أحاديث عن: هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئا فهو مما سميت
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئا فهو مما سميت
عَن أُمِّ بَكرةَ الأسلَميَّةِ أنَّها اختَلَعَت مِن زَوجِها عَبدِ اللهِ بنِ أُسَيدٍ، ثُمَّ أتَيا عُثمانَ في ذلك، فقال: «هيَ تَطليقةٌ إلَّا أن تَكونَ سَمَّيتَ شَيئًا فهو ما سَمَّيتَ»
عن كَعبِ بنِ مالِكٍ، يُحَدِّثُ حَديثَه حينَ تَخَلَّفَ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تَبوكَ، فقال كَعبُ بنُ مالِكٍ: لم أتَخَلَّفْ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةٍ غَزاها قَطُّ إلَّا في غَزوةِ تَبوكَ، غَيرَ أنِّي كُنتُ تَخَلَّفتُ في غَزوةِ بَدرٍ، ولَم يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنها، إنَّما خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ عيرَ قُرَيشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَينَهم، وبَينَ عَدوِّهِم على غَيرِ ميعادٍ، ولَقد شَهِدتُ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيلةَ العَقَبةِ، حينَ تَوافَقنا على الإسلامِ وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشهَدَ بَدرٍ، وإن كانَت بَدرٌ أذكَرَ في النَّاسِ مِنها وأشهَرَ، وكانَ مِن خَبَري حينَ تَخَلَّفتُ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تَبوكَ لأنِّي لم أكُنْ قَطُّ أقوى ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عنه في تلك الغَزاةِ، واللهِ ما جَمَعتُ قَبلَها راحِلَتَينِ قَطُّ حَتَّى جَمَعتُهما في تلك الغَزاةِ، وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَلَّما يُريدُ غَزاةً يَغزوها إلَّا ورَّى بغَيرِها، حَتَّى كانَت تلك الغَزاةُ، فغَزاها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَرٍّ شَديدٍ، واستَقبَلَ سَفَرًا بَعيدًا ومَفازًا، واستَقبَلَ عَدوًّا كَثيرًا، فجَلَّى للمُسلِمينَ أمرَه ليَتَأهَّبوا أُهبةَ عَدوِّهِم، فأخبَرَهم بوجهِه الذي يُريدُ، والمُسلِمونَ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَثيرٌ، لا يَجمَعُهم كِتابٌ حافِظٌ - يُريدُ الدِّيوانَ- فقال كَعبٌ: فقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ يَتَغَيَّبُ إلَّا ظَنَّ أنَّ ذلك سَيَخفى له ما لم يَنزِلْ فيه وحيٌ مِنَ اللهِ، وغَزا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تلك الغَزوةَ حينَ طابَتِ الثِّمارُ والظِّلُّ، وأنا إليها أصعَرُ فتَجَهَّزَ إليها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمُؤمِنونَ مَعَه، وطَفِقتُ أغدو لكَي أتَجَهَّزَ مَعَه، فأرجِعُ ولَم أقضِ شَيئًا، فأقولُ في نَفسي: أنا قادِرٌ على ذلك إذا أرَدتُ، فلَم يَزَلْ كَذلك يَتَمادى بي حَتَّى شَمَّرَ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصبَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غاديًا والمُسلِمونَ مَعَه، ولَم أقضِ مِن جَهازي شَيئًا، فقُلتُ: الجَهازُ بَعدَ يَومٍ أو يَومَينِ ثُمَّ ألحَقُهم، فغَدَوتُ بَعدَما فصَلوا لأتَجَهَّزَ فرَجَعتُ، ولَم أقضِ شَيئًا مِن جَهازي، ثُمَّ غَدَوتُ فرَجَعتُ، ولَم أقضِ شَيئًا، فلَم يَزَلْ ذلك يَتَمادى بي حَتَّى أسرَعوا، وتَفارَطَ الغَزوُ فهَمَمتُ أن أرتَحِلَ، فأُدرِكَهم ولَيتَ أنِّي فعَلتُ، ثُمَّ لم يُقدَّرْ ذلك لي، فطَفِقتُ إذا خَرَجتُ في النَّاسِ بَعدَ خُروجِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فطُفتُ فيهم يَحزُنُني أن لا أرى إلَّا رَجُلًا مَغموصًا عليه في النِّفاقِ، أو رَجُلًا مِمَّن عَذَرَه اللهُ، ولَم يَذكُرْني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى بَلَغَ تَبوكَ، فقال وهو جالِسٌ في القَومِ بتَبوكَ: «ما فعَلَ كَعبُ بنُ مالِكٍ» قال رَجُلٌ مِن بَني سَلِمةَ: حَبَسَه يا رَسولَ اللهِ بُرداه، والنَّظَرُ في عِطفَيه! فقال له مُعاذُ بنُ جَبَلٍ: بئسَما قُلتَ! واللهِ يا رَسولَ اللهِ ما عَلِمنا عليه إلَّا خَيرًا، فسَكَتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال كَعبُ بنُ مالِكٍ: فلَمَّا بَلَغَني أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد تَوجَّهَ قافِلًا مِن تَبوكَ حَضَرَني بَثِّي، فطَفِقتُ أتَفَكَّرُ الكَذِبَ، وأقولُ بماذا أخرُجُ مِن سُخطِه غَدًا، أستَعينُ على ذلك كُلَّ ذي رَأيٍ مِن أهلي، فلَمَّا قيلَ إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظَلَّ قادِمًا زاحَ عَنِّي الباطِلُ، وعَرَفتُ أنِّي لَن أنجوَ منه بشَيءٍ أبَدًا، فأجمَعتُ صِدقَه، وصَبَّحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادِمًا، وكانَ إذا قدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأ بالمَسجِدِ، فرَكَعَ فيه رَكعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ للنَّاسِ، فلَمَّا فعَلَ ذلك جاءَه المُتَخَلِّفونَ، فطَفِقوا يَعتَذِرونَ إليه ويَحلِفونَ لَه، وكانوا بضعةً وثَمانينَ رَجُلًا، فقَبِلَ منهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلانيَتَهم، ويَستَغفِرُ لَهم، ويَكِلُ سَرائِرَهم إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، حَتَّى جِئتُ، فلَمَّا سَلَّمتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغضَبِ، ثُمَّ قال لي: «تَعالَ» فجِئتُ أمشي حَتَّى جَلَستُ بَينَ يَدَيه، فقال لي: «ما خَلَّفَكَ، ألَم تَكُنْ قدِ استَمَرَّ ظَهرُكَ؟» قال: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي لَو جَلَستُ عِندَ غَيرِكَ مِن أهلِ الدُّنيا لَرَأيتُ أنِّي أخرُجُ مِن سُخطَتِه بعُذرٍ، لَقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولَكِنَّه واللهِ لَقد عَلِمتُ لَئِن حَدَّثتُكَ اليَومَ حَديثَ كَذِبٍ تَرضى عَنِّي به، لَيوشِكَنَّ اللهُ تَعالى يُسخِطُكَ عليَّ، ولَئِن حَدَّثتُكَ اليَومَ بصِدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه إنِّي لَأرجو قُرَّةَ عَيني عَفوًا مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، واللهِ ما كان لي عُذرٌ، واللهِ ما كُنتُ قَطُّ أفرَغَ ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عَنكَ. قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أمَّا هذا فقد صَدَقَ، فقُمْ حَتَّى يَقضيَ اللهُ تَعالى فيكَ» فقُمتُ، وبادَرَت رِجالٌ مِن بَني سَلِمةَ فاتَّبَعوني، فقالوا لي: واللهِ ما عَلِمناكَ كُنتَ أذنَبتَ ذَنبًا قَبلَ هذا، ولَقد عَجَزتَ أن لا تَكونَ اعتَذَرتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتَذَرَ به المُتَخَلِّفونَ، لَقد كان كافيَكَ مِن ذَنبِكَ استِغفارُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَكَ، قال: فواللهِ ما زالوا يُؤَنِّبوني حَتَّى أرَدتُ أن أرجِعَ فأُكَذِّبَ نَفسي، قال: ثُمَّ قُلتُ لَهم: هَل لَقيَ هذا مَعي أحَدٌ؟ قالوا: نَعَم، لَقيَه مَعَكَ رَجُلانِ قالا ما قُلتَ، فقيلَ لَهما مِثلُ ما قيلَ لَكَ، قال: فقُلتُ لَهم: مَن هُما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ الرَّبيعِ العامِريُّ، وهِلالُ بنُ أُمَيَّةَ الواقِفيُّ، قال: فذَكَروا لي رَجُلَينِ صالِحَينِ قد شَهِدا بَدرًا لي فيهما أُسوةٌ، قال: فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لي، قال: ونَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المُسلِمينَ عَن كَلامِنا أيُّها الثَّلاثةُ مِن بَينِ مَن تَخَلَّفَ عنه، فاجتَنَبَنا النَّاسُ، قال: وتَغَيَّروا لَنا حَتَّى تَنَكَّرَت لي مِن نَفسي الأرضُ، فما هيَ بالأرضِ التي كُنتُ أعرِفُ، فلَبِثنا على ذلك خَمسينَ لَيلةً، فأمَّا صاحِبايَ فاستَكَنَّا وقَعَدا في بُيوتِهما يَبكيانِ، وأمَّا أنا فكُنتُ أشَبَّ القَومِ وأجلَدَهم، فكُنتُ أشهَدُ الصَّلاةَ مَعَ المُسلِمينَ، وأطوفُ بالأسواقِ، ولا يُكَلِّمُني أحَدٌ، وآتي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو في مَجلِسِه بَعدَ الصَّلاةِ، فأُسَلِّمُ عليه، فأقولُ في نَفسي حَرَّكَ شَفَتَيه برَدِّ السَّلامِ أم لا، ثُمَّ أُصَلِّي قَريبًا منه، وأُسارِقُه النَّظَرَ، فإذا أقبَلتُ على صَلاتي نَظَرَ إليَّ، فإذا التَفَتُّ نَحوَه أعرَضَ، حَتَّى إذا طالَ عليَّ ذلك مِن هَجرِ المُسلِمينَ مَشَيتُ حَتَّى تَسَوَّرتُ حائِطَ أبي قَتادةَ، وهو ابنُ عَمِّي، وأحَبُّ النَّاسِ إليَّ، فسَلَّمتُ عليه، فواللهِ ما رَدَّ عليَّ السَّلامَ، فقُلتُ لَه: يا أبا قَتادةَ، أنشُدُكَ اللهَ، هَل تَعلَمُ أنِّي أُحِبُّ اللهَ ورَسولَه؟ قال: فسَكَتَ، قال: فعُدتُ فنَشَدتُه، فسَكَتَ، فعُدتُ فنَشَدتُه، فقال: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، ففاضَت عَينايَ، وتَولَّيتُ حَتَّى تَسَوَّرتُ الجِدارَ، فبَينا أنا أمشي بسوقِ المَدينةِ إذا نَبَطيٌّ مِن أنباطِ أهلِ الشَّامِ مِمَّن قدِمَ بطَعامٍ يَبيعُه بالمَدينةِ، يَقولُ: مَن يَدُلُّني على كَعبِ بنِ مالِكٍ؟ قال: فطَفِقَ النَّاسُ يُشيرونَ له إليَّ، حَتَّى جاءَ فدَفَعَ إليَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسَّانَ، وكُنتُ كاتِبًا، فإذا فيه: أمَّا بَعدُ، فقد بَلَغَنا أنَّ صاحِبَكَ قد جَفاكَ، ولَم يَجعَلْكَ اللهُ بدارِ هَوانٍ ولا مَضيَعةٍ، فالحَقْ بنا نواسِكَ، قال: فقُلتُ حينَ قَرَأتُها: وهذا أيضًا مِنَ البَلاءِ! قال: فتَيَمَّمتُ بها التَّنُّورَ فسَجَرتُه بها، حَتَّى إذا مَضَت أربَعونَ لَيلةً مِنَ الخَمسينَ، إذا برَسولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأتيني، فقال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُكَ أن تَعتَزِلَ امرَأتَكَ، قال: فقُلتُ: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعَلُ؟ قال: بَلِ اعتَزِلْها، فلا تَقرَبْها، قال: وأرسَلَ إلى صاحِبَيَّ بمِثلِ ذلك، قال: فقُلتُ لامرَأتي: الحَقي بأهلِكِ، فكوني عِندَهم حَتَّى يَقضيَ اللهُ في هذا الأمرِ، قال: فجاءَتِ امرَأةُ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت لَه: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ هِلالًا شَيخٌ ضائِعٌ، ليس له خادِمٌ، فهَل تَكرَهُ أن أخدُمَه؟ قال: «لا، ولَكِن لا يَقرَبَنَّكِ» قالت: فإنَّه واللهِ ما به حَرَكةٌ إلى شَيءٍ، واللهِ ما زالَ يَبكي مِن لَدُن أن كان مِن أمرِكَ ما كان إلى يَومِه هذا، قال: فقال لي بَعضُ أهلي: لَوِ استَأذَنتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرَأتِكَ فقد أذِنَ لامرَأةِ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ أن تَخدُمَه، قال: فقُلتُ: واللهِ لا أستَأذِنُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما أدري ما يَقولُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استَأذَنتُه، وأنا رَجُلٌ شابٌّ، قال: فلَبِثنا بَعدَ ذلك عَشرَ لَيالٍ كَمالَ خَمسينَ لَيلةً حينَ نَهى عَن كَلامِنا، قال: ثُمَّ صَلَّيتُ صَلاةَ الفَجرِ صَباحَ خَمسينَ لَيلةً على ظَهرِ بَيتٍ مِن بُيوتِنا، فبَينا أنا جالِسٌ على الحالِ التي ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِنَّا، قد ضاقَت عليَّ نَفسي، وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَت، سَمِعتُ صارِخًا أوفى على جَبَلِ سَلْعٍ يَقولُ بأعلى صَوتِه: يا كَعبُ بنَ مالِكٍ أبشِرْ، قال: فخَرَرتُ ساجِدًا، وعَرَفتُ أن قد جاءَ فرَجٌ، وآذَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتَوبةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى علينا حينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجرِ، فذَهَبَ يُبَشِّرونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ يُبَشِّرونَ، ورَكَضَ إليَّ رَجُلٌ فرَسًا، وسَعى ساعٍ مِن أسلَمَ، وأوفى الجَبَلَ، فكانَ الصَّوتُ أسرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فلَمَّا جاءَني الذي سَمِعتُ صَوتَه يُبَشِّرُني نَزَعتُ له ثَوبَيَّ، فكَسَوتُهما إيَّاه ببِشارَتِه، واللهِ ما أملِكُ غَيرَهما يَومَئِذٍ، فاستَعَرتُ ثَوبَينِ فلَبِستُهما فانطَلَقتُ أؤُمُّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَلقاني النَّاسُ فوجًا فوجًا يُهَنِّئوني بالتَّوبةِ، يَقولونَ: لتَهنِكَ تَوبةُ اللهِ عليكَ! حَتَّى دَخَلتُ المَسجِدَ، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالِسٌ في المَسجِدِ حَولَه النَّاسُ، فقامَ إليَّ طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يُهَروِلُ حَتَّى صافَحَني، وهَنَّأني، واللهِ ما قامَ إليَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرينَ غَيرُه، قال: فكانَ كَعبٌ لا يَنساها لطَلحةَ، قال كَعبٌ: فلَمَّا سَلَّمتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال وهو يَبرُقُ وجْهُه مِنَ السُّرورِ: أبشِر بِخَيرِ يَومٍ مَرَّ عليك مُنذُ ولَدَتكَ أُمُّكَ! قال: قُلتُ: أمِن عِندِكَ يا رَسولَ اللَّهِ، أم مِن عِندِ اللَّهِ؟ قال: لا، بَل مِن عِندِ اللَّهِ. وكانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سُرَّ استَنارَ وجهُه، حَتَّى كَأنَّهُ قِطعةُ قَمَرٍ، وكُنَّا نَعرِفُ ذلك مِنهُ، فَلَمَّا جَلَستُ بَينَ يَدَيه قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ مِن تَوبَتي أن أنخَلِعَ مِن مالي صَدَقةً إلى اللَّهِ وإلى رَسولِ اللَّهِ، قال رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمسِك عليك بَعضَ مالِكَ فهو خَيرٌ لَك، قال: فقُلتُ: فَإنِّي أُمسِكُ سَهمي الذي بخَيبَرَ، قال: فقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّما اللَّهُ تَعالى نَجَّاني بِالصِّدقِ، وإنَّ مِن تَوبَتي أن لا أُحَدِّثَ إلَّا صِدقًا ما بَقيتُ، قال: فواللهِ ما أعلَمُ أحَدًا مِنَ المُسلِمينَ أبلاه اللَّهُ مِنَ الصِّدقِ في الحَديثِ مُذ ذَكَرتُ ذلك لرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسَنَ مِمَّا أبلاني اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى، واللَّهِ ما تَعَمَّدتُ كَذبةً مُذ قُلتُ ذلك لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يَومي هذا، وإنِّي لَأرجو أن يَحفَظَني فيما بَقيَ، قال: وأنزَلَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: {لَقد تابَ اللَّهُ على النَّبيِّ والمُهاجِرينَ والأنصارِ الذينَ اتَّبَعوهُ في ساعةِ العُسرةِ مِن بَعدِ ما كادَ يَزيغُ قُلوبُ فَريقٍ مِنهُم ثُمَّ تابَ عَلَيهِم إنَّهُ بِهِم رَءوفٌ رَحيمٌ وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفوا حَتَّى إذا ضاقَت عَلَيهِمُ الأرضُ بِما رَحُبَت وضاقَت عَلَيهِم أنفُسُهُم وظَنُّوا أن لا مَلجَأ مِنَ اللَّهِ إلَّا إلَيهِ ثُمَّ تابَ عَلَيهِم ليَتوبوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوَّابُ الرَّحيمُ يا أيُّها الذينَ آمَنوا اتَّقوا اللَّهَ وكونوا مَعَ الصَّادِقينَ} قال كَعبٌ: فَواللَّهِ ما أنعَمَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيَّ مِن نِعمةٍ قَطُّ بَعدَ أن هَداني أعظَمَ في نَفسي مِن صِدقي رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَئِذٍ، أن لا أكونَ كَذَبتُه فأهلِكَ كما هَلَكَ الذينَ كَذَبوه حينَ كَذَبوه، فَإنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قال لِلَّذين كَذَبوه حينَ كَذَبوه شَرَّ ما يُقالُ لِأحَدٍ، فَقال اللَّهُ تعالى: {سَيَحلِفونَ بِاللَّهِ لَكُم إذا انقَلَبتُم إلَيهِم لِتُعرِضوا عَنهُم فَأعرِضوا عَنهُم إنَّهُم رِجسٌ ومَأواهُم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانوا يَكسِبونَ يَحلِفونَ لَكُم لِتَرضَوا عَنهُم، فَإن تَرضَوا عَنهُم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرضى عَنِ القَومِ الفاسِقينَ}، قال: وكُنَّا خُلِّفنا أيُّها الثَّلاثةُ عَن أمرِ أولَئِكَ الذينَ قَبِلَ مِنهُم رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ حَلَفوا، فَبايَعَهُم واستَغفَرَ لَهُم، فَأرجَأ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرَنا حَتَّى قَضى اللَّهُ تَعالى، فبذلك قال اللَّهُ تَعالى: {وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفوا} [التَّوبة: 118] وليس تَخليفُهُ إيَّانا وإرجاؤُهُ أمرَنا الذي ذكرَ مِمَّا خُلِّفْنا بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزوِ، وإنَّما هو عَمَّن حَلَفَ لَهُ واعتَذَرَ إليه فَقَبِلَ مِنهُ
استأذَن عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ على معاويةَ وقد عُلِّقَتْ عندَه بطونُ قريشٍ وسعيدُ بنُ العاصِ جالسٌ عن يمينِه فلمَّا رآه معاويةُ مُقبلًا قال يا سعيدُ واللهِ لأُلْقِيَنَّ على ابنِ عبَّاسٍ مسائلَ يَعْيا بجوابِها فقال له سعيدٌ ليس مِثلُ ابنِ عبَّاسٍ يَعْيا بمسائلِك فلمَّا جلَس قال له معاويةُ ما تقولُ في أبي بكرٍ قال رحِم اللهُ أبا بكرٍ كان واللهِ للقرآنِ تاليًا وعنِ المَيلِ نائيًا وعنِ الفحشاءِ ساهيًا وعنِ المنكرِ ناهيًا وبدينِه عارفًا ومِنَ اللهِ خائفًا وباللَّيلِ قائمًا وبالنَّهارِ صائمًا ومِن دُنياه سالمًا وعلى عَدْلِ البريَّةِ عازمًا وبالمعروفِ آمرًا وإليه صائرًا وفي الأحوالِ شاكرًا وللهِ في الغُدُوِّ والرَّواحِ ذاكرًا ولنفسِه بالمصالحِ قاهرًا فاق أصحابَه وَرَعًا وكَفافًا وزُهدًا وعَفافًا وبِرًّا وحياطةً وزَهادةً وكَفاءةً فأعقَب اللهُ مَن ثلَبه اللَّعائنَ إلى يومِ القيامةِ قال معاويةُ فما تقولُ في عمرَ بنِ الخطَّابِ قال رحِم اللهُ أبا حَفْصٍ كان واللهِ حَليفَ الإسلامِ ومأوى الأيتامِ ومحَلَّ الإيمانِ وملاذَ الضُّعفاءِ ومَعقِلَ الحُنَفاءِ للخَلْقِ حِصنًا وللبأسِ عَونًا قام بحقِّ اللهِ صابرًا مُحتَسِبًا حتَّى أظهَر اللهُ الدِّينَ وفتَح الدِّيارَ وذكَر اللهَ في الأقطارِ والمَناهلِ وعلى التِّلالِ وفي الضَّواحي والبِقاعِ وعند الخنا وَقورًا وفي الشِّدَّةِ والرَّخاءِ شكورًا وللهِ في كلِّ وقتٍ وأوانٍ ذَكورًا فأعقَب اللهُ مَن يُبغِضُه اللَّعنةَ إلى يومِ الحسرةِ قال معاويةُ فما تقولُ في عثمانَ بنِ عفَّانَ قال رحِم اللهُ أبا عمرٍو كان واللهِ أكْرَمَ الحَفَدةِ وأوصل البرَرةِ وأصْبَرَ الغُزاةِ هَجَّادًا بالأسحارِ كثيرَ الدُّموعِ عندَ ذِكرِ اللهِ دائمَ الفِكرِ فيما يُعنيه اللَّيلَ والنَّهارَ ناهضًا إلى كلِّ مَكرُمةٍ يسعى إلى كلِّ مَنجَبةٍ فَرَّارًا مِن كلِّ مُوبِقةٍ وصاحبُ الجيشِ والبئرِ وختَنُ المصطفى على ابنتَيه فأعقَب اللهُ مَن سبَّه النَّدامةَ إلى يومِ القيامةِ قال معاويةُ فما تقولُ في عليِّ بنِ أبي طالبٍ قال رحِم اللهُ أبا الحسنِ كان واللهِ عَلَمَ الهُدى وكهفَ التُّقى ومحَلَّ الحِجا وطَودَ النُّهى ونورَ السُّرى في ظُلَمِ الدُّجى داعيًا إلى المَحَجَّةِ العُظمى عالمًا بما في الصُّحفِ الأولى وقائمًا بالتَّأويلِ والذِّكرى متعلِّقًا بأسبابِ الهُدى وتاركًا للجَورِ والأذى وحائدًا عن طُرُقاتِ الرَّدى وخيرُ مَن آمَن واتَّقى وسيِّدُ مَن تقمَّص وارتدى وأفضلُ مَن حجَّ وسعى وأسْمَحُ مَن عدَل وسوَّى وأخطبُ أهلِ الدُّنيا إلَّا الأنبياءَ والنَّبيَّ المصطفى وصاحبُ القِبلتين فهل يُوازيه مُوحِّدٌ وزوجُ خيرِ النِّساءِ وأبو السِّبْطَين لم ترَ عيني مِثلَه ولا ترى إلى يومِ القيامةِ واللُّقاء مَن لعَنه فعليه لعنةُ اللهِ والعِبادِ إلى يومِ القيامةِ قال فما تقولُ في طلحةَ والزُّبَيرِ قال رحمةُ اللهِ عليهما كانا واللهِ عفيفَين بَرَّين مُسلِمَين طاهِرَين مُتَطَهِّرَين شهيدَين عالمَين زلَّا زلَّةً واللهُ غافرٌ لهما إنْ شاء اللهُ بالنُّصرةِ القديمةِ والصُّحبةِ القديمةِ والأفعالِ الجميلةِ قال معاويةُ فما تقولُ في العبَّاسِ قال رحِم اللهَ أبا الفضلِ كان واللهِ صِنوَ أبي رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقُرَّةَ عينَي صفِيِّ اللهِ كهْفَ الأقوامِ وسيِّدَ الأعمامِ قد علا بصَرًا بالأمورِ ونظَرًا بالعواقبِ قد زانه عِلْمٌ قد تلاشتِ الأحسابُ عندَ ذكرِ فضيلتِه وتباعدتِ الأنسابُ عندَ فَخْرِ عشيرتِه ولِمَ لا يكونُ كذلك وقد ساسَه أكرمُ مَن دَبَّ وهَبَّ عبدُ المطَّلبْ أفخرُ مَن مشى مِن قريشٍ وركِبَ قال معاويةُ فلِمَ سُمِّيَتْ قريشٌ قريشًا قال بِدابَّةٍ تكونُ في البحرِ هي أعظمُ دوَابِّ البحرِ خطَرًا لا تظفَرُ بشيءٍ مِن دَوابِّ البحرِ إلَّا أكَلَتْه فسُمِّيَتْ قريشً لأنَّها أعظمُ العربِ فِعالًا قال هل تَروي في ذلك شيئًا فأنشد قولَ الجُمَحِيِّ وَقُرَيشٌ هِيَ الّتِي تَسْكُنُ البَحْرَ .. بِها سُمِّيَتْ قُرَيشٌ قُرَيشَا تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْ .. رُكُ فيها لِذِي جَناحَين رِيشَا هَكَذَا كَانَ فِي الكِتَابِ حَيُّ قُرَيشٍ ... يَأْكُلُ البِلادَ أَكْلًا حَشِيشَا ولهم آخِرَ الزَّمانِ نبيٌّ ... يُكْثِرُ القَتْلَ فيهم وَالخُموشَا تَمْلَأُ الأرضَ خَيْلُه ورِجالٌ ... يَحْشُرونَ الْمَطِيَّ حَشْرًا كَمِيشَا. قال صدَقْتَ يا ابنَ عبَّاسٍ أشهَدُ أنَّك لسانُ أهلِ بيتِك فلمَّا خرَج ابنُ عبَّاسٍ مِن عندِه قال ما كلَّمْتُه قطُّ إلَّا وجدْتُه مُستعِدًّا
عن أبي هريرة أنه قال : خرجتُ إلى الطُّورِ ، فلقيتُ كَعْبَ الأَحْبَارِ ، فجلستُ معهُ ، فحدَّثني عن التَّوراةِ ، وحدَّثتُهُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فكانَ فيما حدَّثتهُ أن قلتُ لهُ : قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : خيرُ يومٍ طلعتْ عليهِ الشمسُ يومُ الجمعةِ ، فيه خُلقَ آدمُ ، وفيهِ أُهْبِطَ ، وفيه ماتَ ، وفيه تِيبَ عليهِ ، وفيه تقومُ الساعةُ ، وما من دابةٍ إلا وهيَ مُسيخةٌ يومُ الجمعةِ من حينِ تُصبحُ حتى تطلعَ الشمسُ شفقًا من الساعةِ ، إلا الجنّ والإنسُ ، وفيهِ ساعةٌ لا يُصادِفُها عبدٌ مسلمٌ وهو يصلِّي يسألُ اللهَ شيئًا إلا أعطاهُ إياهُ ، قال كعبٌ : ذلكَ في كلّ سنةٍ يومٌ ، فقلت : بلْ في كلِّ جمعةٍ ، قال : فقرأَ كَعْبٌ التَّوراةَ فقال : صدقَ رسولُ اللهِ ، قال أبو هريرةَ : ثمَّ لقيتُ عبد اللهِ بن سلامٍ ، فحدّثتهُ بمجلسي مع كعبِ الأَحبارِ ، وما حدثتهُ في يوم الجمعةِ ، قال عبد اللهِ بن سلامٍ : قد علمتُ أيَّةَ ساعةٍ هِيَ ، هيَ آخرُ ساعةٍ في يومِ الجمعةِ ، قال أبو هريرة : وكيفَ تكون آخرُ ساعةٍ في يومِ الجمعةِ ، وقد قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لا يُصادفُها عبدٌ مسلمٌ وهو يصلّي ، وتلكَ ساعةٌ لا يُصلَّى فيها ؟ فقال عبد اللهُ بن سلامٍ : ألم يقلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : من جلسَ مجلِسًا ينتظرُ الصلاة ، فهو في صلاةٍ حتَّى يُصليهَا ؟ قال أبو هريرة : بلى ، قال : فهوَ ذلك
خيرُ يومٍ طلَعتْ عليه الشَّمسُ يومُ الجمعةِ فيه خُلِقَ آدمُ وفيه أُهبِطَ وفيه مات وفيه تِيبَ عليه وفيه تقومُ الساعةُ وما من دابَّةٍ إلَّا وهي مُصِيخَةٌ يومَ الجمعِة من حينِ تُصبحُ حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ شفَقًا من السَّاعةِ إلَّا الجِنَّ والإنسَ وفيه ساعةٌ لا يصادفُهَا عبدٌ مسلمٌ وهو يصلِّي يسألُ اللهَ شيئًا إلَّا أعطاهُ إيَّاهُ قال أبو هُريرَةَ رضِيَ اللهُ عنه لقِيتُ عبدَ اللهِ بنَ سلَامٍ فحدَّثتُه فقال عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ قد علِمتُ أيضًا أيَّةَ ساعةٍ هِيَ هِيَ آخِرُ ساعةٍ في يومِ الجمعةِ قال أبو هريرةَ كيف تكونُ آخرَ ساعةٍ في يومِ الجمعةِ وقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم لا يصادفُها عبدٌ مسلمٌ وهو يصلِّي وتلك ساعةٌ لا يصلَّى فيها فقال عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ ألمْ يقُلْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم من جلس مجلسًا ينتظرُ الصَّلاةَ فهو في الصَّلاةِ قال أبو هريرةَ رضي اللهُ عنه بلى فهُوَ ذلكَ
عن أبي هريرةَ أنه قال : خرجتُ إلى الطُّورِ فلقيتُ كعبَ الأحبارِ فجلستُ معهُ فحدثني عن التوراةِ وحدثتهُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فكان فيما حدثتهُ أن قلتُ : قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : خيرُ يومٍ طلعتْ عليهِ الشمسُ يومُ الجمعةِ ، فيه خُلِقَ آدمُ وفيه أُهْبِطَ وفيه تِيبَ عليهِ وفيهِ ماتَ وفيه تقومُ الساعةُ ، وما من دابةٍ إلا وهِيَ مُصيخَةٌ يومُ الجمعةِ من حينِ يصبحُ حتى تطلعَ الشمسُ شفقًا من الساعةِ إلا الجنَّ والإنسَ ، وفيهِ ساعةٌ لا يصادفُها عبدٌ مسلمٌ وهو يصلي يسألُ اللهَ شيئا إلا أعطاهُ إياهُ ، قال كعبٌ : ذلكَ في كلِّ سنةٍ مرةً ، فقلتُ : بل في كلِّ جمعةٍ ، فقرأ كعبٌ التوراةَ فقال : صدقَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قال أبو هريرةَ : فلقيتُ بُصْرَةَ بن أبي بُصْرةَ الغفاريّ فقال : من أينَ أقبلتَ ؟ فقلتُ من الطُّورِ ، فقال : لو أدركتكَ قبل أن تخرجَ إليهِ ما خرجتَ ، سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول : لا تعملُ المطيّ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ ، إلى المسجدِ الحرامِ أو إلى مسجدِيِ هذا أو إلى مسجدِ إيليا أو بيتِ المقدسِ يشُكّ ، قال أبو هريرةَ : ثم لقيتُ عبد اللهِ بن سلامٍ فحدثتهُ بمجلِسِي مع كعبٍ وما حدثتهُ في يومِ الجمعةِ فقلتٌُ : قال كعبٌ : ذلكَ في كلِّ سنةٍ مرةً ، قال : قال عبد اللهِ بن سلامٍ : كذبَ كعبٌ ، فقلتُ : ثم قرأ كعبٌ التوراةَ فقال : بلْ هي في كلِّ جمعةٍ ، قال عبد اللهِ بن سلامٍ : صدقَ كعبٌ ، ثم قالَ عبد اللهِ بن سلامٍ : قدْ علمتُ أيّةَ ساعةٍ هيَ ، فقال أبو هريرةَ : أخبرنِي بها ولا تُضِنّ عليّ ، فقال عبد اللهِ بن سلامٍ : هي آخرُ ساعةٍ في يومِ الجمعةِ ، قال أبو هريرةَ : فقلتُ : كيف تكونُ آخرُ ساعةٍ في يومِ الجمعةِ وقد قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لا يصادفُها عبدٌ مسلمٌ وهو يُصلّي ؟ وتلكَ الساعةُ لا يُصَلّى فيها ، فقال عبد اللهِ بن سلامٍ : ألم يقُلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : من جلسَ مجلسا ينتظرُ الصلاةَ فهو في صلاةٍ حتى يصلي ، قال أبو هريرةَ : فقلت بلَى ، قال : فهوَ ذلكَ
ما مِن عبدٍ لَهِ مالٌ لا يؤدِّي زَكاتَهُ إلَّا جُمِعَ يومَ القيامةِ تُحمَى عليهِ صفائحُ في جَهَنَّمَ، وَكويَ بِها جنبُهُ، وظَهْرُهُ حتَّى يقضيَ اللَّهُ بينَ عبادِهِ في يومٍ كانَ مِقدارُهُ خمسينَ ألفَ سنةٍ مِمَّا تعدُّونَ، ثمَّ يَرى سبيلَهُ، إمَّا إلى الجنَّةِ، وإمَّا إلى النَّارِ، وذَكَرَ الحديثَ بطولِهِ في قصَّةِ الإبلِ والغنمِ . قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ: والخيلُ قالَ: الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ، والخيلُ لثلاثةٍ: هيَ لرجلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِترٌ، وعلى رجلٍ وزرٌ، فأمَّا الَّذي هيَ لَهُ أجرٌ، فالَّذي يتَّخذُها في سبيلِ اللَّهِ، ويعدُّها لَهُ لا يغيبُ في بطونِها شيئًا إلَّا كتبَ لَهُ بِها أجرٌ، ولو عَرضَ مرجًا أو مرجينِ فرعاها صاحبُها فيهِ كتبَ لَهُ مِمَّا غيَّبت في بطونِها أجرٌ، ولوِ استنَّت شَرفًا أو شرفينِ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خطوةٍ خطاها أجرٌ، ولو عرضَ نَهَرٌ فسقاها بِهِ، كانت لَهُ بِكُلِّ قطرةٍ غُيِّبَت في بطونِها منهُ أجرٌ، حتَّى ذَكَرَ الأجرَ في أرواثِها وأبوالِها، وأمَّا الَّتي هيَ لَهُ سترٌ فالَّذي يتَّخذُها تعفُّفًا وتجمُّلًا وتستُّرًا، ولا يحبِسُ حقَّ ظُهورِها وبطونِها في يُسْرِها وعُسْرِها، وأمَّا الَّذي عليهِ وزرٌ فالَّذي يتَّخذُها أشَرًا وبطرًا وبَذخًا عليهِم قالوا: فالحُمرُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ما أنزَلَ اللَّهُ عليَّ فيها شيئًا إلَّا هذِهِ الآيةَ الجامِعةَ الفاذَّةَ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزَّلزلةُ: 8]
أنَّه خَرَجَ وافِدًا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ومعه نَهِيكُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ، قال: فقَدِمْنَا المدينةَ لِانْسِلَاخِ رَجَبٍ، فصَلَّينا معه صَلَاةَ الْغَدَاةِ، فقام رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكُمْ صَوْتِي مُنْذُ أَرْبَعَةِ أيَّامٍ، إلَّا لَأُسْمِعَكُمْ، فهل مِنِ امْرِئٍ بَعَثَه قَوْمُه فقالوا: اعْلَمْ لَنَا مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ؟ لَعَلَّهُ أنْ يُلْهِيَه حَدِيثُ نَفْسِه، أو حَدِيثُ صَاحِبِه، أو تُلْهِيَه الضَّلَالةُ، أفلَا إنِّي مَسؤولٌ، هل بَلَّغْتُ؟ ألَا اسْمَعوا تَعِيشوا، ألَا اجْلِسوا، ألَا اجْلسُوا، فجلس النَّاسُ، وقُمْتُ أنا وصَاحِبِي حَتَّى إذا فرَغَ لنا فُؤَادُه وبَصَرُه، قُلْتُ: إنِّي سائِلُك عن حاجتي، فلا تعجَلَنَّ عَلَيَّ، قال: سَلْ ما شِئتَ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ هل عِنْدَك مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ؟ فَضَحِكَ -لَعَمْرُ اللهِ- وهَزَّ رَأْسَهُ، وعَلِمَ أنِّي أبتَغي تَسَقُّطَه، فقال: ضَنَّ رَبُّكَ بِمَفَاتِيحَ خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ، لَا يَعْلَمُها إلَّا اللهُ، وأشارَ بِيَدِه، قُلْتُ: ما هُنَّ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: عِلْمُ المَنِيَّةِ قد عَلِمَ متى مَنِيَّةُ أحدِكم، ولَا تعلَمونَه، وعَلِمَ يَوْمَ الْغَيْثَ، يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ آزِلِينَ مُشفِقينَ، فيَظَلُّ يَضحَكُ قد عَلِمَ أنَّ غَوثَكم قريبٌ، قال لَقيطٌ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، لن نَعدَمَ من رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا، قال: وعَلِمَ مَا فِي غَدٍ، قَدْ عَلِمَ مَا أنت طَاعِمٌ غَدًا، ولَا تَعْلَمُه، وعَلِمَ يَوْمَ السَّاعَةِ، قال: وأحسَبُه ذَكَر ما في الأرحامِ. قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنا مِمَّا تُعَلِّمُ النَّاسَ، وما تَعْلَمُ؛ فإنَّا مِنْ قَبِيلٍ لا يُصَدِّقونَ تَصْدِيقَنَا أَحَدٌ مِنْ مَذْحِجٍ التي تدنو إلينا، وخَثْعَمٍ التِي تُوالِينَا، وعَشِيرَتِنا التِي نحن منها، قال: تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُم، ثُمَّ يُتَوفَّى نَبِيُّكم صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ثُمَّ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُم، ثُمَّ تُبْعَثُ الصَّيحَةُ، فلَعَمْرُ إِلَهِك مَا يَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا شَيْئًا إِلَّا مَاتَ، والْمَلَائِكَةُ مع رَبِّك فخَلَت الأرضُ، فأُرسِلَت السَّمَاءُ بهَضِيبُ مِنْ تحتِ الْعَرْشِ، فَلَعَمْرُ إِلَهِك مَا يدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ مَصْرَعِ قَتِيلٍ، ولَا مَدْفِنِ مَيِّتٍ، إِلَّا شَقَّتِ الْقَبْرَ عَنْهُ، حَتَّى يَخْلُقَه مِن قِبَلِ رَأْسِه، فيسْتَوِي جَالِسًا، يَقولُ رَبُّك: مَهْيَمْ، ولِمَا كان منه، يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَمْسِ، اليَومَ، لَعَهْدُه بالحَياةِ يَحْسَبُه حَدِيثًا بأَهْلِه، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، كيف يَجْمَعُنا بَعْدَ ما تُمزِّقُنا الرِّياحُ والْبِلَى والسِّبَاعُ؟ قَالَ: أُنَبِّئُك بِمِثْلِ ذلك فِي آلَاءِ اللهِ؛ الْأَرْضُ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا مَدَرَةً بَالِيَةً، فَقُلْتَ: لَا تَحْيَا أَبَدًا، فأَرْسَلَ رَبُّكَ عليها السَّمَاءَ، فَلَمْ تَلْبَثْ عنها إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى أَشْرَفْتَ عليها، فإذا هِيَ شَرْبَةٌ واحِدَةٌ، ولَعَمْرُ إِلَهِك لَهُو أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَكم مِنَ الْمَاءِ على أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الْأَرْضِ، فتَخْرُجونَ مِنَ الأصْواءِ، ومِنْ مَصَارِعِكم، فَتَنْظُرونَ إليه، وينْظُرُ إليكم. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كيف وهُو شَخصٌ واحِدٌ ونحن مِلْءُ الْأَرْضِ، نَنْظُرُ إليه ويَنْظُرُ إلينا؟ قال: أُنَبِّئُك بِمِثْلِ ذلك فِي آلَاءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ؛ الشَّمْسُ والقَمَرُ آيَةٌ منه صَغِيرةٌ تَرَونَهما في سَاعَةٍ واحِدَةٍ وتَرَيَانِكم، لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهما، ولَعَمْرُ إِلَهِك لَهُو على أنْ يَرَاكم وتَرَونَه أَقْدَرُ منهما على أن يَرَيانِكم وتَرَونَهما. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا يَفْعَلُ بنا رَبُّنَا إذا لَقِيناه؟ قال: تُعرَضونَ عليه بادِيةً له صَفَحَاتُكم، لا يَخْفَى عليه منكم خَافِيةٌ، فيَأخُذُ رَبُّك عَزَّ وجَلَّ بِيَدِه غَرْفَةً مِنَ الماءِ فَيَنْضَحُ بها قِبَلَكم، فلَعَمْرُ إلهِك ما تُخطِئُ وَجهَ أحَدِكم منها قَطرةٌ، وأمَّا المُؤمِنُ فتَدَعُ وَجْهَه مِثلَ الرَّيطةِ البَيضاءِ، وأمَّا الكافِرُ فتَضْمَخُه بمِثلِ الحُمَمِ الأسوَدِ ألَا ثمَّ ينصَرِفُ نَبيُّكم ويُفَرَّقُ على أَثَرِه الصَّالحونَ -أو قال: يَنصَرِفُ على أَثَرِه الصَّالِحونَ- قال: فيَسلُكونَ جِسرًا مِنَ النَّارِ، يطَأُ أحَدُكم الجَمرةَ فيقولُ: حَسِّ! فيقولُ رَبُّك -أو أنَّه قال:- فتَطَّلِعونَ على حَوضِ الرَّسولِ أظمَأ ناهِله، واللهِ ما رأيتُها قَطُّ، فلَعَمْرُ إلهِك ما يَبسُطُ يَدَه -أو قال: يَسقُطُ واحِدٌ منكم- إلَّا وقع عليها قَدَحٌ يُطَهِّرُه مِنَ الطَّوفِ والبَولِ والأذى، وتَخلُصُ الشَّمسُ والقَمَرُ -أو قال: وتُحبَسُ الشَّمسُ والقَمَرُ- فلا تَرَونَ منهما واحِدًا، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فبم نُبصِرُ يومَئذٍ؟ قال: بمِثْلِ بَصَرِك ساعَتَك هذه، وذلك في يومٍ أشرَقَتِ الأرضُ وواجَهَتِ الجِبالَ. قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فبِمَ نُجازى من سيِّئاتِنا وحَسَناتِنا؟ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: الحَسَنةُ بعَشرِ أمثالِها، والسَّيِّئةُ بمِثْلِها أو يَعْفو، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فمَا الجنَّةُ ومَا النَّارُ؟ قال: لعَمْرُ إلهِك إنَّ للجَنَّةِ لثَمانيةَ أبوابٍ ما منها بابانِ إلَّا وبينهما مسيرةُ الرَّاكِبِ سبعينَ عامًا، وإنَّ للنَّارِ سَبعةَ أبوابٍ ما منها بابانِ إلَّا بينهما مسيرةُ الرَّاكِبِ سبعينَ عامًا، قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما يطَّلِعُ مِنَ الجَنَّةِ؟ قال: أنهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى، وأنهارٌ مِن لَبَنٍ لم يتغَيَّرْ طَعْمُه، وأنهارٌ مِن كأسٍ ما لها صُداعٌ ولا ندامةٌ، وماءٍ غيرِ آسِنٍ، وفاكِهةٍ، ولعَمْرُ إلهِك ما تَعلَمونَ وخَيرٌ مِن مِثْلِه معه وأزواجٌ مُطَهَّرةٌ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أَوَلنا أزواجٌ منهم، أو مِنهنَّ مُصلِحاتٌ؟ قال: الصَّالِحاتُ للصَّالحينَ تَلَذُّونَهنَّ مِثلَ لَذَّاتِكم في الدُّنيا، ويَلْذَذْنَكم، غَيرَ ألَّا تَوالُدَ، قال لَقيطٌ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، هذا أقصى ما نحن باِلغونَ ومُنتهونَ إليه؟ قال: فلم يُجِبْه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، عَلامَ أُبايِعُك؟ قال: فبَسَطَ النَّبيُّ يَدَه فقال: على إقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وزِيَالِ الشِّركِ، إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشرِكَ به إلهًا غَيرَه، فقُلتُ: وإنَّ لنا ما بين المشرِقِ والمغربِ؟ فقَبَض النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَه وبَسَط أصابِعَه، وظَنَّ أنِّي مُشتَرِطٌ شَيئًا لا يُعطِينيه، قال: قُلتُ: نَحُلُّ منها حيث شِئْنا ولا يجني منها امرؤٌ إلَّا على نَفْسِه، فبَسَط يدَه وقال: ذلك لك، حُلَّ منها حيث شئتَ ولا يجني عليك إلَّا نَفْسُك، فبايَعْناه ثمَّ انصَرَفْنا فقال: إنَّ هذينِ، ها إنَّ ذَينِ، ها إنَّ ذَينِ، ثلاثًا لمن يُقرِئُني حديثًا، لَإِنَّهم من أتقى النَّاسِ للهِ في الأوَّلِ والآخِرِ، فقال كَعبُ بنُ الخُداريَّةِ -أحَدُ بني كِلابٍ-: من هم يا رَسولَ اللهِ؟ فقال: بنو المُنتَفِقِ أهلُ ذلك منهم. قال: فأقبَلْتُ عليه، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، هل لأحَدٍ ممَّن مضى منَّا في جاهلِيَّتِه من خيرٍ؟ فقال رجلٌ مِن عُرضِ قُرَيشٍ: واللهِ إنَّ أباك المنتَفِقَ في النَّارِ، قال: فكَأنَّه وَقَع حَرٌّ بين جِلْدِ وَجْهي ولحمِه مِمَّا قال لأبي على رُؤوسِ النَّاسِ، فهَمَمْتُ أن أقولَ: وأبوك يا رَسولَ الله؟ ثمَّ نظَرْتُ فإذا الأخرى أجمَلُ، فقُلتُ: وأَهْلُكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: وأَهْلي، لعَمْرُ اللهِ حيثما أتيتَ عليه من قبرِ قُرَشيٍّ أو عامِريٍّ مُشرِكٍ فقُلْ: أرسلني إليك محمَّدٌ فأبشِرْ بما يسوءُك؛ تُجَرُّ على وَجْهِك وبَطْنِك في النَّارِ، قال: فقلتُ: فما فَعَل ذلك بهم يا رَسولَ اللهِ، وكانوا على عَمَلٍ لا يُحسِنونَ إلَّا إيَّاه، وكانوا يَحسَبونَهم مُصلِحينَ؟! قال: ذلك بأنَّ اللهَ بَعَثَ في آخِرِ كُلِّ سَبعِ أُمَمٍ نَبيًّا، فمن أطاع نَبيَّه كان مِنَ المُهتَدينَ، ومن عصى نبيَّه كان من الضَّالِّينَ
ما مِن عبدٍ لا يؤدِّي زَكاةَ مالِهِ إلَّا أتيَ بِهِ وبمالِهِ فأُحْميَ عليهِ صَفائحُ في نارِ جَهَنَّمَ، فتُكْوى بِهِ جَنباهُ وجبينُهُ وظَهْرُهُ، حتَّى يَحكُمَ اللَّهُ بينَ عبادِهِ يومًا مقدارُهُ ألفَ سنَةٍ مِمَّا تعدُّونَ، ثمَّ يرى سبيلَهُ، إمَّا إلى الجنَّةِ، وإمَّا إلى النَّارِ ولا عَبدٍ لا يؤدِّي صدقةَ إبلِهِ إلَّا أتيَ بِهِ، وبإبلِهِ علَى أوفرَ ما كانت فيبطحُ لَها بِقاعٍ قَرقرٍ فتسيرُ علَيهِ كلَّما مَضَى آخرُها رُدَّ أوَّلُها حتَّى يحكُمَ اللَّهُ بينَ عبادِهِ في يومٍ كانَ مِقدارُهُ ألفَ سنةٍ مِمَّا تَعدُّونَ، ثمَّ يرَى سبيلَهُ إمَّا إلى الجنَّةِ، وإمَّا إلى النَّارِ ولا عَبدٍ لا يؤدِّي صَدقةَ غنمِهِ إلَّا أتيَ بِهِ وبغَنمِهِ على أوفرَ ما كانَت فيبطَحُ لَها بِقاعٍ قرقرٍ فتسيرُ عليهِ كلَّما مضَى عنهُ آخرُها ردَّ أوَّلُها تطأَهُ بأظلافِها، وتنطحُهُ بقرونِها ليسَ فيها عقصاءُ، ولا جلحاءُ حتَّى يحكمَ اللَّهُ بينَ عبادِهِ في يومٍ كانَ مقدارُهُ ألفَ سنةٍ ممَّا تعدُّونَ، ثمَّ يرى سبيلَهُ إمَّا إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النَّارِ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ الخيلُ قالَ: الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ، والخيلُ لثلاثةٍ هيَ لرجلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سترٌ، وعلى رجلٍ وزرٌ فذكرَ الحديثَ بطولِهِ قالوا: الحمرُ يا رسولَ اللَّهِ قالَ: ما أنزلَ اللَّهُ عليَّ فيها شيئًا إلَّا هذِهِ الآيةَ الجامعةَ الفاذَّةَ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} . الجلحاءُ: التي لَيس لها قرنٌ . والعَقصاءُ: المكسورةُ القَرنِ[وفي روايةٍ]: قال في كلِّها: في يومٍ كان مِقدارُهُ خمسينَ ألفَ سنةٍ مِمَّا تعدُّونَ، وقالَ أيضًا: ثمَّ تستنُّ عليهِ
أتيتُ الطُّورَ فوجَدتُ ثمَّ كعبًا، فمَكَثتُ أَنا وَهوَ يومًا أحدِّثُهُ عن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، ويحدِّثُني عنِ التَّوراةِ، فقلت لَهُ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: خيرُ يومٍ طلعت فيهِ الشَّمسُ يومُ الجمعةِ، فيهِ خُلِقَ آدمُ، وفيهِ أُهْبِطَ، وفيهِ تيبَ علَيهِ، وفيهِ قُبِضَ، وفيهِ تقومُ السَّاعةُ، ما علَى الأرضِ من دابَّةٍ إلَّا وَهيَ تصبحُ يومَ الجمعةِ مُصيخةً، حتَّى تطلعَ الشَّمسُ شفقًا منَ السَّاعةِ إلَّا ابنَ آدمَ، وفيهِ ساعةٌ لا يصادفُها مؤمنٌ وَهوَ في الصَّلاةِ يسألُ اللَّهَ فيها شيئًا إلَّا أعطاهُ إيَّاه فقالَ كعبٌ: ذلِكَ يومٌ في كلِّ سَنةٍ، فقلتُ: بل هيَ في كلِّ جُمُعةٍ، فقرأَ كعبٌ التَّوراةَ، ثمَّ قالَ: صدقَ رسولُ اللَّهِ هوَ في كلِّ جمعةٍ. فخرَجتُ فلقيتُ بَصرةَ بنَ أبي بَصرةَ الغفاريَّ، فقالَ: من أينَ جئتَ؟ قلتُ: منَ الطُّورِ، قالَ: لو لقيتُكَ مِن قبلِ أن تأتيَهُ لم تأتِهِ، قلتُ لَهُ: ولِمَ؟ قالَ: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ يقولُ: لا تَعملُ المِطى إلَّا إلى ثلاثةِ مساجِدَ: المسجدِ الحرامِ ومسجدي ومسجدِ بيتِ المقدسِ فلَقيتُ عبدَ اللَّهِ بنَ سلامٍ، فقلتُ: لو رأيتَني خَرجتُ إلى الطُّورِ فلقيتُ كعبًا فمَكَثتُ أَنا وَهوَ يومًا أحدِّثُهُ عن رسولِ اللَّهِ ويحدِّثُني عنِ التَّوراةِ، فقلتُ لَهُ: قالَ رسولُ اللَّهِ خيرُ يومٍ طلعت فيهِ الشَّمسُ يومُ الجمعةِ فيهِ خلقَ آدمُ، وفيهِ أُهْبِطَ، وفيهِ تيبَ علَيهِ، وفيهِ قُبِضَ، وفيهِ تقومُ السَّاعةُ، ما علَى الأرضِ من دابَّةٍ إلَّا وَهيَ تصبحُ يومَ الجمعةِ مُصيخةً حتَّى تطلعَ الشَّمسُ شفقًا منَ السَّاعةِ إلَّا ابنَ آدمَ، وفيهِ ساعةٌ لا يصادفُها عبدٌ مؤمنٌ وَهوَ في الصَّلاةِ يسألُ اللَّهَ فيها شيئًا، إلَّا أعطاهُ إيَّاه قالَ كعبٌ: ذلِكَ يومٌ في كلِّ سنةٍ، فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ سلامٍ: كذَبَ كعبٌ، قلتُ: ثمَّ قرأَ كعبٌ، فقالَ: صدقَ رسولُ اللَّهِ هوَ في كلِّ جمعةٍ، فقالَ عبدُ اللَّهِ: صدقَ كعبٌ إنِّي لأعلَمُ تلكَ السَّاعةَ، فقلتُ: يا أخي، حدِّثني بِها، قالَ: هيَ آخرُ ساعةٍ من يومِ الجمعةِ قبلَ أن تغيبَ الشَّمس فقُلتُ: أليسَ قد سَمعتَ رسولَ اللَّهِ يقولُ: لا يصادفُها مؤمنٌ وَهوَ في الصَّلاةِ، وليسَت تلكَ السَّاعةَ صلاةٌ، قالَ: أليسَ قد سمعتَ رسولَ اللَّهِ يقولُ: مَن صلَّى، وجلسَ ينتظرُ الصَّلاةَ لم يزَل في صلاتِهِ حتَّى تأتيَهُ الصَّلاةُ الَّتي تُلاقيها قلتُ: بلَى، قالَ: فَهوَ كذلِكَ
أنَّ أصحابَ الصُّفَّةِ كانوا أُناسًا فقراءَ ، وأنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ مرَّةً : من كانَ عندَهُ طعامُ اثنينِ ، فليذهَب بثالثٍ . مَن كانَ عندَهُ طعامُ أربعةٍ ، فليَذهَب بخامسٍ بسادِسٍ أو كما قالَ ، وإنَّ أبا بَكْرٍ جاءَ بثلاثةٍ ، فانطلقَ نبيُّ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بعَشرةٍ ، وأبو بَكْرٍ بثلاثةٍ ، قالَ : فَهوَ أَنا ، وأبي ، وأمِّي - ولا أدري هل قالَ : وامرأتي - وخادمٌ بينَ بيتِنا وبيتِ أبي بَكْرٍ ؟ وإنَّ أبا بَكْرٍ تعشَّى عندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثمَّ لبثَ حتَّى صلَّيتُ العشاءَ ، ثمَّ رجعَ فلبثَ حتَّى نعسَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فجاءَ بعدَ ما مضى منَ اللَّيلِ ما شاءَ اللَّهُ ، قالت لَهُ امرأتُهُ : ما حبسَكَ عنِ أضيافِكَ - أو قالت عن ضيفِكَ ؟ قالَ : أوما عشَّيتِهِم ؟ قالت : أبَوا حتَّى تجيءَ ، قد عرَضوا عليهِم فغَلبوهم ، قالَ : فذَهَبتُ أَنا فاختبأتُ ، قالَ : يا غُنثَرُ - أو يا عنترُ - فجدَّعَ وسبَّ ، وقالَ : كُلوا لا هَنيًّا . وقالَ : واللَّهِ لا أطعمُهُ أبدًا ، قالَ : وحلفَ الضَّيفُ أن لا يطعمَهُ حتَّى يطعمَهُ أبو بَكْرٍ ، قالَ : فقالَ أبو بَكْرٍ : هذِهِ منَ الشَّيطانِ ، قالَ : فدعا بالطَّعامِ ، فأَكَلَ . قالَ : فايمُ اللَّهِ ما كنَّا نأخذُ من لُقمةٍ إلَّا رَبا من أسفلِها أَكْثرَ منها . قالَ : حتَّى شبِعوا وصارتِ أكثرَ ممَّا كانت قبلَ ذلِكَ ، فنظرَ إليها أبو بَكْرٍ فإذا هيَ كما هيَ أوِ أكثرُ ، فقالَ لامرأتِهِ : يا أختَ بَني فراسٍ ، ما هذا ؟ قالت : لا وقرَّةِ عيني ، لَهيَ الآنَ أَكْثرُ منها قبلَ ذلِكَ بثلاثِ مرارٍ . فأَكَلَ منها أبو بَكْرٍ ، وقالَ : إنَّما كانَ ذلِكَ منَ الشَّيطانِ - يعني يمينَهُ - ثمَّ أَكَلَ لقمةً ، ثمَّ حملَها إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأصبَحت عندَهُ ، قالَ : وَكانَ بينَنا وبينَ قومٍ عَقدٌ ، فمضى الأجلُ ، فعرَّفنا اثنَي عشرَ رجلًا معَ كلِّ رجلٍ أُناسٌ اللَّهُ أعلمُ كم معَ كلِّ رجلٍ ؟ غيرَ أنَّهُ بعثَ منهُم فأَكَلوا منها أجمعونَ ، أو كما قالَ
آخِرُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ، فهو يَمشي مَرَّةً، ويَكبو مَرَّةً، وتَسفَعُه النَّارُ مَرَّةً، فإذا جاوزَها، التَفَتَ إلَيها، فقال: تَبارَكَ الذي أنجاني مِنكِ، لَقد أعطاني اللهُ شَيئًا ما أعطاه أحَدًا مِنَ الأوَّلينَ والآخِرينَ، فتُرفَعُ له شَجَرةٌ، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدنِني مِن هذه الشَّجَرةِ، فلأستَظِلَّ بظِلِّها، فأشرَبَ مِن مائِها، فيَقولُ اللهُ: يا ابنَ آدَمَ، فلَعَلِّي إذا أعطَيتُكَها سَألتَني غَيرَها، فيَقولُ: لا يا رَبِّ، ويُعاهِدُه أن لا يَسألَه غَيرَها، قال: ورَبُّه عَزَّ وجَلَّ يَعذِرُه؛ لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليه، فيُدنيه مِنها، فيَستَظِلُّ بظِلِّها، ويَشرَبُ مِن مائِها، ثُمَّ تُرفَعُ له شَجَرةٌ هيَ أحسَنُ مِنَ الأولى، فيَقولُ: أي رَبِّ، هذه فلأشرَب مِن مائِها، وأستَظِلَّ بظِلِّها، لا أسألُكَ غَيرَها، فيَقولُ: ابنَ آدَمَ، ألَم تُعاهِدْني أن لا تَسألَني غَيرَها؟ فيَقولُ: لَعَلِّي إن أدنَيتُكَ مِنها تَسألُني غَيرَها؟ فيُعاهِدُه أن لا يَسألَه غَيرَها، ورَبُّه عَزَّ وجَلَّ يَعذِرُه؛ لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليه، فيُدنيه مِنها، فيَستَظِلُّ بظِلِّها، ويَشرَبُ مِن مائِها، ثُمَّ تُرفَعُ له شَجَرةٌ عِندَ بابِ الجَنَّةِ هيَ أحسَنُ مِنَ الأولَيَينِ، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدنِني مِن هذه الشَّجَرةِ، فأستَظِلَّ بظِلِّها، وأشرَبَ مِن مائِها، لا أسألُكَ غَيرَها. فيَقولُ: يا ابنَ آدَمَ، ألَم تُعاهِدْني أن لا تَسألَني غَيرَها؟ قال: بَلى، أي رَبِّ، هذه لا أسألُكَ غَيرَها، فيَقولُ: لَعَلِّي إن أدنَيتُكَ مِنها تَسألُني غَيرَها، فيُعاهِدُه أن لا يَسألَه غَيرَها، ورَبُّه يَعذِرُه؛ لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليه، فيُدنيه مِنها، فإذا أدناه مِنها، سَمِعَ أصواتَ أهلِ الجَنَّةِ فيَقولُ: أي رَبِّ أدخِلنيها، فيَقولُ: يا ابنَ آدَمَ، ما يَصْريني مِنكَ؟ أيُرضيكَ أن أُعطيَكَ الدُّنيا ومِثلَها مَعَها؟ فيَقولُ: أي رَبِّ، أتَستَهزِئُ بي وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟ فضَحِكَ ابنُ مَسعودٍ، فقال: ألا تَسألوني مِمَّ أضحَكُ؟ فقالوا: مِمَّ تَضحَكُ؟ فقال: هكذا ضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: «لا تَسألوني مِمَّ أضحَكُ؟ فقالوا: مِمَّ تَضحَكُ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: مِن ضَحِكِ رَبِّي حينَ قال: أتَستَهزِئُ مِنِّي وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟ فيَقولُ: إنِّي لا أستَهزِئُ مِنكَ، ولَكِنِّي على ما أشاءُ قديرٌ
آخرُ مَن يدخلُ الجنَّةَ ، رجلٌ يمشي على الصِّراطِ ، فهوَ يمشي مرَّةً ، ويكبو مرَّةً ، وتسفعُهُ النَّارُ مرَّةً ، فإذا جاوزَها التفتَ إليها ، فقال : تباركَ الَّذي نجَّاني منكَ ، لقد أعطاني اللهُ شيئًا ما أعطاهُ أحدًا مِن الأوَّلينَ والآخرينَ ، فتُرْفَعُ لهُ شجرةٌ ، فيقولُ : أيْ ربِّ أدْنِنِي مِن هذهِ الشَّجرةِ فلأستَظِلَّ بظِلِّها ، وأشربَ مِن مائِها ، فيقولُ اللهُ : يا ابنَ آدمَ لعلِّي إن أعطيتُكَها سألْتَنِي غيرَها ؟ فيقولُ : لا يا ربِّ ، ويُعاهدُهُ أن لا يسألَهُ غيرَها ، وربُّهُ يعذرُهُ ، لأنَّهُ يرَى ما لا صبرَ لهُ عليهِ ، فيُدنيهِ منها ، فيستَظِلَّ بظلِّها ، ويشربَ من مائِها ، ثمَّ تُرْفَعُ لهُ شجرةٌ أُخرَى ، هيَ أحسنُ مِن الأُولَى ، فيقولُ : أيْ ربِّ أدْنِنِي من هذهِ ، لأشربَ من مائِها ، وأستَظِلَّ بظلِّها ، لا أسألُكَ غيرَها ! فيقولُ : يا ابنَ آدمَ ألَم تُعاهِدْني أن لا تسألَني غيرَها ؟ فيقولُ لعلِّي إن أدنَيتُكَ منها تسألْني غيرَها ؟ فيُعاهدُهُ أن لا يسألَهُ غيرَها ، وربُّهُ يعذرُهُ ، لأنَّهُ يرَى ما لا صبرَ لهُ عليهِ ، فيُدنيهِ منها ، فيستَظِلَّ بظلِّها ، ويشربَ من مائِها ، ثمَّ تُرْفَعُ لهُ شجرةٌ عندَ بابِ الجنَّةِ ، هيَ أحسنُ من الأُوليَيْنِ ، فيقولُ : أيْ ربِّ ! أَدْنِنِي مِن هذهِ ، فلأستَظِلَّ بظلِّها ، وأشربَ من مائِها ، لا أسألُكَ غيرَها ! فيقولُ : يا ابنَ آدمَ ألَم تُعاهدْني أن لا تسألَني غيرَها ؟ قال : بلَى يا ربِّ ، أدْنِنِي مِن هذهِ لا أسألُكَ غيرَها ، وربُّهُ يعذرُهُ ، لأنَّهُ يرَى ما لا صبرَ لهُ عليهِ ، فيُدنيهِ منها ، فإذا أدناهُ منها سمِعَ أصواتَ أهلِ الجنَّةِ ، فيقولُ : أيْ ربِّ أدخِلْنِيها ، فيقولُ : يا ابنَ آدمَ ما [ يَصريني ] منكَ ؟ أيُرضيكَ أن أُعطيَكَ الدُّنيا ومثلَها معها ؟ فيقولُ : أيْ ربِّ أتستَهزئُ منِّي وأنتَ ربُّ العالمينَ ؟ فيقولُ : إنِّي لا أستَهزئُ منكَ ولكنِّي على ما أشاءُ قادرٌ
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حِينَ خرَجَ مِن مكَّةَ خرَجَ مِنْها مُهاجِرًا إلى المدينةِ هُوَ وأبو بَكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، ومَوْلًى لأبي بَكرٍ عامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ، ودليلُهما اللَّيثيُّ عبدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقِطْ، مرُّوا على خيمتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ الخُزاعِيَّةِ، وكانَتْ بَرْزَةً جَلْدَةً تَحْتَبي بفِناءِ القُبَّةِ، ثُمَّ تسْقي وتُطعِمُ، فسألوها تمرًا ولحمًا يشتروهُ مِنْها، فلَمْ يُصِيُبوا عِندَها مِن ذلكَ شيئًا، وكانَ القومُ مُرْمِلينَ مُسْنِتينَ، فنظَرَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إلى شاةٍ في كَسْرِ الخَيمةِ، فقالَ: ما هذِهِ الشَّاةُ يا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ قالَتْ: شاةٌ خلَّفَها الجَهْدُ عَنِ الغنَمِ، قالَ: هَلْ بِها مِن لبَنٍ؟ قالَتْ: هِيَ أجهَدُ مِن ذلكَ، قالَ: أتأذَنِينَ لي أنْ أحلِبَها؟ قالَتْ: نعَمْ، بأبي أنتَ وأُمِّي، إنْ رأيتَ بِها حَلْبًا فاحلَبْها، فدَعا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فمسَحَ بيدِهِ ضَرْعَها، وسمَّى اللَّهَ عزَّ وجلَّ، ودَعا لَها في شاتِها، فتفاجَّتْ عليهِ ودَرَّتْ واجْتَرَّتْ، ثُمَّ دَعا بإناءٍ يُرِيضُ الرَّهْطَ، فحلَبَ ثَجًّا حتَّى علاهُ البهاءُ، ثُمَّ سَقاها حتَّى رَوِيَتْ، ثُمَّ سَقَى أصحابَهُ حتَّى رَوُوا، ثُمَّ شَرِبَ آخِرُهُمْ، ثُمَّ حلَبَ ثانيًا بَعدَ بَدْءٍ حتَّى ملَأَ الإناءَ، ثُمَّ غادَرَهُ، وبايَعَها وارتحَلَ عَنْها، فقَلَّ ما لَبِثَتْ حتَّى جاءَ زَوجُها أبو مَعْبَدٍ يَسوقُ أَعْنُزٍ عِجافًا يَتَساوَكْنَ هَزْلًا، مُخُّهُنَّ قليلٌ، فلمَّا رأى أبو مَعْبَدٍ اللَّبنَ عَجِبَ، وقالَ: مِن أينَ لكِ هذا يا أُمَّ مَعْبَدٍ، والشاةُ عازِبٌ حِيَالٌ ولا حَلُوبَ في البيتِ؟ قالَتْ: لا واللَّهِ، إلَّا أنَّهُ مرَّ بِنا رجُلٌ مُبارَكٌ، مِن حالِهِ كَذا وكَذا، قالَ: صِفِيهِ لي يا أُمَّ مَعْبَدٍ، قالَتْ: رجُلٌ ظاهِرُ الوَضاءةِ، أبلَجُ الوجهِ، حسَنُ الخَلْقِ، لمْ تُعِبْهُ ثُجْلةٌ، ولمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ، وَسيمٌ قَسيمٌ، في عينَيْهِ دَعَجٌ، وفي أشفارِهِ وَطَفٌ، وفي صوتِهِ صَحَلٌ، وفي عُنُقِهِ سَطَعٌ، وفي لحيتِهِ كثافةٌ، أَزَجُّ أقرَنُ، إنْ صمَتَ فعليهِ الوقارُ، وإنْ تكلَّمَ سَما وعلاهُ البهاءُ، أجملُ النَّاسِ وأبهاهُ مِن بَعيدٍ، وأحلاهُ وأحسنُهُ مِن قريبٍ، حُلْوُ المنطِقِ، فَصْلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذَرٌ، كأنَّ منطِقَهُ خَرَزاتٌ نُظِمْنَ يتحدَّرْنَ، رَبْعَةٌ لا تَيْئَسُ مِن طولٍ، ولا تقتحِمُهُ عَينٌ مِن قِصَرٍ، غُصنٌ بَينَ غُصنَيْنِ، فهُوَ أنظَرُ الثلاثةِ مَنظرًا وأحسنُهُمْ قَدْرًا، لَهُ رُفقاءُ يحُفُّونَ بِهِ، إنْ قالَ أنصَتوا لقولِهِ، وإنْ أمَرَ تبادَروا إلى أمْرِهِ، مَحْفُودٌ مَجْشُودٌ، لا عابِسٌ ولا مُفْنِدٌ، قالَ أبو مَعْبَدٍ: فهذا واللَّهِ صاحِبُ قريشٍ الَّذي ذكَروا مِن أمْرِهِ ما ذكَروا، ولقَدْ همَمْتُ أنْ أَصْحَبَهُ، ولَأَفعَلَنَّ إنْ وجدتُ إلى ذلكَ سبيلًا، وأصبَحَ صوتٌ بمكَّةَ عالٍ، يسمعونَ الصوتَ ولا يدرونَ مَنْ صاحِبُهُ، يقولُ: جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ *** رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلاهَا بِالْهُدَى وَاهْتَدَتْ بِهِ *** فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ فَيَا لَقُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ *** بِهِ مِنْ فِعَالٍ لا تُجَازَى وَسُؤْدُدِ لِيَهْنَ بَنِي كَعْبٍ مَكَانَ فَتَاتِهِمْ *** وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤُمْنِينَ بِمُرْصَدِ سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَأْنِهَا وَإِنَائِهَا *** فَإِنَّكُمْ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ *** عَلَيْهِ صَرِيحًا ضَرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ فَغَادَرَهَا رَهْنًا لَدَيْهَا لِحَالِبٍ *** يُرَدِّدُهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ فلمَّا سمِعَ بذلكَ حسَّانُ بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، شَبَّبَ بجَوابِ الهاتفِ، فقالَ: لَقَدْ خَابَ قَوْمٌ زَالَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمْ *** وَقُدِّسَ مَنْ يَسْرِي إِلَيْهِمْ وَيَغْتَدِي تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَضَلَّتْ عُقُولُهُمْ *** وَحَلَّ عَلَى قَوْمٍ بِنُورٍ مُجَدَّدِ هَدَاهُمْ بِهِ بَعْدَ الضَّلالَةِ رَبُّهُمْ *** وَأَرْشَدَهُمْ مَنْ يَتْبَعِ الْحَقَّ يَرْشُدِ وَهَلْ يَسْتَوِي ضَلالُ قَوْمٍ تَسَفَّهُوا *** عَمَايَتَهُمْ هَادٍ بِهِ كُلَّ مُهْتَدٍ وَقَدْ نَزَلَتْ مِنْهُ عَلَى أَهْلِ يَثْرِبٍ *** رِكَابُ هُدًى حَلَّتْ عَلَيْهِمْ بِأَسْعَدِ نَبِيٌّ يَرَى مَا لا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ *** وَيَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَشْهَدِ وَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مَقَالَةَ غَائِبٍ *** فَتَصْدِيقُهَا فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ لِيَهْنَ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةُ جَدِّهِ *** بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدِ اللَّهُ يَسْعَدِ
خَرَج وافدًا إلى رَسولِ اللهِ وَمعه صاحبٌ لَه يُقالُ له: نَهيكُ بنُ عاصِمِ بنِ مالكِ بنِ الْمُنتَفِقِ، قال لَقيطٌ: فخَرَجتُ أنا وَصاحِبي حتَّى قَدِمْنا المَدينةَ لانسِلاخِ رَجبَ، فأَتينا رَسولَ اللهِ حينَ انصَرَفَ مِن صلاةِ الغَداةِ، فَقام في النَّاسِ خَطيبًا فَقال: يا أيُّها النَّاسُ، إنِّي قدْ خَبَّأتُ لَكم صَوتي مُنذُ أَربعةِ أيَّامٍ؛ لِأَسمَعَكمُ اليومَ، ألا هلْ مِنِ امْرِئٍ بعَثه قَومُه؟ فَقالوا: اعلَمْ لَنا ما يَقولُ رَسولُ اللهِ؛ فلَعَلَّه أنْ يُلهِيَه حَديثُ نَفسِه، أو حَديثُ صاحِبِه، أو يُلهيَه الضُّلَّالُ، ألَا وإنِّي مَسؤولٌ: هلْ بَلَّغتُ؟ ألَا اسمَعوا تَعيشوا، ألَا اجلِسوا اجلِسوا، فجَلَسَ النَّاسُ، وقُمتُ أنا وَصاحبي، حتَّى إذا فَرغَ لَنا فُؤادُه وبصَرُه، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما عِندَك مِن عِلمِ الغَيبِ؟ قال: فَضَحِك لَعَمرُ اللهِ، وهزَّ رَأسَه، وعَلِم أنِّي أَبتَغي سَقطةً، وَقال: ضنَّ ربُّك بِمَفاتيحِ خَمسٍ مِنَ الغَيبِ، لا يَعلَمُها إلَّا اللهُ، وَأشارَ بِيدِه، فَقلتُ: وما هيَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: قدْ عَلم مَتى مَنِيَّةُ أحَدِكم ولا تَعلَمونَ، وعَلِم الْمَنيَّ حينَ يَكونُ في الرَّحمِ وَلا تَعلَمونَه، وعَلِم ما في غَدٍ؛ قد عَلِم ما أنتَ طاعمٌ غدًا وَلا تَعلَمُ، ويعلَمُ يومَ الغَيثِ لِيُشرِفَ عَليكُم أَزِلِين مُشفِقينَ، فيَظَلُّ يَضحَكُ وَقد عَلِم أنَّ غَوثَكم قَريبٌ! قال لَقِيطٌ: فقلتُ: لَن نَعْدِمَ مِن رَبٍّ يَضحَكُ خيرًا. وَعَلِم يومَ تَقومُ السَّاعةُ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي سائِلُك عَن حاجَتي فَلا تَعجَلْني، قال: سَلْ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، عَلِّمنا ممَّا تَعلَمُ وَلا نَعلَمُ؛ فإنَّا مِن قَبيلٍ لا يُصدِّقون تَصديقَنا أحدٌ مِن مَذحِجٍ الَّتي تَرْبو عَلينا وَخَثعَمٍ الَّتي تُوالينا وعَشيرتِنا الَّتي نَحن مِنها، قال: تَلبَثونَ ما لَبِثتُم، ثُمَّ يُتوَفَّى نَبيُّكم، ثُمَّ تَلبِثونَ ما لَبِثْتم، ثُمَّ تُبعَثُ الصَّيحةُ، فلَعَمرُ إِلَهِك ما يَدَعُ على ظَهرِها مِن شَيءٍ إلَّا مات، والملائكةُ الَّذينَ مَع رَبِّك، فأَصبَح رَبُّك يَطوفُ في الأَرضِ، وخَلَتْ عليه البِلادُ، فأَرسلَ رَبُّك السَّماءَ تَهضِبُ مِن عِندِ العَرشِ، فلَعَمرُ إلَهِك ما يَدَعُ عَلى ظَهرِها مِن مَصرَعِ قَتيلٍ وَلا مَدفَنِ مَيِّتٍ إلَّا شقَّ الغيثَ عَنه، حتَّى يَخلُقَه مِن عِندِ رَأسِه، فيَستويَ جالِسًا، فيَقولُ ربُّك: مَهيَمْ؟ فيَقولُ أَمِتْنِي الْيَوْمَ يا رَبِّ؛ لَعَهدُه بِالحياةِ، يَحسَبُه قَريبًا لِعهْدِه بِأَهلِه، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، كَيفَ يَجمَعُنا بَعدَما تُمزِّقُنا الرِّياحُ وَالبلاءُ والسِّباعُ؟ قال: أُنَبِّئُكَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللهِ في الأَرضِ أَشرَفتَ عَليها مَرَّةً باليةً فقُلتَ: أَنَّى تَحيَا أبدًا؟ ثُمَّ أَرسلَ ربُّك عليهِ السَّماءَ، فلَمْ يَلبَثْ عَليها إلَّا أيَّامًا حتَّى أَشرَفتَ عَليها، فإذا هيَ شَرْبَةٌ واحدةٌ، ولَعمرُ إلهِكَ، لَهذا أَقدَرُ على أنْ يَجمَعَكم منَ الماءِ على أنْ يَجمَعَ نَباتَ الأرضِ، فتَخرُجونَ مِن الاستِقرارِ بَينَ القبورِ مِن مَصارِعِكم، فتَنظُرونَ إليه ساعةً ويَنظُرُ إليكُم، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، وَكيفَ وَنحنُ مِلءُ الأرضِ وَهوَ شَخصٌ واحدٌ يَنظرُ إِلينا وَننظُرُ إليه ؟! قال: أُنبِّئُك بِمثلِ ذلكَ في آلَاءِ اللَّهِ؛ الشَّمسُ وَالقمرُ آيةٌ مِنه صَغيرةٌ، تَرَونَهما ساعةً واحدةً، ويَريَانِكم، وَلا تُضامونَ في رُؤيَتِهما، وَلعَمرُ إلهِكَ، لَهوَ أَقدَرُ على أنْ يَراكُم وتَرَونَه مِنهما إنْ تَروْنَهما وَيرَيانِكم، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فَما يَفعَلُ بِنا إذا لَقِيناهُ؟ قال: تُعرَضونَ عليه باديَةً له صِفاحُكُم، لا يَخفى عَليهِ مِنكُم خافيةٌ، فيَأخُذُ ربُّك بِيدِه غَرْفةً منَ الماءِ، فيَنضَحُ بِه قِبَلَكم، فلَعَمرُ إلهِكَ، ما تُخطِئُ وَجهَ أَحدِكم قَطرةٌ، فأمَّا المُسلمُ فيَدَعُ وَجهَه مِثلَ الرَّيطةِ البَيضاءِ، وَأمَّا الكافِرُ فيَخطِمُ مِثلَ المِخطَمِ الأَسودِ، ثُمَّ يَنصرِفُ نَبيُّكم، وَيفترِقُ عَلى أَثره الصَّالحونَ، ألا فتَسلُكونَ جِسرًا مِنَ النَّارِ، يَطَأُ أَحدُكمُ الحُجرَةَ فيَقولُ: حَسِّ، يَقولُ رَبُّك: أَوَانُهُ، أَلَا فَيَظْلَعُونَ على حَوضِ الرَّسولِ، لا يَظمَأُ وَاللهِ ناهِلُه أبدًا، فلَعَمرُ إلهِكَ ما يَبسُطُ أحدٌ مِنكُم يَده إلَّا وَقعَ عليها قَدَحٌ يُطهِّرُه مِنَ الطَّوفِ وَالبولِ وَالأَذي، وَتُحبَسُ الشَّمسُ وَالقَمرُ، فلا تَرونَ واحدًا مِنهُما، قال: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فبِمَ نُبصِرُ؟ قال: مِثلَ بَصَرِ ساعتِكَ هَذه، وَذلكَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ في يومٍ أَشرَقَت به الأرضُ، واجهت الجِبالُ؟ قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فبِمَ نُجزى مِن سَيِّئاتِنا وحسَناتِنا؟ قال: الحَسنةُ بِعَشَرةِ أَمثالِها، والسَّيِّئةُ بِمِثلِها، أو يَعْفواللهُ، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فما الجنَّةُ؟ فما النَّارُ؟ قال: لَعَمرُ إلَهِك، إنَّ النَّارَ لَها سَبعةُ أَبوابٍ، ما فيهِنَّ بابانِ إلَّا وَبَينهُما مَسيرةُ الرَّاكبِ سبعينَ عامًا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فَعلى ما نَطَّلِعُ مِنَ الجنَّةِ؟ قال: على أنهارٍ مِن عَسلٍ مُصفًّى، وأنهارٍ مِن كأسٍ، ما بِها صُداعٌ وَلا نَدامةٌ، وَأنهارٍ مِن لَبنٍ لم يَتغيَّرْ طَعمُه، وَماءٍ غيرِ آسنٍ، وفاكهَةٍ، ولعَمْرُ إِلهِكَ، ما تَعلَمونَ، وخَيرٌ مِن مِثلِه مَعه، وأزواجٍ مُطهَّرةٍ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ألَنا بِها أَزواجٌ وفيهنَّ الصَّالحاتُ؟ قال: الصَّالحاتُ للصَّالحينَ، يَلَذُّونَهنَّ مِثلَ لَذاذَتِكم في الدُّنيا، ويَلَذُّونَكم غيرَ أنْ لا تَوالُدَ، قال لَقِيطٌ: فقُلتُ: أفضَلُ ما نَحنُ بالِغونَ، فتَهونُ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، على ما أُبايِعُك؟ فبَسطَ يَدَه، وَقال: على إقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وزيالِ المُشركِ، وَأنْ لا تُشرِكَ باللهِ إلهًا غيرَه، قُلتُ: وإنَّ لَنا ما بَينَ المَشرقِ وَالمغربِ؟ قال: فقَبَضَ رَسولُ اللهِ يَدَه، وبَسَط أَصابِعَه، فظَنَّ أنَّه مُشترِطٌ شَيئًا، قال: قُلتُ: نَحِلُّ مِنها حيثُ نَشاءُ، وَلا يَجني على المَرءِ إلَّا نفسُه، قال: فبَسَط رَسولُ اللهِ يَدَه، قال: ذلكَ لكَ؛ تَحِلُّ حيثُ شِئتَ، وَلا يَجني عَليكَ إلَّا نفسُكَ، قال: فانصَرَفْنا عَنه، وَقال: ها إنَّ ذَينِ، ها إنَّ ذَينِ لَمِنْ نَفرٍ لَعَمرُ إلهِكَ إنْ حَدَثَت ألَا إنَّه: لَمِن أتْقى النَّاسِ للهِ في الأُولى وَالآخِرةِ. قال كَعبُ الخُداريَّةِ أحدُ بَني أبي بَكرِ بنِ كِلابٍ: مَن هُم يا رَسولَ اللهِ؟ قال: بَنو المُنتَفِقِ، وَأهلُ ذلك بَنو المُنتفِقِ مِنهُم، قال: وانصرَفتُ، فأقبَلْتُ عَليه، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، هلْ لِأحدٍ ممَّن قَد مَضى مِن خيرٍ في الجاهليَّةِ؟ فقال رَجلٌ مِن عُرْضِ قُريشٍ: وَاللهِ إنَّ أباكَ المُنتفِقَ لَفي النَّارِ، قال: فكأنَّه وقَعَ نارٌ بينَ جِلدِ وَجهي وَجَسدي ممَّا قال لِأبي على دَوَاسِّ النَّاسِ، فهَمَمتُ أن أَقولَ: وَأبوك يا رَسولَ اللهِ؟ فإذا الأُخرى أَجمَلُ، فقُلتُ: وَأهلُكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: وَأَهلي، لَعَمرُكَ ما أَتيتَ عليه مِن قبرِ عامريٍّ فقُل: أُرسِل إليكَ مُحمَّدٌ، وأبشِرْ بِما يَسوؤُكَ، تُجَرُّ على وَجهِكَ وبَطنِك في النَّارِ، قال: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، وَما فُعِل بِهم وَقد كانوا على عَمَلٍ لا يُحسِنونَ إلَّا إيَّاه، وَكانوا يَحسَبونَ أنَّهم مُصلِحونَ؟ قال: ذلك بأنَّ اللهَ بَعَثَ في آخرِ كُلِّ سَبعِ أُمَمٍ نبيًّا، فَمَن عَصى نَبيَّه كان مِنَ الضَّالِّين، وَمَن أطاعَه كانَ مِنَ المُهتدينَ
جاء أصبغُ التميميُّ إلى عمرَ بنِ الخطابِ رضِيَ اللهُ عنه فقال يا أميرَ المؤمنين أخبرْني عنِ الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا قال هيَ الرياحُ ولولا أنِّي سمعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُهُ ما قلْتُهُ قال فأَخْبِرْنِي عنِ الْحَامِلَاتِ وِقْرًا قال هي السحابُ ولولا أني سمعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُهُ ما قلْتُهُ قال فأخبرْنِي عنِ الْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا قال هيَ الملائِكَةُ ولولا أنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُهُ ما قلتُهُ قال فأخبرْنِي عنِ الْجَارِيَاتِ يُسْرًا قال هِيَ السفُنُ ولولَا أني سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُهُ ما قُلْتُهُ ثم أمر به فضُرِبَ مِائَةً وجُعِلَ في بيتٍ فلمَّا بَرَأَ دعاه فضَرَبَهُ مِائَةً أخرى وحمَلَهُ على قتَبٍ وكتَبَ إلى أبي موسَى الأشعريِّ امنَعْ الناسَ مِنْ مجالَسَتِهِ فلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حتى أَتَى أبا مُوسَى فحَلَفَ لَهُ بالأَيْمانِ المُغَلَّظَةِ ما يَجِدُ في نفْسِهِ مِمَّا كانَ يَجِدُ شيئًا فكتبَ بِذَلِكَ إلى عمرَ فكتَبَ عمرُ ما إخَالُهُ إلَّا قَدْ صدَقَ فخَلِّ ما بَيْنَهُ وبينَ مجَالَسَةِ الناسِ
حديثُ لَقيطِ بنِ عامِرٍ في صِفةِ أبوابِ الجنَّةِ [يعني حديث: أنَّه خَرَجَ وافِدًا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ومعه نَهِيكُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ، قال: فقَدِمْنَا المدينةَ لِانْسِلَاخِ رَجَبٍ، فصَلَّينا معه صَلَاةَ الْغَدَاةِ ، فقام رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكُمْ صَوْتِي مُنْذُ أَرْبَعَةِ أيَّامٍ، إلَّا لَأُسْمِعَكُمْ، فهل مِنِ امْرِئٍ بَعَثَه قَوْمُه فقالوا: اعْلَمْ لَنَا مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ؟ لَعَلَّهُ أنْ يُلْهِيَه حَدِيثُ نَفْسِه، أو حَدِيثُ صَاحِبِه، أو تُلْهِيَه الضَّلَالةُ، أفلَا إنِّي مَسؤولٌ، هل بَلَّغْتُ؟ ألَا اسْمَعوا تَعِيشوا، ألَا اجْلِسوا، ألَا اجْلسُوا، فجلس النَّاسُ، وقُمْتُ أنا وصَاحِبِي حَتَّى إذا فرَغَ لنا فُؤَادُه وبَصَرُه، قُلْتُ: إنِّي سائِلُك عن حاجتي، فلا تعجَلَنَّ عَلَيَّ، قال: سَلْ ما شِئتَ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ هل عِنْدَك مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ؟ فَضَحِكَ -لَعَمْرُ اللهِ- وهَزَّ رَأْسَهُ، وعَلِمَ أنِّي أبتَغي تَسَقُّطَه، فقال: ضَنَّ رَبُّكَ بِمَفَاتِيحَ خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ، لَا يَعْلَمُها إلَّا اللهُ، وأشارَ بِيَدِه، قُلْتُ: ما هُنَّ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: عِلْمُ المَنِيَّةِ قد عَلِمَ متى مَنِيَّةُ أحدِكم، ولَا تعلَمونَه، وعَلِمَ يَوْمَ الْغَيْثَ، يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ آزِلِينَ مُشفِقينَ، فيَظَلُّ يَضحَكُ قد عَلِمَ أنَّ غَوثَكم قريبٌ، قال لَقيطٌ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، لن نَعدَمَ من رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا، قال: وعَلِمَ مَا فِي غَدٍ، قَدْ عَلِمَ مَا أنت طَاعِمٌ غَدًا، ولَا تَعْلَمُه، وعَلِمَ يَوْمَ السَّاعَةِ، قال: وأحسَبُه ذَكَر ما في الأرحامِ. قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنا مِمَّا تُعَلِّمُ النَّاسَ، وما تَعْلَمُ؛ فإنَّا مِنْ قَبِيلٍ لا يُصَدِّقونَ تَصْدِيقَنَا أَحَدٌ مِنْ مَذْحِجٍ التي تدنو إلينا، وخَثْعَمٍ التِي تُوالِينَا، وعَشِيرَتِنا التِي نحن منها، قال: تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُم، ثُمَّ يُتَوفَّى نَبِيُّكم صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ثُمَّ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُم، ثُمَّ تُبْعَثُ الصَّيحَةُ، فلَعَمْرُ إِلَهِك مَا يَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا شَيْئًا إِلَّا مَاتَ، والْمَلَائِكَةُ مع رَبِّك فخَلَت الأرضُ، فأُرسِلَت السَّمَاءُ بهَضِيبُ مِنْ تحتِ الْعَرْشِ ، فَلَعَمْرُ إِلَهِك مَا يدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ مَصْرَعِ قَتِيلٍ، ولَا مَدْفِنِ مَيِّتٍ، إِلَّا شَقَّتِ الْقَبْرَ عَنْهُ، حَتَّى يَخْلُقَه مِن قِبَلِ رَأْسِه، فيسْتَوِي جَالِسًا، يَقولُ رَبُّك: مَهْيَمْ ، ولِمَا كان منه، يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَمْسِ، اليَومَ، لَعَهْدُه بالحَياةِ يَحْسَبُه حَدِيثًا بأَهْلِه، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، كيف يَجْمَعُنا بَعْدَ ما تُمزِّقُنا الرِّياحُ والْبِلَى والسِّبَاعُ؟ قَالَ: أُنَبِّئُك بِمِثْلِ ذلك فِي آلَاءِ اللهِ؛ الْأَرْضُ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا مَدَرَةً بَالِيَةً، فَقُلْتَ: لَا تَحْيَا أَبَدًا، فأَرْسَلَ رَبُّكَ عليها السَّمَاءَ، فَلَمْ تَلْبَثْ عنها إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى أَشْرَفْتَ عليها، فإذا هِيَ شَرْبَةٌ واحِدَةٌ، ولَعَمْرُ إِلَهِك لَهُو أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَكم مِنَ الْمَاءِ على أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الْأَرْضِ، فتَخْرُجونَ مِنَ الأصْواءِ ، ومِنْ مَصَارِعِكم، فَتَنْظُرونَ إليه، وينْظُرُ إليكم. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كيف وهُو شَخصٌ واحِدٌ ونحن مِلْءُ الْأَرْضِ، نَنْظُرُ إليه ويَنْظُرُ إلينا؟ قال: أُنَبِّئُك بِمِثْلِ ذلك فِي آلَاءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ؛ الشَّمْسُ والقَمَرُ آيَةٌ منه صَغِيرةٌ تَرَونَهما في سَاعَةٍ واحِدَةٍ وتَرَيَانِكم، لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهما، ولَعَمْرُ إِلَهِك لَهُو على أنْ يَرَاكم وتَرَونَه أَقْدَرُ منهما على أن يَرَيانِكم وتَرَونَهما. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا يَفْعَلُ بنا رَبُّنَا إذا لَقِيناه؟ قال: تُعرَضونَ عليه بادِيةً له صَفَحَاتُكم ، لا يَخْفَى عليه منكم خَافِيةٌ، فيَأخُذُ رَبُّك عَزَّ وجَلَّ بِيَدِه غَرْفَةً مِنَ الماءِ فَيَنْضَحُ بها قِبَلَكم، فلَعَمْرُ إلهِك ما تُخطِئُ وَجهَ أحَدِكم منها قَطرةٌ، وأمَّا المُؤمِنُ فتَدَعُ وَجْهَه مِثلَ الرَّيطةِ البَيضاءِ، وأمَّا الكافِرُ فتَضْمَخُه بمِثلِ الحُمَمِ الأسوَدِ ألَا ثمَّ ينصَرِفُ نَبيُّكم ويُفَرَّقُ على أَثَرِه الصَّالحونَ -أو قال: يَنصَرِفُ على أَثَرِه الصَّالِحونَ- قال: فيَسلُكونَ جِسرًا مِنَ النَّارِ، يطَأُ أحَدُكم الجَمرةَ فيقولُ: حَسِّ! فيقولُ رَبُّك -أو أنَّه قال:- فتَطَّلِعونَ على حَوضِ الرَّسولِ أظمَأ ناهِله، واللهِ ما رأيتُها قَطُّ، فلَعَمْرُ إلهِك ما يَبسُطُ يَدَه -أو قال: يَسقُطُ واحِدٌ منكم- إلَّا وقع عليها قَدَحٌ يُطَهِّرُه مِنَ الطَّوفِ والبَولِ والأذى، وتَخلُصُ الشَّمسُ والقَمَرُ -أو قال: وتُحبَسُ الشَّمسُ والقَمَرُ- فلا تَرَونَ منهما واحِدًا، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فبم نُبصِرُ يومَئذٍ؟ قال: بمِثْلِ بَصَرِك ساعَتَك هذه، وذلك في يومٍ أشرَقَتِ الأرضُ وواجَهَتِ الجِبالَ. قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فبِمَ نُجازى من سيِّئاتِنا وحَسَناتِنا؟ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: الحَسَنةُ بعَشرِ أمثالِها، والسَّيِّئةُ بمِثْلِها أو يَعْفو، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فمَا الجنَّةُ ومَا النَّارُ؟ قال: لعَمْرُ إلهِك إنَّ للجَنَّةِ لثَمانيةَ أبوابٍ ما منها بابانِ إلَّا وبينهما مسيرةُ الرَّاكِبِ سبعينَ عامًا، وإنَّ للنَّارِ سَبعةَ أبوابٍ ما منها بابانِ إلَّا بينهما مسيرةُ الرَّاكِبِ سبعينَ عامًا، قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما يطَّلِعُ مِنَ الجَنَّةِ؟ قال: أنهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى، وأنهارٌ مِن لَبَنٍ لم يتغَيَّرْ طَعْمُه، وأنهارٌ مِن كأسٍ ما لها صُداعٌ ولا ندامةٌ، وماءٍ غيرِ آسِنٍ ، وفاكِهةٍ، ولعَمْرُ إلهِك ما تَعلَمونَ وخَيرٌ مِن مِثْلِه معه وأزواجٌ مُطَهَّرةٌ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أَوَلنا أزواجٌ منهم، أو مِنهنَّ مُصلِحاتٌ؟ قال: الصَّالِحاتُ للصَّالحينَ تَلَذُّونَهنَّ مِثلَ لَذَّاتِكم في الدُّنيا، ويَلْذَذْنَكم، غَيرَ ألَّا تَوالُدَ، قال لَقيطٌ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، هذا أقصى ما نحن باِلغونَ ومُنتهونَ إليه؟ قال: فلم يُجِبْه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، عَلامَ أُبايِعُك؟ قال: فبَسَطَ النَّبيُّ يَدَه فقال: على إقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وزِيَالِ الشِّركِ، إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشرِكَ به إلهًا غَيرَه، فقُلتُ: وإنَّ لنا ما بين المشرِقِ والمغربِ؟ فقَبَض النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَه وبَسَط أصابِعَه، وظَنَّ أنِّي مُشتَرِطٌ شَيئًا لا يُعطِينيه، قال: قُلتُ: نَحُلُّ منها حيث شِئْنا ولا يجني منها امرؤٌ إلَّا على نَفْسِه، فبَسَط يدَه وقال: ذلك لك، حُلَّ منها حيث شئتَ ولا يجني عليك إلَّا نَفْسُك، فبايَعْناه ثمَّ انصَرَفْنا فقال: إنَّ هذينِ، ها إنَّ ذَينِ، ها إنَّ ذَينِ، ثلاثًا لمن يُقرِئُني حديثًا، لَإِنَّهم من أتقى النَّاسِ للهِ في الأوَّلِ والآخِرِ، فقال كَعبُ بنُ الخُداريَّةِ -أحَدُ بني كِلابٍ-: من هم يا رَسولَ اللهِ؟ فقال: بنو المُنتَفِقِ أهلُ ذلك منهم. قال: فأقبَلْتُ عليه، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، هل لأحَدٍ ممَّن مضى منَّا في جاهلِيَّتِه من خيرٍ؟ فقال رجلٌ مِن عُرضِ قُرَيشٍ: واللهِ إنَّ أباك المنتَفِقَ في النَّارِ، قال: فكَأنَّه وَقَع حَرٌّ بين جِلْدِ وَجْهي ولحمِه مِمَّا قال لأبي على رُؤوسِ النَّاسِ، فهَمَمْتُ أن أقولَ: وأبوك يا رَسولَ الله؟ ثمَّ نظَرْتُ فإذا الأخرى أجمَلُ، فقُلتُ: وأَهْلُكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: وأَهْلي، لعَمْرُ اللهِ حيثما أتيتَ عليه من قبرِ قُرَشيٍّ أو عامِريٍّ مُشرِكٍ فقُلْ: أرسلني إليك محمَّدٌ فأبشِرْ بما يسوءُك؛ تُجَرُّ على وَجْهِك وبَطْنِك في النَّارِ، قال: فقلتُ: فما فَعَل ذلك بهم يا رَسولَ اللهِ، وكانوا على عَمَلٍ لا يُحسِنونَ إلَّا إيَّاه، وكانوا يَحسَبونَهم مُصلِحينَ؟! قال: ذلك بأنَّ اللهَ بَعَثَ في آخِرِ كُلِّ سَبعِ أُمَمٍ نَبيًّا، فمن أطاع نَبيَّه كان مِنَ المُهتَدينَ، ومن عصى نبيَّه كان من الضَّالِّينَ]
حديث: جاءَ الصَّبيغُ التَّميميُّ إلى عُمَرَ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، أخبِرني عَنِ (الذَّارياتِ) [ذَروًا، قال: هيَ الرِّيحُ، ولَولا أنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُه ما قُلتُه، قال: فأخبِرني عَنِ الحامِلاتِ وِقرًا، قال: السَّحابُ، ولَولا أنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُه ما قُلتُه، قال: فأخبِرني عَنِ المُقَسِّماتِ أمرًا، قال: هيَ المَلائِكةُ، ولَولا أنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -يَعني- يَقولُه ما قُلتُه، قال: فأخبِرني عَنِ الجارياتِ يُسرًا، قال: هيَ السُّفُنُ، ولَولا أنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُه ما قُلتُه، قال: فأمَرَ به عُمَرُ، فضُرِبَ مِائةً، وجُعِلَ في بَيتٍ، فإذا بَرِئَ دَعا به، فضَرَبَه مِائةً أُخرى، ثُمَّ حَمَلَه على قَتَبٍ، وكَتَبَ إلى أبي موسى: حَرِّمْ على النَّاسِ مُجالَسَتَه، فلَم يَزَلْ كَذلك، حَتَّى أتى أبا موسى، فحَلَفَ له بالأيمانِ المُغَلَّظةِ: ما يَجِدُ في نَفسِه مِمَّا كانَ شَيئًا، فكَتَبَ في ذلك إلى عُمَرَ، فكَتَبَ إليه: ما إخالُه إلَّا قد صَدَقَ، فخَلِّ بَينَه وبَينَ مُجالَسةِ النَّاسِ]
لمَّا أنزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا قالَ سَعدُ بنُ عُبادةَ، وَهوَ سيِّدُ الأنصارِ: هَكَذا نَزلت يا رسولَ اللَّهِ ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: يا مَعشرَ الأنصارِ ألا تَسمَعونَ إلى ما يقولُ سيِّدُكُم ؟ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، لا تَلُمهُ، فإنَّهُ رجلٌ غَيورٌ، واللَّهِ ما تزوَّجَ امرأةً قطُّ إلَّا بِكْرًا، وما طلَّقَ امرأةً لهُ قطُّ، فاجتَرأَ رجلٌ منَّا علَى أن يتزوَّجَها مِن شدَّةِ غَيرتِهِ، فقالَ سعدٌ: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي لأعلمُ أنَّها حقٌّ، وأنَّها منَ اللَّهِ ولَكِنِّي قد تَعجَّبتُ أنِّي لَو وجدتُ لَكاعًا تفخَّذَها رجلٌ لم يَكُن لي أن أَهيجَهُ ولا أحرِّكَهُ، حتَّى آتيَ بأربعةِ شُهَداءَ، فواللَّهِ لا آتي بِهِم حتَّى يقضيَ حاجتَهُ، قالَ: فما لبِثوا إلَّا يسيرًا، حتَّى جاءَ هلالُ بنُ أميَّةَ، وَهوَ أحدُ الثَّلاثةِ الَّذينَ تيبَ عليهِم، فجاءَ مِن أرضِهِ عِشاءً، فرأى عندَ أَهْلِهِ رجلًا، فرأى بِعينيهِ، وسمعَ بأذُنَيْهِ، فلم يَهِجْهُ، حتَّى أصبحَ، فغَدا علَى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي جئتُ أَهْلي عِشاءً، فوجدتُ عندَها رجلًا، فرأيتُ بعينيَّ، وسَمِعْتُ بأذُنَيَّ، فَكَرِهَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ما جاءَ بِهِ، واشتدَّ عليهِ، واجتمعتِ الأنصارُ، فقالوا: قدِ ابتُلينا بما قالَ سعدُ بنُ عبادةَ، الآنَ يضرِبُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ هلالَ بنَ أميَّةَ، ويُبطِلُ شَهادتَهُ في المسلمينَ، فقالَ هلالٌ: واللَّهِ إنِّي لأرجو أن يجعَلَ اللَّهُ لي منها مخرجًا، فقالَ هلالٌ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي قد أرى ما اشتدَّ عليكَ مِمَّا جئتُ بِهِ، واللَّهُ يعلمُ إنِّي لَصادقٌ، واللَّهِ إنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يريدُ أن يأمرَ بَضربِهِ إذْ نزلَ علَى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ الوحيُ، وَكانَ إذا نزلَ علَيهِ الوحيُ عَرفوا ذلِكَ في تربُّدِ جِلدِهِ يعني، فأمسَكوا عنهُ حتَّى فرَغَ منَ الوحيِ، فنزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ الآيةَ، فسُرِّيَ عَن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فقالَ: أبشِرْ يا هلالُ، فقد جَعلَ اللَّهُ لَكَ فرَجًا ومَخرجًا فقالَ هلالٌ: قد كُنتُ أرجو ذلكَ من ربِّي فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: أرسِلوا إليها فأرسَلوا إليها، فجاءَت، فَتلاها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عليهِما، وذَكَّرَهُما، وأخبرَهُما أنَّ عذابَ الآخرةِ أشدُّ من عذابِ الدُّنيا، فقالَ هلالٌ: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، لقد صدَقتُ عليها، فقالت: كذَبَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: لاعِنوا بينَهُما، فقيلَ لِهِلالٍ: اشهَد، فشَهِدَ أربعَ شَهاداتٍ باللَّهِ إنَّهُ لمنَ الصَّادقينَ، فلمَّا كانَ في الخامسةِ، قيلَ: يا هلالُ، اتَّقِ اللَّهَ، فإنَّ عذابَ الدُّنيا أَهْوَنُ من عذابِ الآخرةِ، فإنَّ هذِهِ هي الموجبةُ الَّتي توجبُ عليكَ العذابَ فقالَ: واللَّهِ لا يعذِّبُني اللَّهُ علَيها، كما لَم يجلِدني علَيها، فشَهِدَ في الخامسةِ: أنَّ لَعنةَ اللَّهِ علَيهِ إن كانَ منَ الكاذبينَ، ثمَّ قيلَ لَها: اشهَدي أربعَ شَهاداتٍ باللَّهِ: إنَّهُ لمنَ الكاذبينَ فلمَّا كانتِ الخامسةُ قيلَ لَها: اتَّقي اللَّهَ فإنَّ عذابَ الدُّنيا أَهْوَنُ مِن عذابِ الآخرةِ، وإنَّ هذِهِ هي الموجِبةُ الَّتي توجبُ عليكِ العذابَ، فتلَكَّأت ساعةً، ثمَّ قالَت: واللَّهِ لا أفضَحُ قومي، فشَهِدت في الخامسةِ: أنَّ غضبَ اللَّهِ عليها إن كانَ منَ الصَّادقينَ، ففرَّقَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بينَهُما، وقضَى أن لا يُدعى ولدُها لأبٍ، ولا تُرمى هيَ بهِ ولا يُرمى ولدُها، ومَن رماها أو رمَى ولدَها، فعليهِ الحدُّ، وقَضى أن لا بيتَ لَها عليهِ، ولا قوتَ من أجلِ أنَّهما يفتَرِقانِ من غيرِ طلاقٍ، ولا متوفًّى عنها، وقالَ: إن جاءت بهِ أُصَيْهبَ، أُرَيْسحَ، حَمِشَ السَّاقينِ، فَهوَ لِهِلالٍ، وإن جاءت بهِ أورَقَ جعدًا، جُماليًّا، خِدلَّجَ السَّاقينِ، سابغَ الإليَتينِ، فَهوَ للَّذي رُمِيَت بهِ فجاءت بهِ يعني أورَقَ، جعدًا، جُماليًّا، خِدلَّجَ السَّاقينِ، سابغَ الإليتينِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: لَولا الأَيمانُ، لَكانَ لي ولَها شأنٌ قالَ عِكْرمةُ: فَكانَ بعدَ ذلِكَ أميرًا علَى مِصرٍ، وَكانَ يدعى لأمِّهِ وما يُدعَى لأبيهِ
حَديثُ أُمِّ مَعبَدٍ -في الصُّفَّةِ- الذي رَواه بِشرُ بنُ مُحَمَّدٍ السُّكَّريُّ، عن عَبدِ المَلكِ بنِ وهبٍ المَذحِجيِّ، عنِ الحُرِّ بنَ الصَّيَّاحِ [يَعني حَديثَ: عن أبي مَعبَدٍ الخُزاعيِّ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ هو وأبو بَكرٍ وعامِرُ بنُ فُهَيرةَ مَولى أبي بَكرٍ، ودَليلُهم عَبدُ اللَّهِ بنُ أريقِطٍ اللَّيثيُّ، فمَرُّوا بخَيمَتي أمِّ مَعبَدٍ الخُزاعيَّةِ، وكانتِ امرَأةً جَلدةً برَزةً، تَحتَبي وتَقعُدُ بفناءِ الخَيمةِ، ثُمَّ تَسقي وتُطعِمُ، فسَألوها تمرًا أو لحمًا يَشتَرونَ، فلم يُصيبوا عِندَها شيئًا مِن ذلك، وإذا القَومُ مُرمِلون مُسنِتونَ، فقالت: واللهِ لو كان عِندَنا شَيءٌ ما أعوزَكُمُ القِرى، فنَظَر رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى شاةٍ في كسرِ الخَيمةِ، فقال: ما هذه الشَّاةُ يا أمَّ مَعبَدٍ؟ قالت: هذه شاةٌ خَلفَها الجَهدُ عنِ الغَنَمِ، فقال: هَل بها مِن لبَنٍ؟ قالت: هيَ أجهَدُ مِن ذلك! قال: أتَأذَنينَ لي أن أحلُبَها؟ قالت: نَعَم، بأبي أنتَ وأُمِّي، إن رَأيتَ بها حَلبًا! فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالشَّاةِ، فمَسَحَ ضَرعَها وذَكَرَ اسمَ اللهِ، وقال: اللهُمَّ بارِكْ لها في شاتِها، قال: فتَفاجَّت ودَرَّت واجتَرَّت، فدَعا بإناءٍ لها يربضُ الرَّهطَ، فحَلبَ فيه ثجًّا حتَّى علته الثمالُ، فسَقاها فشَرِبَت حتَّى رَوِيَت وسَقى أصحابَه حتَّى رَوُوا وشَرِبَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم آخِرَهم، وقال: ساقي القَومِ آخِرُهم، فشَرِبوا جميعًا عَلَلًا بَعدَ نَهلٍ حتَّى أراضوا، ثُمَّ حَلبَ فيه ثانيًا عَودًا على بَدءٍ، فغادَرَه عِندَها ثُمَّ ارتَحَلوا عنها، فقَلَّما لبثَت أن جاءَ زَوجُها أبو مَعبَدٍ يَسوقُ أعنزًا حيلًا عِجافًا هَزلى ما تُساوقُ، مُخُّهنَّ قَليلٌ لا نقْيَ بهنَّ، فلمَّا رَأى اللَّبَنَ عَجِبَ وقال: من أينَ لكُم هذا والشَّاةُ عازِبةٌ ولا حَلوبةَ في البَيتِ؟ قالت: لا واللَّهِ إلَّا أنَّه مَرَّ بنا رَجُلٌ مُبارَكٌ كان من حديثِه كَيتَ وكَيتَ، قال: واللهِ إنِّي لأراه صاحِبَ قُرَيشٍ الذي يَطلُبُ، صِفِيه لي يا أمَّ مَعبَدٍ، قالت: رَأيتُ رجلًا ظاهِرَ الوَضاءةِ، مُتَبَلِّجَ الوَجهِ، حَسَنَ الخَلْقِ، لم تَعِبه ثجلةٌ، ولم تُزْرِ به صعلةٌ، وسيمٌ قَسيمٌ، في عَينَيه دَعَجٌ، وفي أشفارِه وَطَفٌ، وفي صَوتِه صحلٌ، أحوَرُ أكحَلُ، أزَجُّ أقرَنُ، شَديدُ سَوادِ الشَّعرِ، في عُنُقِه سَطعٌ، وفي لحيَتِه كَثافةٌ، إذا صَمَتَ فعليه الوَقارُ، وإذا تَكَلَّمَ سَما وعَلاه البَهاءُ، وكَأنَّ مَنطِقَه خَرَزاتُ نظمٍ يَتَحَدَّرنَ، حُلوُ المَنطِقِ، فَصلٌ، لا نَزرٌ ولا هَذرٌ، أجهَرُ النَّاسِ وأجمَلُه مِن بَعيدٍ، وأحلاه وأحَسَنُه مِن قَريبٍ، رَبعةٌ لا تَشنَؤُه مِن طولٍ ولا تَقتَحِمُه عَينٌ مِن قِصَرٍ، غُصنٌ بَينَ غُصنَينِ، فهو أنضَرُ الثَّلاثةِ مَنظرًا، وأحَسَنُهم قَدرًا، له رُفقاءُ يَحفُّونَ به، إذا قال استَمَعوا لقَولِه، وإذا أمَرَ تبادَروا إلى أمرِه، مَحفودٌ مَحشودٌ، لا عابثٌ ولا مُفنَّدٌ، قال: هذا واللَّهِ صاحِبُ قُرَيشٍ الذي ذُكِرَ لنا مِن أمرِه ما ذُكِرَ، ولو كُنتُ وافَقتُه يا أمَّ مَعبَدٍ لالتَمَستُ أن أصحَبَه، ولأفعَلَنَّ إن وجَدتُ إلى ذلك سبيلًا، وأصبَحَ صَوتٌ بمَكَّةَ عاليًا بَينَ السَّماءِ والأرضِ يَسمَعونَه ولا يَرَونَ مَن يَقولُ، وهو يَقولُ: جَزى اللهُ رَبُّ النَّاسِ خَيرَ جَزائِه رَفيقَينِ حَلَّا خَيمَتَي أمِّ مَعبَدِ هما نَزَلا بالبرِّ وارتَحَلا به فأفلحَ مَن أمسى رَفيقَ مُحَمَّدِ فيالَ قُصيٍّ ما زَوى اللَّهُ عنكُمُ به مِن فِعالٍ لا يُجازي وسُودُدِ سَلُوا أُختَكُم عن شاتِها وإنائِها فإنَّكُم إن تَسألوا الشَّاةَ تَشهَدِ دَعاها بشاةٍ حائِلٍ فتَحَلَّبَت له بصَريح ضَرَّة الشَّاةِ مُزبِدِ فغادَرَها رهنًا لدَيها لحالِبٍ تُدِرُّ بها في مَصدَرٍ ثُمَّ مَورِدِ وأصبَحَ القَومُ قد فقدوا نَبيَّهم، وأخَذوا على خَيمَتي أمِّ مَعبَدِ حتَّى لحِقوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم]
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قال: لم أزَلْ حَريصًا على أن أسألَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ عَنِ المَرأتَينِ مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، اللَّتَينِ قال اللهُ تعالى: {إن تَتوبا إلى اللهِ فقد صَغَت قُلوبُكُما} [التَّحريم: 4] حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وحَجَجتُ مَعَه، فلَمَّا كُنَّا ببَعضِ الطَّريقِ عَدَلَ عُمَرُ وعَدَلتُ مَعَه بالإداوةِ، فتَبَرَّزَ ثُمَّ أتاني، فسَكَبتُ على يَدَيه فتَوضَّأ، فقُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، مَنِ المَرأتانِ مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللَّتانِ قال اللهُ تعالى: {إن تَتوبا إلى اللهِ فقد صَغَت قُلوبُكُما}؟ فقال عُمَرُ: واعَجَبًا لك يا ابنَ عَبَّاسٍ! -قال الزُّهريُّ: كَرِهَ، واللهِ، ما سَألَه عنه ولَم يَكتُمْه عنه-قال: هيَ حَفصةُ وعائِشةُ. قال: ثُمَّ أخَذَ يَسوقُ الحَديثَ، قال: كُنَّا مَعشَرَ قُرَيشٍ قَومًا نَغلِبُ النِّساءَ، فلَمَّا قَدِمنا المَدينةَ وجَدنا قَومًا تَغلِبُهم نِساؤُهم، فطَفِقَ نِساؤُنا يَتَعَلَّمنَ مِن نِسائِهم، قال: وكان مَنزِلي في بَني أُمَيَّةَ بنِ زَيدٍ بالعَوالي، قال: فتَغَضَّبتُ يَومًا على امرَأتي، فإذا هيَ تُراجِعُني، فأنكَرتُ أن تُراجِعَني، فقالت: ما تُنكِرُ أن أُراجِعَكَ، فواللهِ إنَّ أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيُراجِعنَه، وتَهجُرُه إحداهنَّ اليَومَ إلى اللَّيلِ! قال: فانطَلَقتُ، فدَخَلتُ على حَفصةَ، فقُلتُ: أتُراجِعينَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قالت: نَعَم، قُلتُ: وتَهجُرُه إحداكُنَّ اليَومَ إلى اللَّيلِ؟ قالت: نَعَم. قُلتُ: قد خابَ مَن فعَلَ ذلك مِنكُنَّ وخَسِرَ، أفَتَأمَنُ إحداكُنَّ أن يَغضَبَ اللهُ عليها لغَضَبِ رَسولِه، فإذا هيَ قد هَلَكَت؟ لا تُراجِعي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا تَسأليه شَيئًا، وسَليني ما بَدا لَكِ، ولا يَغُرَّنَّكِ أن كانَت جارَتُكِ هيَ أوسَمَ وأحَبَّ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنكِ -يُريدُ عائِشةَ-قال: وكان لي جارٌ مِنَ الأنصارِ، وكُنَّا نَتَناوبُ النُّزولَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَنزِلُ يَومًا، وأنزِلُ يَومًا، فيَأتيني بخَبَرِ الوحيِ وغَيرِه، وآتيه بمِثلِ ذلك، قال: وكُنَّا نَتَحَدَّثُ أنَّ غَسَّانَ تُنعِلُ الخَيلَ لتَغزوَنا، فنَزَلَ صاحِبي يَومًا، ثُمَّ أتاني عِشاءً فضَرَبَ بابي، ثُمَّ ناداني فخَرَجتُ إليه، فقال: حَدَثَ أمرٌ عَظيمٌ! فقُلتُ: وماذا، أجاءَت غَسَّانُ؟ قال: لا، بَل أعظَمُ مِن ذلك وأطولُ! طَلَّقَ الرَّسولُ نِساءَه. فقُلتُ: قد خابَت حَفصةُ وخَسِرَت، قد كُنتُ أظُنُّ هذا كائِنًا. حَتَّى إذا صَلَّيتُ الصُّبحَ شَدَدتُ عليَّ ثيابي، ثُمَّ نَزَلتُ فدَخَلتُ على حَفصةَ وهيَ تَبكي، فقُلتُ: أطَلَّقَكُنَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فقالت: لا أدري، هو هذا مُعتَزِلٌ في هذه المَشرُبةِ. فأتَيتُ غُلامًا له أسودَ، فقُلتُ: استَأذِنْ لعُمَرَ، فدَخَلَ الغُلامُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيَّ، فقال: قد ذَكَرتُكَ له فصَمَتَ، فانطَلَقتُ حَتَّى أتَيتُ المِنبَرَ، فإذا عِندَه رَهطٌ جُلوسٌ يَبكي بَعضُهم، فجَلَستُ قَليلًا، ثُمَّ غَلَبَني ما أجِدُ، فأتَيتُ الغُلامَ فقُلتُ: استَأذِنْ لعُمَرَ، فدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ عليَّ، فقال: قد ذَكَرتُكَ له فصَمَتَ. فخَرَجتُ فجَلَستُ إلى المِنبَرِ، ثُمَّ غَلَبَني ما أجِدُ، فأتَيتُ الغُلامَ فقُلتُ: استَأذِنْ لعُمَرَ، فدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إلَيَّ، فقال: قد ذَكَرتُكَ له فصَمَتَ، فولَّيتُ مُدبِرًا، فإذا الغُلامُ يَدعوني، فقال: ادخُلْ، فقد أذِنَ لك. فدَخَلتُ فسَلَّمتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا هو مُتَّكِئٌ على رَملِ حَصيرٍ -وحَدَّثَناه يَعقوبُ في حَديثِ صالِحٍ قال: رِمالُ حَصيرٍ- قد أثَّرَ في جَنبِه، فقُلتُ: أطَلَّقتَ يا رَسولَ اللهِ نِساءَكَ؟ فرَفَعَ رَأسَه إلَيَّ وقال: لا، فقُلتُ: اللهُ أكبَرُ، لَو رَأيتَنا يا رَسولَ اللهِ، وكُنَّا -مَعشَرَ قُرَيشٍ- قَومًا نَغلِبُ النِّساءَ، فلَمَّا قدِمنا المَدينةَ وجَدنا قَومًا تَغلِبُهم نِساؤُهم، فطَفِقَ نِساؤُنا يَتَعَلَّمنَ مِن نِسائِهم، فتَغَضَّبتُ على امرَأتي يَومًا، فإذا هيَ تُراجِعُني، فأنكَرتُ أن تُراجِعَني، فقالت: ما تُنكِرُ أن أُراجِعَكَ؟ فواللهِ إنَّ أزواجَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيُراجِعنَه، وتَهجُرُه إحداهنَّ اليَومَ إلى اللَّيلِ. فقُلتُ: قد خابَ مَن فعَلَ ذلك منهنَّ وخَسِرَ، أفَتَأمَنُ إحداهنَّ أن يَغضَبَ اللهُ عليها لغَضَبِ رَسولِه، فإذا هيَ قد هَلَكَت؟ فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فدَخَلتُ على حَفصةَ، فقُلتُ: لا يَغُرُّكِ أن كانَت جارَتُكِ هيَ أوسَمَ وأحَبَّ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنكِ، فتَبَسَّمَ أُخرى، فقُلتُ: أستَأنِسُ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: نَعَم. فجَلَستُ، فرَفَعتُ رَأسي في البَيتِ، فواللهِ ما رَأيتُ فيه شَيئًا يَرُدُّ البَصَرَ إلَّا أُهبةً ثَلاثةً، فقُلتُ: ادعُ يا رَسولَ اللهِ أن يوسِّعَ على أُمَّتِكَ؛ فقد وُسِّعَ على فارِسَ والرُّومِ، وهم لا يَعبُدونَ اللهَ. فاستَوى جالِسًا، ثُمَّ قال: أفي شَكٍّ أنتَ يا ابنَ الخَطَّابِ؟ أولئك قَومٌ عُجِّلَت لهم طَيِّباتُهم في الحَياةِ الدُّنيا، فقُلتُ: استَغفِرْ لي يا رَسولَ اللهِ. وكان أقسَمَ أن لا يَدخُلَ عليهنَّ شَهرًا؛ مِن شِدَّةِ مَوجِدَتِه عليهنَّ، حَتَّى عاتَبَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجدالخيل معقود في نواصيها الخيرفمن يعمل مثقال ذرة خيرا يرهمعقود في نواصيها الخيرالسيئة بمثلها أو يعفوالحسنة بعشر أمثالهاأمسك عليك بعض مالكالجنة ثمانية أبوابيوم مقداره ألف سنةيمشي مرة ويكبو مرةثمانية أبواب الجنةآخر من يدخل الجنةعبد الله بن أريقطلا توالد في الجنةعبد الله بن أسيدعبد الله بن سلامالنار سبعة أبوابالبركة في الطعامسبعة أبواب النارساقي القوم آخرهمعلي بن أبي طالبمسجد بيت المقدسأصوات أهل الجنةشفقا من الساعةيسأل الله شيئاصفائح نار جهنملا أسألك غيرهاالجسر من النارالصبيغ التميميعمر بن الخطابعثمان بن عفانلسان أهل بيتكالمسجد الحرامما في الأرحاملا تعمل المطيأشرب من مائهاعامر بن فهيرةالذاريات ذرواالحاملات وقراالمقسمات أمراالجاريات يسراالحياة الدنياهجر المسلمينساعة الإجابةمفاتيح الغيبفليذهب بثالثحسان بن ثابتأصبغ التميميهلال بن أميةسعد بن عبادةالولد للفراشمراجعة النبيكعب بن مالكالجن والإنستقوم الساعةكعب الأحباريوم القيامةأصحاب الصفةتسفعه النارأستظل بظلهاشهادة الزورأربعة شهداءأزواج النبيصغت قلوبكماخمسين ليلةيوم الجمعةبيت المقدسعلم المنيةيوم الساعةزكاة المالصدقة الإبلصدقة الغنممسجد النبيطعام اثنينأتستهزئ بيأستهزئ منيعلم الساعةسبعة أبوابحوض الرسولسميت شيئاغزوة تبوكمسجدي هذايوم الغيثصفة النبيلا تشربواابن عباسآخر ساعةعبد مسلمما في غدلا هنيئاأدخلنيهاالملائكةالذارياتالمحصناتغضب اللهأم بكرةلا تكذبأبو بكرالندامةخير يوم
تخريج حديث هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئا فهو مما سميت
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








