تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 41 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 41

41 : تفسير الصفحة رقم 41 من القرآن الكريم

** فَلَمّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنّ اللّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنّهُ مِنّيَ إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مّنْهُمْ فَلَمّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُمْ مُلاَقُواْ اللّهِ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ
يقول تعالى مخبراً عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده, ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل, وكان جيشه يومئذ فيما ذكره السدي ثمانين ألفاً, فالله أعلم, أنه قال {إن الله مبتليكم} أي مختبركم بنهر, قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين, يعني نهر الشريعة المشهور, {فمن شرب منه فليس مني} أي فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه {ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده}, أي فلا بأس عليه, قال الله تعالى: { فشربوا منه إلا قليلا منهم} قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي, ومن شرب منه لم يرو. وكذا رواه السدي عن أبي مالك, عن ابن عباس: وكذا قال قتادة وابن شوذب, وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفاً, فشرب منه ستة وسبعون ألفاً, وتبقى معه أربعة آلاف, كذا قال. وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومسعر بن كدام عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب, قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر, وما جازه معه إلا مؤمن, ورواه البخاري عن عبد الله بن رجاء, عن إسرائيل بن يونس, عن أبي إسحاق, عن جده, عن البراء بنحوه, ولهذا قال تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} أي استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم, فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد الله حق, فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عدد ولا عدد. ولهذا قالو{ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}.

** وَلَمّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلّمَهُ مِمّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَـَكِنّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ وَإِنّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
أي لما واجه حزب الإيمان, وهم قليل من أصحاب طالوت, لعدوهم أصحاب جالوت, وهم عدد كثير {قالوا ربنا أفرغ علينا صبر} أي أنزل علينا صبراً من عندك {وثبت أقدامن} أي في لقاء الأعداء, وجنبنا الفرار والعجز {وانصرنا على القوم الكافرين}.
قال الله تعالى: {فهزموهم بإذن الله} أي غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم {وقتل داود جالوت} ذكروا في الإسرائيليات أنه قتله بمقلاع كان في يده, رماه به فأصابه فقتله, وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته, ويشاطره نعمته, ويشركه في أمره, فوفى له ثم آل الملك إلى دواد عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة, ولهذا قال تعالى: {وآتاه الله الملك} الذي كان بيد طالوت {والحكمة} أي النبوة بعد شمويل {وعلمه مما يشاء} أي مما يشاء الله من العلم الذي اختص به صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} أي لولا الله يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثير} الاَية, وقال ابن جرير: حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة, حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة, عن وبرة بن عبد الرحمن, عن ابن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء» ثم قرأ ابن عمر {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} وهذا إسناد ضعيف, فإن يحيى بن سعيد هذا, هو ابن العطار الحمصي, وهو ضعيف جداً, ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو حميد الحمصي, حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا عثمان بن عبد الرحمن, عن محمد بن المنكدر, عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده, وولد ولده, وأهل دويرته, ودويرات حوله, ولا يزالون في حفظ الله عزّ وجل, ما دام فيهم» وهذا أيضاً غريب ضعيف لما تقدم أيضاً, وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا علي بن إسماعيل بن حماد, أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد, أخبرنا زيد بن الحباب, حدثني حماد بن زيد, عن أيوب, عن أبي قلابة, عن أبي أسماء, عن ثوبان رفع الحديث, قال «لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون, وبهم تمطرون, وبهم ترزقون, حتى يأتي أمر الله». وقال ابن مردويه أيضاً: وحدثنا محمد بن أحمد, حدثنا محمد بن جرير بن يزيد, حدثنا أبو معاذ نهار بن معاذ بن عثمان الليثي, عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني, عن عبادة بن الصامت, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأبدال في أمتي ثلاثون, بهم ترزقون, وبهم تمطرون, وبهم تنصرون» قال قتادة, إني لأرجو أن يكون الحسن منهم.
وقوله {ولكن الله ذو فضل على العالمين} أي ذو منّ عليهم ورحمة بهم, يدفع عنهم ببعضهم بعضاً, وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله.
ثم قال تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين} أي هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق, أي بالواقع الذي كان عليه الأمر المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل, {وإنك} يا محمد {لمن المرسلين} وهذا توكيد وتوطئة للقسم.