تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن تفسير الصفحة 257 من المصحف



تفسير القرطبي - صفحة القرآن رقم 257

257- تفسير الصفحة رقم257 من المصحف
الآية: 11 {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون}
قوله تعالى: "قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم" أي في الصورة والهيئة كما قلتم. "ولكن الله يمن على من يشاء من عباده" أي يتفضل عليه بالنبوة. وقيل؛ بالتوفيق، والحكمة والمعرفة والهداية. وقال سهل بن عبدالله: بتلاوة القرآن وفهم ما فيه.
قلت: وهذا قول حسن، وقد خرج الطبري من حديث ابن عمر قال قلت لأبي ذر: يا عم أوصني؛ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: (ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيه صدقة يمن بها على من يشاء من عباده وما من الله تعالى على عباده بمثل أن يلهمهم ذكره). "وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان" أي بحجة وآية. "إلا بإذن الله" أي بمشيئته، وليس ذلك في قدرتنا؛ أي لا نستطيع أن نأتي بحجة كما تطلبون إلا بأمره وقدرته؛ فلفظه؛ لفظ الخبر، ومعناه النفي، لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه. "وعلى الله فليتوكل المؤمنون" تقدم معناه.
الآية: 12 {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون}
قوله تعالى: "وما لنا ألا نتوكل على الله" "ما" استفهام في موضع رفع بالابتداء، و"لنا" الخبر؛ وما بعدها في موضع الحال؛ التقدير: أي شيء لنا في ترك التوكل على الله. "وقد هدانا سبلنا" أي الطريق الذي يوصل إلى رحمته، وينجي من سخطه ونقمته. "ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون" "ولنصبرنَّ" لام قسم؛ مجازه: والله لنصبرن "على ما آذيتمونا" به، أي من الإهانة والضرب، والتكذيب والقتل، ثقة بالله أنه يكفينا ويثيبنا. "وعلى الله فليتوكل المتوكلون".
الآيتان: 13 - 14 {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}
قوله تعالى: "وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا" اللام لام قسم؛ أي والله لنخرجنكم. "أو لتعودن" أي حتى تعودوا أو إلا أن تعودوا؛ قاله الطبري وغيره. قال ابن العربي: وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير؛ فإن "أو" على بابها من التخيير؛ خير الكفار الرسل بين أن يعودوا في ملتهم أو يخرجوهم من أرضهم؛ وهذه سيرة الله تعالى في رسله وعباده؛ ألا ترى إلى قوله: "وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا. سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا" [الإسراء: 76 - 77] وقد تقدم هذا المعنى في "الأعراف" وغيرها. "في ملتنا" أي إلى ديننا، "فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم"
قوله تعالى: "ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد" أي مقامه بين يدي يوم القيامة؛ فأضيف المصدر إلى الفاعل. والمقام مصدر كالقيام؛ يقال: قام قياما ومقاما؛ وأضاف ذلك إليه لاختصاصه به. والمقام بفتح الميم مكان الإمامة، وبالضم فعل الإقامة؛ و"ذلك لمن خاف مقامي" أي قيامي عليه، ومراقبتي له؛ قال الله تعالى: "أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت". [الرعد 33] وقال الأخفش: "ذلك لمن خاف مقامي" أي عذابي، "وخاف وعيد" أي القرآن وزواجره. وقيل: إنه العذاب. والوعيد الاسم من الوعد.
الآية: 15 {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد}
قوله تعالى: "واستفتحوا" أي واستنصروا؛ أي أذن للرسل في الاستفتاح على قومهم، والدعاء بهلاكهم؛ قاله ابن عباس وغيره، وقد مضى في "البقرة". ومنه الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي يستنصر. وقال ابن زيد: استفتحت الأمم بالدعاء كما قالت قريش: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" [الأنفال: 32] الآية. وروي عن ابن عباس. وقيل قال الرسول: (إنهم كذبوني فافتح بيني وبينهم فتحا) وقالت الأمم: إن كان هؤلاء صادقين فعذبنا، عن ابن عباس أيضا؛ نظيره "ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين" [العنكبوت: 29] "ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين" [الأعراف: 77]. "وخاب كل جبار عنيد" الجبار المتكبر الذي لا يري لأحد عليه حقا؛ هكذا هو عند أهل اللغة؛ ذكره النحاس. والعنيد المعاند للحق والمجانب له، عن ابن عباس وغيره؛ يقال: عند عن قومه أي تباعد عنهم. وقيل: هو من العند، وهو الناحية وعاند فلان أي أخذ في ناحية معرضا؛ قال الشاعر:
إذا نزلت فاجعلوني وسطا إني كبير لا أطيق العندا
وقال الهروي: قوله تعالى: "جبار عنيد" أي جائر عن القصد؛ وهو العنود والعنيد والعاند؛ وفي حديث ابن عباس وسئل عن المستحاضة فقال: إنه عرق عاند. قال أبو عبيد: هو الذي عند وبغى كالإنسان يعاند؛ فهذا العرق في كثرة ما يخرج منه بمنزلته. وقال شمر: العاند الذي لا يرقأ. وقال عمر يذكر سيرته: أضم العنود؛ قال الليث: العنود من الإبل الذي لا يخالطها إنما هو في ناحية أبدا؛ أراد من هم بالخلاف أو بمفارقة الجماعة عطفت به إليها. وقال مقاتل: العنيد المتكبر. وقال ابن كيسان: هو الشامخ بأنفه. وقيل: العنود والعنيد الذي يتكبر على الرسل وبذهب عن طريق الحق فلا يسلكها؛ تقول العرب: شر الإبل العنود الذي يخرج عن الطريق. وقيل: العنيد العاصي. وقال قتادة: العنيد الذي أبي أن يقول لا إله إلا الله.
قلت: والجبار والعنيد في الآية بمعنى واحد، وإن كان اللفظ مختلفا، وكل متباعد عن الحق جبار وعنيد أي متكبر. وقيل: إن المراد به في الآية أبو جهل؛ ذكره المهدوي. وحكى الماوردي في كتاب "أدب الدنيا والدين" أن الوليد بن يزيد بن عبدالملك تفاءل يوما في المصحف فخرج له قوله عز وجل: "واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد" فمزق المصحف وأنشأ يقول:
أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد
فلم يلبث إلا أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم على سور بلده.
الآية: 16 {من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد}
قوله تعالى: "من ورائه جهنم" أي من وراء ذلك الكافر جهنم، أي من بعد هلاكه. ووراء بمعنى بعد؛ قال النابغة:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب
أي بعد الله جل جلاله؛ وكذلك قوله تعالى: "ومن ورائه عذاب غليظ" أي من بعده؛ وقوله تعالى: "ويكفرون بما وراءه" [البقرة: 91] أي بما سواه؛ قاله الفراء. وقال أبو عبيد: بما بعده: وقيل: "من ورائه" أي من أمامه، ومنه قول الشاعر:
ومن ورائك يوم أنت بالغه لا حاضر معجز عنه ولا بادي
وقال آخر:
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا
وقال لبيد:
ليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحني عليها الأصابع
يريد أمامي. وفي التنزيل: "كان وراءهم ملك" [الكهف: 79] أي أمامهم، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة وأبو علي قطرب وغيرهما. وقال الأخفش: هو كما يقال هذا الأمر من ورائك، أي سوف يأتيك، وأنا من وراء فإن أي في طلبه وسأصل إليه. وقال النحاس في قول "من ورائه جهنم" أي من أمامه، وليس من الأضداد ولكنه من تواري؛ أي استتر. وقال الأزهري: إن وراء تكون بمعنى خلف وأمام فهو من الأضداد، وقاله أبو عبيدة أيضا، واشتقاقهما مما توارى واستتر، فجهنم توارى ولا تظهر، فصارت من وراء لأنها لا ترى، حكاه ابن الأنباري وهو حسن.
قوله تعالى: "ويسقى من ماء صديد" أي من ماء مثل الصديد، كما يقال للرجل الشجاع أسد، أي مثل الأسد، وهو تمثيل وتشبيه. وقيل: هو ما يسيل من أجسام أهل النار من القيح والدم. وقال محمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس: هو غسالة أهل النار، وذلك ماء يسيل من فروج الزناة والزواني. وقيل: هو من ماء كرهته تصد عنه، فيكون الصديد مأخوذا من الصد. وذكر ابن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو عن عبيدالله بن بسر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "ويسقي من ماء صديد يتجرعه" قال: (يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره يقول الله: "وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم" [محمد: 15] ويقول الله: "وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب") [الكهف: 29]) خرجه الترمذي، وقال: حديث غريب، وعبيدالله بن بسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة لعله أن يكون أخا عبدالله بن بسر. الآية: 17 {يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ}
قوله تعالى: "يتجرعه" أي يتحساه جرعا لا مرة واحدة لمرارته وحرارته. "ولا يكاد يسيغه" أي يبتلعه؛ يقال: جرع الماء واجترعه وتجرعه بمعنى. وساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا إذا كان سلسا سهلا، وأساغه الله إساغة. و"يكاد" صلة؛ أي يسيغه بعد إبطاء، قال الله تعالى: "وما كادوا يفعلون" [البقرة: 71] أي فعلوا بعد إبطاء، ولهذا قال: "يصهر به ما في بطونهم والجلود" [الحج: 20] فهذا يدل على الإساغة. وقال ابن عباس: يجيزه ولا يمر به. "ويأتيه الموت من كل مكان" قال ابن عباس: أي يأتيه أسباب الموت من كل جهة عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته ومن قدامه وخلفه، كقول: "لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل" [الزمر: 16]. وقال إبراهيم التيمي: يأتيه من كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره؛ للآلام التي في كل مكان من جسد. وقال الضحاك: إنه ليأتيه الموت من كل ناحية ومكان حتى من إبهام رجليه. وقال الأخفش: يعني البلايا التي تصيب الكافر في النار سماها موتا، وهي من أعظم الموت. وقيل: إنه لا يبقى عضو من أعضائه إلا وكل به نوع من العذاب؛ لو مات سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها في فرد لحظة؛ إما حية تنهشه؛ أو عقرب تلسعه، أو نار تسفعه، أو قيد برجليه، أو غل في عنقه، أو سلسلة يقرن بها، أو تابوت يكون فيه، أو زقوم أو حميم، أو غير ذلك من العذاب، وقال محمد بن كعب: إذا دعا الكافر في جهنم بالشراب فرآه مات موتات، فإذا دنا منه مات موتات، فإذا شرب منه مات موتات؛ فذلك قوله: "ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت". قال الضحاك: لا يموت فيستريح. وقال ابن جريج: تعلق روحه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة؛ ونظيره قوله: "لا يموت فيها ولا يحيا" [طه: 74]. وقيل: يخلق الله في جسده آلا ما كل واحد منها كألم الموت. وقيل:
قوله تعالى: "وما هو بميت" لتطاول شدائد الموت به، وامتداد سكراته عليه؛ ليكون ذلك زيادة في عذابه.
قلت: ويظهر من هذا أنه يموت، وليس كذلك؛ لقوله تعالى: "لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها" [فاطر: 36] وبذلك وردت السنة؛ فأحوال الكفار أحوال من استولى عليه سكرات الموت دائما، والله أعلم. "ومن ورائه" أي من أمامه. "عذاب غليظ" أي شديد متواصل الآلام غير فتور؛ ومنه قوله: "وليجدوا فيكم غلظة" [التوبة: 123] أي شدة وقوة. وقال فضيل بن عياض في قول الله تعالى: "ومن ورائه عذاب غليظ" قال: حبس الأنفاس.
الآية: 18 {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد}
قوله تعالى: "مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد" اختلف النحويون في رفع "مثل" فقال سيبويه: ارتفع بالابتداء والخبر مضمر؛ التقدير: وفيما يتلى عليكم أو يقص "مثل الذين كفروا بربهم" ثم ابتدأ فقال: "أعمالهم كرماد" أي كمثل رماد "اشتدت به الريح". وقال الزجاج: أي مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم أعمالهم كرماد، وهو عند الفراء على إلغاء المثل، التقدير: والذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد. وعنه أيضا أنه على حذف مضاف؛ التقدير: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد؛ وذكر الأول عنه المهدوي، والثاني القشيري والثعلبي ويجوز أن يكون مبتدأ كما يقال: صفة فلان أسمر؛ فـ"مثل" بمعنى صفة. ويجوز في الكلام جر "أعمالهم" على بدل الاشتمال من "الذين" واتصل هذا بقوله: "وخاب جبار عنيد" والمعنى: أعمالهم محبطة غير مقبولة. والرماد ما بقي بعد احتراق الشيء؛ فضرب الله هذه الآية مثلا لأعمال الكفار في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف. والعصف شدة الريح؛ وإنما كان ذلك لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى. وفي وصف اليوم بالعصوف ثلاثة أقاويل: أحدها: أن العصوف وإن كان للريح فإن اليوم قد يوصف به؛ لأن الريح تكون فيه، فجاز أن يقال: يوم عاصف، كما يقال: يوم حار ويوم بارد، والبرد والحر فيهما. والثاني: أن يريد "في يوم عاصف" الريح؛ لأنها ذكرت في أول الكلمة، كما قال الشاعر:
إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف
يريد كاسف الشمس فحذف؛ لأنه قد مر ذكره؛ ذكرهما الهروي. والثالث: أنه من نعت الريح؛ غير أنه لما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه كما قيل: جحر ضب خرب؛ ذكره الثعلبي والماوردي. وقرأ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر "في يوم عاصف". "لا يقدرون" يعني الكفار. "مما كسبوا على شيء" يريد في الآخرة؛ أي من ثواب ما عملوا من البر في الدنيا، لإحباطه بالكفر. "ذلك هو الضلال البعيد" أي الخسران الكبير؛ وإنما جعله كبيرا بعيدا لفوات استدراكه بالموت.