أحاديث عن: دار بيضاء من فضة
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: دار بيضاء من فضة
سألتُ ربِّي عزَّ وجلَّ أن يُريَني الجنَّةَ والنَّارَ فأتاني جبريلُ وميكائيلُ فأخذا بيدَيَّ فمرَّا بي على جَهَنَّمَ وإذا فيها أصنافٌ منَ العذابِ وإذِ القومُ يلقونَ فيها حتَّى إذا امتَحشوا أُخرِجوا رُضِخَت رؤوسُهُم بالصَّخرِ ثمَّ أعيدوا فيها فإذا بقومٍ يُلقَونَ فيها حتَّى إذا امتَحشوا أُخرِجوا فطعنوا بالرِّماحِ ثمَّ أُعيدوا فيها ثمَّ انطلقا بي فمشَيا بي واديًا لم أرَ ألينَ موطنًا منهُ ولا أطيبَ رائحةً وإذا فيهِ دارٌ بيضاءُ من فضَّةٍ يُكَوِّنُ ثلاثةَ عشرَ فرسخًا وإذا هيَ مُكَلَّلةٌ بالدُّررِ والياقوتِ وإذا بِفنائِها رجلٌ فسلَّمتُ عليهِ فقالَ وعليكَ السَّلامُ مرحبًا بالنَّبيِّ الأمِّيِّ وعَدنا أن نراهُ فلم نرَهُ إلا اللَّيلةَ فقلتُ ومن أنتَ قال أنا سُلَيمانُ بنُ داودَ فقلتُ لمن هذِهِ الدَّارُ يا جبريلُ فقالَ هي لداودَ فأصعَدنا في الوادي فإذا نحنُ في أعلى الوادي بدارٍ حمراءَ من ذَهَبٍ إنَّها لتزيدُ على الأخرى ألفَ ألفِ ضعفٍ فيما أحرزَ فإذا بفِنائها رجل جالِسٌ فسلَّمتُ عليهِ فقالَ وعليكَ السَّلامُ مرحبًا بالنَّبيِّ الَّذي وعدَنا أن نراهُ فلم نرَهُ إلا اللَّيلةَ قلتُ من أنتَ قال أنا داودُ قلتُ لمن هذِهِ الدَّارُ يا جبريلُ قالَ هذِهِ لإبراهيمَ وإذا نحنُ بلَغطِ صبيانٍ وإذا القومُ أنصافهم بيض وأنصافُهُم سودٌ يتَّخذونَ من أعلى الدَّارِ إلى ما في أسفلِ الدَّارِ فيقعونَ في ذلِكَ الماء فيتحلون بيضًا فقلتُ من هؤلاءِ يا جبريل قالَ هؤلاءِ عتقاءُ الرَّحمنِ خلَطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيِّئًا عفى اللَّهُ عنهم وأمَّا اللَّغطُ فَهُم ذَرارِيُّ المسلِمينَ والذي كانوا يُرضَخُ رؤوسُهم أَهْلُ الكتابِ والَّذينَ كانوا يُطعنونَ بالرماح المراؤونَ اذهَب يا محمَّدُ فأنذِرْ
حديث في رؤيةِ الجنةِ والنارِ [يعني حديث: سألتُ ربِّي عزَّ وجلَّ أن يُريَني الجنَّةَ والنَّارَ فأتاني جبريلُ وميكائيلُ فأخذا بيدَيَّ فمرَّا بي على جَهَنَّمَ وإذا فيها أصنافٌ منَ العذابِ وإذِ القومُ يلقونَ فيها حتَّى إذا امتَحشوا أُخرِجوا رُضِخَت رؤوسُهُم بالصَّخرِ ثمَّ أعيدوا فيها فإذا بقومٍ يُلقَونَ فيها حتَّى إذا امتَحشوا أُخرِجوا فطعنوا بالرِّماحِ ثمَّ أُعيدوا فيها ثمَّ انطلقا بي فمشَيا بي واديًا لم أرَ ألينَ موطنًا منهُ ولا أطيبَ رائحةً وإذا فيهِ دارٌ بيضاءُ من فضَّةٍ يُكَوِّنُ ثلاثةَ عشرَ فرسخًا وإذا هيَ مُكَلَّلةٌ بالدُّررِ والياقوتِ وإذا بِفنائِها رجلٌ فسلَّمتُ عليهِ فقالَ وعليكَ السَّلامُ مرحبًا بالنَّبيِّ الأمِّيِّ وعَدنا أن نراهُ فلم نرَهُ إلا اللَّيلةَ فقلتُ ومن أنتَ قال أنا سُلَيمانُ بنُ داودَ فقلتُ لمن هذِهِ الدَّارُ يا جبريلُ فقالَ هي لداودَ فأصعَدنا في الوادي فإذا نحنُ في أعلى الوادي بدارٍ حمراءَ من ذَهَبٍ إنَّها لتزيدُ على الأخرى ألفَ ألفِ ضعفٍ فيما أحرزَ فإذا بفِنائها رجل جالِسٌ فسلَّمتُ عليهِ فقالَ وعليكَ السَّلامُ مرحبًا بالنَّبيِّ الَّذي وعدَنا أن نراهُ فلم نرَهُ إلا اللَّيلةَ قلتُ من أنتَ قال أنا داودُ قلتُ لمن هذِهِ الدَّارُ يا جبريلُ قالَ هذِهِ لإبراهيمَ وإذا نحنُ بلَغطِ صبيانٍ وإذا القومُ أنصافهم بيض وأنصافُهُم سودٌ يتَّخذونَ من أعلى الدَّارِ إلى ما في أسفلِ الدَّارِ فيقعونَ في ذلِكَ الماء فيتحلون بيضًا فقلتُ من هؤلاءِ يا جبريل قالَ هؤلاءِ عتقاءُ الرَّحمنِ خلَطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيِّئًا عفى اللَّهُ عنهم وأمَّا اللَّغطُ فَهُم ذَرارِيُّ المسلِمينَ والذي كانوا يُرضَخُ رؤوسُهم أَهْلُ الكتابِ والَّذينَ كانوا يُطعنونَ بالرماح المراؤونَ اذهَب يا محمَّدُ فأنذِرْ]
إن في الجنةِ شجرةً يقالُ لها طوبى لو يسيرُ الراكبُ الجوادُ في ظلِّها لسارَ فيه مائةَ عامٍ قبلَ أن يقطعَهُ ، وورقُها برودٌ خضرٌ وزهرُها رباطٌ صفرٌ وأقتادُها سندسٌ وإستبرقٌ وثمرُها حُللٌ خضرٌ وصمغُها زنجبيلٌ وعسلٌ وبطحاؤُها ياقوتٌ أحمرُ وزمردٌ أخضرُ وترابُها مسكٌ وعنبرٌ وكافورٌ أصفرُ وحشيشُها زعفرانٌ منبعٌ والألنجوجُ يتأججانِ في غيرِ وقودٍ يتفجرُ من أصلِها ، أنهارُها السلسبيلُ والمعينُ في الرحيقِ ، وظلُّها مجلسٌ من مجالسِ أهلِ الجنةِ يألفونَهُ ومتحدثٌ يجمعُهم ، فبينَما هم يومًا في ظلِّها يتحدثونَ إذ جاءَتْهم ملائكةُ يقودونَ نجبًا جُبِلَتْ منَ الياقوتِ ثم ينفخُ فيها الروحُ مَزمومةً بسلاسلَ من ذهبٍ كأن وجهَها المصابيحُ نضارةً وحُسنًا ، وبرُّها خزٌ أحمرُ ومِرعزٌ أحمرُ يخترطانِ ، لم ينظرِ الناظرونَ إلى مثلِهِ حسنًا وبهاءً ولا من غيرِ مهانةٍ ، عليْها رحالُ ألواحِها منَ الدرِّ والياقوتِ مُفضضةٌ باللؤلؤِ والمرجانِ ، فأناخوا إليهم تلكَ النجائبَ ثم قالوا لهم : إن ربَّكم يقرئُكمُ السلامَ ويستزيرُكم لتَنظروا إليه وينظرَ إليكم وتكلمونَهُ ويكلمُكم ويزيدُكم من فضلِه ِوسعتِهِ إنَّهُ ذو رحمةٍ واسعةٍ وفضلٍ عظيمٍ ، فيتحولُ كلُّ رجلٍ منهم على راحلتِهِ ثم ينطلقونَ صفًّا معتدلًا ولا يمرونَ بشجرةٍ من أشجارِ الجنةِ إلا أتحفَتْهم بثمرِها ورجلَتْ لهم عن طريقِها كراهيةَ أن تَثلِمَ صفَّهم أو تفرقَ بين الرجلِ ورفيقِهِ ، فلمَّا دفعوا إلى الجبارِ تباركَ وتعالى أسفرَ لهم عن وجهِهِ الكريمِ وتجلَّى لهم في عظمتِهِ العظيمةُ يحدثُهم فيها سلامٌ ، قالوا : ربَّنا أنتَ السلامُ ومنك السلامُ ولك حقُّ الجلالِ والإكرامِ . قال لهم ربُّهم : أنا السلامُ ومنِّي السلامُ ولي حقُّ الجلالِ والإكرامِ فمرحبًا بعبادي الذين حفِظوا وصيَّتي وراعَوْا عَهدي وخافوا بالغيبِ وكانوا مني مُشفقينَ ، قالوا : أما وعزَّتِكَ وجلالِكَ ما قدرْناكَ حقَّ قدرِكَ ولا أديْنا إليكَ حقَّكَ فأذنْ لنا في السجودِ ، فقال لهم تباركَ وتعالى : إنِّي قد وضعْتُ عنكم مُؤنةَ العبادةِ وأرحْتُ لكم أبدانَكم فطالَما أنصبْتُم لي الأبدانَ وأعنتُمُ الوجوهَ فالآنَ أفضتُم إلى رَوْحي ورَحمَتي وكرامَتي فسَلوني ما شئْتُم وتمنَّوا عليَّ أُعطيكم أمانيَّكم فإنِّي لن أجيزَكمُ اليومَ بقدرِ أعمالِكم ولكن بقدرِ رَحمَتي وكرامَتي وطولي وجلالي ، فما يزالونَ في الأماني والمواهبِ والعطايا حتى إن المُقصِّرَ منهم ليَتمنَّى مثلَ جميعِ الدُّنيا منذُ خلقَها اللهُ إلى يومِ أفْناها ، قال لهم ربُّهم : لقد قصرْتُم في أمانيِّكم فقد أوجبْتُ لكم ما سألْتُم وتمنيْتُم وزِدتُكم على ما قصرَتْ عنه أمانيُّكم ، فانْظروا إلى مواهبَ ربَّكم الذي أعطاكم ، فإذا بقبابٍ في الرفيقِ الأعلى وغرفٌ مَبنيةٌ منَ الدرِّ والمرجانِ أبوابُها من ذهبٍ وسررُها من ياقوتٍ وفرشُها من سُندسٍ وإستبرقٍ ومنابرُها من نورٍ ينورُ من أبوابِها وأعراصِها نورٌ كشعاعِ الشمسِ ، وإذا قصورٌ شامخةٌ في أعلى عليِّينَ منَ الياقوتِ الأبيضِ يزهرُ نورُها فلولا أنَّهُ سُخِّرَ لالتمعَ الأبصارَ ، فما كان من تلك القصورِ منَ الياقوتِ الأبيضِ فهو مفروشٌ بالعبقريِّ الأحمرِ ، وما كان منَ الياقوتِ الأخضرِ فهو مفروشٌ بالسندسِ الأخضرِ ، وما كان منَ الياقوتِ الأصفرِ فهو مفروشٌ بالأرْجوانِ الأصفرِ مموهٌ بالزبرجدِ الأخضرِ والذهبِ الأحمرِ والفضةِ البيضاءِ قواعدُها وأركانُها منَ الياقوتِ وشرفُها قبابُ اللؤلؤِ وبروجُها غرفُ المرجانِ ، فلمَّا انصرَفوا إلى ما أعطاهم ربُّهم قُرِّبَتْ لهم براذينُ منَ الياقوتِ الأبيضِ منفوخٌ فيها الروحُ بجنبِها الولدانِ المخلدونَ وبيدِ كلِّ واحدٍ منهم حكمةُ بِرذونٍ وأعنتُها من فضةٍ بيضاءَ منظومةٍ بالدرِّ والياقوتِ وسرجُها سررٌ موضونةٌ بالسندسِ والإستبرقِ ، فانطلقَتْ بهم تلك البراذينُ تزفُّ بهم وتنظرُ في رياضِ الجنةِ ، فلمَّا انتَهوا إلى منازلِهم وجَدوا فيها جميعَ ما تطاولَ به ربُّهم عليْهِم مما سألوهُ وتمنَّوا ، وإذا على بابِ كلِّ قصرٍ من تلك القصورِ أربعُ جنانٍ جنتانِ ذَواتا أفنانٍ وجنتانِ مدهامتانِ ، فلمَّا تَبوَّءوا منازلَهم واستقرَّ بهم قرارُهم قال لهم ربُّهم : هل وجدْتُم ما وعدَ ربُّكم حقًّا ؟ قالوا : نعم رَضينا فارضَ عنَّا ، قال : بِرضاي عنكم حللْتُكم داري فنظرْتُم إلى وجهي وصافحْتُكم مَلائكَتي فهنيئًا هنيئًا عطاءً غيرَ مَجذوذٍ ليس فيه تنغيصٌ ولا تصريدٌ ، فعِندَ ذلك قالوا : الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عنا الحزنَ إن ربَّنا لغفورٌ شكورٌ الذي أحلَّنا دارَ المقامةِ من فضلِهِ لا يَمسُّنا فيها نصبٌ ولا يمسُّنا فيها لغوبٌ
إنَّ في الجنَّةِ شجرةً يُقالُ لها : طوبَى لو يُسخِّرُ الرَّاكبُ الجوَادَ يسيرُ في ظلِّها لسار فيه مائةَ عامٍ ، ورقُها برودٌ خُضرٌ ، وزهرُها رِياطٌ صُفرٌ ، وأفنانُها سندسٌ وإستبرقٌ ، وثمرُها حُلَلٌ ، وصمغُها زنجبيلٌ وعسلٌ ، وبطحاؤُها ياقوتٌ أحمرُ وزمرُّدٌ أخضرُ ، وترابُها مِسكٌ وعنبرٌ وكافورٌ أصفرُ ، وحشيشُها زعفرانٌ مونِعٌ والألنجوجُ يتأجَّجان من غيرِ وقودٍ ، يتفجَّرُ من أصلِها السَّلسبيلُ والمعينُ والرَّحيقُ وأصلُها مجلِسٌ من مجالسِ أهلِ الجنَّةِ يألَفونه ومُتحدِّثٌ يجمَعُهم فبينا هم يومًا في ظلِّها يتحدَّثون إذ جاءتهم الملائكةُ يقودون نُجُبًا جُبِلت من الياقوتِ ، ثمَّ نُفِخ فيها الرُّوحُ مزمومةً بسلاسلَ من ذهبٍ كأنَّ وجوهَها المصابيحُ نضارةً وحُسنًا وبِرَّها خِزٌّ أحمرُ ومرْعَزيٌّ أبيضُ مختلطان لم ينظُرْ النَّاظرون إلى مثلِها حسنًا وبهاءً ذُلُلٌ من غيرِ مهابةٍ نُجُبٌ من غيرِ رياضةٍ ، عليها رحائلُ ألواحُها من الدُّرِّ والياقوتِ مُفضَّضةٌ باللُّؤلؤِ والمرجانِ ، صفائحُها من الذَّهبِ الأحمرِ مُلبَّسةً بالعبقريِّ والأُرجوانِ فأناخوا لهم تلك النَّجائبَ ، ثمَّ قالوا لهم : إنَّ ربَّكم يُقرِئُكم السَّلامَ ويَستزيرُكم لتنظُروا إليه وينظُرَ إليكم ، وتُكلِّمونه ويُكلِّمُكم وتُحيُّونه ويزيدُكم من فضلِه ومن سعتِه إنَّه ذو رحمةٍ واسعةٍ وفضلٍ عظيمٍ ، فيتحوَّلُ كلُّ رجلٍ منهم على راحلتِه ، ثمَّ ينطلقون صفًّا مُعتدِلًا ، لا يفوتُ شيءٌ منه شيئًا ، ولا تفوتُ أذنُ ناقةٍ أذنَ صاحبتِها ، ولا يمُرُّون بشجرةٍ من أشجارِ الجنَّةِ إلَّا أتحَفتهم بثمرِها ، وزحَلت لهم عن طريقِهم كراهيةَ أن ينثلِمَ صَفُّهم ، أو تُفرِّقَ بين الرَّجلِ ورفيقِه ، فلمَّا دُفِعوا إلى الجبَّارِ تبارك وتعالَى أسفر لهم عن وجهِه الكريمِ ، وتجلَّى لهم في عظمَتِه العظيمةِ تحيَّتُهم فيه السَّلامُ ، قالوا : ربَّنا أنت السَّلامُ ، ومنك السَّلامُ ، ولك حقُّ الجلالِ والإكرامِ ، فقال لهم ربُّهم : إنِّي أنا السَّلامُ ومنِّي السَّلامُ ولي حقُّ الجلالِ والإكرامِ ، فمرحبًا بعبادي الَّذين حفِظوا وصيَّتي ورعَوْا عهدي وخافوني بالغيبِ ، وكانوا منِّي على كلِّ حالٍ مشفقين ، قالوا : ما وعزَّتِك وجلالِك وعُلوِّ مكانِك ما قدرناك حقَّ قدرِك ، ولا أدَّيْنا إليك كلَّ حقِّك فائذَنْ لنا بالسُّجودِ ؟ فقال لهم ربُّهم تبارك وتعالَى : إنِّي قد وضعتُ عنكم مؤنةَ العبادةِ ، وأرحتُ لكم أبدانَكم ، فطالما أنصبتم الأبدانَ ، وأعنيتم الوجوهَ ، فالآن أَفضيتم إلى رَوْحي ورحمتي وكرامتي سلوني ما شئتم وتمنَّوْا عليَّ أُعطِكم أمانيَكم ، فإنِّي لن أُجازِيَكم اليومَ بقدرِ أعمالِكم ولكن بقدرِ رحمتي وكرامتي وطوْلي وجلالي وعُلوِّ مكاني وعظمةِ شأني ، فما يزالون في الأماني والمواهبِ والعطايا حتَّى إنَّ المُقصِرَ منهم ليتمنَّى مثلَ جميعِ الدُّنيا منذ يومِ خلقها اللهُ عزَّ وجلَّ إلى يومِ أفناها ، قال ربُّهم : لقد قصرتم في أمانيكم ورَضَيْتم بدونِ ما يحِقُّ لكم ، فقد أوجبَتْ لكم ما سألتم وتمنَّيْتم وزِدتُكم على ما قصَرتُ عنه أمانيكم ، فانظروا إلى مواهبِ ربِّكم الَّذي وهب لكم ، فإذا بقبابِ في الرَّفيعِ الأعلَى ، وغُرَفٍ مبنيَّةٍ من الدُّرِّ والمرجانِ أبوابُها من ذهبٍ وسُررُها من ياقوتٍ وفرْشُها من سندسٍ وإستبرقٍ ، ومنابرُها من نورٍ يثورُ من أبوابِها وأعراضِها نورٌ كشعاعِ الشَّمسِ مثلُ الكوكبِ الدُّرِّيِّ في النَّهارِ المضيءِ ، وإذا قصورٌ شامِخةٌ في أعلَى عِلِّيِّين من الياقوتِ يُزهِرُ نورُها ، فلولا أنَّه سُخِّر لالتمع الأبصارَ ، فما كان من تلك القصورِ من الياقوتِ الأبيضِ فهو مفروشٌ بالحريرِ الأبيضِ ، وما كان منها من الياقوتِ الأحمرِ ، فهو مفروشٌ بالعبقريِّ الأحمرِ ، وما كان منها من الياقوتِ الأخضرِ فهو مفروشٌ بالسُّندسِ الأخضرِ ، وما كان منها من الياقوتِ الأصفرِ فهو مفروشٌ بالأُرْجوانِ الأصفرِ مُموَّهٌ بالزُّمرُّدِ الأخضرِ والذَّهبِ الأحمرِ والفضَّةِ البيضاءِ ، قواعدُها وأركانُها من الياقوتِ وشرَفُها قِبابُ اللُّؤلؤِ وبُروجُها غُرُفُ المرجانِ ، فلمَّا انصرفوا إلى ما أعطاهم ربُّهم قُرِّبت لهم براذينُ من الياقوتِ الأبيضِ منفوخٌ فيها الرُّوحُ بجنبِها الوِلدانُ المُخلَّدون ، وبيدِ كلِّ وليدٍ منهم حِكمةُ بِرذوْنٍ ، ولَجْمُها وأعِنَّتُها من فضَّةٍ بيضاءَ مُتطوِّقةً بالدُّرِّ والياقوتِ وسَرْجُها سُررٌ مَوْضونةٌ مفروشةٌ بالسُّندسِ والإستبرقِ فانطلقتْ بهم تلك البراذينُ تزُفُّ بهم وتنظُرُ رياضَ الجنَّةِ ، فلمَّا انتهَوْا إلى منازلِهم وجدوا فيها جميعَ ما تطوَّل به ربُّهم عليهم ممَّا سألوه وتمنَّوْا ، وإذا على بابِ كلِّ قصرٍ من تلك القصورِ أربعُ جِنانٍ جنَّتان ذواتا أفنانٍ وجنَّتان مُدْهامَّتان وفيهما عينان نضَّاختان وفيهما من كلِّ فاكهةٍ زوجان ، وحورٌ مقصوراتٌ في الخِيامِ ، فلمَّا تبوَّءوا منازلَهم واستقرَّ بهم قَرارُهم قال لهم ربُّهم : هل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقًّا ؟ قالوا : نعم رضينا فارْضَ عنَّا ؟ قال : برضاي عنكم حللتم داري ونظرتم إلى وجهي وصافحتْكم ملائكتي فهنيئا هنيئًا عطاءً غيرَ مَجذوذٍ ليس فيه تنغيصٍ ولا تصريدٍ ، فعند ذلك وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ
إنَّ في الجنَّةِ شجرةً يقال لها طُوبى لو يُسخَّرُ للراكبِ الجوادُ يسير في ظِلِّها لسار فيه مئةَ عامٍ ، ورقُها برودٌ خُضرٌ ، وزهرُها رياطٌ صُفرٌ ، وأفنانُها سندسٌ وإستبرقٌ ، وثمرُها حُلَلٌ ، وصَمغُها زَنجبيلٌ وعسلٌ ، وبطحاؤُها ياقوتٌ أحمرُ وزُمُرُّدٌ أخضرُ ، وترابُها مِسكٌ وعَنبرُ ، وكافورٌ أصفرُ ، وحشيشُها زعفرانٌ مونِعُ ، والأَلَنْجوجُ تتأجَّجانِ من غيرِ وَقودٍ ، يتفجَّر من أصلِها السَّلسبيلُ والْمَعِينُ والرَّحيقُ ، وأصلُها مجلسٌ من مجالسِ أهلِ الجنَّةِ يألَفونه ومُتحدِّثٌ يجمعُهم ، فبينا هم يومًا في ظِلِّها يتحدَّثون إذ جاءتْهم الملائكةُ يقودون نُجُبًا جُبِلَتْ من الياقوتِ ، ثم نفخ فيها الروحَ ، مَزمومةً بسلاسلِ من ذهبٍ ، كأنَّ وجوهَها المصابيحُ نضَارةً وحُسنًا ، ووَبَرُها خَزٌّ أحمرُ ، وَمِرْعِزَّى أبيضُ مختلطانِ ، لم ينظرِ الناظرون إلى مثلِها ,حُسنًا وبهاءً, ذُلَلٌ من غيرِ مَهانةٍ ، نُجُبٌ من غيرِ رِياضةٍ ، عليها رحائلٌ ألواحُها من الدُّرِّ والياقوتِ ، مُفَضَّضَةً بالُّلؤلؤِ والمرجانِ ، صفائحُها من الذَّهبِ الأحمرِ ، مُلْبَسةً بالعبقريِّ والأُرْجُوانِ ، فأناخوا لهم تلك النجائبَ ، ثم قالوا لهم : إنَّ ربَّكم يُقرِئكمُ السلامَ ، ويستزيرُكم لتَنظروا إليه وينظر إليكم ، وتُكلِّمونه ويُكلِّمُكم ، وتُحيُّونه ويُحيِّيكم ، ويزيدُكم من فضلِه ومن سَعتِه إنه ذو رحمةٍ واسعةٍ وفضلٍ عظيمٍ ، فيتحوّل كلُّ رجلٍ منهم على راحلتِه ، ثم ينطلِقون صفًّا معتدلًا لا يفوتُ شيءٌ منه شيئًا ، ولا تفوتُ أُذُنُ ناقةٍ أذُنَ صاحبتِها ، ولا يمرُّون بشجرةٍ من أشجارِ الجنَّةِ إلا أتحفَتْهم بثمرِها ، وزحَلَتْ لهم عن طريقِهم كراهيةَ أن ينثَلِمَ صفُّهم أو يُفرَّقَ بين الرجلِ ورفيقِه ، فلما دُفِعوا إلى الجبَّارِ تبارك وتعالى ؛ أسفَرَ لهم عن وجهِه الكريمِ ، وتجلَّى لهم في عظَمتِه العظيمةِ ، تحيَّتُهم فيها السَّلامُ ، قالوا : ربَّنا أنت السَّلامُ ، ومنك السَّلامُ ، ولك حقُّ الجلالِ والإكرامِ ، فقال لهم ربُّهم : إني أنا السَّلامُ ومني السَّلامُ ، ولي حقُّ الجلالِ والإكرامِ ، فمرحبًا بعبادي الذين حفِظوا وَصِيَّتي ، ورعَوا عهدي ، وخافوني بالغيبِ ، وكانوا مني على كل حالٍ مُشفِقينَ ، قالوا : أما وعزَّتِك وجلالِك ، وعُلوِّ مكانِك ، ما قدَرْناك حقَّ قدْرِك ، ولا أدَّينا إليك كلَّ حقِّك ، فائذَنْ لنا بالسُّجودِ لك ، فقال لهم ربُّهم تبارك وتعالى : إني وضعتُ عنكم مُؤنةَ العبادةِ ، وأَرَحْتُ لكم أبدانَكم ، فطالما أنْصبتُم الأبدانَ وأعنَيْتمْ لي الوجوهَ ، فالآن أفضيتُم إلى رَوحي ورَحمتي وكرامتي ، فسَلوني ماشئتُم ، وتمنَّوا عليَّ أُعطِكم أمانِيَّكم ، فإني لن أَجزيَكم اليومَ بقدرِ أعمالِكم ، ولكن بقدرِ رَحْمتي ، وكرامتي وطَولي ، وجلالي وعُلوِّ مكاني ، وعَظمةِ شأْني ، فما يزالون في الأمانيِّ والمواهبِ والعطايا ، حتى أنَّ الْمُقَصِّرَ منهم ليتمنَّى مثلَ جميعِ الدنيا ، منذُ يومِ خلقهَا اللهُ عزَّ وجلَّ إلى يومِ أفناها ! قال ربُّهم : لقد قصَّرتُم في أمانيِّكم ، ورضِيتُم بدون ما يحقُّ لكم ، فقد أوجبتُ لكم ماسألتُم وتمنّيتُم وألحقتُ بكم ذرِّيَّتَكم وزِدتُكم على ماقصُرتْ عنه أمانِيُّكم ، فانظُروا إلى مواهبِ ربِّكم الذي وهبَ لكم ، فإذا بقُبابٍ في الرفيعِ الأعلى ، وغُرَفٍ مَبنيَّةٍ من الدُّرِّ والمرجانِ ، أبوابُها من ذهبٍ ، وسُررُها من ياقوتٍ ، مفرشُها من سُندسٍ وإستبرقٍ ، ومنابرُها من نورٍ ، يثُور من أبوابها وأعراصِها نورٌ كشعاعِ الشَّمسِ ، مثلُ الكوكبِ الدُّرِّيِّ في النَّارِ المضيءِ ، وإذا قُصورٌ شامخةٌ في أعلى عِلِّيِّينَ من الياقوتِ ، يزهر نورُها ، فلولا أنه سُخِّر لالتمعَ الأبصارَ ، فما كان من تلك القصورِ من الياقوتِ الأبيضِ فهو مفروشٌ بالحريرِ الأبيضِ ، وما كان منها من الياقوتِ الأحمرِ فهو مفروشٌ بالعبقريِّ الأحمرِ ، وما كان منها من الياقوتِ الأخضرِ فهو مفروشٌ بالسُّندُسِ الأخضرِ ، وماكان منها من الياقوتِ الأصفرِ فهو مفروشٌ بالأُرْجُوانِ الأصفرِ ، مموَّهٍ بالزُّمُرُّدِ الأخضرِ ، والذَّهبِ الأحمرِ ، والفضةِ البيضاءَ ، قواعدُها وأركانُها من الياقوتِ ، وشُرُفُها قُبابُ الُّلؤلُؤِ ، وبروجُها غرفُ المرجانِ ، فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربُّهم قُرّبت لهم براذينُ من الياقوتِ الأبيضِ ، مَنفوخٌ فيها الرُّوحُ ، بجنبِها الوِلدانُ المخَلَّدونَ ، وبيدِ كلِّ وليدٍ منهم حكَمَةُ بِرْذَوْنٍ ، وألجمتُها وأَعِنَّتُها من فضَّةٍ بيضاءَ مُتطوِّقةً بالدُّرِّ والياقوتِ ، وسُرُجُها سُرُرٌ موضونةٌ ، مفروشةٌ بالسُّندسِ والإستبرقِ ، فانطلقَتْ بهم تلك البراذينُ تزُفُّ بهم وتنظرُ رياضَ الجنَّةِ ، فلما انتهوا إلى منازلِهم وجدوا فيها جميعَ ماتطوَّلَ به ربُّهم عليهم مما سألوه وتمنُّوا وإذا على بابِ كلِّ قصرٍ من تلك القصورِ أربعُ جِنانٍ : جنَّتانِ ( ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ) وجنَّتانِ مدهامَّتان وفيهما عينان نضَّاختانِ وفيهما من كلِّ فاكهةٍ زوجانِ وحورٌ مَقصوراتٌ في الخيامِ فلما تبوَّؤوا منازلَهم ، واستقرَّ بهم قرارُهم قال لهم ربُّهم هل وجدتُم ما وعدكم ربُّكم حقًّا ؟ قالوا : نعم ، رضِينا فارْضَ عنَّا ، قال : برضايَ عنكم حللتُم داري ، ونظرتُم إلى وجهي ، وصافحتْكم ملائكتي ، فهنيئًا عطاءً غيرَ مَجذوذٍ ، ليس فيه تنغيصٌ ولا تصريدٌ ، فعند ذلك قالوا الحمدُ للهِ الذي أذهَبَ عنا الحَزَنَ إنَّ ربَّنا لغفورٌ شكورٌ الذي أحلَنا دارَ المقامةِ من فضلِه لا يمسُّنا فيها نصَبٌ ولايمسَّنا فيها لَغوبٌ
خَرَجنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غزوةَ تبوكَ. فأتينا واديَ القُرى على حديقةٍ لامرأةٍ. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اخرُصوها، فخَرَصناها، وخَرَصها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَشرةَ أوسُقٍ. وقال: أحصيها حتى نرجعَ إليك، إن شاء اللهُ، وانطَلَقنا. حتى قَدِمنا تبوكَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ستَهُبُّ عليكم اللَّيلةَ ريحٌ شديدةٌ، فلا يقيمُ فيها أحدٌ منكم، فمن كان له بعيرٌ فليشدَّ عِقالَه، فهَبَّت ريحٌ شديدةٌ، فقام رجلٌ فحَمَلَته الرِّيحُ حتَّى ألقَتْه بجَبَلَي طيِّئٍ، وجاء رسولُ ابنِ العَلْماءِ؛ صاحبِ أَيْلةَ، إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكتابٍ، وأهدى له بغلةً بيضاءَ، فكتب إليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأهدى له بُردًا. ثمَّ أقبَلْنا حتَّى قَدِمنا واديَ القُرى، فسأل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المرأةَ عن حديقتِها كم بَلَغ ثَمَرُها؟ فقالت: عَشْرةَ أوسُقٍ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي مُسرعٌ، فمن شاء منكم فليُسرِعْ معي، ومن شاء فليَمكُثْ، فخَرَجنا حتى أشرَفْنا على المدينةِ، فقال: هذه طابةُ، وهذا أُحُدٌ، وهو جَبَلٌ يُحبُّنا ونحبُّه، ثمَّ قال: إنَّ خيرَ دُورِ الأنصارِ دارُ بني النَّجَّارِ، ثمَّ دارُ بني عبدِ الأشهَلِ، ثمَّ دارُ بني عبدِ الحارثِ بنِ الخَزرَجِ، ثمَّ دارُ بني ساعِدةَ، وفي كلِّ دُورِ الأنصارِ خَيرٌ، فلَحِقَنا سعدُ بنُ عُبادةَ، فقال أبو أُسَيدٍ: ألم تَرَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خيَّر دُورَ الأنصارِ، فجَعَلَنا آخرًا! فأدرك سعدٌ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، خيَّرتَ دُورَ الأنصارِ فجَعَلْتَنا آخرًا، فقال: أوَليس بحَسْبِكم أن تكونوا مِنَ الخِيارِ؟ وفي روايةٍ: بهذا الإسنادِ، إلى قَولِه: وفي كلِّ دورِ الأنصارِ خيرٌ، ولم يَذكُرْ ما بَعدَه من قصَّةِ سَعدِ بنِ عُبادةَ، وزاد في حديثِ وُهَيبٍ: فكَتَب له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببَحْرِهم، ولم يذكُرْ في حَديثِ وُهَيبٍ: فكَتَب إليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
خَرَجنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غزوةَ تبوكَ. فأتينا واديَ القُرى على حديقةٍ لامرأةٍ. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اخرُصوها، فخَرَصناها، وخَرَصها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَشرةَ أوسُقٍ. وقال: أحصيها حتى نرجعَ إليك، إن شاء اللهُ، وانطَلَقنا. حتى قَدِمنا تبوكَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ستَهُبُّ عليكم اللَّيلةَ ريحٌ شديدةٌ، فلا يقيمُ فيها أحدٌ منكم، فمن كان له بعيرٌ فليشدَّ عِقالَه، فهَبَّت ريحٌ شديدةٌ، فقام رجلٌ فحَمَلَته الرِّيحُ حتَّى ألقَتْه بجَبَلَي طيِّئٍ، وجاء رسولُ ابنِ العَلْماءِ؛ صاحبِ أَيْلةَ، إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكتابٍ، وأهدى له بغلةً بيضاءَ، فكتب إليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأهدى له بُردًا. ثمَّ أقبَلْنا حتَّى قَدِمنا واديَ القُرى، فسأل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المرأةَ عن حديقتِها كم بَلَغ ثَمَرُها؟ فقالت: عَشْرةَ أوسُقٍ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي مُسرعٌ، فمن شاء منكم فليُسرِعْ معي، ومن شاء فليَمكُثْ، فخَرَجنا حتى أشرَفْنا على المدينةِ، فقال: هذه طابةُ، وهذا أُحُدٌ، وهو جَبَلٌ يُحبُّنا ونحبُّه، ثمَّ قال: إنَّ خيرَ دُورِ الأنصارِ دارُ بني النَّجَّارِ، ثمَّ دارُ بني عبدِ الأشهَلِ، ثمَّ دارُ بني عبدِ الحارثِ بنِ الخَزرَجِ، ثمَّ دارُ بني ساعِدةَ، وفي كلِّ دُورِ الأنصارِ خَيرٌ، فلَحِقَنا سعدُ بنُ عُبادةَ، فقال أبو أُسَيدٍ: ألم تَرَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خيَّر دُورَ الأنصارِ، فجَعَلَنا آخرًا! فأدرك سعدٌ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، خيَّرتَ دُورَ الأنصارِ فجَعَلْتَنا آخرًا، فقال: أوَليس بحَسْبِكم أن تكونوا مِنَ الخِيارِ؟ وفي روايةٍ: بهذا الإسنادِ، إلى قَولِه: وفي كلِّ دورِ الأنصارِ خيرٌ، ولم يَذكُرْ ما بَعدَه من قصَّةِ سَعدِ بنِ عُبادةَ، وزاد في حديثِ وُهَيبٍ: فكَتَب له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببَحْرِهم، ولم يذكُرْ في حَديثِ وُهَيبٍ: فكَتَب إليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
مضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، واستخلف على المدينةِ أبا رُهمٍ كُلثومَ بنَ حُصينٍ الغفاريَّ . وخرج لعشرٍ مضَين من رمضانَ ، فصام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، وصام الناسُ معه ؛ حتى إذا كان ب ( الكُدَيدِ ) ما بين ( عُسْفانَ ) و ( أمَجٍ ) أفطر . ثم مضى حتى نزل ( مَرَّ الظَّهرانِ ) في عشرةِ آلافٍ من المسلمين ؛ من مُزَينةَ وسُلَيمٍ ، وفي كل القبائلِ عددٌ وإسلامٌ ، وأوعبَ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم المهاجرون والأنصارُ ، فلم يتخلَّفْ منهم أحدٌ ، فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ب ( مَرِّ الظَّهرانِ ) ، وقد عمِيَتِ الأخبارُ عن قُريشٍ ؛ فلم يأْتهم عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم خبَرٌ ، ولا يدرون ما هو فاعلٌ ؟ ! . خرج في تلك الليلةِ أبو سفيانَ بنُ حربٍ ، وحكيمُ بنُ حِزامٍ ، وبُدَيلُ ابنُ وَرْقاءَ ، يتحسَّسون وينظرون ؛ هل يجدون خبرًا ، أو يسمعون به ؟ ! . وقد كان العباسُ بنُ عبدِ المطَّلبِ أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ببعض الطريقِ . وقد كان أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المطَّلبِ ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أُميَّةَ بنِ المغيرةِ قد لقيا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [ أيضًا ] فيما بين مكةَ والمدينةَ ، فالتمَسا الدخولَ عليه ، فكلَّمَتْه أمُّ سلَمةَ فيهما ، فقالت : يا رسولَ اللهِ ! ابنُ عمِّك ، وابنُ عمَّتِك وصِهرُك ، قال : لا حاجةَ لي بهما ، أما ابنُ عمِّي ؛ فهتك عِرْضي ، وأما ابنُ عمَّتي وصِهري ؛ فهو الذي قال لي بمكةَ ما قال . فلما أُخرِجَ إليهما بذلك – ومع أبي سفيانَ بَنِيٌّ له – فقال : واللهِ لَيأذنَنَّ لي أو لآخذنَّ بيدِ ابْني هذا ، ثم لَنذْهبَنَّ في الأرضِ حتى نموت عطشًا وجوعًا ، فلما بلغ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم رَقَّ لهما ، ثم أذِنَ لهما ، فدخلا وأسلما . فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ب ( مَرِّ الظَّهرانِ ) ؛ قال العباسُ : واصباحَ قريشٍ ! واللهِ لئن دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عَنْوَةٌ قبل أن يستأمِنوه ؛ إنه لَهلاكُ قريشٍ إلى آخر الدَّهرِ . قال : فجلستُ على بغلةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم البيضاءَ ؛ فخرجتُ عليها حتى جئتُ الأَراكَ ، فقلتُ : لعلِّي ألْقَى بعضَ الحطَّابةِ ، أو صاحبَ لبنٍ ، أو ذا حاجةٍ يأتي مكةَ ليخبرَهم بمكانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لَيَخرجوا إليه ، فيستأْمِنونه قبل أن يدخلَها عليهم عُنْوَةً . قال : فواللهِ إني لأسيرُ عليها وألتمسُ ما خرجتُ له ؛ إذ سمعتُ كلامَ أبي سفيانَ وبُدَيلِ بنِ وَرْقَاءَ ؛ وهما يتراجعانِ ، وأبو سفيانَ يقول : ما رأيتُ كاليومِ قطُّ نيرانًا ولا عسكرًا . قال : يقول بُدَيلٌ : هذه – واللهِ – نيرانُ خُزاعةَ ؛ حمشَتْها الحربُ . قال : يقول أبو سفيانَ : خزاعةُ – واللهِ – أَذَلُّ وأَلْأَمُ من أن تكون هذه نيرانُها وعسكرُها . قال : فعرفتُ صوتَه ، فقلتُ : يا أبا حَنظلةَ ! فعرف صَوتي فقال : أبو الفضلِ ؟ فقلتُ : نعم ، قال : ما لَك فداكَ أبي وأمي ؟ ! فقلتُ : ويحك يا أبا سفيانَ ! هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في الناس ، واصباحَ قريشٍ واللهِ ! قال : فما الحيلةُ فداكَ أبي وأمي ؟ ! قال : قلتُ : واللهِ لئن ظفَرَ بك ليضربنَّ عُنُقَك ، فاركبْ معي هذه البغلةَ حتى آتيَ بك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أستأْمِنَه لك . قال : فركب خلْفي ، ورجع صاحباه ، فحرَّكتُ به ، كلما مررتُ بنارٍ من نيرانِ المسلمين قالوا : من هذا ؟ فإذا رأوا بغلةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قالوا : عمُّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على بغْلَتِه ، حتى مررتُ بنارِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه ، فقال : مَن هذا ؟ وقام إليَّ ، فلما رأى أبا سفيانَ على عَجُزِ الناقةِ قال : أبو سفيانَ عدوُّ اللهِ ! الحمدُ لله الذي أمكن منك بغير عقدٍ ولا عهدٍ ، ثم خرج يشتَدُّ نحوَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، وركَضتُ البغلةَ ، فسبقتُه بما تسبقُ الدابةُ البطيئةُ الرجلَ البطيءَ ، فاقتحمْتُ عن البغلةِ ، فدخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، ودخل عمرُ ، فقال : يا رسولَ اللهِ ! هذا أبو سفيانَ ، قد أمكن اللهُ منه بغير عقدٍ ولا عهدٍ ، فدَعْني فلْأضْرِبْ عُنُقَه ، قال : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ! إني [ قد ] أجَرْتُه ، ثم جلستُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، فأخذتُ برأسِه فقلتُ : لا واللهِ ؛ لا يُناجيه الليلةَ رجلٌ دُوني ، فلما أكثر عمرُ في شأنِه ، قلتُ : مَهْلًا يا عمرُ ! واللهِ لو كان من رجالِ بني عديِّ بنِ كعبٍ ما قلتَ هذا ، ولكنك عرفتَ أنه رجلٌ من رجالِ بني عبدِ منافٍ ! فقال : مهلًا يا عباسُ ! فواللهِ لَإسلامُك يومَ أسلمْتَ كان أحبَّ إليَّ من إسلامِ الخطابِ لو أسلَمَ ، وما بي إلا أني قد عرفتُ أنَّ إسلامَك كان أحَبَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم من إسلامِ الخطابِ [ لو أسلمَ ] ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : اذهبْ به إلى رَحْلِك يا عباسُ ! فإذا أصبح فأْتِني به . فذهبتُ به إلى رَحْلي فبات عندي ، فلما أصبح غدَوْتُ به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فلما رآه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قال : ويحَك يا أبا سفيانَ ! ألم يأْنِ لك أن تعلمَ أن لا إلهَ إلا اللهُ ؟ ! . قال : بأبي أنت وأمي ؛ ما أكرمَك [ وأحلمَك ] وأوصَلك ! واللهِ لقد ظننتُ أن لو كان مع اللهِ غيرُه ؛ لقد أغنى عني شيئًا [ بعدُ ] ، قال : ويحَك يا أبا سفيانَ ! ألمْ يأْنِ لك أن تعلمَ أني رسولُ اللهِ ؟ ! . قال : بأبي أنت وأمي ؛ ما أحلمَك وأكرمَك وأوصلَك ! هذه – واللهِ – كان في نفسي منها شيءٌ حتى الآنَ ، قال العباسُ : ويحك يا أبا سفيانَ ! أسلِمْ واشهدْ أن لا إلهَ إلا اللهُ ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ قبل أن يُضرَبَ عُنُقُكَ ، قال : فشهد بشهادة الحقِّ وأسلمَ . قلتُ : يا رسولَ اللهِ ! إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ يحبُّ هذا الفخرَ ، فاجعَلْ له شيئًا . قال : نعم ، مَن دخل دارَ أبي سفيانَ ؛ فهو آمِنٌ ، ومن أغلق بابَه ؛ فهو آمِنٌ ، ومن دخل المسجدَ ؛ فهو آمِنٌ . فلما ذهب لِينصرفَ ؛ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : يا عباسُ ! احبِسْه بمضيقِ الوادي عند خطْمِ الجبلِ ، حتى تمرَّ به جنودُ اللهِ فيراها . قال : فخرجتُ به حتى حبستُه حيثُ أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أن أحبِسَه . قال : ومرَّتْ به القبائلُ على راياتِها ، كلما مَرَّت قبيلةٌ قال : مَن هؤلاءِ ؟ فأقول : ( سُلَيمٌ ) ، فيقول : ما لي ول ( سُلَيمٍ ) ؟ قال : ثم تمرُّ القبيلةُ ، قال : مَن هؤلاءِ ؟ فأقول : ( مُزَينةُ ) ، فيقول : ما لي ول ( مُزَينةُ ) ؟ حتى نفذَتِ القبائلُ ؛ لا تمرُّ قبيلةٌ إلا قال : من هؤلاءِ ؟ فأقول : بنو فلانٍ ، فيقول : ما لي ولبني فلانٍ ؟ حتى مرَّ رسولُ اللهِ في كتيبتِه الخضراءِ فيها المهاجرونَ والأنصارُ ، لا يُرى منهم إلا الحدَقُ [ من الحديدِ ] ، قال : سبحان اللهِ ! مَن هؤلاءِ يا عباسُ ؟ ! قلتُ : هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في المهاجرين والأنصارِ ، قال : ما لأحدٍ بهؤلاءِ قِبَلٌ ولا طاقةٌ ، واللهِ يا أبا الفضلِ ! لقد أصبح مُلْكُ ابنِ أخيك الغداةَ عظيمًا ! قلتُ : يا أبا سفيانَ ! إنها النُّبوَّةُ ، قال : فنعم إذا ، قلتُ : النَّجاءُ إلى قومك . قال : فخرج حتى إذا جاءهم ؛ صرخ بأعلى صوتِه : يا معشرَ قريشٍ ! هذا محمدٌ قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به ، فمن دخل دارَ أبي سفيانَ ؛ فهو آمِنٌ ، فقامت إليه امرأتُه هندُ بنتُ عُتبةَ ، فأخذتُ بشاربِه فقالت : اقتُلوا الدَّسِمَ الأحمس قُبِّحَ من طليعةِ قومٍ ! قال : ويحكم لا تغُرَّنكم هذه من أنفسِكم ؛ فإنه قد جاء ما لا قِبَلَ لكم به ، من دخل دارَ أبي سفيانَ ؛ فهو آمِنٌ ، قالوا : ويلك وما تُغني دارُك ؟ ! قال : ومن أغلق بابَه ؛ فهو آمِنٌ ، ومن دخل المسجدَ ؛ فهو آمِنٌ . فتفرَّق الناسُ إلى دُورهم ، وإلى المسجدِ
ثم مضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واستعمل على المدينةِ أبارَهم كلثومُ بنُ الحصينِ الغفاريُّ وخرج لعشرٍ مضيْنَ من رمضانَ فصام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصام الناسُ معه حتى إذا كان بالكديدِ _ ماءٌ بين عسفانَ وأمجٍ _ أفطرَ ثم مضى حتى نزل مرَّ الظهرانِ في عشرةِ آلافٍ من المسلمين وألفٍ من مزينةَ وسليمٍ وفي كلِّ القبائلِ عددٌ وسلاحٌ وأوعب مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المهاجرون والأنصارُ لم يتخلف منهم أحدٌ فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مرَّ الظهرانِ وقد عميتِ الأخبارُ على قريشٍ فلم يأتهم عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خبرٌ ولم يدروا ما هو فاعلٌ خرج في تلك الليلةِ أبو سفيانَ بنُ حربٍ وحكيمُ بنُ حزامٍ وبديلُ بنُ ورقاءَ يتجسسون وينظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعونَ به وقد كان العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ تلقى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بعضِ الطريقِ وقد كان أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنُ عبدِ المطلبِ وعبدُ اللهِ بنُ أبي أميةَ بنُ المغيرةَ قد لقِيا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيما بين المدينةِ ومكةَ والتمسا الدخولَ عليه فكلَّمَتْهُ أمُّ سلمةَ فيهما فقالت يا رسولَ اللهِ ابنُ عمِّكَ وابنُ عمَّتِك وصهرُك قال لا حاجةَ لي بهما أما ابنُ عمِّي فهتكَ عِرضي بمكةَ وأما ابنُ عمَّتِي وصِهري فهو الذي قال لي بمكةَ ما قال فلما خرج إليهما بذلك ومع أبي سفيانَ بنيٌّ له فقال واللهِ لتأذنُنَّ لي أو لآخذنَّ بيدِ بُنيَّ هذا ثم لنذهبنَّ بالأرضِ حتى نموتَ عطشًا وجوعًا فلما بلغ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رقَّ لهما ثم أَذِنَ لهما فدخلا فأسلما فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمرِّ الظهرانِ قال العباسُ واصباح قريشٍ واللهِ لئن دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مكةَ عنوةً قبل أن يستأمنُوهُ إنَّهُ لهلاكُ قريشٍ آخرَ الدهرِ قال فجلستُ على بغلةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ البيضاءَ فخرجتُ عليها حتى جئتُ الأراكَ فقلتُ لعلِّي ألقى بعض الحطَّابةِ أو صاحبَ لبنٍ أو ذا حاجةٍ يأتي مكةَ فيُخبرهم بمكانِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيستأمنوهُ قبل أن يدخلها عنوةً قال فواللهِ إني لأسيرُ عليها وألتمسُ ما خرجتُ له إذ سمعتُ كلامَ أبي سفيانَ وبديلَ بنَ ورقاءَ وهما يتراجعانِ وأبو سفيانَ يقول ما رأيتُ كاليومِ قط نيرانًا ولا عسكرًا قال يقول بديلُ هذه واللهِ نيرانُ خزاعةَ حشتها الحربُ قال يقول أبو سفيانَ خزاعةُ واللهِ أذلُّ وألأمُ من أن تكون هذه نيرانُها وعسكرُها قال فعرفتُ صوتَه فقلتُ يا أبا حنظلةَ فعرف صوتي فقال أبو الفضلِ فقلتُ نعم فقال ما لك فداكَ أبي وأمي فقلتُ ويحَك يا أبا سفيانَ هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الناسِ واصباح قريشٍ واللهِ قال فما الحيلةُ فداك أبي وأمي قال قلتُ لئن ظفرَ بك ليضربنَّ عُنُقَك فاركب معي هذه البغلةَ حتى آتيَ بك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأستأمِنُه لك قال فركب خلفي ورجع صاحباهُ وحركت به فكلما مررتُ بنارٍ من نيرانِ المسلمينَ قالوا من هذا فإذا رأوا بغلةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالوا عمُّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على بغلتِه حتى مررتُ بنارِ عمرَ بنِ الخطابِ فقال من هذا وقام إليَّ فلما رأى أبو سفيانَ على عجزِ البغلةِ قال أبو سفيانَ عدوُّ اللهِ الحمدُ للهِ الذي أمكنني اللهُ منك بغيرِ عقدٍ ولا عهدٍ ثم خرج يشتدُّ نحوَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وركضتِ البغلةُ فسبقَتْهُ بما تسبقُ الدابةُ الرجلَ البطيءَ فاقتحمتُ عن البغلةِ فدخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ودخل عمرُ فقال يا رسولَ اللهِ هذا أبو سفيانَ قد أمكن اللهُ منه بغيرِ عقدٍ ولا عهدٍ فدعني فلأضربَ عُنُقَه فقلتُ يا رسولَ اللهِ إني أجرتُه ثم جلستُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقلتُ لا واللهِ لا يُناجيهِ الليلةَ رجلٌ دوني قال فلما أكثرَ عمرُ في شأنِه قلتُ مهلًا يا عمرُ أما واللهِ أن لو كان من رجالِ بني عديِّ بنِ كعبٍ ما قلتَ هذا ولكنَّك عرفتَ أنَّهُ من رجالِ بني عبدِ منافٍ فقال مهلًا يا عباسُ واللهِ لإسلامُك يومَ أسلمتَ أحبَّ إليَّ من إسلامِ أبي لو أسلمَ وما بي إلا أني قد عرفتُ أنَّ إسلامَك كان أحبَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من إسلامِ الخطابِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اذهب به إلى رَحْلِك يا عباسُ فإذا أصبحتَ فائتني به فذهبتُ به إلى رَحْلِي فبات عندي فلما أصبح غدوتُ به على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلما رآهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال ويحك يا أبا سفيانَ ألم يأنِ لك أن تشهدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ قال بأبي أنت وأمي ما أكرمَك وأحلمَك وأوصلَك لقد ظننتُ أن لو كان مع اللهِ غيرَه لقد أغنى عني شيئًا قال ويحك يا أبا سفيانَ ألم يأنِ لك أن تعلمَ أني رسولُ اللهِ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمَك وأكرمَك وأوصلَك هذه واللهِ كان في النفسِ منها شيٌء حتى الآنَ , قال العباسُ ويحَكَ يا أبا سفيانَ أسلِمْ واشهَدْ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ قبل أن يضربَ عُنُقَك قال فشهد شهادةَ الحقِّ وأسلمَ قلتُ يا رسولَ اللهِ إنَّ أبا سفيانَ يحبُّ هذا الفخرَ فاجعل له شيئًا قال نعم من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ ومن أغلق بابَه فهو آمنٌ ومن دخل المسجدَ فهو آمنٌ فلما ذهب لينصرفَ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يا عباسُ احبِسْهُ بالوادي عند حطمِ الجبلِ حتى تمرَّ به جنودُ اللهِ فيراها قال فخرجتُ به حتى حبستُه بمضيقِ الوادي حيث أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن أحبسَه قال ومرَّتْ به القبائلُ على راياتها فكلما مرَّت قبيلةٌ قال من هؤلاءِ يا عباسُ فيقول بني سليمٍ فيقول ما لي ولسليمٍ قال ثم تمرُّ القبيلةُ فيقول من هؤلاءِ فأقول مزينةُ فيقول ما لي ولمزينةَ حتى نفدتِ القبائلُ يعني جاوزت لا تمرُّ قبيلةً إلا قال من هؤلاءِ فأقول بنو فلانٍ فيقول ما لي ولبني فلانٍ حتى مرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الخضراءِ فيها المهاجرون والأنصارُ لا يُرى منهم سوى الحدقُ قال سبحان اللهِ من هؤلاءِ يا عباسُ قلتُ هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المهاجرين والأنصارِ قال ما لأحدٍ بهؤلاءِ قبلٌ ولا طاقةٌ واللهِ يا أبا الفضلِ لقد أصبح ملكُ ابنُ أخيكَ الغداةَ عظيمًا قلتُ يا أبا سفيانَ إنها النبوةُ قال فنِعْمَ إذًا قلتُ التجِئْ إلى قومِك قال فخرج حتى جاءهم صرخ بأعلى صوتِه يا قريشُ هذا محمدٌ قد جاءَكم بما لا قِبَلَ لكم به فمن دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ فقامت إليه امرأتُه هندُ بنتُ عتبةَ فأخذت بشاربِه فقالت اقتلوا الدسمَ الأحمشَ فبئس طليعةُ قومٍ قال ويحكم لا تغرَّنَّكم هذه من أنفسِكم فإنَّهُ قد جاء بما لا قِبَلَ لكم به من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ قالوا ويحك وما تُغني عنا دارُك قال ومن أغلق بابَه فهو آمنٌ ومن دخل المسجدَ فهو آمنٌ فتفرَّقَ الناسُ إلى دورِهم وإلى المسجدِ
أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مضى لسفرةٍ وخرج لعشرٍ مضينَ من رمضانَ فصام وصام الناسُ معه حتى إذا كان بالكَديدِ أفطر ثم مضى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتى نزل مرَّ الظَّهرانِ في عشرةِ آلافٍ من المُسلمينَ فسمعتْ سُلَيمٌ ومُزينةَ فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّ الظَّهرانِ وقد عمِيت الأخبارُ على قريشٍ فلا يأتيهم خبرُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولا يدرون ما هو فاعلٌ وخرج في تلك الليلةِ أبو سفيانَ بنَ حربٍ وحكيمُ بن حزامٍ وبُديلُ بنُ وَرقاءَ ينظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعونه فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّ الظَّهرانِ قال العباسُ بنُ عبدِ المُطلبِ رضيَ اللهُ عنه قلتُ واصباحَ قريشٍ لئن دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مكةَ عَنوةً قبل أن يأتوه فيستأمِنوه إنه لهلاكُ قريشٍ إلى آخرِ الدهرِ قال فجلستُ على بغلةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ البيضاءَ فخرجتُ عليها حتى دخلتُ الأراكَ فلقِيَ بعضَ الحطَّابةَ أو صاحبَ لبنٍ أو ذا حاجةٍ يأتيهم يخبرهم بمكانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليخرجوا إليه قال فإني لَأُشيرُ عليه وألتمِسُ ما خرجتُ له إذ سمعتُ كلامَ أبي سفيانَ وبُديلَ وهما يتراجعانِ وأبو سفيانَ يقولُ ما رأيتُ كالليلةِ نيرانًا قطُّ ولا عسكرًا قال بُديلٌ هذه واللهِ خُزاعةُ حمشَتْها الحربُ فقال أبو سفيانَ خُزاعةُ واللهِ أذلُّ من أن يكونَ هذه نيرانُهم فعرفتُ صوتَ أبي سفيانَ فقلتُ يا أبا حنظلةَ قال فعرف صوتي فقال أبو الفضلِ قال قلتُ نعم قال مالَكَ فداكَ أبي وأمي قال قلتُ ويلَكَ هذا واللهِ رسولُ اللهِ في الناسِ واصباحَ قريشٍ واللهِ لئن دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مكةَ عَنوة قبل أن يأتوه فيستأمِنوه إنه لَهلاكُ قريشٍ إلى آخرِ الدهرِ قال فما الحيلةُ فداك أبي وأمي قال قلتُ لا واللهِ إلا أن تركبَ في عجُزِ هذه الدابةِ فآتي بك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فإنه واللهِ لئن ظفر بك ليَضربَنَّ عُنقَكَ قال فركب في عُجُزِ البغلةِ ورجع صاحباه قال وكلما مررتُ بنارٍ من نيرانِ المُسلمين قالوا من هذا فإذا نظَروا قالوا عمُّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على بغلتِه حتى مررتُ بنارِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه فقال من هذا وقام إليَّ فلما رآه على عَجُزِ الدَّابةِ عرفه وقال أبو سفيانَ عدوُّ اللهِ الحمدُ للهِ الذي أمكن منك وخرج يشتدُّ نحوَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وركضتُ البغلةَ فسبقتُه كما تسبقُ الدابةُ البطيئةُ الرجلَ البطيءَ ثم اقتحمْتُ عنِ البغلةِ ودخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وجاء عمرُ رضيَ اللهُ عنه فدخل فقال يا رسولَ اللهِ هذا أبو سفيانَ قد أمكن اللهُ منه بلا عقدٍ ولا عهدٍ فدعْني فأضربُ عُنُقَه قال قلتُ يا رسولَ اللهِ إني قد أجرْتُه قال ثم جلستُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأخذتُ برأسِه فقلتُ واللهِ لا يُناجِيه رجلٌ دُوني قال فلما أكثرَ عمر رضيَ اللهُ عنه في شأنه فقلتُ مهلًا يا عمرُ واللهِ لو كان رجلًا من بني عديِّ بن كعبٍ ما قلتُ هذا ولكن قد عرفتُ أنه رجلٌ من بني عبدِ منافٍ قال فقال مهلًا يا عباسُ لَإسلامُك يومَ أسلمتَ كان أحبَّ إليَّ من إسلامِ الخطابِ ومالي إلا أني قد عرفتُ أنَّ إسلامَك كان أحبَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من إسلامِ الخطاب ِفقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إِذهبْ به إلى رَحلكَ فإذا أصبحتَ فأْتِنا به قال فلما أصبحتُ غدوتُ به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فلما رآه قال ويحك َيا أبا سفيانَ ألم يأنِ لك أن تشهدَ أن لا إله إلا اللهُ قال بأبي أنت وأمي فما أحلمَكَ وأكرمَكَ وأوصلَكَ أما واللهِ لقد كاد يقعُ في نفسي أن لو كان مع اللهِ غيرُه لقد أغنى شيئًا بعدُ وقال ويلكَ يا أبا سفيانَ ألم يأْنِ لكَ أن تشهدَ أني رسولُ اللهِ قال بأبي أنت وأُمِّي ما أحلمَك وأكرمَك وأوصلَكَ أما واللهِ هذه فإنَّ في النفسِ منها حتى الآن شيئًا قال العباسُ رضيَ اللهُ عنه قلتُ ويلَكَ أسلِمْ وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ قبل أن يُضرَبَ عُنُقُكَ قال فشهد شهادةَ الحقِّ وأسلَمُ قال العباسُ رضيَ اللهُ عنه فقلتُ يا رسولَ اللهِ إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ يُحبُّ هذا الفخرَ فاجعلْ له شيئًا قال نعم من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمِنٌ ومن أغلق عليه بابَه فهو آمِنٌ فلما ذهبتُ لأنصرفَ قال يا عباسُ احبِسْه بمَضِيقِ الوادي عند حطيِمِ الجندِ حتى يمرَّ به جنودُ اللهِ فيراها قال فحبَستُه حيث أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال ومرَّتْ به القبائلُ على راياتِها بها فكلما مرَّتْ قبيلةٌ قال من هذه قلتُ بنو سُلَيمٍ قال يقول مالي ولبني سُلَيمٍ ثم تمرُّ به قبيلةٌ فيقول من هذه فأقول مُزَينةُ فقال مالي ولِمُزينةَ حتى نفدتِ القبائلُ لا تمرُّ به قبيلةٌ إلا سألَني عنها فأخبرُه إلا قال مالي ولبني فلانٍ حتى مرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الخضراءِ كتيبةٌ فيها المهاجرونَ والأنصارِ رضيَ اللهُ عنهم لا يُرى منهم إلا الحَدَقُ في الحديدِ فقال سبحان اللهِ من هؤلاءِ يا عباسُ قلتُ هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المُهاجرينَ والأنصارِ رضيَ اللهُ عنهم فقال ما لأحدٍ بهؤلاءِ قِبِلٌ واللهِ يا أبا الفضلِ لقد أصبح ملكُ ابنِ أخيك الغداةَ عظيمًا قال قلتُ ويلك يا أبا سفيانَ إنها النبوةُ قال فنعم قال قلتُ التجأْ إلى قومِك اخرُجْ إليهم حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوتِه يا معشرَ قريشٍ هذا محمدٌ قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به فمن دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ فقامتْ إليه هندٌ بنتُ عُتبةَ بنُ ربيعةَ فأخذتْ شاربَه فقالتْ اقتُلوا الحَمِيتَ الدَّسِمَ فبئسَ طليعةُ قومٍ قال ويلَكم لا تغرَّنَّكم هذه من أنفُسِكم وإنه قد جاء ما لا قِبَلَ لكم به من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمِنٌ قالوا قاتلَك اللهُ وما يُغني غناءُ دارِك قال ومن أغلق عليه بابَه فهو آمِنٌ
خرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى مكةَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ من رَمَضَانَ ، فَصامَ وصامَ الناسُ حتى إذا كان بِالكَدِيدِ أَفْطَرَ ، فنزلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مَرَّ الظَّهْرَانِ في عشرَةِ آلافٍ مِنَ الناسِ ، فيهِمْ أَلْفٌ من مُزَيْنَةَ ، وسبعُمِائَةٍ من بَنِي سُلَيْمٍ ، وقد عَمِيَتِ الأَخْبارُ على قريشٍ فلا يأتيهِمْ خَبَرٌعَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولا يَدْرُونَ ما هو فَاعِلُهُ ، وقد خرجَ تِلْكَ الليلةَ أبو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ ، وحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وبُدَيْلُ بْنُ ورْقَاءَ الخُزَاعِيُّ يَتَحَسَّسُونَ الأَخْبارَ ، قال العَبَّاسُ رضيَ اللهُ عنهُ : فلمَّا نزلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ نزلَ قُلْتُ : واصَباحَ قريشٍ ، واللهِ لَئِنْ دخلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مكةَ عَنْوَةً ، لَيَكُونَنَّ هَلاكُهُمْ إلى آخِرِ الدَّهْرِ ، فَرَكِبْتُ بَغْلَةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ البَيْضَاءَ حتى جِئْتُ الأَرَاكَ ، رَجاء أنْ أَلْتَمِسَ بعضَ الحَطَّابَةِ ، أوْ صاحبَ لَبَنٍ ، أوْ ذَا حاجَةٍ يأتي مكةَ فَيُخْبِرُهُمْ بِأَمْرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فَيخرجُوا إليهِ ، فواللهِ إنِّي لَأَسِيرُ أَلْتَمِسُ ما جِئْتُ لهُ إِذْ سَمِعْتُ كَلامَ أبي سُفْيانَ وبُدَيْلِ بنِ ورْقَاءَ وهُما يَتَرَاجَعَانِ ، فقال أبو سُفْيانَ : واللهِ ما رأيْتُ كَاللَّيْلَةِ نِيرَانًا ولا عَسْكَرًا ، فقال بُدَيْلٌ : هذه واللهِ خُزَاعَةُ قد خَمَشَها الحَرْبُ ، فقال أبو سُفْيانَ : خُزَاعَةُ واللهِ أَقَلُّ وأَذَلُّ من أنْ تَكُونَ هذه نِيرَانُها ، فقُلْتُ : يا أبا حَنْظَلَةَ ، فَعَرَفَ صَوْتِي فقال : أبو الفَضْلِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قال : مالكَ فِدَاكَ أبي وأمِّي ؟ فقُلْتُ : هذا واللهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الناسِ ، واصباحُ قريشٍ ، قال : فما الحِيلَةُ ، فِدَاكَ أبي وأمِّي ؟ قال : قُلْتُ : واللهِ لَئِنْ ظَفِرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ فَارْكَبْ عَجُزَ هذه البَغْلَةَ ، فَرَكِبَ ورجعَ صاحِباهُ ، فَخرجْتُ بهِ ، فَكلَّما مَرَرْتُ بنارٍ من نِيرَانِ المسلمِينِ فَقَالوا : ما هذه ؟ فإذا رَأوْا بَغْلَةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالوا : هذه بَغْلَةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عليْها عَمُّهُ ، حتى مَرَرْتُ بِنارِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ فقال : مَنْ هذا ؟ وقَامَ إِلَيَّ ، فلمَّا رَآهُ على عَجُزِ البَغْلَةِ عَرَفَهُ فقال : واللهِ عَدُوُّ اللهِ ، الحمدُ للهِ الذي أَمْكَنَ مِنْكَ ، فَخَرَجَ يَشْتَدُّ نَحْوَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ودَفَعْتُ البَغْلَةَ فَسَبَقْتُهُ بِقدرِ ما تَسْبِقُ الدَّابَّةُ البَطِيئَةُ الرجلَ البَطِيءَ ، فَاقْتَحَمْتُ عَنِ البَغْلَةِ فَدخلْتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ودخلَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ فقال : هذا عَدُوُّ اللهِ أبو سُفْيانَ قد أَمْكَنَ اللهُ مِنْهُ في غَيْرِ عَقدٍ ولا عَهدٍ ، فَدَعْنِي أَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فقُلْتُ : قد أَجَرْتُهُ يا رسولَ اللهِ ، ثُمَّ جَلَسْتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فَأخذْتُ بِرأسِهِ فقُلْتُ : واللهِ لا يُناجِيهُ الليلةَ[ رجلٌ ] دُونِي ، فلمَّا أكثرَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ قُلْتُ : مَهْلًا يا عمرُ ، فواللهِ لَوْ كان رجلًا من بَنِي عَدِيٍّ ما قُلْتَ هذا ، ولَكِنَّهُ من بَنِي عَبْدِ مَنافٍ ، فقال : مَهْلًا يا عَبَّاسُ ، لا تَقُلْ هذا ، فواللهِ لَإِسَلامُكَ حينَ أَسْلمْتَ كان أحبَّ إِلَيَّ من إِسْلامِ الخطَّاِب لَوْ أسلَمَ ، وذلكَ أَنِّي عَرَفْتُ أنَّ إِسْلامَكَ أحبُّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من إِسْلامِ الخطابِ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : يا عَبَّاسُ ، اذْهَبْ بهِ إلى رَحْلِكَ فإذا أَصْبَحْتَ فَأْتِنا بهِ ، فَذَهَبْتُ بهِ إلى الرَّحْلِ ، فلمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ بهِ ، فلمَّا رَآهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال : يا أبا سُفْيانَ ، ويْحَكَ أَلمْ يَأْنِ لكَ أنْ تعلمَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ ؟ فقال : بأبي أنتَ وأمِّي ما أَحْلَمَكَ ، وما أكرمَكَ وأوْصَلكَ ، وأَعْظَمَ عَفْوَكَ ، لقد كادَ أنْ يَقَعَ في نَفسي أنْ لَوْ كان إِلَهٌ غيرَهُ لقدْ أَغْنَى شيئًا بَعْدُ ، فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ويْحَكَ يا أبا سُفْيانَ ، أَلمْ يَأْنِ لكَ أنْ تعلمَ أَنِّي رسولُ اللهِ ؟ فقال : ما أَحْلَمَكَ ، وما أكرمَكَ وأوْصَلكَ ، وأَعْظَمَ عَفْوَكَ ، أَمَّا هذه فإنَّ في النَّفْسِ مِنْها حتى الآنَ شيءٌ ، قال العباسُ رضيَ اللهُ عنهُ : فقُلْتُ :وَيْلكَ أَسْلِمْ ، واشْهَدْ، أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ قبلَ أنْ تضْرَبَ عُنُقُكَ فَشَهِدَ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ ، قال العباسُ رضيَ اللهُ عنهُ : قُلْتُ يا رسولَ اللهِ ، إِنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ يحبُّ الفَخْرَ ، فَاجعلْ لهُ شيئًا ، فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : نَعَمْ ، مَنْ دخلَ دَارَ أبي سُفْيانَ فهوَ آمِنٌ ، ومَنْ أَغْلَقَ بابَهُ فهوَ آمِنٌ ، فلمَّا انصرفَ رضيَ اللهُ عنهُ إلى مكةَ يخبرُهُمْ قال رسولُ اللهِ : احْبِسْهُ بِمَضِيقٍ مِنَ الوَادِي عندَ حَطْمِ الخَيْلِ حتى تَمُرَّ بهِ جُنُودُ اللهِ – تعالى – فَحَبَسَهُ العَبَّاسُ حيثُ أمرَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فمرَّتِ القَبائِلُ على ركبانِها ، فَكلَّما مَرَّتْ قبيلةٌ قال : مَنْ هذه ؟ فَأَقُولُ : بَنُو سُلَيْمٍ ، فيقولُ : ما لي ولِبَنِي سُلَيْمٍ ، ثُمَّ تَمُرُّ أُخْرَى فيقولُ : مَنْ هؤلاءِ ؟ فَأَقُولُ : مُزَيْنَةُ ، فيقولُ : ما لي ولِمُزَيْنَةَ ، فلمْ يَزَلْ يقولُ ذلكَ حتى مَرَّتْ كَتِيبَةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الخَضْرَاءُ فيها المُهاجِرُونَ والأنْصارُ ، لا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الحَدَقُ فقال : مَنْ هذا ؟ فقُلْتُ : هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ، فقال : ما لِأَحَدٍ بِهؤلاءِ قِبَلٌ ، واللهِ لقدْ أصبحَ مُلْكُ ابنِ أَخِيكَ اليومَ لَعَظِيمٌ ، فقُلْتُ : ويْحَكَ يا أبا سُفْيانَ ، إِنَّها النُّبُوَّةُ ، قال : فنَعَمْ إِذًا ، قُلْتُ :النَّجَاءُ إلى قَوْمِكَ ، فَخَرَجَ حتى أَتَاهُمْ بِمكةَ فَجعلَ يَصِيحُ بِأعلى صَوْتِه : يا معشرَ قريشٍ ، هذا محمدٌ قد أَتَاكُمْ بِما لا قِبَلَ لَكُمْ بهِ ، فقامَتِ امرأتُهُ هِنْدُ بنتُ عُتْبَةَ فأخذَتْ بِشَارِبِه فقالتْ : اقتلَوْا ( الحَمِيتَ ) الدَّسِمَ ، ( حَمِشَ البَعِيرُ ) من طَلِيعَةِ قومٍ ، فقال أبو سُفْيانَ : لا تَغُرَّنَّكُمُ هذه من أنْفُسِكُمْ ، مَنْ دخلَ دَارَ أبي سُفْيانَ فهوَ آمِنٌ ، فَقَالوا : قاتَلكَ اللهُ ، وما تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ قال : ومَنْ أَغْلَقَ بابَهُ فهوَ آمِنٌ
غَزَونا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَزوةَ تَبوكَ، فلَمَّا جاءَ واديَ القُرى إذا امرَأةٌ في حَديقةٍ لَها، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه: اخرُصوا، وخَرَصَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَشَرةَ أوسُقٍ، فقال لَها: أحصي ما يَخرُجُ منها. فلَمَّا أتَينا تَبوكَ قال: أما إنَّها سَتَهبُّ اللَّيلةَ ريحٌ شَديدةٌ، فلا يَقومَنَّ أحَدٌ، ومَن كان معهُ بَعيرٌ فليَعقِلْه. فعَقَلناها، وهَبَّت ريحٌ شَديدةٌ، فقامَ رَجُلٌ، فألقَتْه بجَبَلِ طَيِّئٍ، وأهدى مَلِكُ أيلةَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَغلةً بَيضاءَ، وكَساه بُردًا، وكَتَبَ له ببَحرِهم، فلَمَّا أتى واديَ القُرى قال للمَرأةِ: كَم جاءَ حَديقَتُكِ؟ قالت: عَشَرةَ أوسُقٍ، خَرْصَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي مُتَعَجِّلٌ إلى المَدينةِ، فمَن أرادَ مِنكُم أن يَتَعَجَّلَ مَعي فليَتَعَجَّلْ. فلَمَّا قال ابنُ بَكَّارٍ كَلِمةً مَعناها: أشرَفَ على المَدينةِ، قال: هذه طابةُ، فلَمَّا رَأى أُحُدًا قال: هذا جُبَيلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه، ألا أُخبِرُكُم بخَيرِ دورِ الأنصارِ؟ قالوا: بَلى، قال: دورُ بَني النَّجَّارِ، ثُمَّ دورُ بَني عبدِ الأشهَلِ، ثُمَّ دورُ بَني ساعِدةَ -أو دورُ بَني الحارِثِ بنِ الخَزرَجِ- وفي كُلِّ دورِ الأنصارِ. يَعني خَيرًا. وقال سُلَيمانُ بنُ بلالٍ: حدَّثَني عَمرٌو: ثُمَّ دارُ بَني الحارِثِ، ثُمَّ بَني ساعِدةَ. وقال سُلَيمانُ: عن سَعدِ بنِ سَعيدٍ، عن عُمارةَ بنِ غَزيَّةَ، عن عَبَّاسٍ، عن أبيه، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وحُذَيفَةَ، وابنِ عبَّاسٍ أنَّهم كانوا جُلوسًا ذاتَ يَومٍ، فجاءَ رَجُلٌ فقال: إنِّي سَمِعتُ العَجَبَ، فقال له حُذَيفَةُ: وما ذاك؟ قال: سَمِعتُ رِجالًا يَتَحدَّثون في الشَّمسِ والقَمَرِ، فقال: وما كانوا يَتَحدَّثون؟ فقال: زَعَموا أنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ يُجاءُ بهما يَومَ القيامةِ كأنَّهما ثَورانِ عُفَيرانِ، فيُقذَفانِ في جَهنَّمَ، فقال عليٌّ، وابنُ عبَّاسٍ، وحُذَيفَةُ: كَذَبوا، اللهُ أجَلُّ وأكرَمُ من أنْ يُعذِّبَ على طاعَتِه، ألَمْ تَرَ إلى قَولِه تَعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} [إبراهيم: 33]، يعني: دائِبَينِ في طاعَةِ اللهِ، فكيف يُعذِّبُ اللهُ عَبدَينِ يُثني عليهما أنَّهما دائبانِ في طاعَتِه؟! فقالوا لحُذَيفَةَ: حَدِّثْنا رَحِمَك اللهُ، فقال حُذَيفَةُ: بينَما نحن عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ سُئِلَ عن ذلك، فقال: إنَّ اللهَ لمَّا أبرَمَ خَلقَه أحكامًا، فلم يَبْقَ من غَيرِه غَيرُ آدَمَ، خَلَقَ شَمسينِ من نورِ عَرشِه، فأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنَّه يَدَعُها شَمسًا، فإنَّه خَلَقَها مِثلَ الدُّنيا على قَدْرِها، وأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنْ يَطمِسَها ويُحوِّلَها قَمَرًا، فإنَّه خَلَقَها دونَ الشَّمسِ في الضَّوءِ، ولكن إنَّما يَرى النَّاسُ صِغَرَهما؛ لشِدَّةِ ارتِفاعِ السَّماءِ وبُعدِها عنِ الأرضِ، ولو تَرَكَهما اللهُ كما خَلَقَهما في بَدءِ الأمْرِ لم يُعرَفِ اللَّيلُ من النَّهارِ، ولا النَّهارُ من اللَّيلِ، ولكان الأجيرُ ليس له وَقتٌ يَستريحُ فيه، ولا وَقتٌ يأخُذُ فيه أجْرَه، ولكان الصَّائمُ لا يَدري إلى متى يَصومُ ومتى يُفطِرُ، ولكانتِ المرأةُ لا تَدري كيف تَعتَدُّ، ولكان الدُّيَّانُ لا يَدرون متى تَحِلُّ دُيونُهم، ولكان النَّاس لا يَدرون أحوالَ مَعايِشِهم، ولا يَدرون متى يَسْكُنون لراحَةِ أجْسامِهِم، ولكانتِ الأَمَةُ المُضطَهَدةُ، والمَملوكُ المَقهورُ، والبَهيمةُ المُسخَّرةُ ليس لهم وَقتُ راحَةٍ، فكان اللهُ أنظَرَ لعبادِه وأرحَمَ بهم، فأرسَلَ جِبريلَ فأمَرَ بجَناحِه على وَجهِ القَمَرِ ثَلاثَ مرَّاتٍ، وهو يَومَئذٍ شَمسٌ، فمَحا عنه الضَّوءَ وبَقِيَ فيه النورُ؛ فذلك قَولُه تَعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12]، فالسَّوادُ الذي تَرَونَه في القَمَرِ شِبْهَ الخُيوطِ إنَّما هو أثَرُ ذلك المَحوِ. قال: وخلَقَ اللهُ الشَّمسَ على عَجَلةٍ من ضَوءِ نورِ العَرشِ، لها ثلاثُ مِئَةٍ وسِتَّونَ عُروَةً، وخلَقَ اللهُ القَمَرَ مِثلَ ذلك، ووكَّلَ بالشَّمسِ وعَجَلتَها ثَلاثَ مِئَةٍ وسِتِّينَ مَلَكًا من ملائكةِ أهلِ السَّماءِ الدُّنيا، قد تعلَّقَ كلُّ مَلَكٍ منهم بعُروَةٍ مِن تلك العُرَى، والقَمَرُ مِثلُ ذلك، وخلَقَ لهما مَشارِقَ ومَغارِبَ في قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفَيِ السَّماءِ؛ ثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَشرِقِ، وثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَغرِبِ، فكلُّ يَومٍ لهما مَطلَعٌ جَديدٌ، ومَغرِبٌ جَديدٌ، ما بين أوَّلِها مَطلَعًا وأوَّلِها مَغرِبًا، فأطوَلُ ما يكونُ النَّهارُ في الصَّيفِ إلى آخِرِها مَطلعًا وآخِرِها مَغرِبًا، وأقصَرُ ما يكونُ النَّهارُ في الشِّتاءِ؛ وذلك قولُ اللهِ تَعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17]، يعني: آخِرَ هَاهنا وهَاهنا، لم يَذكُرْ ما بين ذلك من عِدَّةِ العُيونِ، ثم جمَعَهما بعدُ فقالَ: {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [المعارج: 40]، فذكَرَ عِدَّةَ تلك العُيونِ كُلِّها. قال: وخلَقَ اللهُ بَحرًا بينَه وبين السَّماءِ مِقدارُ ثَلاثِ فَراسِخَ، وهو قائِمٌ بأمْرِ اللهِ في الهَواءِ، لا يَقطُرُ منه قَطرَةٌ، والبِحارُ كُلُّها ساكنةٌ، وذَنَبُ البَحرِ جارٍ في سُرعَةِ السَّهمِ، ثم انطِباقُه ما بينَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، فتَجري الشَّمسُ والقَمَرُ والنُّجومُ الخُنَّسُ في حَنَكِ البَحْرِ، فوالذي نفسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، لو أنَّ الشَّمسَ دَنَتْ من ذلك البَحرِ، لأحرَقَتْ كُلَّ شَيءٍ على وَجهِ الأرضِ حتى الصُّخورَ والحِجارةَ، ولو بَدا القَمَرُ من ذلك البَحرِ حتى تُعايِنَه النَّاسُ كهَيئَتِه لافتُتِنَ به أهلُ الأرضِ إلَّا مَن شاءَ اللهُ أنْ يَعصِمَه من أوْليائِه. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، إنَّك ما ذَكَرتَ مَجرى الخُنَّسِ في القُرآنِ إلَّا ما كان من ذِكرِكَ اليَومَ، فما الخُنَّسُ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: يا حُذَيفَةُ، هي خَمسَةُ كَواكِبَ: البَرجيسُ، وعُطارِدُ، وبَهرامُ، والزُّهَرةُ، وزُحَلُ، فهذه الكَواكِبُ الخَمسَةُ الطَّالِعاتُ الغارِباتُ الجارياتُ مِثلُ الشَّمسِ والقَمَرِ، وأمَّا سائِرُ الكَواكِبِ فإنَّها مُعلَّقةٌ بين السَّماءِ تَعليقَ القَناديلِ من المَساجِدِ ونُجومِ السَّماءِ، لَهنَّ دَوَرانٌ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ، فإنْ أحبَبتُم أنْ تَستَبينوا ذلك، فانظُروا إلى دَوَرانِ الفُلكِ مرَّةً هنا ومرَّةً هَاهنا؛ فإنَّ الكَواكِبَ تَدورُ معه، وكُلُّها تَزولُ سوى هذه الخَمسَةِ. ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أعجَبَ خَلْقَ الرحمنِ! وما بَقِيَ من قُدرتِه فيما لم نَرَ أعجَبُ من ذلك وأعجَبُ، وذلك قَولُ جِبريلَ لسارَةَ: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 73]؛ وذلك أنَّ للهِ مَدينَتَينِ: إحْداهما بالمَشرِقِ، والأخرى بالمَغرِبِ، على كُلِّ مَدينةٍ منها عَشَرةُ آلافِ بابٍ، بينَ كُلِّ بابينِ فَرسَخٌ، ينوبُ كُلَّ يَومٍ على كُلِّ بابٍ من أبوابِ تلك المَدينَتَينِ عَشَرةُ آلافٍ في الحِراسَةِ عليهم السِّلاحُ ومعهم الكُراعُ، ثم لا تَنوبُهم تلك الحِراسَةُ إلى يَومِ يُنفَخُ في الصُّورِ، اسمُ إحْداهما: جابرسا، والأُخرى: جابلقا، ومن وَرائِهِما ثَلاثُ أُمَمٍ: تنسك، وتارس، وتأويل، ومِن ورائِهِم: يَأجوجُ ومَأجوجُ. وإنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ انطَلَقَ بي لَيلَةَ أُسرِيَ بي من المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأقْصى، فدَعَوتُ يَأجوجَ ومَأجوجَ إلى دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ وعِبادَتِه، فأنْكَروا ما جِئتُهُم به، فهُمْ في النَّارِ، ثم انطَلَقَ بي إلى أهلِ المَدينَتَينِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ تَعالى وعِبادَتِه، فأجابوا وأنابوا، فهُمْ إخْوانُنا في الدِّينِ؛ مَن أحسَنَ منهم فهو مع المُحسِنين منكم، ومَن أساءَ منهم فهو مع المُسيئينَ منكم، فأهلُ المَدينَةِ التي بالمَشرِقِ من بَقايا عادٍ من نَسلِ ثَمودَ، من نَسلِ مُؤمِنيهم الذين كانوا آمَنوا بصالِحٍ. ثم انطَلَقَ بي إلى الأُمَمِ الثَّلاثِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ، فأنكَروا ما دَعَوتُهم إليه، فهُمْ في النَّار مع يَأجوجَ ومَأجوجَ، فإذا طَلَعتِ الشَّمسُ، فإنَّها تَطلُعُ من بَعضِ تلك العُيونِ على عَجَلتِها، ومعها ثَلاثُ مِئَةٍ وسِتَّون مَلَكًا يَجُرُّونَها في ذلك البَحرِ الغَمْرِ راكِبُهُ، فإذا أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَرى العِبادُ آيَةً من الآياتِ يَستَعتِبُهم رُجوعًا عن مَعصِيَتِه وإقبالًا إلى طَاعَتِه، خَرَّتِ الشَّمسُ عن عَجَلتِها، فتَقَعُ في غَمرِ ذلك البَحرِ، فإنْ أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُعظِّمَ الآيةَ ويَشتَدَّ تَخويفُ العِبادِ، خَرَّتِ الشَّمسُ كُلُّها عن العَجَلةِ، حتى لا يَبقى على العَجَلةِ منها شَيءٌ، فذلك حين يُظلِمُ النَّهارُ وتَبدو النُّجومُ، وإذا أرادَ اللهُ أنْ يُعجِّلَ آيةً دونَ آيَةٍ، خَرَّ منها النِّصفُ، أو الثُّلُثُ، أو أقَلُّ من ذلك، أو أكثَرُ في الماءِ، ويَبقى سائِرُ ذلك على العَجَلةِ، فإذا كان ذلك صارتِ الملائكةُ المُوكَّلون بالعَجَلةِ فِرقَتَينِ: فِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ ويَجُرُّونَها نحوَ العَجَلةِ، وفِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ على العَجَلةِ يَجُرُّونَها نحوَ البَحرِ، وهُمْ في ذلك يَقودونَها على مِقدارِ ساعاتِ النَّهارِ، لَيلًا كان ذلك أو نَهارًا حتى يَبدُوَ في طُلوعِها شَيءٌ، فإذا حَمَلوا الشَّمسَ فوَضَعوها على العَجَلةِ، حَمِدوا اللهَ على ما قوَّاهم من ذلك، وقد جعَلَ لهم تلك القُوَّةَ وأفهَمَهم عِلمَ ذلك، فهُم لا يَقصُرون عن ذلك شَيئًا، ثم يَجُرُّونَها بإذْنِ اللهِ تَعالى حتى يَبلُغوا بها إلى المَغرِبِ، ثم يُدخِلونَها بابَ العَينِ التي تَغرُبُ فيها، فتَسقُطُ من أُفُقِ السَّماءِ خَلفَ البَحرِ، ثم تَرتَفِعُ في سُرعَةِ طَيَرانِ الملائكةِ إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ العُليا، فتَسجُدُ تحت العَرشِ مِقدارَ اللَّيلِ، ثم تُؤمَرُ بالطُّلوعِ من المَشرِقِ، فتَطلُعُ من العَينِ التي وقَّتَ اللهُ لها، فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك من طُلوعِهما إلى غُروبِهما، وقد وكَّلَ اللهُ تَعالى باللَّيلِ مَلَكًا من الملائكَةِ، وخلَقَ اللهُ حُجُبًا من ظُلمَةٍ من المَشرِقِ عَدَدَ اللَّيالي في الدُّنيا على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا غَرَبتِ الشَّمسُ أقبَلَ ذلك المَلَكُ، فقَبَضَ قَبضَةً من ظُلمَةِ ذلك الحِجابِ، ثم استقبَلَ المَغرِبَ، فلا يَزالُ يُراعي الشَّفَقَ، ويُرسِلُ تلك الظُّلمَةَ من خِلالِ أصابِعِه قَليلًا قَليلًا، حتى إذا غابَ الشَّفَقُ أرسَلَ الظُّلمَةَ كُلَّها، ثم نَشَرَ جَناحَيهِ فيَبلُغانِ قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفيِ السَّماءِ، ثم يَسوقُ ظُلمَةَ اللَّيلِ بجَناحَيهِ إلى المَغرِبِ قَليلًا قَليلًا، حتى إذا بلَغَ المَغرِبَ انفَجَرَ الصُّبحُ من المَشرِقِ، ثم ضَمَّ الظُّلمَةَ بعضَها إلى بعضٍ، ثم قبَضَ عليها بكَفٍّ واحدةٍ نحوَ قَبضَتِه إذا تَناوَلَها من الحِجابِ بالمَشرِقِ، ثم يَضَعُها عندَ المَغرِبِ على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا نَقَلَ تلك الظُّلمَةَ من المَشرِقِ إلى المَغرِبِ نفَخَ في الصُّورِ وانصَرَفتِ الدُّنيا. فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك حتى يَأتيَ الوَقتُ الذي ضُرِبَ لتَوبَةِ العِبادِ، فتَنتَشِرُ المعاصي في الأرضِ وتَكثُرُ الفَواحِشُ، ويَظهُرُ المَعروفُ فلا يَأمُرُ به أحَدٌ، ويَظهَرُ المُنكَرُ فلا يَنهى عنه أحَدٌ، وتَكثُرُ أولادُ الخَبَثةِ، ويَلي أُمُورَهم السُّفَهاءُ، ويَكثُرُ أتباعُهم من السُّفَهاءِ، وتَظهُرُ فيهم الأباطيلُ، ويَتَعاونون على رِيَبِهم ويَتَزيَّنون بألسِنَتِهم، ويَعيبون العُلَماءَ من أُولي الألبابِ، ويَتَّخِذونَهم سُخْريًّا حتى يَصيرَ الباطِلُ منهم بمَنزِلَةِ الحَقِّ، ويَصيرَ الحَقُّ بمَنزِلَةِ الباطِلِ، ويَكثُرَ فيهم ضَربُ المَعازِفِ واتِّخاذُ القَيناتِ، ويَصيرَ دِينُهم بألسِنَتِهم، ويُصْغوا قُلوبَهم إلى الدُّنيا يُحادُّون اللهَ ورسولَه، ويَصيرَ المُؤمِنُ بينَهم بالتَّقيَّةِ والكِتمانِ، ويَستَحِلُّون الرِّبا بالبَيعِ، والخَمرَ بالنَّبيذِ، والسُّحتَ بالهَديَّةِ، والقِيلَ بالمَوعِظَةِ، فإذا فَعَلوا ذلك، قَلَّتِ الصَّدَقةُ، حتى يَطوفَ السَّائِلُ ما بين الجُمُعةِ إلى الجُمُعةِ، فلا يُعطى دينارًا ولا دِرهَمًا، ويَبخَلُ النَّاسُ بما عندَهم حتى يَظُنَّ الغَنيُّ أنَّه لا يَكفيهِ ما عندَه، ويَقطَعَ كُلُّ ذي رَحِمٍ رَحِمَه، فإذا فَعَلوا ذلك واجتَمَعتْ هذه الخِصالُ فيهم، حُبِسَتِ الشَّمسُ تحت العَرشِ مِقدارَ لَيلَةٍ، كما سجَدَتْ واستَأذَنَتْ مِن أين تُؤمَرُ أنْ تَطلُعَ، فلا تُجابُ حتى يُوافيَها القَمَرُ. فتكونُ الشَّمسُ مِقدارَ ثَلاثِ لَيالٍ، والقَمَرُ مِقدارَ لَيلتينِ، ولا يَعلَمُ طُولَ تلك اللَّيلةِ إلَّا المُتهجِّدون، وهم حَنيفيَّةٌ عِصابَةٌ قَليلَةٌ في ذِلَّةٍ من النَّاسِ، وهَوانٍ من أنْفُسِهم، وضِيقٍ من مَعايِشِهم، فيقومُ أحَدُهم بقيَّةَ تلك اللَّيلَةِ يُصلِّي مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَستَنكِرُ ذلك، ثم يقولُ: لَعَلِّي قد خَفَّفتُ قِراءَتي، إذ قُمتُ قَبلَ حِيني، فيَنظُرُ إلى السَّماءِ، فإذا هو باللَّيلِ كما هو، والنُّجومُ قدِ استَدارتْ مع السَّماءِ، فصارت مَكانَها من أوَّلِ اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه، فلا يأخُذُه النَّومُ، فيقومُ فيُصلِّي الثَّانيةَ مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَزيدُه ذلك إنْكارًا، ثم يَخرُجُ فيَنظُرُ إلى النُّجومِ، فإذا هي قد صارتْ كهَيئَتِها من اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه الثَّالثةَ، فلا يأخُذُه النَّومُ، ثم يقومُ أيضًا فيُصلِّي مِقدارَ وِردِه، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَخرُجُ ويَنظُرُ إلى السَّماءِ، فيَخنُقُهم البُكاءُ، فيُنادي بعضُهم بعضًا، فيَجتَمِعُ المُتهجِّدونُ في كُلِّ مَسجِدٍ بحَضرَتِهم، وهُم قَبلَ ذلك كانوا يَتَواصَلون ويَتَعارَفون، فلا يَزالون في غَفلَتِهم، فإذا تَمَّ للشَّمسِ مِقدارُ ثَلاثِ لَيالٍ وللقَمَرِ مِقدارُ لَيلَتَينِ، أرسَلَ اللهُ تَعالى إليهما جِبريلَ، فقال لهما: إنَّ الرَّبَّ يَأمُرُكما أنْ تَرجِعا إلى المَغرِبِ؛ لِتَطلُعا منه، فإنَّه لا ضَوءَ لكما عندَنا اليَومَ ولا نورَ، فيَبكيانِ عندَ ذلك وَجَلًا مِن اللهِ تَعالى، وتَبكي الملائكةُ لبُكائِهِما مع ما يُخالِطُهما من الخَوفِ، فيَرجِعانِ إلى المَغرِبِ فيَطلُعانِ من المَغرِبِ. فبينَما النَّاسُ كذلك، إذ نادَى مُنادٍ: ألَا إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ قد طَلَعا من المَغرِبِ، فيَنظُرُ النَّاس إليهِما، فإذا هُما أسوَدانِ كهَيئَتِهِما في حالِ كُسوفِهِما قَبلَ ذلك، لا ضَوءَ للشَّمسِ ولا نورَ للقَمَرِ، فذَلك قَولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، وقَولُه تَعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة: 8]، وقَولُه تَعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة: 9]، قال: فيَرتَفِعانِ يُنازِعُ كُلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه حتى يَبلُغا سَهوَةَ السَّماءِ وهو مَنصِفُهما، فيَجيئُهما جِبريلُ عليه السَّلامُ، فيأخُذُ بقَرنَيْهِما فيَرُدُّهما إلى المَغرِبِ آفِلًا، ويُغرِبُهما في تلك العُيونِ، ولكن يُغرِبُهما في بابِ التَّوبَةِ فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: بأبي وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما بابُ التَّوبَةِ؟ قال: يا عُمَرُ، خلَقَ اللهُ تَعالى خَلفَ المَغرِبِ مِصراعَينِ من ذَهَبٍ، مُكلَّلينِ بالجَوهَرِ للتَّوبَةِ، فلا يَتوبُ أحَدٌ من وَلَدِ آدَمَ تَوبَةً نَصوحًا إلَّا وَلِجتْ تَوبَتُه في ذلك البابِ، ثم تُرفَعُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما التَّوبَةُ النَّصوحُ؟ قال: النَّدَمُ على ما فاتَ منه، فلا يَعودُ إليه كما لا يَعودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، قال حُذَيفَةُ: يا رسولَ اللهِ، كيف بالشَّمسِ والقَمَرِ بعدَ ذلك؟ وكيف بالنَّاس بعدَ ذلك؟ قال: يا حُذَيفَةُ، أمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ، فإذا أغرَبَهما اللهُ في ذلك البابِ ردَّ المِصراعَينِ، فالْتَأَمَ ما بينَهما كأنْ لم يكن فيما بينَهما صَدْعٌ قَطُّ، فلا يَنفَعُ نَفْسًا بعدَ ذلك إيمانُها لم تكن آمَنَتْ مِن قَبلُ أو كَسَبتْ في إيمانِها خَيرًا، ولا تُقبَلُ مِن عَبدٍ حَسَنةٌ إلَّا مَن كان قَبلُ مُحسِنًا، فإنَّه يَجزي له وعليه، فتَطلُعُ الشَّمسُ عليهم وتَغرُبُ كما كانت قبلُ. فأمَّا النَّاسُ فإنَّهم بعدَما يَرَونَ من فَظيعِ تلك الآيَةِ وعِظَمِها، يُلِحُّون على الدُّنيا حتى يَغرِسوا فيها الأشجارَ ويُشقِّقوا فيها الأنهارَ، ويَبنوا فَوقَ ظُهورِها البُنيانَ. وأمَّا الدُّنيا فلو أنتَجَ رَجُلٌ مُهرًا لم يَركَبْه من لَدُن طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها إلى أنْ تَقومَ السَّاعَةُ، والذي نَفْسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، إنَّ الأيَّامَ واللَّياليَ أسرَعُ من مَرِّ السَّحابِ، لا يَدري الرَّجُلُ متى يُمسي ومتى يُصبِحُ، ثم تَقومُ السَّاعَةُ، فوالذي نَفْسي بيَدِه لَتَأتينَّهم، وإنَّ الرَّجُلَ قدِ انصَرَفَ بلَبَنِ لِقحَتِه من تَحتِها، فما يَذوقُه ولا يَطعَمُه، وإنَّ الرَّجُلَ في فيه اللُّقمَةُ فما يُسيغُها، فذلك قَولُ اللهِ تَعالى: {وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت: 53]. قال: وأمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ إلى ما خلَقَهما اللهُ منه، فذَلك قَولُه تَعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} [البروج: 13]، فيُعيدُهما إلى ما خلَقَهما منه. قال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي، فكيف قيامُ السَّاعةِ؟ وكيف النَّاسُ في تلك الحالِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حُذَيفَةُ، بينَما النَّاسُ في أسواقِهم أسَرُّ ما كانوا بدُنياهم، وأحرَصُ ما كانوا عليها، فبيْن كيَّالٍ يَكيلُ، ووزَّانٍ يَزِنُ، وبين مُشتَرٍ وبائِعٍ، إذ أتَتْهم الصَّيحَةُ، فخَرَّتِ الملائكةُ صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، وخَرَّ الآدَميُّون صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، فذلك قَولُه تَعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 49]. قال: فلا يَستطيعُ أحدُهم أنْ يَرى صاحِبَه، ولا يَرجِعَ إلى أهلِه، وتَخِرُّ الوُحوشُ على جُنوبِها مَوْتى، وتَخِرُّ الطَّيرُ مِن أوْكارِها ومن جَوِّ السَّماءِ مَوْتى، وتَموتُ السِّباعُ في الغِياضِ والآجامِ والفَيافي، وتَموتُ الحيتانُ في لُجَجِ البِحارِ، والهَوامُّ في بُطونِ الأرضِ، فلا يَبقى من خَلقِ ربِّنا عزَّ وجلَّ إلَّا أربعَةٌ: جِبريلُ، وميكائيلُ، وإسرافيلُ، ومَلَكُ المَوتِ، فيقولُ اللهُ لجِبريلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لإسرافيلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لميكائيلَ: مُتْ، فيَموتُ، ثم يقولُ لمَلَكِ المَوتِ: يا مَلَكَ المَوتِ، ما مِن نَفْسٍ إلَّا وهي ذائِقَةُ المَوتِ، فمُتْ، فيَصيحُ مَلَكُ المَوتِ صَيحَةً، فيَخِرُّ، ثم يُنادي السَّمواتِ، فتَنطَوي على ما فيها كطَيِّ السِّجِلِّ للكِتابِ، والسَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا تَبارك وتَعالى، كما لو أنَّ حَبَّةً مِن خَردَلٍ أُرسِلَتْ في رِمالِ الأرضِ وبُحورِها لم تَستَبِنْ، فكذلك السَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا عزَّ وجلَّ. ثم يقولُ اللهُ تَبارك وتَعالى: أين المُلوكُ؟ أين الجَبابِرَةُ؟ لمَنِ المُلْكُ اليَومَ؟ ثم يَرُدُّ على نَفْسِه: للهِ الواحِدِ القهَّارِ، ثم يقولُها الثَّانيةَ والثَّالثةَ، ثم يَأذَنُ اللهُ للسَّمواتِ فيَتَمسَّكنَ كما كُنَّ، ويَأذَنُ للأرَضين فيَنسَطِحنَ كما كُنَّ، ثم يَأذَنُ اللهُ لصاحِبِ الصُّورِ، فيَقومُ فيَنفُخُ نَفخَةً، فتَقشَعِرُّ الأرضُ منها، وتَلفِظُ ما فيها، ويَسعى كلُّ عُضوٍ إلى عُضوِه، ثم يُمطِرُ اللهُ عليهم من نَهرٍ يُقالُ له: الحَيَوانُ، وهو تحت العَرشِ، فيُمطِرُ عليهم شَبيهًا بمَنيِّ الرِّجالِ أربَعينَ يَومًا ولَيلَةً، حتى تَنبُتَ اللُّحومُ على أجسامِها، كما تَنبُتُ الطَّراثيثُ على وَجهِ الأرضِ، ثم يُؤذَنُ له في النَّفخَةِ الثَّانيةِ، فيَنفُخُ في الصُّورِ، فتَخرُجُ الأرواحُ، فتَدخُلُ كُلُّ رُوحٍ في الجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه. قال حُذَيفَةُ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل تَعرِفُ الرُّوحُ الجَسَدَ؟ قال: نَعَمْ يا حُذَيفَةُ؛ إنَّ الرُّوحَ لَأعرَفُ بالجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه مِن أحَدِكم بمَنزِلِه، فيقومُ النَّاسُ في ظُلمَةٍ، لا يُبصِرُ أحدُهم صاحِبَه، فيَمكُثون مِقدارَ ثَلاثينَ سَنَةً، ثم تَنْجلي عنهمُ الظُّلمَةُ، وتَنفَجِرُ البِحارُ، وتُضرَمُ نارًا، ويُحشَرُ كُلُّ شَيءٍ فَوجًا لَفيفًا، ليس يَختَلِطُ المُؤمِنُ بالكافِرِ، ولا الكافِرُ بالمُؤمِنِ، ويقومُ صاحِبُ الصُّورِ على صَخرَةِ بَيتِ المَقدِسِ، فيُحشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةً، مُشاةً غُرلًا، ما على أحَدٍ منهم طِحلِبَةٌ، وقد دَنَتِ الشَّمسُ فَوقَ رُؤوسِهم، فبينَهم وبينَهما سَنَتانِ، وقد أُمِدَّتْ بِحَرِّ عَشْرِ سِنينَ، فيُسمَعُ لأجوافِ المُشرِكينَ: غِقْ غِقْ، فيَنتَهون إلى أرضٍ يُقالُ لها: السَّاهِرَةُ، وهي بناحيةِ بَيتِ المَقدِسِ تَسَعُ النَّاسَ وتَحمِلُهم بإذْنِ اللهِ، فيقومُ النَّاسُ عليها، ثم جَثا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على رُكبَتَيهِ، فقال: ليس قيامًا على أقدامِهم، ولكن شاخِصَةً أبصارُهم إلى السَّماءِ، لا يَلتَفِتُ أحدٌ منهم يَمينًا، ولا شِمالًا، ولا خَلفًا، وقدِ اشتَغَلتْ كلُّ نَفْسٍ بما أتاها، فذلك قَولُه عزَّ وجلَّ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]، فيقومُون مِقدارَ مِئَةِ سَنَةٍ، فوالذي نَفْسي بيَدِه، إنَّ تلك المِئَةَ سَنَةٍ كقَومَةٍ في صَلاةٍ واحدةٍ، فإذا تَمَّ مِقدارُ مِئَةِ سَنَةٍ، انشَقَّتِ السَّماءُ الدُّنيا، وهبَطَ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ مِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، فيُحيطون بالخَلْقِ، ثم تَنشَقُّ السَّماءُ الثَّانيةُ ويَهبِطُ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ ممَّن هبَطَ مِن سَماءِ الدُّنيا ومِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ولا تَزالُ تَنشَقُّ سَماءً سَماءً، ويَهبِطُ سُكَّانُها أكثَرَ ممَّن هبَطَ مِن سِتِّ سَمواتٍ ومن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ثم يَجيءُ الرَّبُّ تَبارك وتَعالى في ظُلَلٍ مِن الغَمامِ، فأوَّلُ شَيءٍ يُكلِّمُ البَهائِمَ، فيقولُ: يا بَهائِمي، إنَّما خلَقْتُكم لوَلَدِ آدَمَ، فكيف كانت طاعَتُكم لهم؟! وهو أعلَمُ بذلك، فتقولُ البَهائِمُ: ربَّنا، خلَقْتَنا لهم، فكَلَّفونا ما لم نُطِقْ، وصَبَرْنا طَلَبًا لمَرضاتِكَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: صَدَقتُم يا بَهائِمي، إنَّكم طَلَبتُم رِضايَ، فأنا عنكم راضٍ، ومِن رِضايَ عنكم اليَومَ أنِّي لا أُريكم أهوالَ جَهنَّمَ، فكونوا تُرابًا ومَدَرًا، فعندَ ذلك يقولُ الكافِرُ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40]. ثم تَذهَبُ الأرضُ السُّفلى، والثَّانيةُ، والثَّالثةُ، والرَّابعةُ، والخامسةُ، والسَّادسةُ، وتَبقى هذه الأرضُ فتُكفَأُ بأهْلِها كما تُكفَأُ السَّفينةُ في لُجَّةِ البَحرِ إذا خَفَقتَها الرِّياحُ، فيقولُ الآدَميُّون: أليست هذه الأرضُ التي كُنَّا نَزرَعُ عليها، ونَمشي على ظَهرِها، ونَبني عليها البُنيانَ؛ فما لها اليَومَ لا تَقِرُّ؟! فتُجاوِبُهم، فتَقولُ: يا أهْلاهُ، أنا الأرضُ التي مهَّدَني الرَّبُّ لكم، كان لي ميقاتٌ مَعلومٌ، فأنا شاهِدَةٌ عليكم بما عَمِلتُم على ظَهري، ثم عليكم السَّلامُ، فلا تَرَوني أبدًا ولا أراكم، فتَشهَدُ على كُلِّ عبدٍ وأَمَةٍ بما عَمِلَ على ظَهرِها؛ إنْ خَيرًا فخَيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، ثم تَذهَبُ هذه الأرضُ، وتَأتي أرضٌ بيضاءُ، لم يُعمَلْ عليها المعاصي، ولم يُسفَكْ عليها الدِّماءُ، فعليها يُحاسَبُ الخَلقُ. ثم يُجاءُ بالنَّارِ مَزمومةً بسَبعينَ أَلْفَ زِمامٍ، يأخُذُ بكُلِّ زِمامٍ سَبعون أَلْفَ مَلَكٍ من الملائكَةِ، لو أنَّ مَلَكًا منهم أُذِنَ له لالتَقَمَ أهلَ الجَمعِ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ أربعِ مِئَةِ سَنَةٍ زفَرَتْ زَفرَةً، فيَتَجلَّى النَّاسَ السَّكَرُ، وتَطيرُ القُلوبُ إلى الحَناجِرِ، فلا يَستطيعُ أحَدٌ منهم النَّفَسَ إلَّا بعدَ جُهدٍ جَهيدٍ، ثم يأخُذُهم من ذلك الغَمِّ حتى يُلجِمَهم العَرَقُ في مكانِهم، فتَستَأذِنُ الرحمنَ في السُّجودِ، فيَأذَنُ لها، فتقولُ: الحَمدُ للهِ الذي جعَلَني أنتَقِمُ للهِ ممَّن عَصاه، ولم يَجعَلْني آدَميًّا فيَنتَقِمَ منِّي، ثم تُزيَّنُ الجَنَّةُ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ خَمسِ مِئَةِ سَنَةٍ، يَجِدُ المُؤمِنونَ رِيحَها ورَوحَها، فتَسكُنُ نُفوسُهم، ويَزدادون قُوَّةً على قُوَّتِهم، فتَثبُتُ عُقولُهم، ويُلقِّنُهم اللهُ حُجَجَ ذُنوبِهم، ثم تُنصَبُ المَوازينُ، وتُنشَرُ الدَّواوينُ، ثم يُنادى: أين فُلانٌ؟ أين فُلانٌ؟ قُمْ إلى الحِسابِ، فيقومُون، فيَشهَدون للرُّسُلِ أنَّهم قد بَلَّغوا رِسالاتِ ربِّهم، فأنتُم حُجَّةُ الرُّسُلِ يَومَ القيامةِ، فيُنادى رَجُلٌ رَجُلٌ، فيا لها من سَعادَةٍ لا شِقوَةَ بعدَها! ويا لها من شِقوَةٍ لا سعادَةَ بعدَها! فإذا قَضى بين أهلِ الدَّارينِ، ودخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ؛ بعَثَ اللهُ عزَّ وجلَّ ملائكةً إلى أُمَّتي خاصَّةً، وذلك في مِقدارِ يَومِ الجُمُعةِ معهم التُّحُفُ والهَدايا من عندِ ربِّهم، فيقولُون: السَّلامُ عليكم، إنَّ ربَّكم ربَّ العِزَّةِ يَقرَأُ عليكم السَّلامَ، ويقولُ لكم: أَرضيتُم الجَنَّةَ قَرارًا ومَنزِلًا؟ فيقولُون: هو السَّلامُ، ومنه السَّلامُ، وإليه يَرجِعُ السَّلامُ، فيقولُون: إنَّ الرَّبَّ قد أَذِنَ لكم في الزِّيارةِ إليه، فيَركَبون نُوقًا صُفرًا وبِيضًا، رِحالاتُها الذَّهَبُ، وأَزِمَّتُها الياقوتُ، تَخطُرُ في رِمالِ الكافورِ، أنا قائِدُهم، وبِلالٌ على مُقدَّمَتِهم، ووَجهُ بِلالٍ أشَدُّ نورًا من القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، والمُؤذِّنون حَولَه بتلك المَنزِلَةِ، وأهلُ حَرَمِ اللهِ تَعالى أدنى النَّاسِ منِّي، ثم أهلُ حَرَمي الذين يَلونَهم، ثم بعدَهم الأفضَلُ فالأفضَلُ، فيَسيرون ولهم تَكبيرٌ وتَهليلٌ، لا يَسمَعُ سامِعٌ في الجَنَّةِ أصواتَهم إلَّا اشتاقَ إلى النَّظَرِ إليهم، فيَمُرُّون بأهلِ الجِنانِ في جَنَّاتِهم، فيقولون: مَن هَؤلاءِ الذين مَرُّوا بنا؟ قدِ ازدادتْ جنَّاتُنا حُسنًا على حُسنِها، ونورًا على نورِها، فيقولون: هذا مُحمَّدٌ وأُمَّتُه يَزورون رَبَّ العِزَّةِ، فيقولون: لَئن كان مُحمَّدٌ وأُمَّتُه بهذه المَنزِلَةِ والكَرامَةِ، ثم يُعاينون وَجهَ رَبِّ العِزَّةِ، فيا ليتنا كُنَّا من أُمَّةِ مُحمَّدٍ، فيَسيرون حتى يَنتَهُوا إلى شَجَرةٍ يُقالُ لها: شَجَرةُ طُوبى، وهي على شَطِّ نَهرِ الكَوثَرِ، وهي لمُحمَّدٍ، ليس في الجَنَّةِ قَصرٌ مِن قُصورِ أُمَّةِ مُحمَّدٍ إلَّا وفيه غُصنٌ من أغصانِ تلك الشَّجَرةِ، فيَنزِلون تحتَها، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، اكْسُ أهلَ الجَنَّةِ، فيُكسى أحدُهم مِئَةَ حُلَّةٍ، لو أنَّها جُعِلتْ بين أصابِعِه لَوَسِعَتْها مِن ثيابِ الجَنَّةِ. ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، عَطِّرْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالطِّيبِ، فيُطيِّبون، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، فَكِّهْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالفاكهةِ، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا الحُجُبَ عنِّي حتى يَنظُرَ أوليائي إلى وَجْهي، فإنَّهم عَبَدوني ولم يَرَوْني، وعرَفَتْني قُلوبُهم ولم تَنظُرْ إليَّ أبصارُهم، فتقولُ الملائكةُ: سُبحانَك نحن ملائكتُك، ونحن حَمَلةُ عَرشِك، لم نَعصِكَ طَرْفةَ عَينٍ، لا نَستطيعُ النَّظَرَ إلى وَجهِكَ، فكيف يَستطيعُ الآدَميُّون ذلك؟! فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا ملائكتي، إنِّي طالما رأيتُ وُجوهَهم مُعفَّرَةً في التُّرابِ لوَجْهي، وطالما رأيتُهم صُوَّامًا لوَجْهي في يَومٍ شَديدِ الظَّمَأِ، وطالما رأيتُهم يَعمَلون الأعمالَ ابتِغاءَ رَحْمتي ورَجاءَ ثَوابي، وطالما رأيتُهم يَزوروني إلى بَيتي من كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ، وطالما رأيتُهم وعُيونُهم تَجري بالدُّموعِ من خَشيَتي يَحِقُّ للقَومِ عليَّ أنْ أُعطيَ أبصارَهم من القُوَّةِ ما يَستطيعون به النَّظَرَ إلى وَجْهي، فرفَعَ الحُجُبَ، فيَخِرُّون سُجَّدًا، فيقولون: سُبحانَك لا نُريدُ جِنانًا، ولا أزواجًا، ولا نُريدُ إلَّا النَّظَرَ إلى وَجْهِك، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا رُؤوسَكم يا عبادي؛ فإنَّها دارُ جَزاءٍ، وليست بدارِ عِبادَةٍ، وهذا لكم عندي مِقدارُ كُلِّ جُمُعةٍ، كما كُنتُم تَزوروني في بَيتي
خطَبَنا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خُطبةً قبلَ وَفاتِه، وهي آخِرُ خُطبةٍ خطَبَها بالمدينةِ حتَّى لحِقَ باللهِ، فوعَظَنا فيها مَوعظةً ذرَفَتْ منها العُيونُ، ووَجِلَت منها القُلوبُ، واقشعَرَّتْ منها الجُلودُ، وتقلْقَلَتْ منها الأحشاءُ، أمَرَ بِلالًا فنادى: الصَّلاةُ جامعةٌ، قبلَ أنْ يتكلَّمَ، فاجتمَعَ النَّاسُ إليه، فارْتَقى المِنْبرَ، فقال: يا أيُّها النَّاسُ، ادْنُوا وأوسِعُوا لِمَن خلْفَكم، ثلاثَ مرَّاتٍ، فدنا النَّاسُ وانضَمَّ بعضُهم إلى بعضٍ، والْتَفتوا فلم يَرَوا أحدًا، ثمَّ قال: ادْنُوا وأوسِعوا لِمَن خلْفَكم، فدنا النَّاسُ وانضَمَّ بعضُهم لبعضٍ، والْتَفتوا فلم يَرَوا أحدًا. ثمَّ قال: ادْنُوا وأوسِعوا لِمَن خلْفَكم، فدَنَوا وانضَمَّ بعضُهم إلى بعضٍ، والْتَفتوا فلم يَرَوا أحدًا، فقام رجُلٌ فقال: لمَن نُوسِّعُ؛ للملائكةِ؟ قال: لا؛ إنَّهم إذا كانوا معكم لم يَكُونوا بين أيديكم ولا خلْفَكم، ولكنْ عن يَمينِكم وشَمائلِكم، فقال: ولِمَ لا يكونونَ بيْن أيدينا ولا خلْفَنا؟ أهمْ أفضَلُ منَّا؟ قال: بلْ أنتُمْ أفضلُ مِن الملائكةِ. اجلِسْ فجلَسَ. ثمَّ خطَبَ، فقال: الحمدُ للهِ، أحمَدُه، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونُؤْمِنُ به، ونَتوكَّلُ عليه، ونَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبْدُه ورسولُه، ونعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفُسِنا وسيِّئاتِ أعمالِنا. مَن يَهْدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هاديَ له. أيُّها النَّاسُ، إنَّه كائنٌ في هذه الأُمَّةِ ثلاثونَ كذَّابًا، أوَّلُهم صاحِبُ اليَمامةِ، وصاحبُ صَنعاءَ. أيُّها النَّاسُ، إنَّه مَن لقِيَ اللهَ وهو يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ مُخلِصًا؛ دخَلَ الجنَّةَ. فقام عليُّ بنُ أبي طالبٍ فقال: بأبي وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، كيف يُخلِصُ بها لا يَخلِطُ معها غيرَها؟ بيِّنْ لنا حتَّى نَعرِفَه. فقال: حِرصًا على الدُّنيا، وجمْعًا لها مِن غيرِ حِلِّها، ورضًا بها، وأقوامٌ يقولون أقاويلَ الأخيارِ، ويَعمَلون عمَلَ الفُجَّارِ، فمَن لقِيَ اللهَ وليس فيه شَيءٌ مِن هذه الخِصالِ بقولِه: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ دخَلَ الجنَّةَ، ومَنِ اختارَ الدُّنيا على الآخرةِ فله النَّارُ، ومَن تَولَّى خُصومةَ قومٍ ظَلمةٍ، أو أعانَهم عليها؛ نزَلَ به مَلَكُ الموتِ يُبشِّرُه بلَعنةٍ ونارٍ خالدًا فيها، وبئْسَ المصيرُ، ومَن خَفَّ لِسُلطانٍ جائرٍ في حاجةٍ، فهو قَرينُه في النَّارِ، ومَن دَلَّ سُلطانًا على جَورٍ، قُرِنَ مع هامانَ في النَّارِ، وكان هو وذلك السُّلطانُ مِن أشدِّ النَّاسِ عَذابًا. ومَن عظَّمَ صاحبَ دُنْيا ومدَحَه طمَعًا في دُنياه، سَخِطَ اللهُ عليه، وكان في دَرجةِ قارونَ في أسفلِ جهنَّمَ. ومَن بنى بِناءً رِياءً وسُمعةً، حُمِّلَه يومَ القيامةِ مع سبْعِ أرضينَ، يُطَوَّقُه نارًا تُوقَدُ في عُنُقِه، ثمَّ يُرْمَى به في النَّارِ. فقيل: وكيف يَبْني بِناءً رِياءً وسُمعةً؟ فقال: يَبْني فضْلًا عمَّا يَكْفِيه، ويَبْنيه مُباهاةً. ومَن ظلَمَ أجيرًا أُجرةً حَبِطَ عمَلُه، وحُرِّمَ عليه رِيحُ الجنَّةِ، ورِيحُها يُوجَدُ مِن مسيرةِ خمسِ مئةِ عامٍ. ومَن خان جارَه شِبرًا مِن الأرضِ، طُوِّقَه يومَ القيامةِ إلى سبْعِ أرضينَ نارًا حتَّى تُدْخِلَه جهنَّمَ. ومَن تعلَّمَ القُرآنَ، ثمَّ نسِيَه مُتعمِّدًا، لقِيَ اللهَ مَجذومًا مَعلولًا، وسلَّطَ اللهُ عليه بكلِّ آيةٍ حيَّةً تَنهَشُه في النَّارِ. ومَن تعلَّمَ القُرآنَ، فلم يَعمَلْ به، وآثَرَ عليه حُطامَ الدُّنيا وزينَتَها؛ استوجَبَ سَخَطَ اللهِ، وكان في دَرجةِ اليهودِ والنَّصارى الَّذين نَبَذوا كِتابَ اللهِ وراءَ ظُهورِهم، واشْتَروا به ثمنًا قليلًا. ومَن نكَحَ امرأةً في دُبُرِها، أو رجُلًا، أو صَبيًّا؛ حُشِرَ يومَ القيامةِ وهو أنتَنُ مِن الجِيفةِ، يتأَذَّى به النَّاسُ حتَّى يَدخُلَ جهنَّمَ، وأحبَطَ اللهُ أجْرَه، ولا يقبَلُ منه صَرْفًا ولا عدلًا، ويدخُلُ في تابوتٍ مِن نارٍ، وتُسلَّطُ عليه مَساميرُ مِن حديدٍ، حتَّى تَسلُكَ تلك المساميرُ في جَوفِه، فلو وُضِعَ عِرْقٌ مِن عُروقِه على أربعِ مئةِ أُمَّةٍ لَماتوا جميعًا، وهو مِن أشدِّ أهلِ النَّارِ عذابًا يومَ القيامةِ. ومَن زنَى بامرأةٍ مُسلمةٍ أو غيرِ مُسلمةٍ، حُرَّةٍ أو أمَةٍ؛ فُتِحَ عليه في قبْرِه ثلاثُ مئةِ ألفِ بابٍ مِن النَّارِ، يَخرُجُ عليه منها حيَّاتٌ وعقارِبُ وشُهُبٌ مِن النَّارِ، فهو يُعَذَّبُ إلى يومِ القيامةِ بتلك النَّارِ مع ما يَلْقى مِن تلك الحيَّاتِ والعقاربِ، ويُبْعَثُ يومَ القيامةِ يتأَذَّى النَّاسُ بنَتنِ فرْجِه، ويُعْرَفُ بذلك حتَّى يدخُلَ النَّارَ، فيتأَذَّى به أهلُ النَّارِ مع ما هم فيه مِن العذابِ؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَ المحارمَ، وليس أحدٌ أغيرَ مِن اللهِ، ومِن غَيْرتِه حرَّمَ الفواحشَ وحَدَّ الحُدودَ. ومَن اطَّلعَ إلى بَيتِ جارِه، فرأى عَورةَ رجُلٍ، أو شَعرَ امرأةٍ، أو شيئًا مِن جسَدِها؛ كان حقًّا على اللهِ أنْ يُدْخِلَه النَّارَ مع المُنافقينَ الَّذين كانوا يَتحيَّنونَ عَوراتِ النِّساءِ، ولا يَخرُجُ مِن الدُّنيا حتَّى يفْضَحَه اللهُ، ويُبْدِيَ للنَّاظرينَ عَورتَه يومَ القيامةِ. ومَن سَخِطَ رِزْقَه وبَثَّ شكواهُ، ولم يصبِرْ؛ لم يُرْفَعْ له إلى اللهِ حَسنةٌ، ولقِيَ اللهَ وهو عليه ساخطٌ. ومَن لبِسَ ثوبًا، فاختالَ في ثوبِه؛ خُسِفَ به مِن شفيرِ جهنَّمَ، يتجلجَلُ فيها ما دامتِ السَّمواتُ والأرضُ؛ لأنَّ قارونَ لَبِسَ حُلَّةً فاختالَ، فخُسِفَ به، فهو يَتجلجَلُ فيها إلى يومِ القيامةِ. ومَن نكَحَ امرأةً حلالًا بمالٍ حلالٍ، يُريدُ بذلك الفخرَ والرِّياءَ؛ لم يَزِدْه اللهُ بذلك إلَّا ذُلًّا وهوانًا، وأقامَه اللهُ بقدْرِ ما استمتَعَ منها على شَفيرِ جهنَّمَ، حتَّى يَهْويَ فيها سبعينَ خريفًا. ومَن ظلَمَ امرأةً مهْرَها فهو عند اللهِ زانٍ، ويقولُ اللهُ له يومَ القيامةِ: عبْدي زوَّجْتُك على عَهدي، فلم تُوفِ بعَهْدي! فيتَولَّى اللهُ طلَبَ حَقِّها، فيَستوعِبُ حَسناتِه كلَّها، فما تَفِي به، فيُؤْمَرُ به إلى النَّارِ. ومَن رجَعَ عن شَهادةٍ أو كتَمَها، أطعَمَه اللهُ لحْمَه على رُؤوسِ الخلائقِ، ويُدْخِلُه النَّارَ وهو يَلُوكُ لِسانَه. ومَن كانت له امرأتانِ، فلم يَعدِلْ بيْنهما في القسمِ مِن نَفْسِه ومالِه؛ جاء يومَ القيامةِ مَغلولًا مائلًا شِقُّه، حتَّى يدخُلَ النَّارَ. ومَن آذى جارَه مِن غيرِ حَقٍّ، حرَّمَ اللهُ عليه رِيحَ الجنَّةِ، ومأواهُ النَّارُ. ألَا وإنَّ اللهَ يسأَلُ الرَّجلَ عن جارِه كما يسأَلُه عن حَقِّ أهلِ بيتِه، فمَن ضيَّعَ حَقَّ جارِه فليس مِنَّا. ومَن أهان فقيرًا مُسلِمًا مِن أجْلِ فقْرِه، فاستخَفَّ به؛ فقدِ استخَفَّ بحَقِّ اللهِ، ولم يزَلْ في مَقْتِ اللهِ وسَخَطِه حتَّى يُرْضِيَه. ومَن أكرَمَ فقيرًا مُسلِمًا، لقِيَ اللهَ يومَ القيامةِ وهو يضحَكُ إليه. ومَن عُرِضَت له الدُّنيا والآخرةُ، فاختارَ الدُّنيا على الآخرةِ، لقِيَ اللهَ وليست له حَسنةٌ يَتَّقي بها النَّارَ، وإنِ اختارَ الآخرةَ على الدُّنيا، لقِيَ اللهَ وهو عنه راضٍ. ومَن قَدَرَ على امرأةٍ أو جاريةٍ حَرامًا، فترَكَها مَخافةً منه؛ أمَّنَه اللهُ مِن الفزَعِ الأكبرِ، وحرَّمَه على النَّارِ وأدخَلَه الجنَّةَ، وإنْ واقَعَها حَرامًا، حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّةَ وأدخَلَه النَّارَ. ومَن كسَبَ مالًا حرامًا لم تُقْبَلْ له صَدقةٌ، ولا حجٌّ، ولا عُمرةٌ، وكتَبَ اللهُ له بقَدْرِ ذلك أوزارًا، وما بقِيَ عند موتِه كان زادَه إلى النَّارِ. ومَن أصاب مِن امرأةٍ نظْرةً حرامًا، ملَأَ اللهُ عينَيْه نارًا، ثمَّ أمَرَ به إلى النَّارِ، فإنْ غَضَّ بصَرَه عنها، أدخَلَ اللهُ في قلْبِه مَحبَّتَه ورحمَتَه، وأمَرَ به إلى الجنَّةِ. ومَن صافَحَ امرأةً حرامًا، جاء يومَ القيامةِ مَغلولةً يداهُ إلى عُنقِه، ثمَّ يُؤْمَرُ به إلى النَّارِ، وإنْ فاكَهَها، حُبِسَ بكلِّ كلمةٍ كلَّمَها في الدُّنيا ألْفَ عامٍ، والمرأةُ إذا طاوعَتِ الرَّجلَ حرامًا فالْتَزَمها، أو قبَّلَها، أو باشَرَها، أو فاكَهَها، أو واقَعَها؛ فعليها مِن الوِزْرِ مثْلُ ما على الرَّجلِ، فإنْ غلَبَها الرَّجلُ على نفْسِها، كان عليه وِزْرُه ووِزْرُها. ومَن غَشَّ مُسلمًا في بَيعٍ أو شِراءٍ فليس مِنَّا، ويُحْشَرُ يومَ القيامةِ مع اليهودِ؛ لأنَّهم أغَشُّ النَّاسِ للمُسلمينَ. ومَن منَعَ الماعونَ مِن جارِه إذا احتاج إليه، منَعَه اللهُ فضْلَه، ووكَلَه إلى نفْسِه. ومَن وكَلَه إلى نفْسِه هلَكَ آخرَ ما عليها، ولا يُقْبَلُ له عُذرٌ. وأيُّما امرأةٍ آذتْ زوجَها لم تُقْبَلْ صَلاتُها، ولا حَسنةٌ مِن عمَلِها حتَّى تُعْتِبَه وتُرْضِيَه، ولو صامتِ الدَّهرَ، وقامَتْه، وأعتقَتِ الرِّقابَ، وحُمِلَت على الجيادِ في سبيلِ اللهِ؛ لكانت أوَّلَ مَن يَرِدُ النَّارَ إذا لم تُرْضِه وتُعْتِبْه، وقال: وعلى الرَّجلِ مِثْلُ ذلك مِن الوِزْرِ والعذابِ إذا كان لها مُؤْذِيًا ظالمًا. ومَن لطَمَ خَدَّ مُسلمٍ لَطمةً، بدَّدَ اللهُ عِظامَه يومَ القيامةِ، ثمَّ تُسَلَّطُ عليه النَّارُ، ويُبْعَثُ حين يُبْعَثُ مَغلولًا حتَّى يَرِدَ النَّارَ. ومَن بات وفي قلْبِه غِشٌّ لأخيهِ المُسلمِ، بات وأصبَحَ في سَخَطِ اللهِ حتَّى يَتوبَ ويرجِعَ، فإنْ مات على ذلك مات على غيرِ الإسلامِ، ثمَّ قال: ألَا إنَّه مَن غشَّنا فليس مِنَّا، حتَّى قال ذلك ثلاثًا. ومَن يُعلِّقُ سَوطًا بيْن يديْ سُلطانٍ جائرٍ، جعَلَ له اللهُ حيَّةً طُولُها سبعونَ ألفَ ذِراعٍ، فتُسَلَّطُ عليه في نارِ جهنَّمَ خالدًا مُخلَّدًا. ومَنِ اغتابَ مُسلمًا، بطَلَ صَومُه ونقَضَ وُضوءَه، فإنْ مات وهو كذلك، مات كالمُستحِلِّ ما حرَّمَ اللهُ. ومَن مَشى بالنَّميمةِ بيْن اثنينِ، سلَّطَ اللهُ عليه في قبْرِه نارًا تُحرِقُه إلى يومِ القيامةِ، ثمَّ يُدْخِلُه النَّارَ. ومَن عفا عن أخيه المُسلمِ، وكظَمَ غَيظَه، أعطاهُ اللهُ أجْرَ شَهيدٍ. ومَن بَغَى على أخيه، وتطاوَلَ عليه، واستحقَرَه؛ حشَرَه اللهُ يومَ القيامةِ في صُورةِ الذَّرَّةِ، تطَؤُه العِبادُ بأقدامِهم، ثمَّ يدخُلُ النَّارَ، ولم يَزَلْ في سَخَطِ اللهِ حتَّى يموتَ. ومَن يَرُدَّ عن أخيه المُسلمِ غِيبةً سمِعَها تُذْكَرُ عنه في مَجلسٍ، رَدَّ اللهُ عنه ألفَ بابٍ مِن الشَّرِّ في الدُّنيا والآخرةِ، فإنْ هو لم يَرُدَّ عنه وأعجَبَه ما قالوا، كان عليه مِثْلُ وِزْرِهم. ومَن رمى مُحْصَنًا أو مُحصنَةً، حبِطَ عمَلُه، وجُلِدَ يومَ القيامةِ سبعونَ ألفًا مِن بيْن يَديْهِ ومِن خلْفِه، ثمَّ يُؤْمَرُ به إلى النَّارِ. ومَن شرِبَ الخمْرَ في الدُّنيا، سقاهُ اللهُ مِن سُمِّ الأساودِ وسُمِّ العقاربِ شَربةً، يتساقَطُ لَحمُ وَجْهِه في الإناءِ قبْلَ أنْ يشرَبَها، فإذا شرِبَها تفسَّخَ لحْمُه وجِلْدُه كالجِيفةِ يتأَذَّى به أهلُ الجَمعِ، ثمَّ يُؤْمَرُ به إلى النَّارِ. ألَا وشاربُها، وعاصِرُها، ومُعتصِرُها، وبائعُها، ومُبْتاعُها، وحامِلُها، والمَحمولةُ إليه، وآكِلُ ثَمنِها؛ سواءٌ في إثْمِها وعارِها، ولا يقبَلُ اللهُ له صَلاةً ولا صِيامًا، ولا حَجًّا ولا عُمرةً حتَّى يتوبَ. فإنْ مات قبلَ أنْ يتوبَ منها، كان حقًّا على اللهِ أنْ يَسْقِيَه بكلِّ جُرعةٍ شَرِبَها في الدُّنيا شَربةً مِن صَديدِ جهنَّمَ. ألَا وكُلُّ مُسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مُسكرٍ حرامٌ. ومَن أكَلَ الرِّبا، ملَأَ اللهُ بطْنَه نارًا بقَدْرِ ما أكَلَ، وإنْ كسَبَ منه مالًا، لم يَقبَلِ اللهُ شيئًا مِن عمَلِه، ولم يَزَلْ في لَعنةِ اللهِ وملائكتِه ما دام عنده منه قِيراطٌ. ومَن خان أمانةً في الدُّنيا ولم يُؤَدِّها إلى أربابِها، مات على غيرِ دِينِ الإسلامِ، ولَقِيَ اللهَ وهو عليه غضْبانُ، ثمَّ يُؤْمَرُ به إلى النَّارِ، فيَهْوي مِن شَفيرِها أبدَ الآبدينَ. ومَن شَهِدَ شَهادةَ زُورٍ على مُسلمٍ أو كافرٍ، عُلِّقَ بلِسانِه يومَ القيامةِ، ثمَّ صُيِّرَ مع المُنافقينَ في الدَّركِ الأسفلِ مِن النَّارِ. ومَن قال لِمَملوكِه، أو مَملوكِ غيرِه، أو لأحدٍ مِن المُسلِمينَ: لا لبَّيْكَ، ولا سَعْديكَ؛ انغمَسَ في النَّارِ. ومَن أضَرَّ بامرأةٍ حتَّى تَفتدِيَ منه، لم يرْضَ اللهُ له بعُقوبةٍ دونَ النَّارِ؛ لأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَغضَبُ للمرأةِ كما يغضَبُ لليتيمِ. ومَن سعى بأخيه إلى السُّلطانِ، أحبَطَ اللهُ عمَلَه كلَّه، فإنْ وصَلَ إليه مَكروهٌ أو أذًى، جعَلَه اللهُ مع هامانَ في دَرجتِه في النَّارِ. ومَن قرَأَ القُرآنَ رِياءً وسُمعةً، أو يُرِيدُ به الدُّنيا؛ لقِيَ اللهَ ووجْهُه عظْمٌ ليس عليه لَحمٌ، ودَعَّ القُرآنُ في قَفاهُ حتَّى يقذِفَه في النَّارِ، فيَهْوي فيها مع مَن هوى. ومَن قرَأَه ولم يَعمَلْ به، حشَرَه اللهُ يومَ القيامةِ أعمى، فيقولُ: ربِّ، لِمَ حَشرْتَني أعمى وقد كنتُ بصيرًا؟! فيقولُ: كذلك أتَتْك آياتُنا فنسِيتَها، وكذلك اليومَ تُنْسى. ثمَّ يُؤْمَرُ به إلى النَّارِ. ومَن اشترى خِيانةً وهو يعلَمُ أنَّها خِيانةٌ، كان كمَن خان في عارِها وإثْمِها. ومَن قاوَدَ بيْن امرأةٍ ورجُلٍ حرامًا، حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّةَ، ومأواهُ النَّارُ وساءت مصيرًا. ومَن غَشَّ أخاه المُسلِمَ، نزَعَ اللهُ منه رِزقَه، وأفسَدَ عليه مَعيشتَه، ووكَلَه إلى نفْسِه. ومَن اشْتَرى سَرِقةً وهو يعلَمُ أنَّها سَرقةٌ، كان كمَن سرَقَها في عارِها وإثمِها. ومَن ضارَّ مُسلمًا فليس مِنَّا ولسْنا منه في الدُّنيا والآخرةِ. ومَن سمِعَ بفاحشةٍ فأفْشاها، كان كمَن أتاها. ومَن سمِعَ بخبرٍ فأفشاهُ، كان كمَن عمِلَه. ومَن وصَفَ امرأةً لرجلٍ، فذكَرَ جَمالَها وحُسْنَها حتَّى افْتُتِنَ بها، فأصاب منها فاحِشةً؛ خرَجَ مِن الدُّنيا مَغضوبًا عليه، ومَن غضِبَ اللهُ عليه غضِبَت عليه السَّمواتُ السَّبعُ والأرضونَ السَّبعُ، وكان عليه مِن الوِزرِ مِثْلُ وِزْرِ الَّذي أصابَها. قلْنا: فإنْ تابَا وأصْلَحا؟ قال: قُبِلَ منهما. ولا يُقْبَلُ مِن الَّذي وصَفَها. ومَن أطعَمَ طعامًا رِياءً وسُمعةً، أطعَمَه اللهُ مِن صَديدِ جهنَّمَ، وكان ذلك الطَّعامُ نارًا في بطنِه حتَّى يُقْضَى بيْن النَّاسِ. ومَن فجَرَ بامرأةٍ ذاتِ بعلٍ انفَجَرَ مِن فرْجِها وادٍ مِن صَديدٍ، مَسيرتُه خمسُ مئةِ عامٍ، يتأَذَّى به أهلُ النَّارِ مِن نَتنِ رِيحِه، وكان مِن أشدِّ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ. واشتَدَّ غضَبُ اللهِ على امرأةٍ ذاتِ بَعلٍ ملَأَت عَينَها مِن غيرِ زوجِها، أو غيرِ ذي مَحْرَمٍ منها، فإذا فعَلَتْ ذلك أحبَطَ اللهُ كلَّ عمَلٍ عمِلَتْه، فإنْ أوطَأَت فِراشَه غيرَه، كان حقًّا على اللهِ أنْ يُحرِقَها بالنَّارِ مِن يومِ تموتُ في قبْرِها. وأيُّما امرأةٍ اختَلَعت مِن زَوجِها، لم تزَلْ في لَعنةِ اللهِ وملائكتِه، وكُتبِه ورُسلِه، والنَّاسِ أجمعينَ، فإذا نزَلَ بها ملَكُ الموتِ قال لها: أبْشِري بالنَّارِ، فإذا كان يومُ القيامةِ قِيل لها: ادْخُلي النَّارَ مع الدَّاخلينَ. ألَا وإنَّ اللهَ ورسولَه بَريئانِ مِن المُختلِعاتِ بغيرِ حَقٍّ. ألَا وإنَّ اللهَ ورسولَه بَريئانِ ممَّن أضَرَّ بامرأةٍ حتَّى تَختلِعَ منه. ومَن أمَّ قومًا بإذْنِهم وهم به راضونَ، فاقتصَدَ بهم في حُضورِه وقِراءتِه، ورُكوعِه وسُجودِه وقُعودِه؛ فله مِثْلُ أُجورِهم. ومَن لم يَقتصِدْ بهم في ذلك، رُدَّتْ عليه صَلاتُه، ولم تَتجاوَزْ تَراقِيَه، وكان بمَنزلةِ أميرٍ جائرٍ مُعتدٍ لم يُصْلِحْ إلى رعيَّتِه، ولم يَقُمْ فيهم بأمْرِ اللهِ. فقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: يا رسولَ اللهِ بأبي أنت وأُمِّي، وما مَنزلةُ الأميرِ الجائرِ المُعتدي الَّذي لم يُصْلِحْ لرعيَّتِه، ولم يَقُمْ فيهم بأمْرِ اللهِ؟ قال: هو رابعُ أربعةٍ، وهو أشَدُّ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ: إبليسُ، وفرعونُ، وقابيلُ قاتلُ النَّفسِ، والأميرُ الجائرُ رابعُهم. ومَنِ احتاجَ إليه أخوهُ المُسلِمُ في قرضٍ، فلم يُقْرِضْه وهو عنده؛ حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّةَ يومَ يَجْزي المُحسنينَ. ومَن صبَرَ على سُوءِ خُلقِ امرأتِه، واحتسَبَ الأجْرَ مِن اللهِ؛ أعطاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مِن الثَّوابِ مِثْلَ ما أعطى أيُّوبَ على بلائِه، وكان عليها مِن الوِزْرِ في كلِّ يومٍ وليلةٍ مِثْلُ رَمْلِ عالِجٍ، فإنْ ماتت قبْلَ أنْ تُعْتِبَه وتُرْضِيَه، حُشِرَت يومَ القيامةِ مَنكوسةً مع المُنافقينَ في الدَّركِ الأسفلِ مِن النَّارِ. ومَن كانت له امرأةٌ، فلم تُوافِقْه، ولم تَصبِرْ على ما رزَقَه اللهُ، وشَقَّت عليه، وحمَّلَتْه ما لا يَقْدِرُ عليه؛ لم تُقْبَلْ لها حَسنةٌ، فإنْ ماتت على ذلك حُشِرَت مع المغضوبِ عليهم. ومَن أكرَمَ أخاه المُسلِمَ فإنَّما يُكْرِمُ ربَّه، فما ظنُّكم؟! ومَن تولَّى عرَّافةَ قومٍ، حُبِسَ على شَفيرِ جهنَّمَ، لكلِّ يومٍ ألفُ سَنةٍ، ويُحْشَرُ ويَدُه مَغلولةٌ إلى عُنقِه، فإنْ كان أقام أمْرَ اللهِ فيهم أُطْلِقَ، وإنْ كان ظالمًا هوى في جهنَّمَ سبعينَ خريفًا. ومَن تحلَّمَ ما لم يَحلُمْ كان كمَن شهِدَ بالزُّورِ، وكُلِّفَ يومَ القيامةِ أنْ يَعقِدَ بيْن شَعيرتَينِ يُعَذَّبُ حتَّى يَعقِدَهما، ولنْ يَعقِدَهما. ومَن كان ذا وَجهَينِ ولِسانَينِ في الدُّنيا، جعَلَ اللهُ له وَجهَينِ ولِسانَينِ في النَّارِ. ومَن استنبَطَ حديثًا باطلًا فهو كمَن حدَّثَ به. قيل: كيف يَستنبِطُه؟ قال: هو الرَّجلُ يَلْقى الرَّجلَ، فيقولُ: كان ذَيت وذَيت، فيَفتَتِحُه، فلا يكونُ أحدُكم مِفتاحًا للشَّرِّ والباطلِ. ومَن مَشى في صُلْحٍ بيْن اثنينِ، صَلَّت عليه الملائكةُ حتَّى يرجِعَ، وأُعْطِيَ أجْرَ لَيلةِ القَدْرِ. ومَن مشى في قَطيعةٍ بيْن اثنينِ، كان عليه مِن الوِزْرِ بقَدْرِ ما أُعْطِيَ مَن أصلَحَ بيْن اثنينِ مِن الأجْرِ، ووجَبَت عليه اللَّعنةُ حتَّى يدخُلَ جهنَّمَ، فيُضاعَفُ عليه العذابُ. ومَن مشى في عَونِ أخيهِ المُسلمِ ومَنفعتِه، كان له ثَوابُ المُجاهِدِ في سبيلِ اللهِ. ومَن مشى في غِيبَتِه وكشْفِ عَورتِه، كانت أوَّلُ قدَمٍ يَخْطوها كأنَّما وضَعَها في جهنَّمَ، وتُكْشَفُ عَورتُه يومَ القيامةِ على رُؤوسِ الخلائقِ. ومَن مشى إلى ذي قَرابةٍ أو ذي رحمٍ يتسلَّى به أو يُسَلِّمُ عليه، أعطاهُ اللهُ أجْرَ مئةِ شهيدٍ، وإنْ وصَلَه مع ذلك، كان له بكلِّ خُطوةٍ أربعونَ ألفَ حَسنةٍ، وحُطَّ عنه بها أربعونَ ألفَ ألفِ سيِّئةٍ، ويُرْفَعُ له بها أربعونَ ألفَ ألفِ دَرجةٍ، وكأنَّما عَبَدَ اللهَ مئةَ ألفِ سَنةٍ. ومَن مشى في فسادِ القراباتِ والقطيعةِ بيْنهم، غَضِبَ اللهُ عليه في الدُّنيا ولعَنَهُ، وكان عليه كوِزْرِ مَن قطَعَ الرَّحمَ. ومَن مَشى في تَزويجِ رجُلٍ حلالًا حتَّى يُجْمَعَ بيْنهما، زوَّجَه اللهُ ألفَ امرأةٍ مِن الحُورِ العينِ، كلُّ امرأةٍ في قَصرٍ مِن دُرٍّ وياقوتٍ، وكان له بكلِّ خُطوةٍ خطاها أو كلمةٍ تكلَّمَ بها في ذلك عِبادةُ سَنةٍ؛ قِيامُ ليلِها، وصِيامُ نهارِها. ومَن عمِلَ في فُرقةٍ بيْن امرأةٍ وزوجِها، كان عليه لَعنةُ اللهِ في الدُّنيا والآخرةِ، وحرَّمَ اللهُ عليه النَّظرَ إلى وجْهِه. ومَن قاد ضَريرًا إلى المسجِدِ، أو إلى مَنزلِه، أو إلى حاجةٍ مِن حوائجِه؛ كتَبَ اللهُ له بكلِّ قدَمٍ رفَعَها أو وضَعَها عِتْقَ رقبةٍ، وصَلَّت عليه الملائكةُ حتَّى يُفارِقَه. ومَن مشى بضَريرٍ في حاجةٍ حتَّى يَقضِيَها، أعطاهُ اللهُ بَراءتَينِ: بَراءةً مِن النَّارِ، وبَراءةً مِن النِّفاقِ، وقُضِيَ له سبعونَ ألفَ حاجةٍ مِن حوائجِ الدُّنيا، ولم يزَلْ يَخوضُ في الرَّحمةِ حتَّى يرجِعَ. ومَن قام على مَريضٍ يومًا وليلةً، بعَثَه اللهُ مع خليلِه إبراهيمَ حتَّى يجوزَ على الصِّراطِ كالبرقِ اللَّامعِ. ومَن سَعى لمريضٍ في حاجةٍ، خرَجَ من ذُنوبِه كيَومِ ولَدَتِه أُمُّه. فقال رجُلٌ مِن الأنصارِ: فإنْ كان المريضُ قَرابتَه أو بعضَ أهْلِه؟ قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ومَن أعظَمُ أجْرًا ممَّن سعى في حاجةِ أهْلِه؟! ومَن ضيَّعَ أهْلَه، وقطَعَ رحِمَه، حرَمَه اللهُ حُسنَ الجزاءِ يومَ يَجْزِي المُحسنينَ، وصيَّرَه مع الهالكينَ حتَّى يأتيَ بالمَخرجِ، وأنَّى له بالمَخرجِ! ومَن مشى لضَعيفٍ في حاجةٍ أو مَنفعةٍ، أعطاهُ اللهُ كتابَه بيمينِه. ومَن أقرَضَ مَلْهوفًا، فأحسَنَ طلَبَه، فلْيستَأنِفِ العمَلَ، وله عندَ اللهِ بكلِّ دِرهمٍ ألفُ قِنْطارٍ في الجنَّةِ. ومَن فرَّجَ عن أخيهِ كُربةً مِن كُرَبِ الدُّنيا، فرَّجَ اللهُ عنه كُرَبَ الدُّنيا والآخرةِ، ونظَرَ اللهُ إليه نَظرةَ رَحمةٍ يَنالُ بها الجنَّةَ. ومَن مشى في صُلحٍ بيْن امرأةٍ وزوجِها، كان له أجرُ ألفِ شهيدٍ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ حقًّا، وكان له بكلِّ خُطوةٍ وكلمةٍ عِبادةُ سَنةٍ؛ صيامُها وقيامُها. ومَن أقرَضَ أخاهُ المُسلمَ، فله بكلِّ درهمٍ وَزنُ جبلِ أُحُدٍ، وحِراءَ، وثَبِيرَ، وطُورِ سَيناءَ حَسناتٍ. فإنْ رفَقَ به في طلَبِه بعدَ حِلِّه، جَرى عليه بكلِّ يومٍ صَدقةٌ، وجاز على الصِّراطِ كالبرقِ اللَّامعِ لا حِسابَ عليه، ولا عذابَ. ومَن مطَلَ طالِبَه وهو يَقْدِرُ على قَضائِه، فعليهِ خَطيئةُ عِشارٍ. فقام إليه عوفُ بنُ مالكٍ الأشجعيُّ، فقال: وما خطيئةُ العِشارِ؟ فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: خَطيئةُ العِشارِ: أنَّ عليه في كلِّ يومٍ لَعنةَ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ، ومَن يلْعَنِ اللهُ فلنْ تجِدَ له نَصيرًا. ومَنِ اصطنَعَ إلى أخيهِ المُسلمِ مَعروفًا، ثمَّ مَنَّ به عليه؛ أُحْبِطَ أجْرُه، وخُيِّبَ سعيُه. ألَا وإنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤُه حرَّمَ على المنَّانِ والبخيلِ، والمُختالِ والقتَّاتِ، والجوَّاظِ والجَعظريِّ، والعُتُلِّ والزَّنيمِ، ومُدمنِ الخمرِ: الجنَّةَ. ومَن تصدَّقَ صَدقةً، أعطاهُ اللهُ بوزنِ كلِّ ذرَّةٍ منها مِثْلَ جبلِ أُحُدٍ مِن نَعيمِ الجنَّةِ. ومَن مشى بها إلى مِسكينٍ كان له مِثْلُ ذلك، ولو تداوَلَها أربعونَ ألفَ إنسانٍ حتَّى تصِلَ إلى المسكينِ، كان لكلِّ واحدٍ منهم مِثْلُ ذلك الأجْرِ كاملًا، وما عندَ اللهِ خيرٌ وأبقى للَّذين اتَّقوا وأحَسْنوا. ومَن بَنى للهِ مَسجدًا، أعطاهُ اللهُ بكلِّ شِبرٍ -أو قال: بكلِّ ذِراعٍ- أربعينَ ألفَ ألفِ مدينةٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، ودُرٍّ وياقوتٍ، وزَبرجدٍ ولُؤلؤٍ، في كلِّ مدينةٍ أربعونَ ألْفَ قَصرٍ، في كلِّ قَصرٍ سبعونَ ألفَ ألفِ دارٍ، في كلِّ دارٍ أربعونَ ألفَ ألفِ بيْتٍ، في كلِّ بيْتٍ أربعونَ ألفَ سريرٍ، على كلِّ سَريرٍ زوجةٌ مِن الحُورِ العينِ، وفي كلِّ بيتٍ أربعونَ ألفَ ألفِ وَصيفٍ، وأربعونَ ألفَ ألفِ وَصيفةٍ، وفي كلِّ بيتٍ أربعونَ ألفَ ألفِ مائدةٍ، على كلِّ مائدةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ قَصعةٍ، في كلِّ قَصعةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ لونٍ مِن الطَّعامِ، ويُعْطي اللهُ وَلِيَّه مِن القُوَّةِ ما يأتي على تلك الأزواجِ وذلك الطَّعامِ والشَّرابِ في يومٍ واحدٍ. ومَن تَولَّى أذانَ مسجِدٍ مِن مساجِدِ اللهِ، يُريدُ بذلك وجْهَ اللهِ؛ أعطاهُ اللهُ ثوابَ ألفِ ألفِ نَبِيٍّ، وأربعينَ ألفَ ألفِ صِدِّيقٍ، وأربعينَ ألفَ ألفِ شَهيدٍ، ويَدخُلُ في شفاعتِه أربعونَ ألفَ ألفِ أُمَّةٍ، في كلِّ أُمَّةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ رجُلٍ، وله في كلِّ جنَّةٍ مِن الجِنانِ أربعونَ ألفَ ألفِ مدينةٍ، في كلِّ مدينةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ قَصرٍ، في كلِّ قَصرٍ أربعونَ ألفَ ألفِ دارٍ، في كلِّ دارٍ أربعونَ ألفَ ألفِ بيتٍ، في كلِّ بيتٍ أربعونَ ألفَ ألفِ سَريرٍ، على كلِّ سَريرٍ زَوجةٌ مِن الحُورِ العينِ، سَعةُ كلِّ بيتٍ منها سَعةُ الدُّنيا أربعونَ ألفَ ألفِ مرَّةٍ، بيْن يدي كلِّ زَوجةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ وَصيفٍ، وأربعونَ ألفَ ألفِ وَصيفةٍ، في كلِّ بيتٍ أربعونَ ألفَ ألفِ مائدةٍ، على كلِّ مائدةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ قَصعةٍ، في كلِّ قَصعةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ لونٍ، لو نزَلَ به الثَّقلانِ لَأوسَعَهم بأدنى بيْتٍ مِن بُيوتِه بما شاؤوا مِن الطَّعامِ والشَّرابِ، واللِّباسِ والطِّيبِ، والثِّمارِ، وألْوانِ التُّحفِ والطَّرائفِ، والحُلِيِّ والحُلَلِ، كلُّ بيتٍ منها مُكْتَفٍ بما فيه مِن هذه الأشياءِ عن البيتِ الآخرِ. فإذا قال المُؤذِّنُ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، اكتنَفَه سبعونَ ألفَ ملَكٍ كلُّهم يُصَلُّون عليه، ويَستغفِرونَ له، وهو في ظلِّ رَحمةِ اللهِ حتَّى يَفرُغَ، ويكتُبُ ثوابَه أربعونَ ألفَ ألفِ ملَكٍ، ثمَّ يَصعَدونَ به إلى اللهِ. ومَن مشى إلى مَسجِدٍ مِن المساجِدِ، فله بكلِّ خُطوةٍ يَخْطوها حتَّى يرجِعَ إلى منزلِه عشْرُ حَسناتٍ، وتُمْحى عنه بها عشْرُ سيِّئاتٍ، ويُرْفَعُ له بها عشْرُ درجاتٍ. ومَن حافَظَ على الجماعةِ حيث كان، ومع مَن كان؛ مَرَّ على الصِّراطِ كالبرقِ اللَّامعِ في أوَّلِ زُمرةٍ مِن السَّابقينَ، ووجْهُه أضوَأُ مِن القمرِ ليلةَ البدرِ، وكان له بكلِّ يومٍ وليلةٍ حافَظَ عليها ثوابُ شهيدٍ. ومَن حافَظَ على الصَّفِّ المُقدَّمِ، فأدرَكَ أوَّلَ تكبيرةٍ مِن غيرِ أنْ يُؤْذِيَ مُؤمنًا؛ أعطاهُ اللهُ مِثْلَ ثوابِ المُؤذِّنِ في الدُّنيا والآخرةِ. ومَن بنى بِناءً على ظَهرِ طريقٍ يَأْوي إليه عابرُ السَّبيلِ، بعَثَه اللهُ يومَ القيامةِ على نَجيبةٍ مِن دُرٍّ، ووجْهُه يُضِيءُ لأهْلِ الجَمعِ، حتَّى يقولَ أهلُ الجَمعِ: هذا ملَكٌ مِن الملائكةِ لم يُرَ مِثْلُه، حتَّى يُزاحِمَ إبراهيمَ في قُبَّتِه، ويَدخُلُ الجنَّةَ بشفاعتِه أربعونَ ألفَ رجُلٍ. ومَن شفَعَ لأخيه المُسلمِ في حاجةٍ له، نظَرَ اللهُ إليه. وحَقٌّ على اللهِ ألَّا يُعذِّبَ عبْدًا بعدَ نظَرِه إليه، إذا كان ذلك بطلبٍ منه إليه أنْ يشفَعَ له، فإذا شفَعَ له مِن غيرِ طلَبٍ، كان له مع ذلك أجْرُ سبعينَ شهيدًا. ومَن صام رمضانَ، وكَفَّ عن اللَّغوِ والغِيبةِ، والكذِبِ والخوضِ في الباطلِ، وأمسَكَ لِسانَه إلَّا عن ذِكْرِ اللهِ، وكَفَّ سمْعَه وبصَرَه وجميعَ جَوارحِه عن مَحارمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وعن أذى المُسلمينَ؛ كانت له مِن القُربةِ عند اللهِ أنْ تمَسَّ رُكبَتُه رُكبةَ إبراهيمَ خليلِه. ومَنِ احتفَرَ بئرًا حتَّى يَنبسِطَ ماؤُها، فيَبذُلُها للمُسلمينَ؛ كان له أجْرُ مَن توضَّأَ منها وصَلَّى، وله بعدَدِ شَعرِ مَن شَرِبَ منها حَسناتٌ؛ إنسٌ أو جِنٌّ، أو بَهيمةٌ أو سبُعٌ، أو طائرٌ، أو غيرُ ذلك، وله بكلِّ شَعرةٍ مِن ذلك عِتْقُ رَقبةٍ، ويَرِدُ في شفاعتِه يومَ القيامةِ حَوضَ القُدسِ عدَدُ نُجومِ السَّماءِ. قيل: يا رسولَ اللهِ: وما حوضُ القُدسِ؟ قال: حَوضي، حوضي، حوضي. ومَن حفَرَ قبْرًا لمُسلمٍ، حرَّمَه اللهُ على النَّارِ، وبوَّأَه بَيتًا في الجنَّةِ، لو وُضِعَ فيه ما بين صَنعاءَ والحبشةِ لَوسِعَها. ومَن غسَّلَ ميتًا، وأدَّى الأمانةَ فيه، كان له بكلِّ شَعرةٍ منه عِتقُ رقبةٍ، ورُفِعَ له بها مئةُ درجةٍ. فقال عمرُ بنُ الخطَّابِ: وكيف يُؤدِّي فيه الأمانةَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: يَستُرُ عَورتَه، ويَكتُمُ شَيْنَه، وإنْ هو لم يَستُرْ عورتَه، ولم يَكتُمْ شَيْنَه؛ أبْدى اللهُ عَورتَه على رُؤوسِ الخلائقِ. ومَن صَلَّى على ميِّتٍ صَلَّى عليه جبريلُ ومعه سبعونَ ألفَ ملكٍ، وغُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنْبِه، وإنْ أقام حتَّى يُدْفَنَ وحَثَا عليه مِن التُّرابِ، انقلَبَ وله بكلِّ خُطوةٍ حتَّى يرجِعَ إلى مَنزلِه قِيراطٌ مِن الأجْرِ، والقِيراط ُمِثْلُ أُحُدٍ. ومَن ذرَفَت عَيناهُ مِن خَشيةِ اللهِ، كان له بكلِّ قَطرةٍ مِن دُموعِه مِثْلُ أُحُدٍ في مِيزانِه، وله بكلِّ قَطرةٍ عَينٌ في الجنَّةِ، على حافتَيْها مِن المدائنِ والقُصورِ ما لا عَينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خطَرَ على قلْبِ واصفٍ. ومَن عاد مَريضًا فله بكلِّ خُطوةٍ خطاها حتَّى يرجِعَ إلى منزلِه سبعونَ ألفَ حَسنةٍ، ومَحْوُ سبعينَ ألفَ سيِّئةٍ، وتُرْفَعُ له سبعونَ ألفَ درجةٍ، ويُوَكَّلُ به سبعونَ ألفَ ملَكٍ يَعودونَه، ويَستغفِرونَ له إلى يومِ القيامةِ. ومَن تبِعَ جنازةً فله بكلِّ خُطوةٍ يَخْطوها حتَّى يرجِعَ مئةُ ألفِ حَسنةٍ، ومَحْوُ مئةِ ألفِ سيِّئةٍ، ويُرْفَعُ له مئةُ ألفِ درجةٍ. فإنْ صَلَّى عليها وُكِّلَ به سبعونَ ألفَ ملَكٍ يستغفِرونَ له حتَّى يرجِعَ، وإنْ شَهِدَ دفْنَها استغْفَروا له حتَّى يُبْعَثَ مِن قبْرِه. ومَن خرَجَ حاجًّا أو مُعتمِرًا، فله بكلِّ خُطوةٍ حتَّى يرجِعَ ألفُ ألفِ حَسنةٍ، ومَحْوُ ألفِ ألفِ سيِّئةٍ، ورُفِعَ له ألفُ ألفِ درجةٍ، وله عند ربِّه بكلِّ دِرهمٍ يُنفِقُه ألفُ ألفِ دِرهمٍ، وبكلِّ دِينارٍ ألفُ ألفِ دِينارٍ، وبكلِّ حَسنةٍ يعمَلُها ألفُ ألفِ حَسنةٍ، حتَّى يرجِعَ وهو في ضَمانِ اللهِ، فإنْ توفَّاهُ أدخَلَه الجنَّةَ، وإنْ رجَعَه، رجَعَه مَغفورًا له مُستجابًا له، فاغتَنِموا دعوتَه إذا قدِمَ قبْلَ أنْ يُصيبَ الذُّنوبَ؛ فإنَّه يَشفَعُ في مئةِ ألفِ رجُلٍ يومَ القيامةِ. ومَن خلَفَ حاجًّا أو مُعتمِرًا في أهلِه بخيرٍ، كان له مِثْلُ أجْرِه كاملًا مِن غيرِ أنْ ينقُصَ مِن أجْرِه شَيءٌ. ومَن رابَطَ أو جاهَدَ في سبيلِ اللهِ، كان له بكلِّ خُطوةٍ حتَّى يرجِعَ سبعُ مئةِ ألفِ ألفِ حَسنةٍ، ومَحْوُ سبعِ مئةِ ألفِ ألفِ سيِّئةٍ، ورُفِعَ له سبْعُ مئةِ ألْفِ ألفِ دَرجةٍ، وكان في ضَمانِ اللهِ، فإنْ توفَّاهُ بأيِّ حتْفٍ كان، أدخَلَه الجنَّةَ، وإنْ رجَعَه، رجَعَه مَغفورًا له مُستجابًا له. ومَن زار أخاهُ المُسلمَ فله بكلِّ خُطوةٍ حتَّى يرجِعَ عِتْقُ مئةِ ألفِ رَقبةٍ، ومَحْوُ مئةِ ألفِ ألفِ سيِّئةٍ، ويُكْتَبُ له مئةُ ألفِ ألفِ حَسنةٍ، ويُرْفَعُ له بها مئةُ ألفِ ألفِ درجةٍ. قال: فقُلْنا لأبي هُريرةَ: أوليسَ قد قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن أعتَقَ رقبةً فهي فِكاكُه مِن النَّارِ؟ قال: بلى. ويُرْفَعُ له سائرُهم في كُنوزِ العرشِ عندَ ربِّه. ومَن تعلَّمَ القُرآنَ ابتغاءَ وجْهِ اللهِ، وتفَقَّه في دِينِ اللهِ؛ كان له مِن الثَّوابِ مِثْلُ جميعِ ما أُعْطِيَ الملائكةُ والأنبياءُ والرُّسلُ. ومَن تعلَّمَ القُرآنَ رِياءً وسُمعةً ليُمارِيَ به السُّفهاءَ، ويُباهِيَ به العُلماءَ، أو يطلُبَ به الدُّنيا؛ بدَّدَ اللهُ عِظامَه يومَ القيامةِ، وكان مِن أشَدِّ أهلِ النَّارِ عذابًا، ولا يَبْقى فيها نوعٌ مِن أنواعِ العذابِ إلَّا عُذِّبَ به؛ لشِدَّةِ غضَبِ اللهِ وسَخَطِه عليه. ومَن تعلَّمَ العلمَ وتواضَعَ في العلمِ، وعلَّمَه عِبادَ اللهِ، يُرِيدُ بذلك ما عندَ اللهِ؛ لم يكُنْ في الجنَّةِ أفضَلُ ثوابًا ولا أعظَمُ مَنزلةً منه، ولم يكُنْ في الجنَّةِ مَنزلةٌ ولا درجةٌ رفيعةٌ نَفِيسةٌ إلَّا وله فيها أوفَرُ نَصيبٍ وأوفَرُ المنازلِ. ألَا وإنَّ العِلْمَ أفضَلُ العِبادةِ. ومِلاكُ الدِّينِ الورَعُ. وإنَّما العالِمُ مَن عمِلَ بعلْمِه وإنْ كان قليلَ العِلْمِ، فلا تَحقِرُنَّ مِن المعاصي شيئًا وإنْ صغُرَ في أعيُنِكم؛ فإنَّه لا صَغيرةَ مع الإصرارِ، ولا كبيرةَ مع استغفارٍ. ألَا وإنَّ اللهَ سائِلُكم عن أعمالِكم، حتَّى عن مَسِّ أحدِكم ثَوبَ أخيهِ، فاعْلَموا عِبادَ اللهِ: أنَّ العبدَ يُبْعَثُ يومَ القيامةِ على ما قد مات عليه، وقد خلَقَ اللهُ الجنَّةَ والنَّارَ، فمَن اختارَ النَّارَ على الجنَّةِ، فأبعَدَهُ اللهُ. ألَا وإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَني أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ. فإذا قالوها عَصَموا مِنِّي دِماءَهم وأموالَهم إلَّا بحَقِّها، وحسابُهم على اللهِ. ألَا وإنَّ اللهَ لم يَدَعْ شيئًا ممَّا نهى عنه إلَّا وقد بيَّنَه لكم؛ {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42]. ألَا وإنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤُه لا يَظلِمُ، ولا يَجوزُ عليه ظُلمٌ، وهو بالمِرصادِ؛ ليَجْزِيَ الَّذين أساؤوا بما عَمِلوا، ويَجْزيَ الَّذين أحْسَنوا بالحُسنى، فمَن أحسَنَ فلِنفْسِه، ومَن أساء فعليها، وما ربُّك بظلَّامٍ للعبيدِ. يا أيُّها النَّاسُ، إنَّه قد كَبِرَتْ سِنِّي، ودَقَّ عَظْمي، وانهَدَّ جِسْمي، ونُعِيَت إليَّ نَفْسي، واقترَبَ أجَلي، واشتقْتُ إلى ربِّي. ألَا وإنَّ هذا آخِرُ العهدِ مِنِّي ومنكم، فما دُمْتُ حيًّا فقد تَرَوني، فإذا أنا مِتُّ فاللهُ خَلِيفتي على كلِّ مُسلمٍ. والسَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه. ثمَّ نزَلَ، فابتدَرَه رَهطٌ مِن الأنصارِ قبْلَ أنْ ينزِلَ مِن المِنبرِ، وقالوا: جُعِلَت أنفُسُنا فِداك يا رسولَ اللهِ، مَن يقومُ بهذه الشَّدائدِ؟ وكيف العيشُ بعدَ هذا اليومِ؟ فقال لهم: وأنتم فَداكم أبي وأُمِّي، نازَلْتُ ربِّي في أُمَّتي، فقال لي: بابُ التَّوبةِ مفتوحٌ حتَّى يُنْفَخَ في الصُّورِ. ثمَّ قال: مَن تاب قبلَ مَوتِه بسَنةٍ تاب اللهُ عليه، ثمَّ قال: سَنةٌ كثيرٌ. مَن تاب قبلَ مَوتِه بشَهرٍ تاب اللهُ عليه، ثمَّ قال: شَهرٌ كثيرٌ. ومَن تاب قبلَ موتِه بجُمعةٍ تاب اللهُ عليه، ثمَّ قال: جُمعةٌ كثيرٌ. مَن تاب قبلَ مَوتِه بيومٍ تاب اللهُ عليه، ثمَّ قال: يومٌ كثيرٌ. ثمَّ قال: مَن تاب قبلَ موتِه بساعةٍ تاب اللهُ عليه. ثمَّ قال: مَن تاب قبْلَ أنْ يُغرغِرَ بالموتِ تاب اللهُ عليه. ثمَّ نزَلَ. فكانت آخِرَ خُطبةٍ خطَبَها صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ
يا سَلمانُ، ألَا أُحَدِّثُكَ مِن غَرائِبِ حَديثي؟ فقُلتُ: بلى، مُنَّ علينا بما مَنَّ اللهُ عَليكَ. قال: نَعَمْ، يا سَلمانُ، ما مِن عَبدٍ يَقومُ في ظُلمةِ اللَّيلِ وغَفلةِ الناسِ فيَستاكُ، ويَتوَضَّأُ، ويُمَشِّطُ رَأْسَه ولِحيَتَه، ويُصَلِّي رَكعَتَيْنِ، يَقرَأُ في أوَّلِ رَكعةٍ بفاتِحةِ الكِتابِ، و{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وفي الثانيةِ بفاتِحةِ الكِتابِ، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، ويَتشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، ويَقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ وله الحَمدُ يُحيي ويُميتُ وهو حَيٌّ، لا يَموتُ، بيَدِه الخَيرُ، وهو على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، اللَّهمَّ لا مانِعَ لِمَا أعطَيتَ ولا مُعطيَ لِمَا مَنَعتَ ولا يَنفَعُ ذا الجِدِّ منكَ الجِدُّ، رافِعًا بها صَوتَه، ثم يَقومُ ويُصَلِّي رَكعتَيْنِ يَقرَأُ في أوَّلِ رَكعةٍ بفاتِحةِ الكِتابِ، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، وفي الثانية بفاتِحةِ الكِتابِ و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، ويَتشَهَّدُ، ويُسَلِّمُ، ويَقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ وله الحَمدُ يُحيي ويُميتُ وهو حَيٌّ لا يَموتُ أبَدًا، بيَدِه الخَيرُ، وهو على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، اللَّهمَّ لا مانِعَ لِمَا أعطَيتَ، ولا مُعطيَ لِمَا مَنَعتَ، ولا يَنفَعُ ذا الجِدِّ منكَ الجِدُّ، رافِعًا بها صَوتَه، جَعَلَ اللهُ بَينَه وبَينَ جَهنَّمَ سِتَّةَ خَنادِقَ، ما بَينَ الخَندَقِ والخَندَقِ كما بَينَ السَّماءِ والأرضِ، وكَتَبَ له بكُلِّ رَكعةٍ سَبعينَ رَكعةً، وما مِن شَيءٍ فيه استِعاذةٌ إلَّا وهو يَقولُ: اللَّهمَّ أعِذْ هذا المُصَلِّيَ مِنِّي، حتى إنَّ النارَ تَقولُ: اللَّهمَّ كما جَعَلتَني بَردًا وسَلامًا على إبراهيمَ فنَجِّ هذا مِنِّي، وكانَ له كِفلَيْنِ مِنَ الأجْرِ في تلكَ اللَّيلةِ، والذي بَعَثَني بالحَقِّ له في الجِنانِ في كُلِّ جَنَّةٍ ألْفُ مَدينةٍ مِن ذَهَبٍ، وألْفُ مَدينةٍ مِن فِضَّةٍ، وألْفُ مَدينةٍ مِن لُؤلُؤٍ، وألْفُ مَدينةٍ مِن زَبَرجَدٍ، وألْفُ مَدينةٍ مِن ياقوتةٍ حَمراءَ، وألْفُ مَدينةٍ مِن دُرٍّ، وألْفُ مَدينةٍ مِن جَوهَرٍ، في كُلِّ مَدينةٍ ألْفُ قَصرٍ، في كُلِّ قَصرٍ ألْفُ دارٍ، وفي كُلِّ دارٍ ألْفُ خَيمةٍ، وفي كُلِّ خَيمةٍ ألْفُ بَيتٍ، وفي كُلِّ بَيتٍ يَعني ألْفُ سَريرٍ، على كُلِّ سَريرٍ زَوجةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، بَينَ يَدَيْ كُلِّ زَوجةٍ سِماطانِ مِنَ الوُصَفاءِ الوَصائِفِ مَدَّ البَصَرِ، ولِكُلِّ جاريةٍ مِنهُنَّ سَبعونَ ألْفَ مَشَّاطةٍ يُمَشِّطنَ قُرونَهُنَّ بمِسكٍ أذفَرَ، بَينَ يَدَيْ كُلِّ مَشَّاطةٍ منها ما لا عَينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعتْ، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ، حَواجِبُهُنَّ كالأهِلَّةِ، وأشفارُهُنَّ كقَوادِمِ النُّسورِ، ويُعطي اللهُ عزَّ وجلَّ في كُلِّ بَيتٍ نَهرًا مِن سَلسَبيلٍ، ونَهرًا مِن كَوثَرٍ، ونَهرًا مِن رَحيقٍ مَختومٍ، حافَّتاهُ أشجارٌ مَنثورةٌ، حَمَلَ تِلكَ الأشجارِ حُورٌ، كُلَّمَا أخَذَ بيَدِه واحِدةً منها نَبَتَ مَكانَها أُخرى، ويُعطي اللهُ المُؤمِنَ مِنَ القُوَّةِ ما يأتي على تلك الأزواجِ كُلِّها، ويأكُلُ ذلكَ الطَّعامَ ويَشرَبُ ذلك الشَّرابَ، فكُلَّما أتى زَوجةً تَعودُ كما كانت، وكُلَّما أكَلَ فكَأنَّه لم يَأكُلْها قَطُّ، وكُلَّما شَرِبَ شَرابًا يَعودُ كأنَّه لم يَشرَبْه قَطُّ؛ فقالَ سَلمانُ: يا رَسولَ اللهِ، ما سَمِعتْ أُذُنايَ حَديثًا أطرَفَ، ولا أعجَبَ مِن هذا! قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هذا مِن فَضلِ اللهِ وعَظَمَتِه قليلٌ، حَدَّثَني خَليلي جِبريلُ قال: يا مُحمدُ، الذين آمنوا باللهِ وباليَومِ الآخِرِ إذا قاموا في ظُلمةِ اللَّيلِ وغَفلةِ الناسِ يُصَلُّونَ، فإنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: يا مَلائِكَتي انظُروا إلى شَجَرةٍ رَطبةٍ بَينَ أشجارٍ يابِسةٍ، قامَ مِن نَومٍ طَيِّبٍ، وفِراشٍ لَيِّنٍ، يُريدُ بذلك وَجْهي، ما ثَوابُه؟ فتَقولُ المَلائِكةُ: أنتَ أعلَمُ يا رَبُّ. فيَقولُ: اكتُبوا له ألْفَ حَسَنةٍ، وامحوا عنه ألْفَ سَيِّئةٍ، وارفَعوا له ألْفَ دَرَجةٍ، وافتَحوا له ألْفَ بابٍ في دارِ الجَلالِ
يا سلمانُ ما من عبدٍ يقومُ في ظُلْمةِ اللَّيلِ وغفلةِ النَّاسِ فيتوضَّأُ ويمشِّطُ لحيتَه ويصلِّي ركعتين . وذكر الحديثَ ، إلى أن قال : وله في الجنانِ ألفُ مدينةٍ من ذهبٍ ، وألفُ مدينةٍ من فضَّةٍ ، وألفُ مدينةٍ من زبرجدٍ ، وألفٌ من جوهرٍ ، وألفٌ من دُرٍّ ، في كلِّ مدينةٍ ألفُ قصرٍ ، في كلِّ قصرٍ ألفُ دارٍ ، في كلِّ دارٍ ألفُ خيمةٍ في الخيمةِ ألفُ بيتٍ في البيتِ ألفُ سريرٍ
خطبَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ . . فذكرَ حديثًا طويلًا ، وفيهِ : ومَن بنَى للهِ مسجدًا أعطاهُ اللهُ بكلِّ شبرٍ أو قال : بكلِّ ذراعٍ أربعينَ ألفَ ( ألفِ ) مدينةً مِن ذهبٍ ، وفضَّةٍ ، ودُرٍّ ، وياقوتٍ ، ولؤلؤٍ ، في كلِّ مدينةٍ أربعونَ ألفَ قصرٍ ، في كلِّ قصرٍ سبعونَ ألفَ دارٍ ، في كلِّ دارٍ ألفَ بيتٍ ، في كلِّ بيتٍ أربعونَ ألفَ سريرٍ ، على كلِّ سريرٍ زَوجةٌ مِن الحورِ العينِ ، وفي كلِّ بيتٍ أربعونَ ألفَ وصيفةٍ ، وفي كلِّ بيتٍ أربعونَ ألفَ مائدةٍ ، على كلِّ مائدةٍ أربعونَ ألفَ قَصعةٍ ، في كلِّ قصعةٍ أربعونَ ألفَ لَونٍ مِن الطَّعامِ ، ويُعطي اللهُ تعالى وليَّهُ مِن القوَّةِ ما يأتي على تلكَ الأزواجِ وذلكَ الطَّعامِ والشَّرابِ في يومٍ واحدٍ
«أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَضى لسَفَرِه وخَرَجَ لعَشْرٍ مَضَيْنَ مِن رَمَضانَ، فصامَ وصامَ النَّاسُ معَه حتَّى إذا كانَ بالكَديدِ أَفطَرَ، ثُمَّ مَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرانِ في عَشَرةِ آلافٍ مِن المُسلِمينَ، فسَبَّعَتْ سُلَيمٌ وألَّفَتْ مُزَينةُ، فلمَّا نَزَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعْني مَرَّ الظَّهْرانِ وقد عَمِيَتِ الأخْبارُ على قُرَيشٍ فلا يَأتيهم خَبَرٌ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولا يَدْرونَ ما هو فاعِلٌ، خَرَجَ في تلك اللَّيْلةِ أبو سُفْيانَ بنُ حَرْبٍ، وحَكيمُ بنُ حِزامٍ، وبُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ يَتَحَسَّبونَ ويَنظُرونَ هلْ يَجِدونَ خَبَرًا أو يَسْمَعونَه، فلمَّا نَزَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَرَّ الظَّهْرانِ قالَ العبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ قُلْتُ: واصَباحَ قُرَيشٍ! لَئِنْ دَخَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَكَّةَ عَنْوةً قَبْلَ أن يَأتوه فيَسْتَأْمِنوه إنَّه لَهَلاكُ قُرَيشٍ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، قالَ: فجَلَسْتُ على بَغْلةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ البَيْضاءِ، فخَرَجْتُ عليها حتَّى جِئْتُ لِأراك أَقولُ لَعَلِّي أَلْقى بعضَ الحَطَّابةِ أو صاحِبَ لَبَنٍ أو ذا حاجةٍ يَأتيهم فيُخبِرُهم بمَكانِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليَخْرُجوا إليه، قالَ: فوَاللهِ إنِّي لأسيرُ عليها وألْتَمِسُ ما خَرَجَتْ له إذْ سَمِعْتُ كَلامَ أبي سُفْيانَ، وبُدَيْلِ بنِ وَرْقاءَ وهُما يَتَراجَعانِ، وأبو سُفْيانَ يقولُ: ما رَأيْتُ كاللَّيْلةِ نيرانًا قَطُّ ولا عَسكَرًا - قالَ: قالَ بُدَيْلٌ: هذه واللهِ خُزاعةُ حَمَشَتْها الحَرْبُ، قالَ: قالَ أبو سُفْيانَ: خُزاعةُ واللهِ أَذَلُّ وأَلْأَمُ مِن أن يكونَ هذه نيرانَ خُزاعةَ وعَسكَرَها، فعَرَفْتُ صَوْتَ أبي سُفْيانَ، فقُلْتُ: يا أبا حَنْظَلةَ، فعَرَفَ صَوْتي، فقالَ أبو الفَضْلِ؟ قالَ: قُلْتُ: نَعمْ، قالَ: قالَ: ما لك فِداك أبي وأُمِّي! قالَ: قُلْتُ: وَيْلَك هذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في النَّاسِ، واصَباحَ قُرَيشٍ واللهِ! قالَ: فما الحيلةُ فِداك أبي وأُمِّي؟ قالَ: قُلْتُ: لا واللهِ إلَّا أن تَركَبَ في عَجُزِ هذه الدَّابَّةِ فآتيَ بك رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فإنَّه واللهِ إن ظَفِرَ بك لَيَضرِبَنَّ عُنُقَك -قالَ: فرَكِبَ في عَجُزِ البَغْلةِ ورَجَعَ صاحِباه - قالَ: فكلَّما مَرَرْتُ بنارٍ مِن نيرانِ المُسلِمينَ، قالوا: مَن هذا؟ فإذا نَظَروا قالوا: عَمُّ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على بَغْلتِه، حتَّى مَرَرْتُ بنارِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فقالَ: مَن هذا؟ وقامَ إليَّ، فلمَّا رآه على عَجُزِ الدَّابَّةِ عَرَفَ، وقالَ: أبو سُفْيانَ عَدُوُّ اللهِ! الحَمْدُ للهِ الَّذي أَمكَنَ مِنك، وخَرَجَ يَشتَدُّ نَحْوَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورَكَضَتِ البَغْلةُ فسَبَقَتْه بما تَسبِقُ الدَّابَّةُ البَطيئةُ الرَّجُلَ البَطيءَ، ثُمَّ أَقْحَمْتُ عن البَغْلةِ ودَخَلْتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وجاءَ عُمَرُ فدَخَلَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، هذا أبو سُفْيانَ قد أَمكَنَ اللهُ مِنه بغَيْرِ عَقْدٍ ولا عَهْدٍ، فدَعْني فأَضرِبَ عُنُقَه، قالَ: قُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي قد أَجَرْتُه، قالَ: ثُمَّ جَلَسْتُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأخَذْتُ برَأسٍ، فقُلْتُ: واللهِ لا يُناجيه يَعْني اللَّيلةَ رَجُلٌ دوني، فلمَّا أَكثَرَ عُمَرُ في شَأنِه، قُلْتُ: مَهْلًا يا عُمَرُ، فلمَّا أَكثَرَ عُمَرُ في شَأنِه قُلْتُ: مَهْلًا يا عُمَرُ، فلمَّا أَكثَرَ عُمَرُ في شَأنِه قُلْتُ: مَهْلًا يا عُمَرُ، أَمَا واللهِ لو كانَ مِن بَني عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ ما قُلْتَ هذا! ولكنْ قد عَرَفْتَ أنَّه رَجُلٌ مِن بَني عَبْدِ مَنافٍ، قالَ: مَهْلًا يا عبَّاسُ، فوَاللهِ لَإسْلامُك يَوْمَ أَسلَمْتَ كانَ أَحَبَّ إليَّ مِن إسْلامِ الخَطَّابِ! وما بي إلَّا أنِّي قد عَرَفْتُ أنَّ إسْلامَك كانَ أَحَبَّ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن إسْلامِ الخطَّابِ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اذْهَبْ به إلى رَحْلِك، فإذا أَصبَحْتَ فأْتِنا به، قالَ: فذَهَبْتُ به إلى رَحْلي، فلمَّا أَصبَحْتُ غَدَوْتُ به إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا رآه قالَ: وَيْحَك يا أبا سُفْيانَ، أَلَمْ يَأْنِ لك أن تَشهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ؟ قالَ: بأبي أنت وأُمِّي! ما أَحلَمَك وأَكرَمَك وأَوصَلَك! أَمَا واللهِ لقد كادَ يَقَعُ في نَفْسي أن لو كانَ معَ اللهِ غَيْرُه لقد أَغْنى شَيئًا بَعْدُ! قالَ: وَيْلَك يا أبا سُفْيانَ، أَلَمْ يَأنِ لك أن تَشهَدَ أنِّي رَسولُ اللهِ؟ قالَ: بأبي وأُمِّي أنت ما أَحلَمَك وأَكرَمَك وأَوصَلَك! أَمَا واللهِ هذه فإنَّ في النَّفْسِ مِنها حتَّى الآنَ شَيئًا، قالَ العبَّاسُ: قُلْتُ: وَيْلَك أَسْلِمْ، واشْهَدْ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ قَبْلَ أن تُضرَبَ عُنُقُك، قالَ: فشَهِدَ شَهادةَ الحَقِّ وأَسلَمَ. قالَ العبَّاسُ: فقُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هذا الفَخْرَ فاجْعَلْ له شَيئًا، قالَ: نَعمْ، مَن دَخَلَ دارَ أبي سُفْيانَ فهو آمِنٌ، ومَن أَغلَقَ عليه بابَه فهو آمِنٌ، قالَ: فلمَّا ذَهَبْتُ لأَنصَرِفَ قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا عبَّاسُ، احْبِسْه بمَضيقِ الوادي عِنْدَ خَطْمِ الجَبَلِ حتَّى تَمُرَّ به خُيولُ اللهِ فيَراها، قالَ: فحَبَسْتُه حيثُ أمَرَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ومَرَّتْ به القَبائِلُ على راياتِها، فكلَّما مَرَّتْ به قَبيلةٌ، قالَ: مَن هذه؟ قالَ: قُلْتُ: بَنو سُلَيْمٍ، قالَ: يقولُ: ما لي ولبَني سُلَيْمٍ، ثُمَّ تَمُرُّ القَبيلةُ، فيقولُ: مَن هذه؟ فأقولُ: مُزَيْنةُ، فيقولُ: ما لي ولمُزَيْنةَ، حتَّى نَفِدَتِ القَبائِلُ، لا تَمُرُّ قَبيلةٌ إلَّا سَألَني عنها فأُخبِرُه، إلَّا قالَ: ما لي ولبَني فُلانٍ، قالَ: حتَّى مَرَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الخَضْراءِ؛ كَتيبةٌ فيها المُهاجِرونَ والأنْصارُ لا يُرى مِنهم إلَّا الحَدَقُ في الحَديدِ، قالَ: سُبْحانَ اللهِ! مَن هؤلاء يا عبَّاسُ؟ قالَ: قُلْتُ: هذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المُهاجِرينَ والأنْصارِ، قالَ: قالَ: ما لِأحَدٍ بهؤلاء قِبَلٌ، واللهِ يا أبا الفَضْلِ لقد أَصبَحَ مُلْكُ ابنِ أخيك الغَداةَ عَظيمًا! قالَ: قُلْتُ: وَيْحَك يا أبا سُفْيانَ إنَّها النُّبُوَّةُ، قالَ: فنَعمْ، قالَ: قُلْتُ: النَّجاءَ إلى قَوْمِك، لِتَخرُجْ إليهم، حتَّى إذا جاءَهم صَرَخَ بأَعْلى صَوْتِه: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، هذا مُحمَّدٌ قد جاءَكم فيما لا قِبَلَ لكم به، فمَن دَخَلَ دارَ أبي سُفْيانَ فهو آمِنٌ، قالَ: فقامَتْ إليه هِنْدُ بِنْت عُتْبةَ، فأخَذَتْ بشارِبَيه، فقالَتْ: اقْتُلوا الحَميتَ الدَّسِمَ الأَحمَشَ تينى -ولَعَلَّه بَئِسَ- مِن طَليعةِ قَوْمٍ، قالَ: وَيْلَكم لا تَغُرَّنَّكم هذه مِن أنْفُسِكم؛ فإنَّه قد جاءَ ما لا قِبَلَ لكم به، مَن دَخَلَ دارَ أبي سُفْيانَ فهو آمِنٌ، فقالوا: قاتَلَك اللهُ وما تُغْني عنَّا دارُك؟ ومَن أَغلَقَ بابَه فهو آمِنٌ»
أتاني جبريلُ وفي يدِهِ مِرآةٌ بيضاءُ فيها نُكتةٌ سوداءُ فقلتُ ما هذه يا جبريلُ قال هذه الجمعةُ يعرضُها عليك ربُّك لتكون لك عيدًا ولأمتك من بعدِك قلتُ ما هذه النكتةُ السوداء فيها قال هي الساعةُ تقوم يومَ الجمعةِ وهو سيدُ الأيامِ عندنا ونحن ندعوهُ في الآخرةِ يومَ المزيدِ قلتُ فلمَ تدعونه يومَ المزيدِ قال إنَّ اللهَ تعالى إذا صيَّر أهلَ الجنةِ إلى الجنةِ أُخرِجوا إلى دارِ المزيدِ فيخرجون في كُثبانِ المِسكِ . . . إلى أن قال ثم يرجِعون إلى منازلِهم فتقولُ لهم أزواجُهم لقد خرجتُم مِن عندنا بصورةٍ ورجعتُم إلينا بغيرها فيقولون تجلَّى لنا الجبارُ عَزَّ وَجَلَّ فنظرْنا إلى ما جئنا به عليكم فهم يتقلَّبونَ في مسكِ الجنةِ ونعيمِها في كل سبعةِ أيامٍ يومًا وهو يومُ المَزيدِ
حديث فضلِ يومِ الجمعةِ وأولُه... جاءني جبريلُ وفي كفِّه مرآةٌ فيها نكتةٌ سوداءُ [فقلت: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة، أرسل بها إليك ربك، لتكون هدى لك ولأمتك من بعدك، فقلت: وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها خير، أنتم الآخرون السابقون يوم القيامة، وفيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله خيرا هو له قسم إلا آتاه، ولا خيرا ليس له بقسم إلا ذخر له أفضل منه، ولا يستعيذ بالله من شر ما هو مكتوب عليه إلا دفع عنه أكثر منه. قلت: ما هذه النكتة السوداء؟ قال: هذه الساعة يوم تقوم القيامة، وهو سيد الأيام، ونحن نسميه عندنا يوم المزيد، قلت: ولم تسمونه يوم المزيد يا جبريل؟ قال: لأن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الجبار عن عرشه إلى كرسيه إلى ذلك الوادي، وقد حف الكرسي بمنابر من نور، يجلس عليها الصديقون والشهداء يوم القيامة، ثم يجيء أهل الغرف حتى يحفوا بالكثب، ثم يبدو لهم ذو الجلال والإكرام تبارك وتعالى فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وأحللت لكم دار كرامتي، فسلوني._x000D_ فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضى عنا، فيشهدهم على الرضى، ثم يقول لهم: سلوني! فيسألونه حتى تنتهي نهمة كل عبد منهم، ثم يقول لهم: سلوني! فيسألونه حتى تنتهي نهمة كل عبد منهم، ثم يقول لهم: سلوني! فيقولون: حسبنا ربنا رضينا، فيرجع الجبار جل جلاله إلى عرشه، فيفتح لهم بقدر إشراقهم من يوم الجمعة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء، وياقوتة حمراء، وزمردة خضراء، ليس فيها فصم ولا وصم، مطردة فيها أنهارها، متدلية فيها ثمارها، فيها أزواجها وخدمها ومساكنها، فليسوا إلى يوم أحوج منهم إلى يوم الجمعة؛ ليزدادوا فضلا من ربهم ورضوانا]
عن أبي هريرةَ قال : بينما نحنُ جلوسٌ حول مريضٍ لنا ، إذ هدأ وسكن حتى ما يتحركُ منه عرقٌ ، فسجيْناهُ ، وأغمضناهُ ، وأرسلنا إلى ثيابِه وسِدرِه وسريرِه ، فلما ذهبنا لنُغسِّلَه تحرَّكَ ، فقلنا : سبحانَ اللهِ ، ما كنا نراك إلا قد متَّ ، قال : فإني قد متُّ وذُهِبَ بي إلى قبري ، فإذا إنسانٌ حسنُ الوجهِ طيبُ الريحِ ، قد وضعني في لحدي ، وطواهُ بالقراطيسِ ، إذ جاءت إنسانةٌ سوداءُ منتنةُ الريحِ ، فقالت : هذا صاحبُ كذا ، وهذا صاحبُ كذا أشياءٌ واللهِ أستحي منها ، كأنما أقلعتُ عنها ساعتئذٍ ، قال : قلتُ : أنشدُك اللهَ ، أن تَدَعِيني وهذه ، قالت : انطلق نُخاصِمُك ، فانطلقتُ إلى دارٍ فيحاءَ واسعةً ، فيها مصطبةٌ من فضةٍ ، في ناحيةٍ منها مسجدٌ ، ورجلٌ قائمٌ يصلي ، فقرأ سورةَ النحلِ ، فتردَّدَ في مكانٍ منها ، ففُتحت عليه ، فانفتلَ فقال : السورةُ معك ؟ قلتُ : نعم ، قال : أما إنها سورةُ النعمِ ، قال : ورفع وسادةً قريبةً منه ، فأخرج صحيفةً ، فنظر فيها ، فبدرتْهُ السوداءُ فقالت : فعل كذا ، وفعل كذا ، قال : وجعل الحسنُ الوجهِ يقولُ : وفعل كذا وفعل كذا وفعل كذا ، يذكرُ محاسني ، قال : فقال الرجلُ : عبدٌ ظالمٌ لنفسِه ، ولكنَّ اللهَ تجاوزَ عنه ، لم يجيء أجلُ هذا بعدُ ، أجلُ هذا يومَ الاثنيْنِ ، قال : فقال لهم : انظروا فإن متُّ يومَ الاثنيْنِ فارجو لي ما رأيتُ ، وإن لم أَمُتْ فإنما هو هذيانُ الوجعِ قال : فلما كان يومُ الاثنيْنِ صحَّ حتى حدرَ بعد العصرِ ، ثم أتاه أجلُه فمات
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
لا إله إلا الله وحده لا شريك لهمن دخل دار أبي سفيان فهو آمنالسلسبيل والمعين والرحيقمن دخل المسجد فهو آمنمن أغلق بابه فهو آمنالعباس بن عبد المطلبطلوع الشمس من المغربقل يا أيها الكافرونرضخت رؤوسهم بالصخرالمهاجرون والأنصارالصديقون والشهداءدار بيضاء من فضةدار حمراء من ذهبالسلسبيل والمعينيمشط رأسه ولحيتهأربعين ألف مدينةخير دور الأنصارلا إله إلا اللهذراري المسلميندار بني النجارمحمد رسول اللهجابرسا وجابلقاقل هو الله أحدالنكتة السوداءطعنوا بالرماحالراكب الجوادعمر بن الخطابدار أبي سفيانالتوبة النصوحغرفة من لؤلؤةعتقاء الرحمنسندس وإستبرقسعد بن عبادةالشمس والقمريأجوج ومأجوجفاتحة الكتابساعة الإجابةرضخت رؤوسهمزنجبيل وعسلدور الأنصارالعشرة آلافيصلي ركعتينكثبان المسكتجلى الجباريوم الاثنينأهل الكتابوادي القرىبغلة بيضاءبني النجارمر الظهرانشهادة الحقباب التوبةظلمة الليلغفلة الناسيمشط لحيتهطعام وشرابسيد الأياميوم المزيددار المزيدسورة النحلمسك وعنبرغزوة تبوكعشرة أوسقريح شديدةأبو سفيانصوم رمضانخلق شمسينطاعة اللهألف مدينةدر وياقوتحور العينأغلق بابهخيول اللهالمراؤونمائة عامبني سليمذهب وفضةهدأ وسكنميكائيلامتحشوامئة عامجبل أحدفتح مكةالإسلامجبل طيئزعفرانسلسبيلالجبارالعباسالأمانالنبوةالكدبدالكديدالدنياالآخرةالرياءالسمعةركعتينالجنانالجمعة
تخريج حديث دار بيضاء من فضة
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








