»

الفرق بين السحر والمس والحسد

الفرق بين السحر والمس والحسد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن من أعظم ما ابتُلي به الناس في هذا الزمان انتشار الأمراض الروحية والقلبية التي تصيب الإنسان في بدنه وعقله ونفسه، ومن أبرزها: السحر، والمسّ، والحسد. 

أولاً: السحر

تعريفه وحقيقته

السحر كلمة تدور في اللغة على معنى الصرف والتحويل، والإخفاء والخداع، وقد اعتنى الفقهاء والعقديون بتعريفه تعريفاً جامعاً دقيقاً.


قال العلماء في تعريفه: "السحر عمل تُقُرِّب فيه إلى الشيطان، وبمعونةٍ منه"، وهذا التعريف يكشف جوهر السحر الحقيقي، وهو أنه لا يقوم بذاته، بل يستمد قوته من التحالف مع أخبث خلق الله. وزادوا في تعريف آخر: "هو صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره"، فكل سحر في جوهره تزوير وتحويل وتشويه لحقيقة شيء ما، سواء أكان عقلاً أم قلباً أم علاقة أم بدناً.


حكمه الشرعي

السحر كفر، إذ يستلزم الاستعانة بالشيطان والتقرب إليه بما يسخطه الله. قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102]، فنسب الله تعالى تعلّم السحر إلى الكفر صراحةً. وقد جعله النبي ﷺ من السبع الموبقات فقال: "اجتنبوا السبع الموبقات" وذكر منها السحر.


أنواع السحر وآثاره

تتنوع آثار السحر بحسب ما طُلب من الشيطان وما عُقد عليه، وقد ذكر أهل العلم من أنواعه:

ما يقتل: وهو أشد درجاته فتكاً، يُصيب الجسد فيُذبله ويُفضي إلى الموت.

ما يُمرض: يُقعد الإنسان بأمراض عضوية مزمنة لا تجد لها الأطباء تفسيراً واضحاً.

ما يُفرّق: وهو المعروف بسحر التفريق، يُحوّل المحبة بين الزوجين إلى بغض وكراهية، وقد نبّه الله إليه في القرآن: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102].

ما يُذهب العقل: وفيه يفقد المسحور تحكمه في تصرفاته فيبدو للناظر كالمجنون.

العلاج: الرقية الشرعية لفك السحر

أثبتت السنة النبوية الصحيحة أن للسحر علاجاً ناجعاً من الكتاب والسنة. وقد رقى جبريل عليه السلام النبي ﷺ، وعالج النبي ﷺ نفسه من السحر الذي سُحر به. ومن أبرز ما يُستعان به:


  1. قراءة سورة البقرة كاملة على المسحور، وقد ثبت أن الشيطان لا يقرب البيت الذي تُقرأ فيها.
  2. المعوذتان وسورة الإخلاص: وقد كان النبي ﷺ يُعوّذ نفسه بهن كل ليلة.
  3. آية الكرسي: سيدة آيات القرآن، حصنٌ منيع من الشياطين.
  4. إخراج السحر إن وُجد موضعه: استناداً إلى فعل النبي ﷺ حين أُخرج له السحر من بئر ذروان، وقد استخرجه وأتلفه.
  5. الاستمرار في الرقية حتى يأذن الله بالشفاء، مع صدق التوكل عليه وإحسان الظن به.
  6. الدعاء المأثور: كقول: "اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سقماً".

ثانياً: المسّ

تعريفه وحقيقته

المسّ هو دخول الجني إلى جسد الإنسان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]، فجعل الله تعبير التخبط بالمس حقيقةً مثالاً للتأكيد والتصوير.

وللمسّ أسباب متعددة، منها: الهوى والتعلق العاطفي من الجني بالإنسي، ومنها الأذى والانتقام عند وقوع ضرر من الإنسان على الجني سهواً أو عمداً، ومنها التسليط والاستئجار عبر السحر. ولهذا يأتي المسّ على صورتين متباينتين:

جنيٌّ محبّ: يدخل إلى الجسد ابتداءً بدافع التعلق والهوى، فيظهر الإنسان مضطرباً في حياته العاطفية والنفسية دون مرض عضوي واضح.

جنيٌّ منتقم: يدخل بدافع الأذى والثأر، فتكون أعراضه أشد وطأةً وألماً.

أنواعه

قسّم أهل العلم المسّ إلى نوعين رئيسين:


أولاً: المسّ الكلي وفيه يستولي الجني على جسد الإنسان استيلاءً تاماً، فيحكم عليه في أحيان كثيرة، ويُغيب تصرفاته ووعيه، وتظهر على صاحبه أعراض الصرع والتشنجات وفقدان الوعي وظهور شخصية أخرى بصوت مغاير.


ثانياً: المسّ الطائفي وفيه لا يستولي الجني على الجسد كله، بل يتخذ له منطقة أو جهة يُقيم فيها، فيُؤلم تلك الناحية من الجسد ويُضيّق على صاحبها دون أن يستولي عليه كلياً. وهذا النوع كثيراً ما يُخطئ الأطباء في تشخيصه إذ يُحيلونه إلى أمراض عضوية يبحثون عنها فلا يجدونها.


العلاج: الرقية الشرعية لفك المسّ

علاج المسّ يعتمد أولاً وآخراً على القرآن الكريم، فهو الشفاء الذي لا يُغادر سقماً، ومن أبرز ما يُستعان به:

  1. قراءة سورة البقرة كاملة أو استماعها يومياً، فإن الشيطان يفرّ من البيت الذي تُقرأ فيها ثلاثاً.
  2. الرقية المباشرة على المصاب: بقراءة آيات الشفاء وسورتَي الفلق والناس والإخلاص.
  3. التخاطب مع الجني حال حضوره عند الرقية، ومحاورته ودعوته إلى الإسلام أو إلزامه بالخروج.
  4. الأذان في أذن المريض حال الصرع، فإن الشيطان يفرّ منه.
  5. الالتزام بالأذكار اليومية: أذكار الصباح والمساء، والتعوذ عند الدخول إلى المنزل وعند خلع الثياب، فإنها أسوار واقية متينة.
  6. الطهارة الدائمة: فإن الجني يؤنسه الخبث ويهرب من النور والطهارة.

ثالثاً: العين والحسد

تعريف العين

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه "زاد المعاد": "هي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين، تصيبه تارةً وتُخطئه تارةً".


وهذه الصورة البليغة التي اختارها ابن القيم تكشف حقيقتين دقيقتين:

  1. أن العين ليست مجرد نظرة، بل هي طاقة خارجة من النفس، محمولةٌ بالإعجاب أحياناً وبالحسد أحياناً أخرى.
  2. أن إصابتها ليست حتمية، فهي تُصيب تارةً وتُخطئ أخرى، وهذا يدل على أن للتحصين أثراً عظيماً في ردّها.

وقد أقرّ النبي ﷺ حقيقة العين إقراراً صريحاً فقال: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" [رواه مسلم]، فجعلها من الأمور التي تستأذن القدر في إيقاع أثرها.


أقسام العين والحسد

أولاً: العين وهي الأثر الضار الذي يخرج من نظرة الإعجاب، حتى وإن لم يصحبها حسد. وقد تصدر من المحب، وقد تصدر من الساهي، وقد تصدر من الإنسان على نفسه. وهي أخف درجةً من الحسد في الأثر غالباً.

ثانياً: الحسد وهو أشد من العين، إذ ينبع من تمني زوال النعمة عن صاحبها. وللحسد قسمان:


الحسد المذموم: وهو تمني زوال النعمة عن الآخر مع الرغبة في أن لا تنتقل إليك، بل يتمنى صاحبه مجرد أن تُسلب من أخيه. وهذا هو الحسد الحقيقي المذموم شرعاً وعقلاً، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54].

الحسد المحمود (الغِبطة): وهو تمني مثل ما عند الآخر دون أن يتمنى زواله عنه. وهذا لا يُذمّ بل يُحمد إن تعلّق بأمور الخير. قال النبي ﷺ: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويُعلّمها" [متفق عليه]. فسمّى ﷺ الغِبطة حسداً توسعاً في اللغة لقيام المشابهة بينهما.

العلاج: الرقية الشرعية للعين والحسد

شرع الله لعباده حصوناً من العين والحسد قبل وقوعهما، وعلاجاً بعده:


التحصين والوقاية:


  1. قراءة المعوذتين صباحاً ومساءً، فقد أنزلهما الله شفاءً من العين تحديداً: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5].
  2. قول "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" عند رؤية ما يُعجب.
  3. الاستعاذة بكلمات الله التامات.
  4. إخفاء النعم عن الأعين قدر الإمكان تعاملاً حكيماً مع الواقع البشري.
  5. العلاج بعد الإصابة:
  6. غسل العائن: بأن يُطلب من من يُشكّ فيه أن يتوضأ أو يغسل وجهه وكفيه وداخل ثوبه، ثم يُصبّ ذلك الماء على المعيون من خلفه. وقد ثبت هذا العلاج في حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه.
  7. الرقية الشرعية: بقراءة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذتين ودعاء العين المأثور: "اللهم اكشف الباس رب الناس، واشفِه وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك".
  8. الصدقة فإنها تردّ البلاء وتُطفئ غضب الرب.

كلمة أخيرة

إن التمييز بين هذه الأمراض الثلاثة ليس ترفاً علمياً، بل هو واجب شرعي وعملي، لأن الخلط بينها يُفضي إلى علاج غير صحيح يُطيل على المريض مدة معاناته. وعلى كل مسلم يتعامل مع هذه الحالات أن يتحلى بالعلم والتثبت، مستعيناً بأهل الرقية الشرعية الثقات المعتمدين على الكتاب والسنة، بعيداً عن الدجالين والمشعوذين الذين يُفاقمون الداء بدلاً من أن يشفوه.



وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا شعورك تجاه هذا المقال
0 تفاعلات

✍️ هل أنت باحث أو كاتب؟

انضم إلى فريق كتاب "لعلهم يتفكرون" وساهم في نشر العلم النافع والمعرفة الإسلامية الصحيحة.

تنبيه مهم بشأن النشر الحصري: يُطلب من الكاتب التعهد بأن جميع مقالاته تنشر حصرياً في موقعنا، ولا يجوز نشرها في أي موقع آخر أو على منصات التواصل الاجتماعي بأي شكل من الأشكال، سواء قبل النشر أو بعده.
الحمد والشكر لله ﷻ

تم تأسيس موقع سورة قرآن كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز والسنة المطهرة والدعوة إلى الله وتيسير العلوم الشرعية على منهاج القرآن والسنة, نحمد الله تعالى ونشكره على فضله, ونسأله سبحانه أن يتقبل منا ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم وأن يرزقنا دوام التوفيق والنجاح، إنه هو الولي الحميد.