البسملة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﷽
البسملة هي قول القائل: "بسم الله الرحمن الرحيم"، وهي مشتقة من "بسم" و"الله" واسميه "الرحمن الرحيم".
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾
سورة : الفاتحة - Al-Fatihah - الجزء : ( 1 ) - الصفحة: ( 1 )
In the Name of Allah, the Most Beneficent, the Most Merciful.
معنى: بسم الله الرحمن الرحيم
أبتدئ قرائتي للقرآن الكريم وطاعتي وقرباتي { بِسْمِ اللَّهِ } جل جلاله, مستعينا به في أموري كلها متوكلا عليه, منيبا ومفوضا أمري إليه, متبرءاً من حولي وقوتي وتدبيري إلى حوله وقوته وتدبيره, ومن جهلي إلى علمه ومن ضعفي إلى قوته ومن ذلي إلى عزه ومن فقري إلى غناه, متبركا بذكر اسمه { اللَّه } سبحانه الموصوف بصفات الكمال والجمال والمهابة والعزة والجلال, المنزه عن كل نقص أو عيب, المستحق للإفراد بالعبادة, الذي لا معبود بحق سواه, ولا ند ولا شريك له, { الرَّحْمَنِ } ذو الرحمة العامة الواسعة العظيمة في الدنيا والآخرة [ فهو: المختص بالرحمة التي لا نظير له فيها ] الذي وسعت رحمته كل شيء وعمت جميع خلقه في أرزاقهم ومصالحهم فعمّت المؤمن والكافر, وهو { الرَّحِيمِ } بالمؤمنين وعباده المتقين وأولياءه وأهل طاعته, يرحمهم ويثني عليهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور { وكان بالمؤمنين رحيما } [ الأحزاب: 43]
شرح المفردات:
«بسم»: الاسم هو كل كلمة تدل على المسمى دلالة إشارةٍ, وهو مشتق من الوسم أي العلامة لأنه يميز صاحبه, وقيل هو مشتق من السمو و الرفعة فهو يسمو بصاحبه فيرفعه عن غيره.
«الله»: اسم علم على المعبود بحق الذي يفزع إليه العباد في أمورهم, وهو أخص أسماء الرب لم يتسم به غيره { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } [ مريم: 65 ], وقيل: « هو الاسم الأعظم ».
«الرحمن»: اسم من أسماء الله تعالى لا يصرف إلى غيره, ومعناه الراحم بالرحمة العامة التي وسعت كل شيء, ومنه مبدأ الرحمة والإِحسان.
«الرحيم»: اسم من الأسماء الحسنى, وهو الذي وصلت رحمته و إحسانه لعباده المؤمنين.
«البسملة»: هي قول: بسم الله الرحمن الرحيم

🔹 أولاً: البسملة وتحقيق حروفها
كلمة "بسم الله الرحمن الرحيم" تحوي من الأسرار ما لا يحيط به إلا الله. فالباء للإستعانة والإلصاق، و"اسم" مشتق من السمو وهو الرفعة والعلو، أو من السمة وهي العلامة. والله – لفظ الجلالة – هو إله الخلق أجمعين، المتفرد بالألوهية والربوبية. والرحمن: اسم خاص لله تعالى يدل على سعة الرحمة التي وسعت كل شيء في الدنيا والمؤمن والكافر. والرحيم: اسم خاص بالمؤمنين يوم القيامة. فأول الآية إقرار بأن العبد يستعين بالله باسمه الأعظم ويتبرك بصفات الرحمة العامة والخاصة. قال العلماء: "البسملة جامعة لمعنى الذكر والإخلاص والافتقار".
🔹 ثانياً: البسملة في القرآن الكريم – هل هي آية من كل سورة؟
اختلف العلماء على قولين مشهورين عند أهل السنة:
- القول الأول: البسملة آية كاملة من القرآن في أول كل سورة عدا سورة براءة، وهي منزلة مع كل سورة للتبرك والفصل.
- القول الثاني: ليست آية من الفاتحة ولا من سائر السور، لكنها آية مستقلة للفصل بين السور وأنزلت مرّة واحدة. ومع ذلك أجمعوا على استحباب قراءتها في الصلاة وأول كل عمل.
لكن الراجح لدى المحققين من أهل السنة أنها آية من الفاتحة وآية من كل سورة ، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «إذا قرأتم الحمد لله فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها أم القرآن والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها» (رواه الدارقطني وحسنه ابن حجر). وهذا هو المعتمد في فضل تلاوتها في الصلاة، وأنها سر سورة الفاتحة التي لا تصح صلاة إلا بها.
وهذه الآية الكريمة هي أول آية نزلت من القرآن على التحقيق في ترتيب المصحف، وهي آية مستقلة في الفاتحة باتفاق جماهير القراء والفقهاء، وإن اختلفوا في إثباتها في أوائل السور. وقال العماء: "البسملة آية من أول كل سورة إلا سورة براءة". وأهل السنة مجمعون على عظم فضلها ووجوب التيمن بها في سائر العبادات والعادات.
سورة الفاتحة سميت هذه السورة بالفاتحة؛ لأنه يفتتح بها القرآن العظيم، وتسمى المثاني؛ لأنها تقرأ في كل ركعة، ولها أسماء أخر.
معنى البسملة, ﷽ أي: أبتدئ قراءة القرآن باسم الله مستعينا به، (اللهِ) علم على الرب -تبارك وتعالى- المعبود بحق دون سواه، وهو أخص أسماء الله تعالى، ولا يسمى به غيره سبحانه. (الرَّحْمَنِ) ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق، (الرَّحِيمِ) بالمؤمنين، وهما اسمان من أسمائه تعالى، يتضمنان إثبات صفة الرحمة لله تعالى كما يليق بجلاله.
بسم الله الرحمن الرحيم - تفسير السعدي
{ بِسْمِ اللَّهِ }- أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى, لأن لفظ { اسم } مفرد مضاف, فيعم جميع الأسماء [الحسنى].
{ اللَّهِ } هو المألوه المعبود, المستحق لإفراده بالعبادة, لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال.
{ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء, وعمت كل حي, وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله.
فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة, ومن عداهم فلهم نصيب منها.
واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها, الإيمان بأسماء الله وصفاته, وأحكام الصفات.
فيؤمنون مثلا, بأنه رحمن رحيم, ذو الرحمة التي اتصف بها, المتعلقة بالمرحوم.
فالنعم كلها, أثر من آثار رحمته, وهكذا في سائر الأسماء.
يقال في العليم: إنه عليم ذو علم, يعلم [به] كل شيء, قدير, ذو قدرة يقدر على كل شيء.
البسملة صوت mp3
⭐ ثالثاً: فضائل البسملة من السنة النبوية المطهرة
وردت أحاديث وآثار كثيرة جداً تبيّن عظمة البسملة، نذكرها تفصيلاً:
🌿 رابعاً: البسملة في كل أمر — كمال التيمن والتوكل
كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر أو أقطع. ولهذا كان سلف الأمة حريصاً على البدء بالبسملة في الأكل والشرب، واللبس، ودخول المسجد، والجماع، والكتابة، والسفر، والركوب. قال العلماء: "البسملة روح العمل، فالعمل إذا جرد عنها فهو كالجسد بلا روح، وإذا قُرنت بها أصبح مقبولاً مشروعاً فيه البركة". وأضاف: "من السنة أن يقول المسلم عند ذبح الأضحية: بسم الله والله أكبر، وعند رمي الجمار، وعند إغلاق الأبواب ليلاً".
📖 خامساً: أسرار تكرير البسملة في الصلاة والعبادة
المسلم يقولها في افتتاح سورة الفاتحة في كل ركعة، فترتفع درجاته، وكان كثير من السلف يقرؤون البسملة سراً وجهراً في الصلاة (على المذهب الشافعي) لأنها جزء من الفاتحة. وفي ذلك فضل عظيم: فإن العبد كلما قال "بسم الله الرحمن الرحيم" تذكر رحمة الله الواسعة، فيخشع قلبه ويقبل على صلاته بخشوع. وقد ذكر الحافظ ابن حجر الهيتمي: "من داوم على البسملة قبل كل عمل، غفر الله له ذنوبه، وأعانه على إتمام العمل، وجعله ذخراً له يوم الحاجة".
✦ آيات قرآنية ختمت أو بدئت بالبسملة وأثرها
ورد "بسم الله الرحمن الرحيم" في سورة النمل كاملة: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:30]. فجاءت البسملة في كتاب النبي سليمان إلى ملكة سبأ، فكانت سبب هدايتها، لأنها تعظّم اسم الله ورحمته. ولذلك قال العلماء: من أهدى هدية أو كتب كتاباً وقال البسملة، كان أقرب للقبول والسلامة.
ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإن دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء». والبسملة هي الذكر الجامع في كل ذلك. ونظير ذلك عند الخروج، فالبسملة تحرس المسلم وتمنع كيد الشياطين.
✍️ آثار العلماء والأئمة الأربعة في تعظيمها
أجمع الأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد) على أن التسمية سنة مؤكدة عند افتتاح كل أمر مهم، وفي أول الوضوء والأكل والذبح. أما اختلافهم في كونها واجبة في الصلاة فمعروف، لكنهم متفقون على فضلها العظيم. وقال الإمام أحمد: "البسملة نور على نور، وعلامة لأهل الإخلاص". وقال العلماء: "وهي مفتاح كل بركة".
🔑 سابعاً: البسملة وأسرار الأسماء الحسنى
الرحمن الرحيم اسمان مشتقان من الرحمة، وهما من أخص أسماء الله تعالى. قال ابن عثيمين رحمه الله: "الرحمن عام في الدنيا والآخرة للمؤمن والكافر، والرحيم خاص بالمؤمنين يوم القيامة.
افتتح الله كتابه باسمه "الرحمن" الذي هو من أخص أسمائه، وهو اسم لا يطلق على غيره سبحانه، بمعنى ذي الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء. و"الرحيم" للمؤمنين خاصة في الآخرة كما قال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:43]. قال ابن القيم رحمه الله: "الرحمن اسم دال على الصفة القائمة به سبحانه وهي الرحمة العظيمة الشاملة، والرحيم دال على تعلق رحمته بالمرحوم. فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم فقد استجلب كل خير دنياوي وأخروي، لأنه استعان بالذي رحمته عامة وخاصة".
ومن أسرار الجمع بين الاسمين: أن العبد إذا أراد عملاً دنيوياً أو أخروياً، أو عبادة أو عادة، فهو بحاجة إلى رحمة الله التي توفقه للعمل وتعينه عليه (الرحيم)، وإلى رحمته الواسعة التي تيسر له أسباب النجاح (الرحمن). ولهذا كان النبي ﷺ يبدأ بها خطبه ورسائله وكتبه، تيمناً وتبركاً. والحكمة من تقديم "بسم الله" أن كل أمر لا يُبدأ فيه بذكر الله فهو أجذم (ناقص البركة).
فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم، يكون قد توسل إلى الله بعموم رحمته في الدنيا وبرحمته الخاصة في الآخرة، فيجمع له الخير كله". ومن فضل البسملة أنها تشعر العبد بلطف الله، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يقولها بقصد الاستعانة والتبرك، لا مجرد عادة لسانية.وقد جرت سنة الأنبياء على البدء بها في الملاحم والشدائد، ففي قصة نوح قال تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود:41]. فأمر نبيه أن تكون البسملة شعار السفينة في جريانها ورسوها، وكذلك فالمؤمن سفينته في بحار الدنيا هي البسملة، مخرجة من الضيق إلى السعة.
روائع الفوائد:
- البسملة تمنع نسيان القرآن، وتيسر الحفظ، فقد قال بعض الصالحين: من أراد حفظ القرآن فليكثر من البسملة.
- أنها تجلب الرزق وتفتح أبواب الخير، لحديث "ابدأوا باسم الله يستقم لكم الأمر".
- تجعل المسلم في معية الله وحفظه طوال اليوم مادام يذكرها عند كل انتقال.
- فيها شفاء من الأمراض الروحية والجسدية إذا قرئت بنية الرقية مع الفاتحة والإخلاص.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، الذي بنعمته تتم الصالحات، وبالبسملة تزكو الطاعات.
.