍ ، وصعِدَ المنبرَ ، وَكانَ لا يصعَدُ عليهِ قبلَ ذلِكَ ، إلَّا يومَ الجمعةِ ، فاشتدَّ ذلِكَ على النَّاسِ فمِن بينِ قائمٍ وجالسٍ ، فأشارَ إليهِم بيدِهِ ، أنِ اقعُدوا فإنِّي واللَّهِ ما قُمتُ مقامي هذا لأمرٍ ينفعُكُم ، لِرغبةٍ ولا لرَهْبةٍ ، ولَكِنَّ تميمًا الدَّاريَّ أتاني ، فأخبرَني خبرًا منعَني القيلولةَ ، منَ الفَرحِ وقرَّةِ العينِ ، فأحبَبتُ أن أنشُرَ عليكم فرحَ نبيِّكم ، ألا إنَّ ابنَ عمٍّ لتَميمٍ الدَّاريِّ أخبرَني ، أنَّ الرِّيحَ ألجأَتهم إلى جزيرةٍ لا يعرِفونَها ، فقعَدوا في قواربِ السَّفينةِ ، فخَرجوا فيها ، فإذا هم بشيءٍ أَهْدبَ أسودَ قالوا لَهُ : ما أنتَ ؟ قالَ : أَنا الجسَّاسةُ ، قالوا : أخبرينا ، قالت : ما أَنا بمُخْبِرَتِكُم شيئًا ، ولا سائلتِكُم ، ولَكِن هذا الدَّيرُ ، قد رَمقتُموهُ ، فأْتوهُ ، فإنَّ فيهِ رجلًا بالأشواقِ إلى أن تُخبِروهُ ويُخْبِرَكم ، فأتوهُ فدخلوا عليهِ ، فإذا هم بشيخٍ موثَقٍ شديدِ الوثاقِ ، يُظهرُ الحزنَ ، شديدِ التَّشَكِّي ، فقالَ لَهُم : مِن أينَ ؟ قالوا : منَ الشَّامِ ، قالَ : ما فعلتِ العربُ ؟ قالوا : نحنُ قومٌ منَ العَربِ ، عمَّ تسألُ ؟ قالَ : ما فعلَ هذا الرَّجلُ الَّذي خرجَ فيكم ؟ قالوا : خيرًا ، ناوى قومًا ، فأظهرَهُ اللَّهُ عليهِم ، فأمرُهُمُ اليومَ جميعٌ : إلَهُهم واحدٌ ، ودينُهُم واحدٌ ، قالَ : ما فعلَت عينُ زغرَ ؟ قالوا : خيرًا يَسقونَ منها زروعَهُم ، ويستَقونَ منها لسقيِهِم ، قالَ : فما فعلَ نخلٌ بينَ عمَّانَ وبيسانَ ؟ قالوا : يُطعمُ ثمرَهُ كلَّ عامٍ ، قالَ : فما فعلت بُحَيْرةُ الطَّبريَّةِ ؟ قالوا : تدفَّقُ جنباتُها من كثرةِ الماءِ ، قالَ : فَزفرَ ثلاثَ زفراتٍ ، ثمَّ قالَ : لوِ انفلتُّ مِن وثاقي هذا ، لم أدَع أرضًا إلَّا وَطِئْتُها برجليَّ هاتينِ ، إلَّا طَيبةَ ، ليسَ لي عليها سبيلٌ ، قالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : إلى هذا ينتَهي فرَحي ، هذِهِ طَيبةُ ، والَّذي نفسي بيدِهِ ، ما فيها طريقٌ ضيِّقٌ ، ولا واسعٌ ، ولا سَهْلٌ ، ولا جبلٌ ، إلَّا وعليهِ ملَكٌ شاهرٌ سيفَهُ إلى يومِ القيامةِ
إِنَّي واللهِ ما قمتُ مقامي لأمْرٍ ينفعُكم لرغْبَةٍ ولَا لرهبةٍ ، ولكنَّ تميمًا الداريَّ أتاني فأخبرني خبرًا منعني القيلولَةَ مِنَ الفرَحِ وقرَّةِ العينِ ، فأحبَبْتُ أنْ أنشُرَ عليكم فرحَ نَبِيِّكُمْ ، ألَا إِنَّ تميمًا الدارِيَّ أخبَرَنِي أنَّ الريحَ ألجأتْهُمْ إلى جزيرةٍ لَا يعرِفونَها ، فقعَدُوا فِي قوارِبِ السفينةِ ، حتَّى خرجوا إلى الجزيرَةِ ، فإذا هم بشيءٍ أهْلَبَ ، كثيرِ الشعرِ ، قالوا لَهُ : ما أنتِ ؟ قالتْ أنا الجساسَةُ ، قالوا : أخبرينا ، قالتْ ، ما أنا بمخبرَتِكُمْ شيئًا ، ولا سائِلَتِكُم شيئًا ، ولكنَّ هذا الدِّيرَ قد رَمَقْتُمُوهُ فأتُوهُ فإِنَّ فيه رجلًا بالأشواقِ إلى أن تخبروهُ ويُخْبِرَكُمْ ، فأتَوْهُ ، فدخلوا عليْهِ ، فإذا هم بشيخٍ موثَقٍ ، شديدِ الوِثاقِ ، يُظهِرُ الحزنَ ، شديدُ التشكِّي ، فقال لهم : مِنْ أينَ ؟ قالوا : مِنَ الشأمِ ، قال : ما فعَلَتِ العَرَبُ ؟ قالوا : نحنُ قومٌ منَ العربِ ، عمَّ تسألْ ؟ قال : ما فعل هذا الرجلُ الذي خرج فيكم ؟ قالوا : خيرًا ، ناوَى قومًا ، فأظهَرَهُ اللهُ عليهم ، فأمرُهُمُ اليومَ جميعٌ ، إلههُمْ واحدٌ ، ودينُهم واحِدٌ ، قال : ما فعَلَتْ عينُ زُغَرَ ؟ قالوا : خيرًا ، يَسْقُونَ منها زرعَهم ، ويسْتَقُونَ منها لسَقْيِهِم ، قال : ما فعل نخلُ بئرِ عُمَانَ وبِيسانَ ؟ قالوا : يُطعَمُ ثَمَرُهُ كُلَّ عامٍ ، قال : ما فعلَتْ بُحَيْرَةُ طبَرِيَّةَ ؟ قالوا : تَدَفَّقُ جنَباتُها من كثرةِ الماءِ ، فزَفَرَ ثلاثَ زَفَرَاتٍ ، ثُمَّ قال : لَوْ انفلَتُّ مِنْ وِثاقِي هذا لم أدَعْ أرضًا إلَّا وطِئْتُها برجَلَيَّ هاتينِ إلَّا طَيْبَةَ ، ليس لي عليها سبيلٌ ، إلى هذا انتهى فرَحِي ، هذِهِ طَيْبَةُ ، والذي نفسي بيدِهِ ، ما فيها طريقٌ ضيِّقٌ ، ولا واسِعٌ ، ولَا سهْلٌ ، ولَا جبلٌ ، إلَّا وعليه ملَكٌ شاهِرٌ سيفَهُ إلى يومِ القيامَةِ
عن ابنِ عباسٍ قال إنَّ الشيطانَ عرج إلى السماءِ فقال يا ربِّ سلِّطني على أيوبَ قال اللهُ لقد سلطتُكَ على مالِه وولدِه ولم أسلطكَ على جسدِه فنزل فجمع جنودَه فقال لهم قد سُلِّطتُ على أيوبَ فأروني سلطانكم فصاروا نيرانًا ثم صاروا ماءً فبينما هم في المشرقِ إذا هم بالمغربِ وبينما هم بالمغربِ إذا هم بالمشرقِ فأرسل طائفةً منهم إلى زرعِه وطائفةً إلى أهلِه وطائفةً إلى بقرِه وطائفةً إلى غنمِه وقال إنَّهُ لا يعتصمُ منكم إلا بالمعروفِ فأتوهُ بالمصائبِ بعضها على بعضٍ فجاء صاحبُ الزرعِ فقال يا أيوبُ ألم ترَ إلى ربك أرسل على زرعك نارًا فأحرقتْه ثم جاء صاحبُ الإبلِ فقال يا أيوبُ ألم ترَ إلى ربك أرسل إلى إبلكَ عدوًّا ذهب بها ثم جاءَه صاحبُ البقرِ فقال يا أيوبُ ألم تر إلى ربك أرسل على بقركَ عدوًّا فذهب بها ثم جاءَه صاحبُ الغنمِ فقال يا أيوبُ ألم تر إلى ربك أرسل على غنمكَ عدوًّا فذهب بها وتفرَّدَ هو لبنيهِ فجمعهم في بيتِ أكبرهم فبينما هم يأكلون ويشربون إذا هبَّت ريحٌ فأخذت بأركانِ البيتِ فألقتْه عليهم فجاءَ الشيطانُ إلى أيوبَ بصورةِ غلامٍ بأذنيهِ قرطانِ فقال يا أيوبُ ألم تر إلى ربك جمع بنيكَ في بيتِ أكبرهم فبينما هم يأكلون ويشربون إذ هبَّت ريحٌ فأخذت بأركانِ البيتِ فألقتْهُ عليهم فلو رأيتهم حينَ اختلطت دماؤهم ولحومهم بطعامهم وشرابهم فقال لهُ أيوبُ فأين كنتَ قال كنتُ معهم قال فكيف انفلتَّ قال انفلتُّ قال أيوبُ أنت الشيطانُ ثم قال أيوبُ أنا اليومَ كيومِ ولدتني أمي فقام فحلقَ رأسَه وقام يصلي فرنَّ إبليسُ رنَّةً سمعها أهلُ السماءِ وأهلُ الأرضِ ثم عرج إلى السماءِ فقال أي ربِّ إنَّهُ قد اعتصمَ فسلِّطني عليهِ فإني لا أستطيعُه إلا بسلطانك قال قد سلطتك على جسدِه ولم أسطلك على قلبِه فنزل فنفخَ تحت قدمِه نفخةً قرحَ ما بين قدمِه إلى قرنِه فصار قرحةً واحدةً وأُلْقِيَ على الرمادِ حتى بدا حجابُ قلبِه فكانت امرأتُه تسعى عليهِ حتى قالت لهُ ألا ترى يا أيوبُ قد نزل واللهِ بي من الجهدِ والفاقةِ ما إن بعتُ قروني برغيفٍ فأطعمتك فادعُ اللهَ أن يشفيكَ ويُريحك قال ويحكَ كنا في النِّعَمِ سبعين عامًا فاصبري حتى نكونَ في الضرَّاءِ سبعين عامًا فكان في البلاءِ سبعَ سنينَ ودعا فجاء جبريلُ يومًا فدعا بيدِه ثم قال قم فقام فنحَّاهُ عن مكانِه وقال اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشرابٌ فركض برجلِه فنبعت عينٌ فقال اغتسل فاغتسل منها ثم جاء أيضًا فقال اركض برجلك فنبعت عينٌ أخرى فقال لهُ اشرب منها وهو قولُه ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وألبسَه اللهُ حلَّةً من الجنةِ فتنحَّى أيوبُ فجلس في ناحيةٍ وجاءت امرأتُه فلم تعرفه فقالت يا عبدَ اللهِ أين المبتلى الذي كان ها هنا لعلَّ الكلابَ قد ذهبت بهِ أو الذئابَ وجعلت تكلمُه ساعةً فقال ويحك أنا أيوبٌ قد ردَّ اللهُ عليَّ جسدي وردَّ عليهِ مالَه وولدَه عيانًا ومثلهم معهم وأمطرَ عليهِ جرادًا من ذهبٍ فجعل يأخذُ الجرادَ بيدِه ثم يجعلُه في ثوبِه وينشرُ كساءَه ويأخذُه فيجعلُ فيهِ فأوحى اللهُ إليهِ يا أيوبُ أما شبعتَ قال يا ربِّ من ذا الذي يشبعُ من فضلكَ ورحمتكَ
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلم لم يُقِتْ [ لم يوقِّتْ ] في الخمرِ حدًّا وقال ابنُ عباسٍ شربَ رجلٌ فسكر فلُقِيَ يميلُ في الفجِّ فانطلق به إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم فلمَّا حاذَى بدارِ العباسِ انفلتَ فدخل على العباسِ فالتزمَه فذكر ذلك للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم فضحِك وقال أفعَلَها ولم يأمرْ فيه بشيءٍ
شَرِبَ رَجُلٌ فسَكِرَ، فلُقِيَ يَميلُ في فَجٍّ، فانْطُلِقَ به إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا أن حاذَوا به دارَ ابنِ عَبَّاسٍ انْفَلَتَ فدَخَلَ على عَبَّاسٍ، فالْتَزَمَه مِن وَرائِه، فذَكَروا ذلك للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فضَحِكَ وقالَ: "أَقَدْ فَعَلَها؟! "، ثُمَّ لم يَأمُرْ فيه بشيءٍ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(93)
عيسى روح الله وكلمتهسالم مولى أبي حذيفةنخل بين عمان وبيسانلم يأمرهم فيه بشيءلا إسلال ولا إغلاللم يأمر فيه بشيءجعفر بن أبي طالبعبد الله بن عمرالملك شاهر سيفهلا إله إلا اللهخالد بن الوليدلم يأمرهم بشيءمحمد رسول اللهزفر ثلاث زفراتعمر بن الخطاببحيرة الطبريةالريح ألجأتهمالمسيح الدجالملك شاهر سيفهعروة بن مسعودلم يأمر بشيءالشيخ الموثقصلح الحديبيةيميل في الفجدار ابن عباستميم الداريبحيرة طبرياعينة مكفوفةبحيرة طبريةجراد من ذهبطويل مضطربسورة الفتحدار العباسأرض الحبشةناموس موسىاركض برجلكمغتسل بارديميل في فجانفلت رجلبني جذيمةأبيض ربعةلم يأمرهمالحديبيةابن عباسبئر عمانأبو جندلحزب اللهالقيلولةلم يأمرالجساسةعين زغرشرب رجلالنجاشيالشيطانالمعروفلم يوقتمراجعةالعباسلم يقتأفعلهاالتزمهالدجالالمنبرسلطانيالبلاءزيارةالبيتقتالاالصلحالنبيالخمرالديرالفرحالهديانفلتبيساناعتصمالصبرخروجيريدﷺ...خالدنهمهالفجفضحكطيبةتشهدأيوبشربسكرضحكحدازغر
تخريج حديث انفلت رجل
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








