أحاديث عن: لا تشهد بما لم يع سمعك
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: لا تشهد بما لم يع سمعك
فيما أعطَى اللهُ تعالَى موسَى في الألواحِ الأُوَلِ ، في أوَّلِ ما كُتِب عشرةُ أبوابٍ : يا موسَى لا تشرِكْ بي شيئًا ، فقد حقَّ القولُ منِّي لتلفَحَنَّ وجوهَ المشركين النَّارُ ، واشكُرْ لي ولوالدَيْك أَقِك المتالفَ ، وأنسَئُ لك في عمرِك ، وأُحيِيك حياةً طيِّبةً ، وأقلِبُك إلى خيرٍ منها ، ولا تقتُلِ النَّفسَ الَّتي حرَّمتُ إلَّا بالحقِّ ، فتضيقَ عليك الأرضُ برحبِها ، والسَّماءُ بأقطارِها ، وتبوءَ بسَخطي في النَّارِ ، ولا تحلِفْ باسمي كاذبًا ولا آثمًا ، فإنِّي لا أُطهِّرُ ولا أُزكِّي من لم ينزِّهْني ، ولم يعظِّمْ أسمائي ، ولا تحسِدِ النَّاسَ على ما أعطيتُهم من فضلي ، ولا تَنفَسْ عليهم نعمتي ورزقي ، فإنَّ الحاسدَ عدوٌّ لنعمتي ، رادٌّ لقضائي ، ساخطٌ لقِسمتي الَّتي أقسِمُ بين عبادي ، ومن يكُنْ كذلك فلستُ منه وليس منِّي ، ولا تشهَدْ بما لم يعِ سمعُك ، ويحفظْ عقلُك ، ويعقِدْ عليه قلبُك ، فإنِّي واقفٌ أهلَ الشَّهواتِ على شهاداتِهم يومَ القيامةِ ، ثمَّ سائلُهم عنها سؤالًا حثيثًا ، ولا تزْنِ ، ولا تسرِقْ ، ولا تزْنِ بحليلةِ جارِك ، فأحجبَ عنك وجهي ، وتُغلَقَ عنك أبوابُ السَّماءِ ، وأحبِبِ للنَّاسِ ما تُحِبُّ لنفسِك ، ولا تذبَحْ لغيري ، فإنِّي لا أقبلُ من القُربانِ إلَّا ما ذُكِر عليه اسمي ، وكان خالصًا لوجهي ، وتفرَّغْ لي يومَ السَّبتِ ، وفرِّغْ لي آنيتَك وجميعَ أهلِ بيتِك ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جعل يومَ السَّبتِ لهم عيدًا ، واختار لنا الجمعةَ فجعلها لنا عيدًا
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يُسافِرَ أقرَع بينَ نسائِه فأيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها معه فخرَج سهمُ عائشةَ في غزوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بني المُصْطَلِقِ مِن خُزاعةَ فلمَّا انصرَف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكان قريبًا مِنَ المدينةِ وكانت عائشةُ جُوَيريَةً حديثةَ السِّنِّ قليلةَ اللَّحمِ خفيفةً وكانت تلزَمُ خِدرَها فإذا أراد النَّاسُ الرَّحيلَ ذهَبَتْ ثمَّ رجَعَتْ فدخَلَتْ مِحَفَّتَها فيُرَحَّلُ بعيرُها ثمَّ تُحْمَلُ مِحَفَّتُها فتوضَعُ على البَعيرِ فكان أوَّلَ ما قال فيها المنافقون وغيرُهم ممَّنِ اشترَك في أمرِ عائشةَ إنَّها خرجَتْ تتوضَّأُ حينَ دنَوا مِنَ المدينةِ فانسَلَّ مِن عُنُقِها عِقْدٌ لها مِن جَزْعِ أظْفَارٍ فارتحَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والنَّاسُ وهي في بُغاءِ العِقدِ ولم تعلَمْ برحيلِهم فشدُّوا على بعيرِها المِحَفَّةَ وهم يُرَوْنَ أنَّها فيها كما كانت تكونُ فرجَعَتْ عائشةُ إلى منزلِها فلم تجِدْ في العَسْكَرِ أحدًا فغلَبَتْها عيناها وكان صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ صاحبُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تخلَّف تلك اللَّيلةَ عَنِ العَسْكَرِ حتَّى أصبَح قالت فمرَّ بي فرآني فاسترجَع وأعظَمَ مكاني حينَ رآني وقد كنْتُ أعرِفُه ويعرِفُني قبلَ أن يُضرَبَ علينا الحِجابُ قالت فسألني عن أمري فستَرْتُ وجهي عنه بجِلْبابي وأخبَرْتُه بأمري فقرَّب بعيرَه فوَطِئَ على ذِراعِه فولَّاني قفاه حتَّى رَكِبْتُ وسوَّيْتُ ثيابي ثمَّ بعَثَه فأقبَل يسيرُ بي حتَّى دخَلْنا المدينةَ نِصفَ النَّهارِ أو نحوَه فهنالك قال فيَّ وفيه مَن قال مِن أهلِ الإفكِ وأنا لا أعلَمُ شيئًا مِن ذلك ولا ممَّا يخوضُ النَّاسُ فيه مِن أمري وكنْتُ تلك اللَّياليَ شاكيةً وكان أوَّلَ ما أنكَرْتُ مِن أمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه كان يعودُني قبلَ ذلك إذا مرِضْتُ وكان تلك اللَّياليَ لا يدخُلُ عليَّ ولا يعودُني إلَّا أنَّه كان يقولُ وهو مارٌّ كيف تِيكُمْ فيسألُ عنِّي أهلَ البيتِ فلمَّا بلَغ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أكثَرَ النَّاسُ فيه مِن أمري غمَّه ذلك وقد شكَوْتُ قَبلَ ذلك إلى أمِّي ما رأيْتُ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الجَفْوةِ فقالت لي يا بُنَيَّةُ اصبِري فواللهِ ما كانتِ امرأةٌ حَسْناءُ لها ضرائرُ إلَّا رمَيْنها قالت فوجَدْتُ حِسًّا تلك اللَّيلةَ الَّتي بعَث النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن صُبحِها إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأسامةَ بنِ زيدٍ يستشيرُهما في أمري وكنَّا ذلك الزَّمانَ ليس لنا كُنُفٌ نذهَبُ فيها إنَّما كنَّا نذهَبُ كما يذهَبُ العربُ ليلًا إلى ليلٍ فقلْتُ لأمِّ مِسْطَحِ بنِ أُثاثةَ خُذي الإداوةَ فامْلَئيها ماءً فاذهَبي بها إلى المَناصِعِ وكانت هي وابنُها مِسْطَحٌ بينَهما وبينَ أبي بكرٍ قَرابةٌ وكان أبو بكرٍ يُنفِقُ عليهما فكانا يكونان عندَه ومع أهلِه فأخَذَتِ الإداوةَ وخرَجَتْ نحوَ المَناصِعِ فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ فقالت تعِسَ مِسْطَحٌ فقلْتُ بئسَ ما قلْتِ قالت ثمَّ مشَيْنا فعثَرَتْ أيضًا فقالت تعِسَ مِسْطَحٌ فقلْتُ لها بئسَ ما قلْتِ لصاحبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصاحبِ بَدْرٍ فقالت إنَّكِ لَغافلةٌ عمَّا فيه النَّاسُ مِن أمرِك فقلْتُ أجَلْ فما ذاك فقالت إنَّ مِسْطَحًا وفلانًا وفُلانةً فيمن استَزَلَّهُمُ الشَّيطانُ مِنَ المنافقين يجتمِعون في بيتِ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ أخي بني الحارثِ بنِ الخزرجِ يتحدَّثون عنكِ وعن صَفْوانَ بنِ المُعَطَّلِ يَرْمونكِ به قالت فذهَب عنِّي ما كنْتُ أجِدُ مِنَ الغائطِ فرَجَعْتُ على يدَيَّ فلمَّا أصبَحْنا مِن تلك اللَّيلةِ بعَث النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأسامةَ بنِ زيدٍ فأخبرَهما بما قيل فيَّ واستشارَهما في أمري فقال أسامةُ واللهِ يا رسولَ اللهِ ما علِمْنا على أهلِك سوءًا وقال عليٌّ له يا رسولَ اللهِ ما أكثَرَ النِّساءَ وإنْ أرَدْتَ أن تعلَمَ الخبرَ فتوعَّدِ الجاريةَ يعني بَريرةَ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعليٍّ فشأنُك بالخادمِ فسَأَلَها عليٌّ عنِّي فلم تُخْبِرْه والحمدُ للهِ إلَّا بخيرٍ قالت واللهِ ما عَلِمْتُ على عائشةَ سوءًا إلَّا أنَّها جُوَيريَةٌ تُصبِحُ عن عجينِ أهلِها فتدخُلُ الشَّاةُ الدَّاجِنُ فتأكُلُ مِنَ العجينِ قالت ثمَّ خرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ سمِعَ ما قالت بَريرةُ لِعَليٍّ إلى النَّاسِ فلمَّا اجتمَعوا إليه قال يا معشرَ المسلمين مَن لي مِن رجالٍ يُؤذونَني في أهلي فما علِمْتُ على أهلي سوءًا ويَرْمون رجُلًا مِن أصحابي ما علِمْتُ عليه سوءًا ولا خرَجْتُ مَخْرجًا إلَّا خرَج معي فيه قال سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ الأشْهَلِيُّ مِنَ الأوسِ يا رسولَ اللهِ إنْ كان ذلك مِن أحَدٍ مِنَ الأوسِ كَفَيْنَاكَهُ وإنْ كان مِنَ الخزرجِ أمَرْتَنا فيه بأمرِك وقام سعدُ بنُ عُبادةَ الأنصاريُّ ثمَّ الخَزْرَجِيُّ فقال لسعدِ بنِ معاذٍ كذَبْتَ واللهِ وهذا الباطلُ فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ الأنصاريُّ ثمَّ الأشْهَلِيُّ ورجالٌ مِنَ الفريقين فاستبُّوا وتنازَعوا حتَّى كاد أن يعظُمَ الأمرُ بينَهم فدخَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيتي وبعَث إلى أبويَّ فأتَياه فحمِد اللهَ وأثنى عليه بما هو أهلُه ثمَّ قال لي يا عائشةُ إنَّما أنتِ مِن بناتِ آدمَ فإنْ كنْتِ أخطأْتِ فتوبي إلى اللهِ واستَغْفِريه فقلْتُ لأبي أجِبْ عنِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال لا أفعَلُ هو نبيُّ اللهِ والوحيُ يأتيه فقلْتُ لأمِّي أجيبي عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت لي كما قال أبي فقلْتُ واللهِ لئن أقْرَرْتُ على نفسي بباطلٍ لتُصَدِّقُنَّني ولئن برَّأْتُ نفسي واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ لتُكَذِّبُنَّني فما أجِدُ لي ولكم مَثَلًا إلَّا قولَ أبي يوسفَ { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } ونَسيتُ اسمَ يعقوبَ لِما بي مِنَ الحُزنِ والبُكاءِ واحتراقِ الجوفِ فتغشَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما كان يتغشَّاه مِنَ الوحيِ ثمَّ سُرِّيَ عنه فمسَح وجهَه بيدِه ثمَّ قال أبْشِري يا عائشةُ قد أنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ براءتَك فقالت عائشةُ واللهِ ما كنْتُ أظُنُّ أن ينزِلَ القرآنُ في أمري ولكنِّي كنْتُ أرجو لِما يعلَمُ اللهُ مِن براءتي أن يرى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أمري رؤيا فيُبَرِّئَني اللهُ بها عندَ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال لي أبوايَ عندَ ذلك قومي فقبِّلي رأسَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقلْتُ واللهِ لا أفعَلُ بحمدِ اللهِ لا بحَمْدِكم قال وكان أبو بكرٍ يُنفِقُ على مِسْطَحٍ وأمِّه فلمَّا رماني حلَف أبو بكرٍ أن لا ينفَعَه بشيءٍ أبدًا قال فلمَّا تلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ } بكى أبو بكرٍ قال بلى يا ربِّ وأعاد النَّفقةَ على مِسْطَحٍ وأمِّه قالت وقعَد صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ لحسَّانَ بنِ ثابتٍ بالسَّيفِ فضرَبه ضربةً فقال صَفْوانُ لحسَّانَ حينَ ضرَبَه تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنْكَ فَإِنَّنِي ... غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ وَلَكِنَّنِي أَحْمِي حِمَايَ وأَنْتَقِمْ ... مِنَ الْبَاهِتِ الرَّامِي الْبُرَاةِ الطَّوَاهِرِ. ثمَّ صاح حسَّانُ فاستغاث النَّاسُ على صَفْوانَ فلمَّا جاء النَّاسُ فرَّ صَفْوانُ فجاء حسَّانُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَعْداه على صَفْوانَ في ضَرْبتِه إيَّاه فسألَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يهَبَ له ضربةَ صَفْوانَ إيَّاه فوهَبها للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعاوَضَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حائطًا مِن نخلٍ عظيمٍ وجاريةٍ روميَّةٍ ويُقالُ قِبطيَّةٌ تُدعى سِيرينَ فولَدَتْ لحسَّانَ ابنَه عبدَ الرَّحمنِ الشَّاعرَ قال أبو أُوَيسٍ أخبَرَني بذلك حُسَينُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ عَن عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالت عائشةُ ثمَّ باع حسَّانُ ذلك الحائطَ مِن معاويةَ بنِ أبي سفيانَ في ولايتِه بمالٍ عظيمٍ قالت عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها وبلَغَني واللهِ أعلمُ أنَّ الَّذي قال اللهُ فيه { والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أنَّه عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ أحدُ بني الحارثِ بن ِالخزرجِ قالت عائشةُ فقيل في أصحابِ الإفكِ الأشعارُ وقال أبو بكرٍ في مِسْطَحٍ في رَمْيِه عائشةَ فكان يُدعى عَوفًا يَا عَوْفُ وَيْحَكَ هَلَّا قُلْتَ عَارِفَةً ... مِنَ الْكَلَامِ وَلَمْ تَبْغِي بِهِ طَمَعَا فَأَدْرَكَتْكَ حُمَيَّا مَعْشَرٍ أُنُفٍ ... فَلَمْ يَكُنْ قَاطِعًا يَا عَوْفُ مَنْ قَطَعَا هَلَّا حَرِبْتَ مِنَ الْأَقْوَامِ إِذْ حَسَدُوا ... فَلَا تَقُولُ وَإِنْ عَادَيْتَهُمْ قَذَعَا لَمَّا رَمَيْتَ حَصَانًا غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ... أَمِينَةَ الْجَيْبِ لَمْ نَعْلَمْ لَهَا خَضَعَا فِيمَنْ رَمَاهَا وَكُنْتُمْ مَعْشَرًا أُفُكًا ... فِي سَيِّئِ الْقَوْلِ مِنْ لَفْظِ الْخَنَا شَرَعَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرًا فِي بَرَاءَتِهَا ... وَبَيْنَ عَوْفٍ وَبَيْنَ اللَّهِ مَا صَنَعَا فَإِنْ أَعِشْ أَجْزِ عَوْفًا فِي مَقَالَتِهِ ... سُوءَ الْجَزَاءِ بِمَا أَلْفَيْتُهُ تَبَعَا. وقالَت أمُّ سعدِ بنِ معاذٍ في الَّذين رمَوا عائشةَ مِنَ الشِّعرِ تَشْهَدُ الْأَوْسُ كُلُّهَا وَفَتَاهَا ... بِحِقْدٍ وَذَلِكَ مَعْلُومُ نِسَاءُ الْخَزْرَجِيِّينَ يَشْهَدْنَ ... وَالْخُمَاسِيُّ مِنْ نَسْلِهَا وَالْعَظِيمُ أَنَّ بِنْتَ الصِّدِّيقِ كَانَتْ حَصَانًا ... عَفَّةَ الْجَيْبِ دِينُهَا مُسْتَقِيمُ تَتَّقِي اللَّهَ فِي الْمَغِيبِ عَلَيْهَا ... نِعْمَةُ اللَّهِ سِرُّهَا مَا يَرِيمُ خَيْرُ هَدْيِ النِّسَاءِ حَالًا وَنَفْسًا ... وَأَبًا لِلْعُلَا نَمَاهَا كَرِيمُ لِلْمَوَالِي إِذَا رَمَوهَا بِإِفْكٍ ... أَخَذَتْهُمْ مَقَامِعٌ وَجَحِيمُ لَيْتَ مَنْ كَانَ قَدْ قَفَاهَا بِسُوءٍ ... فِي حُطَامٍ حَتَّى يَبُولَ اللَّئِيمُ وَعَوَانٍ مِنَ الْحُرُوبِ تَلَظَّى ... ثَغْسًا قُوتُهَا عَقَارٌ صَرِيمُ لَيْتَ سَعْدًا وَمَنْ رَمَاهَا بِسُوءٍ ... فِي كَظَاظٍ حَتَّى يَتُوبَ الظَّلُومُ. وقال حسَّانُ وهو يُبَرِّئُ عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عنها - فيما قيل فيها، ويعتذِرُ إليها: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ خَلِيلَةُ خَيْرِ النَّاسِ دِينًا وَمَنْصِبًا ... نَبِيِّ الْهُدَى وَالْمَكْرُمَاتِ الْفَوَاضِلِ عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهَا غَيْرُ زَائِلِ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيَمَهَا ... وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلٍّ سُوءٍ وَبَاطِلِ فَإِنْ كَانَ مَا قَدْ جَاءَ عَنِّي قُلْتُهُ ... فَلَا رَفَعَتْ صَوْتِي إِلَىَّ أَنَامِلِي وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ ... بِكِ الدَّهْرَ بَلْ قَوْلُ امْرِئٍ غَيْرِ هَائِلِ وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي ... لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ لَهُ رَتْبٌ عَالٍ عَلَى النَّاسِ فَضْلُهَا ... تَقَاصَرُ عَنْهَا سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ.قال أبو يونسَ وحدَّثَني أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَر بالَّذين رمَوا عائشةَ فجُلِدوا الحدَّ ثمانين وقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ في الشِّعرِ حين جُلِدوا لَقَدْ ذَاقَ عَبْدُ اللَّهِ مَا كَانَ أَهْلَهُ ... وَحَمْنَةُ إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ تَعَاطَوْا بِرَجْمِ الْغَيْبِ زَوْجَ نَبِيِّهِمْ ... وَسَخْطَةَ ذِي الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فَأَنْزَحُوا فَآذَوْا رَسُولَ اللَّهِ فِيهَا وَعَمَّمُوا ... مَخَازِيَ سُوءٍ حَلَّلُوهَا وَفُضِّحُوا
كُنتُ أُقرِئُ رِجالًا مِنَ المُهاجِرينَ، منهم عبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ، فبينَما أنا في مَنزِلِه بمِنًى، وهو عِندَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها، إذ رَجَعَ إليَّ عبدُ الرَّحمَنِ فقال: لو رَأيتَ رَجُلًا أتى أميرَ المُؤمِنينَ اليَومَ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، هل لكَ في فُلانٍ؟ يقولُ: لو قد ماتَ عُمَرُ لقد بايَعتُ فُلانًا، فواللهِ ما كانَت بَيعةُ أبي بَكرٍ إلَّا فلتةً فتَمَّت، فغَضِبَ عُمَرُ، ثُمَّ قال: إنِّي -إن شاءَ اللهُ- لَقائِمٌ العَشيَّةَ في النَّاسِ، فمُحَذِّرُهم هؤلاء الذينَ يُريدونَ أن يَغصِبوهم أُمورَهم. قال عبدُ الرَّحمَنِ: فقُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، لا تَفعَلْ؛ فإنَّ المَوسِمَ يَجمَعُ رَعاعَ النَّاسِ وغَوغاءَهم؛ فإنَّهم هُمُ الذينَ يَغلِبونَ على قُربِكَ حينَ تَقومُ في النَّاسِ، وأنا أخشى أن تَقومَ فتَقولَ مَقالةً يُطَيِّرُها عَنكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وأن لا يَعوها، وأن لا يَضَعوها على مَواضِعِها، فأمهِلْ حتَّى تَقدَمَ المَدينةَ؛ فإنَّها دارُ الهِجرةِ والسُّنَّةِ، فتَخلُصَ بأهلِ الفِقهِ وأشرافِ النَّاسِ، فتَقولَ ما قُلتَ مُتَمَكِّنًا، فيَعي أهلُ العِلمِ مَقالتَكَ، ويَضَعونَها على مَواضِعِها. فقال عُمَرُ: أما واللهِ -إن شاءَ اللهُ- لَأقومَنَّ بذلك أوَّلَ مَقامٍ أقومُه بالمَدينةِ. قال ابنُ عَبَّاسٍ: فقدِمنا المَدينةَ في عُقبِ ذي الحَجَّةِ، فلَمَّا كان يَومُ الجُمُعةِ عَجَّلتُ الرَّواحَ حينَ زاغَتِ الشَّمسُ؛ حتَّى أجِدَ سَعيدَ بنَ زَيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ جالِسًا إلى رُكنِ المِنبَرِ، فجَلَستُ حَولَه تَمَسُّ رُكبَتي رُكبَتَه، فلَم أنشَبْ أن خَرَجَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فلَمَّا رَأيتُه مُقبِلًا قُلتُ لسَعيدِ بنِ زَيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ: لَيَقولَنَّ العَشيَّةَ مَقالةً لَم يَقُلْها مُنذُ استُخلِفَ، فأنكَرَ عليَّ وقال: ما عَسَيتَ أن يَقولَ ما لَم يَقُلْ قَبلَه؟! فجَلَسَ عُمَرُ على المِنبَرِ، فلَمَّا سَكَتَ المُؤَذِّنونَ قامَ، فأثنى على اللهِ بما هو أهلُه، ثُمَّ قال: أمَّا بَعدُ؛ فإنِّي قائِلٌ لكم مَقالةً قد قُدِّرَ لي أن أقولَها، لا أدري لَعَلَّها بينَ يَدَي أجَلي، فمَن عَقَلَها ووعاها فليُحَدِّثْ بها حَيثُ انتَهَت به راحِلَتُه، ومَن خَشيَ أن لا يَعقِلَها فلا أُحِلُّ لأحَدٍ أن يَكذِبَ عليَّ: إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحَقِّ، وأنزَلَ عليه الكِتابَ، فكان ممَّا أنزَلَ اللهُ آيةُ الرَّجمِ، فقَرَأناها وعَقَلناها ووعَيناها، رَجَمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورَجَمنا بَعدَه، فأخشى إن طالَ بالنَّاسِ زَمانٌ أن يَقولَ قائِلٌ: واللهِ ما نَجِدُ آيةَ الرَّجمِ في كِتابِ اللهِ، فيَضِلُّوا بتَركِ فريضةٍ أنزَلَها اللهُ، والرَّجمُ في كِتابِ اللهِ حَقٌّ على مَن زَنى إذا أُحصِنَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامَتِ البَيِّنةُ، أو كان الحَبَلُ، أو الِاعتِرافُ. ثُمَّ إنَّا كُنَّا نَقرَأُ فيما نَقرَأُ مِن كِتابِ اللهِ: أن لا تَرغَبوا عن آبائِكُم؛ فإنَّه كُفرٌ بكُم أن تَرغَبوا عن آبائِكُم، أو: إنَّ كُفرًا بكُم أن تَرغَبوا عن آبائِكُم. ألا ثُمَّ إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا تُطروني كما أُطريَ عيسى ابنُ مَريَمَ، وقولوا: عبدُ اللهِ ورَسولُه. ثُمَّ إنَّه بَلَغَني أنَّ قائِلًا مِنكُم يقولُ: واللهِ لو قد ماتَ عُمَرُ بايَعتُ فُلانًا، فلا يَغتَرَّنَّ امرُؤٌ أن يَقولَ: إنَّما كانَت بَيعةُ أبي بَكرٍ فلتةً وتَمَّت، ألا وإنَّها قد كانَت كَذلك، ولَكِنَّ اللهَ وقى شَرَّها، وليسَ مِنكُم مَن تُقطَعُ الأعناقُ إليه مِثلُ أبي بَكرٍ، مَن بايَعَ رَجُلًا عن غيرِ مَشورةٍ مِنَ المُسلِمينَ، فلا يُبايَعُ هو ولا الذي بايَعَه؛ تَغِرَّةً أن يُقتَلا، وإنَّه قد كان مِن خَبَرِنا حينَ تَوفَّى اللهُ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّ الأنصارَ خالَفونا، واجتَمَعوا بأسرِهم في سَقيفةِ بَني ساعِدةَ، وخالَفَ عَنَّا عَليٌّ والزُّبَيرُ ومَن معهُما، واجتَمع المُهاجِرونَ إلى أبي بَكرٍ، فقُلتُ لأبي بَكرٍ: يا أبا بَكرٍ، انطَلِقْ بنا إلى إخوانِنا هؤلاء مِنَ الأنصارِ، فانطَلَقنا نُريدُهم، فلَمَّا دَنَونا منهم، لَقيَنا منهم رَجُلانِ صالِحانِ، فذَكَرا ما تَمالَأ عليه القَومُ، فقالا: أينَ تُريدونَ يا مَعشَرَ المُهاجِرينَ؟ فقُلنا: نُريدُ إخوانَنا هؤلاء مِنَ الأنصارِ، فقالا: لا علَيكُم أن لا تَقرَبوهم، اقضوا أمرَكُم، فقُلتُ: واللهِ لَنَأتيَنَّهم، فانطَلَقنا حتَّى أتَيناهم في سَقيفةِ بَني ساعِدةَ، فإذا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ بينَ ظَهرانَيهم، فقُلتُ: مَن هذا؟ فقالوا: هذا سَعدُ بنُ عُبادةَ، فقُلتُ: ما له؟ قالوا: يوعَكُ، فلَمَّا جَلَسنا قَليلًا تَشَهَّدَ خَطيبُهم، فأثنى على اللهِ بما هو أهلُه، ثُمَّ قال: أمَّا بَعدُ؛ فنَحنُ أنصارُ اللهِ وكَتيبةُ الإسلامِ، وأنتُم مَعشَرَ المُهاجِرينَ رَهطٌ، وقد دَفَّت دافَّةٌ مِن قَومِكُم، فإذا هُم يُريدونَ أن يَختَزِلونا مِن أصلِنا، وأن يَحضُنونا مِنَ الأمرِ. فلَمَّا سَكَتَ أرَدتُ أن أتَكَلَّمَ، وكُنتُ قد زَوَّرتُ مَقالةً أعجَبَتني أُريدُ أن أُقدِّمَها بينَ يَدَي أبي بَكرٍ، وكُنتُ أُداري منه بَعضَ الحَدِّ، فلَمَّا أرَدتُ أن أتَكَلَّمَ، قال أبو بَكرٍ: على رِسلِكَ، فكَرِهتُ أن أُغضِبَه، فتَكَلَّمَ أبو بَكرٍ، فكان هو أحلَمَ مِنِّي وأوقَرَ، واللهِ ما تَرَكَ مِن كَلِمةٍ أعجَبَتني في تَزويري إلَّا قال في بَديهَتِه مِثلَها أو أفضَلَ منها حتَّى سَكَتَ، فقال: ما ذَكَرتُم فيكُم مِن خَيرٍ فأنتُم له أهلٌ، ولَن يُعرَفَ هذا الأمرُ إلَّا لهذا الحَيِّ مِن قُرَيشٍ؛ هُم أوسَطُ العَرَبِ نَسَبًا ودارًا، وقد رَضيتُ لكم أحَدَ هَذَينِ الرَّجُلَينِ، فبايِعوا أيَّهما شِئتُم، فأخَذَ بيَدي وبيَدِ أبي عُبَيدةَ بنِ الجَرَّاحِ، وهو جالِسٌ بينَنا، فلَم أكرَهْ ممَّا قال غَيرَها، كان واللهِ أن أُقدَّمَ فتُضرَبَ عُنُقي، لا يُقَرِّبُني ذلك مِن إثمٍ؛ أحَبَّ إليَّ مِن أن أتَأمَّرَ على قَومٍ فيهم أبو بَكرٍ، اللهُمَّ إلَّا أن تُسَوِّلَ إليَّ نَفسي عِندَ المَوتِ شيئًا لا أجِدُه الآنَ. فقال قائِلٌ مِنَ الأنصارِ: أنا جُذَيلُها المُحَكَّكُ، وعُذَيقُها المُرَجَّبُ؛ مِنَّا أميرٌ، ومِنكُم أميرٌ يا مَعشَرَ قُرَيشٍ. فكَثُرَ اللَّغَطُ، وارتَفَعَتِ الأصواتُ، حتَّى فرِقتُ مِنَ الِاختِلافِ، فقُلتُ: ابسُطْ يَدَكَ يا أبا بَكرٍ، فبَسَطَ يَدَه فبايَعتُه، وبايَعَه المُهاجِرونَ ثُمَّ بايَعَتْه الأنصارُ. ونَزَونا على سَعدِ بنِ عُبادةَ، فقال قائِلٌ منهم: قَتَلتُم سَعدَ بنَ عُبادةَ! فقُلتُ: قَتَلَ اللهُ سَعدَ بنَ عُبادةَ. قال عُمَرُ: وإنَّا واللهِ ما وجَدنا فيما حَضَرنا مِن أمرٍ أقوى مِن مُبايَعةِ أبي بَكرٍ؛ خَشينا إن فارَقنا القَومَ ولَم تَكُنْ بَيعةٌ أن يُبايِعوا رَجُلًا منهم بَعدَنا، فإمَّا بايَعناهم على ما لا نَرضى، وإمَّا نُخالِفُهم فيَكونُ فسادٌ، فمَن بايَعَ رَجُلًا على غيرِ مَشورةٍ مِنَ المُسلِمينَ، فلا يُتابَعُ هو ولا الذي بايَعَه؛ تَغِرَّةً أن يُقتَلا
عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ قصَّةَ السَّقيفةِ بطُولِه [عن ابن عباس قال: كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالًا مِنَ المُهَاجِرِينَ، منهمْ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، فَبيْنَما أنَا في مَنْزِلِهِ بمِنًى، وهو عِنْدَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، إذْ رَجَعَ إلَيَّ عبدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: لو رَأَيْتَ رَجُلًا أتَى أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اليَومَ، فَقَالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هلْ لكَ في فُلَانٍ؟ يقولُ: لو قدْ مَاتَ عُمَرُ لقَدْ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَوَاللَّهِ ما كَانَتْ بَيْعَةُ أبِي بَكْرٍ إلَّا فَلْتَةً فَتَمَّتْ، فَغَضِبَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي -إنْ شَاءَ اللَّهُ- لَقَائِمٌ العَشِيَّةَ في النَّاسِ، فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ. قَالَ عبدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لا تَفْعَلْ؛ فإنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وغَوْغَاءَهُمْ؛ فإنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ علَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ في النَّاسِ، وأَنَا أخْشَى أنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وأَنْ لا يَعُوهَا، وأَنْ لا يَضَعُوهَا علَى مَوَاضِعِهَا، فأمْهِلْ حتَّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ؛ فإنَّهَا دَارُ الهِجْرَةِ والسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بأَهْلِ الفِقْهِ وأَشْرَافِ النَّاسِ، فَتَقُولَ ما قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِي أهْلُ العِلْمِ مَقَالَتَكَ، ويَضَعُونَهَا علَى مَوَاضِعِهَا.فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا واللَّهِ -إنْ شَاءَ اللَّهُ- لَأَقُومَنَّ بذلكَ أوَّلَ مَقَامٍ أقُومُهُ بالمَدِينَةِ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ في عُقْبِ ذِي الحَجَّةِ، فَلَمَّا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ عَجَّلْتُ الرَّوَاحَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ؛ حتَّى أجِدَ سَعِيدَ بنَ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ جَالِسًا إلى رُكْنِ المِنْبَرِ، فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ تَمَسُّ رُكْبَتي رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أنْشَبْ أنْ خَرَجَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلًا، قُلتُ لِسَعِيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ: لَيَقُولَنَّ العَشِيَّةَ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتُخْلِفَ، فأنْكَرَ عَلَيَّ وقَالَ: ما عَسَيْتَ أنْ يَقُولَ ما لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ؟! فَجَلَسَ عُمَرُ علَى المِنْبَرِ، فَلَمَّا سَكَتَ المُؤَذِّنُونَ قَامَ، فأثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فإنِّي قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قدْ قُدِّرَ لي أنْ أقُولَهَا، لا أدْرِي لَعَلَّهَا بيْنَ يَدَيْ أجَلِي، فمَن عَقَلَهَا ووَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بهَا حَيْثُ انْتَهَتْ به رَاحِلَتُهُ ، ومَن خَشِيَ أنْ لا يَعْقِلَهَا فلا أُحِلُّ لأحَدٍ أنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالحَقِّ، وأَنْزَلَ عليه الكِتَابَ، فَكانَ ممَّا أنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وعَقَلْنَاهَا ووَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورَجَمْنَا بَعْدَهُ، فأخْشَى إنْ طَالَ بالنَّاسِ زَمَانٌ أنْ يَقُولَ قَائِلٌ: واللَّهِ ما نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَهَا اللَّهُ، والرَّجْمُ في كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ علَى مَن زَنَى إذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كانَ الحَبَلُ، أوْ الِاعْتِرَافُ. ثُمَّ إنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيما نَقْرَأُ مِن كِتَابِ اللَّهِ: أنْ لا تَرْغَبُوا عن آبَائِكُمْ ؛ فإنَّه كُفْرٌ بكُمْ أنْ تَرْغَبُوا عن آبَائِكُمْ، أوْ: إنَّ كُفْرًا بكُمْ أنْ تَرْغَبُوا عن آبَائِكُمْ.ألَا ثُمَّ إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَالَ: لا تُطْرُونِي كما أُطْرِيَ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ، وقُولوا: عبدُ اللَّهِ ورَسولُهُ. ثُمَّ إنَّه بَلَغَنِي أنَّ قَائِلًا مِنكُم يقولُ: واللَّهِ لو قدْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا، فلا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أنْ يَقُولَ: إنَّما كَانَتْ بَيْعَةُ أبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وتَمَّتْ ، ألَا وإنَّهَا قدْ كَانَتْ كَذلكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ وقَى شَرَّهَا، وليسَ مِنكُم مَن تُقْطَعُ الأعْنَاقُ إلَيْهِ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ، مَن بَايَعَ رَجُلًا عن غيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فلا يُبَايَعُ هو ولَا الذي بَايَعَهُ؛ تَغِرَّةً أنْ يُقْتَلَا، وإنَّه قدْ كانَ مِن خَبَرِنَا حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّ الأنْصَارَ خَالَفُونَا، واجْتَمَعُوا بأَسْرِهِمْ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وخَالَفَ عَنَّا عَلِيٌّ والزُّبَيْرُ ومَن معهُمَا، واجْتَمع المُهَاجِرُونَ إلى أبِي بَكْرٍ، فَقُلتُ لأبِي بَكْرٍ: يا أبَا بَكْرٍ، انْطَلِقْ بنَا إلى إخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الأنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ، فَلَمَّا دَنَوْنَا منهمْ، لَقِيَنَا منهمْ رَجُلَانِ صَالِحَانِ، فَذَكَرَا ما تَمَالَأَ عليه القَوْمُ، فَقَالَا: أيْنَ تُرِيدُونَ يا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ؟ فَقُلْنَا: نُرِيدُ إخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَا: لا علَيْكُم أنْ لا تَقْرَبُوهُمْ، اقْضُوا أمْرَكُمْ، فَقُلتُ: واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ، فَانْطَلَقْنَا حتَّى أتَيْنَاهُمْ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ بيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلتُ: مَن هذا؟ فَقالوا: هذا سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ، فَقُلتُ: ما له؟ قالوا: يُوعَكُ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فأثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فَنَحْنُ أنْصَارُ اللَّهِ وكَتِيبَةُ الإسْلَامِ، وأَنْتُمْ مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ رَهْطٌ، وقدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ مِن قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أنْ يَخْتَزِلُونَا مِن أصْلِنَا، وأَنْ يَحْضُنُونَا مِنَ الأمْرِ. فَلَمَّا سَكَتَ أرَدْتُ أنْ أتَكَلَّمَ، وكُنْتُ قدْ زَوَّرْتُ مَقَالَةً أعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أنْ أُقَدِّمَهَا بيْنَ يَدَيْ أبِي بَكْرٍ، وكُنْتُ أُدَارِي منه بَعْضَ الحَدِّ، فَلَمَّا أرَدْتُ أنْ أتَكَلَّمَ، قَالَ أبو بَكْرٍ: علَى رِسْلِكَ ، فَكَرِهْتُ أنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ أبو بَكْرٍ، فَكانَ هو أحْلَمَ مِنِّي وأَوْقَرَ، واللَّهِ ما تَرَكَ مِن كَلِمَةٍ أعْجَبَتْنِي في تَزْوِيرِي، إلَّا قَالَ في بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا أوْ أفْضَلَ منها حتَّى سَكَتَ؛ فَقَالَ: ما ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِن خَيْرٍ فأنتُمْ له أهْلٌ، ولَنْ يُعْرَفَ هذا الأمْرُ إلَّا لِهذا الحَيِّ مِن قُرَيْشٍ؛ هُمْ أوْسَطُ العَرَبِ نَسَبًا ودَارًا، وقدْ رَضِيتُ لَكُمْ أحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أيَّهُما شِئْتُمْ، فأخَذَ بيَدِي وبِيَدِ أبِي عُبَيْدَةَ بنِ الجَرَّاحِ، وهو جَالِسٌ بيْنَنَا، فَلَمْ أكْرَهْ ممَّا قَالَ غَيْرَهَا، كانَ واللَّهِ أنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي، لا يُقَرِّبُنِي ذلكَ مِن إثْمٍ؛ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ أتَأَمَّرَ علَى قَوْمٍ فيهم أبو بَكْرٍ، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ تُسَوِّلَ إلَيَّ نَفْسِي عِنْدَ المَوْتِ شيئًا لا أجِدُهُ الآنَ. فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ ، وعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ ؛ مِنَّا أمِيرٌ، ومِنكُم أمِيرٌ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. فَكَثُرَ اللَّغَطُ ، وارْتَفَعَتِ الأصْوَاتُ، حتَّى فَرِقْتُ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَقُلتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يا أبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ، وبَايَعَهُ المُهَاجِرُونَ ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأنْصَارُ. ونَزَوْنَا علَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ منهمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ، فَقُلتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ. قَالَ عُمَرُ: وإنَّا واللَّهِ ما وجَدْنَا فِيما حَضَرْنَا مِن أمْرٍ أقْوَى مِن مُبَايَعَةِ أبِي بَكْرٍ؛ خَشِينَا إنْ فَارَقْنَا القَوْمَ ولَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا منهمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ علَى ما لا نَرْضَى، وإمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكونُ فَسَادٌ، فمَن بَايَعَ رَجُلًا علَى غيرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فلا يُتَابَعُ هو ولَا الذي بَايَعَهُ؛ تَغِرَّةً أنْ يُقْتَلَا.]
ثم مضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واستعمل على المدينةِ أبارَهم كلثومُ بنُ الحصينِ الغفاريُّ وخرج لعشرٍ مضيْنَ من رمضانَ فصام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصام الناسُ معه حتى إذا كان بالكديدِ _ ماءٌ بين عسفانَ وأمجٍ _ أفطرَ ثم مضى حتى نزل مرَّ الظهرانِ في عشرةِ آلافٍ من المسلمين وألفٍ من مزينةَ وسليمٍ وفي كلِّ القبائلِ عددٌ وسلاحٌ وأوعب مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المهاجرون والأنصارُ لم يتخلف منهم أحدٌ فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مرَّ الظهرانِ وقد عميتِ الأخبارُ على قريشٍ فلم يأتهم عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خبرٌ ولم يدروا ما هو فاعلٌ خرج في تلك الليلةِ أبو سفيانَ بنُ حربٍ وحكيمُ بنُ حزامٍ وبديلُ بنُ ورقاءَ يتجسسون وينظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعونَ به وقد كان العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ تلقى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بعضِ الطريقِ وقد كان أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنُ عبدِ المطلبِ وعبدُ اللهِ بنُ أبي أميةَ بنُ المغيرةَ قد لقِيا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيما بين المدينةِ ومكةَ والتمسا الدخولَ عليه فكلَّمَتْهُ أمُّ سلمةَ فيهما فقالت يا رسولَ اللهِ ابنُ عمِّكَ وابنُ عمَّتِك وصهرُك قال لا حاجةَ لي بهما أما ابنُ عمِّي فهتكَ عِرضي بمكةَ وأما ابنُ عمَّتِي وصِهري فهو الذي قال لي بمكةَ ما قال فلما خرج إليهما بذلك ومع أبي سفيانَ بنيٌّ له فقال واللهِ لتأذنُنَّ لي أو لآخذنَّ بيدِ بُنيَّ هذا ثم لنذهبنَّ بالأرضِ حتى نموتَ عطشًا وجوعًا فلما بلغ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رقَّ لهما ثم أَذِنَ لهما فدخلا فأسلما فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمرِّ الظهرانِ قال العباسُ واصباح قريشٍ واللهِ لئن دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مكةَ عنوةً قبل أن يستأمنُوهُ إنَّهُ لهلاكُ قريشٍ آخرَ الدهرِ قال فجلستُ على بغلةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ البيضاءَ فخرجتُ عليها حتى جئتُ الأراكَ فقلتُ لعلِّي ألقى بعض الحطَّابةِ أو صاحبَ لبنٍ أو ذا حاجةٍ يأتي مكةَ فيُخبرهم بمكانِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيستأمنوهُ قبل أن يدخلها عنوةً قال فواللهِ إني لأسيرُ عليها وألتمسُ ما خرجتُ له إذ سمعتُ كلامَ أبي سفيانَ وبديلَ بنَ ورقاءَ وهما يتراجعانِ وأبو سفيانَ يقول ما رأيتُ كاليومِ قط نيرانًا ولا عسكرًا قال يقول بديلُ هذه واللهِ نيرانُ خزاعةَ حشتها الحربُ قال يقول أبو سفيانَ خزاعةُ واللهِ أذلُّ وألأمُ من أن تكون هذه نيرانُها وعسكرُها قال فعرفتُ صوتَه فقلتُ يا أبا حنظلةَ فعرف صوتي فقال أبو الفضلِ فقلتُ نعم فقال ما لك فداكَ أبي وأمي فقلتُ ويحَك يا أبا سفيانَ هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الناسِ واصباح قريشٍ واللهِ قال فما الحيلةُ فداك أبي وأمي قال قلتُ لئن ظفرَ بك ليضربنَّ عُنُقَك فاركب معي هذه البغلةَ حتى آتيَ بك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأستأمِنُه لك قال فركب خلفي ورجع صاحباهُ وحركت به فكلما مررتُ بنارٍ من نيرانِ المسلمينَ قالوا من هذا فإذا رأوا بغلةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالوا عمُّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على بغلتِه حتى مررتُ بنارِ عمرَ بنِ الخطابِ فقال من هذا وقام إليَّ فلما رأى أبو سفيانَ على عجزِ البغلةِ قال أبو سفيانَ عدوُّ اللهِ الحمدُ للهِ الذي أمكنني اللهُ منك بغيرِ عقدٍ ولا عهدٍ ثم خرج يشتدُّ نحوَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وركضتِ البغلةُ فسبقَتْهُ بما تسبقُ الدابةُ الرجلَ البطيءَ فاقتحمتُ عن البغلةِ فدخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ودخل عمرُ فقال يا رسولَ اللهِ هذا أبو سفيانَ قد أمكن اللهُ منه بغيرِ عقدٍ ولا عهدٍ فدعني فلأضربَ عُنُقَه فقلتُ يا رسولَ اللهِ إني أجرتُه ثم جلستُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقلتُ لا واللهِ لا يُناجيهِ الليلةَ رجلٌ دوني قال فلما أكثرَ عمرُ في شأنِه قلتُ مهلًا يا عمرُ أما واللهِ أن لو كان من رجالِ بني عديِّ بنِ كعبٍ ما قلتَ هذا ولكنَّك عرفتَ أنَّهُ من رجالِ بني عبدِ منافٍ فقال مهلًا يا عباسُ واللهِ لإسلامُك يومَ أسلمتَ أحبَّ إليَّ من إسلامِ أبي لو أسلمَ وما بي إلا أني قد عرفتُ أنَّ إسلامَك كان أحبَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من إسلامِ الخطابِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اذهب به إلى رَحْلِك يا عباسُ فإذا أصبحتَ فائتني به فذهبتُ به إلى رَحْلِي فبات عندي فلما أصبح غدوتُ به على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلما رآهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال ويحك يا أبا سفيانَ ألم يأنِ لك أن تشهدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ قال بأبي أنت وأمي ما أكرمَك وأحلمَك وأوصلَك لقد ظننتُ أن لو كان مع اللهِ غيرَه لقد أغنى عني شيئًا قال ويحك يا أبا سفيانَ ألم يأنِ لك أن تعلمَ أني رسولُ اللهِ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمَك وأكرمَك وأوصلَك هذه واللهِ كان في النفسِ منها شيٌء حتى الآنَ , قال العباسُ ويحَكَ يا أبا سفيانَ أسلِمْ واشهَدْ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ قبل أن يضربَ عُنُقَك قال فشهد شهادةَ الحقِّ وأسلمَ قلتُ يا رسولَ اللهِ إنَّ أبا سفيانَ يحبُّ هذا الفخرَ فاجعل له شيئًا قال نعم من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ ومن أغلق بابَه فهو آمنٌ ومن دخل المسجدَ فهو آمنٌ فلما ذهب لينصرفَ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يا عباسُ احبِسْهُ بالوادي عند حطمِ الجبلِ حتى تمرَّ به جنودُ اللهِ فيراها قال فخرجتُ به حتى حبستُه بمضيقِ الوادي حيث أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن أحبسَه قال ومرَّتْ به القبائلُ على راياتها فكلما مرَّت قبيلةٌ قال من هؤلاءِ يا عباسُ فيقول بني سليمٍ فيقول ما لي ولسليمٍ قال ثم تمرُّ القبيلةُ فيقول من هؤلاءِ فأقول مزينةُ فيقول ما لي ولمزينةَ حتى نفدتِ القبائلُ يعني جاوزت لا تمرُّ قبيلةً إلا قال من هؤلاءِ فأقول بنو فلانٍ فيقول ما لي ولبني فلانٍ حتى مرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الخضراءِ فيها المهاجرون والأنصارُ لا يُرى منهم سوى الحدقُ قال سبحان اللهِ من هؤلاءِ يا عباسُ قلتُ هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المهاجرين والأنصارِ قال ما لأحدٍ بهؤلاءِ قبلٌ ولا طاقةٌ واللهِ يا أبا الفضلِ لقد أصبح ملكُ ابنُ أخيكَ الغداةَ عظيمًا قلتُ يا أبا سفيانَ إنها النبوةُ قال فنِعْمَ إذًا قلتُ التجِئْ إلى قومِك قال فخرج حتى جاءهم صرخ بأعلى صوتِه يا قريشُ هذا محمدٌ قد جاءَكم بما لا قِبَلَ لكم به فمن دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ فقامت إليه امرأتُه هندُ بنتُ عتبةَ فأخذت بشاربِه فقالت اقتلوا الدسمَ الأحمشَ فبئس طليعةُ قومٍ قال ويحكم لا تغرَّنَّكم هذه من أنفسِكم فإنَّهُ قد جاء بما لا قِبَلَ لكم به من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ قالوا ويحك وما تُغني عنا دارُك قال ومن أغلق بابَه فهو آمنٌ ومن دخل المسجدَ فهو آمنٌ فتفرَّقَ الناسُ إلى دورِهم وإلى المسجدِ
عن عائشة أنَّ فاطمةَ والعبَّاس أتيَا أبا بكر -رضي الله عنهم- يلتمسان ميراثَهما من رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهما حينئذٍ يطلبان أرضَه من فَدَكٍ، وسَهمَه مِن خَيبرَ، فقال لهما أبو بكر: سمعتُ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: «لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صَدَقةٌ، إنَّما يأكُلُ آلُ مُحمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا المالِ»، وإنِّي واللهِ لا أدَعُ أمرًا رأيتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يصنَعُه فيه إلَّا صنعته. قالت: فهَجَرته فاطمةُ فلم تكَلِّمْه في ذلك حتى ماتَت، فدفَنَها عليٌّ رضي الله عنه ليلًا، ولم يُؤذَنْ بها أبو بكر. قالت: فكان لعليٍّ رضي الله عنه وجهٌ مِن النَّاسِ حياةَ فاطمةَ رضي الله عنها، فلما توفِّيَت فاطمةُ انصرفت وجوهُ النَّاسِ عن عليٍّ، فمكثت فاطمةُ ستة أشهر بعد رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثمَّ تُوفِّيَت. قال مَعْمَر: فقال رجل للزُّهري -رحمه الله-: فلم يبايِعْه ستةَ أشهرٍ؟ قال: لا، ولا أحدٌ مِن بني هاشم حتى بايعه عليٌّ. قال: فلما رأى عليٌّ انصرافَ وجوه الناس عنه ضَرَع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه: ائتِنا، ولا تأتِنا بأحدٍ معك، وكَرِهَ أن يأتيه عُمَرُ؛ لِما عَلِمَ من شدة عمر، فقال عمر: لا تأتِهم وَحدَك، فقال أبو بكر: والله لآتينَّهم وحدي، وما عسى أن يصنعوا بي؟! فانطلق أبو بكرٍ فدخل على عليٍّ رضي الله عنه وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي، فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: أمَّا بعدُ، فإنَّه لم يمنَعْنا أن نبايعَك يا أبا بكر إنكارٌ لفضيلتك، ولا نفاسةٌ عليك لخيرٍ ساقه الله إليك، ولكِنَّا كنا نرى أنَّ لنا في هذا الأمر حقًّا، فاستبدَدْتُم علينا، ثم ذكَرَ قرابتَه مِن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحَقَّهم، فلم يزَلْ يذكُرُ ذلك حتى بكى أبو بكرٍ، فلما صَمَت عليٌّ تشهَّد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أمَّا بعدُ، فوالله لَقرابةُ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحبُّ إليَّ أن أصِلَ مِن قرابتي، وإنِّي والله ما ألَوتُ في هذه الأمور التي كانت بيني وبينكم عن الخيرِ، ولكنِّي سمعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: «لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ، إنَّما يأكلُ آلُ محمدٍ في هذا المال»، وإنِّي واللهِ لا أذكرُ أمرًا صنعه فيه إلَّا صنعتُه إن شاء الله. ثمَّ قال عليٌّ رضي الله عنه: مَوعِدُك العشيَّةُ للبيعة. فلمَّا صلى أبو بكر رضي الله عنه الظُّهرَ أقبل على النَّاسِ، ثم عذر عليًّا رضي الله عنه ببعض ما اعتذر به، ثم قام عليٌّ فذكَرَ مِن حَقِّ أبي بكر رضي الله عنهما، وذكر فضيلتَه وسابقتَه، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه، قال: فأقبل النَّاسُ إلى عليٍّ، فقالوا: أصبتَ وأحسنتَ
كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا أراد سفراً أقرَعَ بين أزواجِهِ، فأيَّتُهُنَّ خرج سهمُها خرج بِها معَهُ، قال عروَةُ وعَمرةُ: فخرجَ سهمُ عائشةَ ابنتَ أبي بكرٍ زوجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في غَزوَةِ النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّمَ بَني المصطَلقِ مِن خزاعَةَ، فلمَّا انصرفَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فكانَ قريباً مِنَ المدينَةِ، قال عُروَةُ وعمرَةُ: وكانَت عائشةُ جُويرِيَةً حديثَةَ السِّنِّ، قليلةَ اللَّحمِ خفيفَةً، وكانَت تلزَمُ خِدرَها، فإذا أراد النَّاسُ الرحيلَ ذهبَت فتَوضَّأتْ ورجعَت فدخلَت مَحفَّتَها فتوضَع على البعيرِ وهيَ في المَحفَّةِ، فكان أوَّلَ ما قال فيها المنافِقونَ وغيرُهم مِمَّن اشتركوا في أمرِ عائشةَ أنَّها خرجَت تتوضَّأُ حين دنَوا من المدينَةِ فانسلَّ مِن عنقِها عِقدٌ لها مِن جزِعِ ظِفارٍ، فارتَحلَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ والنَّاسُ وهي في بِغاءِ العِقدِ ولم تعلَم برحيلهِم، فشدُّوا على بعيرِها المحفَّةَ وهم يرَونَ أنَّها فيها كما كانَت تكونُ، فرجَعت عائشَةُ إلى منزلِها فلم تجِدْ في العسكَرِ أحداً، وغلبَتها عَيناها، قال عروةُ وعَمرةُ: قالَت عائشةُ: وكان صفوانُ بن المعطَّلِ السُّلَميُّ صاحبُ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ تخلَّفَ تلكَ الليلةَ عن العسكرِ حتَّى أصبحَ، قالَت: فمرَّ بي، فرآني، فاستَرجع وأعظَم مكاني حينَ رآني وحدي، وقد كنتُ أعرِفُهُ ويعرفُني قبلَ أَن يُضرَبَ علَينا الحِجابُ، قالت: فسأَلني عَن أَمري، فسَترتُ وَجهي عنهُ بِجِلبابي وأخبرتُهُ بأمري، فقرَّبَ لي بعيرَه ووطِئَ على ذراعِهِ وولَّاني قَفاهُ حتى ركِبتُ وسوَّيتُ ثيابي، ثُمَّ بعثَهُ، فأقبل يسيرُ بي حتَّى دخَلنا المدينَةَ نِصفَ النَّهارِ، أو نحوَهُ، فهنالِكَ قال فيَّ وفيه مَن قال مِن أهلِ الإفكِ وأنا لا أعلَمُ شيئاً مِن ذلكَ ولا مِمَّا يخوضُ فيه النَّاسُ مِن أمري، فَكُنت تلك الليالي شاكيَةً، فكان أوَّلَ ما أنكَرتُ مِن أمرِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ كانَ يعودُني قبل ذلكَ إذا مرِضتُ، فكانَ تلك اللَّيالي لا يدخُلُ عليَّ ولا يعودُني، إلا إنَّهُ يقولُ وهو مارٌّ: كيفَ تيكُم؟ فيسألُ عنِّي بَعضَ أهل البيتِ، فلمَّا بلغَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عَليه وسلَّمَ ما أكثَر فيه النَّاسُ مِن أَمري غمَّهُ ذلِكَ، قالَت: وكنتُ شكوتُ إلى أُمِّي قبلَ ذلكَ ما رأيتُ من النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ من الجفوَةِ فقالَت لي يا بنيَّةُ اصبري، فواللَّهِ لقَلَّ ما كانَت امرأةٌ حسناءُ يُحبُّها زوجُها لها ضرائرُ إلا رمَينَها، قالَت: فوجدتُ تلكَ اللَّيلةَ التي بعَث النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مِن صُبحها إلى علِي بنِ أبي طالبٍ، وأسامةَ بنِ زيدٍ، فاستشارَهُما في أَمري، وكنَّا ذلك الزَّمانِ ليسَ لنا كنُفٌ نذهب فيها، وإنَّما كنَّا نذهُبُ كما يذهَبُ العربُ ليلًا إلى ليلٍ، فقلتُ لأمِّ مسطحِ بن أثاثةَ، وهي امرأةٌ من بني المطلِّبِ بن عبدِ منافٍ، خذي الإداوَةَ فاملَئيها ماءً فاذهبي بنا إلى المناصِعِ، وكانَت هي وابنُها مِسطحٌ بينَهم وبينَ أبي بكرٍ قرابَةٌ، وكان أبو بكرٍ يُنفقُ عليهِم، وكانوا يكونون معَهُ ومع أهلهِ، فأخَذَت الإداوَةَ وخرَجنا نحوَ المناصِعِ، وإنِّي لما شَقَّ عليَّ من الغائطِ، فعثَرتْ أمُّ مِسطَحٍ فقالَت: تَعِسَ مسطَحٌ، فقلت لها: بئسَ ما قلتِ، ثُمَّ مشَينا فعثرَت أيضا، فقالَت: تعِسَ مِسطحٌ فقلتُ لها بئسَ ما قلتِ لصاحِبِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وصاحِبِ بدرٍ ، فقالَت إنَّكِ لغافلةٌ عمَّا فيه النَّاسُ مِن أمرِكِ، فقلتُ أجَل، فما ذاكَ؟ قالت: إنَّ مِسطَحًا وفلانًا ، وفلانَةً، وغيرَهم، مِمَّنِ استزَلُّوهم مِن المنافِقينَ مُجتمعينَ في بيتِ عبدِ اللَّهِ بنِ أُبيِّ بنِ سَلولَ أخي بني الحارِثِ بنِ الخزرَجِ الأنصارِيِّ يتحدَّثونَ عنكِ وعَن صفوانِ بنِ المعطَّلِ، ويرمونَكِ بهِ، قالَت: فذهَب عنِّي ما كنتُ أجِد من الغائطِ، ورجعتُ عَودي على بَدئي إلى بَيتي، فلمَّا أصبَحنا مِن تلكَ اللَّيلةِ بعَث النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إلى عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وإلى أسامةَ بنِ زَيدٍ، فأخبرَهُما بما قيل فِيَّ، واستشارَهُما في أمري، فقال له أسامَةُ: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ ما علِمنا علَى أهلِكَ سوءًا، وقال له علِيٌّ: يا رسولَ اللَّهِ ما أكثرَ النِّساءَ، وإن أردتَ أن تعلَم الخبرَ فتواعَدِ الخادِمَ واضربْها تُخبِركَ، يعني بَريرةَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لعلِيِّ فشأنَكَ أنت بالخادِمِ، فسألها علِيٌّ عنِّي وتواعدَها فلم تُخبرْهُ والحمدُ لله إلَّا بخيرٍ، ثُمَّ ضربها وسألَها عنِّي فقالَت: واللَّه ما علِمتُ على عائشةَ سوءًا، إلا أنَّها جاريةٌ تصبِحُ عن عجينِ أهلِها فتدخُلُ الشَّاةُ الداجِنُ أو الدَّجاجُ فيأكلونَ منَ العجينِ، قالَت: ثُمَّ خرجَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلَّمَ حينَ سمعَ ما قالَت فيَّ بريرةُ لعليٍّ، فخرجَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إلى النَّاسِ، فلمَّا اجتَمعوا إليهِ قال: يا معشَر المسلِمينَ مَن لي مِن رجالٍ يُؤذونَني في أهلي، وما علِمتُ على أهلي سوءًا، ويَرمونَ رجُلًا مِن أصحابي ما علِمتُ عليه سوءًا، ولا خَرَجتُ مخرجًا إلَّا خرجَ مَعي، فقال سعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصارِيُّ ثُمَّ الأشهلِيُّ من الأوسِ: يا رسولَ اللَّهِ، لو كانَ ذلكَ في أحدٍ من الأوسِ كفَيناكاهُ، فقامَ سَعدُ بن عُبادَةَ الأنصاريُّ ثُمَّ الخزرجِيُّ فقالَ لسعدِ بنِ معاذٍ كذبتَ واللَّهِ وهذا الباطِلُ ، فقام أُسَيدُ بنُ الحُضيرِ الأنصارِيُّ ثُمَّ الأشهلِيُّ ورجالٌ من الفَريقينِ جميعًا فاستَّبوا وتنازَعوا حتَّى كادَ أن يعظُم الأمرُ بينهُم فدخلَ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّمَ بيتَهُ وبعثَ إلى أبوَيَّ، فأتياهُ فحمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ بِما هو أهلُهُ ثُمَّ قال لي يا عائشَةُ إنَّما أنتِ مِن بني آدمَ، فإن كنتِ أخطأتِ فتوبي إلى اللَّهِ واستَغفريهِ، فقلتُ لأبي أجِب عنِّي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: إنِّي لا أفعَلُ، هوَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وسلَّمَ والوحْيُ يأتيهِ، فقلتُ لأمِّي أجيبي عنِّي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَت لي كما قال لي أبي، فقلتُ: واللَّهِ لئن أقرَرتُ على نفسي بباطِلٍ لتُصدِّقُنَّني ولئن برَّأتُ نفسي واللَّهُ يعلَم أنِّي لبريئَةٌ لتُكذِّبُنَّني، فما أجدُ لي ولكُم إلَّا ما قالَ أبو يوسُفَ حينَ يقولُ فَصَبَرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ونسيتُ اسمَ يعقوبَ لما بي مِن الحُزنِ والبُكاءِ واحتراقِ الجَوفِ فتغَشَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ما كانَ يغشاهُ منَ الوحيِ، ثُمَّ سُرِّيَ عنهُ فمسحَ وجهَهُ بيديهِ ثُمَّ قال أبشِري يا عائشَةُ، قد أنزلَ اللَّهُ براءتَكِ، فقالَت عائشةُ فواللَّهِ ما كنتُ أظنُّ أنَّ يُنزَّلَ القُرآنُ في أمري، ولكنِّي كنتُ أرجو لما يعلَمُ اللَّهُ مِن بَراءتي أَن يُريَ اللَّهُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في أمري رُؤيا يبرِّئُني اللَّهُ بها عندَ نَبيِّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال لي أبواي عند ذلك قومي فقَبِّلي رأسَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقُلتُ واللَّهِ لا أفعَلُ، بِحَمدِ اللَّهِ كان ذلكَ لا بحمدِكُمْ ، فقالَت: وكان أبو بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ ينفقُ على مسطَحٍ وأمِّهِ، فلمَّا رماني حلَف أبو بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنه أن لا يَنفعَهُ بشيءٍ أبدًا، قالَت: فلمَّا تلا النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ علينا قولَ اللَّهِ تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ فبكَى أبو بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنه وقال: بلَى يا ربِّ، وعاد النَّفقةَ علَى مسطَحٍ وأمِّهِ، قالَت: وقعدَ صفوانُ بن المعطَّلِ لحسَّانَ بنِ ثابتٍ بالسَّيفِ فضربَهُ ضربَةً وقال صفوانُ لحسَّانَ في الشِّعرِ حينَ ضربَهُ: تَلقَّ ذُبابَ السَّيفِ عنكَ فإنَّني * غلامٌ إذا هُوجِيتُ لستُ بشاعِرِ * ولكنَّني أحْمي حِماتي وَأنتَقِمْ * مِن الباهتِ الرَّامي البَراءِ الطَّواهرِ. وصاح حسَّانُ واستغاث النَّاسَ على صفوانَ، فلمَّا جاء النَّاسُ فرَّ صفوانُ وجاء حسَّانُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّمَ فاستَعداهُ على صَفوانَ في ضربتِهِ إيَّاهُ فسألَهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّمَ أن يهَب له ضربَةَ صفوانَ إياه فوهبَها للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فعاضَه منها حائطًا من نخلً عظيم وجاريةٍ روميَّةٍ يقالُ أو قبطيَّةٍ تُدعى سيرينَ فوُلدَ لحسَّانَ ابنُهُ عبدُ الرَّحمنِ الشَّاعرُ قال أبو أُوَيسٍ: أخبرَني ذلكَ حُسَينُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنُ عبيدِ اللَّهِ بنُ عبَّاسٍ بنُ عبد المطَّلبِ عَن عِكرمةَ عَن عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ قالَت عائِشةُ: ثُم باعَ حسَّانُ ذلكَ الحائطَ من معاويةَ بن أبي سُفيان في ولايتِهِ بمالٍ عَظيمٍ قالَت عائشَةُ بلغني واللَّهُ أعلَمُ أنَّ الذي قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فيهِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ إنَّهُ عبدُ اللَّهِ بنُ أبيِّ بنِ سلولَ أحَدُ بني الحارثِ بنِ الخزرَجِ، قالَت عائشَةُ: فقيلَ في أصحابِ الإفكِ أشعارٌ، فقالَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضيَ اللَّهُ عنه: يا عوفُ ويحكَ هلَّا قلتَ عارفَةً * من الكَلامِ ولَم تَبتَغْ بهِ طَمَعًا * هلَّا جزَيتَ منَ الأقوامِ إذ حشَدوا * ولَم تَقول وإن عادَيتَهُم قَذعا * لَمَّا رميتَ حصانًا غيرَ مُقرِفَةٍ * أمينَةُ الجيبِ لَم يعلَم لَها خَضَعا * فيمَن رماها وكنتُم معشَرًا أُفُكًا * في سيِّئِ القَولِ مِن لفظِ الخنَا شُرُعَا * فأنزلَ اللَّهُ عذرًا في براءتِها * وبينَ عوفٍ وبينَ اللَّهِ ما صنَعا * فإن أعِش أجزِ عَوفًا في مقالتِهِ * شرَّ الجزاءِ بِما ألفَيتَهُ تَبعَا. وقالَت أمُّ سعدِ بنُ معاذٍ الأَشهَلِيُّ ثُمَّ الأوسِيُّ في الَّذين رمَوا عائشَةَ: تشهَدُ الأوسُ كهلُهَا وفَتاهَا * والخَماسِيُّ مِن نَسلِها والعَظيمُ * ونِساءُ الخَزرَجِيِّينَ يَشهَدنَ * بِحقٍّ فذلِكُم مَعلُومُ * أن ابنَتَ الصِّدِّيقِ كانَت حَصانًا * عفَّةَ الجَيبِ دينُها مُستَقيمُ * تَّتقي اللَّهَ في المغيبِ علَيها * نِعمةَ اللَّهِ سِترُها ما يَريمُ * خيرُ هذي النِّساءِ حالًا ونفسًا * وأبًا لِلعُلا نَماها كَريمُ * لِلمَوالي الأُولى رمَوها بإفكٍ * أخذَتْهم مقامِعٌ وجَحيمُ * ليتَ مَن كانَ قد بَغاها بِسَوءٍ * في حُطام حتَّى يتوبَ اللَّئيمُ * وعوانٍ مِن الحُروبِ تَلظَّى * بَينَنا فَوقها عَذابٌ صَريمُ * ليتَ سعدًا ومَن رمَاها بسَوءٍ * في كَظَاظٍ حتَّى يتوبَ الظُّلومُ. وقالَ حسَّانُ بنُ ثابِتٍ الأنصارِيُّ ثُمَّ النجَّاريُّ وهو يُبرِّئُ عائشَةَ مِمَّا قيلَ فيها ويعتَذرُ إليها فقَال في الشِّعرِ لها: حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِريبَةٍ * وتُصبِحُ غَرثَى مِن لُحومِ الغَوافِلِ * خَليلةُ خَيرِ النَّاسِ دينًا ومنصبًا * نَبِيُّ الهدى والمُكرَماتِ الفَواضِلِ * عَقيلَةُ حَيٍّ مِن لُؤيِّ بنِ غالِبِ * كِرامِ المساعي مَجدُها غيرُ زائلِ * مهذَّبةٌ قد طَيَّبَ اللَّهُ خَيمَها * وطَهَّرَها مِن كُلِّ سوءٍ وباطِلٍ * فإن كانَ ما قد جاءَ عنِّيَ قلتُهُ * فلا رفَعَت سَوطي إليَّ أنامِلي * وإنَّ الذي قد قيلَ ليس بِلائطٍ * بكَ الدَّهرَ بَل قولُ امرِئٍ غيرِ ماجِلِ * وكيفَ وَوُدِّي ما حَييتُ ونُصرَتي * لآلِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ زينِ المحافِلِ * لهُ رُتبٌ عالٍ على النَّاسِ فَضلُها * تقاصَرَ عنها سورَةُ المتطاوِلِ. قالوا أبو أُويسٍ: فأخبَرني أبي أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أمر بالَّذينَ رمَوا عائشَةَ فجَلدوا الحدَّ جميعًا ثمانين، وقالَ حسَّانُ في الشِّعرِ لَهُم حينَ جُلِدوا: لقَد ذاقَ عَبدُ اللَّهِ ما كان أهلَهُ * وحَمنَةُ إذ قالُوا هَجيرًا ومِسطَحُ تعاطَوا بِرجْمِ الغَيبِ زَوجَ نَبيِّهِمْ * وسُخطَةِ ذي العَرشِ الكريمِ فأبحَروا قال لنا أبو عليٍّ يحيى بن يعقوبَ: الصَّواب: وقَبَّحوا. وآذَوا رسولَ اللَّهِ فيها فعَمَّموا * مَخازيَ ذُلٍّ جلَّلوها وفضَّحوا * وصُبَّ عليهِم مُحمَداتٌ كأنَّها * شَآبيبُ قَطرٍ مِن ذُري المُزنِ تُدلِجُ. قال أبو علي: الشَّآبيبُ جمعُ شُؤبوبٍ، وهي الحُلبَةُ من الوابِلِ الشَّديدَةُ، ومُحمداتُ السِّياطِ المفتولَةِ. قال أبو أُوَيسٍ: وحدَّثَني الحسَنُ بنُ زَيدٍ بنِ الحسَنِ بنِ علِيٍّ بنِ أبي طالِبٍ عَن عَبدِ اللَّهِ ابنِ أبي بَكرٍ بنِ مُحمَّدٍ بن عَمرٍو بن حَزمٍ الأنصارِيِّ ثُمَّ النَّجَّاريِّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم جلدَ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ بن سَلولَ، ومِسطَحًا، وحمنَةَ، الحدودَ ثَمانينَ، ثَمانينَ، ثَمانينَ، في رميهِمْ عائشَةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. وقالَ أبو أُوَيسٍ قال الحسَنُ بنُ زيدٍ قالَ عبدُ اللَّهِ بن أبي بَكرٍ بلغَني أنَّ الَّذي قالَ اللَّهُ تعالى فيه في القُرآنِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ إنَّهُ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولَ. قالَ أبو أُوَيسٍ وحدَّثَني يزيدُ بنُ بَكرٍ الكنانِيُّ ثُمَّ الَّليثِيُّ عَن القاسِم بنِ مُحمَّدِ بنِ أبي بَكرٍ، أو عَن سعيدِ بن المسيَّبِ بنِ حَزنٍ المخزومِيِّ أنَّ الَّذي أنزَلَ اللَّهُ فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ إنَّهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولَ
يُحشَرُ النَّاسُ كَما وَلَدَتْهم أُمُّهُم، حُفاةً عُراةً غُرْلًا. فَقالت عائشَةُ: النِّساءُ والرِّجالُ، بِأبي أنتَ وأمِّي ؟! فَقال: نَعَم، فَقالت: واسَوْءَتاه! فَقال: ومِن أيِّ شيءٍ تَعجَبينَ يا بنتَ أبي بَكرٍ؟ قالتْ: عَجِبتُ مِن حَديثِك: يُحشَرُ الرِّجالُ والنِّساءُ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، يَنظُر بَعضُهُم إلى بعضٍ! قال: فَضَرَب على مَنكِبِها وقال: يا بنتَ أبي قُحافةَ، شُغِل النَّاسُ يَومئذٍ عنِ النَّظرِ، وسَمَوْا بِأَبصارِهم مَوْقوفينَ، لا يَأكُلونَ ولا يَشرَبون، شاخِصينَ بِأَبصارِهِم إلى السَّماءِ أَربعينَ سنةً؛ فمِنهُم مَن يَبلُغُ العَرَقُ قَدَمَيه، ومِنهُم مَن يَبلُغُ ساقَيهِ، ومِنهُم مَن يَبلُغ بَطنَه، ومِنهُم مَن يُلجِمُه العَرَقُ مِن طولِ الوقوفِ، ثُمَّ يَرحَمُ اللهُ مِن بعدِ ذلك العِبادَ، فيَأمُرُ اللهُ المَلائكةَ المُقرَّبينَ، فيَحمِلون عَرْشَه مِنَ السَّمواتِ إلى الأَرضِ، حتَّى يوضَعَ عَرشُه في أرضٍ بَيضاءَ لم يُسفَكْ عليها دمٌ، ولَم تُعمَلْ فيها خَطيئةٌ، كأنَّها الفِضَّةُ البَيضاءُ، ثُمَّ تَقومُ المَلائكةُ حافِّينَ مِن حولِ العَرشِ، وذلكَ أوَّلُ يومٍ نَظرَتْ عينٌ إلى اللهِ، فيَأمُرُ مناديًا، فيُنادي بِصوتٍ يَسمَعُه الثَّقلانِ مِن الجنِّ والإنسِ: أينَ فُلانُ بنُ فُلانِ بنِ فُلانِ بنِ فُلانِ؟ فيَشْرَئِبُّ النَّاسُ لِذلكَ الصَّوتِ، ويَخرُجُ ذلكَ المُنادي مِنَ المَوقفِ، فيَعرِّفُه اللهُ للنَّاسِ. ثُمَّ يُقالُ: تَخرُجُ معَه حَسناتُه، يُعرِّفُ اللهُ أهلَ المَوقفِ بتلكَ الحَسناتِ، فإذا وَقَف بينَ يدَيْ ربِّ العالَمينَ، قيل: أينَ أَصحابُ المَظالمِ؟ فيُجيبونَ رجلًا، فيُقالُ لكلِّ واحدٍ مِنهُم: أَظَلَمتَ فُلانًا لِكَذا وَكذا؟ فيَقولُ: نَعم يا ربِّ، فَذلكَ اليومُ الَّذي تَشهَدُ عَليهِم أَلسِنَتُهم وأَيديهِم وأَرجُلُهم بِما كانوا يَعمَلونَ، فتُؤخَذُ حَسَناتُ الظَّالمِ فتُدفَعُ إلى مَن ظَلَمَه، ثَمَّ لا دينارٌ ولا دِرهمٌ إلَّا أُخِذ مِن الحَسناتِ، ورُدَّ مِن السِّيئاتِ، فَلا يَزالُ أَصحابُ المَظالِم يَستوْفونَ مِن حَسناتِ الظَّالمِ حتَّى لا تَبْقى له حَسنةٌ، ثُمَّ يَقومُ مَن بَقي ممَّن لم يَأخُذْ شيئًا، فيَقولونَ: ما بالُ غَيرِنا استَوفَى ومُنِعْنا؟ فيُقالُ لَهُم: لا تَعجَلوا، فيُؤخَذُ مِن سيِّئَاتِهم، فتُرَدُّ عَليه، حتَّى لا يَبقى أَحدٌ ظَلمَه بِمَظلِمةٍ، فيُعرِّفُ اللهُ أهلَ المَوقفِ أَجمَعينَ ذلكَ، فإذا فَرَغَ مِن حسابِ الظَّالمِ قيلَ: ارجِع إلى أُمِّك الهاويَةِ، فإنَّه لا ظُلمَ اليومَ، إنَّ اللهَ سريعُ الحِسابِ، ولا يَبقى يَومئِذٍ مَلَكٌ، ولا نَبيٌّ مُرسلٌ، ولا صِدِّيقٌ، ولا شَهيدٌ، إلَّا ظنَّ لِما رَآه مِن شِدَّةِ الحسابِ أنَّه لا يَنجو، إلَّا مَن عَصَمَه اللهُ عزَّ وجلَّ
يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ كما ولَدَتْهُم أُمَّهاتُهم: حُفاةً، عُراةً، غُرْلًا، فقالت عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها: والنِّساءُ بأبي أنت وأُمِّي؟ فقال: نعمْ، فقالت: واسوأَتاهُ! فقال: ومِن أيِّ شَيءٍ عجِبْتِ يا بِنتَ أبي بكرٍ؟ قلْتُ: عجِبْتُ مِن حَديثِك: يُحشَرُ الرِّجالُ والنِّساءُ عُراةً حُفاةً غُرْلًا، يَنظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ، قال: فضرَبَ على مَنْكِبِها، فقال: يا بِنتَ أبي قُحافةَ، شُغِلَ النَّاسُ يومئذٍ عن النَّظرِ، وتَسْمو أبصارُهم، مَوقوفونَ أربعينَ سَنةً، لا يأْكُلون ولا يَشْربون، مُتآمِّينَ بأبصارِهم إلى السَّماءِ أربعينَ سنةً، فمنهم مَن يَبلُغُ العرَقُ قدَمَيْه، ومنهم مَن يَبلُغُ ساقَهُ، ومنهم مَن يَبلُغُ بطْنَه، ومنهم مَن يُلْجِمُه العرَقُ مِن طُولِ الوُقوفِ، ثمَّ يَرحَمُ اللهُ بعْدَ ذلك العِبادَ، فيأمُرُ الملائكةَ المُقرَّبينَ، فيَحْمِلون عرْشَه مِن السَّمواتِ إلى الأرضِ، حتَّى يُوضَعَ عرْشُه في أرضٍ بَيضاءَ، لم يُسْفَكْ عليها دَمٌ، ولم يُعْمَلْ فيها خَطيئةٌ، كأنَّها الفِضَّةُ البيضاءُ، ثمَّ تقومُ الملائكةُ حافِّينَ مِن حولِ العرشِ، وذلك أوَّلُ يومٍ نظَرَتْ فيه عينٌ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ثمَّ يأمُرُ مُنادِيًا فيُنادي بصَوتٍ يَسمَعُه الثَّقلانِ مِن الجنِّ والإنسِ: أين فُلانُ بنُ فلانِ بنِ فُلانِ بنِ فُلانٍ؟ فيَشْرَئِبُّ لذلك، ويَخرُجُ ذلك المُنادي مِن الموقِفِ، فيُعرِّفُه اللهُ النَّاسَ، ثمَّ يُقال: تَخرُجُ معه حَسناتُه، فيُعرِّفُ اللهُ أهْلَ الموقفِ تلك الحَسناتِ، فإذا وقَفَ بيْن يدَيْ ربِّ العالمينَ تبارَكَ وتعالى، قِيل: أينَ صاحِبُ المظالِمِ؟ فيَجيئونَ رجُلًا رجُلًا، فيُقالُ له: أظلمْتَ فُلانًا بكذا وكذا؟ فيقولُ: نعمْ يا ربِّ، فذلك اليومُ الَّذي تَشهَدُ عليهم ألْسِنَتُهم وأيدِيهم وأرجُلُهم بما كانوا يَعْمَلون، فتُؤخَذُ حَسناتُه، فتُدْفَعُ إلى مَن ظلَمَه يومَ لا دِينارٌ ولا دِرهمٌ، إلَّا أخْذٌ مِن الحَسناتِ ورَدٌّ مِن السَّيِّئاتِ، فلا تَزالُ أصحابُ المظالمِ يَسْتوفون مِن حَسناتِه، حتَّى لا تَبْقى له حَسنةٌ، ثمَّ يقومُ مَن بقِيَ ممَّن لم يأخُذْ شيئًا، فيقولونَ: ما بالُ غَيرِنا اسْتوفى وبقِينَا؟ فيُقال لهم: لا تَعْجَلوا، فيُؤخَذُ مِن سيِّئاتِهم، فتُرَدُّ عليه حتَّى لا يَبْقى أحدٌ ظُلِمَ بمَظلمةٍ، فيُعرِّفُ اللهُ أهْلَ الموقفِ أجمعينَ ذلك، فإذا فرَغَ مِن حَسناتِه، قِيل: ارجِعْ إلى أُمِّك الهاويةِ؛ فإنَّه لا ظُلْمَ اليومَ، إنَّ اللهَ سريعُ الحسابِ، فلا يَبْقى يومئذٍ مَلَكٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولا صِدِّيقٌ ولا شهيدٌ، ولا بَشرٌ؛ إلَّا ظَنَّ- ممَّا رأى مِن شِدَّةِ الحسابِ- أنَّه لا يَنْجو، إلَّا مَن عصَمَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ
«أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَضى لسَفَرِه وخَرَجَ لعَشْرٍ مَضَيْنَ مِن رَمَضانَ، فصامَ وصامَ النَّاسُ معَه حتَّى إذا كانَ بالكَديدِ أَفطَرَ، ثُمَّ مَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرانِ في عَشَرةِ آلافٍ مِن المُسلِمينَ، فسَبَّعَتْ سُلَيمٌ وألَّفَتْ مُزَينةُ، فلمَّا نَزَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعْني مَرَّ الظَّهْرانِ وقد عَمِيَتِ الأخْبارُ على قُرَيشٍ فلا يَأتيهم خَبَرٌ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولا يَدْرونَ ما هو فاعِلٌ، خَرَجَ في تلك اللَّيْلةِ أبو سُفْيانَ بنُ حَرْبٍ، وحَكيمُ بنُ حِزامٍ، وبُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ يَتَحَسَّبونَ ويَنظُرونَ هلْ يَجِدونَ خَبَرًا أو يَسْمَعونَه، فلمَّا نَزَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَرَّ الظَّهْرانِ قالَ العبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ قُلْتُ: واصَباحَ قُرَيشٍ! لَئِنْ دَخَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَكَّةَ عَنْوةً قَبْلَ أن يَأتوه فيَسْتَأْمِنوه إنَّه لَهَلاكُ قُرَيشٍ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، قالَ: فجَلَسْتُ على بَغْلةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ البَيْضاءِ، فخَرَجْتُ عليها حتَّى جِئْتُ لِأراك أَقولُ لَعَلِّي أَلْقى بعضَ الحَطَّابةِ أو صاحِبَ لَبَنٍ أو ذا حاجةٍ يَأتيهم فيُخبِرُهم بمَكانِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليَخْرُجوا إليه، قالَ: فوَاللهِ إنِّي لأسيرُ عليها وألْتَمِسُ ما خَرَجَتْ له إذْ سَمِعْتُ كَلامَ أبي سُفْيانَ، وبُدَيْلِ بنِ وَرْقاءَ وهُما يَتَراجَعانِ، وأبو سُفْيانَ يقولُ: ما رَأيْتُ كاللَّيْلةِ نيرانًا قَطُّ ولا عَسكَرًا - قالَ: قالَ بُدَيْلٌ: هذه واللهِ خُزاعةُ حَمَشَتْها الحَرْبُ، قالَ: قالَ أبو سُفْيانَ: خُزاعةُ واللهِ أَذَلُّ وأَلْأَمُ مِن أن يكونَ هذه نيرانَ خُزاعةَ وعَسكَرَها، فعَرَفْتُ صَوْتَ أبي سُفْيانَ، فقُلْتُ: يا أبا حَنْظَلةَ، فعَرَفَ صَوْتي، فقالَ أبو الفَضْلِ؟ قالَ: قُلْتُ: نَعمْ، قالَ: قالَ: ما لك فِداك أبي وأُمِّي! قالَ: قُلْتُ: وَيْلَك هذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في النَّاسِ، واصَباحَ قُرَيشٍ واللهِ! قالَ: فما الحيلةُ فِداك أبي وأُمِّي؟ قالَ: قُلْتُ: لا واللهِ إلَّا أن تَركَبَ في عَجُزِ هذه الدَّابَّةِ فآتيَ بك رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فإنَّه واللهِ إن ظَفِرَ بك لَيَضرِبَنَّ عُنُقَك -قالَ: فرَكِبَ في عَجُزِ البَغْلةِ ورَجَعَ صاحِباه - قالَ: فكلَّما مَرَرْتُ بنارٍ مِن نيرانِ المُسلِمينَ، قالوا: مَن هذا؟ فإذا نَظَروا قالوا: عَمُّ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على بَغْلتِه، حتَّى مَرَرْتُ بنارِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فقالَ: مَن هذا؟ وقامَ إليَّ، فلمَّا رآه على عَجُزِ الدَّابَّةِ عَرَفَ، وقالَ: أبو سُفْيانَ عَدُوُّ اللهِ! الحَمْدُ للهِ الَّذي أَمكَنَ مِنك، وخَرَجَ يَشتَدُّ نَحْوَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورَكَضَتِ البَغْلةُ فسَبَقَتْه بما تَسبِقُ الدَّابَّةُ البَطيئةُ الرَّجُلَ البَطيءَ، ثُمَّ أَقْحَمْتُ عن البَغْلةِ ودَخَلْتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وجاءَ عُمَرُ فدَخَلَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، هذا أبو سُفْيانَ قد أَمكَنَ اللهُ مِنه بغَيْرِ عَقْدٍ ولا عَهْدٍ، فدَعْني فأَضرِبَ عُنُقَه، قالَ: قُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي قد أَجَرْتُه، قالَ: ثُمَّ جَلَسْتُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأخَذْتُ برَأسٍ، فقُلْتُ: واللهِ لا يُناجيه يَعْني اللَّيلةَ رَجُلٌ دوني، فلمَّا أَكثَرَ عُمَرُ في شَأنِه، قُلْتُ: مَهْلًا يا عُمَرُ، فلمَّا أَكثَرَ عُمَرُ في شَأنِه قُلْتُ: مَهْلًا يا عُمَرُ، فلمَّا أَكثَرَ عُمَرُ في شَأنِه قُلْتُ: مَهْلًا يا عُمَرُ، أَمَا واللهِ لو كانَ مِن بَني عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ ما قُلْتَ هذا! ولكنْ قد عَرَفْتَ أنَّه رَجُلٌ مِن بَني عَبْدِ مَنافٍ، قالَ: مَهْلًا يا عبَّاسُ، فوَاللهِ لَإسْلامُك يَوْمَ أَسلَمْتَ كانَ أَحَبَّ إليَّ مِن إسْلامِ الخَطَّابِ! وما بي إلَّا أنِّي قد عَرَفْتُ أنَّ إسْلامَك كانَ أَحَبَّ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن إسْلامِ الخطَّابِ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اذْهَبْ به إلى رَحْلِك، فإذا أَصبَحْتَ فأْتِنا به، قالَ: فذَهَبْتُ به إلى رَحْلي، فلمَّا أَصبَحْتُ غَدَوْتُ به إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا رآه قالَ: وَيْحَك يا أبا سُفْيانَ، أَلَمْ يَأْنِ لك أن تَشهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ؟ قالَ: بأبي أنت وأُمِّي! ما أَحلَمَك وأَكرَمَك وأَوصَلَك! أَمَا واللهِ لقد كادَ يَقَعُ في نَفْسي أن لو كانَ معَ اللهِ غَيْرُه لقد أَغْنى شَيئًا بَعْدُ! قالَ: وَيْلَك يا أبا سُفْيانَ، أَلَمْ يَأنِ لك أن تَشهَدَ أنِّي رَسولُ اللهِ؟ قالَ: بأبي وأُمِّي أنت ما أَحلَمَك وأَكرَمَك وأَوصَلَك! أَمَا واللهِ هذه فإنَّ في النَّفْسِ مِنها حتَّى الآنَ شَيئًا، قالَ العبَّاسُ: قُلْتُ: وَيْلَك أَسْلِمْ، واشْهَدْ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ قَبْلَ أن تُضرَبَ عُنُقُك، قالَ: فشَهِدَ شَهادةَ الحَقِّ وأَسلَمَ. قالَ العبَّاسُ: فقُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هذا الفَخْرَ فاجْعَلْ له شَيئًا، قالَ: نَعمْ، مَن دَخَلَ دارَ أبي سُفْيانَ فهو آمِنٌ، ومَن أَغلَقَ عليه بابَه فهو آمِنٌ، قالَ: فلمَّا ذَهَبْتُ لأَنصَرِفَ قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا عبَّاسُ، احْبِسْه بمَضيقِ الوادي عِنْدَ خَطْمِ الجَبَلِ حتَّى تَمُرَّ به خُيولُ اللهِ فيَراها، قالَ: فحَبَسْتُه حيثُ أمَرَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ومَرَّتْ به القَبائِلُ على راياتِها، فكلَّما مَرَّتْ به قَبيلةٌ، قالَ: مَن هذه؟ قالَ: قُلْتُ: بَنو سُلَيْمٍ، قالَ: يقولُ: ما لي ولبَني سُلَيْمٍ، ثُمَّ تَمُرُّ القَبيلةُ، فيقولُ: مَن هذه؟ فأقولُ: مُزَيْنةُ، فيقولُ: ما لي ولمُزَيْنةَ، حتَّى نَفِدَتِ القَبائِلُ، لا تَمُرُّ قَبيلةٌ إلَّا سَألَني عنها فأُخبِرُه، إلَّا قالَ: ما لي ولبَني فُلانٍ، قالَ: حتَّى مَرَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الخَضْراءِ؛ كَتيبةٌ فيها المُهاجِرونَ والأنْصارُ لا يُرى مِنهم إلَّا الحَدَقُ في الحَديدِ، قالَ: سُبْحانَ اللهِ! مَن هؤلاء يا عبَّاسُ؟ قالَ: قُلْتُ: هذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المُهاجِرينَ والأنْصارِ، قالَ: قالَ: ما لِأحَدٍ بهؤلاء قِبَلٌ، واللهِ يا أبا الفَضْلِ لقد أَصبَحَ مُلْكُ ابنِ أخيك الغَداةَ عَظيمًا! قالَ: قُلْتُ: وَيْحَك يا أبا سُفْيانَ إنَّها النُّبُوَّةُ، قالَ: فنَعمْ، قالَ: قُلْتُ: النَّجاءَ إلى قَوْمِك، لِتَخرُجْ إليهم، حتَّى إذا جاءَهم صَرَخَ بأَعْلى صَوْتِه: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، هذا مُحمَّدٌ قد جاءَكم فيما لا قِبَلَ لكم به، فمَن دَخَلَ دارَ أبي سُفْيانَ فهو آمِنٌ، قالَ: فقامَتْ إليه هِنْدُ بِنْت عُتْبةَ، فأخَذَتْ بشارِبَيه، فقالَتْ: اقْتُلوا الحَميتَ الدَّسِمَ الأَحمَشَ تينى -ولَعَلَّه بَئِسَ- مِن طَليعةِ قَوْمٍ، قالَ: وَيْلَكم لا تَغُرَّنَّكم هذه مِن أنْفُسِكم؛ فإنَّه قد جاءَ ما لا قِبَلَ لكم به، مَن دَخَلَ دارَ أبي سُفْيانَ فهو آمِنٌ، فقالوا: قاتَلَك اللهُ وما تُغْني عنَّا دارُك؟ ومَن أَغلَقَ بابَه فهو آمِنٌ»
11
◔ غير محدد📌 رَحِمَ اللهُ امرأً سهْلَ البيعِ سهْلَ الشِّراءِ، سهْلَ الأخذِ سهْلَ العَطاءِ، سهْلَ القَضاءِ، سهْلَ التَّقاضي
انطَلَقتُ إلى المدينةِ، فنَزَلتُ عندَ الوادي، فإذا رَجُلانِ بينَهُما عَنزٌ واحدةٌ، وإذا المُشْتَري يقولُ للبائعِ: أحسِنْ مُبايَعَتي، قال: فقُلتُ في نَفْسي: هذا الهاشِميُّ الذي قد أضَلَّ النَّاسَ، أهو هو؟! قال: فنَظَرتُ فإذا رَجُلٌ حَسَنُ الجِسمِ، عَظيمُ الجَبهةِ، دَقيقُ الأنْفِ، دَقيقُ الحاجبَيْنِ، وإذا من ثُغْرةِ نَحْرِه إلى سُرَّتِه مِثلُ الخَيطِ الأسوَدِ، شَعَرٌ أسوَدُ، وإذا هو بين طِمرَيْنِ، قال: فَدَنا مِنَّا فقال: السَّلامُ عليكم، فرَدَدْنا عليه، فلم ألْبَثْ أنْ دَعا المشترِيَ فقال: يا رسولَ اللهِ، قُلْ له: يُحْسِنْ مبايَعَتي، فمَدَّ يَدَه، وقال: أموالَكم تَملِكونَ؛ إنِّي أرْجو أنْ ألْقَى اللهَ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ لا يَطلُبُني أحَدٌ منكم بشَيءٍ ظَلَمتُه في مالٍ، ولا في دمٍ، ولا عِرْضٍ إلَّا بحَقِّه، رَحِمَ اللهُ امرأً سهْلَ البيعِ سهْلَ الشِّراءِ، سهْلَ الأخذِ سهْلَ العَطاءِ، سهْلَ القَضاءِ، سهْلَ التَّقاضي، ثمَّ مضى، فقُلتُ: واللهِ لأقضِيَنَّ هذا؛ فإنَّهُ حَسَنُ القولِ، فتَبِعتُه، فقُلتُ: يا مُحمَّدُ، فالتفَتَ إليَّ بجميعِه، فقال: ما تَشاءُ؟ فقُلتُ: أنتَ الذي أضللْتَ الناسَ وأهلكْتَهم وصدَدْتَهم عمَّا كانَ يعبُدُ آباؤُهم؟ قالَ: ذاكَ اللهُ! قال فقُلتُ: ما تَدْعو إليه؟ قالَ: أدْعو عِبادَ اللهِ إلى اللهِ، قالَ: قُلتُ: ما تقولُ؟ قالَ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي مُحمَّدٌ رَسولُ اللهِ، وتُؤمِنُ بما أنزلَهُ عليَّ، وتكفُرُ باللاتِ والعُزَّى، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتي الزَّكاةَ، قالَ: قُلتُ: وما الزَّكاةُ؟ قالَ: يَرُدُّ غَنِيُّنا على فَقيرِنا، قال: قُلتُ: نِعْمَ الشَّيءُ تدعو إليهِ، قال: فلقد كان وما في الأرضِ أحَدٌ يتنفَّسُ أبغَضُ إليَّ منهُ، فما بَرِحَ حتى كانَ أحبَّ إليَّ من وَلَدي ووالِدي ومن النَّاسِ أجْمَعينَ، قال: فقُلتُ: قد عَرَفتُ، قالَ: قد عَرَفتَ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: تَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي مُحمَّدٌ رسولُ اللهِ، وتُؤمِنُ بما أُنزِلَ عليَّ؟ قال: قُلتُ: نَعَمْ يا رسولَ اللهِ، إنِّي أرِدُ ماءً عليهِ كثيرٌ منَ النَّاسِ، فأَدْعُوَهم إلى ما دَعَوْتَني إليهِ، فإنِّي أرْجو أنْ يَتَّبِعوكَ، قالَ: نَعَمْ، فادْعُهم، فأسْلَمَ أهلُ ذلكَ الماءِ؛ رِجالُهم ونِساؤُهم، فمَسَحَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم رأسَهُ
إنَّ الميِّتَ إذا وُضِع في قبرِه إنَّه يسمَعُ خَفْقَ نعالِهم حينَ يولُّونَ عنه فإنْ كان مؤمنًا كانتِ الصَّلاةُ عندَ رأسِه وكان الصِّيامُ عن يمينِه وكانتِ الزَّكاةُ عن شِمالِه وكان فعلُ الخيراتِ مِن الصَّدقةِ والصِّلةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى النَّاسِ عندَ رِجْلَيْهِ فيؤتى مِن قِبَلِ رأسِه فتقولُ الصَّلاةُ: ما قِبَلي مدخلٌ ثمَّ يؤتى عن يمينِه فيقولُ الصِّيامُ: ما قِبَلي مدخلٌ ثمَّ يؤتى عن يسارِه فتقولُ الزَّكاةُ: ما قِبَلي مدخلٌ ثمَّ يؤتى مِن قِبَل رِجْليهِ فتقولُ فعلُ الخيراتِ مِن الصَّدقةِ والصِّلةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى النَّاسِ: ما قِبَلي مدخلٌ فيُقالُ له: اجلِسْ فيجلِسُ وقد مُثِّلَتْ له الشَّمسُ وقد أُدنِيَت للغروبِ فيُقالُ له: أرأَيْتَك هذا الرَّجلَ الَّذي كان فيكم ما تقولُ فيه وماذا تشهَدُ به عليه ؟ فيقولُ: دعوني حتَّى أُصلِّيَ فيقولونَ: إنَّك ستفعَلُ أخبِرْني عمَّا نسأَلُك عنه أرأَيْتَك هذا الرَّجلَ الَّذي كان فيكم ما تقولُ فيه وماذا تشهَدُ عليه ؟ قال: فيقولُ: محمَّدٌ أشهَدُ أنَّه رسولُ اللهِ وأنَّه جاء بالحقِّ مِن عندِ اللهِ فيُقالُ له: على ذلك حَيِيتَ وعلى ذلك مِتَّ وعلى ذلك تُبعَثُ إنْ شاء اللهُ ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ مِن أبوابِ الجنَّةِ فيُقالُ له: هذا مقعَدُك منها وما أعَدَّ اللهُ لك فيها فيزدادُ غِبطةً وسرورًا ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ مِن أبوابِ النَّارِ فيُقالُ له: هذا مقعَدُك منها وما أعَدَّ اللهُ لك فيها لو عصَيْتَه فيزدادُ غِبطةً وسرورًا ثمَّ يُفسَحُ له في قبرِه سبعونَ ذراعًا ويُنوَّرُ له فيه ويُعادُ الجسدُ لِما بدَأ منه فتُجعَلُ نسَمتُه في النَّسمِ الطَّيِّبِ وهي طيرٌ يعلُقُ في شجرِ الجنَّةِ قال: فذلك قولُه تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] قال: وإنَّ الكافرَ إذا أُتي مِن قِبَل رأسِه لم يوجَدْ شيءٌ ثمَّ أُتي عن يمينِه فلا يوجَدُ شيءٌ ثمَّ أُتي عن شِمالِه فلا يوجَدُ شيءٌ ثمَّ أُتي مِن قِبَلِ رِجْليهِ فلا يوجَدُ شيءٌ فيُقالُ له: اجلِسْ فيجلِسُ خائفًا مرعوبًا فيُقالُ له: أرأَيْتَك هذا الرَّجلَ الَّذي كان فيكم ماذا تقولُ فيه ؟ وماذا تشهَدُ به عليه ؟ فيقولُ: أيُّ رجُلٍ ؟ فيُقالُ: الَّذي كان فيكم فلا يهتدي لاسمِه حتَّى يُقالَ له: محمَّدٌ فيقولُ: ما أدري سمِعْتُ النَّاسَ قالوا قولًا فقُلْتُ كما قال النَّاسُ فيُقالُ له: على ذلك حَيِيتَ وعلى ذلك مِتَّ وعلى ذلك تُبعَثُ إنْ شاء اللهُ ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ مِن أبوابِ النَّارِ فيُقالُ له: هذا مقعَدُك مِن النَّارِ وما أعَدَّ اللهُ لك فيها فيزدادُ حسرةً وثُبورًا ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ مِن أبوابِ الجنَّةِ فيُقالُ له: ذلك مقعَدُك مِن الجنَّةِ وما أعَدَّ اللهُ لك فيه لو أطَعْتَه فيزدادُ حسرةً وثُبورًا ثمَّ يُضيَّقُ عليه قبرُه حتَّى تختلفَ فيه أضلاعُه فتلك المعيشةُ الضَّنْكةُ الَّتي قال اللهُ: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]
عن أبي هريرةَ قال إنَّ الميتَ لَيسمعُ خفقَ نعالِهم إذا ولَّوا عنه مُدبرينَ فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاةُ عند رأسِه والزكاةُ عن يمينِه وكان الصيامُ عن يسارِه وكان فعلُ الخيراتِ من الصدقةِ والصلةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى الناسِ عند رجليه فيؤتَى مِنْ عندِ رأسِهِ فتقولُ الصلاةُ ما قِبَلِي مُدخَلٌ فيؤتَى مِنْ عندِ يمينِهِ فتقولُ الزكاةُ ما قِبَلِي مَدخلٌ فيُؤتَى عن يسارِه فيقولُ الصيامُ ما قِبَلِي مَدخلٌ فيؤتَى مِنْ عندِ رجلَيهِ فيقولُ فعلُ الخيراتِ مِنَ الصدقةِ والصلةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى الناسِ ما قِبَلِي مَدخلٌ فيقالُ له اجلسْ فيجلسُ قدْ مُثِّلَتْ له الشمسُ قد دنت للغروبِ فيقالُ له أخبرْنا عما نسألُكَ فيقولُ دَعوني حتى أُصَلِّيَ فيقالُ له إنكَ ستفعلُ فأخبرْنا عمَّ نسألُكَ عنه فيقولُ وعمَّ تسألوني فيقالُ أرأيتَ هذا الرجلَ الذي كان فيكم ماذا تقولُ فيه وما تشهدُ به عليه فيقولُ أمحمدٌ فيقالُ له نعم فيقولُ أشهدُ أنه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأنه جاء بالبيناتِ من عند اللهِ فصدَّقناه فيقالُ له على ذلكَ حييتَ وعلى ذلك متَّ وعلى ذلك تبعثُ إن شاء اللهُ ثم يُفسحُ له في قبرِهِ سبعونَ ذراعًا ويُنوَّرُ له فيه ثم يُفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ فيقالُ له انظُرْ إلى ما أعدَّ اللهُ له لك فيها فيزدادُ غِبطةً وسرورًا ثم يُفتحُ له بابٌ إلى النارِ فيقالُ له انظرْ ما صرف اللهُ عنكَ لو عصيتَه فيزدادُ غِبطةً وسُرورًا ثم يُجعلُ نسَمةً في النسَمِ الطيِّبِ وهي طيرٌ خضرٌ تعلقُ شجرَ الجنةِ ويُعادُ الجسدُ إلى ما بُدئَ منه مِنَ الترابِ وذلك قولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} عنِ الحكمِ بنِ ثوبانَ ثم يقالُ له نمْ فينامُ نومةَ العروسِ لا يوقظُهُ إلا أحبُّ أهلِهِ إليه قال أبو هريرةَ وإن كان كافرًا فيؤتَى من قِبَلِ رأسِه فلا يوجدُ شيءٌ ثم يؤتَى عن يمينِه فلا يوجدُ شيءٌ ثم يُؤتَى عن شمالِه فلا يوجدُ شيءٌ ثم يُؤتَى من قبلِ رجلَيه فلا يوجدُ شيءٌ فيقالُ له اجلسْ فيجلس فزعًا مرعوبًا فيقال له أخبرْنا عمَّ نسألُكَ عنه فيقولُ وعمَّ تسألونَ قالوا إنا نسألُكَ عن هذا الرجلِ الذي كان فيكم ماذا تقولُ فيه وماذا تشهدُ به عليه فيقولُ أيُّ رجلٍ فيقالُ هذا الرجلُ الذي كان فيكم فلا يهتدي لاسمِه فيقالُ له محمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيقولُ لا أدري سمعتُ الناسَ يقولون قولًا فقلتُ كما قالوا فيقالُ له على ذلك حييتَ وعلى ذلك متَّ وعلى ذلك تُبعثُ إن شاء اللهُ ثم يُفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ فيقالُ له ذلك مقعدُكَ منها وما أعدَّ اللهُ لكَ فيها لو أطعتَه فيزدادُ حسرةً وثُبورًا ثم يُضَيَّقُ عليه قبرُهُ حتى تختلفَ فيه أضلاعُهُ وهي المعيشةُ الضنكُ قال اللهُ تعالى ذكرُه { مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى }
إذا وُضِع الميتُ في قبرِه قال : إنه يَسمَعُ خفقَ نعالِهم حين يولُّونَ عنه ، فإذا كان مؤمنًا كانتِ الصلاةُ عندَ رأسِه ، والصيامُ عن يمينِه ، والزكاةُ عن يسارِه ، وفِعلُ الخيراتِ منَ الصدَقَةِ والصلةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى الناسِ عندَ رِجلَيه ، فيؤتى مِن قبلِ رأسِه فتقولُ الصلاةُ ما قبلي مدخلٌ ، ويؤتى عن يمينِه فيقولُ الصيامُ ما قبلي مدخلٌ ، ويؤتى عن يسارِه فتقولُ الزكاةُ ما قبلي مدخلٌ ، ويؤتى مِن قبلِ رِجلَيه فيقولُ فعلُ الخيراتِ منَ الصدَقَةِ والصلاةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى الناسِ ما قبلي مدخلٌ : فيقالُ : اجلِسْ ، فيجلِسُ قد مُثِّلَتْ له الشمسُ قد دنَتْ منَ الغروبِ ، فيُقالُ له : أخبِرْنا عن هذا الرجلِ الذي كان فيكم ؟ ماذا تقولُ فيه ؟ وماذا تشهَدُ به عليه ؟ فيقولُ : دعوني أصلِّي ، فيقالُ : أخبِرْنا عما نسألُكَ عنه ، أخبِرْنا عن هذا الرجلِ الذي كان فيكم ماذا تشهدُ به عليه ؟ فيقولُ : محمدٌ ، أشهدُ أنه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، وأنه جاءنا بالحقِّ مِن عندِ اللهِ ، فيقالُ له : على ذلك حَييتَ ، وعلى ذلك مِتَّ ، وعلى ذلك تُبعَثُ إن شاء اللهُ ثم يفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ فيقالُ له : ذاكَ مَقعَدُكَ فيها وما أعَدَّ اللهُ لكَ فيها فيزدادُ غِبطةً وسرورًا ثم يفتحُ له بابٌ إلى النارِ فيقالُ : ذاكَ مقعدُكَ فيها وما أعَدَّ اللهُ لكَ فيها لو عصيتَه ، فيزدادُ غِبطةً وسرورًا ، ثم يُفسَحُ له سبعونَ ذراعًا في قبرِه وينورُ له فيه فذلك قولُه تعالى : يثبتُ اللهُ الذينَ آمَنوا بالقولِ الثابتِ ... الآية ثم يُعادُ الجسدُ لما بدَأ منه إلى الترابِ - قال محمدٌ : فحدَّثني عُمرُ بنُ الحكَمِ بنِ ثَوبانَ : فنام نومةَ العروسِ لا يوقِظُه إلا أحَبُّ أهلِه إليه ثم عاد إلى حديثِ أبي هريرةَ - قال : وإن كان كافرًا أُتي مِن قِبلِ رأسِه فلا يوجَدُ له شيءٌ ، ويؤتى عن يمينِه فلا يوجَدُ له شيءٌ ، ويؤتَى عن يسارِه فلا يوجَدُ له شيءٌ ، ويؤتى مِن قبلِ رِجلَيه فلا يوجَدُ له شيءٌ ، فقال له : اجلِسْ فيجلِسُ خائفًا مرعوبًا ، فيقالُ له : أخبِرْنا عن هذا الرجلِ الذي كان فيكم ماذا تقولُ فيه ؟ فيقولُ : سمِعتُ الناسَ يقولونَ قولًا فقلتُ كما قالوا ، فيقالُ : على ذلك حَييتَ ، وعلى ذلك مِتَّ وعلى ذلك تُبعَثُ إن شاء اللهُ ، ثم يُفتَحُ له بابٌ إلى النارِ فيقالُ له : هذا مَقعَدُكَ منها ، وما أعَدَّ اللهُ لكَ فيها فيزدادُ حسرةً وثبورًا ، ويضيقُ عليه في قبرِه حتى تختلفَ فيه أضلاعُه ، ثم يفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ ، فيقالُ له : ذاكَ مَقعَدُكَ منها ، وما أعَدَّ اللهُ لكَ فيها لو أطعتَه ، فيزدادُ حسرةً وثبورًا ويضيقُ عليه قبرُه حتى تختلفَ فيه أضلاعُه ، وتلك المعيشةُ الضنكةُ التي قال اللهُ - تعالى - : مَعيشَةً ضَنكًا
أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مضى لسفرةٍ وخرج لعشرٍ مضينَ من رمضانَ فصام وصام الناسُ معه حتى إذا كان بالكَديدِ أفطر ثم مضى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتى نزل مرَّ الظَّهرانِ في عشرةِ آلافٍ من المُسلمينَ فسمعتْ سُلَيمٌ ومُزينةَ فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّ الظَّهرانِ وقد عمِيت الأخبارُ على قريشٍ فلا يأتيهم خبرُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولا يدرون ما هو فاعلٌ وخرج في تلك الليلةِ أبو سفيانَ بنَ حربٍ وحكيمُ بن حزامٍ وبُديلُ بنُ وَرقاءَ ينظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعونه فلما نزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّ الظَّهرانِ قال العباسُ بنُ عبدِ المُطلبِ رضيَ اللهُ عنه قلتُ واصباحَ قريشٍ لئن دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مكةَ عَنوةً قبل أن يأتوه فيستأمِنوه إنه لهلاكُ قريشٍ إلى آخرِ الدهرِ قال فجلستُ على بغلةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ البيضاءَ فخرجتُ عليها حتى دخلتُ الأراكَ فلقِيَ بعضَ الحطَّابةَ أو صاحبَ لبنٍ أو ذا حاجةٍ يأتيهم يخبرهم بمكانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليخرجوا إليه قال فإني لَأُشيرُ عليه وألتمِسُ ما خرجتُ له إذ سمعتُ كلامَ أبي سفيانَ وبُديلَ وهما يتراجعانِ وأبو سفيانَ يقولُ ما رأيتُ كالليلةِ نيرانًا قطُّ ولا عسكرًا قال بُديلٌ هذه واللهِ خُزاعةُ حمشَتْها الحربُ فقال أبو سفيانَ خُزاعةُ واللهِ أذلُّ من أن يكونَ هذه نيرانُهم فعرفتُ صوتَ أبي سفيانَ فقلتُ يا أبا حنظلةَ قال فعرف صوتي فقال أبو الفضلِ قال قلتُ نعم قال مالَكَ فداكَ أبي وأمي قال قلتُ ويلَكَ هذا واللهِ رسولُ اللهِ في الناسِ واصباحَ قريشٍ واللهِ لئن دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مكةَ عَنوة قبل أن يأتوه فيستأمِنوه إنه لَهلاكُ قريشٍ إلى آخرِ الدهرِ قال فما الحيلةُ فداك أبي وأمي قال قلتُ لا واللهِ إلا أن تركبَ في عجُزِ هذه الدابةِ فآتي بك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فإنه واللهِ لئن ظفر بك ليَضربَنَّ عُنقَكَ قال فركب في عُجُزِ البغلةِ ورجع صاحباه قال وكلما مررتُ بنارٍ من نيرانِ المُسلمين قالوا من هذا فإذا نظَروا قالوا عمُّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على بغلتِه حتى مررتُ بنارِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه فقال من هذا وقام إليَّ فلما رآه على عَجُزِ الدَّابةِ عرفه وقال أبو سفيانَ عدوُّ اللهِ الحمدُ للهِ الذي أمكن منك وخرج يشتدُّ نحوَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وركضتُ البغلةَ فسبقتُه كما تسبقُ الدابةُ البطيئةُ الرجلَ البطيءَ ثم اقتحمْتُ عنِ البغلةِ ودخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وجاء عمرُ رضيَ اللهُ عنه فدخل فقال يا رسولَ اللهِ هذا أبو سفيانَ قد أمكن اللهُ منه بلا عقدٍ ولا عهدٍ فدعْني فأضربُ عُنُقَه قال قلتُ يا رسولَ اللهِ إني قد أجرْتُه قال ثم جلستُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأخذتُ برأسِه فقلتُ واللهِ لا يُناجِيه رجلٌ دُوني قال فلما أكثرَ عمر رضيَ اللهُ عنه في شأنه فقلتُ مهلًا يا عمرُ واللهِ لو كان رجلًا من بني عديِّ بن كعبٍ ما قلتُ هذا ولكن قد عرفتُ أنه رجلٌ من بني عبدِ منافٍ قال فقال مهلًا يا عباسُ لَإسلامُك يومَ أسلمتَ كان أحبَّ إليَّ من إسلامِ الخطابِ ومالي إلا أني قد عرفتُ أنَّ إسلامَك كان أحبَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من إسلامِ الخطاب ِفقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إِذهبْ به إلى رَحلكَ فإذا أصبحتَ فأْتِنا به قال فلما أصبحتُ غدوتُ به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فلما رآه قال ويحك َيا أبا سفيانَ ألم يأنِ لك أن تشهدَ أن لا إله إلا اللهُ قال بأبي أنت وأمي فما أحلمَكَ وأكرمَكَ وأوصلَكَ أما واللهِ لقد كاد يقعُ في نفسي أن لو كان مع اللهِ غيرُه لقد أغنى شيئًا بعدُ وقال ويلكَ يا أبا سفيانَ ألم يأْنِ لكَ أن تشهدَ أني رسولُ اللهِ قال بأبي أنت وأُمِّي ما أحلمَك وأكرمَك وأوصلَكَ أما واللهِ هذه فإنَّ في النفسِ منها حتى الآن شيئًا قال العباسُ رضيَ اللهُ عنه قلتُ ويلَكَ أسلِمْ وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ قبل أن يُضرَبَ عُنُقُكَ قال فشهد شهادةَ الحقِّ وأسلَمُ قال العباسُ رضيَ اللهُ عنه فقلتُ يا رسولَ اللهِ إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ يُحبُّ هذا الفخرَ فاجعلْ له شيئًا قال نعم من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمِنٌ ومن أغلق عليه بابَه فهو آمِنٌ فلما ذهبتُ لأنصرفَ قال يا عباسُ احبِسْه بمَضِيقِ الوادي عند حطيِمِ الجندِ حتى يمرَّ به جنودُ اللهِ فيراها قال فحبَستُه حيث أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال ومرَّتْ به القبائلُ على راياتِها بها فكلما مرَّتْ قبيلةٌ قال من هذه قلتُ بنو سُلَيمٍ قال يقول مالي ولبني سُلَيمٍ ثم تمرُّ به قبيلةٌ فيقول من هذه فأقول مُزَينةُ فقال مالي ولِمُزينةَ حتى نفدتِ القبائلُ لا تمرُّ به قبيلةٌ إلا سألَني عنها فأخبرُه إلا قال مالي ولبني فلانٍ حتى مرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الخضراءِ كتيبةٌ فيها المهاجرونَ والأنصارِ رضيَ اللهُ عنهم لا يُرى منهم إلا الحَدَقُ في الحديدِ فقال سبحان اللهِ من هؤلاءِ يا عباسُ قلتُ هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المُهاجرينَ والأنصارِ رضيَ اللهُ عنهم فقال ما لأحدٍ بهؤلاءِ قِبِلٌ واللهِ يا أبا الفضلِ لقد أصبح ملكُ ابنِ أخيك الغداةَ عظيمًا قال قلتُ ويلك يا أبا سفيانَ إنها النبوةُ قال فنعم قال قلتُ التجأْ إلى قومِك اخرُجْ إليهم حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوتِه يا معشرَ قريشٍ هذا محمدٌ قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به فمن دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ فقامتْ إليه هندٌ بنتُ عُتبةَ بنُ ربيعةَ فأخذتْ شاربَه فقالتْ اقتُلوا الحَمِيتَ الدَّسِمَ فبئسَ طليعةُ قومٍ قال ويلَكم لا تغرَّنَّكم هذه من أنفُسِكم وإنه قد جاء ما لا قِبَلَ لكم به من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمِنٌ قالوا قاتلَك اللهُ وما يُغني غناءُ دارِك قال ومن أغلق عليه بابَه فهو آمِنٌ
عنِ ابنِ إسحاقَ قالَ: وحدَّثَني عن تشَهُّدِ رسولِ اللَّهِ في وسطِ الصَّلاةِ، وفي آخرِها عبدُ الرَّحمنِ بنُ الأسوَدِ بنِ يزيدَ النَّخعيُّ، عن أبيهِ قالَ: فَكُنَّا نَحفظُهُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ كما نَحفظُ حروفَ القُرآنِ حينَ أخبرَنا أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ علَّمَهُ إيَّاهُ قالَ فَكانَ يقولُ إذا جَلسَ في وسطِ الصَّلاةِ وفي آخرِها على وَرِكِهِ اليسرَى: التَّحيَّاتُ للَّهِ والصَّلَواتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ علَيكَ أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللَّهِ وبرَكاتُهُ، السَّلامُ علَينا وعلَى عبادِ اللَّهِ الصَّالِحينَ، أشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ قالَ: ثمَّ إن كانَ في وَسطِ الصَّلاةِ نَهَضَ حينَ يَفرغُ مِن تشَهُّدِهِ، وإن كانَ في آخرِها دعا بعدَ تشَهُّدِهِ بما شاءَ اللَّهُ أن يدعوَ، ثمَّ يُسلِّمُ
قَرَأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هذه الآيةَ: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4]، قالَ: «أَتدرونَ ما أخْبارُها؟» قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعْلمُ. قالَ: «فإنَّ أخبارَها أنْ تَشْهدَ على كُلِّ عبْدٍ وأَمَةٍ بما عَمِلَ على ظَهْرِها، أنْ تقولَ: عَمِلَ عَمَلَ كذا يومَ كذا؛ فهذه أَخْبارُها»
كُنَّا نَمنَعُ عَواتِقَنا أن يَخرُجنَ في العيدَينِ، فقدِمَتِ امرَأةٌ، فنَزَلَت قَصرَ بَني خَلَفٍ، فحَدَّثَت عن أُختِها، وكان زَوجُ أُختِها غَزا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثِنتَي عَشرةَ غَزوةً، وكانَت أُختي معه في سِتٍّ، قالت: كُنَّا نُداوي الكَلمى، ونَقومُ على المَرضى، فسَألَت أُختي النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أعَلى إحدانا بَأسٌ إذا لَم يَكُنْ لَها جِلبابٌ أن لا تَخرُجَ؟ قال: لتُلبِسْها صاحِبَتُها مِن جِلبابِها ولتَشهَدِ الخَيرَ ودَعوةَ المُسلِمينَ، فلَمَّا قدِمَت أُمُّ عَطيَّةَ سَألتُها أسَمِعتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قالت: بأبي، نَعَم، وكانَت لا تَذكُرُه إلَّا قالت: بأبي، سَمِعتُه يقولُ: يَخرُجُ العَواتِقُ وذَواتُ الخُدورِ، أوِ العَواتِقُ ذَواتُ الخُدورِ، والحُيَّضُ، وليَشهَدنَ الخَيرَ، ودَعوةَ المُؤمِنينَ، ويَعتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى، قالت حَفصةُ: فقُلتُ: الحُيَّضُ، فقالت: أليسَ تَشهَدُ عَرَفةَ وكَذا وكَذا؟
كُنَّا نَمنَعُ جَواريَنا أن يَخرُجنَ يَومَ العيدِ، فجاءَتِ امرَأةٌ، فنَزَلَت قَصرَ بَني خَلَفٍ، فأتَيتُها، فحَدَّثَت أنَّ زَوجَ أُختِها غَزا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثِنتَي عَشرةَ غَزوةً، فكانَت أُختُها معهُ في سِتِّ غَزَواتٍ، فقالت: فكُنَّا نَقومُ على المَرضى، ونُداوي الكَلمى، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، أعَلى إحدانا بَأسٌ إذا لَم يَكُنْ لَها جِلبابٌ أن لا تَخرُجَ؟ فقال: لتُلبِسْها صاحِبَتُها مِن جِلبابِها، فليَشهَدنَ الخَيرَ ودَعوةَ المُؤمِنينَ. قالت حَفصةُ: فلَمَّا قدِمَت أُمُّ عَطيَّةَ أتَيتُها فسَألتُها: أسَمِعتِ في كَذا وكَذا؟ قالت: نَعَم بأبي -وقَلَّما ذَكَرَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قالت: بأبي- قال: ليَخرُجِ العَواتِقُ ذَواتُ الخُدورِ -أو قال: العَواتِقُ وذَواتُ الخُدورِ، شَكَّ أيُّوبُ- والحُيَّضُ، ويَعتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى، وليَشهَدنَ الخَيرَ ودَعوةَ المُؤمِنينَ. قالت: فقُلتُ لَها: الحُيَّضُ؟ قالت: نَعَم، أليسَ الحائِضُ تَشهَدُ عَرَفاتٍ، وتَشهَدُ كَذا، وتَشهَدُ كَذا؟
كانَ أوَّلَ مَن قال في القَدَرِ بالبَصرةِ مَعبَدٌ الجُهَنيُّ، فانطَلَقتُ أنا وحُمَيدُ بنُ عبدِ الرَّحمَنِ الحِميَريُّ حاجَّينِ أو مُعتَمِرَينِ، فقُلنا: لو لَقينا أحَدًا مَن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَألناه عَمَّا يقولُ هؤلاء في القَدَرِ، فوُفِّقَ لنا عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ داخِلًا المَسجِدَ، فاكتَنَفتُه أنا وصاحِبي أحَدُنا عن يَمينِه، والآخَرُ عن شِمالِه، فظَنَنتُ أنَّ صاحِبي سَيَكِلُ الكَلامَ إلَيَّ، فقُلتُ: أبا عبدِ الرَّحمَنِ إنَّه قد ظَهَرَ قِبَلَنا ناسٌ يَقرَؤونَ القُرآنَ، ويَتَقَفَّرونَ العِلمَ، وذَكَرَ مِن شَأنِهم، وأنَّهم يَزعُمونَ أنْ لا قدَرَ، وأنَّ الأمرَ أُنُفٌ، قال: فإذا لَقيتَ أولَئِك فأخبِرهُم أنِّي بَريءٌ منهم، وأنَّهم بُرَآءُ مِنِّي، والذي يَحلِفُ به عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ لو أنَّ لأحَدِهم مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فأنفَقَه ما قَبِلَ اللهُ منه حتَّى يُؤمِنَ بالقدَرِ، ثُمَّ قال: حدَّثَني أبي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قال: بينَما نَحنُ عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ يَومٍ إذ طَلَعَ علينا رَجُلٌ شَديدُ بَياضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوادِ الشَّعَرِ، لا يُرى عليه أثَرُ السَّفَرِ، ولا يَعرِفُه مِنَّا أحَدٌ، حتَّى جَلَسَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأسنَدَ رُكبَتَيه إلى رُكبَتَيه، ووضَعَ كَفَّيه على فخِذَيه. وقال: يا مُحَمَّدُ أخبِرْني عَنِ الإسلامِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الإسلامُ أن تَشهَدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتيَ الزَّكاةَ، وتَصومَ رَمَضانَ، وتَحُجَّ البَيتَ إنِ استَطَعتَ إليه سَبيلًا، قال: صَدَقتَ، قال: فعَجِبنا له يَسألُه، ويُصَدِّقُه، قال: فأخبِرْني عَنِ الإيمانِ، قال: أن تُؤمِنَ باللهِ، ومَلائِكَتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليَومِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالقدَرِ خَيرِه وشَرِّه، قال: صَدَقتَ، قال: فأخبِرْني عَنِ الإحسانِ، قال: أن تَعبُدَ اللهَ كَأنَّك تَراه، فإن لَم تَكُنْ تَراه فإنَّه يَراك، قال: فأخبِرْني عَنِ السَّاعةِ، قال: ما المَسؤولُ عَنها بأعلَمَ مِنَ السَّائِلِ، قال: فأخبِرْني عن أمارَتِها، قال: أن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَها، وأن تَرى الحُفاةَ العُراةَ العالةَ رِعاءَ الشَّاءِ يَتَطاولونَ في البُنيانِ، قال: ثُمَّ انطَلَقَ فلَبِثتُ مَليًّا، ثُمَّ قال لي: يا عُمَرُ أتَدري مَنِ السَّائِلُ؟ قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّه جِبريلُ أتاكُم يُعَلِّمُكُم دينَكُم
كان أوَّلَ مَن قال في القَدَرِ في البصرةِ مَعْبَدٌ الجُهَنيُّ، فانطَلَقْنا حُجَّاجًا أنا وحُمَيدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، فلمَّا قدِمْنا، قُلْنا: لو لَقِينا بعضَ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَأَلْناهُ عمَّا يقولُ هؤلاءِ القَومُ في القَدَرِ. قال: فوافَقْنا عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ في المسجِدِ، فاكتَنَفْتُه أنا وصاحبي: أحَدُنا عن يَمينِه، والآخَرُ عن شِمالِه. قال يحيى: فظَنَنْتُ أنَّ صاحِبي يَكِلُ الكلامَ إليَّ، فقُلْتُ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، إنَّه ظهَرَ قِبَلَنا ناسٌ يَقرَؤون القُرآنَ، ويَعرِفون العِلْمَ، يَزعُمون أنْ لا قَدَرَ، إنَّما الأمْرُ أُنُفٌ! قال عبدُ اللهِ: فإذا لَقِيتُم أولئكَ فأخْبِروهُم أنِّي بَرِيءٌ منهُم، وأنَّهُم مِنِّي بُراءٌ، والَّذي يَحلِفُ به عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ، لو أنَّ لأحدِهِم مِثْلَ أُحُدٍ ذهَبًا، فأنْفَقَه، ما قَبِلَه اللهُ عزَّ وجلَّ منه حتَّى يُؤمِنَ بالقَدَرِ كلِّه، خَيرِه وشَرِّه. ثمَّ قال: حدَّثَني عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه، قال: بيْنما نحنُ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ يَومٍ، إذْ طلَعَ رجُلٌ شَديدُ بَياضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوادِ الشَّعرِ، لا يُرى عليهِ أثَرُ السَّفَرِ، ولا نَعرِفُه، حتَّى جلَسَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأسْنَدَ رُكبَتَه إلى رُكبَتِه، ووضَعَ كَفَّيهِ على فَخِذَيهِ، ثمَّ قال: يا محمَّدُ، أخْبِرْني عنِ الإسلامِ، ما الإسلامُ؟ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الإسلامُ أنْ تَشهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا عبْدُه ورسولُه، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتِيَ الزَّكاةَ، وتَصومَ رمضانَ، وتَحُجَّ البيتَ إنِ استَطعْتَ السَّبيلَ، فقال الرَّجلُ: صدَقْتَ، قال عُمرُ: عَجِبْنا له، يَسأَلُه ويُصَدِّقُه! ثمَّ قال: يا محمَّدُ، أخْبِرْني عنِ الإيمانِ، ما الإيمانُ؟ فقال: الإيمانُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ ومَلائكتِه، وكُتبِه ورُسلِه، واليومِ الآخِرِ، والقَدَرِ كلِّه خَيرِه وشَرِّهِ، فقال: صدَقْتَ. فقال: أخْبِرْني عنِ الإحسانِ، فقال: الإحسانُ أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لمْ تكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراك. قال: فحدِّثْني عنِ السَّاعةِ، متى السَّاعةُ؟ قال: ما المَسؤولُ بأعلَمَ بها مِنَ السَّائلِ، قال: فأَخبِرْني عن أمارَتِها، قال: أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَها، وأنْ تَرى الحُفاةَ العُراةَ العالةَ رِعاءَ الشَّاءِ يَتطاوَلون في البِناءِ. ثمَّ انطَلَقَ، فقال عُمرُ رضِيَ اللهُ عنه: فلَبِثْتُ ثلاثًا، ثمَّ قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا عُمرُ، ما تَدري مَنِ السَّائلُ؟ قُلْتُ: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، قال: ذاكَ جِبريلُ عليه السَّلامُ، أتاكُم يُعَلِّمُكم دِينَكم
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
من دخل دار أبي سفيان فهو آمنأشهد أن محمدا عبده ورسولهشغل الناس يومئذ عن النظرأحبب للناس ما تحب لنفسكأشهد أن لا إله إلا اللهأدعو عباد الله إلى اللهلا تشهد بما لم يع سمعكالسلام عليك أيها النبيمن دخل المسجد فهو آمنمن أغلق بابه فهو آمنالعباس بن عبد المطلبلا تحلف باسمي كاذبالا ترغبوا عن آبائكمالمدينة دار الهجرةيعتزل الحيض المصلىاشكر لي ولوالديكالحسنات والسيئاتلا تشرك بي شيئاصفوان بن المعطلسقيفة بني ساعدةعبد الله ورسولهعبد الله بن أبييسمع خفق نعالهملا إله إلا اللهعبد الله بن عمرمشورة المسلمينحفاة عراة غرلالا تقتل النفسلا تحسد الناسعيسى ابن مريمما تركنا صدقةدار أبي سفيانعمر بن الخطابدعوة المؤمنيناعتزال المصلىبيعة أبي بكرحسان بن ثابتالنسيم الطيبشروط الإيمانغوغاء الناسأمك الهاويةيوم القيامةسهل التقاضيفعل الخيراتالتحيات للهوركه اليسرىذوات الخدوريشهدن الخيرمعبد الجهنيحديث الإفكسورة النوررعاع الناسطول الوقوفأربعين سنةشدة الحسابشهادة الحقسهل الشراءسهل العطاءسهل القضاءخفق النعالسؤال القبرفتنة القبرمر الظهرانوسط الصلاةآخر الصلاةشهود الخيريوم السبتالمنافقونآية الرجملا تطرونيأبو سفيانأغلق بابهخيول اللهسهل البيعسهل الأخذابن مسعوديوم العيدخيره وشرهصوم رمضانمسح رأسهلا تسرقفتح مكةالإسلاملا نورثآل محمدأبو بكرالمظالمالحسناتالمعروفالشفاعةأخبارهايوم كذاالزلزلةالعواتقالعيدينالإيمانالإحسانجبرائيلأمر أنفلا تزن
تخريج حديث لا تشهد بما لم يع سمعك
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








