ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين
﴿السماوات﴾: جمع: السماء، مصدر سما، وهي: ما يقابل الأرض، وعددها سبع، وله أبواب تُفَتَّح. «the heavens»
قوله تعالى : ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ) والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل ، وقال الحسن : الصور هو القرن ، وأول بعضهم كلامه أن الأرواح تجمع في القرن ثم ينفخ فيه فتذهب الأرواح إلى الأجساد فتحيا الأجساد . وقوله : ( ففزع من في السماوات ومن في الأرض ) أي : فصعق ، كما قال في آية أخرى : " فصعق من في السماوات ومن في الأرض " ( الزمر - 68 ) ، أي : ماتوا ، والمعنى أنهم يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا . وقيل: ينفخ إسرافيل في الصور . ثلاث نفخات : نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ، ونفخة القيام لرب العالمين . قوله : ( إلا من شاء الله ) اختلفوا في هذا الاستثناء ، روي عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل جبريل عن قوله : ( إلا من شاء الله ) قال : هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش .وروى سعيد بن جبير ، وعطاء عن ابن عباس : هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل الفزع إليهم . وفي بعض الآثار : " الشهداء ثنية الله - عز وجل - " أي : الذين استثناهم الله تعالى . وقال الكلبي ، ومقاتل : يعني جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت ، فلا يبقى بعد النفخة إلا هؤلاء الأربعة ، ثم يقبض الله روح ميكائيل ، ثم روح إسرافيل ، ثم روح ملك الموت ، ثم روح جبريل فيكون آخرهم موتا جبريل عليه السلام . .ويروى أن الله تعالى يقول لملك الموت : خذ نفس إسرافيل ، ثم يقول : من بقي يا ملك الموت ؟ فيقول : سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام ، بقي جبريل وميكائيل وملك الموت ، فيقول : خذ نفس ميكائيل ، فيأخذ نفسه ، فيقع كالطود العظيم ، فيقول : من بقي ؟ فيقول : سبحانك ربي تباركت وتعاليت ، بقي جبريل وملك الموت ، فيقول : مت يا ملك الموت ، فيموت ، فيقول : يا جبريل من بقي ؟ فيقول : تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني ، قال : فيقول يا جبريل لا بد من موتك ، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه فيروى أن فضل خلقه على فضل ميكائيل كالطود العظيم على ظرب من الظراب . ويروى أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش فيقبض روح جبريل وميكائيل ، ثم أرواح حملة العرش ، ثم روح إسرافيل ، ثم روح ملك الموت .أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله بن علي الجوهري ، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني ، أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من يرفع رأسه ، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أكان ممن استثنى الله - عز وجل - أم رفع رأسه قبلي ؟ ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب "قال الضحاك : هم رضوان ، والحور ، ومالك ، والزبانية . وقيل: عقارب النار وحياتها . قوله - عز وجل - : ( وكل ) أي : الذين أحيوا بعد الموت ، ( أتوه ) قرأ الأعمش ، وحمزة ، وحفص : " أتوه " مقصورا بفتح التاء على الفعل ، أي : جاءوه ، وقرأ الآخرون بالمد وضم التاء كقوله تعالى : " وكلهم آتيه يوم القيامة فردا " ( مريم - 95 ) ، ( داخرين ) صاغرين .
وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون
﴿وترى﴾: وتبصر وتشاهد. «And you see»
قوله - عز وجل - : ( وترى الجبال تحسبها جامدة ) قائمة واقفة ، ( وهي تمر مر السحاب ) أي : تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض . فتستوي بها وذلك أن كل شيء عظيم وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو سائر ، كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمتها ، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر ، ( صنع الله ) نصب على المصدر ، ( الذي أتقن كل شيء ) أي : أحكم ، ( إنه خبير بما تفعلون ) قرأ ابن كثير ، وأهل البصرة : بالياء والباقون بالتاء .
ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون
﴿فكبت﴾: فقلبت وألقيت. «will be cast down»
( ومن جاء بالسيئة ) يعني الشرك ، ( فكبت وجوههم في النار ) يعني ألقوا على وجوههم ، يقال : كببت الرجل : إذا ألقيته على وجهه ، فانكب وأكب ، وتقول لهم خزنة جهنم : ( هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) في الدنيا من الشرك .
إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين
﴿أمرت﴾: كلفت. «I am commanded»
قوله تعالى : ( إنما أمرت ) يقول الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - قل إنما أمرت ، (أن أعبد رب هذه البلدة ) يعني : مكة ، ( الذي حرمها ) جعلها الله حرما آمنا ، لا يسفك فيها دم ، ولا يظلم فيها أحد ، ولا يصاد صيدها ، ولا يختلى خلاها ، ( وله كل شيء ) خلقا وملكا ، ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) لله .