أحاديث عن: لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل
أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عبدٍ القاريَّ - وَكانَ في عَهْدِ عمرَ بنِ الخطَّابِ معَ عبدِ اللَّهِ بنِ الأرقمَ علَى بيتِ المالِ - أنَّ عمرَ خرجَ ليلةً في رمضانَ فخرجَ معَهُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدٍ القاريُّ فطافَ بالمسجِدِ وأَهْلُ المسجدِ أوزاعٌ متفرِّقونَ ، يصلِّي الرَّجلُ لنفسِهِ ، ويصلِّي الرَّجلُ ، فيصلِّي بصلاتِهِ الرَّهطُ ، فقالَ عُمَرُ : واللَّهِ إنِّي أظنُّ لَو جمعنا هؤلاءِ علَى قارئٍ واحدٍ لَكانَ أمثلَ ، ثمَّ عزمَ عمرُ علَى ذلِكَ ، وأمرَ أُبيَّ بنَ كعبٍ أن يقومَ لَهُم في رَمضانَ . فخرجَ عمرُ علَيهم والنَّاسُ يصلُّونَ بصلاةِ قارئِهِم ، فقالَ عمر : نِعمَ البدعةُ هيَ ، والَّتي تَنامونَ عنها أفضلُ منَ الَّتي تَقومونَ - يريدُ آخرَ اللَّيلِ - فَكانَ النَّاسُ يقومونَ أوَّلَهُ ، وَكانوا يَلعنونَ الكفرةَ في النِّصفِ : اللَّهمَّ قاتِلِ الكفَرةَ الَّذينَ يصدُّونَ عن سبيلِكَ ، ويُكَذِّبونَ رسُلَكَ ، ولا يؤمِنونَ بوعدِكَ ، وخالِف بينَ كلمتِهِم ، وألقِ في قلوبِهِمُ الرُّعبَ ، وألقِ عليهم رِجزَكَ وعذابَكَ ، إلَهَ الحقِّ ، ثمَّ يصلِّي علَى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ويَدعو للمسلمينَ بما استطاعَ من خَيرٍ ثمَّ يستغفرُ للمؤمنينَ ، قال : وَكانَ يقولُ إذا فرغَ من لَعنةِ الكفرةِ وصلاتِهِ علَى النَّبيِّ ، واستغفارِهِ للمؤمنينَ والمُؤْمِناتِ ومسألتِهِ : اللَّهمَّ إيَّاكَ نعبُدُ ، ولَكَ نصلِّي ونسجُدُ وإليكَ نسعى ونحفِدُ ، ونرجو رحمتَكَ ربَّنا ، ونخافُ عذابَكَ الجِدَّ ، إنَّ عذابَكَ لمن عاديتَ مُلحِقٌ ، ثمَّ يُكَبِّرُ ويَهْوي ساجدًا
«خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عامَ الحُدَيبيةِ يُريدُ زيارةَ البَيتِ، لا يُريدُ قِتالًا، وساقَ مَعَه الهَديَ سَبعينَ بَدَنةً، وكان النَّاسُ سَبعَ مِائةِ رَجُلٍ، فكانَت كُلُّ بَدَنةٍ عن عَشَرةٍ، قال: وخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بعُسفانَ لَقيَه بشرُ بنُ سُفيانَ الكَعبيُّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، هذه قُرَيشٌ قد سَمِعَت بمَسيرِكَ، فخَرَجَت مَعَها العوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وهذا خالِدُ بنُ الوليدِ في خَيلِهم قَدِموا إلى كُراعِ الغَميمِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا وَيحَ قُرَيشٍ، لَقد أكَلَتهمُ الحَربُ، ماذا عليهم لَو خَلَّوا بَيني وبَينَ سائِرِ النَّاسِ، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهَرَني اللهُ عليهم دَخَلوا في الإسلامِ وهُم وافِرونَ، وإن لم يَفعَلوا قاتَلوا وبهم قوَّةٌ، فماذا تَظُنُّ قُرَيشٌ، واللهِ إنِّي لا أزالُ أُجاهِدُهم على الذي بَعَثَني اللهُ له حَتَّى يُظهرَه اللهُ له أو تَنفَرِدَ هذه السَّالِفةُ»، ثُمَّ أمَرَ النَّاسَ، فسَلَكوا ذاتَ اليَمينِ بَينَ ظَهرَيِ الحَمضِ على طَريقٍ تُخرِجُه على ثَنيَّةِ المُرارِ والحُدَيبيةِ مِن أسفَلِ مَكَّةَ، قال: فسَلَكَ بالجَيشِ تلك الطَّريقَ، فلَمَّا رَأت خَيلُ قُرَيشٍ قَترةَ الجَيشِ قد خالَفوا عن طَريقِهم، نَكَصوا راجِعينَ إلى قُرَيشٍ، فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا سَلَكَ ثَنيَّةَ المُرارِ بَرَكَت ناقَتُه، فقال النَّاسُ: خَلَأت. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما خَلَأت، وما هو لها بخُلُقٍ، ولَكِن حَبَسَها حابِسُ الفيلِ عن مَكَّةَ، واللهِ لا تَدعوني قُرَيشٌ اليَومَ إلى خُطَّةٍ يَسألوني فيها صِلةَ الرَّحِمِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها» ثُمَّ قال للنَّاسِ: «انزِلوا» فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، ما بالوادي مِن ماءٍ يَنزِلُ عليه النَّاسُ. فأخرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَهمًا مِن كِنانَتِه، فأعطاه رَجُلًا مِن أصحابِه، فنَزَلَ في قَليبٍ مِن تلك القُلُبِ، فغَرَزَه فيه، فجاشَ الماءُ بالرِّواءِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عنه بعَطَنٍ، فلَمَّا اطمَأنَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا بُدَيلُ بنُ ورقاءَ في رِجالٍ مِن خُزاعةَ، فقال لهم كَقَولِه لبَشيرِ بنِ سُفيانَ، فرَجَعوا إلى قُرَيشٍ فقالوا: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنَّكُم تَعجَلونَ على مُحَمَّدٍ، وإنَّ مُحَمَّدًا لم يَأتِ لقِتالٍ، إنَّما جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحَقِّه. فاتَّهَموهُم. قال مُحَمَّدٌ يَعني ابنَ إسحاقَ: قال الزُّهريُّ: وكانَت خُزاعةُ في عَيبةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُسلِمُها ومُشرِكُها، لا يُخفونَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيئًا كان بمَكَّةَ، قالوا: وإن كان إنَّما جاءَ لذلك، فلا واللهِ لا يَدخُلُها أبَدًا علينا عَنوةً، ولا تَتَحَدَّثُ بذلك العَرَبُ. ثُمَّ بَعَثوا إليه مِكرَزَ بنَ حَفصِ بنِ الأخيَفِ، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: «هذا رَجُلٌ غادِرٌ». فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بنَحوٍ مِمَّا كَلَّمَ به أصحابَه، ثُمَّ رَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فأخبَرَهم بما قال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فبَعَثوا إليه الحِلْسَ بنَ عَلقَمةَ الكِنانيَّ، وهو يَومَئِذٍ سَيِّدُ الأحابِشِ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «هذا مِن قَومٍ يَتَألَّهونَ، فابعَثوا الهَديَ في وَجههِ». فبَعَثوا الهَديَ، فلَمَّا رَأى الهَديَ يَسيلُ عليه مِن عُرضِ الوادي في قَلائِدِه، قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه، رَجَعَ، ولَم يَصِلْ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إعظامًا لما رَأى، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، قد رَأيتُ ما لا يَحِلُّ صَدُّه: الهَديَ في قَلائِدِه قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه. فقالوا: اجلِسْ، إنَّما أنتَ أعرابيٌّ لا عِلمَ لَكَ، فبَعَثوا إليه عُروةَ بنَ مَسعودٍ الثَّقَفيَّ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي قد رَأيتُ ما يَلقى مِنكُم مَن تَبعَثونَ إلى مُحَمَّدٍ إذا جاءَكُم، مِنَ التَّعنيفِ وسوءِ اللَّفظِ، وقد عَرَفتُم أنَّكُم والِدٌ وأنِّي ولَدٌ، وقد سَمِعتُ بالذي نابَكُم، فجَمَعتُ مَن أطاعَني مِن قَومي، ثُمَّ جِئتُ حَتَّى آسَيتُكُم بنَفسي. قالوا: صَدَقتَ، ما أنتَ عِندَنا بمُتَّهَمٍ. فخَرَجَ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجَلَسَ بَينَ يَدَيه، فقال: يا مُحَمَّدُ، جَمَعتَ أوباشَ النَّاسِ، ثُمَّ جِئتَ بهم لبَيضَتِكَ لتَفُضَّها، إنَّها قُرَيشٌ قد خَرَجَت مَعَها العُوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وأيمُ اللهِ لَكَأنِّي بهؤلاء قدِ انكَشَفوا عنكَ غَدًا. قال: وأبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ خَلفَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قاعِدٌ، فقال: امصُصْ بَظرَ اللَّاتِ، أنَحنُ نَنكَشِفُ عنه؟! قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أبي قُحافةَ» قال: واللهِ لَولا يَدٌ كانَت لَكَ عِندي لَكافَأتُكَ بها، ولَكِن هذه بها. ثُمَّ تَناولَ لحيةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمُغيرةُ بنُ شُعبةَ واقِفٌ على رَأسِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحَديدِ، قال: يَقرَعُ يَدَه، ثُمَّ قال: أمسِكْ يَدَكَ عن لحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ واللهِ لا تَصِلُ إليكَ. قال: ويحَكَ، ما أفظَّكَ وأغلَظَكَ! قال: فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أخيكَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ» قال: أَغُدَرُ! هَل غَسَلتُ سَوأتَكَ إلَّا بالأمسِ؟! قال: فكَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمِثلِ ما كَلَّمَ به أصحابَه، فأخبَرَه أنَّه لم يَأتِ يُريدُ حَربًا. قال: فقامَ مِن عِندِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقد رَأى ما يَصنَعُ به أصحابُه، لا يَتَوضَّأُ وُضوءًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَبسُقُ بُساقًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَسقُطُ مِن شَعرِه شَيءٌ إلَّا أخَذوهُ، فرَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي جِئتُ كِسرى في مُلكِه، وجِئتُ قَيصَرَ والنَّجاشيَّ في مُلكِهما، واللهِ ما رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ مِثلَ مُحَمَّدٍ في أصحابِه، ولَقد رَأيتُ قَومًا لا يُسلِمونَه لشَيءٍ أبَدًا، فرُوا رَأيَكُم. قال: وقد كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ ذلك بَعَثَ خِراشَ بنَ أُمَيَّةَ الخُزاعيَّ إلى مَكَّةَ، وحَمَلَه على جَمَلٍ له يُقالُ له: الثَّعلَبُ، فلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَقَرَت به قُرَيشٌ، وأرادوا قَتلَ خِراشٍ، فمَنَعَهمُ الأحابِشُ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَعا عُمَرَ ليَبعَثَه إلى مَكَّةَ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أخافُ قُرَيشًا على نَفسي، وليس بها مِن بَني عَديٍّ أحَدٌ يَمنَعُني، وقد عَرَفَت قُرَيشٌ عَداوتي إيَّاها، وغِلظَتي عليها، ولَكِن أدُلُّكَ على رَجُلٍ هو أعَزُّ مِنِّي: عُثمانَ بنِ عَفَّانَ. قال: فدَعاه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَعَثَه إلى قُرَيشٍ يُخبِرُهم أنَّه لم يَأتِ لحَربٍ، وأنَّه جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحُرمَتِه، فخَرَجَ عُثمانُ حَتَّى أتى مَكَّةَ، ولَقيَه أبانُ بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ، فنَزَلَ عن دابَّتِه وحَمَلَه بَينَ يَدَيه، ورَدِفَ خَلفَه، وأجارَه حَتَّى بَلَّغَ رِسالةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فانطَلَقَ عُثمانُ حَتَّى أتى أبا سُفيانَ وعُظَماءَ قُرَيشٍ، فبَلَّغَهم عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أرسَلَه به، فقالوا لعُثمانَ: إن شِئتَ أن تَطوفَ بالبَيتِ فطُفْ به. فقال: ما كُنتُ لأفعَلَ حَتَّى يَطوفَ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فاحتَبَسَته قُرَيشٌ عِندَها، فبَلَغَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمينَ أنَّ عُثمانَ قد قُتِلَ. قال مُحَمَّدٌ: فحَدَّثَني الزُّهريُّ: أنَّ قُرَيشًا بَعَثوا سُهَيلَ بنَ عَمرٍو، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فقالوا: ائتِ مُحَمَّدًا فصالِحْه، ولا يَكونُ في صُلحِه إلَّا أن يَرجِعَ عنَّا عامَه هذا، فواللهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّه دَخَلَها علينا عَنوةً أبَدًا، فأتاه سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فلَمَّا رَآهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «قد أرادَ القَومُ الصُّلحَ حينَ بَعَثوا هذا الرَّجُلَ»، فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَكَلَّما، وأطالا الكَلامَ، وتَراجَعا حَتَّى جَرى بَينَهما الصُّلحُ، فلَمَّا التَأمَ الأمرُ ولَم يَبقَ إلَّا الكِتابُ وثَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فأتى أبا بَكرٍ، فقال: يا أبا بَكرٍ، أوَليس برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: بَلى. قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا. فقال أبو بَكرٍ: يا عُمَرُ، الزَمْ غَرزَه حَيثُ كان، فإنِّي أشهَدُ أنَّه رَسولُ اللهِ. قال عُمَرُ: وأنا أشهَدُ، ثُمَّ أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: «بَلى»، قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا؟ فقال: «أنا عَبدُ اللهِ ورَسولُه، لَن أُخالِفَ أمرَه، ولَن يُضَيِّعَني» ثُمَّ قال عُمَرُ: ما زِلتُ أصومُ وأتَصَدَّقُ وأُصَلِّي وأُعتِقُ مِنَ الذي صَنَعتُ؛ مَخافةَ كَلامي الذي تَكَلَّمتُ به يَومَئِذٍ حَتَّى رَجَوتُ أن يَكونَ خَيرًا، قال: ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لا أعرِفُ هذا، ولَكِنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، هذا ما صالَحَ عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لَو شَهِدتُ أنَّكَ رَسولُ اللهِ لم أُقاتِلْك، ولَكِنِ اكتُبْ: هذا ما اصطَلَحَ عليه مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ وسُهَيلُ بنُ عَمرٍو على وضعِ الحَربِ عَشرَ سِنينَ، يَأمَنُ فيها النَّاسُ، ويَكُفُّ بَعضُهم عن بَعضٍ، على أنَّه مَن أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أصحابِه بغَيرِ إذنِ وليِّه رَدَّه عليهم، ومَن أتى قُرَيشًا مِمَّن مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَرُدُّوهُ عليه، وإنَّ بَينَنا عَيبةً مَكفوفةً، وإنَّه لا إسلالَ ولا إغلالَ. وكان في شَرطِهم حينَ كَتَبوا الكِتابَ أنَّه مَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ مُحَمَّدٍ وعَهدِه دَخَلَ فيه، ومَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم دَخَلَ فيه، فتَواثَبَت خُزاعةُ فقالوا: نَحنُ مَعَ عَقدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعَهدِه، وتَواثَبَت بَنو بَكرٍ، فقالوا: نَحنُ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم. وأنَّكَ تَرجِعُ عنَّا عامَنا هذا، فلا تَدخُلْ علينا مَكَّةَ، وأنَّه إذا كان عامُ قابِلٍ خَرَجنا عنكَ، فتَدخُلُها بأصحابِكَ، وأقَمتَ فيهم ثَلاثًا مَعَكَ سِلاحُ الرَّاكِبِ، لا تَدخُلها بغَيرِ السُّيوفِ في القُرُبِ. فبَينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَكتُبُ الكِتابَ إذ جاءَه أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو في الحَديدِ قدِ انفَلَتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: وقد كان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجوا وهُم لا يَشُكُّونَ في الفَتحِ لرُؤيا رَآها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا رَأوا ما رَأوا مِنَ الصُّلحِ والرُّجوعِ، وما تَحَمَّلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على نَفسِه، دَخَلَ النَّاسَ مِن ذلك أمرٌ عَظيمٌ حَتَّى كادوا أن يَهلِكوا، فلَمَّا رَأى سُهَيلٌ أبا جَندَلٍ، قامَ إليه، فضَرَبَ وجهَه، ثُمَّ قال: يا مُحَمَّدُ، قد لَجَّتِ القَضيَّةُ بَيني وبَينَكَ قَبلَ أن يَأتيَكَ هذا. قال: «صَدَقتَ». فقامَ إليه، فأخَذَ بتَلبيبِه، قال: وصَرَخَ أبو جَندَلٍ بأعلى صَوتِه: يا مَعاشِرَ المُسلِمينَ، أتَرُدُّونَني إلى أهلِ الشِّركِ، فيَفتِنوني في ديني. قال: فزادَ النَّاسُ شَرًّا إلى ما بهم. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا أبا جَندَلٍ اصبِرْ واحتَسِبْ؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ جاعِلٌ لَكَ ولمَن مَعَكَ مِنَ المُستَضعَفينَ فرَجًا ومَخرَجًا، إنَّا قد عَقدنا بَينَنا وبَينَ القَومِ صُلحًا، فأعطَيناهُم على ذلك، وأعطَونا عليه عَهدًا، وإنَّا لَن نَغدِرَ بهم». قال: فوثَبَ إليه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مَعَ أبي جَندَلٍ، فجَعَلَ يَمشي إلى جَنبِه وهو يَقولُ: اصبِرْ أبا جَندَلٍ؛ فإنَّما هُمُ المُشرِكونَ، وإنَّما دَمُ أحَدِهم دَمُ كَلبٍ. قال: ويُدني قائِمَ السَّيفِ مِنه. قال: يَقولُ: رَجَوتُ أن يَأخُذَ السَّيفَ، فيَضرِبَ به أباه. قال: فضَنَّ الرَّجُلُ بأبيه، ونَفَذَتِ القَضيَّةُ، فلَمَّا فرَغا مِنَ الكِتابِ، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي في الحَرَمِ وهو مُضطَرِبٌ في الحِلِّ. قال: فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: «يا أيُّها النَّاسُ، انحَروا واحلِقوا» قال: فما قامَ أحَدٌ، قال: ثُمَّ عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، حَتَّى عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، فرَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فقال: «يا أُمَّ سَلَمةَ، ما شَأنُ النَّاسِ؟» قالت: يا رَسولَ اللهِ، قد دَخَلَهم ما قد رَأيتَ، فلا تُكَلِّمَنَّ مِنهم إنسانًا، واعمِدْ إلى هَديِكَ حَيثُ كان فانحَرْه واحلِقْ، فلَو قد فعَلتَ ذلك فعَلَ النَّاسُ ذلك. فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُكَلِّمُ أحَدًا حَتَّى أتى هَديَه فنَحَرَه، ثُمَّ جَلَسَ فحَلَقَ، فقامَ النَّاسُ يَنحَرونَ ويَحلِقونَ. قال: حَتَّى إذا كان بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ في وسَطِ الطَّريقِ، فنَزَلَت سورةُ الفَتحِ
إنَّ اللهَ لما فرغَ من خلقِ السمواتِ والأرضِ خلقَ الصورَ فأعطاهُ إسرافيلَ فهو واضعُهُ على فيهِ شاخصٌ ببصرِهِ إلى العرشِ ينتظرُ متى يؤمرُ . قلْتُ : يا رسولَ اللهِ وما الصورُ ؟ قال : قرنٌ . قلْتُ : كيفَ هو ؟ قال : عظيمٌ ، إنَّ عِظمَ دائرةٍ فيه لعرضِ السمواتِ والأرضِ لينفخَ فيه ثلاثَ نفخاتٍ : الأولى نفخةُ الفزعِ والثانيةُ نفخةُ الصعقِ والثالثةُ نفخةُ القيامِ لربِّ العالمينَ ، فيأمرُ اللهُ إسرافيلَ بالنفخةِ الأولى فيقولُ : انفخْ نفخةَ الفزعِ ، فيفزعَ أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شاءَ اللهُ ، ويأمرُهُ تعالى فيمدُّها ويطيلُها ولا يفترُ وهي التي يقولُ اللهُ فيها : وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [ ص : 15 ] فتسيرُ الجبالُ سيرَ السحابِ فتكونُ سرابًا وترتجُّ الأرضُ بأهلِها رجًّا فتكونُ كالسفينةِ الموقورةِ في البحرِ تضربُها الأمواجُ تكفأُ بأهلِها كالقنديلِ المعلقِ بالعرشِ ترجحُهُ الأرواحُ وهي التي يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [ النازعات : 6 - 7 ] فتميدُ الأرضُ بالناسِ على ظهرِها فتذهلُ المراضعُ وتضعُ الحواملُ وتشيبُ الولدانُ وتطيرُ الشياطينُ هاربةً منَ الفزعِ ، حتى تأتيَ الأقطُّارَ ، فتتلْقاها الملائكةُ ، فتضربُ وجوهَها ، فترجعُ ، ويولِّي الناسُ مدبرينَ يُنادي بعضُهم بعضًا ، فهو الذي يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ يَوْمَ التَّنَادِ ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [ غافر : 32 ، 33 ] فبينَما هم على ذلك إذْ تصدعَتِ الأرضُ ، فانصدعَتْ من قُطرٍ إلى قطُّرٍ ، فرأوا أمرًا عظيمًا ، ثم نظروا إلى السماءِ فإذا هي كالمُهلِ ، ثم انشقَّتْ فانتثرَتْ نجومُها ، وخسفَتْ شمسُها وقمرُها ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ والأمواتُ يومئذٍ لا يعلمونَ بشيءٍ من ذلك ، قلْتُ : يا رسولَ اللهِ فمن استثْنَى اللهُ في قولِهِ إلا مَن شاءَ اللهُ ؟ قال أولئكَ الشهداءُ ، وإنَّما يصلُ الفزعُ إلى الأحياءِ ، وهم أحياءُ عِندَ ربِّهم يرزقونَ فوقاهمُ اللهُ شرَّ ذلك اليومِ ، وأمَّنَهم منه ، وهو عذابٌ يبعثُهُ على شرارِ خلقِهِ ، وهو الذي يقولُ اللهُ فيه يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج : 1 , 2 ] فيمكثونَ في ذلك العذابِ ما شاء اللهُ ، ثم يأمرُ اللهُ إسرافيلَ فينفخُ نفخةَ الصعقِ ، فيُصعَقُ أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شاء اللهُ فإذا هم خَمَدوا ، جاء ملكُ الموتِ إلى الجبارِ ، فيقولُ : يا ربِّ . . مات أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شئْتَ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ بمن بقيَ فمن بقيَ ؟ فيقولُ : أي يا ربِّ بقيتَ أنتَ الحيُّ القيومُ الذي لا يموتُ ، وبقيَتْ حملةُ العرشِ ، وبقيَ جبريلُ وميكائيلُ ، وبقيتُ أنا ، فيقولُ : فليمتْ جبريلُ وميكائيلُ ، فيموتانِ ثم يأتي ملكُ الموتِ إلى الجبارِ فيقولُ : قد مات جبريلُ وميكائيلُ ، فيقولُ اللهُ تعالى : فليمتْ حملةُ العرشِ فيموتونَ ، ويأمرُ اللهُ العرشَ أن يقبضَ الصورَ من إسرافيلَ ، ثم يقولُ : ليمتْ إسرافيلُ فيموتُ ، ثم يأتي ملكُ الموتِ إلى الجبارِ ، فيقولُ : ربِّ قد مات حملةُ العرشِ ، فيقولُ وهو أعلمُ : فمن بقيَ ؟ فيقولُ : بقيتَ أنتَ الحيُّ القيومُ الذي لا يموتُ وبقيتُ أنا ، فيقولُ : أنتَ خلقٌ من خَلقي خُلِقتَ لِمَا رأيْتَ ، فمُتْ ، فيموتُ ، فإذا لم يبقَ إلا اللهُ الواحدُ الأحدُ ، طَوى السماءَ والأرضَ كطيِّ السجلِّ للكتابِ ، وقال : أنا الجبارُ ، لمنِ الملكُ اليومَ ؟ ثلاثَ مراتٍ ، فلم يجبْهُ أحدٌ ، فيقولُ لنفسِهِ : اللهُ الواحدُ القهارُ ، ويبدلُ الأرضَ غيرَ الأرضِ والسمواتِ فيبسطُها ويسطحُها ويمدُّها مدَّ الأديمِ العُكاظيِّ ، لا تَرى فيها عوجًا ولا أمتًا ، ثم يزجرُ اللهُ الخلقَ زجرةً واحدةً ، فإذا هم في مثلِ هذه الأرضِ المُبدَلةِ مثلُ ما كانوا فيه في الأولى من كان في بطنِها ، كان في بطنِها ، ومن كان على ظهرِها ، كان على ظهرِها ، ثم ينزلُ اللهُ عليْهِم ماءً من تحتِ العرشِ ، ثم يأمرُ اللهُ السماءَ أن تمطرَ ، فتمطرُ أربعينَ يومًا ، حتى يكونَ الماءُ فوقَهم اثنيْ عشرَ ذراعًا ، ثم يأمرُ اللهُ الأجسادَ أن تنبتَ فتنبتُ كنباتِ البقلِ ، حتى إذا تكاملَتْ أجسادُهم فكانَتْ كما كانَتْ ، قال اللهُ تعالى : لتحيَا حملةُ العرشِ ، فيحيونَ ، ويأمرُ اللهُ إسرافيلَ فيأخذُ الصورَ فيضعُهُ على فيهِ ، ثم يقولُ : ليحيَا جبريلُ وميكائيلُ فيَحييانِ ، ثم يدعو اللهُ بالأرواحِ فيؤتى بها ، تتوهجُ أرواحُ المسلمينَ نورًا ، والأخرى ظلمةً فيقبضُها جميعًا ، ثم يُلقيها في الصُّورِ ، ثم يأمرُ إسرافيلَ أن ينفخَ نفخةَ البعثِ والنشورِ ، فينفخُ نفخةَ البعثِ ، فتخرجُ الأرواحُ ، كأنَّها النحلُ قد ملأَتْ ما بين السماءِ والأرضِ فيقولُ اللهُ : وعزَّتي وجَلالي ليرجعَنَّ كلُّ روحٍ إلى جسدِهِ فتدخلُ الأرواحُ في الأرضِ إلى الأجسادِ ، فتدخلُ في الخياشيمِ ، ثم تَمشي في الأجسادِ مشيَ السُّمِّ في اللديغِ ، ثم تنشقُ الأرضُ عنكُمْ ، وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه فتخرجونَ منها سراعًا إلى ربِّكم تنسلونَ ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ حفاةً عراةً غلفًا غُرلًا ثم تقِفونَ موقفًا واحدًا مقدارَ سبعينَ عامًا ، لا ينظرُ إليكمْ ولا يُقضى بينَكم فتبكونَ حتى تنقطعَ الدموعُ ، ثم تدمعونَ دمًا ، وتعرقونَ حتى يبلغَ ذلك منكم أن يُلجمَكم أو يبلغَ الأذقانَ فتضجُّونَ ، وتقولونَ : من يشفعُ لنا إلى ربِّنا ليقضيَ بينَنا ؟ فيقولونَ : من أحقُّ بذلك من أبيكمْ آدمَ ؟ خلقَهُ اللهُ بيدِهِ ، ونفخَ فيه من روحِهِ ، وكلَّمَهُ قبلًا ، فيأتونَ آدمَ فيطلبونَ ذلك إليه ، فيأْبى ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلكَ ، فيأتونَ الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا ، كلما جاءُوا نبيًّا أبى عليْهِم ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : حتى تأتونَ فأنطلقُ حتى آتيَ الفحصَ فأخِرُّ ساجدًا قال أبو هريرةَ : يا رسولَ اللهِ وما الفَحصُ ؟ قال : موضعٌ قُدَّامَ العرشِ حتى يبعثَ اللهُ ملكًا فيأخذَ بعَضُدي ، فيقولُ : يا محمدُ ، فأقولُ : نعم لبيكَ يا ربِّ ، فيقولُ : ما شأنُكَ ؟ وهو أعلمُ فأقولُ : يا ربِّ وعدْتَني الشفاعةَ وشفَّعتَني في خلقِكَ ، فاقضِ بينهم ، فيقولُ اللهُ : قد شفعْتُكَ أنا آتيهُم فأقضيَ بينهم ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : فأرجعُ ، فأقفُ مع الناسِ ، فبينما نحنُ وقوفٌ إذا سمِعْنا حسًّا منَ السماءِ شديدًا ، فينزلُ أهلُ السماء الدُّنيا على من في الأرضِ منَ الجنِّ والإنسِ حتى إذا دَنوْا منَ الأرضِ أشرقَتِ الأرضُ بنورِها ، وأخَذوا مصافَّهم ، وقلْنا لهم : أفيكُمْ ربُّنا ؟ قالوا : لا ، هو آتٍ ، ثم ينزلُ أهلُ كلِّ سماءٍ على قدرِ ذلك منَ التضعيفِ ، ثم ينزلُ الجبارُ تباركَ وتعالى في ظُللٍ منَ الغمامِ والملائكةُ ويحملُ عرشَ ربِّكَ فوقَهم يومئذٍ ثمانيةٌ وهم اليومَ أربعةٌ أقدامُهم على تُخُومِ الأرضِ السُّفلى ، والأرضُ والسمواتُ إلى حُجزِهم والعرشُ على مناكبِهم ، لهم زَجلٌ من تَسبيحِهم ، يقولُ : سبحانَ ذي العزةِ والجبروتِ ، سبحانَ ذي المُلكِ والملكوتِ ، سبحانَ الحيِّ الذي لا يموتُ ، سبحانَ الذي يميتُ الخلائقَ ولا يموتُ ، سبوحٌ قدوسٌ ، سبحانَ ربِّنا الأعلى ربِّ الملائكةِ والروحِ ، سبحانَ ربِّنا الأعلى الذي خلقَ الخلائقَ ولا يموتُ ، فيضعُ اللهُ كرسيَّهُ ، حيث يشاءُ من أرضِهِ ، ثم يهتِفُ فيقولُ : يا معشرَ الجنِّ والإنسِ ، إنِّي قد أنصتُّ لكم من يومِ خلقْتُكم إلى يومِكم هذا ، أسمعُ قولَكم ، وأرى أعمالَكم ، فأنصِتوا إليَّ فإنَّما هي أعمالُكم وصحفُكم تُقرَأُ عليكم ، فمن وجدَ خيرًا فليحمدِ اللهَ ، ومن وجدَ غيرَ ذلك فلا يَلومنَّ غيرَ نفسِهِ ، ثم يأمرُ اللهُ جهنمَ ، فيخرجُ منها عُنقٌ ساطعٌ مظلمٌ ، ثم يقولُ اللهُ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [ يس : 59 , 60 ] فيميزُ اللهُ الناسَ ويُنادي الأممَ داعيًا كلَّ أمةٍ إلى كتابِها والأممُ جاثيةٌ منَ الهولِ ، يقولُ اللهُ تعالى : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا [ الجاثية : 28 ] فيَقضي اللهُ بين خلقِهِ إلا الثقلينِ الجنَّ والإنسَّ ، فيقضي بين الوحوشِ والبهائمِ حتى إنَّهُ ليقيدُ الجماءَ من ذاتِ القرنِ ، فإذا فرغَ اللهُ من ذلك فلم تبقَ تَبِعَةٌ عِندَ واحدةٍ للأخرى قال اللهُ : كوني ترابًا فعِندَ ذلك يقولُ الكافرُ : يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا . فيقضي بين العبادِ فيكونُ أولُ ما يُقضى فيه الدماءُ ، فيأتي كلُّ قتيلٍ في سبيلِ اللهِ ويأمرُ اللهُ كلَّ قتيلٍ فيحملُ رأسَهُ تشخبُ أوداجُهُ دمًا ، فيقولُ : يا ربِّ فيم قتلَني هذا ؟ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ : فيمَ قتلْتَهُ ؟ فيقولُ : يا ربِّ قتلْتهُ لتكون العزةُ لكَ ، فيقولُ اللهُ : صدقْتَ . فيجعلُ اللهُ وجهَهُ مثلَ نورِ السمواتِ ثم تسبقُهُ الملائكةُ إلى الجنةِ ، ثم يأمرُ اللهُ كلَّ قتيلٍ قُتِلَ على غيرِ ذلك فيأتي من قُتِلَ يحملُ رأسَهُ وتشخبُ أوداجُهُ دمًا فيقولُ : يا ربِّ فيمَ قتلَني هذا ؟ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ : فيم قتلْتَهُ ؟ فيقولُ : يا ربِّ قتلْتهُ لتكونَ العزةُ لي ، فيقولُ اللهُ : تعسْتَ ، ثم ما تبقى نفسٌ قتلَها قاتلٌ إلا قُتِلَ بها ، ولا مظلمةٌ إلا أخِذَ بها وكان في مشيئةِ اللهِ إن شاء عذبَهُ وإن شاء رحمَهُ ، ثم يَقضي اللهُ بين من تبقى من خلقِهِ حتى لا تَبقى مظلمةٌ لأحدٍ عِندَ أحدٍ إلا أخذَها للمظلومِ منَ الظالمِ حتى إنَّهُ ليكلفُ شائِبُ اللبنِ بالماءِ أن يُخلصَ اللبنَ منَ الماءِ ، فإذا فرغَ اللهُ من ذلك نادى منادٍ يُسمِعُ الخلائقَ كلَّهم فقال : ليلحقْ كلُّ قومٍ بآلهتِهم وما كانوا يعبدونَ من دونِ اللهِ فلا يبقى أحدٌ عبَدَ شيئًا من دونِ اللهِ إلا مُثِّلَتْ له آلهتُهُ بين يديْهِ فيُجعلُ يومئذٍ ملكًا منَ الملائكةِ على صورةِ عزيرٍ ويجعلُ اللهُ ملكًا منَ الملائكةِ على صورةِ عيسى ابنِ مريمَ فيتبعُ هذا اليهودُ وهذا النصارى ثم تقودُهم آلهتُهم إلى النارِ ، وهم الذين يقولُ اللهُ : لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [ الأنبياء : 99 ] فإذا لم يبقَ إلا المؤمنونَ ففيهمُ المنافقونَ جاءَهم اللهُ فيما يشاءُ من هيئةٍ فقال : يا أيُّها الناسُ ذهبَ الناسُ فالحَقوا بآلهتِكم وما كنْتم تعبدونَ ، فيقولونَ : واللهِ ما لنا إلهٌ إلا اللهُ وما كُنَّا نعبدُ غيرَهُ ، فينصرفُ اللهُ عنهم وهو اللهُ تبارك وتعالى فيمكثُ ما شاءَ اللهُ أن يمكثَ ثم يأتيهم فيقولُ : يا أيُّها الناسُ ذهب الناسُ فالحقوا بآلهتِكم وما كنْتُم تعبدونَ ، فيقولونَ : واللهِ ما لنا إلهٌ إلا اللهُ وما كُنَّا نعبدُ غيرَهُ ، فيكشفُ عن ساقِهِ ويتجلَّى لهم ويظهرُ لهم من عظمتِهِ ما يعرفونَ أنَّهُ ربُّهم فيخرونَ سُجدًا على وجوهِهم ويخرُّ كلُّ منافقٍ على قفاهُ ويجعلُ اللهُ أصلابَهم كصياصيِّ البقرِ ثم يأذنُ اللهُ لهم فيرفعونَ رؤوسَهم ويضربُ اللهُ الصراطٍ بين ظَهراني جهنمَ كعددِ أو كعقدةِ الشعرِ أو كحدِّ السيفِ عليْهِ كلاليبٌ وخطاطيفٌ وحسكٌ كحسكِ السعدانِ دونَهُ جسرٌ دحضٌ مزلةٌ فيمرونَ كطرفِ البصرِ أو كلمحِ البرقِ أو كمرِّ الريحِ أو كجيادِ الخيلِ أو كجيادِ الرِّكابِ أو كجيادِ الرجالِ ، فناجٍ سالمٍ وناجٍ مخدوشٍ ومكدوحٍ على وجهِهِ في جهنمَ ، فإذا أفضى أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ قالوا : من يشفعُ لنا إلى ربِّنا فندخلَ الجنةَ ؟ فيقولونَ : من أحقُّ بذلك من أبيكم آدمَ خلقَهُ اللهُ بيدِهِ ونفخَ فيه من روحِهِ وكلمَهُ قبلًا وأسجدَ له ملائكتَهُ ، فيأتونَ آدمَ فيطلبونَ إليه ذلك فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكن عليكم بنوحٍ فإنَّهُ أولُ رسلِ اللهِ ، فيُؤتى نوحٌ فيطلبونَ إليه ذلك فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكن عليكم بإبراهيمَ فإنَّ اللهَ اتخذَهُ خليلًا ، فيؤتى إبراهيمُ فيطلبونَ ذلك إليه فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكنْ عليكم بموسى فإنَّ اللهَ قربَهُ نجيًّا وكلمَهُ تكليمًا وأنزلَ عليْهِ التوراةَ ، فيؤتى موسى ، فيطلبُ ذلك إليه فيقولُ : ما أنا بصاحبِكم ، ولكن عليكم بروحِ اللهِ وكلمتِهِ ، عيسى ابنِ مريمَ ، فيؤتى عيسى ، فيطلبُ ذلك إليه ، فيقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ، ولكن عليكم بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ، وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فيأتوني ، ولي عِندَ ربِّي ثلاثُ شفاعاتٍ ، وعَدَنيهنَّ ، فأنطلقُ فآتي الجنةَ فآخذُ بحلقةِ البابِ ثم أستفتِحُ فيفتحُ لي فأُحيِّي ويرحبُ بي ، فإذا دخلْتُ الجنةَ ، فنظرْتُ إلى ربِّي عزَّ وجلَّ خررْتُ ساجدًا ، فيأذنَ لي من حمدِهِ وتحميدِهِ ، وتمجيدِهِ ، بشيءٍ ما أذنَ به لأحدٍ من خلقِهِ ، ثم يقولُ اللهُ : ارفعْ رأسَكَ يا محمدُ واشفعْ تشفعْ ، وسلْ تعطَ ، فإذا رفعْتُ رأسي ، قال اللهُ وهو أعلمُ ما شأنُكَ ؟ فأقولُ : يا ربِّ وعدْتَني الشفاعةَ ، فشفِّعْني في أهلِ الجنةِ ، أن يدخلوا الجنةَ ، فيقولُ : قد شفعْتُكَ فيهم ، وأذنْتُ في دخولِ الجنةِ ، فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يقولُ : والذي بعثَني بالحقِّ ما أنتُم في الدُّنيا بأعرفَ بأزواجِكم ، ومساكنِكم من أهلِ الجنةِ بأزواجِهم ، ومساكنِهم ، فيدخلُ كلُّ رجلٍ منهم على اثنتينِ وسبعينَ زوجةً كما ينشئُهنّ اللهُ ، واثنتينِ آدميتينِ من ولدِ آدمَ لهما فضلٌ على من شاءَ اللهُ لعبادتِهما اللهَ في الدُّنيا ، فيدخلُ على الأولى منهما في غرفةٍ من ياقوتةٍ على سريرٍ من ذهبٍ مكللٍ باللؤلؤِ ، له سبعونَ درجةً من سندسٍ وإستبرقٍ ، ثم يضعُ يدَهُ بين كتفيْها ، ثم ينظرُ إلى يدِهِ من صدرِها من وراءِ ثيابِها وجلدِها ولحمِها ، وإنَّهُ لينظرُ إلى لحمِ ساقِها كما ينظرُ أحدُكم إلى السلكِ في قصبةِ الياقوتِ ، كبدُهُ لها مِرآةٌ ، وكبدُها له مرآةٌ ، فبينما هو عِندَها لا يملُّها ولا تملُّهُ ما يأتيها من مرةٍ إلا وجدَها عذراءَ ، فبينما هو كذلك إذا نوديَ ، إنا قد عرفْنا أنكَ لا تَملُّ ولا تُملُّ ، إلا إنَّهُ لا منيَّ ولا منيةً إلا أن لك أزواجًا غيرَها ، فيخرجُ فيأتيهنَّ واحدةً واحدةً ، كلما جاءَ واحدة قالَتْ : واللهِ ما أرى في الجنةِ شيئًا أحسنَ منك ، وما في الجنةِ شيءٌ أحبَّ إليَّ منك ، فإذا وقعَ أهلُ النارِ في النارِ وقعَ فيها خلقٌ كثيرٌ من خلقِ ربِّك قد أوبقَتْهم أعمالُهم ، فمنهم من تأخذُهُ إلى قدميْهِ ، لا تجاوزُ ذلك ، ومنهم من تأخذُهُ إلى نصفِ ساقيْهِ ، ومنهم من تأخذُهُ إلى ركبتيْهِ ، ومنهم من تأخذُهُ إلى حِقويْهِ ومنهم من تأخذُهُ إلى ركبتيْهِ ، ومنهم من تأخذُهُ إلى حقويْهِ ومنهم من تأخذُ جسدَهُ كلَّهُ ، إلا وجهَهُ قد حرمَ اللهُ صورَهُ عليْها ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : فأقولُ : يا ربِّ شفعْني فيمن وقعَ في النارِ من أمتي ، فيقولُ اللهُ تعالى : أخرجوا من عرفْتم فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم واحدٌ ، ثم يأذنُ اللهُ لي في الشفاعةِ ، فلا يبقى نبيٌّ ولا شهيدٌ إلا شفعَ ، فيقولُ اللهُ : أخرجوا من وجدْتُم في قلبِهِ زِنةَ الدينارِ ، فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ فيشفعُ اللهُ فيقولُ : أخرِجوا من وجدْتم في قلبِهِ إيمانًا ثلثيْ دينارٍ ، ثم يقولُ : نصفُ دينارٍ ثم يقولُ : ثلثَ دينارٍ ، ثم يقولُ : ربعَ دينارٍ ، ثم يقولُ : قيراطًا ، ثم يقولُ : حبةً من خردلٍ ، فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ ، وحتى لا يبقى في النارِ من عملَ للهِ خيرًا قطُّ ، ولا يبقى أحدٌ له شفاعةٌ إلا شُفِّعَ ، حتى أن إبليسَ ليتطاولُ لما يَرى من رحمةِ اللهِ ، رجاءَ أن يُشفَعَ له ثم يقولُ اللهُ تعالى : بقيتُ أنا ، وأنا أرحمُ الراحمينَ ، فيدخلَ اللهُ يدَهُ في جهنمَ فيخرجَ منها ما لا يحصيهُ غيرُهُ ، كأنَّهُم الحممُ على نهرٍ يقالُ له الحياةُ ، فينبتونَ كما تنبتُ الحبةُ في حميلِ السيلِ ما يَلي الشمسَ منها أُخيضرُ ، وما يلي الظلَّ منها أصيفرَ ، فينبتونَ كنباتِ الطراثيثِ حتى يكونوا أمثالَ الدُّرِّ مكتوبًا في رقابِهم الجهنميونَ عتقاءُ اللهِ ، فيعرفُهم أهلُ الجنةِ بذلك الكتابِ ، ما عملوا خيرًا قطُّ فيمكثونَ في الجنةِ ما شاءَ اللهِ وذلك الكتابُ في رقابِهم ثم يقولونَ : ربَّنا امحُ عنَّا هذا الكتابَ فيُمحى عنهم
حديث الفُتونِ [يعني حديث: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسى عليهِ السلامُ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا، فسألتُهُ عن الفُتُونِ ما هوَ ؟ قال : استأنِفِ النهارَ يا ابنَ جبيرٍ فإنَّ لها حديثًا طويلًا : فلمَّا أصبحتُ غدوتُ إلى ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منهُ ما وعدني من حديثِ الفُتُونِ، فقال : تذاكَرَ فرعونُ وجلساؤُهُ ما كان اللهُ وعدَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أن يجعلَ في ذريتِهِ أنبياءَ وملوكًا، فقال بعضهم : إنَّ بني إسرائيلَ ينتظرونَ ذلك، ما يَشُكُّونَ فيهِ، وكانوا يظنُّونَ أنَّهُ يوسفُ بنُ يعقوبَ، فلمَّا هلك قالوا : ليس هكذا كان وعدُ إبراهيمَ، فقال فرعونُ : فكيف تَرَوْنَ ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ، يطوفونَ في بني إسرائيلَ، فلا يجدونَ، مولودًا ذكرًا إلا ذبحوهُ، ففعلوا ذلك، فلمَّا رَأَوْا أنَّ الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالهم، والصغارَ يُذْبَحُونَ، قالوا : يُوشِكُ أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ، فتصيروا أن تُبَاشِرُوا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونَكُمْ، فاقتلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيَقِلُّ أبناؤهم، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيَشِبُّ الصغارُ مكان من يموتُ من الكبارِ، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيونَ منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يَفْنَوا بمن تقتلونَ وتحتاجونَ إليهم. فأَجْمَعُوا أمرهم على ذلك. فحملتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيهِ الغلمانُ، فولدتْهُ علانيةً آمنةً. فلمَّا كان من قابلٍ حملتْ بموسى عليهِ السلامُ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزنُ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ما دخل عليهِ في بطنِ أُمِّهِ ، ممَّا يُرادُ بهِ. فأوحى اللهُ إليها أن : وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فأمرها إذا ولدتْ أن تجعلَهُ في تابوتٍ ثم تُلْقِيهِ في اليمِّ . فلمَّا ولدتْ فعلتْ ذلك، فلمَّا تَوارَى عنها ابنها أتاها الشيطانُ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني، لو ذُبِحَ عندي فواريتُهُ وكفَّنتُهُ كان أحبُّ إليَّ من أن أُلْقِيهِ إلى دوابِّ البحرِ وحيتانِهِ. فانتهى الماءُ بهِ حتى أوفى بهِ عند فُرْضَةِ مُسْتَقَى جواري امرأةِ فرعونَ فلمَّا رأينَهُ أخذنَهُ فهممن أن يفتحْنَ التابوتَ فقال بعضهنَّ : إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إن فتحناهُ لم تُصَدِّقنا امرأةُ المَلِكِ بما وجدنا فيهِ، فحملنَهُ كهيئتِهِ لم يُخْرِجْنَ منهُ شيئًا حتى رفعنَهُ إليها. فلمَّا فتحتْهُ رأتْ فيهِ غلامًا، فأُلْقِي عليهِ منها محبةً لم يُلْقِ منها على أحدٍ قطُّ، وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من ذِكْرِ كلِّ شيٍء، إلا من ذِكْرِ موسى. فلمَّا سمع الذبَّاحونَ بأمرِهِ، أقبلوا بشِفَارِهِمْ إلى امرأةِ فرعونَ ليذبحوهُ : وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ، فقالت لهم : أَقِرُّوهُ فإنَّ هذا الواحدَ لا يزيدُ في بني إسرائيلَ حتى آتي فرعونَ فأستوهبُهُ منهُ، فإن وهبَهُ لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمرَ بذبحِهِ لم أَلُمْكُمْ. فأتت فرعونَ فقالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ. فقال فرعونُ : يكونُ لكَ. فأمَّا لي فلا حاجةَ لي فيهِ : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ، لهداهُ اللهُ كما هداها، ولكن حَرَمَهُ ذلك. فأرسلتْ إلى من حولها، إلى كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ لتختارَ لهُ ظِئْرًا، فجعل كلَّما أخذتْهُ امرأةٌ منهنَّ لتُرْضِعَهُ لم يُقْبِلْ على ثديها حتى أشفقتِ امرأةُ فرعونَ أن يمتنعَ من اللبنِ فيموتَ، فأحزنها ذلك، فأمرتْ بهِ فأُخْرِجَ إلى السوقِ ومجمعِ الناسِ، ترجو أن تجدَ لهُ ظِئْرًا تأخذُهُ منها، فلم يُقْبِلْ، وأصبحتْ أمُّ موسى والهًا، فقالت لأختِهِ : قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ – والجُنُبُ : أن يَسْمُو بصرُ الإنسانِ إلى شيٍء بعيدٍ، وهو إلى جنبِهِ، وهو لا يشعرُ بهِ – فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ. فأخذوها فقالوا ما يُدريكِ ؟ وما نُصْحُهُمْ لهُ ؟ هل يعرفونَهُ ؟ حتى شَكُّوا في ذلك، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ. فقالت : نُصْحُهُمْ لهُ وشفقتهم عليهِ رغبتهم في ظؤرةِ الملكِ، ورجاءَ منفعةِ الملكِ. فأرسلوها فانطلقتْ إلى أُمِّهَا، فأخبرتها الخبرَ. فجاءت أُمُّهُ، فلمَّا وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا، وانطلقَ البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يُبَشِّرونها : أن قد وجدنا لابنكِ ظِئْرًا. فأرسلتْ إليها، فأتتْ بها وبهِ، فلمَّا رأت ما يصنعُ بها قالت : امْكُثِي تُرْضِعِي ابني هذا، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطُّ. قالت أمُّ موسى : لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيعُ، فإن طابت نفسكَ أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي. وذكرتْ أمُّ موسى ما كان اللهُ وعدها فيهِ، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ ، وأيقنَتْ أنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيهِ. فلم يزل بنو إسرائيلَ، وهم في ناحيةِ القريةِ، ممتنعينَ من السخرةِ والظلمِ ما كان فيهم، فلمَّا ترعرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى : أَتُرِيني ابني ؟ فوَعَدَتْهَا يومًا تُرِيها إياهُ فيهِ، وقالت امرأةُ فرعونَ لخازنها وظؤرها وقَهَارِمَتِهَا لا يَبْقِيَنَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابني اليومَ بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك، وأنا باعثةٌ أمينًا يًحْصِي ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تزلِ الهدايا والنِّحَلُ والكرامةُ تستقبلُهُ من حينِ خرج من بيتِ أُمِّهِ إلى أن دخل على امرأةِ فرعونَ ، فلمَّا دخل عليها نَحَلَتْهُ وأكرمتْهُ، وفرحت بهِ، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لحُسْنِ أثرها عليهِ، ثم قالت : لآتِيَنَّ بهِ فرعونَ فليَنْحَلَنَّهُ وليُكْرِمَنَّهُ، فلمَّا دخلت بهِ عليهِ جعلَهُ في حجرِهِ، فتناولَ موسى لِحْيَةَ فرعونَ يَمُدُّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ من أعداءِ اللهِ لفرعونَ : ألا ترى ما وعد اللهُ إبراهيمَ نبيَّهُ، إنَّهُ زعم أن يرثِكَ ويعلوكَ ويصرعكَ، فأرسلَ إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوهُ. وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِيَ بهِ، وأُريدَ بهِ. فجاءت امرأةُ فرعونَ فقالت : ما بدا لك في هذا الغلامِ الذي وهبتَهُ لي ؟ فقال : ألا تَرَيْنَهُ يزعمُ أنَّهُ يصرعني ويعلوني. فقالت : اجعلْ بيني وبينك أمرًا يُعْرَفُ فيهِ الحقُّ، ائتِ بجمرتيْنِ ولؤلؤتيْنِ، فقرِّبْهُنَّ إليهِ، فإن بطشَ باللؤلؤتيْنِ واجتنبْ الجمرتيْنِ فاعرفْ أنَّهُ يَعْقِلْ وإن تناولَ الجمرتيْنِ ولم يَرُدَّ اللؤلؤتيْنِ علمتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتيْنِ على اللؤلؤتيْنِ وهو يَعْقِلُ، فقَرَّبَ إليهِ، فتناولَ الجمرتيْنِ، فانتزعهما منهُ مخافةَ أن يحرقا يدَهُ، فقالت امرأةُ فرعونَ : ألا ترى ؟ فصرفَهُ اللهُ عنهُ بعد ما كان قد همَّ بهِ، وكان اللهُ بالغًا فيهِ أمرَهُ. فلمَّا بلغ أَشُدَّهُ وكان من الرجالِ، لم يكن أحدٌ من آلِ فرعونَ يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معهُ بظلمٍ ولا سخرةٍ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناعِ، فبينما موسى عليهِ السلامُ يمشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجليْنِ يقتتلانِ، أحدهما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضب موسى غضبًا شديدًا، لأنَّهُ تناولَهُ وهو يعلمُ منزلتَهُ من بني إسرائيلَ وحِفْظِهِ لهم، لا يعلمُ الناسُ إلا أنما ذلك من الرضاعِ، إلا أمُّ موسى، إلا أن يكون اللهُ أطلعَ موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليهِ غيرُهُ. فوكزَ موسى الفرعونيَّ، فقتلَهُ وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ والإسرائيليُّ، فقال موسى حين قتلَ الرجلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. ثم قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ الأخبارَ، فأُتِيَ فرعونُ، فقيل لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قتلوا رجلًا من آلِ فرعونَ فخُذْ لنا بحَقِّنَا ولا تُرَخِّصْ لهم. فقال : أبغوني قاتِلَهُ، ومن يشهدُ عليهِ، فإنَّ الملكَ وإن كان صَفْوُهُ مع قومِهِ لا يستقيمُ لهُ أن يُقِيدَ بغيرِ بينَةٍ ولا ثَبْتٍ، فاطلبوا لي عِلْمَ ذلك آخُذُ لكم بحقكم. فبينما هم يطوفونَ ولا يجدون ثَبْتًا، إذا بموسى من الغدِ قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ رجلًا من آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ وكَرِهَ الذي رأى، فغضب الإسرائيليُّ وهو يريدُ أن يبطشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ لما فعل بالأمسِ واليومَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى بعد ما قال لهُ ما قال، فإذا هو غضبانٌ كغضبِهِ بالأمسِ الذي قتلَ فيهِ الفرعونيَّ فخاف أن يكون بعدما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكونَ إياهُ أرادَ، ولم يكن أرادَهُ، وإنَّما أرادَ الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ وقال : يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وإنما قالَهُ مخافةَ أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتلَهُ، فتتاركا وانطلقَ الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبرِ حين يقولُ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتلوا موسى، فأخذ رُسُلُ فرعونَ في الطريقِ الأعظمِ يمشونَ على هيئتهم يطلبونَ موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينةِ فاختصرَ طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبرَهُ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ. فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحوَ مَدْيَنَ لم يَلْقَ بلاءً قبل ذلك، وليس لهُ بالطريقِ علمٌ إلا حُسْنُ ظنِّهِ بربهِ عزَّ وجلَّ فإنَّهُ قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ يعني بذلك حابستيْنِ غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتيْنِ لا تسقيانِ مع الناسِ ؟ قالتا : ليس لنا قوةٌ نُزاحِمُ القومَ وإنما ننتظرُ فُضُولَ حياضهم، فَسَقَى لهما فجعل يغترفُ في الدَّلْوِ ماءً كثيرًا حتى كان أولَ الرُّعَاءِ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليهِ السلامُ فاستظَلَّ بشجرةٍ وقال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واستنكرَ أبوهما سرعةَ صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطَانًا فقال : إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبرتاهُ بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوهُ، فأتتْ موسى فدعتْهُ فلمَّا كلَّمَهُ قال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعونَ ولا لقومِهِ علينا سلطانٌ، ولسنا في مملكتِهِ، فقالت إحداهما : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مِنَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملتْهُ الغِيرَةُ على أن قال لها : ما يُدْرِيكِ ما قوتُهُ وما أمانتُهُ ؟ قالت : أما قُوَّتُهُ فما رأيتُ منهُ في الدَّلْوِ حين سقى لنا، لم أَرَ رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السَّقْيِ منهُ، وأما الأمانةُ فإنَّهُ نظر إلي حينِ أقبلتْ إليهِ وشَخَصَتْ لهُ، فلمَّا علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ حتى بَلَّغْتُهُ رسالتكَ، ثم قال لي : امشي خلفي وانْعُتِي لي الطريقَ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظَنَّ بهِ الذي قالت، فقال لهُ : هل لكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبيِّ اللهِ موسى ثماني سنينَ واجبةً وكانت سَنَتَانِ عِدَةً منهُ فقضى اللهُ عنهُ عِدَتَهُ فأَتَمَّها عشرًا. قال سعيدٌ هو ابنُ جبيرٍ : فلَقِيَنِي رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ من علمائهم قال : هل تدري أيُّ الأجلَيْنِ قضى موسى ؟ قلتُ : لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقيتُ ابنَ عباسٍ فذكرتُ ذلك لهُ فقال : أما علمتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ واجبةً لم يكن لنبيٍّ أن يَنْقُصَ منها شيئًا، ويعلمُ أنَّ اللهَ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَهُ التي وعدَهُ فعِدَتُهُ التي وعدَهُ فإنَّهُ قضى عشرَ سنينَ، فلقيتُ النصرانيَّ فأخبرتُهُ ذلك فقال : الذي سألتَهُ فأخبركَ أعلمُ منكَ بذلك قلتُ : أجل وأَوْلَى. فلمَّا سار موسى بأهلِهِ كان من أمرِ النارِ والعصا ويدِهِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القرآنِ، فشكا إلى اللهِ تعالى ما يَتَخَوَّفُ من آلِ فرعونَ في القتيلِ وعُقْدَةِ لسانِهِ، فإنَّهُ كان في لسانِهِ عُقْدَةً تمنعُهُ من كثيرٍ من الكلامِ، وسأل ربهُ أن يُعِينَهُ بأخيهِ هارونَ يكونُ لهُ رِدْءًا ويتكلَّمُ عنهُ بكثيرٍ مما لا يُفْصِحُ بهِ لسانُهُ، فآتاهُ اللهُ سُؤْلَهُ وحلَّ عقدةً من لسانِهِ وأوحى اللهُ إلى هارونَ وأَمَرَهُ أن يلقاهُ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لَقِيَ هارونَ عليهما السلامُ فانطلقا جميعًا إلى فرعونَ فأقاما على بابِهِ حينًا لا يُؤْذَنُ لهما، ثم أُذِنَ لهما بعد حجابٍ شديدٍ فقالا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبرَهُ بالذي قَصَّ اللهُ عليكَ في القرآنِ، قال : فما تريدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القتيلَ فاعتذرَ بما قد سمعتَ، قال : أريدً أن تُؤْمِنَ باللهِ وتُرْسِلَ معيَ بني إسرائيلَ، فأَبَى عليهِ وقال ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى عصاهُ فإذا هي حيَّةٌ تسعى عظيمةٌ فاغِرَةٌ فاها مسرعةٌ إلى فرعونَ ، فلمَّا رآها قاصدةً إليهِ خافها فاقتحمَ عن سريرِهِ واستغاثَ بموسى أن يَكُفَّهَا عنهُ ففعلَ، ثم أخرج يدَهُ من جيبِهِ فرآها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ يعني من غيرِ بَرَصٍ ثم رَدَّهَا فعادت إلى لونها الأولِ، فاستشار الملأَ حولَهُ فيما رأى، فقالوا لهُ : هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني مُلْكَهُمْ الذي هم فيهِ والعيشِ، وأَبَوْا على موسى أن يُعْطُوهُ شيئًا ممَّا طلبَ، وقالوا لهُ : اجمعْ لهما السحرةَ فإنَّهم بأرضكَ كثيرٌ حتى تَغْلِبَ بسحركَ سحرهما، فأرسلَ إلى المدائنِ فحُشِرَ لهُ كلُّ ساحرٍ متعالمٍ، فلمَّا أَتَوْا فرعونَ قالوا : بم يعملُ هذا الساحرُ ؟ قالوا : يعمل بالحَيَّاتِ، قالوا : فلا واللهِ ما أَحَدٌ في الأرضِ يعملُ بالسحرِ بالحَيَّاتِ والحبالِ والعِصِيِّ الذي نعملُ، وما أَجْرُنَا إن نحنُ غَلَبْنَا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيٍء أحببتم، فتواعدوا يومَ الزينةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضحىً، قال سعيدُ بنُ جبيرٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ أنَّ يومَ الزينةَ الذي أظهرَ اللهُ فيهِ موسى على فرعونَ والسحرةَ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ قال الناسُ بعضهم لبعضٍ : انطلقوا فلنحضر هذا الأمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ يعنون موسى وهارونَ استهزاءً بهما، فقالوا : يا موسى لقدرتهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ: بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسِهِ خيفةً، فأوحى اللهُ إليهِ أن أَلْقِ عصاكَ، فلمَّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمةً فاغِرَةً فاها، فجعلتِ العِصِيُّ تلتبسُ بالحبالِ حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبانِ، تدخلُ فيهِ، حتى ما أبقت عصًا ولا حبالًا إلا ابتلعتْهُ، فلمَّا عرفتِ السحرةُ ذلك قالوا، لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا، ولكنَّهُ أمرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ، آمَنَّا باللهِ وبما جاء بهِ موسى، ونتوبُ إلى اللهِ ممَّا كُنَّا عليهِ، فكسرَ اللهُ ظهرَ فرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِهِ، وظَهَرَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وامرأةُ فرعونَ بارزةٌ متبذلةٌ تدعو اللهَ بالنصرِ لموسى على فرعونَ وأشياعِهِ، فمن رآها من آلِ فرعونَ ظنَّ أنَّها إنما ابتُذِلَتْ للشفقةِ على فرعونَ وأشياعِهِ، وإنَّما كان حزنها وهَمُّها لموسى. فلمَّا طال مُكْثُ موسى بمواعيدِ فرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاء بآيةٍ وعدَهُ عندها أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ، فإذا مَضَتْ أخلفَ موعدَهُ وقال : هل يستطيعُ ربكَ أن يصنعَ غيرَ هذا ؟ فأرسلَ اللهُ على قومِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقَمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، كلُّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلبُ إليهِ أن يَكُفَّها عنهُ، ويُوَاثِقُهُ على أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنهُ أخلفَ موعدَهُ، ونكث عهدَهُ. حتى أمرَ اللهُ موسى بالخروجِ بقومِهِ فخرج بهم ليلًا، فلمَّا أصبح فرعونُ ورأى أنهم قد مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، فتبعَهُ بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ إلى البحرِ : إذا ضربكَ عبدي موسى بعصاهُ فانفلِقْ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً، حتى يجوزَ موسى ومن معهُ، ثم التَقِ على من بَقِيَ بعد من فرعونَ وأشياعِهِ. فنسيَ موسى أن يضربَ البحرَ بالعصا وانتهى إلى البحرِ ولهُ قصيفٌ، مخافةَ أن يضربَهُ موسى بعصاهُ وهو غافلٌ فيصيرُ عاصيًا للهِ. فلمَّا تراءى الجَمْعَانِ وتقاربا قال أصحابُ موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، افعلْ ما أمركَ بهِ ربكَ، فإنَّهُ لم يَكْذِبْ ولم تَكْذِبْ. قال : وعدني أن إذا أتيتُ البحرَ انْفَرَقَ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً، حتى أُجَاوِزُهُ : ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحرَ بعصاهُ حين دنا أوائلُ جُنْدِ فرعونَ من أواخرِ جُنْدِ موسى، فانفرقَ البحرُ كما أمرَهُ ربهُ وكما وعد موسى فلمَّا أن جاز موسى وأصحابُهُ كلُّهم البحرَ، ودخل فرعونُ وأصحابُهُ، التقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ فلمَّا جاوزَ موسى البحرَ قال أصحابُهُ : إنَّا نخافُ أن لا يكون فرعونُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بهلاكِهِ. فدعا ربهُ فأخرجَهُ لهُ ببدنِهِ حتى استيقنوا بهلاكِهِ. ثم مَرُّوا بعد ذلك عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العِبَرِ وسمعتم ما يكفيكم ومضى. فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارونَ فإني قد استخلفتُهُ عليكم، فإني ذاهبٌ إلى ربي. وأَجَّلَهُمْ ثلاثينَ يومًا أن يرجعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربهُ وأرادَ أن يُكَلِّمَهُ في ثلاثينَ يومًا وقد صامهُنَّ ليلهُنَّ ونهارهُنَّ، وكَرِهَ أن يُكَلِّمَ ربهُ وريحُ فيهِ، ريحُ فمِ الصائمِ، فتناولَ موسى من نباتِ الأرضِ شيئًا فمضغَهُ، فقال لهُ ربهُ حين أتاهُ : لم أفطرتَ ؟ وهو أعلمُ بالذي كان : قال : يا ربِّ، إني كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ. قال : أوما علمتَ يا موسى أنَّ رِيحَ فمِ الصائمِ أطيبُ من ريحِ المِسْكِ، ارجع فصُمْ عشرًا ثم ائتني. ففعل موسى عليهِ السلامُ ما أُمِرَ بهِ، فلمَّا رأى قومُ موسى أنَّهُ لم يرجع إليهم في الأَجَلِ، ساءهم ذلك : وكان هارونُ قد خطبهم وقال : إنَّكم قد خرجتم من مصرَ، ولقومِ فرعونَ عندكم عَوَارِيَ وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك ولا ممسكيهِ لأنفسنا، فحفرَ حفيرًا، وأمر كلَّ قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أن يقذفوهُ في ذلك الحفيرِ، ثم أوقدَ عليهِ النارَ فأحرقَهُ، فقال : لا يكونُ لنا ولا لهم. وكان السامريُّ من قومٍ يعبدونَ البقرَ، جيرانٌ لبني إسرائيلَ، ولم يكن من بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع موسى وبني إسرائيلَ حينَ احتملوا، فقضى لهُ أن رأى أَثَرًا فقبضَ منهُ قبضةً، فمرَّ بهارونَ، فقال لهُ هارونُ عليهِ السلامُ : يا سامريُّ، ألا تُلْقِي ما في يدكَ ؟ وهو قابضٌ عليهِ، لا يراهُ أحدٌ طُوَالَ ذلكَ، فقال : هذهِ قبضةٌ من أَثَرِ الرسولِ الذي جاوزَ بكمُ البحرَ، ولا أُلْقِيهَا لشيٍء إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُهَا أن يكونَ ما أُريدُ. فألقاها، ودعا لهُ هارونُ، فقال : أُريدُ أن يكونَ عِجْلًا. فاجتمعَ ما كان في الحفيرةِ من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ، فصار عِجْلَا أجوفَ ، ليس فيهِ روحٌ، ولهُ خُوَارٌ قال ابنُ عباسٍ : لا واللهِ، ما كان لهُ صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الريحُ تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ، فكان ذلك الصوتَ من ذلكَ. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا، فقالت فِرْقَةٌ : يا سامريُّ، ما هذا ؟ وأنتَ أعلمُ بهِ. قال : هذا ربكم، ولكن موسى أَضَلَّ الطريقَ. وقالت فِرْقَةٌ : لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يرجعَ إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضَيَّعْنَاهُ وعجزنا فيهِ حين رأيناهُ، وإن لم يكن ربنا فإنَّا نَتَّبِعُ قولَ موسى، وقالت فِرْقَةٌ : هذا عملُ الشيطانِ، وليس بربنا ولا نُؤْمِنُ بهِ ولا نُصَدِّقُ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العِجْلِ، وأعلنوا التكذيبَ بهِ، فقال لهم هارونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكَمُ الرَّحْمَنُ. قالوا : فما بالُ موسى وعدنا ثلاثينَ يومًا ثم أخلفنا ؟ هذهِ أربعونَ يومًا قد مضتْ ؟ وقال سفهاؤهم : أخطأَ ربُّهُ فهو يطلبُهُ ويَتْبَعُهُ. فلمَّا كلَّمَ اللهُ موسى وقال لهُ ما قال : أَخْبَرَهُ بما لَقِيَ قومُهُ من بعدِهِ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فقال لهم ما سمعتم في القرآنِ، وأخذ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إليهِ، وألقى الألواحَ من الغضبِ، ثم إنَّهُ عذرَ أخاهُ بعذرِهِ، واستغفرَ لهُ، وانصرفَ إلى السامريِّ فقال لهُ : ما حملكَ على ما صنعتَ ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، وفطنتُ لها وعميتْ عليكم، فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منهُ، فاستيقنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغتُبِطَ الذين كان رأيهم فيهِ مثلَ رأي هارونَ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى، سَلْ لنا ربكَ أن يفتحَ لنا بابَ توبةٍ نصنعها، فيُكَفِّرْ عنَّا ما عملنا. فاختارَ موسى قومَهُ سبعينَ رجلًا لذلك، لا يَأْلُو الخيرَ، خيارَ بني إسرائيلَ، ومن لم يُشْرِكْ في العِجْلِ، فانطلقَ بهم يسألُ لهمُ التوبةَ، فرجفتْ بهمُ الأرضَ، فاستحيا نبيُّ اللهِ من قومِهِ ومن وفدِهِ حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال : ربِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وفيهم من كان اطَّلَعَ اللهُ منهُ على ما أُشْرِبَ قلبُهُ من حُبِّ العِجْلِ وإيمانٍ بهِ فلذلك رجفتْ بهمُ الأرضُ فقال : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال : يا ربِّ سألتُكَ التوبةَ لقومي، فقلتَ : إنَّ رحمتي كتبتُهَا لقومٍ غيرِ قومي فليتَكَ أَخَّرْتَنِي حتى تُخْرِجَنِي في أُمَّةِ ذلك الرجلِ المرحومةِ، فقال لهُ : إنَّ توبتهم أن يَقْتُلَ كلُّ رجلٍ منهم من لَقِيَ من والدٍ وولدٍ فيقتلُهُ بالسيفِ ولا يُبَالِي من قتلَ في ذلك الموطنِ وتاب أولئكَ الذين كان خَفِيَ على موسى وهارونَ واطَّلَعَ اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمِرُوا وغفرَ اللهُ للقاتلِ والمقتولِ. ثم سار بهم موسى عليهِ السلامُ مُتَوَجِّهًا نحوَ الأرضِ المقدسةِ، وأخذ الألواحَ بعد ما سكتَ عنهُ الغضبُ فأمرهم بالذي أُمِرَ بهِ أن يُبَلِّغَهُمْ من الوظائفِ، فثَقُلَ ذلك عليهم وأَبَوْا أن يُقِرُّوا بها، فنَتَقَ اللهُ عليهمُ الجبلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ ودنا منهم حتى خافوا أن يقعَ عليهم فأَخَذُوا الكتابَ بأيمانهم وهم مُصْغُونَ ينظرونَ إلى الجبلِ والكتابُ بأيديهم، وهم من وراءِ الجبلِ مخافةَ أن يقعَ عليهم، ثم مَضَوْا حتى أَتَوْا الأرضَ المقدسةَ فوجدوا مدينةً فيها قومٌ جَبَّارُونَ خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عِظَمِهَا، فقالوا : يا موسى إنَّ فيها قومًا جَبَّارِينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخلها ماداموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلونَ، قال رجلانِ من الذينَ يخافونَ قيل ليزيدٍ : هكذا قرأَهُ ؟ قال : نعم، من الجَبَّارِينَ آمَنَّا بموسى، وخرجا إليهِ فقالوا : نحنُ أعلمُ بقومنا إن كنتم إنَّما تخافونَ ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم ولا مَنَعَةَ عندهم فادخلوا عليهمُ البابَ فإذا دخلتموهُ فإنَّكم غالبونَ، ويقولُ أُناسٌ : إنَّهم من قومِ موسى، فقال الذينَ يخافونَ بنو إسرائيلَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يَدْعُ عليهم قبلَ ذلك، لِمَا رأى منهم المعصيةَ وإساءتهم حتى كان يومئذٍ، فاستجاب اللهُ لهُ وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقينَ، فحرَّمَهَا عليهم أربعينَ سَنَةً يتيهونَ في الأرضِ، يُصْبِحُونَ كلَّ يومٍ فيسيرونَ ليس لهم قرارٌ ثم ظَلَّلَ عليهمُ الغمامَ في التِّيهِ وأنزلَ عليهمُ المَنَّ والسلوى وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ، وجعل بين ظهرانيهم حَجَرًا مُرَبَّعًا وأمرَ موسى فضربَهُ بعصاهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا في كلِّ ناحيةٍ ثلاثُ أعينٍ، وأعلمَ كلَّ سِبْطٍ عَيْنُهُمُ التي يشربونَ منها فلا يرتحلونَ من مَنْقَلَةٍ إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ معهم بالمكانِ الذي كان فيهِ بالأمسِ]
ذُكِر الدَّجَّالُ عندَ عبدِ اللهِ، فقال: تَفترِقون أيُّها النَّاسُ عندَ خُروجِه ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرقةٍ تَتبَعُه، وفِرقةٍ تَلحَقُ بآبائِها بمَنابتِ الشِّيحِ، وفِرقةٍ تَأخُذُ شطَّ هذا الفُراتِ، يُقاتِلُهم ويُقاتِلونه، حتَّى يُقتَلون بغَربيِّ الشَّامِ، فيَبعَثون طَليعةً فيهم فَرسٌ أشقَرُ -أو أبْلَقُ- فيَقتَتِلون، فلا يَرجِعُ منهم أحدٌ، قال: وأخبَرَني أبو صادقٍ، عن رَبيعةَ بنِ ناجذٍ: أنَّه فرَسٌ أشقَرُ. ثمَّ قال عبدُ اللهِ: ويَزعُمُ أهلُ الكتابِ أنَّ المسيحَ عليه السَّلامُ يَنزِلُ فيَقتُلُه، ويَخرُجُ يَأجوجُ ومَأجوجُ، وهمْ مِن كلِّ حَدْبٍ يَنسِلون، فيَموجُون في الأرضِ فيُفسِدون فيها، ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96]، فيَبعَثُ اللهُ عليهم دابَّةً مِثلَ النَّغَفِ، فتَلِجُ في أسماعِهِم ومَناخِرِهم، فيَموتونَ منها، فتُنتِنُ الأرضُ منهم، فيَجأَرُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، فيُرسِلُ ماءً، فيُطهِّرُ الأرضُ منهم، ويَبعَثُ اللهُ رِيحًا فيها زَمْهريرٌ باردةٌ، فلا تَدَعُ على الأرضِ مُؤمِنًا إلَّا كفَتْه تلك الرِّيحُ، ثمَّ تقومُ السَّاعةُ على شِرارِ النَّاسِ، ثمَّ يقومُ مَلَكٌ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفَخُ فيه، فلا يَبْقى مِن خلْقِ اللهِ في السَّمواتِ والأرضِ إلَّا ماتَ، إلَّا مَن شاء ربُّك، ثمَّ يكونُ بيْن النَّفختينِ ما شاء اللهُ، فليْس مِن بَني آدَمَ أحدٌ إلَّا في الأرضِ منه شَيءٌ، ثمَّ يُرسِلُ اللهُ ماءً مِن تحْتِ العرشِ مَنيًّا كمَنيِّ الرِّجالِ، فتَنبُتُ لُحْمانُهم وجِثمانُهم كما تَنبُتُ الأرضُ مِنَ الثَّرى، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ} حتَّى بلَغَ {كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9]. ثمَّ يقومُ مَلَكٌ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفُخُ فيه، فيَنطلِقُ كلُّ رُوحٍ إلى جَسدِها، فتَدخُلُ فيه، فيَقومون فيَجِيئون مَجيئةَ رجُلٍ واحدٍ قِيامًا لرَبِّ العالَمِينَ، ثمَّ يَتمثَّلُ اللهُ تعالَى للخلْقِ، فيَلْقى اليهودَ، فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ عُزيرًا، فيَقولُ: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ قالوا: نعمْ، فيُرِيهم جَهنَّمَ وهي كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف: 100]، ثمَّ يَلْقى النَّصارى فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ المسيحَ، فيَقولُ: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ فيَقولُون: نعمْ، فيُرِيهم جَهنَّمَ وهي كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ كذلك مَن كان يَعبُدُ مِن دونِ اللهِ شَيئًا، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]. حتَّى يَبْقى المسْلِمون فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ لا نُشرِكُ به شَيئًا، فيَنتهِرُهم مرَّتينِ أو ثَلاثًا: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ لا نُشرِكُ به شَيئًا، فيَقولُ: هلْ تَعرِفون ربَّكم؟ فيَقولُون: سُبحانه! إذا اعتَرَفَ لنا عَرَفْناه، فعندَ ذلكَ يُكشَفُ عن ساقٍ، فلا يَبْقى مُؤمِنٌ إلَّا خرَّ للهِ ساجدًا، ويَبْقى المنافِقون ظُهورُهم طبَقٌ واحدٌ كأنَّما فيها السَّفافيدُ، فيَقولُون: ربَّنا، فيَقولُ: قدْ كُنتُم تُدْعَون إلى السُّجودِ وأنتمْ سالِمون، ثمَّ يَأمُرُ اللهُ بالصِّراطِ، فيُضرَبُ على جَهنَّمَ، فيمُرُّ النَّاسُ بقدْرِ أعمالِهم زُمَرًا؛ أوائلُهم كلَمْحِ البرْقِ، ثمَّ كمَرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمَرِّ الطَّيرِ، ثمَّ كمَرِّ البهائمِ، حتَّى يمُرَّ الرَّجلُ سَعيًا، ثمَّ يَمُرُّ الرَّجلُ مَشْيًا، حتَّى يَجِيءَ آخِرُهم رجُلٌ يَتلبَّطُ على بَطنِه فيَقولُ: يا ربِّ، لِمَ أبْطَأْتَ بي؟ قال: إنِّي لم أُبطِئْ بكَ، إنَّما أبْطَأَ بكَ عمَلُك. ثمَّ يَأذَنُ اللهُ تعالَى في الشَّفاعةِ، فيكونُ أوَّلُ شافعٍ رُوحَ اللهِ القُدسَ جِبريلَ، ثمَّ إبراهيمَ، ثمَّ مُوسى، ثمَّ عِيسى، ثمَّ يقومُ نَبيُّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلا يَشْفَعُ أحدٌ فيما يَشفَعُ فيه، وهو المقامُ المحمودُ الَّذي ذَكَره اللهُ تعالَى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، فليْس مِن نفْسٍ إلَّا وهي تَنظُرُ إلى بَيتٍ في الجنَّةِ وبَيتٍ في النَّارِ، قال: وهو يومُ الحسْرةِ، فيَرى أهلُ النَّارِ البيتَ الَّذي في الجنَّةِ، قال سُفيانُ: أوَّاهُ، لوْ عَلِمتُم يوْمَ يَرى أهلُ الجنَّةِ الَّذي في النَّارِ! فيَقولُون: لوْلا أنَّ مَنَّ اللهُ علينا! ثمَّ تَشفَعُ الملائكةُ والنَّبيُّون والشُّهداءُ والصَّالِحون والمؤمنونَ، فيُشفِّعُهم اللهُ، ثمَّ يَقولُ: أنا أرحَمُ الرَّاحمينَ، فيُخرِجُ مِنَ النَّارِ أكثَرَ ممَّا أخرَجَ جَميعُ الخلْقِ برَحمتِه، حتَّى لا يَترُكَ أحدًا فيه خَيرٌ، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42]، وقال بيَدِه فعَقَدَه: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 43]، هلْ تَرَون في هؤلاء مِن خَيرٍ؟! وما يُترَكُ فيها أحدٌ فيه خيرٌ. فإذا أراد اللهُ ألَّا يُخرِجَ أحدًا غيْرَ وُجوهِهم وألوانِهم، فيَجِيءُ الرَّجلُ، فيَشفَعُ فيَقولُ: مَن عرَفَ أحدًا فلْيُخرِجْه، فيَجِيءُ فلا يَعرِفُ أحدًا، فيُنادِيه رجُلٌ فيَقولُ: أنا فلانٌ، فيَقولُ: ما أعْرِفُك، فعندَ ذلكَ قالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 107]، فإذا قال ذلكَ انطَبَقَت عليهم، فلم يَخرُجْ منهم بشَرٌ
عن ابنِ عباسٍ, قال : غزونا مع معاويةَ غزوةَ المصيفِ, فمَرُّوا بالكهفِ الذي فيهِ أصحابُ الكهفِ, الذين ذكر اللهُ في القرآنِ, فقال معاويةُ : لو كُشِفَ لنا عن هؤلاءِ, فنظرنا إليهم, فقال ابنُ عباسٍ : ليس ذلك لك قد منع اللهُ ذلك من هو خيرٌ منك, فقال : { لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا } قال معاويةُ : لا أنتهي حتى أعلمَ علمهم, قال : فبعث ناسًا, فقال : اذهبوا فانظروا فلمَّا دخلوا الكهفَ, بعث اللهُ عليهم ريحًا, فأخرجتهم, فبلغ ذلك ابنُ عباسٍ, فأنشأَ يُحدِّثهم عنهم, فقال : إنَّهم كانوا في مملكةِ ملكٍ من هذهِ الجبابرةِ, فجعلوا يعبدونَ حتى عبدةَ الأوثانِ, قال : وهؤلاءِ الفتيةُ بالمدينةِ, فلمَّا رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينةِ على غيرِ ميعادٍ, فجمعهم اللهُ, عزَّ وجلَّ, على غيرِ ميعادٍ, فجعل بعضهم يقولُ لبعضٍ : أين تريدون ؟ أين تذهبون, قال : فجعل بعضهم يُخفي من بعضٍ, لأنَّهُ لا يدري هذا على ما خرج هذا, فأخذ بعضهم على بعضٍ المواثيقَ أن يُخبرَ بعضهم بعضًا, فإنِ اجتمعوا على شيٍء, وإلا كتم بعضهم على بعضٍ , قال : فاجتمعوا على كلمةٍ واحدةٍ, ?فقالوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوْا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ, فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا, وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ - إلى قولِهِ –مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ? [ 14 - 16 : الكهف ] ,قال : فهذا قولُ الفتيةِ, قال : ففُقدوا فجاء أهلُ هذا يطلبونَهُ لا يدرون أين ذهب, وجاء أهلُ هذا يطلبونَهُ لا يدرون أين ذهب, فطلبهم أهلوهم, لا يدرون أين ذهبوا, فرُفِعَ ذلك إلى الملكِ, فقال : ليكونَنَّ لهؤلاءِ شأنٌ بعد اليومِ, قومٌ خرجوا ولا يُدرى أين توجهوا في غيرِ جنايةٍ, ولا شيٌء يُعرفُ, فدعا بلوحٍ من رصاصٍ, فكتب فيهِ أسماءهم, وطرحَهُ في خزانتِهِ, فذلك قولُ اللهِ تباركَ وتعالى [ 9 : الكهف ] { إِنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوْا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا } والرقيمُ هو اللوحُ الذي كتبوا, قال : فانطلقوا حتى دخلوا الكهفَ, فضرب اللهُ على آذانهم, فناموا, قال : فقال ابنُ عباسٍ : واللهِ لو أنَّ الشمسَ تطلعُ عليهم لأحرقتهم, ولولا أنَّهم يُقلبونَ, لأكلتهمُ الأرضُ, فذلك قولُ اللهِ تباركَ وتعالى?وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ,وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ?يقولُ : بالفناءِ { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ?ثم إنَّ ذلك الملكَ ذهب وجاء ملكٌ آخرُ, فكسر تلك الأوثانَ وعبدَ اللهَ, وعدلَ في الناسِ, فبعثهم اللهُ لما يريدُ, فقال بعضهم لبعضٍ : { كَمْ لَبِثْتُمْ } قال بعضهم : ?يَوْمًا } وقال بعضهم : ?بَعْضَ يَوْمٍ ?,وقال بعضهم : أكثرُ من ذلك, فقال كبيرهم : لا تختلفوا, فإنَّهُ لم يختلف قومٌ قطُّ إلا هَلكوا, قال : فقالوا : { فَابْعَثُوْا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكِمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ } يعني بأزكى : بأطهرَ, إنَّهم كانوا يذبحونَ الخنازيرَ, قال : فجاء إلى المدينةِ, فرأى شارةً أنكرها, وبنيانًا أنكرَهُ, ثم دنا إلى خبازٍ, فرمى إليهِ بدرهمٍ, فأنكرَ الخبازُ الدرهمَ, وكانت دراهمهم كخفافِ الربعِ يعني والربعِ الفصيلَ, قال : فأنكر الخبازُ, وقال : من أين لك هذا الدرهمَ ؟ لقد وجدتَ كنزًا لتَدُلَّني على هذا الكنزِ أو لأرفعنَّكَ إلى الأميرِ, قال : أَتُخَوِّفُنِي بالأميرِ , وإني لدهقانُ الأميرِ فقال : من أبوكَ ؟ قال : فلانٌ, فلم يعرفْهُ, فقال : من الملكُ ؟ فقال : فلانٌ, فلم يعرفْهُ, قال : فاجتمع الناسُ, ورفع إلى عاملهم, فسألَهُ, فأخبرَهُ, فقال : عليَّ باللوحِ, قال : فجيءَ بهِ, فسمَّى أصحابَهُ فلانٌ وفلانٌ, وهم في اللوحِ مكتوبونَ قال : فقال الناسُ : قد دلَّكمُ اللهُ على إخوانكم, قال : فانطلقوا, فركبوا حتى أتوْا الكهفَ, فقال الفتى : مكانكم أنتم, حتى أدخلَ على أصحابي, لا تهجموا عليهم, فيفزعوا منكم, وهم لا يعلمونَ, أنَّ اللهَ قد أقبل بكم, وتاب عليكم, فقالوا : آللهِ لتَخْرُجَنَّ إلينا, قال : إن شاء اللهُ, فلم يَدْرِ أين ذهب, وعميَ عليهم المكانُ قال : فطلبوا وحرصوا, فلم يَقدروا على الدخولِ عليهم, فقالوا : أَكْرِمُوا إخوانكم, قال : فنظروا في أمرهم, فقالوا : ?لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } فجعلوا يُصلُّونَ عليهم, ويستغفرونَ لهم, ويدعون لهم, فذلك قولُ اللهِ تعالى ?فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } يعني اليهودَ ?وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيٍء إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [ 22 - 24 : الكهف ] فكان ابنُ عباسٍ, يقولُ : إذا قلتَ شيئًا فلم تقل : إن شاء اللهُ, فقل إذا ذكرتَ إن شاء اللهُ
لمَّا خَرَجَت الحَرورِيَّةُ اجتَمَعوا في دارٍ، وهُم ستَّةُ آلافٍ، أَتَيتُ عَليًّا، فقلتُ: يا أَميرَ المؤمنينَ، أَبْرِدْ بالظُّهرِ؛ لعَلِّي آتي هؤلاء القومَ فأُكَلِّمُهم. قالَ: إنِّي أَخافُ عليكَ. قلتُ: كلَّا. قالَ: فخَرَجْتُ إليهم، ولَبِسْتُ أَحسَنَ ما يكونُ مِن حُلَلِ اليمنِ. قالَ أبو زُمَيْلٍ: كان ابنُ عبَّاسٍ جميلًا جَهيرًا. قال ابنُ عبَّاسٍ: فأَتَيْتُهم، وهُم مُجتمِعونَ في دارِهِم قائلونَ، فسَلَّمْتُ عليهم، فقالوا: مَرْحبًا بكَ يا ابنَ عبَّاسٍ، فما هذه الحُلَّةُ؟ قالَ: قلتُ: ما تَعيبونَ عَلَيَّ؛ لقد رأيتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَحسَنَ ما يكونُ مِن الحُلَلِ، ونَزلَتْ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] قالوا: فما جاءَ بكَ؟ قلتُ: أَتَيْتُكم مِن عندِ صحابةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن المهاجرينَ والأنصارِ لأُبلِّغَكُم ما يَقولونَ المُخبَرونَ بما يقولونَ، فعليهم نَزَلَ القرآنُ، وهُم أَعلمُ بالوَحيِ منكم، وفيهم أُنزِلَ: وليس فيكم مِنهم أَحدٌ، فقالَ بَعضُهُم: لا تُخاصِموا قُريشًا، فإنَّ اللهَ يقولُ: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: وأَتيتُ قومًا لمْ أَرَ قومًا قَطُّ أَشَدَّ اجتهادًا مِنْهم مُسَهَّمةٌ وُجوهُهُم مِن السَّهَرِ، كأَنَّ أَيدِيَهُم ورُكَبَهُم تُثْنى، عليهم قُمُصٌ مُرَحَّضَةٌ، فقالَ بعضُهُم: لنُكلِّمنَّهُ ولنَنْظُرنَّ ما يقولُ. قلتُ: أَخْبِروني ماذا نَقَمْتُم على ابنِ عَمِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصِهرِه والمهاجرينَ والأنصارِ؟ قالوا: ثلاثًا. قلتُ: ما هُنَّ؟ قالوا: أمَّا إحداهُنَّ فإنَّه حَكَّمَ الرِّجالَ في أمرِ اللهِ، وقالَ اللهُ: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57]، وما للرِّجالِ وما للحُكْمِ؟ فقلتُ: هذه واحِدةٌ، قالوا: وأمَّا الأُخْرى: فإنَّه قاتَلَ، ولمْ يَسْبِ ولمْ يَغْنَمْ، فلئنْ كان الَّذي قاتَلَ كُفَّارًا لقد حَلَّ سَلَبُهُم وغَنيمَتُهُم، ولئن كانوا مؤمنينَ ما حَلَّ قِتالُهُم، قلتُ: هذه ثِنتانِ، فما الثَّالثةُ؟ قالَ: إنَّه محا نفسَهُ مِن أميرِ المؤمنينَ؛ فهو أَميرُ الكافرينَ. قلتُ: أَعِندَكُم سوى هذا؟ قالوا: حَسْبُنا هذا، فقلتُ لهم: أَرَأَيْتُم إنْ قَرأتُ عليكم مِن كتابِ اللهِ ومِن سُنَّةِ نبِيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما يَرُدُّ به قَولَكُم أَتَرْضَوْنَ؟ قالوا: نَعَمْ، فقلتُ لهم: أَمَّا قَولُكُم: حَكَّمَ الرِّجالَ في أمرِ اللهِ، فأنا أَقرَأُ عليكم ما قد رَدَّ حُكمُه إلى الرِّجالِ في ثمنِ رُبُعِ دِرهمٍ في أَرْنبٍ، ونحوِها مِن الصَّيدِ، فقالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}، إلى قولِهِ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95]، فنَشَدْتُكم باللهِ أَحُكْمُ الرِّجالِ في أَرْنَبٍ ونحوهِا مِن الصَّيدِ أَفضلُ أَمْ حُكْمُهُم في دِمائهِم وصَلاحِ ذاتِ بيْنِهِم؟ وأنْ تَعْلَموا أنَّ اللهَ لوْ شاءَ لحَكَمَ ولمْ يُصيِّرْ ذلك إلى الرِّجالِ، وفي المرأةِ وزَوْجِها قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35]، فجَعَلَ اللهُ حُكْمَ الرِّجالِ سُنَّةً ماضِيةً، أَخَرَجْتُ عنْ هذه؟ قالوا: نَعَمْ. قالَ: وأمَّا قولُكُم: قاتَلَ ولمْ يَسْبِ ولمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبونَ أُمَّكُم عائشةَ ثُمَّ تَسْتَحِلُّونَ منها ما يُستَحَلُّ مِن غيرِها؟ فلئن فَعَلْتُم؛ لقد كَفَرْتُم وهي أُمُّكُم، ولئن قُلتُم: ليستْ أُمَّنَا؛ لقد كَفَرْتُم؛ فإنَّ اللهَ يقولُ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6]، فأنتم تَدورونَ بيْنَ ضلالتَيْنِ أَيُّهما صِرْتُم إليها؛ صِرْتُم إلى ضلالةٍ. فنَظَر بعضُهُم إلى بعضٍ، قلتُ: أَخَرَجْتُ مِن هذه؟ قالوا: نَعَمْ، وأمَّا قولُكُم: محا اسمَهُ مِن أميرِ المؤمنينَ، فأنا آتيكُم بمَنْ تَرْضَوْنَ، وأَراكُم قد سَمِعْتُم أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ الحُدَيبِيَةِ كاتَبَ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو وأبا سُفيانَ بنَ حربٍ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأميرِ المؤمنينَ: اكتُبْ يا عَليُّ: هذا ما اصْطَلَحَ عليه مُحمَّدٌ رسولُ اللهِ، فقالَ المشركونَ: لا واللهِ، ما نَعلمُ إنَّكَ رسولُ اللهِ، لوْ نَعلَمُ إنَّكَ رسولُ اللهِ ما قاتَلْناكَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعلمُ أنِّي رسولُ اللهِ، اكتُبْ يا عَليُّ: هذا ما اصْطَلَحَ عليه مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ، فواللهِ لرسولُ اللهِ خيرٌ مِن عَليٍّ، وما أَخْرجَه مِن النُّبوَّةِ حين محا نَفسَه. قالَ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ: فرَجَعَ مِن القومِ ألفانِ، وقُتِلَ سائرُهُم على ضَلالةٍ
كنَّا عِندَ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه، فذُكِر عِنده الدَّجَّالُ، فقال عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ: تَفترِقون أيُّها النَّاسُ لخُروجِه على ثَلاثِ فِرَقٍ: فِرقةٍ تَتْبَعُه، وفِرقةٍ تَلْحَقُ بأرضِ آبائِها بمَنابتِ الشِّيحِ، وفِرقةٍ تَأخُذُ شطَّ الفُراتِ يُقاتِلُهم ويُقاتِلونه، حتَّى يَجتمِعَ المؤمنونَ بقُرى الشَّامِ، فيَبْعَثون إليهم طَليعةً فيهم فارسٌ على فرَسٍ أشقَرَ وأبْلَقَ، قال: فيَقتَتِلون، فلا يَرجِعُ منهم بشَرٌ -قال سَلَمةُ: فحَدَّثَني أبو صادقٍ، عن رَبيعةَ بنِ ناجذٍ، أنَّ عبدَ اللهِ بن مَسعودٍ- قال: فرَسٍ أشقَرَ، قال عبْدُ اللهِ: ويَزعُمُ أهلُ الكتابِ أنَّ المسيحَ يَنزِلُ إليه- قال: سَمِعتُه يَذكُرُ عن أهلِ الكتابِ حَديثًا غيْرَ هذا- ثمَّ يَخرُجُ يَأْجوجُ ومَأْجوجُ، فيَمْرَحون في الأرضِ، فيُفسِدون فيها، ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96]. قال: ثمَّ يَبعَثُ اللهُ عليهم دابَّةً مِثلَ هذا النَّغَفِ، فتَلِجُ في أسماعِهم ومَناخِرِهم، فيَموتون منها، فتَنْتُنُ الأرضُ منهم، قال: ثمَّ يَبعَثُ اللهُ رِيحًا فيها زَمْهريرٌ باردةٌ، فلمْ تَدَعْ على وجْهِ الأرضِ مُؤمنًا إلَّا كَفَتْه تلكَ الرِّيحُ، قال: ثمَّ تَقومُ السَّاعةُ على شِرارِ النَّاسِ، ثمَّ يقومُ الملَكُ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفُخُ فيه -والصُّورُ قَرْنٌ- فلا يَبْقى خلْقٌ في السَّمواتِ والأرضِ إلَّا مات، إلَّا مَن شاء ربُّكَ، ثمَّ يكونُ بيْن النَّفختينِ ما شاء اللهُ أنْ يكونَ، فليْس مِن بَني آدَمَ خَلْقٌ إلَّا منه شَيءٌ. قال: فيُرسِلُ اللهُ ماءً مِن تحْتِ العرشِ كمَنيِّ الرِّجالِ، فتَنبُتُ لُحمانُهم وجُثمانُهم مِن ذلكَ الماءِ، كما يُنبِتُ الأرضُ مِنَ الثَّرى، ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9]، قال: ثمَّ يقومُ ملَكٌ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفُخُ فيه، فيَنطلِقُ كلُّ نفْسٍ إلى جسَدِها حتَّى تَدخُلَ فيه، ثمَّ يَقومون، فيَحْيَون حياةَ رجُلٍ واحدٍ قِيامًا لربِّ العالَمِين. قال: ثمَّ يَتمثَّلُ اللهُ تعالَى إلى الخلْقِ فيَلْقاهم، فليْس أحدٌ يَعبُدُ مِن دونِ اللهِ شَيئًا إلَّا وهو مَرفوعٌ له يَتْبَعُه، قال: فيَلْقى، قال: فيَقولُ: مَن تَعبِدون؟ قال: فيَقولُون: نَعبُدُ عُزَيرًا، قال: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ فيَقولُون: نعمْ، فيُرِيهم جَهنَّمَ كهَيئةِ السَّرابِ، قال: ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف: 100]. قال: ثمَّ يَلْقى النَّصارى فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: المسيحَ، قال: فيَقولُ: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ قال: فيَقولُون: نعمْ، قال: فيُرِيهم جَهنَّمَ كهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ كذلكَ لمَن كان يَعبُدُ مِن دونِ اللهِ شَيئًا، قال: ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]. قال: ثمَّ يَتمثَّلُ اللهُ تعالَى للخلْقِ حتَّى يَمُرَّ المسْلِمون، قال: فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ ولا نُشرِكُ به شَيئًا، فيَنتَهِرُهم مرَّتينِ أو ثلاثًا، فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ ولا نُشرِكُ به شَيئًا، قال: فيَقولُ: هلْ تَعرِفون ربَّكم؟ قال: فيَقولُون: سُبحانه! إذا اعتَرَفَ لنا عَرَفْناه، قال: فعِندَ ذلكَ يُكشَفُ عن ساقٍ، فلا يَبْقى مُؤمنٌ إلَّا خَرَّ للهِ ساجدًا، ويَبْقى المنافِقون ظُهورُهم طبَقًا واحدًا كأنَّما فيها السَّفافيدُ، قال: فيَقولُون: ربَّنا، فيَقولُ: قدْ كُنتم تُدْعَون إلى السُّجودِ وأنتُم سالِمون. قال: ثمَّ يَأمُرُ بالصِّراطِ فيُضرَبُ على جَهنَّمَ، فيَمُرُّ النَّاسُ كقدْرِ أعمالِهم زُمَرًا؛ كلمْحِ البَرْقِ، ثمَّ كمَرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمَرِّ الطَّيرِ، ثمَّ كأسرَعِ البهائمِ، ثمَّ كذلكَ حتَّى يَمُرَّ الرَّجلُ سَعيًا ثمَّ مَشْيًا، ثمَّ يكونُ آخِرُهم رجُلًا يَتلبَّطُ على بَطنِه، قال: فيَقولُ: أيْ ربِّ، لِماذا أبطَأْتَ بي؟ فيَقولُ: لمْ أُبْطِئْ بكَ، إنَّما أبطَأَ بكَ عَملُكَ. قال: ثمَّ يَأذَنُ اللهُ تعالَى في الشَّفاعةِ، فيكونُ أوَّلُ شافعٍ رُوحَ القُدسِ جِبريلَ عليه السَّلامُ، ثمَّ إبراهيمَ خَليلَ اللهِ، ثمَّ مُوسى، ثمَّ عِيسى عليهما السَّلامُ، قال: ثمَّ يقومُ نبيُّكم رابعًا، لا يَشفَعُ أحدٌ بعْدَه فيما يَشفَعُ فيه، وهو المقامُ المحمودُ الَّذي ذَكَره اللهُ تبارَك وتعالَى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]. قال: فليْس مِن نفْسٍ إلَّا وهي تَنظُرُ إلى بَيتٍ في الجنَّة أو بَيتٍ في النَّارِ، قال: وهو يوْمُ الحسْرةِ. قال: فيَرى أهلُ النَّارِ البيتَ الَّذي في الجنَّةِ، ثمَّ يُقالُ: لوْ عَمِلْتُم، قال: فتَأخُذُهم الحسرةُ، قال: ويَرى أهلُ الجنَّةِ البيتَ الَّذي في النَّارِ، فيُقالُ: لوْلا أنَّ مَنَّ اللهُ عليكم، قال: ثمَّ يَشفَعُ الملائكةُ والنَّبيُّون والشُّهداءُ والصَّالِحون والمؤمنونَ، فيُشَفِّعُهم اللهُ، قال: ثمَّ يَقولُ اللهُ: أنا أرحَمُ الرَّاحمينَ، فيُخرِجُ مِنَ النَّارِ أكثَرَ ممَّا أخْرَجَ مِن جَميعِ الخلْقِ برَحمتِه، قال: ثمَّ يَقولُ: أنا أرحَمُ الرَّاحمينَ. قال: ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 42]، قال: فعقَدَ عبدُ اللهِ بيَدِه أربعًا، ثمَّ قال: هلْ تَرَون في هؤلاء مِن خيرٍ؟ ما يَنزِلُ فيها أحدٌ فيه خَيرٌ، فإذا أراد اللهُ عزَّ وجلَّ ألَّا يَخرُجَ منها أحدٌ غيَّرَ وُجوهَهم وألْوانَهم، قال: فيَجِيءُ الرَّجلُ فيَنظُرُ ولا يَعرِفُ أحدًا، فيُناديه الرَّجلُ فيَقولُ: يا فُلانُ، أنا فلانٌ، فيَقولُ: ما أعْرِفُكَ، فعندَ ذلكَ يَقولُون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107]، فيَقولُ عِندَ ذلك: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108]، فإذا قال ذلكَ أُطبِقَت عليهم، فلا يَخرُجُ منهم بشَرٌ
ابنُ عبَّاسٍ - قالَ : إنَّ الملأَ مِن قرَيشٍ اجتَمعوا في الحِجرِ ، فتعاقَدوا باللَّاتِ والعُزَّى ومَناةَ الثَّالثةِ الأُخرَى ونائلةَ وإسافٍ لَو قَد رأيْنا محمَّدًا لقد قُمنا إليهِ قيامَ رجلٍ واحدٍ فلَم نفارقهُ حتَّى نقتلَهُ فأقبلَتِ ابنتُهُ فاطمةُ تبكي حتَّى دخلَت علَى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ فقالَت هؤلاءِ الملأُ مِن قرَيشٍ قد تعاقَدوا علَيكَ لَو قَد رأوكَ قاموا علَيكَ فقَتلوكَ فلَيسَ منهُم رجلٌ إلَّا قد عرفَ نصيبَهُ مِن دمِكَ فقالَ يا بُنَيَّةُ أريني وَضوءًا فتَوضَّأ ثمَّ دخلَ عليهِم المسجدَ فلمَّا رأوهُ قالوا ها هوَ ذا وخفَضوا أبصارَهُم وسقطَت أذقانُهُم في صدورِهِم وعُقِروا في مجالسِهِم فلَم يرفَعوا إليهِ بصرًا ولم يقُم إليهِ منهُم رجلٌ فأقبلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ حتَّى قامَ علَى رؤوسِهِم فأخذَ قَبضةً منَ التُّرابِ فقالَ شاهَتِ الوُجوهُ ثمَّ حصبَهُم بِها فما أصابَ رجلًا منهُم مِن ذلِكَ الحصَى حصاةٌ إلَّا قُتِلَ يَومَ بدرٍ كافرًا
كان من حديثِ ابنِ مُلْجَمٍ (لَعَنَه اللهُ) وأصحابِهِ، أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مُلْجَمٍ، والبَرْكَ بنَ عبدِ اللهِ، وعمْرَو بنَ بكرٍ التَّميميَّ، اجتمَعوا بمكةَ فذَكَروا أمْرَ النَّاسِ، وعابوا عليهم وُلاتَهم، ثمَّ ذَكَروا أهْلَ النَّهروانِ، فترحَّموا عليهِمْ، فقالوا: واللهِ ما نَصنَعُ بالبقاءِ بعدَهم شيئًا، إخوانُنا الَّذينَ كانوا دُعاةَ النَّاسِ لعِبادةِ ربِّهم، الَّذينَ كانوا لا يَخافونَ في اللهِ لَومَةَ لائِمٍ، فلوْ شَرَيْنا أنفُسَنا، فأتَيْنا أئِمَّةَ الضَّلالةِ، فالتَمَسْنا قتْلَهم، فأَرَحْنا منهمُ البلادَ، وثَأَرْنا بهم إخوانَنا. قالَ ابنُ مُلْجَمٍ (وكانَ منْ أهلِ مِصرَ): أنا أكفيكُم عليَّ بنَ أبي طالبٍ، وقال البَرْكُ بنُ عبدِ اللهِ: أنا أكفيكُم مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ، وقال عمرُو بنُ بكرٍ التَّميميُّ: أنا أكفيكُم عمرَو بنَ العاصِ، فتَعاهَدوا وتواثَقوا باللهِ ألَّا ينكُصَ رَجُلٌ منهم عن صاحبِهِ الَّذي توجَّهَ إليهِ حتى يقتُلَه أوْ يموتَ دونَه، فأخذوا أسيافَهم فسَمُّوها، وتواعَدوا لسبعَ عشْرةَ خَلَتْ منْ شَهرِ رَمَضانَ أنْ يَثِبَ كُلُّ واحدٍ على صاحبِهِ الَّذي توجَّهَ إليهِ، وأقْبَلَ كلُّ رَجُلٍ منهمْ إلى المِصْرِ الَّذي فيه صاحِبُه الَّذي يطلُبُ، فأمَّا ابنُ مُلْجَمٍ المُراديُّ فأتى أصحابَه بالكوفةِ وكاتَمَهم أمْرَه كراهيةَ أنْ يُظْهِروا شيئًا من أمْرِه، وأنَّهُ لَقِيَ أصحابَهُ منْ تيْمِ الرَّبابِ، وقدْ قَتَلَ عليٌّ منهمْ عِدَّةَ يَومَ النَّهرِ، فذَكَروا قَتْلاهُمْ فترَحَّمُوا عليهم، قال: ولَقِيَ من يومِه ذلكَ امرأةً منْ تَيْمِ الرَّبابِ، يُقالُ لها: قَطامُ بنتُ الشَّحنةِ، وقد قَتَلَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ أباها وأخاها يَومَ النَّهرِ، وكانتْ فائقةَ الجمالِ، فلمَّا رآها الْتبسَتْ بعَقْلِه ونَسِيَ حاجتَه الَّتي جاءَ لها، فخَطَبَها، فقالتْ: لا أتزوَّجُ حتَّى تَشفِيَني. قالَ: وما تَشائينَ؟ قالت: ثلاثةُ آلافٍ، وعبدٌ، وقَيْنةٌ، وقتْلُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فقال: هو مَهْرٌ لكِ، فأمَّا قتْلُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فما أراكِ ذَكَرتيهِ وأنتِ تُريدينَه، قالت: بلى، فالْتمِسْ غُرَّتَهُ، فإنْ أصَبْتَه شَفَيْتَ نفْسَكَ ونَفْسي، ونَفَعَك معي العَيشُ، وإنْ قُتِلتَ فما عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ خَيرٌ من الدُّنيا وزِبْرِجِ أهْلِها، فقال: ما جاءَ بي إلى هذا المِصْرِ إلَّا قتْلُ عليٍّ، قالت: فإذا أردْتَ ذلك، فأخْبِرْني حتى أطلُبَ لكَ مَن يشُدُّ ظَهْرَك، ويُساعِدُكَ على أمْرِكَ، فبَعَثَتْ إلى رَجُلٍ منْ قَومِها منْ تيمِ الرَّبابِ، يُقالُ لهُ: وَرْدانُ، فكَلَّمَتْه فأجابَها، وأتى ابْنُ مُلْجَمٍ رَجُلًا منْ أشْجَعَ، يُقالُ لهُ: شَبيبُ بنُ نَجْدةَ، فقال له: هل لكَ في شَرَفِ الدُّنيا والآخِرَةِ؟ قالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: قَتْلُ عليٍّ. قالَ: ثَكِلَتْكَ أمُّكَ، لقد جِئْتَ شيئًا إدًّا! كيْفَ تَقدِرُ على قَتْلِه؟! قال: أكْمُنُ له في السَّحَرِ، فإذا خرَجَ إلى صَلاةِ الغَداةِ شَدَدْنا عليه فقَتَلْناه، فإنْ نَجَوْنَا شَفَيْنا أنفُسَنا وأدْرَكْنا ثَأْرَنا، وإنْ قُتِلْنا فما عندَ اللهِ خَيرٌ منَ الدُّنيا وزِبْرِجِ أهْلِها. قالَ: وَيْحَكَ! لوْ كانَ غَيرَ عليٍّ كانَ أهْوَنَ عليَّ، قد عَرَفتُ بَلاءَهُ في الإسلامِ، وسابِقَتَه معَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما أَجِدُني أنشَرِحُ لقتْلِه، قالَ: أمَا تعلَمُ أنَّهُ قتَلَ أهْلَ النَّهروانِ العُبَّادَ المُصلِّينَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: نقتُلُه بما قَتَلَ من إخوانِنا، فأجابَهُ، فجاؤُوا حتى دَخَلوا على قَطامِ وهي في المسجِدِ الأعظَمِ مُعتكِفَةٌ فيهِ، فقالوا لها: قدِ اجتمَعَ رَأْيُنا على قَتْلِ عليٍّ، قالت: فإذا أرَدتُم ذلكَ فَأْتُوني ضُحًى، فقال: هذهِ اللَّيلةُ الَّتي واعَدتُ فيها صاحِبَيَّ أنْ يقتُلَ كلُّ واحدٍ منَّا صاحِبَه، فدَعَتْ لهمْ بالحَريرِ فعصَّبَتْهم، وأَخَذوا أسيافَهُم وجَلَسوا مُقابِلَ السُّدَّةِ التي يَخرجُ منها عليٌّ، فخرَجَ لصَلاةِ الغَداةِ، فجَعَلَ يقولُ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، فشَدَّ عليهِ شَبيبٌ فضَرَبَه بالسَّيفِ فوَقَعَ السَّيفُ بعِضادَيِ البابِ أوْ بالطَّاقِ، فشَدَّ عليهِ ابنُ مُلْجَمٍ فضَرَبَه على قَرْنِه، وهَرَبَ وَرْدانُ حتى دَخَلَ مَنزِلَه، ودَخَلَ رَجُلٌ من بني أسيدٍ وهوَ يَنزِعُ السَّيفَ والحديدَ عنْ صَدرِه، فقالَ: ما هذا السَّيفُ والحَديدُ؟ فأخبَرَه بما كانَ، فذَهَبَ إلى مَنزِلِه، فجاءَ بسَيفِهِ فضَرَبَه حتى قَتَلَه، وخَرَجَ شَبيبٌ نحوَ أبوابِ كِندَةَ فشَدَّ عليهِ الناسُ، إلَّا أنَّ رَجُلًا يُقالُ لهُ: عُوَيمِرُ ضَرَبَ رِجْلَه بالسَّيْفِ فصَرَعَه، وجَثَمَ عليهِ الحَضْرميُّ، فلمَّا رأى النَّاسَ قد أقبَلوا في طَلَبِه، وسَيفُ شَبيبٍ في يَدِه، خَشِيَ على نَفْسِه فتَرَكَه، فنَجا بنَفْسِه، ونَجا شَبيبٌ في غِمارِ النَّاسِ، وخَرَجَ ابنُ مُلْجَمٍ فشَدَّ عليهِ رَجُلٌ من هَمْذانَ يُكَنَّى أبا أَدَما، فضَرَبَ رِجْلَه فصَرَعَهُ، وتَأَخَّرَ عليٌّ ودَفَعَ في ظَهْرِ جَعْدةَ بنِ هُبَيرةَ بنِ أبي وَهْبٍ، فصلَّى بالناسِ الغَداةَ، وشَدَّ عليهِ النَّاسُ منْ كُلِّ جانِبٍ، وذَكَروا أنَّ مُحمَّدَ بنَ حُنَيفٍ قالَ: واللهِ إنِّي لأَصُلِّي تلكَ اللَّيلةَ في المسجِدِ الأعظَمِ قريبًا منَ السُّدَّةِ في رجالٍ كثيرةٍ منْ أهلِ المِصْرِ، ما فيهم إلَّا قِيَامٌ ورُكوعٌ وسُجودٌ، ما يَسْأَمونَ من أوَّلِ اللَّيلِ إلى آخِرِهِ، إذْ خَرَجَ عليٌّ لصَلاةِ الغَداةِ، وجَعَلَ يُنادي: أيُّها الناسُ، الصَّلاةَ الصَّلاةَ، فما أدري أتكلَّمَ بهذهِ الكَلِماتِ أو نَظَرتُ إلى بَريقِ السَّيفِ، وسَمِعتُ: الحُكْمُ للهِ، لا لكَ يا عليُّ، ولا لأصحابِكَ، فرأيتُ سَيفًا، ورأيتُ ناسًا، وسَمِعتُ عليًّا يقولُ: لا يَفوتَنَّكُم الرَّجُلُ، وشَدَّ عليه الناسُ منْ كلِّ جانبٍ، فلم أبرَحْ حتى أُخِذَ ابنُ مُلْجَمٍ فأُدخِلَ على عليٍّ، فدَخَلتُ فيمَنْ دَخَلَ من النَّاسِ، فسَمِعتُ عليًّا يقولُ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، إنْ هلكْتُ فاقْتُلوهُ كما قَتَلَني، وإنْ بَقيتُ رأيتُ فيه رَأْيي، ولما أُدخِلَ ابنُ مُلْجَمٍ على عليٍّ قال له: يا عَدُوَّ اللهِ، أَلَمْ أُحْسِنْ إليكَ، ألمْ أفعَلْ بكَ، قالَ: بلى، قالَ: فما حمَلَكَ على هذا؟ قالَ: شَحَذتُه أربعينَ صباحًا، فسألتُ اللهَ أنْ يَقتُلَ بهِ شرَّ خلْقِه، قالَ لهُ عليٌّ: ما أراكَ إلَّا مَقتولًا به، وما أراكَ إلَّا من شَرِّ خَلْقِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وكانَ ابنُ مُلْجَمٍ مَكتوفًا بين يَدَيِ الحَسَنِ إذْ نادَتْه أمُّ كلثومٍ بنتُ عليٍّ وهيَ تَبْكي: يا عَدُوَّ اللهِ، لا بأسَ على أبي، واللهُ عزَّ وجلَّ مُخزيكَ، قالَ: فعَلامَ تَبكينَ؟ واللهِ لقدِ اشتريتُه بأَلْفٍ، وسَمَمْتُه بأَلْفٍ، ولو كانتْ هذهِ الضَّربةُ لجميعِ أهلِ مِصْرَ ما بَقِيَ منهمْ أحدٌ ساعةً، وهذا أبوكِ باقٍ حتى الآنَ، فقال عليٌّ للحَسَنِ: إنْ بَقيتُ رأيتُ فيهِ رأيي، ولئنْ هَلَكتُ منْ ضَربَتي هذه، فاضرِبْهُ ضَربةً، ولا تُمثِّلْ بهِ، فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَنْهى عن المُثْلَةِ، ولو بالكَلبِ العَقورِ، وذكرَ أنَّ جُندُبَ بنَ عبدِ اللهِ دَخَلَ على عليٍّ يَسأَلُ بهِ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنْ فَقَدناكَ (ولا نَفقِدُكَ) فنُبايِعُ الحَسَنَ؟ قالَ: ما آمرُكُم ولا أنْهاكم، أنتم أبْصَرُ، فلما قُبِضَ عليٌّ رضِيَ اللهُ عنهُ بَعَثَ الحَسَنُ إلى ابنِ مُلْجَمٍ فدَخَلَ عليه، فقال له ابنُ مُلْجَمٍ: هل لكَ في خَصلَةٍ؟ إني واللهِ ما أعطيتُ اللهَ عَهدًا إلَّا وَفَّيتُ بهِ، إني كُنتُ أعطيتُ اللهَ عَهدًا أنْ أقتُلَ عليًّا ومُعاويةَ أو أموتَ دُونَهما، فإنْ شئتَ خلَّيْت بيني وبينَهُ، ولكَ اللهَ عليَّ إنْ لمْ أقتُلْه أنْ آتيَكَ حتى أضَعَ يدي في يَدِكَ، فقال له الحَسَنُ: لا واللهِ، أو تُعايِنُ النَّارَ، فقَدَّمَه فقَتَلَه، فأَخَذَه الناسُ فأدرَجُوه في بَوارٍ، ثم أحرَقوهُ بالنارِ، وقد كانَ عليٌّ رضِيَ اللهُ عنه قالَ: يا بني عبدِ المُطَّلِبِ، لا أُلفِيَنَّكُم تَخوضونَ دِماءَ المُسلِمينَ، تَقولونَ: قُتِلَ أميرُ المؤمنينَ، قُتِلَ أميرُ المؤمنينَ، ألَا لا يُقتَلُ بي إلَّا قاتلي، وأمَّا البَرْكُ بنُ عبدِ اللهِ فقَعَدَ لمُعاويةَ، فخَرَجَ لصَلاةِ الغَداةِ فشَدَّ عليهِ بسَيفِه، وأدْبَرَ مُعاويةُ هاربًا، فوَقَعَ السَّيفُ في إليتِه، فقالَ: إنَّ عندي خَبَرًا أُبَشِّرُكَ بهِ، فإنْ أخبَرْتُكَ أنافِعي ذلكَ عندَكَ؟ قال: وما هو؟ قال: إنَّ أخًا لي قَتَلَ عليًّا اللَّيلةَ، قالَ: فلعلَّهُ لم يَقدِرْ عليه؟ قال: بلى، إنَّ عليًّا يَخرُجُ ليسَ معهُ أحدٌ يَحرُسُه. فأَمَرَ به مُعاويةُ فقُتِلَ، فبَعَثَ إلى الساعديِّ وكانَ طبيبًا، فنَظَرَ إليهِ فقال: إنَّ ضَرْبَتَك مَسْمومةٌ، فاخْتَرْ مني إحدى خَصْلتَيْنِ؛ إمَّا أنْ أَحمِيَ حَديدةً فأضَعَها في مَوضِعِ السَّيفِ، وإمَّا أنْ أسْقِيَك شَرْبةً تَقطَعُ منكَ الوَلَدَ وتَبرَأُ منها، فإنَّ ضَرْبتَكَ مَسْمومةٌ، فقال له مُعاويةُ: أمَّا النارُ فلا صَبْرَ لي عليها، وأمَّا انقطاعُ الوَلَدِ، فإنَّ في يزيدَ وعبدِ اللهِ وولدِهِما ما تَقَرُّ بهِ عيني، فسَقاهُ تلكَ اللَّيلةَ الشَّرْبةَ، فبَرَأَ، فلمْ يولَدْ لهُ بعدُ، فأَمَرَ مُعاويةُ بعدَ ذلكَ بالمُقْصوراتِ، وقيامِ الشُّرَطِ على رأسِهِ، وقالَ عليٌّ للحَسَنِ والحُسَينِ: أيْ بَنيَّ، أُوصيكُما بتَقْوى اللهِ، والصَّلاةِ لوَقْتِها، وإيتاءِ الزَّكاةِ عندَ مَحِلِّها، وحُسْنِ الوُضوءِ؛ فإنَّهُ لا تُقبَلُ صَلاةٌ إلَّا بطَهورٍ، وأُوصيكُمْ بغَفْرِ الذَّنْبِ، وكَظْمِ الغَيظِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، والحِلْمِ عنِ الجاهِلِ، والتَّفقُّهِ في الدِّينِ، والتَّثبُّتِ في الأمْرِ، وتعاهُدِ القُرآنِ، وحُسنِ الجِوارِ، والأمْرِ بالمَعروفِ، والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ، واجتنابِ الفَواحِشِ. قال: ثمَّ نَظَرَ إلى مُحمَّدِ ابنِ الحنفيَّةِ، فقالَ: هلْ حَفِظتَ ما أَوْصَيتُ بهِ أَخَوَيْكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: إنِّي أُوصيكَ بمِثْلِهِ، وأُوصيكَ بتَوقيرِ أَخَوَيْكَ لعِظَمِ حَقِّهما عليكَ، وتَزيينِ أمْرِهما، ولا تَقْطعْ أمرًا دُونَهما، ثمَّ قال لهما: أُوصيكُما بهِ، فإنَّهُ شَقيقُكما، وابنُ أبيكما، وقد عَلِمْتُما أنَّ أباكما كانَ يُحِبُّه، ثمَّ أوصى، فكانت وَصيَّتُه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا ما أوْصى بهِ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، أوْصى أنْ يُشهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وَحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَهُ بالهُدى ودِينِ الحقِّ لِيُظهِرَهُ على الدِّينِ كلِّه، ولو كَرِهَ المُشرِكونَ، ثمَّ إنَّ صَلاتي ونُسُكي ومَحْيايَ ومَماتي للهِ رَبِّ العالَمينَ، لا شريكَ لهُ، وبذلِكَ أُمِرتُ وأنا منَ المُسلِمينَ، ثم أُوصيكما يا حَسَنُ، ويا حُسَينُ، ويا جميعَ أهلي ووَلَدي، ومَنْ بَلَغَه كتابي بتَقْوى اللهِ ربِّكم، ولا تَموتُنَّ إلَّا وأنتم مُسلِمونَ، واعتَصِموا بحَبْلِ اللهِ جَميعًا ولا تَفرَّقوا، فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: إنَّ صلاحَ ذاتِ البَينِ أعظَمُ منْ عامَّةِ الصَّلاةِ والصيامِ، وانْظُروا إلى ذَوي أرحامِكُم، فَصِلُوهم يُهوِّنُ اللهُ عليكم الحسابَ، واللهَ اللهَ في الأيتامِ، لا يَضيعُنَّ بحَضرَتِكُم، واللهَ اللهَ في الصَّلاةِ؛ فإنَّها عَمودُ دينِكُم، واللهَ اللهَ في الزَّكاةِ؛ فإنَّها تُطفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، واللهَ اللهَ في الفُقراءِ والمساكينِ، فأشْرِكوهم في مَعايِشِكم، واللهَ اللهَ في القُرآنِ، لا يَسبِقَنَّكم بالعَمَلِ بهِ غَيرُكُم، واللهَ اللهَ في الجِهادِ في سبيلِ اللهِ بأموالِكُم وأنفُسِكُم، واللهَ اللهَ في بيْتِ ربِّكُم، لا يَخلُوَنَّ ما بَقيتُمْ، فإنَّهُ إنْ تُرِكَ لم تَنَاظَرُوا، واللهَ اللهَ في ذِمَّةِ نبيِّكُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلا يُظْلَمَنَّ بين ظَهْرانَيكُمْ، واللهَ اللهَ في جيرانِكُمْ؛ فإنَّهمْ وَصيَّةُ نبيِّكُم صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، قالَ: ما زالَ جِبريلُ يوصِيني بهم حتَّى ظَنَنتُ أنَّهُ سيُورِّثُهم، اللهَ اللهَ في أصحابِ نبيِّكُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّهُ أوصى بهم، واللهَ اللهَ في الضَّعيفَيْنِ؛ منَ النساءِ، وما مَلَكَتْ أيمانُكم، الصَّلاةَ الصَّلاةَ، لا تَخافُنَّ في اللهِ لَومَةَ لائِمٍ، اللهُ يَكفيكُمْ مَن أرادَكُم وبَغَى عليكمْ {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، كما أمَرَكُم اللهُ، ولا تَترُكوا الأمْرَ بالمَعروفِ، والنَّهيَ عنِ المُنكَرِ، فيُوَلِّيَ أمْرَكُم شِرارَكُم، ثمَّ تَدْعونَ ولا يُستجابُ لكمْ، عليكم بالتَّواصُلِ والتَّبادُلِ، إياكُم والتَّقاطُعَ والتَّدابُرَ والتفرُّقَ، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2] حَفِظَكُم اللهُ من أهلِ بَيتٍ، وحَفِظَ فيكم نبيَّكُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أستَودِعُكم اللهَ، وأَقْرَأُ عليكم السَّلامَ، ثمَّ لم يَنطِقْ إلَّا بلا إلهَ إلَّا اللهُ، حتَّى قُبِضَ في شَهرِ رَمَضانَ في سَنةِ أربعينَ، وغَسَّلَه الحَسَنُ والحُسَينُ وعبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، وكُفِّنَ في ثلاثةِ أثْوابٍ، ليسَ فيها قَميصٌ، وكَبَّرَ عليهِ الحَسَنُ تِسعَ تكبيراتٍ، ووَلِيَ الحَسَنُ عَمَلَه سِتَّةَ أشهُرٍ، وكانَ ابنُ مُلْجَمٍ قَبْلَ أنْ يَضْرِبَ عليًّا قعَدَ في بني بَكْرِ بنِ وائلٍ، إذْ مُرَّ عليهِ بجِنازةِ أبجَرَ بنِ جابرٍ العِجْليِّ أبي حَجَّارٍ، وكانَ نَصرانيًّا، والنَّصارى حولَه، وناسٌ معَ حَجَّارٍ بمَنزلتِه يَمشونَ بجانِبِ إمامِهِم شَقيقِ بنِ ثَورٍ السُّلَميِّ، فلمَّا رآهمْ قالَ: مَن هؤلاءِ؟ فأُخبِرَ، ثمَّ أنشأَ يقولُ: لَئِنْ كَانَ حَجَّارُ بُنُ أَبْجرَ مُسْلِمًا لَقَدْ بُوعِدَتْ مِنْهُ جِنَازَةُ أَبْجَرِ وَإِنْ كَانَ حَجَّارُ بنُ أَبْجَرَ كَافِرًا فَمَا مِثْلُ هَذَا مِنْ كُفُورٍ بِمُنْكَرِ أَتَرْضَوْنَ هَذَا إنَّ قِسًّا وَمُسْلِمًا جَمِيعًا لَدَى نَعْشٍ فَيَا قُبْحَ مَنْظَرِ وقالَ ابنُ عبَّاسٍ المُراديُّ: وَلَمْ أرَ مَهْرًا سَاقَهُ ذُو سَمَاحَةٍ ** كَمَهْرِ قَطَامٍ مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَعَبْدٌ وَقَيْنَةٌ ** وَضَرْبُ عَلِيٍّ بِالْحُسَامِ الْمُصَمَّمِ وَلَا مَهْرَ أَغْلَى مِنْ عَلِيٍّ وَإِنْ غَلَا ** وَلَا قَتْلَ إِلَّا دُونَ قَتْلِ ابْنِ مُلْجَمِ وقال أبو الأسْوَدِ الدُّؤَليُّ: أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ** فَلَا قَرَّتْ عُيُونُ الشَّامِتِينَا أَفِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَجَعْتُمُونَا ** بِخَيْرِ النَّاسِ طُرًّا أَجْمَعِينَا قَتَلْتُمُ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ** وَحَسَّنَهَا وَمَنْ رَكِبَ السَّفِينَا وَمَنْ لَبِسَ النِّعَالَ وَمَنْ حَذَاهَا ** وَمَنْ قَرَأَ الْمَثَانِيَ وَالْمِئِينَا لَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ حِينَ كَانَتْ ** بِأَنَّكَ خَيْرُهَا حَسَبًا وَدِينَا وأمَّا عمرُو بنُ بَكرٍ، فقَعَدَ لعَمرِو بنِ العاصِ في تلكَ الليلةِ التي ضُرِبَ فيها مُعاويةُ، فلمْ يخرُجْ، واشْتَكَى فيها بَطْنَهُ، فأَمَرَ خارجةَ بنَ حبيبٍ -وكانَ صاحِبَ شُرطَتِه، وكان من بني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ- فخَرَجَ يُصَلِّي بالنَّاسِ، فشَدَّ عليهِ وهوَ يرى أنَّه عمرُو بنُ العاصِ، فضَرَبَه بالسَّيفِ فقَتَلَه، وأُدخِلَ على عمرٍو، فلمَّا رآهم يُسَلِّمونَ عليهِ بالإمْرَةِ، فقال: مَن هذا؟ قالوا: عمرُو بنُ العاصِ، قالَ: مَنْ قَتَلتُ؟ قالوا: خارجةَ. قالَ: أَمَا واللهِ يا فاسِقُ ما ضمَّدْتُ غَيرَكَ، قالَ عمرٌو: أَرَدْتَني واللهُ أرادَ خارجةَ، وقدَّمه وقَتَلَه، فبَلَغَ ذلكَ مُعاويةَ، فكَتَبَ إليهِ: وَقَتْكَ وَأَسْبَابُ الْأُمُورِ كَثِيرَةٌ ** مَسَبَّةُ سَاعٍ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ فَيَا عَمْرُو مَهْلًا إِنَّمَا أَنْتَ عَمُّهُ ** وَصَاحِبُهُ دُونَ الرِّجَالِ الْأَقَارَبِ نَجَوْتَ وَقَدْ بَلَّ الْمُرَادِيُّ سَيْفَهُ ** مِنِ ابْنِ أَبِي شَيْخِ الْأَبَاطِحِ طَالِبِ وَيَضْرِبُنِي بِالسَّيْفِ آخَرُ مِثْلُهُ ** فَكَانَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ ضَرْبَةَ لَازِبِ وَأَنْتَ تُبَاغِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ** بِمِصْرِكَ بِيضًا كَالظِّبَاءِ الشَّوَارِبِ وكانَ الذي ذَهبَ بنَعْيِه سُفيانُ بنُ عبدِ شمسِ بنِ أبي وقَّاصٍ الزُّهْريُّ، وكانَ الحَسَنُ قدْ بعثَ قيسَ بنَ سعدِ بنِ عُبادةَ على مُقدِّمتِه في اثْنَيْ عَشَرَ ألفًا، وخَرَجَ مُعاويةُ حتى نَزَلَ بإيلياءَ في ذلكَ العامِ، وخَرَجَ الحَسَنُ حتى نَزَلَ في القُصورِ البيضِ في المدائنِ، وخَرَجَ مُعاويةُ حتى نَزَلَ مَسْكنًا، وكان على المدائنِ عمُّ المُختارِ بنِ أبي عُبَيدٍ، وكانَ يقالُ له: سعدُ بنُ مسعودٍ، فقال له المُختارُ وهو يَومَئِذٍ غُلامٌ شابٌّ: هلْ لكَ في الغِنَى والشَّرَفِ؟ قالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: تُوثِقُ الحَسَنَ، وتَسْتأمِرُ بهِ إلى مُعاويةَ، فقالَ لهُ سَعدٌ: عَليكَ لَعنَةُ اللهِ! أَأثِبُ على ابنِ ابنةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فأُوثِقُه؟! فلمَّا رأى الحَسَنُ تفرُّقَ الناسِ عنهُ بَعَثَ إلى مُعاويةَ يطلُبُ الصُّلحَ، فبَعَثَ إليهِ مُعاويةُ عبدَ اللهِ بنَ عامرٍ، وعبدَ اللهِ بنَ سَمُرَةَ بنِ حبيبِ بنِ عبدِ شَمسٍ، فقَدِمَا على الحَسَنِ بالمدائنِ، فأعطياهُ ما أرادَ، وصالَحاهُ، ثمَّ قامَ الحَسَنُ في الناسِ فقالَ: يا أهلَ العِراقِ، إنَّما يَسْتَحي بنَفْسي عليكم ثلاثٌ؛ قتلُكُم أبي، وطَعْنُكم إياي، وانتِهابُكم مَتاعي، ودَخَلَ في طاعَةِ مُعاويةَ، ودَخَلَ الكوفةَ فبايَعَهُ الناسُ
حديث الصُّورِ [يعني حديث: إنَّ اللهَ لما فرغَ من خلقِ السمواتِ والأرضِ خلقَ الصورَ فأعطاهُ إسرافيلَ فهو واضعُهُ على فيهِ شاخصٌ ببصرِهِ إلى العرشِ ينتظرُ متى يؤمرُ. قلْتُ : يا رسولَ اللهِ وما الصورُ ؟ قال : قرنٌ. قلْتُ : كيفَ هو ؟ قال : عظيمٌ، إنَّ عِظمَ دائرةٍ فيه لعرضِ السمواتِ والأرضِ لينفخَ فيه ثلاثَ نفخاتٍ : الأولى نفخةُ الفزعِ والثانيةُ نفخةُ الصعقِ والثالثةُ نفخةُ القيامِ لربِّ العالمينَ، فيأمرُ اللهُ إسرافيلَ بالنفخةِ الأولى فيقولُ : انفخْ نفخةَ الفزعِ، فيفزعَ أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شاءَ اللهُ، ويأمرُهُ تعالى فيمدُّها ويطيلُها ولا يفترُ وهي التي يقولُ اللهُ فيها : وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [ ص : 15 ] فتسيرُ الجبالُ سيرَ السحابِ فتكونُ سرابًا وترتجُّ الأرضُ بأهلِها رجًّا فتكونُ كالسفينةِ الموقورةِ في البحرِ تضربُها الأمواجُ تكفأُ بأهلِها كالقنديلِ المعلقِ بالعرشِ ترجحُهُ الأرواحُ وهي التي يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [ النازعات : 6 - 7 ] فتميدُ الأرضُ بالناسِ على ظهرِها فتذهلُ المراضعُ وتضعُ الحواملُ وتشيبُ الولدانُ وتطيرُ الشياطينُ هاربةً منَ الفزعِ، حتى تأتيَ الأقطُّارَ، فتتلْقاها الملائكةُ، فتضربُ وجوهَها، فترجعُ، ويولِّي الناسُ مدبرينَ يُنادي بعضُهم بعضًا، فهو الذي يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ يَوْمَ التَّنَادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [ غافر : 32، 33 ] فبينَما هم على ذلك إذْ تصدعَتِ الأرضُ، فانصدعَتْ من قُطرٍ إلى قطُّرٍ، فرأوا أمرًا عظيمًا، ثم نظروا إلى السماءِ فإذا هي كالمُهلِ، ثم انشقَّتْ فانتثرَتْ نجومُها، وخسفَتْ شمسُها وقمرُها، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ والأمواتُ يومئذٍ لا يعلمونَ بشيءٍ من ذلك، قلْتُ : يا رسولَ اللهِ فمن استثْنَى اللهُ في قولِهِ إلا مَن شاءَ اللهُ ؟ قال أولئكَ الشهداءُ، وإنَّما يصلُ الفزعُ إلى الأحياءِ، وهم أحياءُ عِندَ ربِّهم يرزقونَ فوقاهمُ اللهُ شرَّ ذلك اليومِ، وأمَّنَهم منه، وهو عذابٌ يبعثُهُ على شرارِ خلقِهِ، وهو الذي يقولُ اللهُ فيه يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج : 1, 2 ] فيمكثونَ في ذلك العذابِ ما شاء اللهُ، ثم يأمرُ اللهُ إسرافيلَ فينفخُ نفخةَ الصعقِ، فيُصعَقُ أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شاء اللهُ فإذا هم خَمَدوا، جاء ملكُ الموتِ إلى الجبارِ ، فيقولُ : يا ربِّ.. مات أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شئْتَ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ بمن بقيَ فمن بقيَ ؟ فيقولُ : أي يا ربِّ بقيتَ أنتَ الحيُّ القيومُ الذي لا يموتُ، وبقيَتْ حملةُ العرشِ، وبقيَ جبريلُ وميكائيلُ، وبقيتُ أنا، فيقولُ : فليمتْ جبريلُ وميكائيلُ، فيموتانِ ثم يأتي ملكُ الموتِ إلى الجبارِ فيقولُ : قد مات جبريلُ وميكائيلُ، فيقولُ اللهُ تعالى : فليمتْ حملةُ العرشِ فيموتونَ، ويأمرُ اللهُ العرشَ أن يقبضَ الصورَ من إسرافيلَ، ثم يقولُ : ليمتْ إسرافيلُ فيموتُ، ثم يأتي ملكُ الموتِ إلى الجبارِ ، فيقولُ : ربِّ قد مات حملةُ العرشِ، فيقولُ وهو أعلمُ : فمن بقيَ ؟ فيقولُ : بقيتَ أنتَ الحيُّ القيومُ الذي لا يموتُ وبقيتُ أنا، فيقولُ : أنتَ خلقٌ من خَلقي خُلِقتَ لِمَا رأيْتَ، فمُتْ، فيموتُ، فإذا لم يبقَ إلا اللهُ الواحدُ الأحدُ ، طَوى السماءَ والأرضَ كطيِّ السجلِّ للكتابِ، وقال : أنا الجبارُ ، لمنِ الملكُ اليومَ ؟ ثلاثَ مراتٍ، فلم يجبْهُ أحدٌ، فيقولُ لنفسِهِ : اللهُ الواحدُ القهارُ ، ويبدلُ الأرضَ غيرَ الأرضِ والسمواتِ فيبسطُها ويسطحُها ويمدُّها مدَّ الأديمِ العُكاظيِّ، لا تَرى فيها عوجًا ولا أمتًا، ثم يزجرُ اللهُ الخلقَ زجرةً واحدةً، فإذا هم في مثلِ هذه الأرضِ المُبدَلةِ مثلُ ما كانوا فيه في الأولى من كان في بطنِها، كان في بطنِها، ومن كان على ظهرِها، كان على ظهرِها، ثم ينزلُ اللهُ عليْهِم ماءً من تحتِ العرشِ، ثم يأمرُ اللهُ السماءَ أن تمطرَ، فتمطرُ أربعينَ يومًا، حتى يكونَ الماءُ فوقَهم اثنيْ عشرَ ذراعًا، ثم يأمرُ اللهُ الأجسادَ أن تنبتَ فتنبتُ كنباتِ البقلِ ، حتى إذا تكاملَتْ أجسادُهم فكانَتْ كما كانَتْ، قال اللهُ تعالى : لتحيَا حملةُ العرشِ، فيحيونَ، ويأمرُ اللهُ إسرافيلَ فيأخذُ الصورَ فيضعُهُ على فيهِ، ثم يقولُ : ليحيَا جبريلُ وميكائيلُ فيَحييانِ، ثم يدعو اللهُ بالأرواحِ فيؤتى بها، تتوهجُ أرواحُ المسلمينَ نورًا، والأخرى ظلمةً فيقبضُها جميعًا، ثم يُلقيها في الصُّورِ، ثم يأمرُ إسرافيلَ أن ينفخَ نفخةَ البعثِ والنشورِ، فينفخُ نفخةَ البعثِ، فتخرجُ الأرواحُ، كأنَّها النحلُ قد ملأَتْ ما بين السماءِ والأرضِ فيقولُ اللهُ : وعزَّتي وجَلالي ليرجعَنَّ كلُّ روحٍ إلى جسدِهِ فتدخلُ الأرواحُ في الأرضِ إلى الأجسادِ، فتدخلُ في الخياشيمِ، ثم تَمشي في الأجسادِ مشيَ السُّمِّ في اللديغِ، ثم تنشقُ الأرضُ عنكُمْ، وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه فتخرجونَ منها سراعًا إلى ربِّكم تنسلونَ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ حفاةً عراةً غلفًا غُرلًا ثم تقِفونَ موقفًا واحدًا مقدارَ سبعينَ عامًا، لا ينظرُ إليكمْ ولا يُقضى بينَكم فتبكونَ حتى تنقطعَ الدموعُ، ثم تدمعونَ دمًا، وتعرقونَ حتى يبلغَ ذلك منكم أن يُلجمَكم أو يبلغَ الأذقانَ فتضجُّونَ، وتقولونَ : من يشفعُ لنا إلى ربِّنا ليقضيَ بينَنا ؟ فيقولونَ : من أحقُّ بذلك من أبيكمْ آدمَ ؟ خلقَهُ اللهُ بيدِهِ، ونفخَ فيه من روحِهِ، وكلَّمَهُ قبلًا، فيأتونَ آدمَ فيطلبونَ ذلك إليه، فيأْبى ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلكَ، فيأتونَ الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا، كلما جاءُوا نبيًّا أبى عليْهِم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : حتى تأتونَ فأنطلقُ حتى آتيَ الفحصَ فأخِرُّ ساجدًا قال أبو هريرةَ : يا رسولَ اللهِ وما الفَحصُ ؟ قال : موضعٌ قُدَّامَ العرشِ حتى يبعثَ اللهُ ملكًا فيأخذَ بعَضُدي، فيقولُ : يا محمدُ، فأقولُ : نعم لبيكَ يا ربِّ، فيقولُ : ما شأنُكَ ؟ وهو أعلمُ فأقولُ : يا ربِّ وعدْتَني الشفاعةَ وشفَّعتَني في خلقِكَ، فاقضِ بينهم، فيقولُ اللهُ : قد شفعْتُكَ أنا آتيهُم فأقضيَ بينهم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : فأرجعُ، فأقفُ مع الناسِ، فبينما نحنُ وقوفٌ إذا سمِعْنا حسًّا منَ السماءِ شديدًا، فينزلُ أهلُ السماء الدُّنيا على من في الأرضِ منَ الجنِّ والإنسِ حتى إذا دَنوْا منَ الأرضِ أشرقَتِ الأرضُ بنورِها، وأخَذوا مصافَّهم، وقلْنا لهم : أفيكُمْ ربُّنا ؟ قالوا : لا، هو آتٍ، ثم ينزلُ أهلُ كلِّ سماءٍ على قدرِ ذلك منَ التضعيفِ، ثم ينزلُ الجبارُ تباركَ وتعالى في ظُللٍ منَ الغمامِ والملائكةُ ويحملُ عرشَ ربِّكَ فوقَهم يومئذٍ ثمانيةٌ وهم اليومَ أربعةٌ أقدامُهم على تُخُومِ الأرضِ السُّفلى، والأرضُ والسمواتُ إلى حُجزِهم والعرشُ على مناكبِهم، لهم زَجلٌ من تَسبيحِهم، يقولُ : سبحانَ ذي العزةِ والجبروتِ، سبحانَ ذي المُلكِ والملكوتِ، سبحانَ الحيِّ الذي لا يموتُ، سبحانَ الذي يميتُ الخلائقَ ولا يموتُ، سبوحٌ قدوسٌ ، سبحانَ ربِّنا الأعلى ربِّ الملائكةِ والروحِ، سبحانَ ربِّنا الأعلى الذي خلقَ الخلائقَ ولا يموتُ، فيضعُ اللهُ كرسيَّهُ، حيث يشاءُ من أرضِهِ، ثم يهتِفُ فيقولُ : يا معشرَ الجنِّ والإنسِ، إنِّي قد أنصتُّ لكم من يومِ خلقْتُكم إلى يومِكم هذا، أسمعُ قولَكم، وأرى أعمالَكم، فأنصِتوا إليَّ فإنَّما هي أعمالُكم وصحفُكم تُقرَأُ عليكم، فمن وجدَ خيرًا فليحمدِ اللهَ، ومن وجدَ غيرَ ذلك فلا يَلومنَّ غيرَ نفسِهِ، ثم يأمرُ اللهُ جهنمَ، فيخرجُ منها عُنقٌ ساطعٌ مظلمٌ، ثم يقولُ اللهُ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [ يس : 59, 60 ] فيميزُ اللهُ الناسَ ويُنادي الأممَ داعيًا كلَّ أمةٍ إلى كتابِها والأممُ جاثيةٌ منَ الهولِ، يقولُ اللهُ تعالى : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا [ الجاثية : 28 ] فيَقضي اللهُ بين خلقِهِ إلا الثقلينِ الجنَّ والإنسَّ، فيقضي بين الوحوشِ والبهائمِ حتى إنَّهُ ليقيدُ الجماءَ من ذاتِ القرنِ، فإذا فرغَ اللهُ من ذلك فلم تبقَ تَبِعَةٌ عِندَ واحدةٍ للأخرى قال اللهُ : كوني ترابًا فعِندَ ذلك يقولُ الكافرُ : يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا. فيقضي بين العبادِ فيكونُ أولُ ما يُقضى فيه الدماءُ، فيأتي كلُّ قتيلٍ في سبيلِ اللهِ ويأمرُ اللهُ كلَّ قتيلٍ فيحملُ رأسَهُ تشخبُ أوداجُهُ دمًا، فيقولُ : يا ربِّ فيم قتلَني هذا ؟ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ : فيمَ قتلْتَهُ ؟ فيقولُ : يا ربِّ قتلْتهُ لتكون العزةُ لكَ، فيقولُ اللهُ : صدقْتَ. فيجعلُ اللهُ وجهَهُ مثلَ نورِ السمواتِ ثم تسبقُهُ الملائكةُ إلى الجنةِ، ثم يأمرُ اللهُ كلَّ قتيلٍ قُتِلَ على غيرِ ذلك فيأتي من قُتِلَ يحملُ رأسَهُ وتشخبُ أوداجُهُ دمًا فيقولُ : يا ربِّ فيمَ قتلَني هذا ؟ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ : فيم قتلْتَهُ ؟ فيقولُ : يا ربِّ قتلْتهُ لتكونَ العزةُ لي، فيقولُ اللهُ : تعسْتَ، ثم ما تبقى نفسٌ قتلَها قاتلٌ إلا قُتِلَ بها، ولا مظلمةٌ إلا أخِذَ بها وكان في مشيئةِ اللهِ إن شاء عذبَهُ وإن شاء رحمَهُ، ثم يَقضي اللهُ بين من تبقى من خلقِهِ حتى لا تَبقى مظلمةٌ لأحدٍ عِندَ أحدٍ إلا أخذَها للمظلومِ منَ الظالمِ حتى إنَّهُ ليكلفُ شائِبُ اللبنِ بالماءِ أن يُخلصَ اللبنَ منَ الماءِ، فإذا فرغَ اللهُ من ذلك نادى منادٍ يُسمِعُ الخلائقَ كلَّهم فقال : ليلحقْ كلُّ قومٍ بآلهتِهم وما كانوا يعبدونَ من دونِ اللهِ فلا يبقى أحدٌ عبَدَ شيئًا من دونِ اللهِ إلا مُثِّلَتْ له آلهتُهُ بين يديْهِ فيُجعلُ يومئذٍ ملكًا منَ الملائكةِ على صورةِ عزيرٍ ويجعلُ اللهُ ملكًا منَ الملائكةِ على صورةِ عيسى ابنِ مريمَ فيتبعُ هذا اليهودُ وهذا النصارى ثم تقودُهم آلهتُهم إلى النارِ، وهم الذين يقولُ اللهُ : لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [ الأنبياء : 99 ] فإذا لم يبقَ إلا المؤمنونَ ففيهمُ المنافقونَ جاءَهم اللهُ فيما يشاءُ من هيئةٍ فقال : يا أيُّها الناسُ ذهبَ الناسُ فالحَقوا بآلهتِكم وما كنْتم تعبدونَ، فيقولونَ : واللهِ ما لنا إلهٌ إلا اللهُ وما كُنَّا نعبدُ غيرَهُ، فينصرفُ اللهُ عنهم وهو اللهُ تبارك وتعالى فيمكثُ ما شاءَ اللهُ أن يمكثَ ثم يأتيهم فيقولُ : يا أيُّها الناسُ ذهب الناسُ فالحقوا بآلهتِكم وما كنْتُم تعبدونَ، فيقولونَ : واللهِ ما لنا إلهٌ إلا اللهُ وما كُنَّا نعبدُ غيرَهُ، فيكشفُ عن ساقِهِ ويتجلَّى لهم ويظهرُ لهم من عظمتِهِ ما يعرفونَ أنَّهُ ربُّهم فيخرونَ سُجدًا على وجوهِهم ويخرُّ كلُّ منافقٍ على قفاهُ ويجعلُ اللهُ أصلابَهم كصياصيِّ البقرِ ثم يأذنُ اللهُ لهم فيرفعونَ رؤوسَهم ويضربُ اللهُ الصراطٍ بين ظَهراني جهنمَ كعددِ أو كعقدةِ الشعرِ أو كحدِّ السيفِ عليْهِ كلاليبٌ وخطاطيفٌ وحسكٌ كحسكِ السعدانِ دونَهُ جسرٌ دحضٌ مزلةٌ فيمرونَ كطرفِ البصرِ أو كلمحِ البرقِ أو كمرِّ الريحِ أو كجيادِ الخيلِ أو كجيادِ الرِّكابِ أو كجيادِ الرجالِ، فناجٍ سالمٍ وناجٍ مخدوشٍ ومكدوحٍ على وجهِهِ في جهنمَ، فإذا أفضى أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ قالوا : من يشفعُ لنا إلى ربِّنا فندخلَ الجنةَ ؟ فيقولونَ : من أحقُّ بذلك من أبيكم آدمَ خلقَهُ اللهُ بيدِهِ ونفخَ فيه من روحِهِ وكلمَهُ قبلًا وأسجدَ له ملائكتَهُ، فيأتونَ آدمَ فيطلبونَ إليه ذلك فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكن عليكم بنوحٍ فإنَّهُ أولُ رسلِ اللهِ، فيُؤتى نوحٌ فيطلبونَ إليه ذلك فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكن عليكم بإبراهيمَ فإنَّ اللهَ اتخذَهُ خليلًا، فيؤتى إبراهيمُ فيطلبونَ ذلك إليه فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكنْ عليكم بموسى فإنَّ اللهَ قربَهُ نجيًّا وكلمَهُ تكليمًا وأنزلَ عليْهِ التوراةَ، فيؤتى موسى، فيطلبُ ذلك إليه فيقولُ : ما أنا بصاحبِكم، ولكن عليكم بروحِ اللهِ وكلمتِهِ، عيسى ابنِ مريمَ، فيؤتى عيسى، فيطلبُ ذلك إليه، فيقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك، ولكن عليكم بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فيأتوني، ولي عِندَ ربِّي ثلاثُ شفاعاتٍ، وعَدَنيهنَّ، فأنطلقُ فآتي الجنةَ فآخذُ بحلقةِ البابِ ثم أستفتِحُ فيفتحُ لي فأُحيِّي ويرحبُ بي، فإذا دخلْتُ الجنةَ، فنظرْتُ إلى ربِّي عزَّ وجلَّ خررْتُ ساجدًا، فيأذنَ لي من حمدِهِ وتحميدِهِ، وتمجيدِهِ، بشيءٍ ما أذنَ به لأحدٍ من خلقِهِ، ثم يقولُ اللهُ : ارفعْ رأسَكَ يا محمدُ واشفعْ تشفعْ، وسلْ تعطَ، فإذا رفعْتُ رأسي، قال اللهُ وهو أعلمُ ما شأنُكَ ؟ فأقولُ : يا ربِّ وعدْتَني الشفاعةَ، فشفِّعْني في أهلِ الجنةِ، أن يدخلوا الجنةَ، فيقولُ : قد شفعْتُكَ فيهم، وأذنْتُ في دخولِ الجنةِ، فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يقولُ : والذي بعثَني بالحقِّ ما أنتُم في الدُّنيا بأعرفَ بأزواجِكم، ومساكنِكم من أهلِ الجنةِ بأزواجِهم، ومساكنِهم، فيدخلُ كلُّ رجلٍ منهم على اثنتينِ وسبعينَ زوجةً كما ينشئُهنّ اللهُ، واثنتينِ آدميتينِ من ولدِ آدمَ لهما فضلٌ على من شاءَ اللهُ لعبادتِهما اللهَ في الدُّنيا، فيدخلُ على الأولى منهما في غرفةٍ من ياقوتةٍ على سريرٍ من ذهبٍ مكللٍ باللؤلؤِ، له سبعونَ درجةً من سندسٍ وإستبرقٍ، ثم يضعُ يدَهُ بين كتفيْها، ثم ينظرُ إلى يدِهِ من صدرِها من وراءِ ثيابِها وجلدِها ولحمِها، وإنَّهُ لينظرُ إلى لحمِ ساقِها كما ينظرُ أحدُكم إلى السلكِ في قصبةِ الياقوتِ، كبدُهُ لها مِرآةٌ، وكبدُها له مرآةٌ، فبينما هو عِندَها لا يملُّها ولا تملُّهُ ما يأتيها من مرةٍ إلا وجدَها عذراءَ، فبينما هو كذلك إذا نوديَ، إنا قد عرفْنا أنكَ لا تَملُّ ولا تُملُّ، إلا إنَّهُ لا منيَّ ولا منيةً إلا أن لك أزواجًا غيرَها، فيخرجُ فيأتيهنَّ واحدةً واحدةً، كلما جاءَ واحدة قالَتْ : واللهِ ما أرى في الجنةِ شيئًا أحسنَ منك، وما في الجنةِ شيءٌ أحبَّ إليَّ منك، فإذا وقعَ أهلُ النارِ في النارِ وقعَ فيها خلقٌ كثيرٌ من خلقِ ربِّك قد أوبقَتْهم أعمالُهم، فمنهم من تأخذُهُ إلى قدميْهِ، لا تجاوزُ ذلك، ومنهم من تأخذُهُ إلى نصفِ ساقيْهِ، ومنهم من تأخذُهُ إلى ركبتيْهِ، ومنهم من تأخذُهُ إلى حِقويْهِ ومنهم من تأخذُهُ إلى ركبتيْهِ، ومنهم من تأخذُهُ إلى حقويْهِ ومنهم من تأخذُ جسدَهُ كلَّهُ، إلا وجهَهُ قد حرمَ اللهُ صورَهُ عليْها، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : فأقولُ : يا ربِّ شفعْني فيمن وقعَ في النارِ من أمتي، فيقولُ اللهُ تعالى : أخرجوا من عرفْتم فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم واحدٌ، ثم يأذنُ اللهُ لي في الشفاعةِ، فلا يبقى نبيٌّ ولا شهيدٌ إلا شفعَ، فيقولُ اللهُ : أخرجوا من وجدْتُم في قلبِهِ زِنةَ الدينارِ، فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ فيشفعُ اللهُ فيقولُ : أخرِجوا من وجدْتم في قلبِهِ إيمانًا ثلثيْ دينارٍ، ثم يقولُ : نصفُ دينارٍ ثم يقولُ : ثلثَ دينارٍ، ثم يقولُ : ربعَ دينارٍ، ثم يقولُ : قيراطًا، ثم يقولُ : حبةً من خردلٍ ، فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ، وحتى لا يبقى في النارِ من عملَ للهِ خيرًا قطُّ، ولا يبقى أحدٌ له شفاعةٌ إلا شُفِّعَ، حتى أن إبليسَ ليتطاولُ لما يَرى من رحمةِ اللهِ، رجاءَ أن يُشفَعَ له ثم يقولُ اللهُ تعالى : بقيتُ أنا، وأنا أرحمُ الراحمينَ، فيدخلَ اللهُ يدَهُ في جهنمَ فيخرجَ منها ما لا يحصيهُ غيرُهُ، كأنَّهُم الحممُ على نهرٍ يقالُ له الحياةُ، فينبتونَ كما تنبتُ الحبةُ في حميلِ السيلِ ما يَلي الشمسَ منها أُخيضرُ، وما يلي الظلَّ منها أصيفرَ، فينبتونَ كنباتِ الطراثيثِ حتى يكونوا أمثالَ الدُّرِّ مكتوبًا في رقابِهم الجهنميونَ عتقاءُ اللهِ، فيعرفُهم أهلُ الجنةِ بذلك الكتابِ، ما عملوا خيرًا قطُّ فيمكثونَ في الجنةِ ما شاءَ اللهِ وذلك الكتابُ في رقابِهم ثم يقولونَ : ربَّنا امحُ عنَّا هذا الكتابَ فيُمحى عنهم]
12
◔ غير محدد📌 والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ، لهداهُ اللهُ كما هداها، ولكن حَرَمَهُ ذلك
سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسى عليهِ السلامُ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ، فسألتُهُ عن الفُتُونِ ما هوَ ؟ قال : استأنِفِ النهارَ يا ابنَ جبيرٍ فإنَّ لها حديثًا طويلًا : فلمَّا أصبحتُ غدوتُ إلى ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منهُ ما وعدني من حديثِ الفُتُونِ ، فقال : تذاكَرَ فرعونُ وجلساؤُهُ ما كان اللهُ وعدَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أن يجعلَ في ذريتِهِ أنبياءَ وملوكًا ، فقال بعضهم : إنَّ بني إسرائيلَ ينتظرونَ ذلك ، ما يَشُكُّونَ فيهِ ، وكانوا يظنُّونَ أنَّهُ يوسفُ بنُ يعقوبَ ، فلمَّا هلك قالوا : ليس هكذا كان وعدُ إبراهيمَ ، فقال فرعونُ : فكيف تَرَوْنَ ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ ، يطوفونَ في بني إسرائيلَ ، فلا يجدونَ ، مولودًا ذكرًا إلا ذبحوهُ ، ففعلوا ذلك ، فلمَّا رَأَوْا أنَّ الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالهم ، والصغارَ يُذْبَحُونَ ، قالوا : يُوشِكُ أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ ، فتصيروا أن تُبَاشِرُوا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونَكُمْ ، فاقتلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ ، فيَقِلُّ أبناؤهم ، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا ، فيَشِبُّ الصغارُ مكان من يموتُ من الكبارِ ، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيونَ منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ، ولن يَفْنَوا بمن تقتلونَ وتحتاجونَ إليهم . فأَجْمَعُوا أمرهم على ذلك . فحملتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيهِ الغلمانُ ، فولدتْهُ علانيةً آمنةً . فلمَّا كان من قابلٍ حملتْ بموسى عليهِ السلامُ ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزنُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ما دخل عليهِ في بطنِ أُمِّهِ ، ممَّا يُرادُ بهِ . فأوحى اللهُ إليها أن : وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فأمرها إذا ولدتْ أن تجعلَهُ في تابوتٍ ثم تُلْقِيهِ في اليمِّ . فلمَّا ولدتْ فعلتْ ذلك ، فلمَّا تَوارَى عنها ابنها أتاها الشيطانُ ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني ، لو ذُبِحَ عندي فواريتُهُ وكفَّنتُهُ كان أحبُّ إليَّ من أن أُلْقِيهِ إلى دوابِّ البحرِ وحيتانِهِ . فانتهى الماءُ بهِ حتى أوفى بهِ عند فُرْضَةِ مُسْتَقَى جواري امرأةِ فرعونَ فلمَّا رأينَهُ أخذنَهُ فهممن أن يفتحْنَ التابوتَ فقال بعضهنَّ : إنَّ في هذا مالًا ، وإنَّا إن فتحناهُ لم تُصَدِّقنا امرأةُ المَلِكِ بما وجدنا فيهِ ، فحملنَهُ كهيئتِهِ لم يُخْرِجْنَ منهُ شيئًا حتى رفعنَهُ إليها . فلمَّا فتحتْهُ رأتْ فيهِ غلامًا ، فأُلْقِي عليهِ منها محبةً لم يُلْقِ منها على أحدٍ قطُّ ، وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من ذِكْرِ كلِّ شيٍء ، إلا من ذِكْرِ موسى . فلمَّا سمع الذبَّاحونَ بأمرِهِ ، أقبلوا بشِفَارِهِمْ إلى امرأةِ فرعونَ ليذبحوهُ : وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ، فقالت لهم : أَقِرُّوهُ فإنَّ هذا الواحدَ لا يزيدُ في بني إسرائيلَ حتى آتي فرعونَ فأستوهبُهُ منهُ ، فإن وهبَهُ لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمرَ بذبحِهِ لم أَلُمْكُمْ . فأتت فرعونَ فقالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ . فقال فرعونُ : يكونُ لكَ . فأمَّا لي فلا حاجةَ لي فيهِ : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ ، لهداهُ اللهُ كما هداها ، ولكن حَرَمَهُ ذلك . فأرسلتْ إلى من حولها ، إلى كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ لتختارَ لهُ ظِئْرًا ، فجعل كلَّما أخذتْهُ امرأةٌ منهنَّ لتُرْضِعَهُ لم يُقْبِلْ على ثديها حتى أشفقتِ امرأةُ فرعونَ أن يمتنعَ من اللبنِ فيموتَ ، فأحزنها ذلك ، فأمرتْ بهِ فأُخْرِجَ إلى السوقِ ومجمعِ الناسِ ، ترجو أن تجدَ لهُ ظِئْرًا تأخذُهُ منها ، فلم يُقْبِلْ ، وأصبحتْ أمُّ موسى والهًا ، فقالت لأختِهِ : قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا ، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ – والجُنُبُ : أن يَسْمُو بصرُ الإنسانِ إلى شيٍء بعيدٍ ، وهو إلى جنبِهِ ، وهو لا يشعرُ بهِ – فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ . فأخذوها فقالوا ما يُدريكِ ؟ وما نُصْحُهُمْ لهُ ؟ هل يعرفونَهُ ؟ حتى شَكُّوا في ذلك ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فقالت : نُصْحُهُمْ لهُ وشفقتهم عليهِ رغبتهم في ظؤرةِ الملكِ ، ورجاءَ منفعةِ الملكِ . فأرسلوها فانطلقتْ إلى أُمِّهَا ، فأخبرتها الخبرَ . فجاءت أُمُّهُ ، فلمَّا وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا ، وانطلقَ البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يُبَشِّرونها : أن قد وجدنا لابنكِ ظِئْرًا . فأرسلتْ إليها ، فأتتْ بها وبهِ ، فلمَّا رأت ما يصنعُ بها قالت : امْكُثِي تُرْضِعِي ابني هذا ، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطُّ . قالت أمُّ موسى : لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيعُ ، فإن طابت نفسكَ أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي ، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي . وذكرتْ أمُّ موسى ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ ، وأيقنَتْ أنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها ، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا ، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيهِ . فلم يزل بنو إسرائيلَ ، وهم في ناحيةِ القريةِ ، ممتنعينَ من السخرةِ والظلمِ ما كان فيهم ، فلمَّا ترعرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى : أَتُرِيني ابني ؟ فوَعَدَتْهَا يومًا تُرِيها إياهُ فيهِ ، وقالت امرأةُ فرعونَ لخازنها وظؤرها وقَهَارِمَتِهَا لا يَبْقِيَنَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابني اليومَ بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك ، وأنا باعثةٌ أمينًا يًحْصِي ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم ، فلم تزلِ الهدايا والنِّحَلُ والكرامةُ تستقبلُهُ من حينِ خرج من بيتِ أُمِّهِ إلى أن دخل على امرأةِ فرعونَ ، فلمَّا دخل عليها نَحَلَتْهُ وأكرمتْهُ ، وفرحت بهِ ، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لحُسْنِ أثرها عليهِ ، ثم قالت : لآتِيَنَّ بهِ فرعونَ فليَنْحَلَنَّهُ وليُكْرِمَنَّهُ ، فلمَّا دخلت بهِ عليهِ جعلَهُ في حجرِهِ ، فتناولَ موسى لِحْيَةَ فرعونَ يَمُدُّها إلى الأرضِ ، فقال الغواةُ من أعداءِ اللهِ لفرعونَ : ألا ترى ما وعد اللهُ إبراهيمَ نبيَّهُ ، إنَّهُ زعم أن يرثِكَ ويعلوكَ ويصرعكَ ، فأرسلَ إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوهُ . وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِيَ بهِ ، وأُريدَ بهِ . فجاءت امرأةُ فرعونَ فقالت : ما بدا لك في هذا الغلامِ الذي وهبتَهُ لي ؟ فقال : ألا تَرَيْنَهُ يزعمُ أنَّهُ يصرعني ويعلوني . فقالت : اجعلْ بيني وبينك أمرًا يُعْرَفُ فيهِ الحقُّ ، ائتِ بجمرتيْنِ ولؤلؤتيْنِ ، فقرِّبْهُنَّ إليهِ ، فإن بطشَ باللؤلؤتيْنِ واجتنبْ الجمرتيْنِ فاعرفْ أنَّهُ يَعْقِلْ وإن تناولَ الجمرتيْنِ ولم يَرُدَّ اللؤلؤتيْنِ علمتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتيْنِ على اللؤلؤتيْنِ وهو يَعْقِلُ ، فقَرَّبَ إليهِ ، فتناولَ الجمرتيْنِ ، فانتزعهما منهُ مخافةَ أن يحرقا يدَهُ ، فقالت امرأةُ فرعونَ : ألا ترى ؟ فصرفَهُ اللهُ عنهُ بعد ما كان قد همَّ بهِ ، وكان اللهُ بالغًا فيهِ أمرَهُ . فلمَّا بلغ أَشُدَّهُ وكان من الرجالِ ، لم يكن أحدٌ من آلِ فرعونَ يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معهُ بظلمٍ ولا سخرةٍ ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناعِ ، فبينما موسى عليهِ السلامُ يمشي في ناحيةِ المدينةِ ، إذ هو برجليْنِ يقتتلانِ ، أحدهما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فغضب موسى غضبًا شديدًا ، لأنَّهُ تناولَهُ وهو يعلمُ منزلتَهُ من بني إسرائيلَ وحِفْظِهِ لهم ، لا يعلمُ الناسُ إلا أنما ذلك من الرضاعِ ، إلا أمُّ موسى ، إلا أن يكون اللهُ أطلعَ موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليهِ غيرُهُ . فوكزَ موسى الفرعونيَّ ، فقتلَهُ وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ والإسرائيليُّ ، فقال موسى حين قتلَ الرجلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . ثم قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ الأخبارَ ، فأُتِيَ فرعونُ ، فقيل لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قتلوا رجلًا من آلِ فرعونَ فخُذْ لنا بحَقِّنَا ولا تُرَخِّصْ لهم . فقال : أبغوني قاتِلَهُ ، ومن يشهدُ عليهِ ، فإنَّ الملكَ وإن كان صَفْوُهُ مع قومِهِ لا يستقيمُ لهُ أن يُقِيدَ بغيرِ بينَةٍ ولا ثَبْتٍ ، فاطلبوا لي عِلْمَ ذلك آخُذُ لكم بحقكم . فبينما هم يطوفونَ ولا يجدون ثَبْتًا ، إذا بموسى من الغدِ قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ رجلًا من آلِ فرعونَ آخرَ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ وكَرِهَ الذي رأى ، فغضب الإسرائيليُّ وهو يريدُ أن يبطشَ بالفرعونيِّ ، فقال للإسرائيليِّ لما فعل بالأمسِ واليومَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى بعد ما قال لهُ ما قال ، فإذا هو غضبانٌ كغضبِهِ بالأمسِ الذي قتلَ فيهِ الفرعونيَّ فخاف أن يكون بعدما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكونَ إياهُ أرادَ ، ولم يكن أرادَهُ ، وإنَّما أرادَ الفرعونيَّ ، فخاف الإسرائيليُّ وقال : يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وإنما قالَهُ مخافةَ أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتلَهُ ، فتتاركا وانطلقَ الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبرِ حين يقولُ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتلوا موسى ، فأخذ رُسُلُ فرعونَ في الطريقِ الأعظمِ يمشونَ على هيئتهم يطلبونَ موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينةِ فاختصرَ طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبرَهُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحوَ مَدْيَنَ لم يَلْقَ بلاءً قبل ذلك ، وليس لهُ بالطريقِ علمٌ إلا حُسْنُ ظنِّهِ بربهِ عزَّ وجلَّ فإنَّهُ قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ يعني بذلك حابستيْنِ غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتيْنِ لا تسقيانِ مع الناسِ ؟ قالتا : ليس لنا قوةٌ نُزاحِمُ القومَ وإنما ننتظرُ فُضُولَ حياضهم ، فَسَقَى لهما فجعل يغترفُ في الدَّلْوِ ماءً كثيرًا حتى كان أولَ الرُّعَاءِ ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليهِ السلامُ فاستظَلَّ بشجرةٍ وقال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واستنكرَ أبوهما سرعةَ صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطَانًا فقال : إنَّ لكما اليومَ لشأنًا ، فأخبرتاهُ بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوهُ ، فأتتْ موسى فدعتْهُ فلمَّا كلَّمَهُ قال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعونَ ولا لقومِهِ علينا سلطانٌ ، ولسنا في مملكتِهِ ، فقالت إحداهما : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مِنَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملتْهُ الغِيرَةُ على أن قال لها : ما يُدْرِيكِ ما قوتُهُ وما أمانتُهُ ؟ قالت : أما قُوَّتُهُ فما رأيتُ منهُ في الدَّلْوِ حين سقى لنا ، لم أَرَ رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السَّقْيِ منهُ ، وأما الأمانةُ فإنَّهُ نظر إلي حينِ أقبلتْ إليهِ وشَخَصَتْ لهُ ، فلمَّا علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ حتى بَلَّغْتُهُ رسالتكَ ، ثم قال لي : امشي خلفي وانْعُتِي لي الطريقَ ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمينٌ ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظَنَّ بهِ الذي قالت ، فقال لهُ : هل لكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبيِّ اللهِ موسى ثماني سنينَ واجبةً وكانت سَنَتَانِ عِدَةً منهُ فقضى اللهُ عنهُ عِدَتَهُ فأَتَمَّها عشرًا . قال سعيدٌ هو ابنُ جبيرٍ : فلَقِيَنِي رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ من علمائهم قال : هل تدري أيُّ الأجلَيْنِ قضى موسى ؟ قلتُ : لا ، وأنا يومئذٍ لا أدري ، فلقيتُ ابنَ عباسٍ فذكرتُ ذلك لهُ فقال : أما علمتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ واجبةً لم يكن لنبيٍّ أن يَنْقُصَ منها شيئًا ، ويعلمُ أنَّ اللهَ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَهُ التي وعدَهُ فعِدَتُهُ التي وعدَهُ فإنَّهُ قضى عشرَ سنينَ ، فلقيتُ النصرانيَّ فأخبرتُهُ ذلك فقال : الذي سألتَهُ فأخبركَ أعلمُ منكَ بذلك قلتُ : أجل وأَوْلَى . فلمَّا سار موسى بأهلِهِ كان من أمرِ النارِ والعصا ويدِهِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القرآنِ ، فشكا إلى اللهِ تعالى ما يَتَخَوَّفُ من آلِ فرعونَ في القتيلِ وعُقْدَةِ لسانِهِ ، فإنَّهُ كان في لسانِهِ عُقْدَةً تمنعُهُ من كثيرٍ من الكلامِ ، وسأل ربهُ أن يُعِينَهُ بأخيهِ هارونَ يكونُ لهُ رِدْءًا ويتكلَّمُ عنهُ بكثيرٍ مما لا يُفْصِحُ بهِ لسانُهُ ، فآتاهُ اللهُ سُؤْلَهُ وحلَّ عقدةً من لسانِهِ وأوحى اللهُ إلى هارونَ وأَمَرَهُ أن يلقاهُ ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لَقِيَ هارونَ عليهما السلامُ فانطلقا جميعًا إلى فرعونَ فأقاما على بابِهِ حينًا لا يُؤْذَنُ لهما ، ثم أُذِنَ لهما بعد حجابٍ شديدٍ فقالا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبرَهُ بالذي قَصَّ اللهُ عليكَ في القرآنِ ، قال : فما تريدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القتيلَ فاعتذرَ بما قد سمعتَ ، قال : أريدً أن تُؤْمِنَ باللهِ وتُرْسِلَ معيَ بني إسرائيلَ ، فأَبَى عليهِ وقال ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى عصاهُ فإذا هي حيَّةٌ تسعى عظيمةٌ فاغِرَةٌ فاها مسرعةٌ إلى فرعونَ ، فلمَّا رآها قاصدةً إليهِ خافها فاقتحمَ عن سريرِهِ واستغاثَ بموسى أن يَكُفَّهَا عنهُ ففعلَ ، ثم أخرج يدَهُ من جيبِهِ فرآها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ يعني من غيرِ بَرَصٍ ثم رَدَّهَا فعادت إلى لونها الأولِ ، فاستشار الملأَ حولَهُ فيما رأى ، فقالوا لهُ : هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني مُلْكَهُمْ الذي هم فيهِ والعيشِ ، وأَبَوْا على موسى أن يُعْطُوهُ شيئًا ممَّا طلبَ ، وقالوا لهُ : اجمعْ لهما السحرةَ فإنَّهم بأرضكَ كثيرٌ حتى تَغْلِبَ بسحركَ سحرهما ، فأرسلَ إلى المدائنِ فحُشِرَ لهُ كلُّ ساحرٍ متعالمٍ ، فلمَّا أَتَوْا فرعونَ قالوا : بم يعملُ هذا الساحرُ ؟ قالوا : يعمل بالحَيَّاتِ ، قالوا : فلا واللهِ ما أَحَدٌ في الأرضِ يعملُ بالسحرِ بالحَيَّاتِ والحبالِ والعِصِيِّ الذي نعملُ ، وما أَجْرُنَا إن نحنُ غَلَبْنَا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصَّتي ، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيٍء أحببتم ، فتواعدوا يومَ الزينةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضحىً ، قال سعيدُ بنُ جبيرٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ أنَّ يومَ الزينةَ الذي أظهرَ اللهُ فيهِ موسى على فرعونَ والسحرةَ هو يومُ عاشوراءَ . فلمَّا اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ قال الناسُ بعضهم لبعضٍ : انطلقوا فلنحضر هذا الأمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ يعنون موسى وهارونَ استهزاءً بهما ، فقالوا : يا موسى لقدرتهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ: بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسِهِ خيفةً ، فأوحى اللهُ إليهِ أن أَلْقِ عصاكَ ، فلمَّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمةً فاغِرَةً فاها ، فجعلتِ العِصِيُّ تلتبسُ بالحبالِ حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبانِ ، تدخلُ فيهِ ، حتى ما أبقت عصًا ولا حبالًا إلا ابتلعتْهُ ، فلمَّا عرفتِ السحرةُ ذلك قالوا ، لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا ، ولكنَّهُ أمرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ ، آمَنَّا باللهِ وبما جاء بهِ موسى ، ونتوبُ إلى اللهِ ممَّا كُنَّا عليهِ ، فكسرَ اللهُ ظهرَ فرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِهِ ، وظَهَرَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وامرأةُ فرعونَ بارزةٌ متبذلةٌ تدعو اللهَ بالنصرِ لموسى على فرعونَ وأشياعِهِ ، فمن رآها من آلِ فرعونَ ظنَّ أنَّها إنما ابتُذِلَتْ للشفقةِ على فرعونَ وأشياعِهِ ، وإنَّما كان حزنها وهَمُّها لموسى . فلمَّا طال مُكْثُ موسى بمواعيدِ فرعونَ الكاذبةِ ، كلَّما جاء بآيةٍ وعدَهُ عندها أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا مَضَتْ أخلفَ موعدَهُ وقال : هل يستطيعُ ربكَ أن يصنعَ غيرَ هذا ؟ فأرسلَ اللهُ على قومِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقَمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ، كلُّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلبُ إليهِ أن يَكُفَّها عنهُ ، ويُوَاثِقُهُ على أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا كَفَّ ذلك عنهُ أخلفَ موعدَهُ ، ونكث عهدَهُ . حتى أمرَ اللهُ موسى بالخروجِ بقومِهِ فخرج بهم ليلًا ، فلمَّا أصبح فرعونُ ورأى أنهم قد مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ، فتبعَهُ بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ ، وأوحى اللهُ إلى البحرِ : إذا ضربكَ عبدي موسى بعصاهُ فانفلِقْ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى يجوزَ موسى ومن معهُ ، ثم التَقِ على من بَقِيَ بعد من فرعونَ وأشياعِهِ . فنسيَ موسى أن يضربَ البحرَ بالعصا وانتهى إلى البحرِ ولهُ قصيفٌ ، مخافةَ أن يضربَهُ موسى بعصاهُ وهو غافلٌ فيصيرُ عاصيًا للهِ . فلمَّا تراءى الجَمْعَانِ وتقاربا قال أصحابُ موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، افعلْ ما أمركَ بهِ ربكَ ، فإنَّهُ لم يَكْذِبْ ولم تَكْذِبْ . قال : وعدني أن إذا أتيتُ البحرَ انْفَرَقَ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى أُجَاوِزُهُ : ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحرَ بعصاهُ حين دنا أوائلُ جُنْدِ فرعونَ من أواخرِ جُنْدِ موسى ، فانفرقَ البحرُ كما أمرَهُ ربهُ وكما وعد موسى فلمَّا أن جاز موسى وأصحابُهُ كلُّهم البحرَ ، ودخل فرعونُ وأصحابُهُ ، التقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ فلمَّا جاوزَ موسى البحرَ قال أصحابُهُ : إنَّا نخافُ أن لا يكون فرعونُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بهلاكِهِ . فدعا ربهُ فأخرجَهُ لهُ ببدنِهِ حتى استيقنوا بهلاكِهِ . ثم مَرُّوا بعد ذلك عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العِبَرِ وسمعتم ما يكفيكم ومضى . فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارونَ فإني قد استخلفتُهُ عليكم ، فإني ذاهبٌ إلى ربي . وأَجَّلَهُمْ ثلاثينَ يومًا أن يرجعَ إليهم فيها ، فلمَّا أتى ربهُ وأرادَ أن يُكَلِّمَهُ في ثلاثينَ يومًا وقد صامهُنَّ ليلهُنَّ ونهارهُنَّ ، وكَرِهَ أن يُكَلِّمَ ربهُ وريحُ فيهِ ، ريحُ فمِ الصائمِ ، فتناولَ موسى من نباتِ الأرضِ شيئًا فمضغَهُ ، فقال لهُ ربهُ حين أتاهُ : لم أفطرتَ ؟ وهو أعلمُ بالذي كان : قال : يا ربِّ ، إني كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ . قال : أوما علمتَ يا موسى أنَّ رِيحَ فمِ الصائمِ أطيبُ من ريحِ المِسْكِ ، ارجع فصُمْ عشرًا ثم ائتني . ففعل موسى عليهِ السلامُ ما أُمِرَ بهِ ، فلمَّا رأى قومُ موسى أنَّهُ لم يرجع إليهم في الأَجَلِ ، ساءهم ذلك : وكان هارونُ قد خطبهم وقال : إنَّكم قد خرجتم من مصرَ ، ولقومِ فرعونَ عندكم عَوَارِيَ وودائعُ ، ولكم فيهم مثلُ ذلك ولا ممسكيهِ لأنفسنا ، فحفرَ حفيرًا ، وأمر كلَّ قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أن يقذفوهُ في ذلك الحفيرِ ، ثم أوقدَ عليهِ النارَ فأحرقَهُ ، فقال : لا يكونُ لنا ولا لهم . وكان السامريُّ من قومٍ يعبدونَ البقرَ ، جيرانٌ لبني إسرائيلَ ، ولم يكن من بني إسرائيلَ ، فاحتملَ مع موسى وبني إسرائيلَ حينَ احتملوا ، فقضى لهُ أن رأى أَثَرًا فقبضَ منهُ قبضةً ، فمرَّ بهارونَ ، فقال لهُ هارونُ عليهِ السلامُ : يا سامريُّ ، ألا تُلْقِي ما في يدكَ ؟ وهو قابضٌ عليهِ ، لا يراهُ أحدٌ طُوَالَ ذلكَ ، فقال : هذهِ قبضةٌ من أَثَرِ الرسولِ الذي جاوزَ بكمُ البحرَ ، ولا أُلْقِيهَا لشيٍء إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُهَا أن يكونَ ما أُريدُ . فألقاها ، ودعا لهُ هارونُ ، فقال : أُريدُ أن يكونَ عِجْلًا . فاجتمعَ ما كان في الحفيرةِ من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ ، فصار عِجْلَا أجوفَ ، ليس فيهِ روحٌ ، ولهُ خُوَارٌ قال ابنُ عباسٍ : لا واللهِ ، ما كان لهُ صوتٌ قطُّ ، إنَّما كانت الريحُ تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ ، فكان ذلك الصوتَ من ذلكَ . فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا ، فقالت فِرْقَةٌ : يا سامريُّ ، ما هذا ؟ وأنتَ أعلمُ بهِ . قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أَضَلَّ الطريقَ . وقالت فِرْقَةٌ : لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يرجعَ إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضَيَّعْنَاهُ وعجزنا فيهِ حين رأيناهُ ، وإن لم يكن ربنا فإنَّا نَتَّبِعُ قولَ موسى ، وقالت فِرْقَةٌ : هذا عملُ الشيطانِ ، وليس بربنا ولا نُؤْمِنُ بهِ ولا نُصَدِّقُ ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العِجْلِ ، وأعلنوا التكذيبَ بهِ ، فقال لهم هارونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكَمُ الرَّحْمَنُ . قالوا : فما بالُ موسى وعدنا ثلاثينَ يومًا ثم أخلفنا ؟ هذهِ أربعونَ يومًا قد مضتْ ؟ وقال سفهاؤهم : أخطأَ ربُّهُ فهو يطلبُهُ ويَتْبَعُهُ . فلمَّا كلَّمَ اللهُ موسى وقال لهُ ما قال : أَخْبَرَهُ بما لَقِيَ قومُهُ من بعدِهِ ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فقال لهم ما سمعتم في القرآنِ ، وأخذ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إليهِ ، وألقى الألواحَ من الغضبِ ، ثم إنَّهُ عذرَ أخاهُ بعذرِهِ ، واستغفرَ لهُ ، وانصرفَ إلى السامريِّ فقال لهُ : ما حملكَ على ما صنعتَ ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، وفطنتُ لها وعميتْ عليكم ، فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منهُ ، فاستيقنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ ، واغتُبِطَ الذين كان رأيهم فيهِ مثلَ رأي هارونَ ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى ، سَلْ لنا ربكَ أن يفتحَ لنا بابَ توبةٍ نصنعها ، فيُكَفِّرْ عنَّا ما عملنا . فاختارَ موسى قومَهُ سبعينَ رجلًا لذلك ، لا يَأْلُو الخيرَ ، خيارَ بني إسرائيلَ ، ومن لم يُشْرِكْ في العِجْلِ ، فانطلقَ بهم يسألُ لهمُ التوبةَ ، فرجفتْ بهمُ الأرضَ ، فاستحيا نبيُّ اللهِ من قومِهِ ومن وفدِهِ حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ ، فقال : ربِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وفيهم من كان اطَّلَعَ اللهُ منهُ على ما أُشْرِبَ قلبُهُ من حُبِّ العِجْلِ وإيمانٍ بهِ فلذلك رجفتْ بهمُ الأرضُ فقال : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال : يا ربِّ سألتُكَ التوبةَ لقومي ، فقلتَ : إنَّ رحمتي كتبتُهَا لقومٍ غيرِ قومي فليتَكَ أَخَّرْتَنِي حتى تُخْرِجَنِي في أُمَّةِ ذلك الرجلِ المرحومةِ ، فقال لهُ : إنَّ توبتهم أن يَقْتُلَ كلُّ رجلٍ منهم من لَقِيَ من والدٍ وولدٍ فيقتلُهُ بالسيفِ ولا يُبَالِي من قتلَ في ذلك الموطنِ وتاب أولئكَ الذين كان خَفِيَ على موسى وهارونَ واطَّلَعَ اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمِرُوا وغفرَ اللهُ للقاتلِ والمقتولِ . ثم سار بهم موسى عليهِ السلامُ مُتَوَجِّهًا نحوَ الأرضِ المقدسةِ ، وأخذ الألواحَ بعد ما سكتَ عنهُ الغضبُ فأمرهم بالذي أُمِرَ بهِ أن يُبَلِّغَهُمْ من الوظائفِ ، فثَقُلَ ذلك عليهم وأَبَوْا أن يُقِرُّوا بها ، فنَتَقَ اللهُ عليهمُ الجبلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ ودنا منهم حتى خافوا أن يقعَ عليهم فأَخَذُوا الكتابَ بأيمانهم وهم مُصْغُونَ ينظرونَ إلى الجبلِ والكتابُ بأيديهم ، وهم من وراءِ الجبلِ مخافةَ أن يقعَ عليهم ، ثم مَضَوْا حتى أَتَوْا الأرضَ المقدسةَ فوجدوا مدينةً فيها قومٌ جَبَّارُونَ خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ ، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عِظَمِهَا ، فقالوا : يا موسى إنَّ فيها قومًا جَبَّارِينَ لا طاقةَ لنا بهم ، ولا ندخلها ماداموا فيها ، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلونَ ، قال رجلانِ من الذينَ يخافونَ قيل ليزيدٍ : هكذا قرأَهُ ؟ قال : نعم ، من الجَبَّارِينَ آمَنَّا بموسى ، وخرجا إليهِ فقالوا : نحنُ أعلمُ بقومنا إن كنتم إنَّما تخافونَ ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم ولا مَنَعَةَ عندهم فادخلوا عليهمُ البابَ فإذا دخلتموهُ فإنَّكم غالبونَ ، ويقولُ أُناسٌ : إنَّهم من قومِ موسى ، فقال الذينَ يخافونَ بنو إسرائيلَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقينَ ، ولم يَدْعُ عليهم قبلَ ذلك ، لِمَا رأى منهم المعصيةَ وإساءتهم حتى كان يومئذٍ ، فاستجاب اللهُ لهُ وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقينَ ، فحرَّمَهَا عليهم أربعينَ سَنَةً يتيهونَ في الأرضِ ، يُصْبِحُونَ كلَّ يومٍ فيسيرونَ ليس لهم قرارٌ ثم ظَلَّلَ عليهمُ الغمامَ في التِّيهِ وأنزلَ عليهمُ المَنَّ والسلوى وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ ، وجعل بين ظهرانيهم حَجَرًا مُرَبَّعًا وأمرَ موسى فضربَهُ بعصاهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا في كلِّ ناحيةٍ ثلاثُ أعينٍ ، وأعلمَ كلَّ سِبْطٍ عَيْنُهُمُ التي يشربونَ منها فلا يرتحلونَ من مَنْقَلَةٍ إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ معهم بالمكانِ الذي كان فيهِ بالأمسِ
أَنَّ عُمرَ بينَما هُوَ يَخطُبُ يومَ الجُمُعَةِ إذ قال يا سارِيَةَ بنَ زُنَيمٍ الجبَلَ الجبَلَ فلجَأَ المسلِمونَ إلى جَبَلٍ هناكَ فلمْ يقدِرْ العدُوُّ عليهِمْ إلا من جهَةٍ واحدَةٍ فأَظفَرَهُمُ اللَّهُ بِهمْ وفَتَحوا البَلَدَ وغَنِموا شيئًا كثيرًا فكان مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ سَفَطٌ مِنْ جَوهَرٍ فاستوهَبَهُ سارِيَةُ منَ المسلِمينَ لِعُمرَ فلَمَّا وصل إليهِ مع الأَخْماسِ قَدِمَ الرَّسولُ بالخُمُسِ فوجَدَ عُمرَ قائِمًا في يَدِهِ عَصًا وَهُوَ يُطعِمُ المسلمينَ سِماطَهُمْ فلمَّا رآهُ عُمَرُ قال لَه اجلِسْ ولم يَعرِفْهُ فجلَسَ الرَّجُلُ فأَكَل معَ النَّاسِ فلمَّا فَرَغوا انطَلَقَ عُمرُ إلى مَنزِلِهِ واتَّبَعهُ الرَّجُلُ فاستأْذَنَ فأَذِنَ له وإذا هُوَ قد وُضِعَ لهُ خُبزٌ وزَيتٌ ومِلْحٌ فقال ادنُ فَكُلْ قال فَجَلسْتُ فجعَلَ يقولُ لامرَأَتِه أَلا تَخرُجِينَ يا هَذِهِ فتأْكُلينَ فقالتْ إِنِّي أَسمَعُ حِسَّ رَجُلٍ عندَكَ فقالَ أَجَلْ فَقالتْ لوْ أَرَدتَّ أنْ أَبرُزَ للرِّجالِ اشتَريتَ لِي غَيرَ هذِه الكِسْوَةِ فقال أَوَما تَرضَيْنَ أن يُقالَ أمُّ كلثومٍ بنتُ عَلِيٍّ وامْرَأةُ عُمرَ فقالَتْ ما أَقَلَّ غَنَاءَ ذَلِكَ عَنِّي ثمَّ قال للرَّجُلِ ادنُ فَكُلْ فلوْ كانَتْ راضِيَةً لكان أَطْيَبَ مِمَّا تَرى فَأكَلا فلمَّا فَرَغا قال أنا رَسولُ سارِيَةَ بنِ زُنَيمٍ يا أميرَ المؤمِنينَ فقال مَرْحَبًا وأهْلا ثمَّ أدناه حتى مَسَّتْ رُكبَتُهُ رُكْبَتَهُ ثمَّ سألهُ عنِ المسلمِينَ ثمَّ سألهُ عن سَارِيَةَ بنِ زُنَيمٍ فأخبَرهُ ثمَّ ذكر له شَأنَ السَّفَطِ مِنَ الجوْهَرِ فأبى أنْ يَقْبَلَهُ وأمر بِرَدِّهِ إلى الجنْدِ وقد سأل أهلُ المدينَةِ رَسولَ سارِيَةَ عنِ الفتْحِ فأخبَرَهُمْ فَسألوهُ هل سَمِعوا صَوتًا يومَ الوَقْعَةِ قال نَعَمْ سمِعنا قائِلًا يقولُ يا سارِيَةَ الجبَلَ وقد كِدْنَا نَهْلِكُ فلَجَأْنا إِليهِ فَفتَح اللَّهُ علَينا
عن أبي هُرَيرةَ، ولَم يَرفَعْه، نَحوَه [إنَّ للَّهِ مَلائِكةً سَيَّاحينَ في الأرضِ فُضُلًا عن كُتَّابِ النَّاسِ، فإذا وجَدوا قَومًا يَذكُرونَ اللهَ تَنادَوا: هَلُمُّوا إلى بُغيَتِكُم، فيَجيئونَ فيَحُفُّونَ بهم إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَقولُ اللهُ: أيَّ شَيءٍ تَرَكتُم عِبادي يَصنَعونَ؟ فيَقولونَ: تَرَكناهُم يَحمَدونَكَ ويُمَجِّدونَكَ ويَذكُرونَكَ. فيَقولُ: هَل رَأوني؟ فيَقولونَ: لا. فيَقولُ: فكَيفَ لَو رَأوني؟ فيَقولونَ: لَو رَأوكَ لَكانوا لَكَ أشَدَّ تَحميدًا وتَمجيدًا وذِكرًا. فيَقولُ: فأيَّ شَيءٍ يَطلُبونَ؟ فيَقولونَ: يَطلُبونَ الجَنَّةَ. فيَقولُ: وهَل رَأوها؟ قال: فيَقولونَ: لا. فيَقولُ: فكَيفَ لَو رَأوها؟ فيَقولونَ: لَو رَأوها كانوا أشَدَّ عليها حِرصًا، وأشَدَّ لها طَلَبًا. قال: فيَقولُ: مِن أيِّ شَيءٍ يَتَعَوَّذونَ؟ فيَقولونَ: مِنَ النَّارِ. فيَقولُ: وهَل رَأوها؟ فيَقولونَ: لا. قال: فيَقولُ: فكَيفَ لَو رَأوها؟ فيَقولونَ: لَو رَأوها كانوا أشَدَّ مِنها هَرَبًا، وأشَدَّ مِنها خَوفًا. قال: فيَقولُ: إنِّي أُشهدُكُم أنِّي قد غَفَرتُ لهم. قال: فيَقولونَ: فإنَّ فيهم فُلانًا الخَطَّاءَ لَم يُرِدْهم، إنَّما جاءَ لحاجةٍ. فيَقولُ: هُمُ القَومُ لا يَشقى بهم جَليسُهم]
عنِ الحجَّاجِ بنِ ذي الرُّقَيْبةِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ كَعبِ بنِ زُهَيرِ بنِ أبي سُلْمى المُزَنيِّ، عنْ أبيهِ، عنْ جدِّه، قالَ: خرَجَ كَعبٌ وبُجَيرٌ ابْنا زُهَيرٍ حتَّى أتَيا أبرَقَ العزَّافِ، فقالَ بُجَيرٌ لكَعبٍ: اثبُتْ في عجَلِ هذا المكانِ حتَّى آتيَ هذا الرَّجلَ، يَعني رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأسمَعَ ما يَقولُ، فثبَتَ كَعبٌ وخرَجَ بُجَيرٌ، فجاءَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فعرَضَ عليه الإسْلامَ، فأسلَمَ، فبلَغَ ذلك كَعبًا، فقالَ: ألَا أبْلِغا عَنِّي بُجَيرًا رِسالةً ... على أيِّ شَيءٍ وَيحَ غَيرِكَ دلَّكَا على خُلُقٍ لم تُلفِ أمًّا ولا أبًا ... عليه ولم تُدرِكْ عليه أخًا لَكَا سَقَاكَ أبو بَكرٍ بكأسٍ رَوِيَّةٍ ... وأنْهَلَكَ المَأْمونُ منها وعَلَّكَا فلمَّا بلغَتِ الأبْياتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أهدَرَ دمَه، فقالَ: مَن لَقِيَ كَعبًا فلْيَقتُلْه، فكتَبَ بذلك بُجَيرٌ إلى أخيه يَذكُرُ له أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد أهدَرَ دمَه، ويقولُ له: النَّجاءَ وما أراكَ تَنفَلِتُ، ثمَّ كتَبَ إليه بعدَ ذلك: اعلَمْ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يَأْتيه أحَدٌ يَشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ إلَّا قبِلَ ذلك، وأسقَطَ ما كانَ قبلَ ذلك، فإذا جاءَكَ كِتابي هذا فأسلِمْ وأقبِلْ، فأسلَمَ كَعبٌ وقالَ القَصيدةَ الَّتي يَمدَحُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ أقبَلَ حتَّى أناخَ راحِلَتَه ببابِ مَسجِدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ دخَلَ المَسجِدَ ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معَ أصْحابِه مَكانَ المائدةِ منَ القَومِ مُتَحلِّقونَ معَه حَلْقةً دونَ حَلْقةٍ، يَلتفِتُ إلى هؤلاء مرَّةً، فيُحدِّثُهم، وإلى هؤلاء مرَّةً فيُحدِّثُهم، قالَ كَعبٌ: فأنَخْتُ راحِلَتي ببابِ المَسجِدِ، فعرَفْتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالصِّفةِ، فتَخطَّيْتُ حتَّى جلَسْتُ إليه، فأسلَمْتُ، فقُلْتُ: أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّكَ رَسولُ اللهِ، الأمانَ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: ومَن أنتَ؟ قُلْتُ: أنا كَعبُ بنُ زُهَيرٍ، قالَ: الَّذي تَقولُ، ثمَّ التَفَتَ إلى أبي بَكرٍ، فقالَ: كيف قالَ يا أبا بَكرٍ؟ فأنشَدَه أبو بَكرٍ: سَقاكَ أبو بَكرٍ بكأسٍ رَويَّةٍ ... وأنْهلَكَ المأمونُ منها وعلَّكَا قالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما قُلْتُ هكذا، قالَ: وكيف قُلْتَ؟ قالَ: إنَّما قُلْتُ: سَقاكَ أبو بَكرٍ بكأْسٍ رَويَّةٍ ... وأنْهلَكَ المأْمورُ منها وعلَّكَا فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مأمورٌ واللهِ ثمَّ أنشَدَه القَصيدةَ كلَّها حتَّى أتَى على آخِرِها وأمْلاها على الحجَّاجِ بنِ ذي الرُّقَيْبةِ حتَّى أتَى على آخِرِها، وهي هذه القَصيدةُ: بانَتْ سُعادٌ فَقَلْبي اليَومَ مَتْبولُ ... مُتيَّمٌ عندَها لم يُفْدَ مَغْلولُ وما سَعادُ غَداةَ البَيْنِ إذْ رَحَلوا ... إلَّا أغَنُّ غَضيضُ الطَّرفِ مَكْحولُ تَجْلو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتسَمَتْ ... كأنَّها مُنهَلٌ بالكأْسِ مَعْلولُ سحَّ السُّقاةُ عليه ماءَ مَحْنيةٍ ... مِن ماءِ أبطَحَ أمْسَى وهو مَشْمولُ تَنْفي الرِّياحُ القَذى عنه وأفْرَطَه ... مِن صَوبِ عاديةٍ بِيضٍ يَعالِيلُ سَقْيًا لَهَا خُلَّةٌ لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ ... مَوْعُودَهَا وَلَوْ أَنَّ النُّصْحَ مَقْبُولُ لَكِنَّهَا خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا ... فَجْعٌ وَوَلْعٌ وَإِخْلَافٌ وَتَبْدِيلُ فَمَا تَدُومُ عَلَى حَالٍ تَكُونُ بِهَا ... كَمَا تَلَوَّنَ فِي أَثْوَابِهَا الغُولُ ولَا تَمَسَّكُ بِالوَصْلِ الَّذِي زَعَمَتْ ... إلَّا كَمَا يُمْسِكُ المَاءَ الغَرَابِيلُ كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا ... وَمَا مَوَاعِيدُهَا إلَّا الأَبَاطِيلُ فَلَا يَغُرَّنَّكَ مَا مَنَّتْ وَمَا وَعَدَتْ ... إلَّا الأَمَانِيَّ وَالأَحْلَامَ تَضْلِيلُ أَمْسَتْ سُعَادُ بِأَرْضٍ مَا يُبَلِّغُهَا ... إلَّا الْعِتَاقُ النَّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ وَلَنْ يُبَلِّغَهَا إِلَّا عُذَافِرةٌ ... فِيهَا عَلَى الأَيْنِ إِرْقَالٌ وَتَبْغِيلُ مِنْ كُلِّ نَضَّاخةِ الذَّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ ... عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلَامِ مَجْهُولُ يَمْشِي القُرَادُ عَلَيهَا ثُمَّ يُزْلِقُهُ ... عنْهَا اللَّبَانُ وَأقْرَابٌ زَهَالِيلُ عَيْرَانةٌ قُذِفَتْ بِالنَّحْضِ عَنْ عُرُضٍ ... وَمِرْفَقٍ عَنْ ضُلُوعِ الزُّورِ مَفْتُولُ كَأَنَّ مَا فَاتَ عَيْنَيْهَا وَمَذْبَحَهَا ... مِنْ خَطْمِهَا وَمِنَ اللَّحْيَيْنِ بِرْطِيلُ تُمِرُّ مِثْلَ عَسِيبِ النَّحْلِ ذَا خُصَلٍ ... بغَارِبٍ لم تُخوِّنْهُ الأَحَالِيلُ قَنْوَاءُ فِي حَرَّتَيْهَا لِلبَصِيرِ بِهَا ... عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ تَخْدي عَلَى يَسَرَاتٍ وَهْيَ لَاهِيةٌ ... ذَاوَبِلٌ وَقْعُوهُنَّ الأَرْضَ تَحْلِيلُ حَرْفٌ أَبُوهَا أَخُوهَا مِنْ مُهَجَّنَةٍ ... وَعَمُّهَا خَالُهَا قَوْدَاءُ شَمْلِيلُ سُمرُ العُجَايَاتِ يَتْرُكْنَ الْحَصَا زِيمًا ... مَا إِنْ يَقيهِنَّ حَدَّ الْأُكْمِ تَنْعِيلُ يَوْمًا تَظَلُّ حِدَابُ الأَرْضِ تَرفَعُهَا ... مِنَ اللَّوَامِعِ تَخْلِيطٌ وَتَزْيِيلُ كَأنَّ أَوْبَ يَدَيْهَا بَعْدَمَا نَجَدَتْ ... وَقَدْ تَلَفَّعَ بِالقُورِ العَسَاقِيلُ أَوْبُ يَدَيْ ثاكِلٍ شَمْطَاءَ مُعْوِلةً ... قَامَتْ تُجَاوِبُهَا شُمْطٌ مَثَاكِيلُ نُوَاحةٌ رَخْوةُ الضَّبْعَيْنِ لَيسَ لَهَا ... لَمَّا نَعَى بَكْرَهَا النَّاعُونَ مَعْقُولُ تَسْعَى الوُشَاةُ بدَفَّيْهَا وَقِيلِهِمُ ... بأنَّكَ يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ خَلُّوا طَرِيقَ يَدَيْهَا لَا أَبَا لَكُمُ ... فَكُلُّ مَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ ... يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ أُنْبِئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَنِي ... وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ فَقَدْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ مُعْتَذِرًا ... وَالْعُذْرُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَقْبُولُ مَهْلًا رَسُولَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ ... الْقُرْآنِ فِيه مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الوُشَاةِ وَلَمْ ... أُجْرِمْ وَلَوْ كَثُرَتْ عَنِّي الأقَاوِيلُ لَقَدْ أَقُومُ مَقَامًا لَوْ يَقُومُ لَهُ ... أَرَى وَأَسمَعُ مَا لَوْ يَسْمَعُ الْفِيلُ لَظَلَّ يُرْعَدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ ... عِنْدَ الرَّسُولِ بِإِذْنِ اللهِ تَنْوِيلُ حَتَّى وَضَعْتُ يَمِينِي لَا أُنَازِعُهُ ... فِي كَفٍّ ذِي نَقِمَاتٍ قَوْلُهُ الْقِيلُ فَكَانَ أَخْوَفَ عِنْدِي إِذْ أُكَلِّمُهُ ... إِذْ قِيلَ إِنَّكَ مَنْسُوبٌ وَمَسْؤُولُ مِنْ خَادِرٍ شَبَّكَ الأنْيَابَ طَاعَ لَهُ ... بِبَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ يَغْدُو فَيُلْحِمُ ضِرْغَامَيْنِ عِنْدَهُمَا ... لَحْمٌ مِنَ الْقَوْمِ مَنْثُورٌ خَرَادِيلُ مِنْهُ تَظَلُّ حَمِيرُ الْوَحْشِ ضَامِرَةً ... وَلَا تَمشَّى بِوَادِيهِ الأرَاجِيلُ وَلَا يَزَالُ بِوَادِيهِ أَخُو ثِقَةٍ ... مُطَرَّحُ الْبَزِّ وَالدِّرْسَانِ مَأْكُولُ إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ ... وَصَارِمٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ ... بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا زَالُوا فَمَا زَالَ أنْكاسٌ وَلَا كُشُفٌ ... عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ شُمُّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالٌ لِباسُهُمُ ... مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الهَيْجَا سَرَابِيلُ بِيضٌ سَوَابِغُ قَدْ شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ ... كَأَنَّهَا حَلَقُ الْقَفْعَاءِ مَجْدُولُ يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ البُزْلِ يَعْصِمُهُم ... ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ لَا يَفْرَحُونَ إِذَا نَالَتْ رِمَاحُهُمُ ... قَوْمًا وَلَيْسوا مَجَازِيعًا إِذَا نِيلُوا مَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا فِي نُحُورِهُمُ ... وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زَمَنَ الحُدَيبيةِ في بضعَ عَشرةَ مِائةً فذَكَرَ الحَديثَ [يَعني حَديثَ: خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زَمانَ الحُدَيبيةِ في بضعِ عَشرةَ مِائةً مِن أصحابِه، حَتَّى إذا كانوا بذي الحُلَيفةِ قَلَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الهَديَ وأشعَرَه، وأحرَمَ بالعُمرةِ، وبَعَثَ بَينَ يَدَيه عَينًا له مِن خُزاعةَ يُخبِرُه عن قُرَيشٍ، وسارَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بغَديرِ الأشطاطِ قَريبٍ مِن عُسفانَ، أتاه عَينُه الخُزاعيُّ، فقال: إنِّي قد تَرَكتُ كَعبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَيٍّ قد جَمَعوا لَكَ الأحابِشَ -وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ عنِ ابنِ المُبارَكِ وقال: قد جَمَعوا لَكَ الأحابيشَ- وجَمَعوا لَكَ جُموعًا، وهُم مُقاتِلوكَ وصادُّوكَ عنِ البَيتِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أشيروا عليَّ، أتَرَونَ أن نَميلَ إلى ذَراريِّ هؤلاء الذينَ أعانوهُم فنُصيبَهم، فإن قَعَدوا قَعَدوا مَوتورينَ مَحروبينَ، وإن نَجَوا. وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ: عنِ ابنِ المُبارَكِ: مَحزونينَ، وإن يَحنونَ تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَها اللهُ، أو تَرَونَ أن نَؤُمَّ البَيتَ، فمَن صَدَّنا عنه قاتَلناه، فقال أبو بَكرٍ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، يا نَبيَّ اللهِ، إنَّما جِئنا مُعتَمِرينَ، ولَم نَجِئْ نُقاتِلُ أحَدًا، ولَكِن مَن حالَ بَينَنا وبَينَ البَيتِ قاتَلناه. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فروحوا إذًا. قال الزُّهريُّ: وكان أبو هُرَيرةَ يَقولُ: ما رَأيتُ أحَدًا قَطُّ كان أكثَرَ مَشورةً لأصحابِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال الزُّهريُّ في حَديثِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمةَ، ومَروانَ: فراحوا حَتَّى إذا كانوا ببَعضِ الطَّريقِ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ خالِدَ بنَ الوليدِ بالغَميمِ في خَيلٍ لقُرَيشٍ طَليعةٌ، فخُذوا ذاتَ اليَمينِ، فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالِدٌ حَتَّى إذا هو بقَترةِ الجَيشِ، فانطَلَقَ يَركُضُ نَذيرًا لقُرَيشٍ، وسارَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بالثَّنيَّةِ التي يَهبِطُ عليهم مِنها بَرَكَت به راحِلَتُه، وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ، عنِ ابنِ المُبارَكِ: بَرَكَت بها راحِلَتُه، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: حَلْ حَلْ، فألَحَّت، فقالوا: خَلَأتِ القَصواءُ! خَلَأتِ القَصواءُ! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما خَلَأتِ القَصواءُ، وما ذاكَ لها بخُلُقٍ، ولَكِن حَبَسَها حابِسُ الفيلِ. ثُمَّ قال: والذي نَفسي بيَدِه، لا يَسألوني خُطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها. ثُمَّ زَجَرَها، فوثَبَت به، قال: فعَدَلَ عنها حَتَّى نَزَلَ بأقصى الحُدَيبيةِ على ثَمَدٍ قَليلِ الماءِ، إنَّما يَتَبَرَّضُه النَّاسُ تَبَرُّضًا، فلَم يُلبِثْه النَّاسُ أن نَزَحوهُ، فشُكيَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العَطَشُ، فانتَزَعَ سَهمًا مِن كِنانَتِه، ثُمَّ أمَرَهم أن يَجعَلوهُ فيه، قال: فواللهِ ما زالَ يَجيشُ لهم بالرِّيِّ حَتَّى صَدَروا عنه. قال: فبَينَما هُم كَذلك إذ جاءَ بُدَيلُ بنُ ورقاءَ الخُزاعيُّ في نَفَرٍ مِن قَومِه، وكانوا عَيبةَ نُصحٍ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أهلِ تِهامةَ، وقال: إنِّي تَرَكتُ كَعبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَيٍّ نَزَلوا أعدادَ مياهِ الحُدَيبيةِ، مَعَهمُ العوذُ المَطافيلُ، وهُم مُقاتِلوكَ وصادُّوكَ عنِ البَيتِ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نَجِئْ لقِتالِ أحَدٍ، ولَكِنَّا جِئنا مُعتَمِرينَ، وإنَّ قُرَيشًا قد نَهَكَتهمُ الحَربُ، فأضَرَّت بهم، فإن شاؤوا مادَدتُهم مُدَّةً ويُخَلُّوا بَيني وبَينَ النَّاسِ، فإن أظهَرْ فإن شاؤوا أن يَدخُلوا فيما دَخَلَ فيه النَّاسُ فعَلوا، وإلَّا فقد جَمُّوا، وإن هُم أبَوا فوالذي نَفسي بيَدِه لَأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حَتَّى تَنفَرِدَ سالِفَتي أو لَيُنفِذَنَّ اللهُ أمرَه. قال يَحيى، عنِ ابنِ المُبارَكِ: حَتَّى تَنفَرِدَ، قال: فإن شاؤوا مادَدناهُم مُدَّةً. قال بُدَيلٌ: سَأُبَلِّغُهم ما تَقولُ. فانطَلَقَ حَتَّى أتى قُرَيشًا فقال: إنَّا قد جِئناكُم مِن عِندِ هذا الرَّجُلِ، وسَمِعناه يَقولُ قَولًا، فإن شِئتُم نَعرِضْه عليكُم. فقال سُفَهاؤُهم: لا حاجةَ لَنا في أن تُحَدِّثَنا عنه بشَيءٍ، وقال ذو الرَّأيِ مِنهم: هاتِ ما سَمِعتَه يَقولُ. قال: قد سَمِعتُه يَقولُ كَذا وكَذا، فحَدَّثَهم بما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فقامَ عُروةُ بنُ مَسعودٍ الثَّقَفيُّ، فقال: أيْ قَومِ، ألَستُم بالوالِدِ؟ قالوا: بَلى. قال: أولَستُ بالولَدِ؟ قالوا: بَلى. قال: فهَل تَتَّهِموني؟ قالوا: لا. قال: ألَستُم تَعلَمونَ أنِّي استَنفَرتُ أهلَ عُكاظَ، فلَمَّا بَلَّحوا عليَّ جِئتُكُم بأهلي ومَن أطاعَني؟ قالوا: بَلى، فقال: إنَّ هذا قد عَرَضَ عليكُم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها، ودَعوني آتِه. فقالوا: ائتِه، فأتاه، قال: فجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال له نَحوًا مِن قَولِه لبُدَيلٍ، فقال عُروةُ عِندَ ذلك: أي مُحَمَّدُ، أرَأيتَ إنِ استَأصَلتَ قَومَكَ، هَل سَمِعتَ بأحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجتاحَ أصلَه قَبلَكَ؟ وإن تَكُنِ الأُخرى، فواللهِ إنِّي لَأرى وُجوهًا، وأرى أوباشًا مِنَ النَّاسِ خَليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعوكَ. فقال له أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ تَعالى عنه: امصُصْ بَظرَ اللَّاتِ، نَحنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه؟ فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بَكرٍ. قال: أما والذي نَفسي بيَدِه لَولا يَدٌ كانَت لَكَ عِندي لم أَجِزكَ بها لَأجَبتُكَ. وجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكُلَّما كَلَّمَه أخَذَ بلِحيَتِه، والمُغيرةُ بنُ شُعبةَ قائِمٌ على رَأسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومَعَه السَّيفُ وعليه المِغفَرُ، وكُلَّما أهوى عُروةُ بيَدِه إلى لحيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضَرَبَ يَدَه بنَصلِ السَّيفِ، وقال: أخِّرْ يَدَكَ عن لحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فرَفَعَ عُروةُ رَأسَه، فقال: مَن هذا؟ قالوا: المُغيرةُ بنُ شُعبةَ. قال: أي غُدَرُ، أولَستُ أسعى في غَدرَتِكَ. وكان المُغيرةُ صَحِبَ قَومًا في الجاهِليَّةِ فقَتَلَهم، وأخَذَ أموالَهم، ثُمَّ جاءَ فأسلَمَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا الإسلامُ فأقبَلُ، وأمَّا المالُ فلَستُ مِنه في شَيءٍ. ثُمَّ إنَّ عُروةَ جَعَلَ يَرمُقُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَينِه، قال: فواللهِ ما تَنَخَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ مِنهم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلدَه، وإذا أمَرَهم ابتَدَروا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِه، وإذا تَكَلَّموا خَفَضوا أصواتَهم عِندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعظيمًا له. فرَجَعَ إلى أصحابِه، فقال: أيْ قَومِ، واللهِ لَقد وفَدتُ على المُلوكِ، ووفَدتُ على قَيصَرَ وكِسرى والنَّجاشيِّ، واللهِ إن رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واللهِ إن يَتَنَخَّمْ نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ مِنهم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلدَه، وإذا أمَرَهم ابتَدَروا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِه، وإذا تَكَلَّموا خَفَضوا أصواتَهم عِندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعظيمًا له، وإنَّه قد عَرَضَ عليكُم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها. فقال رَجُلٌ مِن بَني كِنانةَ: دَعوني آتِه، فقالوا: ائتِه. فلَمَّا أشرَفَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا فُلانٌ، وهو مِن قَومٍ يُعَظِّمونَ البُدنَ، فابعَثوها له. فبُعِثَت له، واستَقبَلَه القَومُ يُلَبُّونَ، فلَمَّا رَأى ذلك قال: سُبحانَ اللهِ، ما يَنبَغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عنِ البَيتِ. قال: فلَمَّا رَجَعَ إلى أصحابِه، قال: رَأيتُ البُدنَ قد قُلِّدَت وأُشعِرَت، فلَم أرَ أن يُصَدُّوا عنِ البَيتِ. فقامَ رَجُلٌ مِنهم يُقالُ له مِكرَزُ بنُ حَفصٍ، فقال: دَعوني آتِه. فقالوا: ائتِه. فلَمَّا أشرَفَ عليهم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا مِكرَزٌ، وهو رَجُلٌ فاجِرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَينا هو يُكَلِّمُه إذ جاءَه سُهَيلُ بنُ عَمرٍو. قال مَعمَرٌ: وأخبَرَني أيُّوبُ، عن عِكرِمةَ، أنَّه لَمَّا جاءَ سُهَيلٌ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: سَهُلَ مِن أمرِكُم، قال الزُّهريُّ في حَديثِه: فجاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فقال: هاتِ اكتُبْ بَينَنا وبَينَكُم كِتابًا. فدَعا الكاتِبَ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اكتُبْ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، فقال سُهَيلٌ: أمَّا الرَّحمَنُ، فواللهِ ما أدري ما هو -وقال ابنُ المُبارَكِ: ما هو- ولَكِنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ كما كُنتَ تَكتُبُ. فقال المُسلِمونَ: واللهِ ما نَكتُبُها إلَّا بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اكتُب باسمِكَ اللهُمَّ، ثُمَّ قال: هذا ما قاضى عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ، فقال سُهَيلٌ: واللهِ لَو كُنَّا نَعلَمُ أنَّكَ رَسولُ اللهِ ما صَدَدناكَ عنِ البَيتِ ولا قاتَلناكَ، ولَكِنِ اكتُب: مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: واللهِ إنِّي لَرَسولُ اللهِ وإن كَذَّبتُموني، اكتُبْ: مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ. قال الزُّهريُّ: وذلك لقَولِه: لا يَسألوني خُطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: على أن تُخَلُّوا بَينَنا وبَينَ البَيتِ فنَطوفَ به، فقال سُهَيلٌ: واللهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّا أُخِذْنا ضُغطةً، ولَكِن لَكَ مِنَ العامِ المُقبِلِ. فكَتَبَ، فقال سُهَيلٌ: على أنَّه لا يَأتيكَ مِنَّا رَجُلٌ، وإن كان على دينِكَ، إلَّا رَدَدتَه إلينا. فقال المُسلِمونَ: سُبحانَ اللهِ، كَيفَ يُرَدُّ إلى المُشرِكينَ وقد جاءَ مُسلِمًا؟ فبَينا هُم كَذلك إذ جاءَ أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو يَرسُفُ -وقال يَحيى عنِ ابنِ المُبارَكِ: يَرصُفُ- في قُيودِه، وقد خَرَجَ مِن أسفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمى بنَفسِه بَينَ أظهُرِ المُسلِمينَ. فقال سُهَيلٌ: هذا يا مُحَمَّدُ أوَّلُ ما أُقاضيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نَقضِ الكِتابَ بَعدُ، قال: فواللهِ إذًا لا نُصالِحُكَ على شَيءٍ أبَدًا. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فأجِزْه لي، قال: ما أنا بمُجيزِه لَكَ. قال: بَلى، فافعَلْ، قال: ما أنا بفاعِلٍ. قال مِكرَزٌ: بَلى قد أجَزناه لَكَ. فقال أبو جَندَلٍ: أي مَعاشِرَ المُسلِمينَ، أُرَدُّ إلى المُشرِكينَ وقد جِئتُ مُسلِمًا، ألا تَرَونَ ما قد لَقِيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ عَذابًا شَديدًا في اللهِ. فقال عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: فأتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلتُ: ألَستَ نَبيَّ اللهِ؟ قال: بَلى، قُلتُ: ألَسنا على الحَقِّ وعَدوُّنا على الباطِلِ؟ قال: بَلى، قال: قُلتُ: فلمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دينِنا إذًا؟ قال: إنِّي رَسولُ اللهِ، ولَستُ أعصيه، وهو ناصِري. قُلتُ: أولَستَ كُنتَ تُحَدِّثُنا أنَّا سَنَأتي البَيتَ فنطوفُ به؟ قال: بَلى، قال: أفَأخبَرتُكَ أنَّكَ تَأتيه العامَ؟ قُلتُ: لا. قال: فإنَّكَ آتيه ومُتَطَوِّفٌ به، قال: فأتَيتُ أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فقُلتُ: يا أبا بَكرٍ، أليس هذا نَبيَّ اللهِ حَقًّا؟ قال: بَلى. قُلتُ: ألَسنا على الحَقِّ وعَدوُّنا على الباطِلِ؟ قال: بَلى. قُلتُ: فلمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دينِنا إذًا؟ قال: أيُّها الرَّجُلُ، إنَّه رَسولُ اللهِ، ولَن يَعصيَ رَبَّه عَزَّ وجَلَّ، وهو ناصِرُه، فاستَمسِكْ بغَرزِه -وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ: تَطَوَّفْ بغَرزِه حَتَّى تَموتَ، فواللهِ إنَّه لَعَلى الحَقِّ- قُلتُ: أوليس كان يُحَدِّثُنا أنَّا سَنَأتي البَيتَ ونُطوِّفُ به؟ قال: بَلى. قال: أفَأخبَرَكَ أنَّه يَأتيه العامَ؟ قُلتُ: لا. قال: فإنَّكَ آتيه ومُتَطَوِّفٌ به. قال الزُّهريُّ: قال عُمَرُ: فعَمِلتُ لذلك أعمالًا. قال: فلَمَّا فرَغَ مِن قَضيَّةِ الكِتابِ، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه: قوموا فانحَروا ثُمَّ احلِقوا، قال: فواللهِ ما قامَ مِنهم رَجُلٌ، حَتَّى قال ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فلَمَّا لم يَقُمْ مِنهم أحَدٌ قامَ فدَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فذَكَرَ لها ما لَقيَ مِنَ النَّاسِ، فقالت أُمُّ سَلَمةَ: يا رَسولَ اللهِ، أتُحِبُّ ذلك؟ اخرُجْ، ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا مِنهم كَلِمةً حَتَّى تَنحَرَ بُدْنَكَ، وتَدعوَ حالِقَكَ فيَحلِقَكَ. فقامَ فخَرَجَ، فلَم يُكَلِّمْ أحَدًا مِنهم حَتَّى فعَلَ ذلك: نَحَرَ هَديَه، ودَعا حالِقَه. فلَمَّا رَأوا ذلك قاموا فنَحَروا، وجَعَلَ بَعضُهم يَحلِقُ بَعضًا حَتَّى كادَ بَعضُهم يَقتُلُ بَعضًا غَمًّا. ثُمَّ جاءَه نِسوةٌ مُؤمِناتٌ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {يا أيُّها الذينَ آمَنوا إذا جاءَكُمُ المُؤمِناتُ مُهاجِراتٍ} [الممتحنة: 10] حَتَّى بَلَغَ {بعِصَمِ الكَوافِرِ} [الممتحنة: 10]، قال: فطَلَّقَ عُمَرُ يَومَئِذٍ امرَأتَينِ كانَتا له في الشِّركِ، فتَزَوَّجَ إحداهُما مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ، والأُخرى صَفوانُ بنُ أُمَيَّةَ. ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدينة فجاءَه أبو بَصيرٍ -رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ- وهو مُسلِمٌ، وقال يَحيى، عنِ ابنِ المُبارَكِ: فقدِمَ عليه أبو بَصيرِ بنُ أُسَيدٍ الثَّقَفيُّ مُسلِمًا مُهاجِرًا، فاستَأجَرَ الأخنَسُ بنُ شُرَيقٍ رَجُلًا كافِرًا مِن بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ ومَولًى مَعَه، وكَتَبَ مَعَهما إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسألُه الوفاءَ، فأرسَلوا في طَلَبِه رَجُلَينِ، فقالوا: العَهدُ الذي جَعَلتَ لَنا فيه. فدَفَعَه إلى الرَّجُلَينِ، فخَرَجا به حَتَّى بَلَغا به ذا الحُلَيفةِ، فنَزَلوا يَأكُلونَ مِن تَمرٍ لهم]، ومِن هاهُنا مُلصَقٌ بحَديثِ الزُّهريِّ، عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ، قال: وقال أبو بَصيرٍ للعامِريِّ ومَعَه سَيفُه، إنِّي أرى سَيفَكَ هذا يا أخا بَني عامِرٍ جَيِّدًا؟ قال: نَعَم أجَلْ، قال: أرِني أنظُرْ إليه، قال: فأنطاه إيَّاه، فاستَلَّه أبو بَصيرٍ ثُمَّ ضَرَبَ العامِريَّ حَتَّى قَتَلَه، وفَرَّ المَولى يَجمِزُ قِبَلَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَخَلَ –زَعَموا- على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو في المَسجِدِ يَطِنُّ الحَصى مِن شِدَّةِ سَعيِه، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ رَآهُ: لَقد رَأى هذا ذُعرًا، فذَكَرَ نَحوًا مِن حَديثِ عَبدِ الرَّزَّاقِ [فلَمَّا انتَهى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قُتِلَ واللهِ صاحِبي، وإنِّي لَمَقتولٌ. فجاءَ أبو بَصيرٍ، فقال: يا نَبيَّ اللهِ، قد واللهِ أوفى اللهُ ذِمَّتَكَ قد رَدَدتَني إليهم، ثُمَّ أنجاني اللهُ مِنهم. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ويلُ امِّه مِسعَرَ حَربٍ! لَو كان له أحَدٌ. فلَمَّا سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنَّه سَيَرُدُّه إليهم، فخَرَجَ حَتَّى أتى سِيفَ البَحرِ، قال: ويَنفَلِتُ أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلٍ، فلَحِقَ بأبي بَصيرٍ، فجَعَلَ لا يَخرُجُ مِن قُرَيشٍ رَجُلٌ قد أسلَمَ إلَّا لَحِقَ بأبي بَصيرٍ حَتَّى اجتَمَعَت مِنهم عِصابةٌ، قال: فواللهِ ما يَسمَعونَ بعيرٍ خَرَجَت لقُرَيشٍ إلى الشَّامِ إلَّا اعتَرَضوا لها، فقَتَلوهُم، وأخَذوا أموالَهم]، قال: فلَمَّا رَأى ذلك كُفَّارُ قُرَيشٍ رَكِبَ نَفَرٌ مِنهم إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: إنَّها لا تُغني مُدَّتُكَ شَيئًا، ونَحنُ نُقتَلُ وتُنهَبُ أموالُنا، وإنَّا نَسألُكَ أن تُدخِلَ هؤلاء الذينَ أسلَموا مِنَّا في صُلحِكَ، وتَمنَعَهم وتَحجُزَ عنَّا قِتالَهم، ففَعَلَ ذلك رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {وهو الذي كَفَّ أيديَهم عنكُم وأيديَكُم عنهم} [الفتح: 24]، فقَرَأ حَتَّى بَلَغَ {حَميَّةَ الجاهِليَّةِ} [الفتح: 26]
عن كَعبِ بنِ مالِكٍ، يُحَدِّثُ حَديثَه حينَ تَخَلَّفَ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تَبوكَ، فقال كَعبُ بنُ مالِكٍ: لم أتَخَلَّفْ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةٍ غَزاها قَطُّ إلَّا في غَزوةِ تَبوكَ، غَيرَ أنِّي كُنتُ تَخَلَّفتُ في غَزوةِ بَدرٍ، ولَم يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنها، إنَّما خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ عيرَ قُرَيشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَينَهم، وبَينَ عَدوِّهِم على غَيرِ ميعادٍ، ولَقد شَهِدتُ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيلةَ العَقَبةِ، حينَ تَوافَقنا على الإسلامِ وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشهَدَ بَدرٍ، وإن كانَت بَدرٌ أذكَرَ في النَّاسِ مِنها وأشهَرَ، وكانَ مِن خَبَري حينَ تَخَلَّفتُ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تَبوكَ لأنِّي لم أكُنْ قَطُّ أقوى ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عنه في تلك الغَزاةِ، واللهِ ما جَمَعتُ قَبلَها راحِلَتَينِ قَطُّ حَتَّى جَمَعتُهما في تلك الغَزاةِ، وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَلَّما يُريدُ غَزاةً يَغزوها إلَّا ورَّى بغَيرِها، حَتَّى كانَت تلك الغَزاةُ، فغَزاها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَرٍّ شَديدٍ، واستَقبَلَ سَفَرًا بَعيدًا ومَفازًا، واستَقبَلَ عَدوًّا كَثيرًا، فجَلَّى للمُسلِمينَ أمرَه ليَتَأهَّبوا أُهبةَ عَدوِّهِم، فأخبَرَهم بوجهِه الذي يُريدُ، والمُسلِمونَ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَثيرٌ، لا يَجمَعُهم كِتابٌ حافِظٌ - يُريدُ الدِّيوانَ- فقال كَعبٌ: فقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ يَتَغَيَّبُ إلَّا ظَنَّ أنَّ ذلك سَيَخفى له ما لم يَنزِلْ فيه وحيٌ مِنَ اللهِ، وغَزا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تلك الغَزوةَ حينَ طابَتِ الثِّمارُ والظِّلُّ، وأنا إليها أصعَرُ فتَجَهَّزَ إليها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمُؤمِنونَ مَعَه، وطَفِقتُ أغدو لكَي أتَجَهَّزَ مَعَه، فأرجِعُ ولَم أقضِ شَيئًا، فأقولُ في نَفسي: أنا قادِرٌ على ذلك إذا أرَدتُ، فلَم يَزَلْ كَذلك يَتَمادى بي حَتَّى شَمَّرَ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصبَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غاديًا والمُسلِمونَ مَعَه، ولَم أقضِ مِن جَهازي شَيئًا، فقُلتُ: الجَهازُ بَعدَ يَومٍ أو يَومَينِ ثُمَّ ألحَقُهم، فغَدَوتُ بَعدَما فصَلوا لأتَجَهَّزَ فرَجَعتُ، ولَم أقضِ شَيئًا مِن جَهازي، ثُمَّ غَدَوتُ فرَجَعتُ، ولَم أقضِ شَيئًا، فلَم يَزَلْ ذلك يَتَمادى بي حَتَّى أسرَعوا، وتَفارَطَ الغَزوُ فهَمَمتُ أن أرتَحِلَ، فأُدرِكَهم ولَيتَ أنِّي فعَلتُ، ثُمَّ لم يُقدَّرْ ذلك لي، فطَفِقتُ إذا خَرَجتُ في النَّاسِ بَعدَ خُروجِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فطُفتُ فيهم يَحزُنُني أن لا أرى إلَّا رَجُلًا مَغموصًا عليه في النِّفاقِ، أو رَجُلًا مِمَّن عَذَرَه اللهُ، ولَم يَذكُرْني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى بَلَغَ تَبوكَ، فقال وهو جالِسٌ في القَومِ بتَبوكَ: «ما فعَلَ كَعبُ بنُ مالِكٍ» قال رَجُلٌ مِن بَني سَلِمةَ: حَبَسَه يا رَسولَ اللهِ بُرداه، والنَّظَرُ في عِطفَيه! فقال له مُعاذُ بنُ جَبَلٍ: بئسَما قُلتَ! واللهِ يا رَسولَ اللهِ ما عَلِمنا عليه إلَّا خَيرًا، فسَكَتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال كَعبُ بنُ مالِكٍ: فلَمَّا بَلَغَني أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد تَوجَّهَ قافِلًا مِن تَبوكَ حَضَرَني بَثِّي، فطَفِقتُ أتَفَكَّرُ الكَذِبَ، وأقولُ بماذا أخرُجُ مِن سُخطِه غَدًا، أستَعينُ على ذلك كُلَّ ذي رَأيٍ مِن أهلي، فلَمَّا قيلَ إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظَلَّ قادِمًا زاحَ عَنِّي الباطِلُ، وعَرَفتُ أنِّي لَن أنجوَ منه بشَيءٍ أبَدًا، فأجمَعتُ صِدقَه، وصَبَّحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادِمًا، وكانَ إذا قدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأ بالمَسجِدِ، فرَكَعَ فيه رَكعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ للنَّاسِ، فلَمَّا فعَلَ ذلك جاءَه المُتَخَلِّفونَ، فطَفِقوا يَعتَذِرونَ إليه ويَحلِفونَ لَه، وكانوا بضعةً وثَمانينَ رَجُلًا، فقَبِلَ منهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلانيَتَهم، ويَستَغفِرُ لَهم، ويَكِلُ سَرائِرَهم إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، حَتَّى جِئتُ، فلَمَّا سَلَّمتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغضَبِ، ثُمَّ قال لي: «تَعالَ» فجِئتُ أمشي حَتَّى جَلَستُ بَينَ يَدَيه، فقال لي: «ما خَلَّفَكَ، ألَم تَكُنْ قدِ استَمَرَّ ظَهرُكَ؟» قال: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي لَو جَلَستُ عِندَ غَيرِكَ مِن أهلِ الدُّنيا لَرَأيتُ أنِّي أخرُجُ مِن سُخطَتِه بعُذرٍ، لَقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولَكِنَّه واللهِ لَقد عَلِمتُ لَئِن حَدَّثتُكَ اليَومَ حَديثَ كَذِبٍ تَرضى عَنِّي به، لَيوشِكَنَّ اللهُ تَعالى يُسخِطُكَ عليَّ، ولَئِن حَدَّثتُكَ اليَومَ بصِدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه إنِّي لَأرجو قُرَّةَ عَيني عَفوًا مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، واللهِ ما كان لي عُذرٌ، واللهِ ما كُنتُ قَطُّ أفرَغَ ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عَنكَ. قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أمَّا هذا فقد صَدَقَ، فقُمْ حَتَّى يَقضيَ اللهُ تَعالى فيكَ» فقُمتُ، وبادَرَت رِجالٌ مِن بَني سَلِمةَ فاتَّبَعوني، فقالوا لي: واللهِ ما عَلِمناكَ كُنتَ أذنَبتَ ذَنبًا قَبلَ هذا، ولَقد عَجَزتَ أن لا تَكونَ اعتَذَرتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتَذَرَ به المُتَخَلِّفونَ، لَقد كان كافيَكَ مِن ذَنبِكَ استِغفارُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَكَ، قال: فواللهِ ما زالوا يُؤَنِّبوني حَتَّى أرَدتُ أن أرجِعَ فأُكَذِّبَ نَفسي، قال: ثُمَّ قُلتُ لَهم: هَل لَقيَ هذا مَعي أحَدٌ؟ قالوا: نَعَم، لَقيَه مَعَكَ رَجُلانِ قالا ما قُلتَ، فقيلَ لَهما مِثلُ ما قيلَ لَكَ، قال: فقُلتُ لَهم: مَن هُما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ الرَّبيعِ العامِريُّ، وهِلالُ بنُ أُمَيَّةَ الواقِفيُّ، قال: فذَكَروا لي رَجُلَينِ صالِحَينِ قد شَهِدا بَدرًا لي فيهما أُسوةٌ، قال: فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لي، قال: ونَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المُسلِمينَ عَن كَلامِنا أيُّها الثَّلاثةُ مِن بَينِ مَن تَخَلَّفَ عنه، فاجتَنَبَنا النَّاسُ، قال: وتَغَيَّروا لَنا حَتَّى تَنَكَّرَت لي مِن نَفسي الأرضُ، فما هيَ بالأرضِ التي كُنتُ أعرِفُ، فلَبِثنا على ذلك خَمسينَ لَيلةً، فأمَّا صاحِبايَ فاستَكَنَّا وقَعَدا في بُيوتِهما يَبكيانِ، وأمَّا أنا فكُنتُ أشَبَّ القَومِ وأجلَدَهم، فكُنتُ أشهَدُ الصَّلاةَ مَعَ المُسلِمينَ، وأطوفُ بالأسواقِ، ولا يُكَلِّمُني أحَدٌ، وآتي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو في مَجلِسِه بَعدَ الصَّلاةِ، فأُسَلِّمُ عليه، فأقولُ في نَفسي حَرَّكَ شَفَتَيه برَدِّ السَّلامِ أم لا، ثُمَّ أُصَلِّي قَريبًا منه، وأُسارِقُه النَّظَرَ، فإذا أقبَلتُ على صَلاتي نَظَرَ إليَّ، فإذا التَفَتُّ نَحوَه أعرَضَ، حَتَّى إذا طالَ عليَّ ذلك مِن هَجرِ المُسلِمينَ مَشَيتُ حَتَّى تَسَوَّرتُ حائِطَ أبي قَتادةَ، وهو ابنُ عَمِّي، وأحَبُّ النَّاسِ إليَّ، فسَلَّمتُ عليه، فواللهِ ما رَدَّ عليَّ السَّلامَ، فقُلتُ لَه: يا أبا قَتادةَ، أنشُدُكَ اللهَ، هَل تَعلَمُ أنِّي أُحِبُّ اللهَ ورَسولَه؟ قال: فسَكَتَ، قال: فعُدتُ فنَشَدتُه، فسَكَتَ، فعُدتُ فنَشَدتُه، فقال: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، ففاضَت عَينايَ، وتَولَّيتُ حَتَّى تَسَوَّرتُ الجِدارَ، فبَينا أنا أمشي بسوقِ المَدينةِ إذا نَبَطيٌّ مِن أنباطِ أهلِ الشَّامِ مِمَّن قدِمَ بطَعامٍ يَبيعُه بالمَدينةِ، يَقولُ: مَن يَدُلُّني على كَعبِ بنِ مالِكٍ؟ قال: فطَفِقَ النَّاسُ يُشيرونَ له إليَّ، حَتَّى جاءَ فدَفَعَ إليَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسَّانَ، وكُنتُ كاتِبًا، فإذا فيه: أمَّا بَعدُ، فقد بَلَغَنا أنَّ صاحِبَكَ قد جَفاكَ، ولَم يَجعَلْكَ اللهُ بدارِ هَوانٍ ولا مَضيَعةٍ، فالحَقْ بنا نواسِكَ، قال: فقُلتُ حينَ قَرَأتُها: وهذا أيضًا مِنَ البَلاءِ! قال: فتَيَمَّمتُ بها التَّنُّورَ فسَجَرتُه بها، حَتَّى إذا مَضَت أربَعونَ لَيلةً مِنَ الخَمسينَ، إذا برَسولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأتيني، فقال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُكَ أن تَعتَزِلَ امرَأتَكَ، قال: فقُلتُ: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعَلُ؟ قال: بَلِ اعتَزِلْها، فلا تَقرَبْها، قال: وأرسَلَ إلى صاحِبَيَّ بمِثلِ ذلك، قال: فقُلتُ لامرَأتي: الحَقي بأهلِكِ، فكوني عِندَهم حَتَّى يَقضيَ اللهُ في هذا الأمرِ، قال: فجاءَتِ امرَأةُ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت لَه: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ هِلالًا شَيخٌ ضائِعٌ، ليس له خادِمٌ، فهَل تَكرَهُ أن أخدُمَه؟ قال: «لا، ولَكِن لا يَقرَبَنَّكِ» قالت: فإنَّه واللهِ ما به حَرَكةٌ إلى شَيءٍ، واللهِ ما زالَ يَبكي مِن لَدُن أن كان مِن أمرِكَ ما كان إلى يَومِه هذا، قال: فقال لي بَعضُ أهلي: لَوِ استَأذَنتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرَأتِكَ فقد أذِنَ لامرَأةِ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ أن تَخدُمَه، قال: فقُلتُ: واللهِ لا أستَأذِنُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما أدري ما يَقولُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استَأذَنتُه، وأنا رَجُلٌ شابٌّ، قال: فلَبِثنا بَعدَ ذلك عَشرَ لَيالٍ كَمالَ خَمسينَ لَيلةً حينَ نَهى عَن كَلامِنا، قال: ثُمَّ صَلَّيتُ صَلاةَ الفَجرِ صَباحَ خَمسينَ لَيلةً على ظَهرِ بَيتٍ مِن بُيوتِنا، فبَينا أنا جالِسٌ على الحالِ التي ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِنَّا، قد ضاقَت عليَّ نَفسي، وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَت، سَمِعتُ صارِخًا أوفى على جَبَلِ سَلْعٍ يَقولُ بأعلى صَوتِه: يا كَعبُ بنَ مالِكٍ أبشِرْ، قال: فخَرَرتُ ساجِدًا، وعَرَفتُ أن قد جاءَ فرَجٌ، وآذَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتَوبةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى علينا حينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجرِ، فذَهَبَ يُبَشِّرونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ يُبَشِّرونَ، ورَكَضَ إليَّ رَجُلٌ فرَسًا، وسَعى ساعٍ مِن أسلَمَ، وأوفى الجَبَلَ، فكانَ الصَّوتُ أسرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فلَمَّا جاءَني الذي سَمِعتُ صَوتَه يُبَشِّرُني نَزَعتُ له ثَوبَيَّ، فكَسَوتُهما إيَّاه ببِشارَتِه، واللهِ ما أملِكُ غَيرَهما يَومَئِذٍ، فاستَعَرتُ ثَوبَينِ فلَبِستُهما فانطَلَقتُ أؤُمُّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَلقاني النَّاسُ فوجًا فوجًا يُهَنِّئوني بالتَّوبةِ، يَقولونَ: لتَهنِكَ تَوبةُ اللهِ عليكَ! حَتَّى دَخَلتُ المَسجِدَ، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالِسٌ في المَسجِدِ حَولَه النَّاسُ، فقامَ إليَّ طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يُهَروِلُ حَتَّى صافَحَني، وهَنَّأني، واللهِ ما قامَ إليَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرينَ غَيرُه، قال: فكانَ كَعبٌ لا يَنساها لطَلحةَ، قال كَعبٌ: فلَمَّا سَلَّمتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال وهو يَبرُقُ وجْهُه مِنَ السُّرورِ: أبشِر بِخَيرِ يَومٍ مَرَّ عليك مُنذُ ولَدَتكَ أُمُّكَ! قال: قُلتُ: أمِن عِندِكَ يا رَسولَ اللَّهِ، أم مِن عِندِ اللَّهِ؟ قال: لا، بَل مِن عِندِ اللَّهِ. وكانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سُرَّ استَنارَ وجهُه، حَتَّى كَأنَّهُ قِطعةُ قَمَرٍ، وكُنَّا نَعرِفُ ذلك مِنهُ، فَلَمَّا جَلَستُ بَينَ يَدَيه قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ مِن تَوبَتي أن أنخَلِعَ مِن مالي صَدَقةً إلى اللَّهِ وإلى رَسولِ اللَّهِ، قال رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمسِك عليك بَعضَ مالِكَ فهو خَيرٌ لَك، قال: فقُلتُ: فَإنِّي أُمسِكُ سَهمي الذي بخَيبَرَ، قال: فقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّما اللَّهُ تَعالى نَجَّاني بِالصِّدقِ، وإنَّ مِن تَوبَتي أن لا أُحَدِّثَ إلَّا صِدقًا ما بَقيتُ، قال: فواللهِ ما أعلَمُ أحَدًا مِنَ المُسلِمينَ أبلاه اللَّهُ مِنَ الصِّدقِ في الحَديثِ مُذ ذَكَرتُ ذلك لرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسَنَ مِمَّا أبلاني اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى، واللَّهِ ما تَعَمَّدتُ كَذبةً مُذ قُلتُ ذلك لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يَومي هذا، وإنِّي لَأرجو أن يَحفَظَني فيما بَقيَ، قال: وأنزَلَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: {لَقد تابَ اللَّهُ على النَّبيِّ والمُهاجِرينَ والأنصارِ الذينَ اتَّبَعوهُ في ساعةِ العُسرةِ مِن بَعدِ ما كادَ يَزيغُ قُلوبُ فَريقٍ مِنهُم ثُمَّ تابَ عَلَيهِم إنَّهُ بِهِم رَءوفٌ رَحيمٌ وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفوا حَتَّى إذا ضاقَت عَلَيهِمُ الأرضُ بِما رَحُبَت وضاقَت عَلَيهِم أنفُسُهُم وظَنُّوا أن لا مَلجَأ مِنَ اللَّهِ إلَّا إلَيهِ ثُمَّ تابَ عَلَيهِم ليَتوبوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوَّابُ الرَّحيمُ يا أيُّها الذينَ آمَنوا اتَّقوا اللَّهَ وكونوا مَعَ الصَّادِقينَ} قال كَعبٌ: فَواللَّهِ ما أنعَمَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيَّ مِن نِعمةٍ قَطُّ بَعدَ أن هَداني أعظَمَ في نَفسي مِن صِدقي رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَئِذٍ، أن لا أكونَ كَذَبتُه فأهلِكَ كما هَلَكَ الذينَ كَذَبوه حينَ كَذَبوه، فَإنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قال لِلَّذين كَذَبوه حينَ كَذَبوه شَرَّ ما يُقالُ لِأحَدٍ، فَقال اللَّهُ تعالى: {سَيَحلِفونَ بِاللَّهِ لَكُم إذا انقَلَبتُم إلَيهِم لِتُعرِضوا عَنهُم فَأعرِضوا عَنهُم إنَّهُم رِجسٌ ومَأواهُم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانوا يَكسِبونَ يَحلِفونَ لَكُم لِتَرضَوا عَنهُم، فَإن تَرضَوا عَنهُم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرضى عَنِ القَومِ الفاسِقينَ}، قال: وكُنَّا خُلِّفنا أيُّها الثَّلاثةُ عَن أمرِ أولَئِكَ الذينَ قَبِلَ مِنهُم رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ حَلَفوا، فَبايَعَهُم واستَغفَرَ لَهُم، فَأرجَأ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرَنا حَتَّى قَضى اللَّهُ تَعالى، فبذلك قال اللَّهُ تَعالى: {وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفوا} [التَّوبة: 118] وليس تَخليفُهُ إيَّانا وإرجاؤُهُ أمرَنا الذي ذكرَ مِمَّا خُلِّفْنا بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزوِ، وإنَّما هو عَمَّن حَلَفَ لَهُ واعتَذَرَ إليه فَقَبِلَ مِنهُ
18
✔ صحيح📌 لا تُطروني كما أُطريَ عيسى ابنُ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُ اللهِ، فقولوا عَبدُ اللهِ ورَسولُه
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ رَجَعَ إلى رَحلِه، قال ابنُ عَبَّاسٍ: وكُنتُ أُقرِئُ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ، فوجَدَني وأنا أنتَظِرُه، وذلك بمِنًى في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قال عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ: إنَّ رَجُلًا أتى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فقال: إنَّ فُلانًا يَقولُ: لَو قد ماتَ عُمَرُ بايَعتُ فُلانًا، فقال عُمَرُ: إنِّي قائِمٌ العَشيَّةَ في النَّاسِ، فمُحَذِّرُهم هؤلاء الرَّهطَ الذينَ يُريدونَ أن يَغصِبوهم أمرَهم، قال عَبدُ الرَّحمَنِ: فقُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، لا تَفعَلْ فإنَّ المَوسِمَ يَجمَعُ رَعاعَ النَّاسِ وغَوغاءَهم، وإنَّهمُ الذينَ يَغلُبونَ على مَجلِسِكَ إذا قُمتَ في النَّاسِ، فأخشى أن تَقولَ مَقالةً يَطيرُ بها أولئك فلا يَعوها، ولا يَضَعوها على مَواضِعِها، ولَكِن حَتَّى تَقدَمَ المَدينةَ فإنَّها دارُ الهِجرةِ والسُّنَّةِ، وتَخلُصَ بعُلَماءِ النَّاسِ وأشرافِهم، فتَقولَ ما قُلتَ مُتَمَكِّنًا فيَعونَ مَقالتَكَ ويَضَعونَها مَواضِعَها، فقال عُمَرُ: لَئِن قدِمتُ المَدينةَ صالِحًا لَأُكَلِّمَنَّ بها النَّاسَ في أوَّلِ مَقامٍ أقومُه، فلَمَّا قدِمنا المَدينةَ في عَقِبِ ذي الحِجَّةِ، وكان يَومَ الجُمُعةِ، عَجَّلتُ الرَّواحَ صَكَّةَ الأعمى - فقُلتُ لمالِكٍ: وما صَكَّةُ الأعمى؟ قال: إنَّه لا يُبالي أيَّ ساعةٍ خَرَجَ، لا يَعرِفُ الحَرَّ والبَردَ ونَحوَ هذا- فوجَدتُ سَعيدَ بنَ زَيدٍ عِندَ رُكنِ المِنبَرِ الأيمَنِ قد سَبَقَني، فجَلَستُ حِذاءَه تَحُكُّ رُكبَتي رُكبَتَه، فلَم أنشَبْ أن طَلَعَ عُمَرُ، فلَمَّا رَأيتُه قُلتُ: لَيَقولَنَّ العَشيَّةَ على هذا المِنبَرِ مَقالةً ما قالها عليه أحَدٌ قَبلَه، قال: فأنكَرَ سَعيدُ بنُ زَيدٍ ذلك، فقال: ما عَسَيتَ أن يقولَ ما لم يَقُلْ أحَدٌ، فجَلَسَ عُمَرُ على المِنبَرِ، فلَمَّا سَكَتَ المُؤَذِّنُ قامَ فأثنى على اللهِ بما هو أهلُه، ثُمَّ قال: أمَّا بَعدُ، أيُّها النَّاسُ؛ فإنِّي قائِلٌ مَقالةً قد قُدِّرَ لي أن أقولَها، لا أدري لَعَلَّها بَينَ يَدَي أجَلي، فمَن وعاها وعَقَلَها فليُحَدِّثْ بها حَيثُ انتَهَت به راحِلَتُه، ومَن لم يَعِها فلا أُحِلُّ له أن يَكذِبَ عليَّ، إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحَقِّ، وأنزَلَ عليه الكِتابَ، وكان مِمَّا أُنزِلَ عليه آيةُ الرَّجمِ فقَرَأناها ووعَيناها «ورَجَمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورَجَمنا بَعدَه» فأخشى إن طالَ بالنَّاسِ زَمانٌ أن يَقولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ آيةَ الرَّجمِ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فيَضِلُّوا بتَركِ فريضةٍ قد أنزَلَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فالرَّجمُ في كِتابِ اللهِ حَقٌّ على مَن زَنى إذا أحصَنَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامَتِ البَيِّنةُ أوِ الحَبَلُ أوِ الاعتِرافُ، ألا وإنَّا قد كُنَّا نَقرَأُ: لا تَرغَبوا عن آبائِكُم؛ فإنَّ كُفرًا بكُم أن تَرغَبوا عن آبائِكُم، ألا وإنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «لا تُطروني كما أُطريَ عيسى ابنُ مَريَمَ عليه السَّلامُ؛ فإنَّما أنا عَبدُ اللهِ، فقولوا عَبدُ اللهِ ورَسولُه»، وقد بَلَغَني أنَّ قائِلًا مِنكُم يَقولُ: لَو قد ماتَ عُمَرُ بايَعتُ فُلانًا، فلا يَغتَرَّنَّ امرُؤٌ أن يَقولَ: إنَّ بَيعةَ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه كانَت فَلتةً، ألا وإنَّها كانَت كَذلك، ألا وإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ وقى شَرَّها وليس فيكُمُ اليَومَ مَن تُقطَعُ إليه الأعناقُ مِثلُ أبي بَكرٍ، ألا وإنَّه كان مِن خَبَرِنا حينَ توفِّيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ عَليًّا والزُّبَيرَ ومَن كان مَعَهما تَخَلَّفوا في بَيتِ فاطِمةَ رَضيَ اللهُ عنها بنتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتَخَلَّفَت عَنَّا الأنصارُ بأجمَعِها في سَقيفةِ بَني ساعِدةَ، واجتَمَعَ المُهاجِرونَ إلى أبي بَكرٍ، فقُلتُ له: يا أبا بَكرٍ انطَلِقْ بنا إلى إخوانِنا مِنَ الأنصارِ، فانطَلَقنا نَؤُمُّهُم حَتَّى لَقيَنا رَجُلانِ صالِحانِ، فذَكَرا لَنا الذي صَنَعَ القَومُ، فقالا: أينَ تُريدونَ يا مَعشَرَ المُهاجِرينَ، فقُلتُ: نُريدُ إخوانَنا هؤلاء مِنَ الأنصارِ، فقالا: لا عليكُم أن لا تَقرَبوهم، واقضوا أمرَكُم يا مَعشَرَ المُهاجِرينَ، فقُلتُ: واللهِ لَنَأتيَنَّهم، فانطَلَقنا حَتَّى جِئناهم في سَقيفةِ بَني ساعِدةَ، فإذا هُم مُجتَمِعونَ، وإذا بَينَ ظَهرانَيهم رَجُلٌ مُزَمَّلٌ، فقُلتُ: مَن هذا؟ فقالوا: سَعدُ بنُ عُبادةَ، فقُلتُ: ما له؟ قالوا: وجِعٌ، فلَمَّا جَلَسنا قامَ خَطيبُهم فأثنى على اللهِ عَزَّ وجَلَّ بما هو أهلُه، وقال: أمَّا بَعدُ فنَحنُ أنصارُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَتيبةُ الإسلامِ، وأنتُم يا مَعشَرَ المُهاجِرينَ رَهطٌ مِنَّا، وقد دَفَّت دافَّةٌ مِنكُم يُريدونَ أن يَخزلونا مِن أصلِنا ويَحضُنونا مِنَ الأمرِ، فلَمَّا سَكَتَ أرَدتُ أن أتَكَلَّمَ، وكُنتُ قد زَوَّرتُ مَقالةً أعجَبَتني، أرَدتُ أن أقولَها بَينَ يَدَي أبي بَكرٍ، وقد كُنتُ أُداري منه بَعضَ الحَدِّ، وهو كان أحلَمَ مِنِّي وأوقَرَ، فقال أبو بَكرٍ: على رِسلِكَ، فكَرِهتُ أن أُغضِبَه، وكان أعلَمَ مِنِّي وأوقَرَ، واللهِ ما تَرَكَ مِن كَلِمةٍ أعجَبَتني في تَزويري إلَّا قالها في بَديهَتِه وأفضَلَ، حَتَّى سَكَتَ، فقال: أمَّا بَعدُ، فما ذَكَرتُم مِن خَيرٍ فأنتُم أهلُه، ولَم تَعرِفِ العَرَبُ هذا الأمرَ إلَّا لهذا الحَيِّ مِن قُرَيشٍ، هُم أوسَطُ العَرَبِ نَسَبًا ودارًا، وقد رَضيتُ لَكُم أحَدَ هَذَينِ الرَّجُلَينِ أيَّهُما شِئتُم، وأخَذَ بيَدي وبيَدِ أبي عُبَيدةَ بنِ الجَرَّاحِ، فلَم أكرَهْ مِمَّا قال غَيرَها، وكان واللهِ أن أُقدَّمَ فتُضرَبَ عُنُقي -لا يُقَرِّبُني ذلك إلى إثمٍ- أحَبَّ إلَيَّ مِن أن أتَأمَّرَ على قَومٍ فيهم أبو بَكرٍ، إلَّا أن تَغَيَّرَ نَفسي عِندَ المَوتِ، فقال قائِلٌ مِنَ الأنصارِ: أنا جُذَيلُها المُحَكَّكُ وعُذَيقُها المُرَجَّبُ، مِنَّا أميرٌ ومِنكُم أميرٌ يا مَعشَرَ قُرَيشٍ-فقُلتُ لمالِكٍ: ما مَعنى: أنا جُذَيلُها المُحَكَّكُ، وعُذَيقُها المُرَجَّبُ؟ قال: كَأنَّه يَقولُ: أنا داهيَتُها-، قال: وكَثُرَ اللَّغَطُ، وارتَفَعَتِ الأصواتُ حَتَّى خَشيتُ الاختِلافَ، فقُلتُ: ابسُطْ يَدَكَ يا أبا بَكرٍ، فبَسَطَ يَدَه فبايَعتُه، وبايَعَه المُهاجِرونَ، ثُمَّ بايَعَه الأنصارُ، ونَزَونا على سَعدِ بنِ عُبادةَ، فقال قائِلٌ منهم: قَتَلتُم سَعدًا، فقُلتُ: قَتَلَ اللهُ سَعدًا! وقال عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: أما واللهِ ما وجَدنا فيما حَضَرنا أمرًا هو أقوى مِن مُبايَعةِ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، خَشينا إن فارَقنا القَومَ ولَم تَكُنْ بَيعةٌ أن يُحدِثوا بَعدَنا بَيعةً، فإمَّا أن نُتابِعَهم على ما لا نَرضى، وإمَّا أن نُخالِفَهم فيَكونَ فيه فسادٌ، فمَن بايَعَ أميرًا عن غَيرِ مَشورةِ المُسلِمينَ فلا بَيعةَ له، ولا بَيعةَ للَّذي بايَعَه؛ تَغِرَّةَ أن يُقتَلا. قال مالِكٌ: وأخبَرَني ابنُ شِهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، أنَّ الرَّجُلَينِ اللَّذَينِ لَقياهما: عُوَيمُ بنُ ساعِدةَ، ومَعنُ بنُ عَديٍّ، قال ابنُ شِهابٍ: وأخبَرَني سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، أنَّ الذي قال: أنا جُذَيلُها المُحَكَّكُ وعُذَيقُها المُرَجَّبُ: الحُبابُ بنُ المُنذِرِ
عَن سَعيدِ بنِ الحارِثِ، قال: دَخَلنا على جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ وهو يُصَلِّي في ثَوبٍ واحِدٍ، مُلتَحِفًا به، ورِداؤُه قَريبٌ لَو تَناولَه بَلَغَه، فلَمَّا سَلَّمَ، سَألناه عَن ذلك، فقال: إنَّما أفعَلُ هذا ليَراني الحَمقى أمثالُكُم، فيُفشوا على جابِرٍ رُخصةً رَخَّصَها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال جابِرٌ: خَرَجتُ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَعضِ أسفارِه، فجِئتُه لَيلةً وهو يُصَلِّي في ثَوبٍ واحِدٍ، وعليَّ ثَوبٌ واحِدٌ، فاشتَمَلتُ به، ثُمَّ قُمتُ إلى جَنبِه، قال: «يا جابِرُ، ما هذا الِاشتِمالُ؟ إذا صَلَّيتَ وعليكَ ثَوبٌ واحِدٌ، فإن كان واسِعًا فالتَحِف به، وإن كان ضَيِّقًا فاتَّزِرْ به»
خرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى مكةَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ من رَمَضَانَ ، فَصامَ وصامَ الناسُ حتى إذا كان بِالكَدِيدِ أَفْطَرَ ، فنزلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مَرَّ الظَّهْرَانِ في عشرَةِ آلافٍ مِنَ الناسِ ، فيهِمْ أَلْفٌ من مُزَيْنَةَ ، وسبعُمِائَةٍ من بَنِي سُلَيْمٍ ، وقد عَمِيَتِ الأَخْبارُ على قريشٍ فلا يأتيهِمْ خَبَرٌعَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولا يَدْرُونَ ما هو فَاعِلُهُ ، وقد خرجَ تِلْكَ الليلةَ أبو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ ، وحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وبُدَيْلُ بْنُ ورْقَاءَ الخُزَاعِيُّ يَتَحَسَّسُونَ الأَخْبارَ ، قال العَبَّاسُ رضيَ اللهُ عنهُ : فلمَّا نزلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ نزلَ قُلْتُ : واصَباحَ قريشٍ ، واللهِ لَئِنْ دخلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مكةَ عَنْوَةً ، لَيَكُونَنَّ هَلاكُهُمْ إلى آخِرِ الدَّهْرِ ، فَرَكِبْتُ بَغْلَةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ البَيْضَاءَ حتى جِئْتُ الأَرَاكَ ، رَجاء أنْ أَلْتَمِسَ بعضَ الحَطَّابَةِ ، أوْ صاحبَ لَبَنٍ ، أوْ ذَا حاجَةٍ يأتي مكةَ فَيُخْبِرُهُمْ بِأَمْرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فَيخرجُوا إليهِ ، فواللهِ إنِّي لَأَسِيرُ أَلْتَمِسُ ما جِئْتُ لهُ إِذْ سَمِعْتُ كَلامَ أبي سُفْيانَ وبُدَيْلِ بنِ ورْقَاءَ وهُما يَتَرَاجَعَانِ ، فقال أبو سُفْيانَ : واللهِ ما رأيْتُ كَاللَّيْلَةِ نِيرَانًا ولا عَسْكَرًا ، فقال بُدَيْلٌ : هذه واللهِ خُزَاعَةُ قد خَمَشَها الحَرْبُ ، فقال أبو سُفْيانَ : خُزَاعَةُ واللهِ أَقَلُّ وأَذَلُّ من أنْ تَكُونَ هذه نِيرَانُها ، فقُلْتُ : يا أبا حَنْظَلَةَ ، فَعَرَفَ صَوْتِي فقال : أبو الفَضْلِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قال : مالكَ فِدَاكَ أبي وأمِّي ؟ فقُلْتُ : هذا واللهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الناسِ ، واصباحُ قريشٍ ، قال : فما الحِيلَةُ ، فِدَاكَ أبي وأمِّي ؟ قال : قُلْتُ : واللهِ لَئِنْ ظَفِرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ فَارْكَبْ عَجُزَ هذه البَغْلَةَ ، فَرَكِبَ ورجعَ صاحِباهُ ، فَخرجْتُ بهِ ، فَكلَّما مَرَرْتُ بنارٍ من نِيرَانِ المسلمِينِ فَقَالوا : ما هذه ؟ فإذا رَأوْا بَغْلَةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالوا : هذه بَغْلَةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عليْها عَمُّهُ ، حتى مَرَرْتُ بِنارِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ فقال : مَنْ هذا ؟ وقَامَ إِلَيَّ ، فلمَّا رَآهُ على عَجُزِ البَغْلَةِ عَرَفَهُ فقال : واللهِ عَدُوُّ اللهِ ، الحمدُ للهِ الذي أَمْكَنَ مِنْكَ ، فَخَرَجَ يَشْتَدُّ نَحْوَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ودَفَعْتُ البَغْلَةَ فَسَبَقْتُهُ بِقدرِ ما تَسْبِقُ الدَّابَّةُ البَطِيئَةُ الرجلَ البَطِيءَ ، فَاقْتَحَمْتُ عَنِ البَغْلَةِ فَدخلْتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ودخلَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ فقال : هذا عَدُوُّ اللهِ أبو سُفْيانَ قد أَمْكَنَ اللهُ مِنْهُ في غَيْرِ عَقدٍ ولا عَهدٍ ، فَدَعْنِي أَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فقُلْتُ : قد أَجَرْتُهُ يا رسولَ اللهِ ، ثُمَّ جَلَسْتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فَأخذْتُ بِرأسِهِ فقُلْتُ : واللهِ لا يُناجِيهُ الليلةَ[ رجلٌ ] دُونِي ، فلمَّا أكثرَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ قُلْتُ : مَهْلًا يا عمرُ ، فواللهِ لَوْ كان رجلًا من بَنِي عَدِيٍّ ما قُلْتَ هذا ، ولَكِنَّهُ من بَنِي عَبْدِ مَنافٍ ، فقال : مَهْلًا يا عَبَّاسُ ، لا تَقُلْ هذا ، فواللهِ لَإِسَلامُكَ حينَ أَسْلمْتَ كان أحبَّ إِلَيَّ من إِسْلامِ الخطَّاِب لَوْ أسلَمَ ، وذلكَ أَنِّي عَرَفْتُ أنَّ إِسْلامَكَ أحبُّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من إِسْلامِ الخطابِ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : يا عَبَّاسُ ، اذْهَبْ بهِ إلى رَحْلِكَ فإذا أَصْبَحْتَ فَأْتِنا بهِ ، فَذَهَبْتُ بهِ إلى الرَّحْلِ ، فلمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ بهِ ، فلمَّا رَآهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال : يا أبا سُفْيانَ ، ويْحَكَ أَلمْ يَأْنِ لكَ أنْ تعلمَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ ؟ فقال : بأبي أنتَ وأمِّي ما أَحْلَمَكَ ، وما أكرمَكَ وأوْصَلكَ ، وأَعْظَمَ عَفْوَكَ ، لقد كادَ أنْ يَقَعَ في نَفسي أنْ لَوْ كان إِلَهٌ غيرَهُ لقدْ أَغْنَى شيئًا بَعْدُ ، فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ويْحَكَ يا أبا سُفْيانَ ، أَلمْ يَأْنِ لكَ أنْ تعلمَ أَنِّي رسولُ اللهِ ؟ فقال : ما أَحْلَمَكَ ، وما أكرمَكَ وأوْصَلكَ ، وأَعْظَمَ عَفْوَكَ ، أَمَّا هذه فإنَّ في النَّفْسِ مِنْها حتى الآنَ شيءٌ ، قال العباسُ رضيَ اللهُ عنهُ : فقُلْتُ :وَيْلكَ أَسْلِمْ ، واشْهَدْ، أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ قبلَ أنْ تضْرَبَ عُنُقُكَ فَشَهِدَ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ ، قال العباسُ رضيَ اللهُ عنهُ : قُلْتُ يا رسولَ اللهِ ، إِنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ يحبُّ الفَخْرَ ، فَاجعلْ لهُ شيئًا ، فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : نَعَمْ ، مَنْ دخلَ دَارَ أبي سُفْيانَ فهوَ آمِنٌ ، ومَنْ أَغْلَقَ بابَهُ فهوَ آمِنٌ ، فلمَّا انصرفَ رضيَ اللهُ عنهُ إلى مكةَ يخبرُهُمْ قال رسولُ اللهِ : احْبِسْهُ بِمَضِيقٍ مِنَ الوَادِي عندَ حَطْمِ الخَيْلِ حتى تَمُرَّ بهِ جُنُودُ اللهِ – تعالى – فَحَبَسَهُ العَبَّاسُ حيثُ أمرَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فمرَّتِ القَبائِلُ على ركبانِها ، فَكلَّما مَرَّتْ قبيلةٌ قال : مَنْ هذه ؟ فَأَقُولُ : بَنُو سُلَيْمٍ ، فيقولُ : ما لي ولِبَنِي سُلَيْمٍ ، ثُمَّ تَمُرُّ أُخْرَى فيقولُ : مَنْ هؤلاءِ ؟ فَأَقُولُ : مُزَيْنَةُ ، فيقولُ : ما لي ولِمُزَيْنَةَ ، فلمْ يَزَلْ يقولُ ذلكَ حتى مَرَّتْ كَتِيبَةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الخَضْرَاءُ فيها المُهاجِرُونَ والأنْصارُ ، لا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الحَدَقُ فقال : مَنْ هذا ؟ فقُلْتُ : هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ، فقال : ما لِأَحَدٍ بِهؤلاءِ قِبَلٌ ، واللهِ لقدْ أصبحَ مُلْكُ ابنِ أَخِيكَ اليومَ لَعَظِيمٌ ، فقُلْتُ : ويْحَكَ يا أبا سُفْيانَ ، إِنَّها النُّبُوَّةُ ، قال : فنَعَمْ إِذًا ، قُلْتُ :النَّجَاءُ إلى قَوْمِكَ ، فَخَرَجَ حتى أَتَاهُمْ بِمكةَ فَجعلَ يَصِيحُ بِأعلى صَوْتِه : يا معشرَ قريشٍ ، هذا محمدٌ قد أَتَاكُمْ بِما لا قِبَلَ لَكُمْ بهِ ، فقامَتِ امرأتُهُ هِنْدُ بنتُ عُتْبَةَ فأخذَتْ بِشَارِبِه فقالتْ : اقتلَوْا ( الحَمِيتَ ) الدَّسِمَ ، ( حَمِشَ البَعِيرُ ) من طَلِيعَةِ قومٍ ، فقال أبو سُفْيانَ : لا تَغُرَّنَّكُمُ هذه من أنْفُسِكُمْ ، مَنْ دخلَ دَارَ أبي سُفْيانَ فهوَ آمِنٌ ، فَقَالوا : قاتَلكَ اللهُ ، وما تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ قال : ومَنْ أَغْلَقَ بابَهُ فهوَ آمِنٌ
خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زَمانَ الحُدَيبيةِ في بضعَ عَشرةَ مِائةٍ مِن أصحابِه، حَتَّى إذا كانوا بذي الحُلَيفةِ قَلَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الهَديَ وأشعَرَه، وأحرَمَ بالعُمرةِ، وبَعَثَ بَينَ يَدَيه عَينًا له مِن خُزاعةَ يُخبِرُه عَن قُرَيشٍ، وسارَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بغَديرِ الأشطاطِ قَريبٍ مِن عُسفانَ، أتاه عَينُه الخُزاعيُّ، فقال: إنِّي قد تَرَكتُ كَعبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَيٍّ قد جَمَعوا لَكَ الأحابِشَ-وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ عَنِ ابنِ المُبارَكِ وقال: قد جَمَعوا لَكَ الأحابيشَ- وجَمَعوا لَكَ جُموعًا وهم مُقاتِلوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيتِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أشيروا عليَّ، أتَرَونَ أن نَميلَ إلى ذَراريِّ هَؤُلاءِ الذينَ أعانوهم فنُصيبَهم، فإن قَعَدوا قَعَدوا مَوتورينَ مَحروبينَ، وإن نَجَوا. وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ: عَنِ ابنِ المُبارَكِ: مَحزونينَ، وإن يَحنونَ تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَها اللهُ، أو تَرَونَ أن نَؤُمَّ البَيتَ، فمَن صَدَّنا عَنهُ قاتَلناه، فقال أبو بَكرٍ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، يا نَبيَّ اللهِ، إنَّما جِئنا مُعتَمِرينَ، ولَم نَجِئْ نُقاتِلُ أحَدًا، ولَكِن مَن حالَ بَينَنا وبَينَ البَيتِ قاتَلناه. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فروحوا إذًا. قال الزُّهريُّ: وكانَ أبو هُرَيرةَ يَقولُ: ما رَأيتُ أحَدًا قَطُّ كان أكثَرَ مَشورةً لأصحابِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال الزُّهريُّ: في حَديثِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمةَ، ومَروانَ: فراحوا حَتَّى إذا كانوا ببَعضِ الطَّريقِ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ خالِدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ في خَيلٍ لقُرَيشٍ طَليعةً، فخُذوا ذاتَ اليَمينِ، فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالِدٌ حَتَّى إذا هو بقَترةِ الجَيشِ، فانطَلَقَ يَركُضُ نَذيرًا لقُرَيشٍ، وسارَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بالثَّنيَّةِ التي يَهبِطُ عليهم مِنها، بَرَكَت به راحِلَتُه، وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ، عَنِ ابنِ المُبارَكِ: بَرَكَت بها راحِلَتُه، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: حَلْ حَلْ، فألَحَّت، فقالوا: خَلَأتِ القَصواءُ، خَلَأتِ القَصواءُ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما خَلَأتِ القَصواءُ، وما ذاكَ لَها بخُلُقٍ، ولَكِن حَبَسَها حابِسُ الفيلِ. ثُمَّ قال: والذي نَفسي بيَدِه، لا يَسألوني خُطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها. ثُمَّ زَجَرَها، فوثَبَت به، قال: فعَدَلَ عَنها حَتَّى نَزَلَ بأقصى الحُدَيبيةِ على ثَمَدٍ قَليلِ الماءِ، إنَّما يَتَبَرَّضُه النَّاسُ تَبَرُّضًا، فلَم يُلبِثْه النَّاسُ أن نَزَحوه، فشُكيَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العَطَشُ، فانتَزَعَ سَهمًا مِن كِنانَتِه، ثُمَّ أمَرَهم أن يَجعَلوه فيه، قال: فواللهِ ما زالَ يَجيشُ لَهم بالرِّيِّ حَتَّى صَدَروا عَنهُ. قال: فبَينَما هُم كَذلك إذ جاءَ بُدَيلُ بنُ ورقاءَ الخُزاعيُّ في نَفَرٍ مِن قَومِه، وكانوا عَيبةَ نُصحٍ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مِن أهلِ تِهامةَ، وقال: إنِّي تَرَكتُ كَعبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَيٍّ نَزَلوا أعدادَ مياهِ الحُدَيبيةِ، مَعَهمُ العوذُ المَطافيلُ، وهم مُقاتِلوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيتِ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نَجِئْ لقِتالِ أحَدٍ، ولَكِنَّا جِئنا مُعتَمِرينَ، وإنَّ قُرَيشًا قد نَهَكَتْهمُ الحَربُ، فأضَرَّت بهم، فإن شاؤوا مادَدتُهم مُدَّةً ويُخَلُّوا بَيني وبَينَ النَّاسِ، فإن أظهَرْ فإن شاؤوا أن يَدخُلوا فيما دَخَلَ فيه النَّاسُ فعَلوا، وإلَّا فقد جَمُّوا، وإن هُم أبَوا فوالذي نَفسي بيَدِه، لَأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حَتَّى تَنفَرِدَ سالِفَتي أو لَيُنفِذَنَّ اللهُ أمرَه، قال يَحيى، عَنِ ابنِ المُبارَكِ: حَتَّى تَنفَرِدَ، قال: فإن شاؤوا مادَدناهم مُدَّةً. قال بُدَيلٌ: سَأُبلِغُهم ما تَقولُ. فانطَلَقَ حَتَّى أتى قُرَيشًا فقال: إنَّا قد جِئناكُم مِن عِندِ هذا الرَّجُلِ، وسَمِعناه يَقولُ قَولًا، فإن شِئتُم نَعرِضْه عليكُم. فقال سُفَهاؤُهم: لا حاجةَ لَنا في أن تُحَدِّثَنا عَنهُ بشَيءٍ، وقال ذو الرَّأيِ مِنهُم: هاتِ ما سَمِعتَه يَقولُ. قال: قد سَمِعتُه يَقولُ كَذا وكَذا، فحَدَّثَهم بما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فقامَ عُروةُ بنُ مَسعودٍ الثَّقَفيُّ، فقال: أي قَومِ، ألَستُم بالوالِدِ؟ قالوا: بَلى. قال: أو لَستُ بالولدِ؟ قالوا: بَلى. قال: فهَل تَتَّهِموني؟ قالوا: لا. قال: ألَستُم تَعلَمونَ أنِّي استَنفَرتُ أهلَ عُكاظٍ، فلَمَّا بَلَّحوا عليَّ جِئتُكُم بأهلي ومَن أطاعَني؟ قالوا: بَلى، فقال: إنَّ هذا قد عَرَضَ عليكُم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها، ودَعوني آتِه. فقالوا: ائتِه، فأتاه، قال: فجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال له نَحوًا مِن قَولِه لبُدَيلٍ، فقال عُروةُ عِندَ ذلك: أي مُحَمَّدُ، أرَأيتَ إنِ استَأصَلتَ قَومَكَ، هَل سَمِعتَ بأحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجتاحَ أصلَه قَبلَكَ؟ وإن تَكُنِ الأُخرى، فواللهِ إنِّي لَأرى وُجوهًا، وأرى أوباشًا مِنَ النَّاسِ خَليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعوكَ. فقال له أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ تَعالى عَنهُ: امصَصْ بَظرَ اللَّاتِ، نَحنُ نَفِرُّ عَنهُ ونَدَعُه؟! فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بَكرٍ. قال: أما والذي نَفسي بيَدِه، لَولا يَدٌ كانَت لَكَ عِندي لم أجزِكَ بها لَأجَبتُكَ. وجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكُلَّما كَلَّمَه أخَذَ بلِحيَتِه، والمُغيرةُ بنُ شُعبةَ قائِمٌ على رَأسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومَعَه السَّيفُ وعليه المِغفَرُ، وكُلَّما أهوي عُروةُ بيَدِه إلى لحيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضَرَبَ يَدَه بنَصلِ السَّيفِ، وقال: أخِّرْ يَدَكَ عَن لحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فرَفَعَ عُروةُ رَأسَه، فقال: مَن هذا؟ قالوا: المُغيرةُ بنُ شُعبةَ. قال: أي غُدَرُ، أو لَستُ أسعى في غَدرَتِكَ؟! وكانَ المُغيرةُ صَحِبَ قَومًا في الجاهِليَّةِ، فقَتَلَهم، وأخَذَ أموالَهم، ثُمَّ جاءَ، فأسلَمَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا الإسلامُ فقد قَبِلتُ، وأمَّا المالُ فلَستُ مِنهُ في شَيءٍ. ثُمَّ إنَّ عُروةَ جَعَلَ يَرمُقُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَينِه، قال: فواللهِ ما تَنَخَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ مِنهُم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلدَه، وإذا أمَرَهم ابتَدَروا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِه، وإذا تَكَلَّموا خَفَضوا أصواتَهم عِندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعظيمًا لَه. فرَجَعَ إلى أصحابِه، فقال: أي قَومِ، واللهِ لَقد وفَدتُ على المُلوكِ، ووفَدتُ على قَيصَرَ وكِسرى والنَّجاشيِّ، واللهِ إن رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واللهِ إن يَتَنَخَّمُ نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ مِنهُم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلدَه، وإذا أمَرَهم ابتَدَروا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِه، وإذا تَكَلَّموا خَفَضوا أصواتَهم عِندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعظيمًا لَه، وإنَّه قد عَرَضَ عليكُم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها. فقال رَجُلٌ مِن بَني كِنانةَ: دَعوني آتِه، فقالوا: ائتِه. فلَمَّا أشرَفَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا فُلانٌ، وهو مِن قَومٍ يُعَظِّمونَ البُدنَ، فابعَثوها لَه. فبُعِثَت لَه، واستَقبَلَه القَومُ يُلَبُّونَ، فلَمَّا رَأى ذلك، قال: سُبحانَ اللهِ، ما يَنبَغي لهَؤُلاءِ أن يُصَدُّوا عَنِ البَيتِ. قال: فلَمَّا رَجَعَ إلى أصحابِه، قال: رَأيتُ البُدنَ قد قُلِّدَت وأُشعِرَت، فلَم أرَ أن يُصَدُّوا عَنِ البَيتِ. فقامَ رَجُلٌ مِنهُم يُقالُ له مِكرَزُ بنُ حَفصٍ، فقال: دَعوني آتِه. فقالوا: ائتِه. فلَمَّا أشرَفَ عليهم، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا مِكرَزٌ، وهو رَجُلٌ فاجِرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَينا هو يُكَلِّمُه إذ جاءَه سُهَيلُ بنُ عَمرٍو. قال مَعمَرٌ: وأخبَرَني أيُّوبُ، عَن عِكرِمةَ، أنَّه لَمَّا جاءَ سُهَيلٌ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: سَهُلَ مِن أمرِكُم، قال الزُّهريُّ في حَديثِه: فجاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فقال: هاتِ اكتُبْ بَينَنا وبَينَكُم كِتابًا. فدَعا الكاتِبَ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اكتُبْ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، فقال سُهَيلٌ: أمَّا الرَّحمَنُ فواللهِ ما أدري ما هو -وقال ابنُ المُبارَكِ: ما هو- ولَكِن اكتُبْ باسمِكَ اللهُمَّ كما كُنتَ تَكتُبُ. فقال المُسلِمونَ: واللهِ ما نَكتُبُها إلَّا بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اكتُبْ باسمِكَ اللهُمَّ، ثُمَّ قال: هذا ما قاضى عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ، فقال سُهَيلٌ: واللهِ لَو كُنَّا نَعلَمُ أنَّكَ رَسولُ اللهِ ما صَدَدناكَ عَنِ البَيتِ ولا قاتَلناكَ، ولَكِن اكتُبْ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: واللهِ إنِّي لَرَسولُ اللهِ وإن كَذَّبتُموني، اكتُبْ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ، قال الزُّهريُّ: وذلك لقَولِه: لا يَسألوني خُطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: على أن تُخَلُّوا بَينَنا وبَينَ البَيتِ فنَطوفَ به، فقال سُهَيلٌ: واللهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّا أُخِذْنا ضُغْطةً، ولَكِن لَكَ مِنَ العامِ المُقبِلِ. فكَتَبَ، فقال سُهَيلٌ: على أنَّه لا يَأتيكَ مِنَّا رَجُلٌ، وإن كان على دينِكَ، إلَّا رَدَدتَه إلينا. فقال المُسلِمونَ: سُبحانَ اللهِ، كَيفَ يُرَدُّ إلى المُشرِكينَ وقد جاءَ مُسلِمًا؟ فبَينا هُم كَذلك، إذ جاءَ أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو يَرسُفُ -وقال يَحيى عَنِ ابنِ المُبارَكِ:- يَرضَفُ في قُيودِه، وقد خَرَجَ مِن أسفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمى بنَفسِه بَينَ أظْهُرِ المُسلِمينَ. فقال سُهَيلٌ: هذا يا مُحَمَّدُ، أوَّلُ ما أُقاضيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نَقضِ الكِتابَ بَعدُ، قال: فواللهِ إذًا لا نُصالِحُكَ على شَيءٍ أبَدًا. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فأجِزْه لي، قال: ما أنا بمُجيزِه لَكَ. قال: بَلى، فافعَلْ، قال: ما أنا بفاعِلٍ. قال مِكرَزٌ: بَلى قد أجَزناه لَكَ. فقال أبو جَندَلٍ: أي مَعاشِرَ المُسلِمينَ، أُردُّ إلى المُشرِكينَ وقد جِئتُ مُسلِمًا، ألا تَرَونَ ما قد لَقيتُ؟ وكانَ قد عُذِّبَ عَذابًا شَديدًا في اللهِ. فقال عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنهُ: فأتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلتُ: ألَستَ نَبيَّ اللهِ؟ قال: بَلى، قُلتُ: ألَسنا على الحَقِّ؟ وعَدوُّنا على الباطِلِ؟ قال: بَلى، قال: قُلتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دينِنا إذًا؟ قال: إنِّي رَسولُ اللهِ، ولَستُ أعصيه، وهو ناصِري. قُلتُ: أَو لَستَ كُنتَ تُحَدِّثُنا أنَّا سَنَأتي البَيتَ فنَطوفُ به؟ قال: بَلى، قال: أفأخبَرتُكَ أنَّكَ تَأتيه العامَ؟ قُلتُ: لا. قال: فإنَّكَ آتيه ومُتَطَوِّفٌ به، قال: فأتَيتُ أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنهُ، فقُلتُ: يا أبا بَكرٍ، ألَيسَ هذا نَبيَّ اللهِ حَقًّا؟ قال: بَلى. قُلتُ: ألَسنا على الحَقِّ وعَدوُّنا على الباطِلِ؟ قال: بَلى. قُلتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دينِنا إذًا؟ قال: أيُّها الرَّجُلُ، إنَّه رَسولُ اللهِ، ولَن يَعصيَ رَبَّه عَزَّ وجَلَّ، وهو ناصِرُه، فاستَمسِكْ بغَرْزِه -وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ: تَطَوَّفْ بغَرْزِه- حَتَّى تَموتَ، فواللهِ إنَّه لَعَلى الحَقِّ. قُلتُ: أو ليس كان يُحَدِّثُنا أنَّا سَنَأتي البَيتَ ونَطوفُ به؟ قال: بَلى. قال: أفأخبَرَكَ أنَّه يَأتيه العامَ؟ قُلتُ: لا. قال: فإنَّكَ آتيه، ومُتَطَوِّفٌ به. قال الزُّهريُّ: قال عُمَرُ: فعَمِلتُ لذلك أعمالًا. قال: فلَمَّا فرَغَ مِن قَضيَّةِ الكِتابِ، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه: قوموا، فانحَروا، ثُمَّ احلِقوا، قال: فواللهِ ما قامَ مِنهُم رَجُلٌ، حَتَّى قال ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فلَمَّا لم يَقُمْ مِنهُم أحَدٌ قامَ، فدَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فذَكَرَ لَها ما لَقيَ مِنَ النَّاسِ، فقالت أُمُّ سَلَمةَ: يا رَسولَ اللهِ، أتُحِبُّ ذلك؟ اخرُجْ، ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا مِنهُم كَلِمةً حَتَّى تَنحَرَ بُدنَكَ، وتَدعوَ حالِقَكَ، فيَحلِقَكَ. فقامَ، فخَرَجَ، فلَم يُكَلِّمْ أحَدًا مِنهُم حَتَّى فعَلَ ذلك: نَحَرَ هَديَه، ودَعا حالِقَه. فلَمَّا رَأوا ذلك قاموا، فنَحَروا، وجَعَلَ بَعضُهم يَحلِقُ بَعضًا، حَتَّى كادَ بَعضُهم يَقتُلُ بَعضًا غَمًّا. ثُمَّ جاءَه نِسوةٌ مُؤمِناتٌ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {يا أيُّها الذينَ آمَنوا إذا جاءَكُمُ المُؤمِناتُ مُهاجِراتٍ} [المُمتَحَنة: 10] حَتَّى بَلَغَ {بعِصَمِ الكَوافِرِ} [المُمتَحَنة: 10]، قال: فطَلَّقَ عُمَرُ يَومَئِذٍ امرَأتَينِ كانَتا له في الشِّركِ، فتَزَوَّجَ إحداهما مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ، والأُخرى صَفوانُ بنُ أُمَيَّةَ. ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدينةِ، فجاءَه أبو بَصيرٍ، رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ، وهو مُسلِمٌ، وقال يَحيى، عَنِ ابنِ المُبارَكِ: فقدِمَ عليه أبو بَصيرِ بنُ أُسَيدٍ الثَّقَفيُّ مُسلِمًا مُهاجِرًا، فاستَأجَرَ الأخنَسُ بنُ شُرَيقٍ رَجُلًا كافِرًا مِن بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ ومَولًى مَعَه، وكَتَبَ مَعَهما إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسألُه الوفاءَ فأرسَلوا في طَلَبِه رَجُلَينِ، فقالوا: العَهدُ الذي جَعَلتَ لَنا فيه. فدَفَعَه إلى الرَّجُلَينِ، فخَرَجا به حَتَّى بَلَغا به ذا الحُلَيفةِ، فنَزَلوا يَأكُلونَ مِن تَمرٍ لَهم، فقال أبو بَصيرٍ لأحَدِ الرَّجُلَينِ: واللهِ إنِّي لَأرى سَيفَكَ يا فُلانُ هذا جَيِّدًا. فاستَلَّه الآخَرُ، فقال: أجَل واللهِ إنَّه لَجَيِّدٌ، لَقد جَرَّبتُ به، ثُمَّ جَرَّبتُ. فقال أبو بَصيرٍ: أرِني أنظُرْ إليه. فأمكَنَه مِنهُ، فضَرَبَه به حَتَّى بَرَدَ، وفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أتى المَدينةَ، فدَخَلَ المَسجِدَ يَعدو، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَقد رَأى هذا ذُعرًا. فلَمَّا انتَهى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قُتِلَ واللهِ صاحِبي، وإنِّي لَمَقتولٌ! فجاءَ أبو بَصيرٍ، فقال: يا نَبيَّ اللهِ، قد واللهِ أوفى اللهُ ذِمَّتَكَ قد رَدَدتَني إليهم، ثُمَّ أنجاني اللهُ مِنهُم. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَيلُ امِّه مِسعَرَ حَربٍ لَو كان له أحَدٌ! فلَمَّا سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنَّه سَيَرُدُّه إليهم، فخَرَجَ حَتَّى أتى سِيفَ البَحرِ، قال: ويَنفَلِتُ أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلٍ، فلَحِقَ بأبي بَصيرٍ، فجَعَلَ لا يَخرُجُ مِن قُرَيشٍ رَجُلٌ قد أسلَمَ إلَّا لَحِقَ بأبي بَصيرٍ حَتَّى اجتَمَعَت مِنهُم عِصابةٌ، قال: فواللهِ ما يَسمَعونَ بعيرٍ خَرَجَت لقُرَيشٍ إلى الشَّامِ إلَّا اعتَرَضوا لَها، فقَتَلوهم، وأخَذوا أموالَهم. فأرسَلَت قُرَيشٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تُناشِدُه اللهَ والرَّحِمَ لَمَّا أرسَلَ إليهم، فمَن أتاه فهو آمِنٌ، فأرسَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {وهو الذي كَفَّ أيديَهم عَنكُم وأيديَكُم عَنهُم} [الفَتح: 24] حَتَّى بَلَغَ: {حَميَّةَ الجاهِليَّةِ} [الفَتح: 26]، وكانَت حَميَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نَبيُّ اللهِ، ولَم يُقِرُّوا ببِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، وحالوا بَينَه وبَينَ البَيتِ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء اللهربنا رب السموات والأرضبسم الله الرحمن الرحيممحو اسم أمير المؤمنينالعفو عند رسول اللهلا ترغبوا عن آبائكملا إسلال ولا إغلاللنتخذن عليهم مسجدااللات والعزى ومناةلا يشقى بهم جليسهمأمسك عليك بعض مالكالمدينة دار الهجرةأم المؤمنين عائشةأم كلثوم بنت عليالمؤمنات مهاجراتمحمد بن عبد اللهاللهم إياك نعبدالسفط من الجوهرلا إله إلا اللهسقيفة بني ساعدةخالد بن الوليددابة مثل النغفالمقام المحمودالسبي والغنيمةصلاح ذات البينمحمد رسول اللهعمر بن الخطابصلاة التراويحليلة في رمضانعروة بن مسعودالحكم إلا للهحصبهم بالترابسارية بن زنيمملائكة سياحينصلح الحديبيةيأجوج ومأجوجتحكيم الرجالسقاك أبو بكرهجر المسلمينبيعة أبي بكرعينة مكفوفةنفخة القيامامرأة فرعونالمسيح ينزلأصحاب الكهفلوح من رصاصشاهت الوجوهيذكرون اللهكعب بن زهيركعب بن مالكالعشرة آلافنعم البدعةأبي بن كعبسورة الفتحنفخة الفزعنفخة الصعقغربي الشامازكى طعامايوم الزينةحابس الفيلخمسين ليلةرعاع الناسمر الظهرانقارئ واحدملك الموتشط الفراتحكم الصيدشهر رمضانيحفون بهمبانت سعادغزوة تبوكآية الرجملا تطرونيغصب الأمرأبو سفيانصوم رمضانالحديبيةأبو جندلابن عباسالذباحونثلاث فرقالنفختينالحروريةابن ملجموصية عليغفرت لهمأهدر دمهأبو بصيرثوب واحدبني سليمإسرافيلالشفاعةعاشوراءالسامريالخوارجيوم بدرقتل عليالتواصلالقصيدةالقصواء
تخريج حديث لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








