تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن تفسير الصفحة 246 من المصحف



تفسير القرطبي - صفحة القرآن رقم 246

246- تفسير الصفحة رقم246 من المصحف
الآية: 87 {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}
قوله تعالى: "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه" هذا يدل على أنه تيقن حياته؛ إما بالرؤيا، وإما بإنطاق الله تعالى الذئب كما في أول القصة، وإما بإخبار ملك الموت إياه بأنه لم يقبض روحه؛ وهو أظهر. والتحسس طلب الشيء بالحواس؛ فهو تفعل من الحس، أي اذهبوا إلى هذا الذهب طلب منكم أخاكم، واحتال عليكم في أخذه فاسألوا عنه وعن مذهبه. ويروى أن ملك الموت قال له: اطلبه من هاهنا! وأشار إلى ناحية مصر. وقيل: إن يعقوب تنبه على يوسف برد البضاعة، واحتباس أخيه، وإظهار الكرامة؛ فلذلك وجههم سلى جهة مصر دون غيرها. "ولا تيأسوا من روح الله" أي لا تقنطوا من فرج الله؛ قال ابن زيد، يريد: أن المؤمن يرجو فرج الله، والكافر يقنط في الشدة. وقال قتادة والضحاك: من رحمة الله. "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" دليل على أن القنوط من الكبائر، وهو اليأس في "الزمر" بيانه إن شاء الله تعالى.
الآية: 88 {فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين}
قوله تعالى: "فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز" أي الممتنع. "مسنا وأهلنا الضر" هذه المرة الثالثة من عودهم إلى مصر؛ وفي الكلام حذف، أي فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف قالوا: "مسنا" أي أصابنا "وأهلنا الضر" أي الجوع والحاجة؛ وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضر، أي الجوع؛ بل واجب عليه إذا خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره أن يبدي حالته إلى من يرجو منه النفع؛ كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه؛ ولا يكون ذلك قدحا في التوكل، وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط؛ والصبر والتجلد في النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل؛ وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى؛ وذلك قول يعقوب: "إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون" [يوسف: 86] أي من جميل صنعه، وغريب لطفه، وعائدته على عباده؛ فأما الشكوى على غير مشك فهو السفه، إلا أن يكون على وجه البث والتسلي؛ كما قال ابن دريد:
لا تحسبن يا دهر أني ضارع لنكبة تعرفني عرق المدى
مارست ما لو هوت الأفلاك من جوانب الجو عليه ما شكا
لكنها نفثة مصدر إذا جاش لغام من نواحيها غما
قوله تعالى: "وجئنا ببضاعة" البضاعة القطعة من المال يقصد بها شراء شيء؛ تقول: أبضعت الشيء واستبضعته أي جعلته بضاعة؛ وفي المثل: كمستبضع التمر إلى هجر. "مزجاة" صفة لبضاعة؛ والإزجاء السوق بدفع؛ ومنه قوله تعالى: "ألم تر أن الله يزجي سحابا" [النور: 43] والمعنى أنها بضاعة تدفع؛ ولا يقبلها كل أحد. قال ثعلب: البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة. واختلفت في تعيينها هنا؛ فقيل: كانت قديدا وحيسا؛ ذكره الواقدي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل: خلق الغرائر والحبال؛ روى عن ابن عباس. وقيل: متاع الأعراب صوف وسمن؛ قال عبدالله بن الحارث. وقيل: الحبة الخضراء والصنوبر وهو البطم، حب شجرة بالشام؛ يؤكل ويعصر الزيت منه لعمل الصابون، قاله أبو صالح؛ فباعوها بدراهم لا تنفق في الطعام، وتنفق فيما بين الناس؛ فقالوا: خذها منا بحساب جياد تنفق من الطعام. وقيل: دراهم رديئه؛ فال ابن عباس أيضا. وقيل: ليس عليها صورة يوسف، وكانت دراهم مصر عليهم صورة يوسف. وقال الضحاك: النعال والأدم؛ وعنه: كانت سويقا منخلا. والله أعلم.
قوله تعالى: "فأوف لنا الكيل" يريدون كما تبيع بالدراهم الجياد لا تنقصنا بمكان دراهمنا؛ هذا قول أكثرا المفسرين. وقال ابن جريج. "فأوف لنا الكيل" يريدون الكيل الذي كان قد كاله لأخيهم. "وتصدق علينا" أي تفضل علينا بما بين سعر الجياد والرديئة. قاله سعيد بن جبير والسدي والحسن: لأن الصدفة تحرم على الأنبياء. وقيل المعنى: "تصدق علينا" بالزيادة على حقنا؛ قاله سفيان بن عيينة. قال مجاهد: ولم تحرم الصدقة إلا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جريج: المعنى "تصدق علينا" برد أخينا إلينا. وقال ابن شجرة: "تصدق علينا" تجوز عنا؛ استشهد بقول الشاعر:
تصدق علينا يا ابن عفان واحتسب وأمر علينا الأشعري لياليا
"إن الله يجزي المتصدقين" يعني في الآخرة؛ يقال: هذا من معاريض الكلا؛ لأنه لم يكن عندهم أنه على دينهم، فلذلك لم يقولوا: إن الله يجزيك بصدقتك، فقالوا لفظا يوهمه أنهم أرادوه، وهم يصح لهم إخراجه بالتأويل؛ قاله النقاش وفي الحديث: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب).
استدل مالك وغيره من العلماء على أن أجرة الكيال على البائع؛ قال ابن القاسم وابن نافع قال مالك: قالوا ليوسف "فأوف لنا الكيل" فكان يوسف هو الذي يكيل، وكذلك الوزان والعداد وغيرهم، لأن الرجل إذا باع عدة معلومة من طعامه، وأوجب العقد عليه، وجب عليه أن يبرزها ويميز حق المشتري من حقه، إلا أن يبيع منه معينا صبره أو ما لا حق توفيه فيه ـ فخلى ما بينه وبينه، فما جرى على المبيع فهو على المبتاع؛ وليس كذلك ما فيه حق توفيه من كيل أو وزن، ألا ترى أنه لا يستحق البائع الثمن إلا بعد التوفية، وإن تلف فهو منه قبل التوفية.
وأما أجرة النقد فعلى البائع أيضا؛ لأن المبتاع الدافع لدراهمه يقول: إنها طيبة، فأنت الذي تدعي الرداءة فانظر لنفسك؛ وأيضا فإن النفع يقع له فصار الأجر عليه، وكذلك لا يجب على الذي يجب عليه القصاص؛ لأنه لا يجب عليه أن يقطع يد نفسه، إلا أن يمكن من ذلك طائعا؛ ألا ترى أن قرضا عليه أن يفدي يده، ويصالح عليه إذا طلب المقتص ذلك منه، فأجر القطاع على المقتص. وقال الشافعي في المشهور عنه: إنها على المقتص منه كالبائع.
يكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم تصدق علي؛ لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم لا رب غيره؛ وسمع الحسن رجلا يقول: اللهم تصدق علي؛ فقال الحن: يا هذا! إن الله لا يتصدق إنما يتصدق من يبتغي الثواب؛ أما سمعت قول الله تعالى: "إن الله يجزي المتصدقين" قل: اللهم أعطني وتفضل علي.
الآيتان: 89 - 90 {قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون، قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}
قوله تعالى: "قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه" استفهام بمعنى التذكير والتوبيخ، وهو الذي قال الله: "لتنبئنهم بأمرهم هذا" [يوسف: 15] الآية. "إذ أنتم جاهلون" دليل على أنهم كانوا صغارا في وقت أخذهم ليوسف، غير أنبياء؛ لأنه لا يوصف بالجهل إلا من كانت هذه صفته؛ ويدل على أنه حسنت حالهم الآن؛ أي فعلتم ذلك إذ أنتم صغار جهال؛ قال معناه ابن عباس والحسن؛ ويكون قولهم: "وإن كنا لخاطئين" على هذا، لأنهم كبروا ولم يخبروا أباهم بما فعلوا حياء وخوفا منه. وقيل: جاهلون بما تؤول إليه العاقبة. والله أعلم.
قوله تعالى: "قالوا أئنك لأنت يوسف" لما دخلوا عليه فقالوا: "مسنا وأهلنا الضر" فخضوا له وتواضعوا رق لهم، وعرقهم بنفسه، فقال: "هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه" فتنبهوا فقالوا: "أئنك لأنت يوسف" قاله ابن إسحاق. وقيل: إن يوسف تبسم فشبهوه بيوسف واستفهموا قال ابن عباس لما قال لهم: "هل علمتم ما فعلتم بيوسف" الآية، ثم تبسم يوسف - وكان إذا تبسم كأن ثناياه اللؤلؤ المنظوم - فشبهوه بيوسف، فقالوا له على جهة الاستفهام: "أئنك لأنت يوسف". وعن ابن عباس أيضا: أن إخوته لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان في قرنه علامة، وكان ليعقوب مثلها شبه الشامة، فلما قال لهم: "هل علمتم ما فعلتم بيوسف" رفع التاج عنه فعرفوه، فقالوا: "أئنك لأنت يوسف". وقال ابن عباس: كتب يعقوب إليه يطلب رد ابنه، وفي الكتاب: من يعقوب صفي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر - أما بعد - فإنا أهل بيت بلاء ومحن، ابتلى الله جدي إبراهيم بنمروذ وناره، ثم ابتلى أبي إسحاق بالذبح، ثم ابتلاني بولد كان لي أحب أولادي إلي حتى كف بصري من البكاء، وإني لم أسرق ولم ألد سارقا والسلام. فلما قرأ يوسف الكتاب ارتعدت مفاصله، واقشعر جلده، وأرخى عينيه بالبكاء، وعيل صبره فباح بالسر. وقرأ ابن كثير "إنك" على الخبر، ويجوز أن تكون هذه القراءة استفهاما كقوله: "وتلك نعمة" [الشعراء: 22]. "قال أنا يوسف" أي أنا المظلوم والمراد قتله، ولم يقل أنا هو تعظيما للقصة. "قد من الله علينا" أي بالنجاة والملك. "إنه من يتق ويصبر" أي يتق الله ويصبر على المصائب، وعن المعاصي. "فإن الله لا يضيع أجر المحسنين" أي الصابرين في بلائه، القائمين بطاعته. وقرأ ابن كثير: "إنه من يتقي" بإثبات الياء؛ والقراءة بها جائزة على أن تجعل "من" بمعنى الذي، وتدخل "يتقي" في الصلة، فتثبت الياء لا غير، وترفع "ويصبر". وقد يجوز أن تجزم "ويصير" على أن تجعل "يتقي" في موضع جزم و"من" للشرط، وتثبت الياء، وتجعل علامة الجزم حذف الضمة التي كانت في الياء على الأصل؛ كما قال:
ثم نادي إذا دخلت دمشقا يا يزيد بن خالد بن يزيد
وقال آخر:
ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد
وقراءة الجماعة ظاهرة، والهاء في "إنه" كناية عن الحديث، والجملة الخبر.
الآيتان: 91 - 92 {قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}
قوله تعالى: "قالوا تالله لقد آثرك الله علينا" الأصل همزتان خففت الثانية، ولا يجوز تحقيقها، واسم الفاعل مؤثر، والمصدر إيثار. ويقال: أثرت التراب إثارة فإنا مثير؛ وهو أيضا على أفعل ثم أعل، والأصل أثير نقلت حركة الياء على الثاء، فانقلبت الياء ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. وأثرت الحديث على فعلت فأنا اثر؛ والمعنى: لقد فضلك الله علينا، واختارك بالعلم والحلم والحكم والعقل والملك. "وإن كنا لخاطئين" أي مذنبين من خطئ يخطأ إذا أتى الخطيئة، وفي ضمن هذا سؤال العفو. وقيل لابن عباس: كيف قالوا "وإن كنا لخاطئين" وقد تعمدوا لذلك؟ قال: وإن تعمدوا لذلك، فما تعمدوا حتى أخطؤوا الحق، وكذلك كل من أتى ذنبا تخطى المنهاج الذي عليه من الحق، حتى يقع في الشبهة والمعصية.
قوله تعالى: "لا تثريب عليكم اليوم" أي قال يوسف - وكان حليما موفقا: "لا تثريب عليكم اليوم" وتم الكلام. ومعنى "اليوم": الوقت. والتثريب التعيير والتوبيخ، أي تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم؛ قال سفيان الثوري وغيره؛ ومنه قوله عليه السلام: (إذا زنت أمه أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها) أي لا يعيرها؛ وقال بشر:
فعفوت عنهم عفو مثرب وتركتهم لعقاب يوم سرمد
وقال الأصمعي: ثربت عليه وعربت عليه بمعنى إذا قبحت عليه فعله. وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الإخوة، ولكم عندي العفو والصفح؛ وأصل التثريب الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز. وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي الباب يوم فتح مكة، وقد لاذ الناس بالبيت فقال: (الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده) ثم قال: (ماذا تظنون يا معشر قريش) قالوا: خيرا، أخ كريم، ابن أخ كريم وقد قدرت؛ قال: (وأنا أقول كما قال أخي يوسف "لا تثريب عليكم اليوم" فقال عمر رضي الله عنه: ففضت عرقا من الحياء من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم ونفعل، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال استحييت من قولي. "يغفر الله لكم" مستقبل فيه معنى الدعاء؛ سأل الله أن يستر عليهم ويرحمهم. وأجاز الأخفش الوقت على "عليكم" والأول هو المستعمل؛ فإن في الوقف على "عليكم" والابتداء بـ "اليوم يغفر الله لكم" جزم بالمغفرة في اليوم، وذلك لا يكون إلا عن وحي، وهذا بين. وقال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ؛ ألم تر قول يوسف: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم" وقال يعقوب: "سوف أستغفر لكم ربي".
الآية: 93 {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين}
قوله تعالى: "اذهبوا بقميصي هذا" نعت للقميص، والقميص مذكر، فأما قول الشاعر:
تدعو هوازن والقميص مفاضة فوق النطاق تشد بالأزرار
فتقديره: [والقميص] درع مفاضة. قاله النحاس. وقال ابن السدي عن أبيه عن مجاهد: قال لهم يوسف: "اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا" قال: كان يوسف أعلم بالله من أن يعلم أن قميصه يرد على يعقوب بصره، ولكن ذلك قميص إبراهيم الذي البسه الله في النار من حرير الجنة، وكان كساه إسحاق، وكان إسحاق كساه يعقوب، وكان يعقوب أدرج ذلك القميص في قصبة من فضة وعلقة في عنق يوسف، لما كان يخاف عليه من العين، وأخبره جبريل بأن أرسل قميصك فإن فيه ريح الجنة، وإن ريح الجنة لا يقع على سقيم ولا مبتلى إلا عوفي. وقال قميصه يهوذا، قال يوسف: أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب فأحزنته، وأنا الذي أحمله الآن لأسره، وليعود إليه بصره، فحمله؛ حكاه السدي. "وأتوني بأهلكم أجمعين" لتتخذوا مصر دارا. قال مسروق: فكانوا ثلاثة وتسعين، ما بين رجل وامرأة. وقد قيل: إن القميص الذي بعثه هو القميص الذي قد من دبره، ليعلم يعقوب أنه عصم من الزنى؛ والقول الأول أصح، وقد روى مرفوعا من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكره القشيري والله أعلم.
الآية: 94 {ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون}
قوله تعالى: "ولما فصلت العير" أي خرجت منطلقة من مصر إلى الشام، يقال: فصل فصولا، وفصلته فصلا، فهو لازم ومتعد. "قال أبوهم" أي قال لمن حضر من قرابته ممن لم يخرج إلى مصر وهم ولد ولده: "إني لأجد ريح يوسف" وقد يحتمل، أن يكون خرج بعض بنيه، فقال لمن بقي: "إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون". قال ابن عباس: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إليه، وبينهما مسيرة ثمان ليال. وقال الحسن: مسيرة عشر ليال؛ وعنه أيضا مسيرة شهر. وقال مالك بن أنس رضي الله عنه: إنما أوصل ريحه من أوصل عرش. بلقيس قبل أن يرتد إلى سليمان عليه السلام طرفه. وقال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص فراحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فعند ذلك قال: "إني لأجد" أي أشم؛ فهو وجود بحاسة الشم. "لولا أن تفندوني" قال ابن عباس ومجاهد: لولا أن تسفهون؛ ومنه قول النابغة:
إلا سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند
أي عن السفه. وقال سعيد بن جبير والضحاك: لولا أن تكذبون. والفند الكذب. وقد أفند إفنادا كذب؛ ومنه قول الشاعر:
يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي فليس ما فات من أمري مردود
وقال ابن الأعرابي: "لولا أم تفندون" لولا أن تُضعفوا رأي؛ وقاله ابن إسحاق. والفند ضعف الرأي من كبر. وقول رابع: تضللون، قاله أبو عبيدة. وقال الأخفش: تلوموني؛ والتفنيد اللوم وتضعيف الرأي. وقال الحسن وقتادة ومجاهد أيضا: تهرمون؛ وكله متقارب المعنى، وهو راجع إلى التعجيز وتضعيف الرأي؛ يقال: فنده تفنيدا إذا أعجزه، كما قال:
أهلكني باللوم والتفنيد
ويقال: أفند إذا تكلم بالخطأ؛ والفند الخطأ في الكلام والرأي، كما قال النابغة:
. ... فاحددها عن الفند
أي امنعها عن الفساد في العقل، ومن ذلك قيل: اللوم تفنيد؛ قال الشاعر:
يا عاذلي دعا الملام وأقصرا طال الهوى وأطلتما التفنيدا
ويقال: أفند فلانا الدهر إذا أفسده؛ ومنه قول ابن مقبل:
دع الدهر يفعل ما أراد فإنه إذا كلف الإفناد بالناس أفندا
الآية: 95 {قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم}
قوله تعالى: "قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم" أي لفي ذهاب عن طريق الصواب. وقال ابن عباس وابن زيد: لفي خطئك الماضي من حب يوسف لا تنساه. وقال سعيد بن جبير: لفي جنونك القديم. قال الحسن: وهذا عقوق. وقال قتادة وسفيان: لفي محبتك القديمة. وقيل: إنما قالوا هذا؛ لأن يوسف عندهم كان قد مات. وقيل: إن الذي قال له ذلك من بقي معه من ولده ولم يكن عندهم الخبر. وقيل: قال له ذلك من كان معه من أهله وقرابته. وقيل: بنو بنيه وكانوا صغارا؛ فالله أعلم.