»

لا حول ولا قوة إلا بالله

لا حول ولا قوة إلا بالله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإنّ "لا حول ولا قوة إلا بالله" كلمة عظيمةٌ، خفيفةٌ على اللسان، ثقيلةٌ في الميزان، جامعةٌ لمعنى التوحيد، والافتقار إلى الله، والاعتراف بأنّ العبد لا يملك لنفسه حَوْلًا (تحولًا وتغيرًا) ولا قوةً على دفع ضرٍّ أو جلب نفعٍ إلا بمشيئة الله وتوفيقه. وهذه المقالةُ تستعرض فضل هذه الكلمة الطيبة في ضوء الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح.


📖 أصل الكلمة ومعناها الجليل

معنى «الحول»: الحركة والتحول والتغير من حال إلى حال، أي لا يستطيع العبد أن ينتقل من حال ضعف إلى قوة، أو من ذنب إلى طاعة، أو من مرض إلى شفاء إلا بتيسير الله. وأما «القوة»: فهي القدرة على الفعل والامتناع. فـ «لا حول ولا قوة إلا بالله»: إقرارٌ بأن العبد لا متصرِّف في الكون، ولا مالكٌ لنفعه وضره، ولا قادرٌ على الطاعة والعبادة إلا بعون الله وتوفيقه. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "هي كلمة استسلام وتفويض، وأن العبد لا يملك لنفسه حولًا ولا قوة، بل الله هو المتصرف".

"لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِالله العَلِيِّ العَظِيم"


⭐ فضائلها في السنة النبوية

وردت أحاديث كثيرة تبيّن منزلة هذه الكلمة الرفيعة؛ نذكر منها على سبيل الإيجاز والبركة:

🌿 عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» (متفق عليه: البخاري 6386، مسلم 2704).
🌿 وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة» (رواه الترمذي 3602، وصححه الألباني).
🌿 وعن قيس بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة هي كنز من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله» (رواه النسائي وأحمد بسند صحيح).

فسر العلماء «كنز من كنوز الجنة» بأنها تبقى للمؤمن ذخرًا عظيمًا في الآخرة، وأن العبد إذا قالها إيمانًا واحتسابًا، فإنها تؤجر بها أعمال الجنة أو تُدَّخر له خيرًا لا ينفد – والله أعلم. وكذلك قيل: لأنها سبب لحفظ العبد من النار، أو أنها تورث الثواب الذي هو كالكنز المعدود.


💎 فضل "لا حول ولا قوة إلا بالله" في دفع الكرب والهم

هذه الكلمة العظيمة من جوامع الذكر والدعاء؛ فعندما يثقل البلاء أو يعظم الهم يقول العبد: لا حول ولا قوة إلا بالله، مسلمًا أمره لله، معترفًا بضعفه، ومفوضًا تدبيره إلى خالقه. 

قال العلماء: "هي دواء للأحزان والغموم، لأن العبد إذا علم أن الأمور كلها بيد الله، وأنه لا ملجأ منه إلا إليه، سكن قلبه وانشرح صدره، وإذ قالها عند الشدة زالت الكربة أو خففت بإذن الله".

✨ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ✨
فقولها تحقيقٌ لكمال التوكل، إذ لا تحول ولا قوة إلا بالله وحده لا شريك له.


🌙 ثوابها وكونها من الباقيات الصالحات

ذهب جمهور أهل العلم إلى أن "لا حول ولا قوة إلا بالله" من جملة الباقيات الصالحات التي قال الله تعالى: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46]. قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: هي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهي ثقيلة في الميزان، حبيبة إلى الرحمن.

فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في ليلة الإسراء مر به إبراهيم الخليل عليه السلام فقال: «يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وغرسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (رواه الترمذي والطبراني، وحسنه المنذري). فإذا كانت هي غرس الجنة، فما أعظم فضل من يغرس بلسانه أشجارًا روحية في جنات النعيم!

﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ [الكهف: 39]

📖 يقول النبي ﷺ : عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)» (متفق عليه: البخاري 6384، مسلم 2704)

تأمل قوله ﷺ: «كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ»، فما أعظمه من مدح يُثبت أن هذه الكلمة تذخر للمؤمن أجراً لا ينفد، وتكون ذخيرة عنده يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. فالحوقلة ليست مجرد ذكر عابر، بل هي إعلان عبودية وتفويض، وإقرار بأن العبد لا يملك حولاً (تحولاً وتغيراً من حال إلى حال) ولا قوة على دفع ضر أو جلب نفع إلا بمشيئة الله وتوفيقه.

ومن الأسرار العجيبة لهذه الكلمة أنها تجمع معاني التفويض والتسليم، وتقطع الأسباب كلها وتُبرز افتقار العبد لربه. قال أهل العلم: "لا حول ولا قوة إلا بالله" دواء لكل داء عضال، فهي تدفع العجز والكسل، وتحث على الجد والاجتهاد مع التوكل على الله، وهي تمنح العبد القوة المعنوية، والثبات في الشدائد، وتُذكِّره بأن الأمر كله لله، فيستريح قلبه ويرضى بقضاء الله.

وقد وردت آثار كثيرة في فضل هذه الكلمة: فمن قالها حين يخرج من بيته: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، كُفِي شر ما يلقى، وتولاه الله سبحانه. قال النبي ﷺ: «إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، فيقال له: كفيت ووقيت وهديت، وتنحى عنه الشيطان» [رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني]. فانظروا عظم البركة، إنها حرز حصين لمن استشعر معناها.

📿 أوقات وأحوال تُستحب فيها هذه الكلمة

يستحب الإكثار من "لا حول ولا قوة إلا بالله" في مواطن كثيرة، منها:

  • عند سماع أذان المؤذن (بعد التلفظ مثل المؤذن يقولها سرًا).
  • عند الخروج من المنزل، قال النبي ﷺ: "لا حول ولا قوة إلا بالله، توكلت على الله" فهي حفظ من الشيطان.
  • عند رؤية ما يعجبك من مال أو جاه أو جمال، قال الله تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف:39].
  • عند نزول الكرب والهم، والمرض، والخوف.
  • عند ثقل الطاعة أو ملاقاة عدو.

وكان السلف يكثرون منها في كل أحوالهم، فهي تذكرة بعجز العبد وقدرة الرب، وتورث الخشوع وتزيد الإيمان.


شاركنا شعورك تجاه هذا المقال
1 تفاعل

✍️ هل أنت باحث أو كاتب؟

انضم إلى فريق كتاب "لعلهم يتفكرون" وساهم في نشر العلم النافع والمعرفة الإسلامية الصحيحة.

تنبيه مهم بشأن النشر الحصري: يُطلب من الكاتب التعهد بأن جميع مقالاته تنشر حصرياً في موقعنا، ولا يجوز نشرها في أي موقع آخر أو على منصات التواصل الاجتماعي بأي شكل من الأشكال، سواء قبل النشر أو بعده.
الحمد والشكر لله ﷻ

تم تأسيس موقع سورة قرآن كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز والسنة المطهرة والدعوة إلى الله وتيسير العلوم الشرعية على منهاج القرآن والسنة, نحمد الله تعالى ونشكره على فضله, ونسأله سبحانه أن يتقبل منا ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم وأن يرزقنا دوام التوفيق والنجاح، إنه هو الولي الحميد.