تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن تفسير الصفحة 397 من المصحف



تفسير القرطبي - صفحة القرآن رقم 397

397- تفسير الصفحة رقم397 من المصحف
قوله تعالى: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات" أي صدقوا "لنكفرن عنهم سيئاتهم" أي لنغطينها عنهم بالمغفرة لهم "ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون" أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعات ثم قيل: يحتمل أن تكفر عنهم كل معصية عملوها في الشرك ويثابوا على ما عملوا من حسنة في الإسلام ويحتمل أن تكفر عنهم سيئاتهم في الكفر والإسلام ويثابوا على حسناتهم في الكفر والإسلام
الآيات: 8 - 9 {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين}
قوله تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه حسنا" نزلت في سعد بن أبي وقاص فيما روى الترمذي قال: أنزلت فيّ أربع آيات فذكر قصة؛ فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر؛ قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية: "ووصيتا الإنسان بوالديه حسنا" الآية قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وروي عن سعد أنه قال: كنت بارأ بأمي فأسلمت فقالت: لتدعن دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي ويقال يا قاتل أمه وبقيت يوما ويوما فقلت: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت ونزلت: "وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما" الآية وقال ابن عباس: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخى أبي جهل لأمه وفد فعلت أمه مثل ذلك وعنه أيضا: نزلت في جميع الأمة إذا لا يصبر على بلاء الله إلا صديق "وحسنا" نصب عند البصريين على التكرير أي ووصيناه حسنا وقيل: هو على القطع تقديره ووصيناه بالحسن كما تقول وصيته خيرا أي بالخير وقال أهل الكوفة: تقديره ووصينا الإنسان أن يفعل حسنا فيقدر له فعل وقال الشاعر:
عجبت من دهماء إذ تشكونا ومن أبي دهماء إذا يوصينا
خيرا بها كأنما خافونا
أي يوصينا أن نفعل بها خيرا؛ كقوله: "فطفق مسحا" [ص: 33] أي يمسح مسحا وقيل: تقديره ووصيناه أمرا ذا حسن فأقيمت الصفة مقام الموصوف وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل: معناه ألزمناه حسنا وقراءة العامة: "حسنا" بضم الحاء وإسكان السين وقرأ أبو رجاء وأبو العالية والضحاك: بفتح الحاء والسين وقرأ الجحدري: "إحسانا" على المصدر؛ وكذلك في مصحف أُبيّ التقدير: ووصينا الإنسان أن يحسن إحسانا ولا ينتصب بوصينا؛ لأنه قد استوفى مفعوليه. "إلي مرجعكم" وعيد في طاعة الوالدين في معنى الكفر. "فأنبئكم بما كنتم تعملون" كرر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين لتحرك النفوس إلى نيل مراتبهم وقوله: "لندخلهم في الصالحين" مبالغة على معنى؛ فالذين هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته وإذا تحصل للمؤمن هذا الحكم تحصل ثمرته وجزاؤه وهو الجنة.
الآية: 10 - 11 {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين، وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين}
قوله تعالى: "ومن الناس من يقول آمنا بالله" الآية نزلت في المنافقين كانوا يقولن آمنا بالله "فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس" أي أذاهم "كعذاب الله" في الآخرة فارتد عن إيمانه وقيل: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله ولا يصبر على الأذية في الله "ولئن جاء نصر من ربك" أي للمؤمنين "ليقولن" هؤلاء المرتدون "إنا كنا معكم" وهم كاذبون فقال الله لهم: "أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين" يعني الله أعلم بما في صدورهم منهم بأنفسهم. وقال مجاهد:نزلت في ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون فإذا أوذوا رجعوا إلي الشرك وقال عكرمة: كان قوم قد أسلموا فأكرههم المشركون على الخروج معهم إلي بدر فقتل بعضهم فأنزل الله: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" [النساء: 97] فكتب بها المسلون من المدينة إلى المسلمين بمكة فخرجوا فلحقهم المشركون فافتتن بعضهم فنزلت هذه الآية فيهم وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أسلم وهاجر ثم أوذي وضرب فأرتد وإنما عذبه أبو جهل والحرث وكانا أخويه لأمه قال ابن عباس: ثم عاش بعد ذلك بدهر وحسن إسلامه "وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين" قال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلي مكة
الآية: 12 - 13 {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون، وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون}
قوله تعالى: "وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا" أي ديننا "ولنحمل خطاياكم"جزم على الأمر قال الفراء والزجاج: هو أمر في تأويل الشرط والجزاء؛ أي إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم كما قال:
فقلت ادعي وأدْعُ فإن أندى لصوت أن يناديَ داعيان
أي إن دعوت دعوت. قال المهدوي: وجاء وقوع "إنهم لكاذبون" بعده على الحمل على المعنى؛ لأن المعنى إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر وقع عليه التكذيب كما يوقع عليه الخبر قال مجاهد: قال المشركون من قريش نحن وأنتم لا نبعث فإن كان عليكم وزر فعلينا؛ أي نحن نحمل عنكم ما يلزمكم والحمل ههنا بمعنى الحمالة لا الحمل على الظهر وروى أن قائل ذلك الوليد بن المغيرة. "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم" يعني ما يحمل عليهم من سيئات من ظلموه بعد فراغ حسناتهم روي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في "آل عمران" قال أبو أمامة الباهلي: (يؤتى بالرجل يوم القيامة وهو كثير الحسنات فلا يزال يقتص منه حتى تفنى حسناته ثم يطالب فيقول الله عز وجل أقتصوا من عبدي فتقول الملائكة ما بقيت له حسنات فيقول خذوا من سيئات المظلوم فاجعلوا عليه) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم" وقال قتادة: من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء ونظيره قوله تعالى: "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم" [النحل: 25] ونظير هذا قول عليه السلام: (من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزوها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) روي من حديث أبي هريرة وغيره وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور من اتبعه ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليها وعمل بها بعده فعليه مثل أوزار من عمل بها ممن أتبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا) ثم قرأ الحسن: "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم"
قلت: هذا مرسل وهو معنى حديث أبي هريرة خرجه مسلم ونص حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فإن له مثل أوزار من اتبعه ولا ينقص من أوزرهم شيئا وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فإن له مثل أجور من اتبعه ولا ينقص من أجورهم شيئا) خرجه ابن ماجه في السنن وفي الباب عن أبي جحيفة وجرير وقد قيل: أن المراد أعوان الظلمة وقيل أصحاب البدع إذا اتبعوا عليها وقيل: محدثو السنن الحادثة إذا عمل بها من بعدهم والمعنى متقارب والحديث يجمع ذلك كله.
الآية: 14 - 15 {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون، فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين}
قوله تعالى: "ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما" ذكر قصة نوح تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ أي ابتلي النبيون قبلك بالكفار فصبروا وخص نوحا بالذكر؛ لأنه أول رسول أرسل إلي الأرض وقد امتلأت كفرا على ما تقدم بيانه في "هود" وأنه لم يلق نبي من قومه ما لقي نوح على ما تقدم في "هود" عن الحسن وروي عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول نبي أرسل نوح) قال قتادة: وبعث من الجزيرة واختلف في مبلغ عمره فقيل: مبلغ عمره ما ذكره الله تعالى في كتابه قال قتادة: لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة ودعاهم لثلاثمائة سنة ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة وقال ابن عباس: بعث نوح لأربعين سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وعاش بعد الغرق ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا وعنه أيضا: أنه بعث وهو ابن مئتين وخمسين سنة ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين وعاش بعد الطوفان مائتي سنة وقال وهب: عمر نوح ألفا وأربعمائة سنة وقال كعب الأحبار: لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وعاش بعد الطوفان سبعين عاما فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين عاما وقال عون بي شداد: بعث نوح وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة فكان مبلغ عمره ألف سنة وستمائة سنة وخمسين سنة ونحوه عن الحسن قال الحسن: لما أتى ملك الموت نوحا ليقبض روحه قال: يا نوح كم عشت في الدنيا ؟ قال: ثلاثمائة قبل أن أبعث وألف سنة إلا خمسين عاما في قومي وثلاثمائة سنة وخمسين سنة بعد الطوفان قال ملك الموت: فكيف وجدت الدنيا ؟ قال نوح: مثل دار لها بابان دخلت من هذا وخرجت من هذا وروي من حديث أنس قال قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: (لما بعث الله نوحا إلي قومه بعثه وهو ابن خمسين ومائتي سنة فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وبقي بعد الطوفان خمسين ومائتي سنة فلما أتاه ملك الموت قال يا نوح يا أكبر الأنبياء ويا طويل العمر ويا مجاب الدعوة كيف رأيت الدنيا قال: مثل رجل بني له بيت له بابان فدخل من واحد وخرج من الآخر) وقد قيل: دخل من أحدهما وجلس هنيهة ثم خرج من الباب الآخر وقال ابن الوردي: بنى نوح بيتا من قصب فقيل له: لو بنيت غير هذا فقال: هذا كثير لمن يموت وقال أبو المهاجر: لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما في بيت من شعر فقيل له: يا نبي الله ابن بيتا فقال: أموت اليوم أو أموت غدا وقال وهب بن منبه: مرت بنوح خمسمائة سنة لم يقرب النساء وجلا من الموت وقال مقاتل وجويبر: إن آدم عليه السلام حين كبر ورق عظمه قال يا رب إلي متى أكد وأسعى؟ قال يا آدم حتى يولد لك ولد مختون فولد له نوح بعد عشرة أبطن وهو يومئذ ابن ألف سنة إلا ستين عاما وقال بعضهم: إلا أربعين عاما والله أعلم فكان نوح بن لامك بن متوشح بن إدريس وهو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم وكان اسم نوح السكن وإنما سمي السكن لأن الناس بعد آدم سكنوا إليه فهو أبوهم وولد له سام وحام ويافث فولد سام العرب وفارس والروم وفي كل هؤلاء خير وولد حام القبط والسودان والبربر وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج وليس في شيء من هؤلاء خير وقال ابن عباس: في ولد سام بياض وأدمة وفي ولد حام سواد وبياض قليل وفي ولد يافث - وهم الترك والصقالبة - الصفرة والحمرة وكان له ولد رابع وهو كنعان الذي غرق والعرب تسميه يام وسمي نوح نوحا لأنه ناح عن قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى فإذا كفروا بكى وناح عليهم وذكر القشيري أبو القاسم عبدالكريم في كتاب التخبير له: يروى أن: نوحا عليه السلام كان اسمه يشكر ولكن لكثرة بكائه على خطيئته أوحى الله إليه يا نوح كم تنوح فسمي نوحا؛ فقيل: يا رسول الله فأي شيء كانت خطيئته ؟ فقال: إنه مر بكلب فقال في نفسه ما أقبحه فأوحى الله إليه اخلق أنت أحسن من هذا. وقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوحا لطول ما ناح على نفسه فإن قيل: فلم قال: "ألف سنة إلا خمسين عاما" ولم يقل تسعمائة وخمسين عاما ففيه جوابان: أحدهما: أن المقصود به تكثير العدد فكان ذكره الألف أكثر في اللفظ وأكثر في العدد. الثاني: ما روي أنه أعطي من العمر ألف سنة فوهب من عمره خمسين سنة لبعض ولده فلما حضرته الوفاة رجع في استكمال الألف فذكر الله تعالى ذلك تنبيها على أن النقيصة كانت من جهته. "فأخذهم الطوفان وهم ظالمون" قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: المطر الضحاك: الغرق وقيل: الموت روته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنه قول الشاعر:
أفناهم طوفان موت جارف
قال النحاس: يقال لكل كثير مطيف بالجميع من مطر أو قتل أو موت طوفان "وهم ظالمون"جملة في موضع الحال. و"ألف سنة" منصوب على الظرف "إلا خمسين عاما" منصوب على الاستثناء من الموجب وهو عند سيبويه بمنزلة المفعول؛ لأنه مستغنى عنه كالمفعول فأما المبرد أبو العباس محمد بن يزيد فهو عنده مفعول محض كأنك قلت استثنيت زيدا.
تنبيه: روى حسان بن غالب بن نجيح أبو القاسم المصري حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان جبريل يذاكرني فضل عمر فقلت يا جبريل ما بلغ فضل عمر قال لي يا محمد لو لبث معك ما لبث نوح في قومه ما بلغت لك فضل عمر) ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن ثابت البغدادي وقال تفرد بروايته حسان بن غالب عن مالك وليس بثابت من حديثه.
قوله تعالى: "فأنجيناه وأصحاب السفينة" معطوف على الهاء والهاء والألف في "جعلناها" للسفينة أو للعقوبة أو للنجاة؛ ثلاثة أقوال.