أحاديث عن: شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة فلحقنا أبو بكرة
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة فلحقنا أبو بكرة
شهدتُ جنازةَ عبدِ الرحمنِ بنِ سمرةَ فلَحِقَنا أبو بكرةَ
عن عبد الرحمن قال: شَهِدتُ جِنازةَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمُرةَ ، وخرجَ زيادٌ يَمشي بينَ يدَيِ السَّريرِ , فجعلَ رجالٌ مِن أهلِ عبدِ الرَّحمنِ ومَواليهم يستَقبِلونَ السَّريرَ ويمشونَ علَى أعقابِهم ويَقولونَ رُوَيدًا رُوَيدًا بارَكَ اللَّهُ فيكُم , فَكانوا يدبُّونَ دبيبًا حتَّى إذا كنَّا ببعضِ طريقِ المِربَدِ لحِقَنا أبو بَكرةَ علَى بَغلةٍ فلمَّا رأى الَّذي يصنَعونَ حملَ علَيهِم ببغلتِهِ وأهوَى إليهِم بالسَّوطِ , وقالَ خلُّوا , فوالَّذي أكرمَ وجْهَ أبي القاسِمِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ - لقد رأيتُنا معَ رسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ - وإنَّا لنَكادُ نرمُلُ بِها رملًا فانبسَطَ القَومُ
شهِدْتُ جنازةَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ سمُرةَ وخرَج زيادٌ يمشي بينَ يدَيْ سريرِه ورجالٌ يستقبِلون السَّريرَ ويُداسونَ على أعقابِهم يقولونَ: رويدًا رويدًا بارَك اللهُ فيكم حتَّى إذا كنَّا في بعضِ المِربَدِ لحِقَنا أبو بكرٍ على بغلةٍ فلمَّا رأى أولئكَ وما يصنَعون حمَل عليهم بغلتَه وأهوى إليهم بسَوْطِه وقال: خلُّوا فوالَّذي نفسي بيدِه لقد رأَيْتُنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإنَّا نكادُ أنْ نرمُلَ بها رَمَلًا قال: فجاء القومُ وأسرَعوا المشيَ وأسرَع زيادٌ المشيَ
حديثًا رواه مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، عن شُعْبةَ، عن عُيَينةَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ جَوْشَنٍ، عن أبيه؛ قال: شَهِدْتُ جِنازةَ ابنِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمُرةَ، فجعل رِجالٌ مِن مواليه وأهْلِه يمشُونَ أمامَ السَّريرِ على أعقابِهم، ويقولون: رُوَيدًا! بارَكْ اللهُ فيكم، فكانوا يَدِبُّونَ دَبيبًا. فلَحِقَنا عُثمانُ بنُ أبي العاصِ، فلمَّا رأى أولئك وما يَصْنَعون حمل عليهم بالسَّوطِ، وقال: خَلُّوا! فوالذي كرَّم وَجْهَ أبي القاسِمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لقد رأيتُنا ونحن مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نكادُ نَرْمُلُ بها رَمَلًا
ثُمَّ غَزا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَزوةَ تَبوكَ، وهو يُريدُ الرُّومَ ونَصارى العَرَبِ بالشَّامِ، قال ابنُ شِهابٍ: فأخبَرَني عبدُ الرَّحمَنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ كَعبِ بنِ مالِكٍ، أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ كَعبٍ كان قائِدَ كَعبٍ، مِن بَنيه، حينَ عَميَ، قال: سَمِعتُ كَعبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حَديثَه حينَ تَخَلَّفَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تَبوكَ، قال كَعبُ بنُ مالِكٍ: لم أتَخَلَّفْ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةٍ غَزاها قَطُّ إلَّا في غَزوةِ تَبوكَ، غيرَ أنِّي قد تَخَلَّفتُ في غَزوةِ بَدرٍ ولم يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عنه، إنَّما خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمونَ يُريدونَ عيرَ قُرَيشٍ، حتَّى جَمع اللهُ بينَهم وبينَ عَدوِّهِم على غيرِ ميعادٍ، ولقد شَهِدتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيلةَ العَقَبةِ، حينَ تَواثَقنا على الإسلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشهَدَ بَدرٍ، وإن كانَت بَدرٌ أذكَرَ في النَّاسِ منها، وكانَ مِن خَبَري حينَ تَخَلَّفتُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تَبوكَ أنِّي لم أكُنْ قَطُّ أقوى ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عنه في تلك الغَزوةِ، واللهِ ما جَمَعتُ قَبلَها راحِلَتَينِ قَطُّ، حتَّى جَمَعتُهما في تلك الغَزوةِ، فغَزاها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَرٍّ شَديدٍ واستَقبَلَ سَفَرًا بَعيدًا ومَفازًا، واستَقبَلَ عَدوًّا كَثيرًا، فجَلا للمُسلِمينَ أمرَهم ليَتَأهَّبوا أُهبةَ غَزوِهم، فأخبَرَهم بوجهِهمِ الذي يُريدُ، والمُسلِمونَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَثيرٌ، ولا يَجمَعُهم كِتابُ حافِظٍ، يُريدُ بذلك الدِّيوانَ، قال كَعبٌ: فقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ أن يَتَغَيَّبَ، يَظُنُّ أنَّ ذلك سَيَخفى له، ما لم يَنزِلْ فيه وحيٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وغَزا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تلك الغَزوةَ حينَ طابَتِ الثِّمارُ والظِّلالُ، فأنا إليها أصعَرُ، فتَجَهَّزَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمونَ معهُ، وطَفِقتُ أغدو لكَي أتَجَهَّزَ معهُم، فأرجِعُ ولم أقضِ شيئًا، وأقولُ في نَفسي: أنا قادِرٌ على ذلك إذا أرَدتُ، فلم يَزَلْ ذلك يَتَمادى بي حتَّى استَمَرَّ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصبَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غاديًا والمُسلِمونَ معهُ، ولم أقضِ مِن جَهازي شيئًا، ثُمَّ غَدَوتُ فرَجَعتُ ولم أقضِ شيئًا، فلم يَزَلْ ذلك يَتَمادى بي حتَّى أسرَعوا وتَفارَطَ الغَزوُ، فهَمَمتُ أن أرتَحِلَ فأُدرِكَهم، فيا لَيتَني فعَلتُ، ثُمَّ لم يُقدَّرْ ذلك لي، فطَفِقتُ إذا خَرَجتُ في النَّاسِ بَعدَ خُروجِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَحزُنُني أنِّي لا أرى لي أُسوةً إلَّا رَجُلًا مَغموصًا عليه في النِّفاقِ، أو رَجُلًا مِمَّن عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفاءِ، ولم يَذكُرْني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بَلَغَ تَبوكَ، فقال وهو جالِسٌ في القَومِ بتَبوكَ: ما فعَلَ كَعبُ بنُ مالِكٍ؟ قال رَجُلٌ مِن بَني سَلِمةَ: يا رَسولَ اللهِ، حَبَسَه بُرداه والنَّظَرُ في عِطفَيه، فقال له مُعاذُ بنُ جَبَلٍ: بئسَ ما قُلتَ! واللهِ يا رَسولَ اللهِ، ما عَلِمنا عليه إلَّا خَيرًا، فسَكَتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبينَما هو على ذلك رَأى رَجُلًا مُبَيِّضًا يَزولُ به السَّرابُ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كُنْ أبا خَيثَمةَ، فإذا هو أبو خَيثَمةَ الأنصاريُّ، وهو الذي تَصَدَّقَ بصاعِ التَّمرِ حينَ لَمَزَه المُنافِقونَ. فقال كَعبُ بنُ مالِكٍ: فلَمَّا بَلَغَني أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد تَوجَّهَ قافِلًا مِن تَبوكَ حَضَرَني بَثِّي، فطَفِقتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ وأقولُ: بمَ أخرُجُ مِن سَخَطِه غَدًا؟ وأستَعينُ على ذلك كُلَّ ذي رَأيٍ مِن أهلي، فلَمَّا قيلَ لي: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظَلَّ قادِمًا زاحَ عَنِّي الباطِلُ، حتَّى عَرَفتُ أنِّي لَن أنجوَ منه بشيءٍ أبَدًا، فأجمَعتُ صِدقَه، وصَبَّحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادِمًا، وكانَ إذا قدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأ بالمَسجِدِ فرَكَعَ فيه رَكعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ للنَّاسِ، فلَمَّا فعَلَ ذلك جاءَه المُخَلَّفونَ، فطَفِقوا يَعتَذِرونَ إليه، ويَحلِفونَ له، وكانوا بضعةً وثَمانينَ رَجُلًا، فقَبِلَ منهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلانيَتَهم، وبايَعَهم واستَغفَرَ لهم، ووكَلَ سَرائِرَهم إلى اللهِ، حتَّى جِئتُ، فلَمَّا سَلَّمتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغضَبِ، ثُمَّ قال: تَعالَ، فجِئتُ أمشي حتَّى جَلَستُ بينَ يَدَيه، فقال لي: ما خَلَّفَكَ؟ ألَم تَكُنْ قدِ ابتَعتَ ظَهرَكَ؟ قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي، واللهِ لو جَلَستُ عِندَ غيرِكَ مِن أهلِ الدُّنيا لَرَأيتُ أنِّي سَأخرُجُ مِن سَخَطِه بعُذرٍ، ولقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي واللهِ لقد عَلِمتُ لَئِن حَدَّثتُكَ اليومَ حَديثَ كَذِبٍ تَرضى به عَنِّي لَيوشِكَنَّ اللهُ أن يُسخِطَكَ عليَّ، ولَئِن حَدَّثتُكَ حَديثَ صِدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إنِّي لأرجو فيه عُقبى اللهِ، واللهِ ما كان لي عُذرٌ، واللهِ ما كُنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عَنكَ، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا هذا فقد صَدَقَ، فقُمْ حتَّى يَقضيَ اللهُ فيكَ، فقُمتُ، وثارَ رِجالٌ مِن بَني سَلِمةَ فاتَّبَعوني، فقالوا لي: واللهِ ما عَلِمناكَ أذنَبتَ ذَنبًا قَبلَ هذا، لقد عَجَزتَ في أن لا تَكونَ اعتَذَرتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتَذَرَ به إليه المُخَلَّفونَ؛ فقد كان كافيَكَ ذَنبَكَ استِغفارُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَكَ. قال: فواللهِ ما زالوا يُؤَنِّبوني حتَّى أرَدتُ أن أرجِعَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأُكَذِّبَ نَفسي، قال ثُمَّ قُلتُ لهم: هل لَقيَ هذا مَعي مِن أحَدٍ؟ قالوا: نَعَم، لَقيَه معكَ رَجُلانِ، قالا مِثلَ ما قُلتَ، فقيلَ لهما مِثلَ ما قيلَ لَكَ، قال: قُلتُ: مَن هُما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ الرَّبيعةِ العامِريُّ، وهِلالُ بنُ أُمَيَّةَ الواقِفيُّ، قال: فذَكَروا لي رَجُلَينِ صالِحَينِ قد شَهِدا بَدرًا، فيهما أُسوةٌ، قال: فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لي. قال: ونَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المُسلِمينَ عن كَلامِنا -أيُّها الثَّلاثةُ- مِن بَينِ مَن تَخَلَّفَ عنه. قال: فاجتَنَبَنا النَّاسُ، وقال: تَغَيَّروا لَنا حتَّى تَنَكَّرَت لي في نَفسيَ الأرضُ، فما هي بالأرضِ التي أعرِفُ، فلَبِثنا على ذلك خَمسينَ لَيلةً، فأمَّا صاحِبايَ فاستَكانا وقَعَدا في بُيوتِهما يَبكيانِ، وأمَّا أنا فكُنتُ أشَبَّ القَومِ وأجلَدَهم، فكُنتُ أخرُجُ فأشهَدُ الصَّلاةَ وأطوفُ في الأسواقِ ولا يُكَلِّمُني أحَدٌ، وآتي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأُسَلِّمُ عليه وهو في مَجلِسِه بَعدَ الصَّلاةِ، فأقولُ في نَفسي: هل حَرَّكَ شَفَتَيه برَدِّ السَّلامِ، أم لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريبًا منه وأُسارِقُه النَّظَرَ، فإذا أقبَلتُ على صَلاتي نَظَرَ إليَّ، وإذا التَفَتُّ نَحوه أعرَضَ عَنِّي، حتَّى إذا طالَ ذلك عليَّ مِن جَفوةِ المُسلِمينَ مَشيتُ حتَّى تَسَوَّرتُ جِدارَ حائِطِ أبي قَتادةَ، وهو ابنُ عَمِّي، وأحَبُّ النَّاسِ إليَّ، فسَلَّمتُ عليه، فواللهِ ما رَدَّ عليَّ السَّلامَ. فقُلتُ له: يا أبا قَتادةَ، أنشُدُكَ باللهِ هل تَعلَمَنَّ أنِّي أُحِبُّ اللهَ ورَسولَه؟ قال: فسَكَتَ، فعُدتُ فناشَدتُه، فسَكَتَ، فعُدتُ فناشَدتُه، فقال: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، ففاضَت عَينايَ وتَولَّيتُ حتَّى تَسَوَّرتُ الجِدارَ. فبينا أنا أمشي في سوقِ المَدينةِ إذا نَبَطيٌّ مِن نَبَطِ أهلِ الشَّامِ، مِمَّن قدِمَ بالطَّعامِ يَبيعُه بالمَدينةِ، يقولُ: مَن يَدُلُّ على كَعبِ بنِ مالِكٍ؟ قال: فطَفِقَ النَّاسُ يُشيرونَ له إليَّ، حتَّى جاءَني فدَفَعَ إليَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسَّانَ، وكُنتُ كاتِبًا، فقَرَأتُه فإذا فيه: أمَّا بَعدُ؛ فإنَّه قد بَلَغَنا أنَّ صاحِبَكَ قد جَفاكَ، ولم يَجعَلْكَ اللهُ بدارِ هَوانٍ ولا مَضيَعةٍ، فالحَقْ بنا نُواسِكَ، قال: فقُلتُ حينَ قَرَأتُها: وهذه أيضًا مِنَ البَلاءِ، فتَيامَمتُ بها التَّنُّورَ فسَجَرتُها بها، حتَّى إذا مَضَت أربَعونَ مِنَ الخَمسينَ، واستَلبَثَ الوحيُ، إذا رَسولُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأتيني، فقال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُكَ أن تَعتَزِلَ امرَأتَكَ، قال: فقُلتُ: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعَلُ؟ قال: لا، بَلِ اعتَزِلها، فلا تَقرَبَنَّها، قال: فأرسَلَ إلى صاحِبَيَّ بمِثلِ ذلك، قال: فقُلتُ لامرَأتي: الحَقي بأهلِكِ فكوني عِندَهم حتَّى يَقضيَ اللهُ في هذا الأمرِ، قال: فجاءَتِ امرَأةُ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت له: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ هِلالَ بنَ أُمَيَّةَ شيخٌ ضائِعٌ ليس له خادِمٌ، فهل تَكرَهُ أن أخدُمَه؟ قال: لا، ولَكِن لا يَقرَبَنَّكِ، فقالت: إنَّه واللهِ ما به حَرَكةٌ إلى شيءٍ، وواللهِ ما زالَ يَبكي مُنذُ كان مِن أمرِه ما كانَ إلى يَومِه هذا، قال: فقال لي بَعضُ أهلي: لَوِ استَأذَنتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرَأتِكَ؟ فقد أذِنَ لامرَأةِ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ أن تَخدُمَه، قال: فقُلتُ: لا أستَأذِنُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يُدريني ماذا يقولُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استَأذَنتُه فيها، وأنا رَجُلٌ شابٌّ، قال: فلَبِثتُ بذلك عَشرَ لَيالٍ، فكَمُلَ لَنا خَمسونَ لَيلةً مِن حينَ نُهي عن كَلامِنا، قال: ثُمَّ صَلَّيتُ صَلاةَ الفَجرِ صَباحَ خَمسينَ لَيلةً على ظَهرِ بَيتٍ مِن بُيوتِنا، فبينا أنا جالِسٌ على الحالِ التي ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَّا قد ضاقَت عليَّ نَفسي وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَت، سَمِعتُ صَوتَ صارِخٍ أوفى على سَلعٍ يقولُ بأعلى صَوتِه: يا كَعبَ بنَ مالِكٍ أبشِرْ، قال: فخَرَرتُ ساجِدًا وعَرَفتُ أنْ قد جاءَ فرَجٌ. قال: فآذَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النَّاسَ بتَوبةِ اللهِ علينا، حينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجرِ، فذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرونَنا، فذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ، ورَكَضَ رَجُلٌ إليَّ فرَسًا، وسَعى ساعٍ مِن أسلَمَ قِبَلي، وأوفى الجَبَلَ، فكانَ الصَّوتُ أسرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فلَمَّا جاءَني الذي سَمِعتُ صَوتَه يُبَشِّرُني فنَزَعتُ له ثَوبَيَّ فكَسَوتُهما إيَّاه ببِشارَتِه، واللهِ ما أملِكُ غَيرَهما يَومَئذٍ، واستَعَرتُ ثَوبَينِ فلَبِستُهما، فانطَلَقتُ أتَأمَّمُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَلَقَّاني النَّاسُ فوجًا فوجًا، يُهَنِّئوني بالتَّوبةِ ويقولونَ: لتَهنِئْكَ تَوبةُ اللهِ عليكَ! حتَّى دَخَلتُ المَسجِدَ، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالِسٌ في المَسجِدِ وحَوله النَّاسُ، فقامَ طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يُهَروِلُ حتَّى صافَحَني وهَنَّأني، واللهِ ما قامَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرينَ غَيرُه. قال: فكانَ كَعبٌ لا يَنساها لطَلحةَ. قال كَعبٌ: فلَمَّا سَلَّمتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال وهو يَبرُقُ وجهُه مِنَ السُّرورِ ويقولُ: أبشِرْ بخَيرِ يَومٍ مَرَّ عليكَ مُنذُ ولَدَتكَ أُمُّكَ، قال: فقُلتُ: أمِن عِندِكَ يا رَسولَ اللهِ أم مِن عِندِ اللهِ؟ فقال: لا، بَل مِن عِندِ اللهِ، وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سُرَّ استَنارَ وجهُه، كَأنَّ وجهَه قِطعةُ قَمَرٍ، قال: وكُنَّا نَعرِفُ ذلك، قال: فلَمَّا جَلَستُ بينَ يَدَيه قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ مِن تَوبَتي أن أنخَلِعَ مِن مالي صَدَقةً إلى اللهِ وإلى رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمسِكْ بَعضَ مالِكَ فهو خَيرٌ لكَ، قال: فقُلتُ: فإنِّي أُمسِكُ سَهميَ الذي بخَيبَرَ، قال: وقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ إنَّما أنجاني بالصِّدقِ، وإنَّ مِن تَوبَتي أن لا أُحَدِّثَ إلَّا صِدقًا ما بَقيتُ، قال: فواللهِ ما عَلِمتُ أنَّ أحَدًا مِنَ المُسلِمينَ أبلاه اللهُ في صِدقِ الحَديثِ مُنذُ ذَكَرتُ ذلك لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يَومي هذا أحسَنَ ممَّا أبلاني اللهُ به، واللهِ ما تَعَمَّدتُ كَذبةً مُنذُ قُلتُ ذلك لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يَومي هذا، وإنِّي لأرجو أن يَحفَظَني اللهُ فيما بَقيَ. قال: فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {لقد تابَ اللهُ على النَّبيِّ والمُهاجِرينَ والأنصارِ الذينَ اتَّبَعوه في ساعةِ العُسرةِ مِن بَعدِ ما كادَ يَزيغُ قُلوبُ فريقٍ منهم ثُمَّ تابَ عليهم إنَّه بهم رَؤوفٌ رَحيمٌ وعلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفوا حتَّى إذا ضاقَت عليهمِ الأرضُ بما رَحُبَت وضاقَت عليهم أنفُسُهم} حتَّى بَلَغَ: {يا أيُّها الذينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ وكونوا مع الصَّادِقينَ}. قال كَعبٌ: واللهِ ما أنعَمَ اللهُ عليَّ مِن نِعمةٍ قَطُّ بَعدَ إذ هَداني اللهُ للإسلامِ أعظَمَ في نَفسي مِن صِدقي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن لا أكونَ كَذَبتُه فأهلِكَ كما هَلَكَ الذينَ كَذَبوا، إنَّ اللهَ قال للذينَ كَذَبوا حينَ أنزَلَ الوحيَ شَرَّ ما قال لأحَدٍ. وقال اللهُ: {سَيَحلِفونَ باللهِ لَكُم إذا انقَلَبتُم إليهم لتُعرِضوا عنهم فأعرِضوا عنهم إنَّهم رِجسٌ ومَأواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بما كانوا يَكسِبونَ يَحلِفونَ لَكُم لتَرضَوا عنهم فإن تَرضَوا عنهم فإنَّ اللهَ لا يَرضى عَنِ القَومِ الفاسِقينَ}. قال كَعبٌ: كُنَّا خُلِّفنا أيُّها الثَّلاثةُ عن أمرِ أولَئِكَ الذينَ قَبِلَ منهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ حَلَفوا له، فبايَعَهم واستَغفَرَ لهم، وأرجَأ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرَنا حتَّى قَضى اللهُ فيه، فبِذلك قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: وعلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفوا، وليسَ الذي ذَكَرَ اللهُ ممَّا خُلِّفنا تَخَلُّفَنا عَنِ الغَزوِ، وإنَّما هو تَخليفُه إيَّانا، وإرجاؤُه أمرَنا، عَمَّن حَلَفَ له واعتَذَرَ إليه فقَبِلَ منه. وفي روايةٍ: أنَّ عُبَيدَ اللهِ بنَ كَعبِ بنِ مالِكٍ، وكانَ قائِدَ كَعبٍ حينَ عَميَ، قال: سَمِعتُ كَعبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حَديثَه حينَ تَخَلَّفَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تَبوكَ، وساقَ الحَديثَ. وزادَ فيه، على يونُسَ: فكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَلَّما يُريدُ غَزوةً إلَّا ورَّى بغَيرِها، حتَّى كانَت تلك الغَزوةُ
عن عبدِ اللهِ الدَّاناجِ، قال: شهِدْتُ أبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ جلَس في مسجِدٍ في زمنِ خالدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ خالدِ بنِ أَسيدٍ قال: فجاء الحَسنُ فجلَس إليه فتحَدَّثا فقال أبو سَلَمةَ: حدَّثنا أبو هُرَيْرةَ عنِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ قال: الشَّمسُ والقمرُ ثَوْرانِ مُكَوَّرانِ يومَ القِيامةِ، فقال الحَسنُ: ما ذَنْبُهما؟ فقال: إنَّما أُحدِّثُكَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فسكَت الحَسنُ
«خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عامَ الحُدَيبيةِ يُريدُ زيارةَ البَيتِ، لا يُريدُ قِتالًا، وساقَ مَعَه الهَديَ سَبعينَ بَدَنةً، وكان النَّاسُ سَبعَ مِائةِ رَجُلٍ، فكانَت كُلُّ بَدَنةٍ عن عَشَرةٍ، قال: وخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بعُسفانَ لَقيَه بشرُ بنُ سُفيانَ الكَعبيُّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، هذه قُرَيشٌ قد سَمِعَت بمَسيرِكَ، فخَرَجَت مَعَها العوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وهذا خالِدُ بنُ الوليدِ في خَيلِهم قَدِموا إلى كُراعِ الغَميمِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا وَيحَ قُرَيشٍ، لَقد أكَلَتهمُ الحَربُ، ماذا عليهم لَو خَلَّوا بَيني وبَينَ سائِرِ النَّاسِ، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهَرَني اللهُ عليهم دَخَلوا في الإسلامِ وهُم وافِرونَ، وإن لم يَفعَلوا قاتَلوا وبهم قوَّةٌ، فماذا تَظُنُّ قُرَيشٌ، واللهِ إنِّي لا أزالُ أُجاهِدُهم على الذي بَعَثَني اللهُ له حَتَّى يُظهرَه اللهُ له أو تَنفَرِدَ هذه السَّالِفةُ»، ثُمَّ أمَرَ النَّاسَ، فسَلَكوا ذاتَ اليَمينِ بَينَ ظَهرَيِ الحَمضِ على طَريقٍ تُخرِجُه على ثَنيَّةِ المُرارِ والحُدَيبيةِ مِن أسفَلِ مَكَّةَ، قال: فسَلَكَ بالجَيشِ تلك الطَّريقَ، فلَمَّا رَأت خَيلُ قُرَيشٍ قَترةَ الجَيشِ قد خالَفوا عن طَريقِهم، نَكَصوا راجِعينَ إلى قُرَيشٍ، فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا سَلَكَ ثَنيَّةَ المُرارِ بَرَكَت ناقَتُه، فقال النَّاسُ: خَلَأت. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما خَلَأت، وما هو لها بخُلُقٍ، ولَكِن حَبَسَها حابِسُ الفيلِ عن مَكَّةَ، واللهِ لا تَدعوني قُرَيشٌ اليَومَ إلى خُطَّةٍ يَسألوني فيها صِلةَ الرَّحِمِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها» ثُمَّ قال للنَّاسِ: «انزِلوا» فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، ما بالوادي مِن ماءٍ يَنزِلُ عليه النَّاسُ. فأخرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَهمًا مِن كِنانَتِه، فأعطاه رَجُلًا مِن أصحابِه، فنَزَلَ في قَليبٍ مِن تلك القُلُبِ، فغَرَزَه فيه، فجاشَ الماءُ بالرِّواءِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عنه بعَطَنٍ، فلَمَّا اطمَأنَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا بُدَيلُ بنُ ورقاءَ في رِجالٍ مِن خُزاعةَ، فقال لهم كَقَولِه لبَشيرِ بنِ سُفيانَ، فرَجَعوا إلى قُرَيشٍ فقالوا: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنَّكُم تَعجَلونَ على مُحَمَّدٍ، وإنَّ مُحَمَّدًا لم يَأتِ لقِتالٍ، إنَّما جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحَقِّه. فاتَّهَموهُم. قال مُحَمَّدٌ يَعني ابنَ إسحاقَ: قال الزُّهريُّ: وكانَت خُزاعةُ في عَيبةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُسلِمُها ومُشرِكُها، لا يُخفونَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيئًا كان بمَكَّةَ، قالوا: وإن كان إنَّما جاءَ لذلك، فلا واللهِ لا يَدخُلُها أبَدًا علينا عَنوةً، ولا تَتَحَدَّثُ بذلك العَرَبُ. ثُمَّ بَعَثوا إليه مِكرَزَ بنَ حَفصِ بنِ الأخيَفِ، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: «هذا رَجُلٌ غادِرٌ». فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بنَحوٍ مِمَّا كَلَّمَ به أصحابَه، ثُمَّ رَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فأخبَرَهم بما قال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فبَعَثوا إليه الحِلْسَ بنَ عَلقَمةَ الكِنانيَّ، وهو يَومَئِذٍ سَيِّدُ الأحابِشِ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «هذا مِن قَومٍ يَتَألَّهونَ، فابعَثوا الهَديَ في وَجههِ». فبَعَثوا الهَديَ، فلَمَّا رَأى الهَديَ يَسيلُ عليه مِن عُرضِ الوادي في قَلائِدِه، قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه، رَجَعَ، ولَم يَصِلْ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إعظامًا لما رَأى، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، قد رَأيتُ ما لا يَحِلُّ صَدُّه: الهَديَ في قَلائِدِه قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه. فقالوا: اجلِسْ، إنَّما أنتَ أعرابيٌّ لا عِلمَ لَكَ، فبَعَثوا إليه عُروةَ بنَ مَسعودٍ الثَّقَفيَّ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي قد رَأيتُ ما يَلقى مِنكُم مَن تَبعَثونَ إلى مُحَمَّدٍ إذا جاءَكُم، مِنَ التَّعنيفِ وسوءِ اللَّفظِ، وقد عَرَفتُم أنَّكُم والِدٌ وأنِّي ولَدٌ، وقد سَمِعتُ بالذي نابَكُم، فجَمَعتُ مَن أطاعَني مِن قَومي، ثُمَّ جِئتُ حَتَّى آسَيتُكُم بنَفسي. قالوا: صَدَقتَ، ما أنتَ عِندَنا بمُتَّهَمٍ. فخَرَجَ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجَلَسَ بَينَ يَدَيه، فقال: يا مُحَمَّدُ، جَمَعتَ أوباشَ النَّاسِ، ثُمَّ جِئتَ بهم لبَيضَتِكَ لتَفُضَّها، إنَّها قُرَيشٌ قد خَرَجَت مَعَها العُوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وأيمُ اللهِ لَكَأنِّي بهؤلاء قدِ انكَشَفوا عنكَ غَدًا. قال: وأبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ خَلفَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قاعِدٌ، فقال: امصُصْ بَظرَ اللَّاتِ، أنَحنُ نَنكَشِفُ عنه؟! قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أبي قُحافةَ» قال: واللهِ لَولا يَدٌ كانَت لَكَ عِندي لَكافَأتُكَ بها، ولَكِن هذه بها. ثُمَّ تَناولَ لحيةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمُغيرةُ بنُ شُعبةَ واقِفٌ على رَأسِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحَديدِ، قال: يَقرَعُ يَدَه، ثُمَّ قال: أمسِكْ يَدَكَ عن لحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ واللهِ لا تَصِلُ إليكَ. قال: ويحَكَ، ما أفظَّكَ وأغلَظَكَ! قال: فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أخيكَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ» قال: أَغُدَرُ! هَل غَسَلتُ سَوأتَكَ إلَّا بالأمسِ؟! قال: فكَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمِثلِ ما كَلَّمَ به أصحابَه، فأخبَرَه أنَّه لم يَأتِ يُريدُ حَربًا. قال: فقامَ مِن عِندِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقد رَأى ما يَصنَعُ به أصحابُه، لا يَتَوضَّأُ وُضوءًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَبسُقُ بُساقًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَسقُطُ مِن شَعرِه شَيءٌ إلَّا أخَذوهُ، فرَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي جِئتُ كِسرى في مُلكِه، وجِئتُ قَيصَرَ والنَّجاشيَّ في مُلكِهما، واللهِ ما رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ مِثلَ مُحَمَّدٍ في أصحابِه، ولَقد رَأيتُ قَومًا لا يُسلِمونَه لشَيءٍ أبَدًا، فرُوا رَأيَكُم. قال: وقد كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ ذلك بَعَثَ خِراشَ بنَ أُمَيَّةَ الخُزاعيَّ إلى مَكَّةَ، وحَمَلَه على جَمَلٍ له يُقالُ له: الثَّعلَبُ، فلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَقَرَت به قُرَيشٌ، وأرادوا قَتلَ خِراشٍ، فمَنَعَهمُ الأحابِشُ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَعا عُمَرَ ليَبعَثَه إلى مَكَّةَ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أخافُ قُرَيشًا على نَفسي، وليس بها مِن بَني عَديٍّ أحَدٌ يَمنَعُني، وقد عَرَفَت قُرَيشٌ عَداوتي إيَّاها، وغِلظَتي عليها، ولَكِن أدُلُّكَ على رَجُلٍ هو أعَزُّ مِنِّي: عُثمانَ بنِ عَفَّانَ. قال: فدَعاه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَعَثَه إلى قُرَيشٍ يُخبِرُهم أنَّه لم يَأتِ لحَربٍ، وأنَّه جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحُرمَتِه، فخَرَجَ عُثمانُ حَتَّى أتى مَكَّةَ، ولَقيَه أبانُ بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ، فنَزَلَ عن دابَّتِه وحَمَلَه بَينَ يَدَيه، ورَدِفَ خَلفَه، وأجارَه حَتَّى بَلَّغَ رِسالةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فانطَلَقَ عُثمانُ حَتَّى أتى أبا سُفيانَ وعُظَماءَ قُرَيشٍ، فبَلَّغَهم عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أرسَلَه به، فقالوا لعُثمانَ: إن شِئتَ أن تَطوفَ بالبَيتِ فطُفْ به. فقال: ما كُنتُ لأفعَلَ حَتَّى يَطوفَ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فاحتَبَسَته قُرَيشٌ عِندَها، فبَلَغَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمينَ أنَّ عُثمانَ قد قُتِلَ. قال مُحَمَّدٌ: فحَدَّثَني الزُّهريُّ: أنَّ قُرَيشًا بَعَثوا سُهَيلَ بنَ عَمرٍو، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فقالوا: ائتِ مُحَمَّدًا فصالِحْه، ولا يَكونُ في صُلحِه إلَّا أن يَرجِعَ عنَّا عامَه هذا، فواللهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّه دَخَلَها علينا عَنوةً أبَدًا، فأتاه سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فلَمَّا رَآهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «قد أرادَ القَومُ الصُّلحَ حينَ بَعَثوا هذا الرَّجُلَ»، فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَكَلَّما، وأطالا الكَلامَ، وتَراجَعا حَتَّى جَرى بَينَهما الصُّلحُ، فلَمَّا التَأمَ الأمرُ ولَم يَبقَ إلَّا الكِتابُ وثَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فأتى أبا بَكرٍ، فقال: يا أبا بَكرٍ، أوَليس برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: بَلى. قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا. فقال أبو بَكرٍ: يا عُمَرُ، الزَمْ غَرزَه حَيثُ كان، فإنِّي أشهَدُ أنَّه رَسولُ اللهِ. قال عُمَرُ: وأنا أشهَدُ، ثُمَّ أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: «بَلى»، قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا؟ فقال: «أنا عَبدُ اللهِ ورَسولُه، لَن أُخالِفَ أمرَه، ولَن يُضَيِّعَني» ثُمَّ قال عُمَرُ: ما زِلتُ أصومُ وأتَصَدَّقُ وأُصَلِّي وأُعتِقُ مِنَ الذي صَنَعتُ؛ مَخافةَ كَلامي الذي تَكَلَّمتُ به يَومَئِذٍ حَتَّى رَجَوتُ أن يَكونَ خَيرًا، قال: ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لا أعرِفُ هذا، ولَكِنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، هذا ما صالَحَ عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لَو شَهِدتُ أنَّكَ رَسولُ اللهِ لم أُقاتِلْك، ولَكِنِ اكتُبْ: هذا ما اصطَلَحَ عليه مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ وسُهَيلُ بنُ عَمرٍو على وضعِ الحَربِ عَشرَ سِنينَ، يَأمَنُ فيها النَّاسُ، ويَكُفُّ بَعضُهم عن بَعضٍ، على أنَّه مَن أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أصحابِه بغَيرِ إذنِ وليِّه رَدَّه عليهم، ومَن أتى قُرَيشًا مِمَّن مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَرُدُّوهُ عليه، وإنَّ بَينَنا عَيبةً مَكفوفةً، وإنَّه لا إسلالَ ولا إغلالَ. وكان في شَرطِهم حينَ كَتَبوا الكِتابَ أنَّه مَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ مُحَمَّدٍ وعَهدِه دَخَلَ فيه، ومَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم دَخَلَ فيه، فتَواثَبَت خُزاعةُ فقالوا: نَحنُ مَعَ عَقدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعَهدِه، وتَواثَبَت بَنو بَكرٍ، فقالوا: نَحنُ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم. وأنَّكَ تَرجِعُ عنَّا عامَنا هذا، فلا تَدخُلْ علينا مَكَّةَ، وأنَّه إذا كان عامُ قابِلٍ خَرَجنا عنكَ، فتَدخُلُها بأصحابِكَ، وأقَمتَ فيهم ثَلاثًا مَعَكَ سِلاحُ الرَّاكِبِ، لا تَدخُلها بغَيرِ السُّيوفِ في القُرُبِ. فبَينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَكتُبُ الكِتابَ إذ جاءَه أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو في الحَديدِ قدِ انفَلَتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: وقد كان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجوا وهُم لا يَشُكُّونَ في الفَتحِ لرُؤيا رَآها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا رَأوا ما رَأوا مِنَ الصُّلحِ والرُّجوعِ، وما تَحَمَّلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على نَفسِه، دَخَلَ النَّاسَ مِن ذلك أمرٌ عَظيمٌ حَتَّى كادوا أن يَهلِكوا، فلَمَّا رَأى سُهَيلٌ أبا جَندَلٍ، قامَ إليه، فضَرَبَ وجهَه، ثُمَّ قال: يا مُحَمَّدُ، قد لَجَّتِ القَضيَّةُ بَيني وبَينَكَ قَبلَ أن يَأتيَكَ هذا. قال: «صَدَقتَ». فقامَ إليه، فأخَذَ بتَلبيبِه، قال: وصَرَخَ أبو جَندَلٍ بأعلى صَوتِه: يا مَعاشِرَ المُسلِمينَ، أتَرُدُّونَني إلى أهلِ الشِّركِ، فيَفتِنوني في ديني. قال: فزادَ النَّاسُ شَرًّا إلى ما بهم. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا أبا جَندَلٍ اصبِرْ واحتَسِبْ؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ جاعِلٌ لَكَ ولمَن مَعَكَ مِنَ المُستَضعَفينَ فرَجًا ومَخرَجًا، إنَّا قد عَقدنا بَينَنا وبَينَ القَومِ صُلحًا، فأعطَيناهُم على ذلك، وأعطَونا عليه عَهدًا، وإنَّا لَن نَغدِرَ بهم». قال: فوثَبَ إليه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مَعَ أبي جَندَلٍ، فجَعَلَ يَمشي إلى جَنبِه وهو يَقولُ: اصبِرْ أبا جَندَلٍ؛ فإنَّما هُمُ المُشرِكونَ، وإنَّما دَمُ أحَدِهم دَمُ كَلبٍ. قال: ويُدني قائِمَ السَّيفِ مِنه. قال: يَقولُ: رَجَوتُ أن يَأخُذَ السَّيفَ، فيَضرِبَ به أباه. قال: فضَنَّ الرَّجُلُ بأبيه، ونَفَذَتِ القَضيَّةُ، فلَمَّا فرَغا مِنَ الكِتابِ، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي في الحَرَمِ وهو مُضطَرِبٌ في الحِلِّ. قال: فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: «يا أيُّها النَّاسُ، انحَروا واحلِقوا» قال: فما قامَ أحَدٌ، قال: ثُمَّ عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، حَتَّى عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، فرَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فقال: «يا أُمَّ سَلَمةَ، ما شَأنُ النَّاسِ؟» قالت: يا رَسولَ اللهِ، قد دَخَلَهم ما قد رَأيتَ، فلا تُكَلِّمَنَّ مِنهم إنسانًا، واعمِدْ إلى هَديِكَ حَيثُ كان فانحَرْه واحلِقْ، فلَو قد فعَلتَ ذلك فعَلَ النَّاسُ ذلك. فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُكَلِّمُ أحَدًا حَتَّى أتى هَديَه فنَحَرَه، ثُمَّ جَلَسَ فحَلَقَ، فقامَ النَّاسُ يَنحَرونَ ويَحلِقونَ. قال: حَتَّى إذا كان بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ في وسَطِ الطَّريقِ، فنَزَلَت سورةُ الفَتحِ
كنتُ أُقرئُ عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ في آخرِ خلافةِ عمرَ ، آخرِ حجَّةٍ حجَّهَا ونحنُ بِمِنًى ، أتانا عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ، فقال : لو شهدتَ أميرَ المؤمنينَ اليومَ ، وأتاهُ رجلٌ فقال : إني سمعتُ فلانًا يقولُ : لو مات أميرُ المؤمنينَ لبايعنا فلانًا ، فقال عمرُ : لأقومنَّ العشيةَ في الناسِ فلأُحَذِّرَنَّهم هؤلاءِ الرهطَ الذين يُريدون أن يَغتصبوا الناسَ أمورَهم ، فقلتُ : يا أميرَ المؤمنينَ ! إنَّ الموسمَ يجمعُ رِعاعَ الناسِ وهم الذين يَغلبون على مجلسِكَ ، فلو أخَّرتَ ذلك حتى تَقْدُمَ المدينةَ فتقولُ ما تقولُ وأنت متمكنًا ، فيَعونها عنك ويَضعونها موضعَها ، قال : فقَدِمْنا المدينةَ وجاءتِ الجمعةُ وذكرتُ ما حدَّثني به عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ، فهَجَّرتُ إلى المسجدِ ، فوجدتُ سعيدَ بنَ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفيلٍ قد سبقني بالتهجيرِ ، فجلستُ إلى جنبِه تَمَسُّ ركبتي ركبتَه ، فلمَّا زالت الشمسُ ودخل عمرُ ، قلتُ لسعيدِ بنِ زيدٍ : ليقولنَّ أميرُ المؤمنينَ اليومَ مقالةً لم يَقُلْ قبلَه ، فغضبَ سعيدٌ وقال : وأيُّ مقالةٍ يقولُها لم يَقلْ قبلَهُ ؟ فلمَّا صعد المنبرَ أخذ المؤذنُ في أذانِهِ ، فلمَّا فرغ قام فحمدَ اللهَ وأثْنى عليهِ وصلَّى على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثم قال : أمَّا بعدُ فإني أُريدُ أن أقولَ مقالةً قد قُدِّرَ لي أن أقولَها ، ولا أدري لعلَّها بينَ يديْ أَجَلِي ، فمَن حفِظها ووعاها فليتحدثْ بها حيثُ انتهت به راحلتُه ، ومَن لم يحفظْها ولم يَعِهَا فإني لا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أن يَكذبَ عليَّ ، إنَّ اللهَ تبارَك وتعالَى بعث محمدًا وأنزلَ عليه الكتابَ ، وأنزلَ عليهِ آيةَ الرجمِ ، ألا وإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قد رجم ورجمنا بعدَه ، ألا وإني قد خشيتُ أن يطولَ بالناسِ الزمانُ ، فيقولون : لا نعرفُ آيةَ الرجمِ فيَضلُّون بتركِ فريضةٍ أنزلها اللهُ عزَّ وجلَّ ، ألا وإنَّ الرجمَ حقٌّ على من زَنَى وكان محصنًا ، وقامتْ بَيِّنَةٌ ، أو كان حَمْلًا أو اعترافًا ، ألا وإنا كنا نقرأُ ، لا ترغبوا عن آبائِكم فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائِكم ، وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : لا تُطروني كما أَطْرَتِ النصارى عيسَى ابنَ مريمَ ، فإنَّما أنا عبدُه ولكن قولوا : عبدُه ورسولُه ، ألا وإنه قد كان من خبرِنا لما تُوفِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تَخَلَّفَ عنَّا عليٌّ والعباسُ ومن معهم في بيتِ فاطمةَ ، فاجتمعتِ المهاجرون إلى أبي بكرٍ ، واجتمعتِ الأنصارُ في سقيفةِ بني ساعدةَ ، فقلتُ لأبي بكرٍ : انطلقْ بنا إلى إخوانِنا من الأنصارِ ، فخرجنا فلَقِيَنا منهم رجلينِ صالحينِ . قال الزُّهري : هما عُوَيْمُ بنُ ساعدةَ ومَعْنُ بنُ عَدِيٍّ ، فقالا : أينَ تُريدونَ يا معشرَ قُريشٍ ؟ فقُلنا : نُريدُ إخوانَنا من الأنصارِ ، فقالا : أَمْهِلُوا حتى تَقضوا أمرَكم بينَكم ، فقُلنا : لنأتينَّهم فأتيناهم وإذا هم مجتمعون في سقيفةِ بني ساعدةَ ، وإذا رجلٌ مُزَمَّلٌ ، فقلتُ : من هذا ؟ قالوا : هذا سعدٌ ، قلتُ : وما شأنُه ؟ قالوا : وُعِكَ وقام خطيبٌ للأنصارِ ، فقال : إنه قد دُفَّ إلينا منكم دافةٌ يا معشرَ قُريشٍ ، وأنتم إخوانُنا ونحنُ كتيبةُ الإسلامِ تريدون أن تختزلونا وتختصون بالأمرِ ، أو تستأثرون بالأمرِ دونَنا ، وقد كنتُ رَوَيْتُ مقالةً أقولُها بينَ يديْ كلامِ أبي بكرٍ ، فلمَّا ذهبتُ أن أتكلَّمَ بها ، قال لي : على رِسْلِكَ ، فواللهِ ما ترك شيئًا مما أردتُ أن أتكلَّمَ به إلا جاء به وبأحسنِ منه ، فقال : يا معشرَ الأنصارِ مهما قُلتم من خيرٍ فيكم فأنتم له أهلٌ ، ولكن العربَ لا تعرفُ هذا الأمرَ إلا لهذا الحيِّ من قُريشٍ ، وقد رضيتُ لكم أحدَ هذينِ الرجلينِ ، فبايِعُوا أيَّهما شئتم وأخذ بيدي ، وبيدِ أبي عُبيدةَ بنِ الجراحِ ، فكنتُ لأنْ أُقَدَّمَ فتُضربُ عُنقي لا يُقرِّبُني ذلك من إثمٍ أَحَبَّ إليَّ من أن أَتَأَمَّرَ أو أَتَوَلَّى على قومٍ فيهم أبو بكرٍ ، فقام حُبَابُ بنُ المنذرِ فقال : أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ ، منا أميرٌ ومنكم أميرٌ ، وإلا أَعَدْنَا الحربَ بينَنا وبينَكم جَذَعَةً ، فقلتُ : إنه لا يصلحُ سيفانِ في غِمْدٍ واحدٍ ، ولكن منا الأمراءُ ومنكم الوزراءُ ، ابسطْ يدَك يا أبا بكرٍ أُبايعُكَ فبسطَ يدَهُ فبايعتُه ، وبايعهُ المهاجرونَ والأنصارُ ، وارتَفَعَتِ الأصواتُ وكَثُرَ اللَّغَطُ ، ونَزَوا على سعدٍ فقالوا : قتلتم سعدًا ، فقلتُ : قتل اللهُ سعدًا ، فمن زعمَ أنَّ بيعةَ أبي بكرٍ كانت فَلْتَةً فقد كانت فَلْتَةً ، ولكن وَقَى اللهُ شَرَّها ، فمن كان فيكم تُمَدُّ الأعناقُ إليه مثلُ أبي بكرٍ رضي اللهُ عنه ، ألا من بايعَ رجلًا من غيرِ مشورةٍ من المسلمين فإنه لا يُبايَعُ لا هو ولا من بُويِعَ له تِغِرَّةَ أن يُقتلَ
كان حميدُ بن عبد الرحمنِ يقول : سمعت أبي يقول : سافرتُ إلى اليمنِ قبلَ المبعثِ بسنةٍ فنزلت على عَسكلانِ بن عواكِنِ الحميريّ وكان شيخا كبيرا قد أنْسِئ له في العُمُرِ حتى عادَ كالفرخ وهو يقول : إذا ما الشيخُ صُمّ فلم يكلّمْ ، وأوْدِى سمعهُ إلا بدايا ، فذاكَ الداءُ ليسَ له دواءٌ ، سوى الموتُ المنطقُ بالرّزايا ، شهدتُ بنا مع الملاكِ منا ، وأدركت الموقفَ في القضايا ، فبادُوا أجمعينَ فصرتُ حلسا ، صريعا لا أبوحُ إلى الخلايا . قال عبد الرحمن : وكنتُ إذا قدمتُ نزلتُ عليهِ فلا يزالُ يسألني عن مكّةَ وأحوالها وهل ظهرَ فيها من خالفَ دينهُم أو لا ، حتى قدمتُ القدمةَ التي بُعِثَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا غائبٌ فيها فنزلتُ عليهِ فقعدَ وقد شدّ عصابةَ على عينيهِ ، فقال لي : انتسبْ يا أخا قريشٍ ، فقلتُ : أنا عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرةَ ، قال : حسبكَ ، قال : ألا أبشركَ ببشارةٍ وهي خيرٌ لكَ من التجارة ؟ قلت : بلى ، قال : أتيتكَ بالمعجبةِ وأبشركَ بالمرغبةِ ، إن اللهَ قد بعث في الشهرِ الأولِ من قومكَ نبيا ، ارتضاهُ صفيّا وأنزلَ عليهِ كتابا وفيّا ينهى عن الأصنامِ ويدعو إلى الإسلامِ ، يأمرُ بالحقِّ ويفعلهُ وينهى عن الباطلِ ويُبطلهُ وهو من بني هاشمٍ ، وإن قومكَ لأخوالهُ ، يا عبد الرحمن وازرهُ وصدّقهُ واحملْ إليهِ هذه الأبياتِ : أشهدُ باللهِ ذي المعالِي ، وفالق الليلِ والصباحِ ، إنك في الشّرَفِ من قريشٍ ، وابن المُفَدّى من الذباحِ ، أُرسِلتَ تدعو إلى يقينٍ ، تُرْشِد للحقّ والفلاحِ ، هُدّ كُرورَ السنينِ ركني ، عن مكرِ السيرِ والرّواحِ ، أشهد بالله ربّ موسى ، إنك أرسلتَ بالبطاِح ، فكُنْ شفيعِي إلى مِليكٍ ، يدعو البَرايا إلى الصّلاحِ . قال عبد الرحمن : فقدمتُ فلقيتُ أبا بكرٍ فكان لي خليطًا فأخبرتهُ الخبرَ فقال : هذا محمد بن عبد الله بعثَهُ اللهُ إلى خلقهِ رسولا فائْتهِ ، فأتيتهُ وهو في بيتِ خديجةَ فأخبرتهُ فقال : أما إن أخَا حِمْيرٍ من خواصّ المؤمنينَ وربّ مؤمن بي ولم يَرَنِي ومُصَدّقٍ بي وما شهدنِي ، أولئك إخواني حقا
حديثُ أنَّ الشَّمسَ والقمرَ يكوَّرانِ في النَّارِ يَومَ القيامةِ [يعني حديث: عن عبدِ اللهِ الدَّاناجِ، قال: شهِدْتُ أبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ جلَس في مسجِدٍ في زمنِ خالدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ خالدِ بنِ أَسيدٍ قال: فجاء الحَسنُ فجلَس إليه فتحَدَّثا فقال أبو سَلَمةَ: حدَّثنا أبو هُرَيْرةَ عنِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ قال: الشَّمسُ والقمرُ ثَوْرانِ مُكَوَّرانِ يومَ القِيامةِ، فقال الحَسنُ: ما ذَنْبُهما؟ فقال: إنَّما أُحدِّثُكَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فسكَت الحَسنُ.]
أتَى رجلٌ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فسلَّم عليه وقال يا رسولَ اللهِ أيمنعُ سوادي ودمامةُ وجهي من دخوليَ الجنةَ قال لا والذي نفسي بيدِه ما اتَّقيت ربَّك وآمنت بما جاء به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ قال والذي أكرمَك بالنبوةِ لقد شهدت أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له وأن محمدًا عبدُه ورسولُه والإقرارُ بما جاء به من عندِ اللهِ من قبلِ أنْ أجلسَ معَك هذا المجلسَ بثمانيةِ أشهرٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ لكَ ما للقومِ وعليك ما علَيهم وأنت أخُوهم قال ولقد خطبتُ إلى عامَّةِ مَن بحضرتِك ومَن لقيَني معَك فردَّني لسَوادي ودمامة وجهي وإني لفي حسبٍ من قومي بني سُلَيم معروفُ الآباءِ ولكنْ غلب عليَّ سوادُ أخوالِيَ الموالي فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ هل شهد المجلسَ اليومَ عمرو بنُ وهبٍ وكان رجلًا من ثقيفٍ قريبَ العهدِ بالإسلامِ وكانت فيه صعوبةٌ قالوا لا قال تعرِفُ منزلَه قال نعم قال فاذهبْ فاقرعْ البابَ قرعًا رقيقًا ثم سلِّمْ فإذا دخلت فقلْ زوَّجَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فتاتَكم وكانت له ابنة عاتقةٌ وكان لها حظٌّ من جمالٍ وعقلٍ فلما أتَى البابَ فرحوا وسمعوا لغةً عربيةً فلما رأوا سوادَه ودمامةَ وجهِه انقبَضوا عنه فقال إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ زوَّجني فتاتَكم فردُّوا عليه ردًّا قبيحًا فخرج الرجلُ وخرجت الفتاةُ من خدرِها وقالت يا فتى ارجعْ فإن كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ زوَّجَنيك فقد رضيتُ لنفسي ما رضِيَ لي اللهُ ورسولُه وأنت بعلي وأنا زوجتُك فمضى حتى أتَى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فأخبرَه وقالت الفتاةُ لأبيها يا أبتاهُ النجاةُ قبلَ أنْ يفضحَك الوحيُّ فإنْ يكنْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ زوَّجَنيه فقد رضيت ما رَضِيَ اللهُ لي ورسولُه فخرج الشيخُ حتى أتَى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ وهو من أدنى القومِ مجلسًا فقال أنت الذي رددْت على رسولِ اللهِ ما رَددت قال قد فعلتُ ذلك فأستغفرُ اللهَ وظننَّا أنه كاذبٌ فقد زوَّجناها إياهُ فنعوذُ باللهِ من سخطِ اللهِ وسخطِ رسولهِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ اذهبْ إلى صاحبَتِك فادخلْ بها قال والذي بعَثك بالحقِّ ما أجدُ شيئًا حتى أسألَ إخواني فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ مهرُ امرأتِك على ثلاثةٍ من المؤمنينَ اذهبْ إلى عثمانَ بنِ عفانَ فخذْ منه مئَتَي درهمٍ فأعطاه وزادَه واذهبْ إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ فخذْ منه مئةَ درهمٍ فأعطاه وزادَه واذهبْ إلى عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ فخذْ منه مئةَ درهمٍ فأعطاه وزاده قال واعلمْ أنها ليست بسنةٍ جاريةٍ ولا فريضةٍ مفروضةٍ فمن شاء فليتزوجْ على القليلِ والكثيرِ فبينا هو في السوقِ ومعَه ما يشتريه لزوجتِه فرحٌ قريرةٌ عينَاه ينتظرُ ما يُجَهِزُها به إذ سمع صوتًا ينادي يا خيلَ اللهِ اركَبي وأبشري فنظرَ نظرةً إلى السماءِ ثم قال اللهمَّ إلهُ السماءِ وإلهُ الأرضِ وربُّ محمدٍ لأجعلنَّ هذهِ الدراهمَ اليومَ فيما يحِبُّه اللهُ ورسولُه والمؤمنون فانتفض انتَفاض الفرسِ العرَقِ فاشترى سيفًا وفرسًا ورمحًا واشترى جُبةً وشدَّ عمامَته على بطنِه فاعتجر ولم يُرَ منه إلا حماليقُ عينيه حتى وقفَ على المهاجرينَ فقالوا هذا الفارسُ لا نعرفُه فقال لهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ كفُّوا عن الرجلِ فلعلَّه ممَّن طرأ عليكم من قِبلِ البحرينِ جاء يسألُكم عن معالمِ دينِه فأحبَّ أن يواسيَكم اليومَ بنفسِه إذ رآه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فقال من هذا الفارسُ الذي لم يأتِنا إذ التحمتِ الكتيبتانِ فأقبل يطعنُ برمحِه ويضربُ بسيفِه قدمًا قدمًا إذ قام فرسُه ونزل وحسَر عن ذراعيه فلما رأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ سوادَ ذِراعيه قال سعدٌ بأبي أنت وأمي يا رسولَ اللهِ قال سَعِدَ جدُّك فما زال يطعنُ برمحِه ويضربُ بسيفِه كلُّ ذلك يقتلُ بطعنةِ رمحِه إذ قالوا قد صُرِع سعدٌ فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ مُعَنِّقًا نحوَه فأتاه فرفع رأسَه ووضَعه في حجرِه وأخذ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ يمسحُ الترابَ عن وجهِه بثوبِه وقال ما أطيبَ ريحُك وأحسن وجهُك وأحبُّك إلى اللهِ ورسولِه قال فبكى وضحِك ثم أعرض بوجهِه ثم قال وردَ الحوضَ وربِّ الكعبةِ فقال أبو أمامةَ بأبي أنت وأمِّي ما الحوضُ قال حوضٌ أعطانيه ربي عرضُه ما بين صنعاءَ إلى بصرَى مُكلَّلٌ بالدرِّ والياقوتِ فيه دَلاءٌ عددُ نجومِ السماءِ ماؤُه أشدُّ بياضًا من اللبنِ وأحلى من العسلِ من شرِب منه شربةً رُوِيَ لا يظمأُ بعدها أبدًا قالوا يا رسولَ اللهِ رأيناك بكيت وضحِكت ورأيناك أعرضت بوجهِك فقال أما بكائي فبكيت شوقًا إلى سعدٍ وأما ضحكي ففرحت له لِمنزلتِه من اللهِ وكرامتِه عليه وأما إعراضي فإني رأيت أزواجَه من الحورِ العينِ يبادرْنَ كاشفاتٍ سوقَهنَّ بادياتٍ خلاخيلَهنَّ فأعرضت عنهنَّ حياءً فأمر بسيفِه ورمحِه وفرسِه وما كان له فقال اذهبوا به إلى زوجتِه فقولوا لهم إنَّ اللهَ قد زوَّجه خيرًا من فتاتِكم وهذا ميراثُه والذي نفسُ محمدٍ بيدِه إني لأذبَّ عن حوضي كما يَذُبِ البعيرُ الأجربُ عن الإبلِ لا يخالطُها إنه لا يَرِدُ على حوضي إلا التقيُّ النقيُّ الذين يعطونَ ما عليهم في يُسرٍ ولا يعطونَ ما عليهم في عُسرٍ
أيَمنَعُ سَوادي ودَمامةُ وَجْهي مِن دُخولي الجنَّةَ؟ قال: والَّذي نَفسي بِيدِه ما اتَّقيتَ ربَّك وآمَنتَ بِما جاء بِه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. قال: والَّذي أَكرَمَك بِالنُّبوَّةِ لَقد شَهِدتُ أن لا إِلَه إلَّا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ لَه وأنَّ مُحمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، والإقْرارُ بِما جاء بِه مِن عِندِ اللهِ مِن قبلِ أنْ أَجلِسَ مَعَك هَذا المَجلسَ بِثَمانيةِ أَشهُرٍ. فَقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: لكَ ما لِلقومِ وعَليكَ ما عَليهِم وأنتَ أخوهُم. قال: وَلَقد خَطبْت إلى عامَّةِ مَن بِحَضرتِك ومَن لَقِيَني مَعَك فرَدَّني لِسَوادي ودَمامةِ وَجْهي، وإنِّي لَفي حَسَبٍ مِن قَومي بَني سُلَيمٍ مَعروفُ الآباءِ ولكن غَلَب عليَّ سوادُ أَخْوالي المَوالي. فَقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: هَل شَهِدَ المَجلسَ اليومَ عَمرُو بنُ وَهبٍ؟ وَكان رجلًا مِن ثَقيفٍ قَريبَ العَهدِ بالإسْلامِ وَكانَت فيهِ صُعوبةٌ، قالوا: لا. قال: تَعرِفُ مَنزِلَه؟ قال: نَعَم. قال: فاذهَبْ فاقْرَعِ البابَ قَرعًا رَقيقًا، ثُمَّ سلِّم فإذا دَخلتَ فَقُل: زَوَّجَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فَتاتَكم. وكانَ له ابنةٌ عاتِقةٌ، وَكان لَها حظٌّ مِن جَمالٍ وعَقلٍ، فلمَّا أَتى البابَ فَرِحوا وسَمِعوا لغةً عربيَّةً، فلمَّا رَأوا سَوادَه ودَمامةَ وَجهِه انقَبَضوا عَنْه. فَقال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم زَوَّجَني فَتاتَكم، فرَدُّوا عَليه ردًّا قبيحًا، فَخَرج الرَّجلُ وخَرَجتِ الفَتاةُ مِن خِدرِها وَقالت: يا فَتى، ارجِعْ، فإنْ كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم زَوَّجَنيكَ فَقد رَضيتُ لِنَفسي ما رَضيَ لي اللهُ ورَسولُه، وأنتَ بَعلي وأَنا زَوجتُك. فَمَضى حتَّى أَتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فأَخبَرَه، وَقالتِ الفَتاةُ لِأَبيها: يا أَبتاهُ، النَّجاةَ قبلَ أن يَفضَحَك الوَحيُ، فإنْ يَكنْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم زَوَّجَنيهِ فَقد رَضيتُ ما رَضيَ لي اللهُ ورَسولُه. فَخرَج الشَّيخُ حتَّى أَتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وهوَ مِن أَدْنى القَومِ مَجلسًا، فَقال: أنتَ الَّذي رَددتَ على رَسولِ اللهِ ما رَددتَ؟ قال: قَد فَعلتُ ذلكَ فأَستغفِرُ اللهَ، وظَننَّا أنَّه كاذبٌ، فَقَد زَوَّجناها إيَّاه، فنَعوذُ باللهِ مِن سَخطِ اللهِ وسَخطِ رَسولِه. فَقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: اذهَبْ إلى صاحِبَتِك فادخُلْ بِها. قال: والَّذي بَعثَك بِالحقِّ ما أَجدُ شَيئًا حتَّى أَسألَ إِخواني. فَقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: مَهْرُ امرَأتُك على ثَلاثةٍ مِن المُؤمنِينَ، اذهَبْ إلى عُثمانَ بنِ عفَّانَ فَخُذ مِنه مِئَتي دِرهمٍ. فأَعطاه وَزادَه، واذهَبْ إلى عليِّ بنِ أَبي طالِبٍ فخُذ مِنه مِئةَ دِرهمٍ. فأَعطاهُ وزادَه، واذهَبْ إلى عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ فخُذْ مِنه مِئةَ دِرهمٍ. فأَعطاه وَزادَه. قال: واعلَمْ أنَّها لَيست بِسُنَّةٍ جاريَةٍ وَلا فَريضَةٍ مَفروضَةٍ، فمَن شاء فَيتزوَّجُ عنِ القَليلِ والكَثيرِ. فَبَينا هوَ في السُّوقِ ومَعَه ما يَشتريهِ لِزَوجتِه فَرِحًا قَريرةً عَيناهُ يَنتظِرُ ما يُجهِّزُها بِه إذ سَمِعَ صوتًا يُنادي: يا خَيلَ اللهِ اركَبي وأَبشِري. فنَظَر نَظرةً إلى السَّماءِ ثُمَّ قال: اللَّهمَّ إلَهَ السَّماءِ وإلَهَ الأَرضِ وربَّ مُحمَّدٍ لَأجعلَنَّ هَذه الدَّراهمَ اليومَ فيما يُحبُّهُ اللهُ ورَسولُه والمُؤمنونَ. فانْتَفضَ انتِفاضَ الفرسِ العَرِقِ فاشْتَرى سَيفًا وفَرسًا ورُمحًا، واشْتَرى جُبَّةً وشَدَّ عِمامَتَه عَلى بَطنِه، فاعتَجَر ولم يُرَ مِنه إلَّا حَماليقُ عَينيْهِ حتَّى وَقفَ على المُهاجرينَ فَقالوا: هَذا الفارِسُ لا نَعرِفُه. فقال لَهُم عليُّ بنُ أبي طالِبٍ: كُفُّوا عنِ الرَّجلِ، فَلعلَّه مِمَّن طَرَأ عَليكُم مِن قِبلَ البَحرَينِ جاء يَسألُكُم عَن مَعالِم دينِه فأَحبَّ أنْ يواسِيَكُم اليومَ بِنَفسِه إذ رَآه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فَقال: مَن هَذا الفارسُ الَّذي لَم يَأتِنا إذا التَحمتِ الكَتيبَتانِ؟ فأقبَلَ يَطعنُ بِرُمحِه ويَضرِبُ بِسَيفِه قُدمًا قُدمًا، إذ قامَ فَرسُه ونَزَل وحَسَر عَن ذِراعَيْه، فلمَّا رَأى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ذِراعَيْه قال سعدٌ، بِأبي أنتَ وأمِّي يا رَسولَ اللهِ. قال: سَعدٌ جَدُّك فَمازال يَطعنُ بِرُمحِه ويَضرِبُ بِسَيفِه كلَّ ذلكَ يَقتلُ اللهُ بِطَعنةِ رُمحِه إذ قالوا: قَد صَرع سَعدٌ. فَخَرج رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مُعنقًا نَحوَه، فأَتاه فرَفَع رَأسَه ووَضعَه في حِجرِه، وأَخَذ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَمسحُ التُّرابَ عَلى وَجهِه بِثَوبهِ وَقال: ما أطيبَ رِيحَك! وأَحسَنَ وَجهَك وأَحبَّك إلى اللهِ ورَسولِه! قال: فَبَكى وضَحِك، ثُمَّ أَعرَض بِوَجهِه ثُمَّ قال: وَردَ الحَوضَ وربِّ الكَعبةِ. قال أبو أُمامةَ: بِأبي أنتَ وأمِّي ما الحَوضُ؟ قال: حوضٌ أَعطانيهِ رَبِّي عَرضُ ما بينَ صَنعاءَ إلى بُصْرى مُكلَّلٌ بِالدُّرِّ وَالياقوتِ، فيهِ لَآلئٌ عَددُ نُجومِ السَّماءِ ماؤُه أَشدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبنِ وأَحْلى مِنَ العَسلِ، مَن شَرِبَ مِنه شَربةً رُوِيَ لا يَظمأُ بَعدَها أَبدًا. قالوا: يا رَسولَ اللهِ، رَأيناكَ بَكيْتَ وضَحِكتَ، ورَأيناكَ أَعرَضْتَ بِوَجهِكَ. قال: أمَّا بُكائي فبَكيتُ شَوقًا إلى سَعدٍ، وأمَّا ضَحِكي ففَرِحتُ له لِمَنزلتِه مِنَ اللهِ وكَرامَتِه عَليه، وأمَّا إِعراضي فإنِّي رَأيتُ أَزواجَه مِنَ الحورِ العينِ يُبادِرنَ كاشفاتٍ سُوقَهنَّ بادياتٍ خَلاخيلِهنَّ فأَعرضتُ عَنهنَّ حياءً. فأَمَر بِسَيفِه ورُمحِه وفَرسِه وَما كان لَه فَقال: اذهَبُوا بِه إلى زَوجتِه فَقولوا لَهُم: إنَّ اللهَ قد زَوَّجَه خيرًا مِن فَتاتِكم وَهَذا مِيراثُه، والَّذي نَفسُ مُحمَّدٍ بِيدِه إنِّي لَأذُبُّ عَن حَوضي كَما يَذُبُّ البَعيرُ الأَجرَبُ عَنِ الإبلِ لا يُخالِطُها، إنَّه لا يَرِدُ عَلى حَوضي إلَّا التَّقيُّ النَّقيُّ الَّذينَ يُعطون ما عَليهِم في يُسرٍ وَلا يُعطونَ ما عَليهِم في عُسرٍ
يا خيلَ اللهِ اركبِي [حديث أنس: أتَى رجلٌ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فسلَّم عليه وقال يا رسولَ اللهِ أيمنعُ سوادي ودمامةُ وجهي من دخوليَ الجنةَ قال لا والذي نفسي بيدِه ما اتَّقيت ربَّك وآمنت بما جاء به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ قال والذي أكرمَك بالنبوةِ لقد شهدت أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له وأن محمدًا عبدُه ورسولُه والإقرارُ بما جاء به من عندِ اللهِ من قبلِ أنْ أجلسَ معَك هذا المجلسَ بثمانيةِ أشهرٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ لكَ ما للقومِ وعليك ما علَيهم وأنت أخُوهم قال ولقد خطبتُ إلى عامَّةِ مَن بحضرتِك ومَن لقيَني معَك فردَّني لسَوادي ودمامة وجهي وإني لفي حسبٍ من قومي بني سُلَيم معروفُ الآباءِ ولكنْ غلب عليَّ سوادُ أخوالِيَ الموالي فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ هل شهد المجلسَ اليومَ عمرو بنُ وهبٍ وكان رجلًا من ثقيفٍ قريبَ العهدِ بالإسلامِ وكانت فيه صعوبةٌ قالوا لا قال تعرِفُ منزلَه قال نعم قال فاذهبْ فاقرعْ البابَ قرعًا رقيقًا ثم سلِّمْ فإذا دخلت فقلْ زوَّجَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فتاتَكم وكانت له ابنة عاتقةٌ وكان لها حظٌّ من جمالٍ وعقلٍ فلما أتَى البابَ فرحوا وسمعوا لغةً عربيةً فلما رأوا سوادَه ودمامةَ وجهِه انقبَضوا عنه فقال إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ زوَّجني فتاتَكم فردُّوا عليه ردًّا قبيحًا فخرج الرجلُ وخرجت الفتاةُ من خدرِها وقالت يا فتى ارجعْ فإن كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ زوَّجَنيك فقد رضيتُ لنفسي ما رضِيَ لي اللهُ ورسولُه وأنت بعلي وأنا زوجتُك فمضى حتى أتَى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فأخبرَه وقالت الفتاةُ لأبيها يا أبتاهُ النجاةُ قبلَ أنْ يفضحَك الوحيُّ فإنْ يكنْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ زوَّجَنيه فقد رضيت ما رَضِيَ اللهُ لي ورسولُه فخرج الشيخُ حتى أتَى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ وهو من أدنى القومِ مجلسًا فقال أنت الذي رددْت على رسولِ اللهِ ما رَددت قال قد فعلتُ ذلك فأستغفرُ اللهَ وظننَّا أنه كاذبٌ فقد زوَّجناها إياهُ فنعوذُ باللهِ من سخطِ اللهِ وسخطِ رسولهِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ اذهبْ إلى صاحبَتِك فادخلْ بها قال والذي بعَثك بالحقِّ ما أجدُ شيئًا حتى أسألَ إخواني فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ مهرُ امرأتِك على ثلاثةٍ من المؤمنينَ اذهبْ إلى عثمانَ بنِ عفانَ فخذْ منه مئَتَي درهمٍ فأعطاه وزادَه واذهبْ إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ فخذْ منه مئةَ درهمٍ فأعطاه وزادَه واذهبْ إلى عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ فخذْ منه مئةَ درهمٍ فأعطاه وزاده قال واعلمْ أنها ليست بسنةٍ جاريةٍ ولا فريضةٍ مفروضةٍ فمن شاء فليتزوجْ على القليلِ والكثيرِ فبينا هو في السوقِ ومعَه ما يشتريه لزوجتِه فرحٌ قريرةٌ عينَاه ينتظرُ ما يُجَهِزُها به إذ سمع صوتًا ينادي يا خيلَ اللهِ اركَبي وأبشري فنظرَ نظرةً إلى السماءِ ثم قال اللهمَّ إلهُ السماءِ وإلهُ الأرضِ وربُّ محمدٍ لأجعلنَّ هذهِ الدراهمَ اليومَ فيما يحِبُّه اللهُ ورسولُه والمؤمنون فانتفض انتَفاض الفرسِ العرَقِ فاشترى سيفًا وفرسًا ورمحًا واشترى جُبةً وشدَّ عمامَته على بطنِه فاعتجر ولم يُرَ منه إلا حماليقُ عينيه حتى وقفَ على المهاجرينَ فقالوا هذا الفارسُ لا نعرفُه فقال لهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ كفُّوا عن الرجلِ فلعلَّه ممَّن طرأ عليكم من قِبلِ البحرينِ جاء يسألُكم عن معالمِ دينِه فأحبَّ أن يواسيَكم اليومَ بنفسِه إذ رآه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فقال من هذا الفارسُ الذي لم يأتِنا إذ التحمتِ الكتيبتانِ فأقبل يطعنُ برمحِه ويضربُ بسيفِه قدمًا قدمًا إذ قام فرسُه ونزل وحسَر عن ذراعيه فلما رأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ سوادَ ذِراعيه قال سعدٌ بأبي أنت وأمي يا رسولَ اللهِ قال سَعِدَ جدُّك فما زال يطعنُ برمحِه ويضربُ بسيفِه كلُّ ذلك يقتلُ بطعنةِ رمحِه إذ قالوا قد صُرِع سعدٌ فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ مُعَنِّقًا نحوَه فأتاه فرفع رأسَه ووضَعه في حجرِه وأخذ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ يمسحُ الترابَ عن وجهِه بثوبِه وقال ما أطيبَ ريحُك وأحسن وجهُك وأحبُّك إلى اللهِ ورسولِه قال فبكى وضحِك ثم أعرض بوجهِه ثم قال وردَ الحوضَ وربِّ الكعبةِ فقال أبو أمامةَ بأبي أنت وأمِّي ما الحوضُ قال حوضٌ أعطانيه ربي عرضُه ما بين صنعاءَ إلى بصرَى مُكلَّلٌ بالدرِّ والياقوتِ فيه دَلاءٌ عددُ نجومِ السماءِ ماؤُه أشدُّ بياضًا من اللبنِ وأحلى من العسلِ من شرِب منه شربةً رُوِيَ لا يظمأُ بعدها أبدًا قالوا يا رسولَ اللهِ رأيناك بكيت وضحِكت ورأيناك أعرضت بوجهِك فقال أما بكائي فبكيت شوقًا إلى سعدٍ وأما ضحكي ففرحت له لِمنزلتِه من اللهِ وكرامتِه عليه وأما إعراضي فإني رأيت أزواجَه من الحورِ العينِ يبادرْنَ كاشفاتٍ سوقَهنَّ بادياتٍ خلاخيلَهنَّ فأعرضت عنهنَّ حياءً فأمر بسيفِه ورمحِه وفرسِه وما كان له فقال اذهبوا به إلى زوجتِه فقولوا لهم إنَّ اللهَ قد زوَّجه خيرًا من فتاتِكم وهذا ميراثُه والذي نفسُ محمدٍ بيدِه إني لأذبَّ عن حوضي كما يَذُبِ البعيرُ الأجربُ عن الإبلِ لا يخالطُها إنه لا يَرِدُ على حوضي إلا التقيُّ النقيُّ الذين يعطونَ ما عليهم في يُسرٍ ولا يعطونَ ما عليهم في عُسرٍ]
شَهِدْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ - رضِي اللهُ عنه - غَداةَ طُعِنَ، فكنتُ في الصَّفِّ الثاني، وما يَمنَعُني أنْ أَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ إلَّا هَيْبَتُه، كان يَستَقْبِلُ الصَّفَّ إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فإنْ رأى إنسانًا مُتقدِّمًا أو مُتأخِّرًا أصابَه بالدِّرَّةِ، فذلك الَّذي مَنَعَني أنْ أَكُونَ في الصَّفِّ الأَوَّلِ، فكنتُ في الصَّفِّ الثاني، فجاءَ عُمَرُ يُريدُ الصَّلاةَ، فعَرَضَ له أبو لُؤْلُؤَةَ غلامُ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ، فناجاهُ عُمَرُ غيرَ بعيدٍ ثمَّ تَرَكَه، ثمَّ ناجاهُ ثمَّ تَرَكَه، ثمَّ ناجاهُ ثمَّ تَرَكَه ثمَّ طَعَنَه. قال: رأيتُ عُمَرَ قائلًا بيدِه هكذا، يقولُ: دُونَكُمُ الكلبَ قد قَتَلَني . وماجَ النَّاسُ. قال: فجَرَحَ ثلاثةَ عشرَ رجُلًا، فماتَ منهم سِتَّةٌ , أو سبعةٌ , وماجَ النَّاسُ بعضُهم في بعضٍ، فشَدَّ عليه رَجُلٌ مِن خلْفِه فاحتَضَنَه. قال قائلٌ: الصَّلاةَ عبادَ اللهِ، قد طلَعَتِ الشَّمسُ، فتدافَعَ النَّاسُ، فدفَعوا عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ فصَلَّى بهم بأَقصَرِ سورتيْنِ في القُرْآنِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ} ، و: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}. واحتُمِلَ، فدَخَلَ عليه النَّاسُ، قال: يا عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ، اخرُجْ فنادِ في النَّاسِ: عن مَلأٍ منكم كان هذا ؟ قالوا: مَعاذَ اللهِ، ولا عَلِمْنا ولا اطَّلَعْنا، قال: ادْعُوا ليَ الطَّبِيبَ، فدُعِيَ، فقال: أيُّ الشَّرابِ أَحَبُّ إليكَ ؟ قال: النَّبِيذُ، قال: فشَرِبَ نَبِيذًا، فخَرَج مِن بعضِ طَعَناتِه، فقال النَّاسُ: هذا صَدِيدٌ، فقال: اسْقُوه لَبَنًا، فشَرِبَ لَبَنًا فخَرَج مِن بعضِ طَعَناتِه، قال: ما أرَى أنْ يَمشي، فما كنتَ فاعِلًا فافعَلْ. فقال: يا عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، ناوِلْني الكَتِفَ، فلو أراد اللهُ أن يُمضِيَ ما فيها أَمضاهُ. قال عبدُ اللهِ: أنا أَكفِيكَ مَحْوَها، فقال: لا واللهِ لا يَمحُوها أحدٌ غيري. قال: فمَحاها عُمَرُ بيدِه. قال: وكان فيها فريضةُ الجَدِّ. قال: ادْعُوا لي عليًّا وعثمانَ وطَلْحةَ والزُّبَيرَ وعبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ وسعدًا. قال: فدُعُوا، قال: فلم يُكَلِّمْ أحدًا مِنَ القومِ إلَّا عليًّا وعثمانَ، فقال: يا عليُّ، هؤلاء القومُ لعلَّهم أنْ يَعرِفوا لك قَرابَتَكَ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وما أَعطاكَ اللهُ مِنَ الفِقهِ والعِلمِ، فإنْ ولَّوْكَ هذا الأمرَ فاتَّقِ اللهَ فيه، ثمَّ قال: يا عثمانُ، إنْ هؤلاء القومَ لعلَّهم أنْ يَعرِفُوا لك صِهْرَكَ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وشَرَفَك، فإنْ ولَّوْكَ هذا الأمرَ فاتَّقِ اللهِ، ولا تَحمِلَنَّ بَنِي أَبي مُعَيْطٍ على رِقابِ النَّاسِ. يا صُهَيبُ، صَلِّ بالنَّاس ثلاثًا، وأَدخِلَ هؤلاء في بيتٍ، فإذا اجتَمَعوا على رَجُلٍ فمَن خالَفَهم فليَضرِبُوا رأسَه . قال: فلمَّا خَرَجوا، قال: إنْ وَلَّوُا الأَجْلَحَ سلَكَ بهمُ الطَّريقَ. قال: فقال عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: ما يَمنَعُكَ ؟ قال: أَكرَهُ أنْ أَحمِلَها حيًّا وميِّتًا
عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ: أنَّه كان يقُصُّ بمكَّةَ وعندَه عبدُ اللهِ بنُ عمرَ وعبدُ اللهِ بنُ صفوانَ وناسٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال عبيدُ بنُ عُميرٍ: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ( مَثَلُ المنافِقِ كمَثَلِ الشَّاةِ بينَ الغَنمَيْنِ إنْ مالت إلى هذا الجانبِ نطَحت وإنْ مالت إلى هذا الجانبِ نطَحت ) قال ابنُ عمرَ: ليس هكذا فغضِب عبيدُ بنُ عُميرٍ وقال ترُدُّ عليَّ ؟ قال: إنِّي لم أرُدَّ عليك إلَّا أنِّي شهِدْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين قال، فقال عبدُ اللهِ بنُ صفوانَ: فكيف قال يا أبا عبدِ الرَّحمنِ ؟ قال: بينَ الرَّبيضَيْنِ قال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، بينَ الرَّبيضَيْنِ وبينَ الغَنَمينِ سواءٌ قال: كذا سمِعْتُ، كذا سمِعْتُ، كذا سمِعْتُ، وكان ابنُ عمرَ إذا سمِع شيئًا مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَعْدُه ولم يُقصِّرْ دونَه
شهِدتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ حُنَينٍ وجاءَتْه وُفودُ هَوازِنَ فقالوا: يا محمدُ إنَّا أصلٌ وعَشيرَةٌ فمُنَّ علَينا مَنَّ اللهُ علَيكَ فإنَّه قد نزَل بِنا منَ البَلاءِ ما لا يَخفَى عليكَ فقال: اختاروا بينَ نِسائِكم وأموالِكم وأبنائِكم قالوا: خيَّرتَنا بينَ أحسابِنا وأموالِنا نَختارُ أبناءَنا فقال: أما ما كان لي ولِبَني عبدِ المُطَّلِبِ فهو لكم فإذا صلَّيتُ الظهرَ فقولوا: إنَّا نَستَشفِعُ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المؤمِنينَ وبالمؤمِنينَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في نِسائِنا وأبنائِنا قال: ففعَلوا فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا ماكان لي ولِبَني عبدِ المُطَّلِبِ فهو لكم وقال المُهاجِرونَ: ماكان لنا فهو لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقالَتِ الأنصارُ مِثلَ ذلك وقال عُيَينَةُ بنُ بَدرٍ: أمَّا ما كان لي ولِبَني فَزَارَةَ فلا وقال الأقرَعُ بنُ حابِسٍ: أمَّا أنا وبنو تَميمٍ فلا وقال عبَّاسُ بنُ مِرداسٍ: أمَّا أنا وبنو سُلَيمٍ فلا فقالَتْ الحَيَّانِ: كذَبتَ بل هو لِرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا أيُّها الناسُ رُدُّوا عليهِم نِساءَهم وأبناءَهم فمَن تمسَّك بشيءٍ منَ الفَيءِ فله علينا سِتَّةُ فَرائِضَ مِن أولِ شيءٍ يُفيئُه اللهُ علينا ثم ركِب راحِلَتَه وتعلَّق بِه الناسُ يَقولونَ اقسِمْ علينا فَيأَنا بينَنا حتى أَلْجَؤُوه إلى سَمُرَةٍ فخطِفَتْ رِداءَه فقال: يا أيُّها الناسُ رُدُّوا عليَّ رِدائي فواللهِ لو كان لكم بعَدَدِ شجَرِ تِهامَةَ نَعَمٌ لقَسَمْتُه بينَكم ثم لا تَلفَوني بَخيلًا ولا جَبانًا ولا كَذوبًا ثم دَنا مِن بَعيرِه فأخَذ وَبَرَةً مِن سَنامِه فجعَلها بينَ أصابِعِه السبَّابَةِ والوُسطَى ثم رفَعَها فقال: يا أيُّها الناسُ ليس لي مِن هذا الفَيءِ ولا هذه إلَّا الخُمُسُ والخُمُسُ مَردودٌ عليكم فرُدُّوا الخِيَاطَ والمِخيَطَ فإنَّ الغُلولَ يكونُ على أهلِه يومَ القيامَةِ عارًا ونارًا وشَنارًا فقام رجُلٌ معَه كُبَّةٌ مِن شَعرٍ فقال: إنِّي أخَذتُ هذه أُصلِحُ بها بَردَعَةَ بَعيرٍ لي دَبِرَ قال: أمَّا ما كان لي ولِبَني عبدِ المُطَّلِبِ فهو لكَ فقال الرجُلُ: يا رسولَ اللهِ أمَا إذ بلَغتَ ما أَرَى فلا أرَبَ لي بها ونَبَذَها
[عَن] ثعلبةَ بنِ عبَّادٍ العبديِّ من أَهْلِ البصرةِ، أنَّهُ شَهِدَ خطبةً يومًا لسَمُرةَ بنَ جندبٍ، فذَكَرَ في خطبتِهِ قالَ سمرةُ بنُ جندبٍ: بينا أَنا يومًا وغلامٌ منَ الأنصارِ نرمي غرضًا لَنا، على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى إذا كانتِ الشَّمسُ قيدَ رمحينِ، أو ثلاثةٍ في غيرِ النَّاظرينَ منَ الأفقِ اسودَّت حتَّى كأنَّها تنُّومةٌ، فقالَ أحدُنا لصاحبِهِ: انطلق بنا إلى المسجدِ، فواللَّهِ ليُحْدِثَنَّ شأنُ هذِهِ الشَّمسِ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في أمَّتِهِ حَدثًا، فدَفعنا إلى المسجِدِ، فإذا هوَ بارزٌ، فوافَقنا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ خرجَ إلى النَّاسِ قالَ: فاستَقدمَ فصلَّى بنا كأطولِ ما قامَ بِنا في صلاةٍ قطُّ، لا يسمعُ لَهُ صَوتٌ، ثمَّ رَكَعَ بنا كأطوَلِ ما رَكَعَ بنا في صَلاةٍ قطُّ، ولا يسمعُ لَهُ صوتٌ، ثمَّ سجَدَ بنا كأطوَلِ ما سَجدَ بنا في صلاةٍ قطُّ، لا يسمَعُ لَهُ صوتٌ قالَ: ثمَّ فعلَ في الرَّكعةِ الثَّانيةِ مثلَ ذلِكَ قالَ: فوافقَ تجلِّي الشَّمسِ جُلوسَهُ في الرَّكعةِ الثَّانيةِ قالَ: فسلَّمَ فحمِدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ، وشَهِدَ أنَّهُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وشَهِدَ أنَّهُ عبدُهُ ورسولُهُ، ثمَّ قالَ: أيُّها النَّاسُ، إنَّما أَنا بشرٌ رسولُ اللَّهِ، فأذَكِّرُكُم باللَّهِ إن كنتُمْ تعلمونَ أنِّي قصَّرتُ عن شيءٍ من تبليغِ رسالاتِ ربِّي لما أجبتُموني حتَّى أبلِّغَ رِسالاتِ ربِّي كما ينبَغي لَها أن تبلَّغَ، وإنَّ كنتُمْ تعلَمونَ أنِّي قد بلَّغتُ رسالاتِ ربِّي لما أخبرتُموني قالَ: فقامَ النَّاسُ، فَقالوا: شَهِدنا أنَّكَ قَد بلَّغتَ رسالاتِ ربِّكَ، ونصحتَ لأمَّتِكَ، وقَضيتَ الَّذي عليكُ قالَ: ثمَّ سَكَتوا قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: أمَّا بعدُ؛ فإنَّ رجالًا يزعُمونَ أنَّ كسوفَ هذِهِ الشَّمسِ، وَكُسوفَ هذا القَمرِ، وزوالَ هذِهِ النُّجومِ عن مطالعِها لمَوتِ رِجالٍ عظماءٍ من أَهْلِ الأرضِ، وأنَّهم كذِبوا، ولَكِنَّها آياتٌ من آياتِ اللَّهِ، يَفتِنُ بِها عبادَهُ لينظرَ مِن يحدثُ منهُم توبةً، واللَّهِ لقَد رأيتُ منذُ قمتُ أصلِّي ما أنتُمْ لاقونَ في دُنْياكُم وآخرتِكُم، وإنَّهُ واللَّهِ لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يخرُجَ ثلاثونَ كذَّابًا آخرُهُمُ الأعوَرُ الدَّجَّالُ مَمسوحُ العَينِ اليُسرَى كأنَّها عينُ أبي يحيَى - أو تَحيا - لشيخٍ منَ الأنصارِ، وإنَّهُ متَى خرجَ فإنَّهُ يزعُمُ أنَّهُ اللَّهُ، فمَن آمنَ بِهِ وصدَّقَهُ واتَّبعَهُ، فلَيسَ ينفعُهُ صالحٌ من عملٍ سلفَ، ومَن كفرَ بِهِ، وَكَذَّبَه فلَيسَ يعاقَبُ بشَيءٍ مِن عملِهِ سلفَ، وإنَّهُ سيَظهرُ على الأرضِ كُلِّها إلَّا الحرمَ وبيتَ المقدسِ، وإنَّهُ يحصُر المؤمنينَ في بيتِ المقدسِ، فيُزَلْزلونَ زلزالًا شديدًا قالَ: فيَهْزمُهُ اللَّهُ وجنودَهُ، حتَّى أنَّ جِذمَ الحائطِ وأصلَ الشَّجرةِ ليُنادي: يا مؤمنُ هذا كافرٌ يستترُ بي، تعالَ اقتلهُ قالَ: ولن يَكونَ ذلِكَ كذلِكَ حتَّى تَروا أمورًا يتَفاقمُ شأنُها في أنفُسِكُم، تسألونَ بينَكُم هل كانَ نبيُّكم ذَكَرَ لَكُم منها ذِكْرًا، وحتَّى تزولَ جبالٌ عن مراثيها على أثرِ ذلِكَ القبضُ، وأشارَ بيدِهِ قالَ: ثُمَّ شَهِدْتُ خُطبةً أُخرَى قالَ: فذَكَرَ هذا الحديثَ ما قدَّمَ كلمةً، ولا أخَّرَها عن مَوضِعَها
عنْ ثَعْلَبةَ بنِ عَبَّادٍ العَبْديِّ -مِن أهْلِ البَصرةِ-، أنَّه شَهِدَ خُطبةً يَومًا لسَمُرةَ بنِ جُندُبٍ، فذَكَر في خُطبَتِه، قالَ سَمُرةُ: بيْنَما أنا يَومًا وغُلامٌ منَ الأنصارِ نَرمي غَرَضًا لنا على عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتَّى إذا كانتِ الشَّمسُ على قِيدِ رُمحَينِ، أو ثَلاثةٍ في عَينِ النَّاظِرِ منَ الأُفُقِ اسوَدَّتْ حتَّى آضَتْ كأنَّها تَنُّومةٌ، فقالَ أحَدُنا لصاحِبِه: انطَلِقْ بنا إلى المَسجِدِ؛ فواللهِ لتُحدِثَنَّ شَأنُ هذه الشَّمسِ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في أُمَّتِه حَدَثًا، فدَفَعْنا إلى المَسجِدِ، فإذا هو بارِزٌ، فوافَقْنا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حين خَرَج إلى النَّاسِ. قالَ: فتَقَدَّم فصَلَّى بِنا كأطوَلِ ما قام بنا في صَلاةٍ قَطُّ، لا نَسمَعُ له صَوتَه، ثمَّ رَكَع بِنا كأطوَلِ ما رَكَع بِنا في صَلاةٍ قَطُّ، لا نَسمَعُ له صَوتَه، ثمَّ سَجَد بنا كأطوَلِ ما سَجَد بِنا في صَلاةٍ قَطُّ، لا نَسمَعُ له صَوتَه، قالَ: ثمَّ فَعَل في الرَّكعةِ الثَّانِيةِ مِثلَ ذلكَ، قالَ: فوافَقَ تَجِلِّي الشَّمسِ جُلوسَه في الرَّكعةِ الثَّانِيةِ، قالَ: ثمَّ سَلَّم، فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه، وشَهِدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وشَهِدَ أنَّه عَبدُه ورَسولُه، ثمَّ قالَ: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّما أنا بَشَرٌ ورَسولُ اللهِ، فأُذَكِّركُمُ اللهَ، إنْ كُنتُم تَعلَمون أنِّي قَصَّرتُ عنْ شَيءٍ من تَبليغِ رِسالاتِ رَبِّي لَمَا أخبَرتُموني حتَّى أُبَلِّغَ رِسالاتِ رَبِّي كما يَنبَغي لها أن تُبَلَّغَ، وإنْ كُنتُم تَعلَمون أنِّي قد بَلَّغتُ رِسالاتِ رَبِّي لَمَا أخبَرتُموني. قالَ: فقام النَّاسُ، فقالوا: نَشهَدُ أنَّكَ قد بَلَّغتَ رِسالاتِ رَبِّكَ، ونَصَحتَ لأُمَّتِكَ، وقَضَيتَ الَّذي عليكَ، قالَ: ثمَّ سَكَتوا، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَّا بَعدُ: فإنَّ رِجالًا يَزعُمون أنَّ كُسوفَ هذه الشَّمسِ، وكُسوفَ هذا القَمَرِ، وزَوالَ هذه النُّجومِ عنْ مَطالِعِها؛ لمَوتِ رِجالٍ عُظَماءَ من أهلِ الأرضِ، وإنَّهُم كَذَبوا، ولكِنْ آياتٌ من آياتِ اللهِ، يَفتِنُ بها عِبادَه؛ ليَنظُرَ مَن يُحدِثُ منهم تَوبةً، واللهِ لقد رَأيتُ مُنذُ قُمتُ أُصَلِّي ما أنتم لَاقُون في دُنياكُم وآخِرَتِكُم، وإنَّه -واللهِ- لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى يَخرُجَ ثَلاثون كَذَّابًا، آخِرُهُمُ الأعورُ الدَّجَّالُ: مَمسوحُ العَينِ اليُسرى كأنَّها عَينُ أبي تِحْيَى -لشَيخٍ منَ الأنصارِ-، وإنَّه متى خَرَج فإنَّه يَزعُمُ أنَّه اللهُ؛ فمَن آمَنَ به وصَدَّقَه واتَّبَعَه فليس يَنفَعُه صالِحٌ من عَمَلٍ سَلَف، ومَن كَفَر به وكَذَّبه فليس يُعاقَبُ بشَيءٍ من عَمَلِه سَلَف، وإنَّه سيَظهَرُ على الأرضِ كُلِّها إلَّا الحَرمَ، وبَيتَ المَقدِسِ، وإنَّه يَحصُرُ المُؤمِنين في بَيتِ المَقدِسِ فيُزَلزَلون زِلزالًا شَديدًا، فيَهزِمُه اللهُ وجُنودَه، حتَّى إنَّ جِذْمَ الحائطِ، أو أصلَ الشَّجَرةِ لَيُنادي: يا مُؤمِنُ: هذا كافِرٌ يَستَتِرُ بي تَعالَ اقتُلْهُ. قالَ: فلَن يَكونَ ذلكَ حتَّى تَرَون أمورًا يَتفاقَمُ شَأنُها في أنفُسِكُم تَسألون بيْنَكُم: هل كان نَبِيُّكُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذَكَر لَكُم منها ذِكرًا، وحَتَّى تَزولَ جِبالٌ عنْ مَراسِيها، ثمَّ على أثَرِ ذلكَ القَيضُ، وأشارَ بيَدِه، قالَ: ثمَّ شَهِدتُ خُطبةً أُخرى قالَ: فذَكَر هذا الحَديثَ، ما قَدَّمَها ولا أَخَّرَها
شهدتُ جنازةَ عبدِ اللهِ بنِ عميرٍ ، فصلى عليها أنسُ بنُ مالكٍ وأنا خلفَه ، فقام عند رأسِه فكبَّرَ أربعَ تكبيراتٍ ، ثم قالوا : يا أبا حمزةَ ، المرأةُ الأنصاريةُ فقرَّبوها وعليها نعشٌ أخضرُ ، فقام عليها عند عجيزَتها ، فصلى عليها نحوَ صلاتِه على الرجلِ فقال له العلاءُ بنُ زيادٍ : يا أبا حمزةَ ، هكذا كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يصلي على الجنازةِ كصلاتِك ، يُكبِّرُ عليها أربعًا ، ويقومُ عند رأسِ الرجلِ وعجيزةِ المرأةِ ؟ قال : نعم
كُنتُ أُقرِئُ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ، فلَمَّا كان آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّها عُمَرُ، فقال عبدُ الرَّحمَنِ بمِنًى: لو شَهِدتَ أميرَ المُؤمِنينَ أتاه رَجُلٌ قال: إنَّ فُلانًا يقولُ: لو ماتَ أميرُ المُؤمِنينَ لَبايَعنا فُلانًا، فقال عُمَرُ: لَأقومَنَّ العَشيَّةَ، فأُحَذِّرَ هؤلاء الرَّهطَ الذينَ يُريدونَ أن يَغصِبوهم، قُلتُ: لا تَفعَلْ؛ فإنَّ المَوسِمَ يَجمَعُ رَعاعَ النَّاسِ، يَغلِبونَ على مَجلِسِكَ، فأخافُ أن لا يُنزِلوها على وجهها، فيُطيرُ بها كُلُّ مُطيرٍ، فأمهِلْ حتَّى تَقدَمَ المَدينةَ دارَ الهِجرةِ ودارَ السُّنَّةِ، فتَخلُصَ بأصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ المُهاجِرينَ والأنصارِ، فيَحفَظوا مَقالتَكَ ويُنزِلوها على وَجهِها، فقال: واللهِ لَأقومَنَّ به في أوَّلِ مَقامٍ أقومُه بالمَدينةِ، قال ابنُ عَبَّاسٍ: فقدِمنا المَدينةَ، فقال: إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحَقِّ، وأنزَلَ عليه الكِتابَ، فكان فيما أُنزِلَ آيةُ الرَّجمِ
أنَّ عمرَ شاور الهرمزانَ في أصبهانَ وفارسَ وأذربيجانَ فقال يا أميرَ المؤمنين أصبهانُ الرأسُ وفارسُ وأذربيجانُ الجناحانِ فإن قطعتَ أحدَ الجناحيْنِ ثار الرأسُ بالجناحِ الآخرِ وإن قطعتَ الرأسَ وقع الجناحانِ فابدأ بأصبهانَ فدخل عمرُ المسجدَ فإذا هو بالنعمانِ بنِ المقرنِ المزنيِّ فانتظرَه حتى قضى صلاتَه فقال إني مُستعمِلُك فقال أما جابيًا فلا وأما غازيًا فنعم قال فإنك غازٍ فسرِّحهم وبعث إلى أهلِ الكوفةِ أن يمدُّوه ويلحقُوا به فيهم حذيفةُ بنُ اليمانِ والمغيرةُ بنُ شعبةَ والزبيرُ بنُ العوامِ والأشعثُ وعمرو بنُ معديِّ كربٍ وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ فأتاهم النعمانُ وبينَه وبينهم نهرٌ فبعث إليهم المغيرةُ بنُ شعبةَ رسولًا وملَّكَهم ذو الجناحيْنِ فاستشار أصحابَه فقال ما تروْنَ أجلسُ له في هيئةِ الحربِ أو في هيئةِ الملكِ وبهجتِه فقالوا اقعد له في هيئةِ الملكِ وبهجتِه فجلس له على هيئةِ الملكِ وبهجتِه على سريرٍ ووُضِعَ التاجُ على رأسِه وحولَه سماطانِ عليهم ثيابُ الديباجِ والقرطةُ والأسورةُ فأخذ المغيرةُ بنُ شعبةَ يضعُ بصرَه وبيدِه الرمحُ والترسُ والناسُ حولَه على سماطيْنِ على بساطٍ له فجعل يطعنُه برمحِه يخرقُه لكي يتطيَّرُونَ فقال له ذو الجناحيْنِ إنكم معشرَ العربِ أصابكم جوعٌ شديدٌ فإذا شئتم مرناكم ورجعتم إلى بلادِكم فتكلم المغيرةُ بنُ شعبةَ فحمد اللهَ وأثنى عليه ثم قال إنَّا كنا معشرَ العربِ نأكلُ الجيفَ والميتةَ وكانوا يطؤونا ولا نطؤُهم فابتعث اللهُ إلينا رسولًا في شرفٍ منا أوسطنا حسبًا وأصدَقِنا حديثًا وإنَّهُ وعدنا أنَّا ههنا سيُفتحُ علينا فقد وجدنا جميعَ ما وعدنا حقًّا وإني أرى هنا بزَّةً وهيئةً ما أرى أنَّ من بعدي بذاهبينَ حتى يأخذوهُ قال المغيرةُ فقالت لي نفسي لو جمعتَ جراميزَك فوثبتَ وثبةً فجلستَ معه على السريرِ فزجروهُ ووطئوهُ فقلتُ أرأيتُم إن كنتُ أنا استحمقتُ فإنَّ هذا لا يُفعلُ بالرسلِ ولا نفعلُ هذا برُسُلِكم إذا أتونا فقال إن شئتم قطعنا إليكم وإن شئتم قطعتُم إلينا فقلتُ بل نقطعُ إليكم فقطعْنَا إليهم فصاففناهم فسُلْسِلُوا كلُّ سبعةٍ في سلسلةٍ و كلُّ خمسةٍ في سلسلةٍ لئلا يفرُّوا قال فرامونا حتى أسرعوا فينا فقال المغيرةُ للنعمانِ إنَّ القومَ أسرعوا فينا فاحمل قال إنك ذو مناقبٍ وقد شهدتَ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا لم نُقاتل أول النهارِ أخرَ القتالِ حتى تزولَ الشمسُ وتهبَّ الرياحُ وينزلَ النصرُ فقال النعمانُ يا أيها الناسُ اهتزُّوا فأما الهزَّةُ الأولى فليقضِ الرجلُ حاجتَه وأما الثانيةُ فلينظر الرجلُ في سلاحِه وشسْعِه وأما الثالثةُ فإني حاملٌ فاحملوا وإن قُتِلَ أحدٌ فلا يلوي أحدٌ على أحدٍ وإن قُتِلتُ فلا تلووا عليَّ وإني داعي اللهَ بدعوتي فعزمتُ على كلِّ امرئٍ منكم لما أَمَّنَ عليها فقال اللهمَّ ارزق النعمانَ اليومَ شهادةً بنصرِ المسلمين وافتح عليهم فأَمَّنَ القومُ وهزَّ لؤاءَه ثلاثَ مراتٍ ثم حمل وكان أولَ صريعٍ فمررتُ به فذكرتُ عزمتَه فلم ألو عليهِ وأعلمتُ مكانَه فكان إذا قتلنا رجلًا منهم شُغِلَ عنا أصحابُه يجرُّونَه ووقع ذو الجناحيْنِ من بغلةٍ شهباءَ فانشق بطنُه ففتح اللهُ على المسلمين فأتيتُ مكان النعمانِ وبه رمقٌ فأتيتُه فقلت فتح اللهُ عليهم فقال الحمدُ للهِ اكتبوا بذلك إلى عمرَ وفاضت نفسُه فاجتمعوا إلى الأشعثِ بنِ قيسٍ قال فأتينا أمَّ ولدِه فقلنا هل عهدَ إليك عهدًا قالت لا إلا سفطًا فيه كتابٌ فقرأتُه فإذا فيه إن قُتِلَ فلانٌ ففلانٌ وإن قُتِلَ فلانٌ ففلانٌ قال حمادُ فحدَّثني عليُّ بنُ زيدٍ قال ثنا أبو عثمانَ النهديُّ أنَّهُ أتى عمرُ فسأل عن النعمانِ قال إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعونَ قال ما فعل فلانُ قلتُ قُتِلَ يا أميرَ المؤمنين وآخرينَ لا نعرِفُهم قال قلتُ وأنا لا أعلمُهم ولكنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَعْلَمُهم
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
مهر امرأتك على ثلاثة من المؤمنينلك ما للقوم وعليك ما عليهمردوا عليهم نساءهم وأبناءهمزوجني رسول الله فتاتكمالشهادة بنصر المسلمينرأيتنا مع رسول اللهالثلاثة الذين خلفوالا ترغبوا عن آبائكمعبد الرحمن بن سمرةعثمان بن أبي العاصلا إسلال ولا إغلاللا والذي نفسي بيدهالمدينة دار الهجرةالمهاجرين والأنصارعبد الرحمن بن عوفسوادي ودمامة وجهييا خيل الله اركبيآيات من آيات اللهالنعمان بن المقرنمشوا أمام السريرمؤمن بي ولم يرنيعند عجيزة المرأةعبد الله بن عميرعزمت على كل امرئسقيفة بني ساعدةعبد الله ورسولهزوجني رسول اللهعبد الله بن عمرالمغيرة بن شعبةبارك الله فيكمخالد بن الوليدبني عبد المطلبالخياط والمخيطينادي: يا مؤمنلا تقوم الساعةالعلاء بن زيادنرمل بها رملااعتزال النساءعروة بن مسعودعمر بن الخطابالأعور الدجالعند رأس الرجلالجيف والميتةصلح الحديبيةبيعة أبي بكرزوجني فتاتكمعبيد بن عميرثلاثون كذاباأربع تكبيراتكعب بن مالكيوم القيامةعينة مكفوفةالشهر الأولالتقي النقيالصف الثانيصلاة الكسوفأنس بن مالكذو الجناحينصدق الحديثخمسون ليلةسورة الفتحإخواني حقافريضة الجدكسوف الشمسبيت المقدسجذم الحائطباب التوبةتجلي الشمسرعاع الناسغزوة تبوكالمتخلفونالمنافقونأبو هريرةآية الرجملا تطرونيبعث النبيدمامة وجهأبو لؤلؤةآيات اللهأبو بكرةأبو سلمةالحديبيةأبو جندلبني هاشمأخو حميرالربيضينيوم حنينالمؤمنينابن عباسالهرمزانأبو بكرأعقابهمالمنافقالغنمينالجنازةالسريرالمربدالتوبةمكورانالنبيذ
تخريج حديث شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة فلحقنا أبو بكرة
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








