بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، والصلاة والسلام على من أُنزل عليه القرآن تبياناً لكل شيء، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن القرآن الكريم هو كلام الله المعجز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد تكفّل الله بحفظه فقال سبحانه: **{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}**
(سورة الحجر: 9). غير أن حفظ اللفظ لا يكفي وحده، بل لا بدّ من فهم المعاني واستنباط الأحكام، وهذا هو علم التفسير الذي يُعنى ببيان مراد الله تعالى من كلامه.
## تعريف التفسير وأهميته
التفسير لغةً: البيان والكشف والإظهار، يُقال: فسَّرتُ الكلامَ إذا بيَّنتَه وأوضحته. واصطلاحاً: هو بيان معاني القرآن الكريم، وإيضاح ما فيه من أحكام وحِكَم، وكشف المراد من آياته.
وهو من أشرف العلوم وأجلّها، إذ يتعلق بكلام الله تعالى، وقد وصف الله القرآن بأنه تبيان لكل شيء، فقال: **{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ}**
(سورة النحل: 89).
وتتجلى أهمية علم التفسير في:
- فهم كتاب الله والعمل به، إذ لا يمكن العمل بما لا يُفهم.
- استخراج الأحكام الشرعية من نصوصه.
- الوقوف على مقاصد الشريعة وغاياتها.
- الدفاع عن القرآن ضد شبهات المبطلين وتأويلات الجاهلين.
قال تعالى: **{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}**
(سورة ص: 29).
## أنواع التفسير
### أولاً: التفسير بالمأثور (الرواية)
هو ما جاء في القرآن نفسه، أو في السنة النبوية، أو أقوال الصحابة والتابعين. وأصحّ طرق التفسير أن يفسّر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في موضع فُصّل في آخر، ثم بالسنة النبوية لأنها شارحة للقرآن، ثم بأقوال الصحابة رضوان الله عليهم، ثم بأقوال التابعين.
ومن أهم كتب هذا النوع:
- **جامع البيان** للطبري.
- **تفسير القرآن العظيم** لابن كثير.
- **الدر المنثور** للسيوطي.
### ثانياً: التفسير بالرأي (الدراية)
هو الاجتهاد المبني على العلم باللغة العربية وأصول الفقه، مع الالتزام بقواعد التفسير وضوابطه. وليس المقصود التفسير بالهوى، بل الاجتهاد المدروس الذي يستند إلى أصول راسخة.
ومن أهم كتبه:
- **التفسير الكبير** للفخر الرازي.
- **أنوار التنزيل** للبيضاوي.
- **تيسير الكريم الرحمن** للسعدي.
## ضوابط التفسير وشروطه
لا يُقبل التفسير إلا بتحقق شروط وضوابط، منها:
1. **سلامة العقيدة**: فلا يفسر القرآن من كانت عقيدته فاسدة.
2. **المعرفة الكاملة باللغة العربية**: نحوها وصرفها وبلاغتها.
3. **معرفة أسباب النزول**: فلها أثر كبير في فهم المراد.
4. **معرفة الناسخ والمنسوخ**: لئلا يُعمل بمنسوخ أو يُهجر ناسخ.
5. **معرفة أصول الفقه**: لاستنباط الأحكام على وجه صحيح.
6. **البعد عن الهوى والتعصب**: فإن اتباع الهوى يُفسد الفهم ويُضلّ البيان.
قال تعالى: **{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}**
(سورة النساء: 83).
## أشهر المفسرين ومناهجهم
### 1. ابن جرير الطبري (ت 310هـ)
صاحب "جامع البيان"، ويُعد تفسيره أمّ التفاسير وأشملها، يتميز بالاستقصاء الشامل للأقوال، مع تحقيق الأسانيد، والجمع بين الرواية والدراية، فلا يكاد يغادر قولاً إلا ذكره مع نسبته لقائله.
### 2. ابن كثير (ت 774هـ)
صاحب "تفسير القرآن العظيم"، يفسر القرآن بالقرآن أولاً، ثم بالسنة النبوية، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، مع النقد الحديثي للأحاديث، وتمييز الصحيح من الضعيف، وهو من أنفع التفاسير وأكثرها تحريراً.
### 3. القرطبي (ت 671هـ)
صاحب "الجامع لأحكام القرآن"، اهتم بالأحكام الفقهية بصورة خاصة، مع شرح الغريب، وذكر القراءات، والجمع بين التفسير والفقه، فهو مرجع مهم لكل باحث في الأحكام الشرعية.
### 4. السعدي (ت 1376هـ)
صاحب "تيسير الكريم الرحمن"، يتميز بأسلوبه الميسر السهل، واهتمامه بالعقيدة والسلوك العملي، وتربيته الإيمانية للقارئ، مع اختصاره المفيد وبعده عن الإطالة المملة.
## مصادر ومراجع للتوسع
لمن أراد التوسع والاستزادة في هذا العلم، نوصي بقراءة:
- "مقدمة في أصول التفسير" لابن تيمية.
- "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي.
- "التحرير والتنوير" لابن عاشور.
- "أصول في التفسير" لابن عثيمين.
## الخاتمة
إن علم التفسير من أشرف العلوم وأجلّها، إذ يتعلق بكلام الله تعالى، وقد اعتنى به علماء الأمة عبر القرون، فوضعوا له القواعد والضوابط، وألّفوا فيه المؤلفات الكثيرة، ليصل إلينا القرآن مفهوماً كما أراد الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا فهم كتابه والعمل به، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.