تفسير الشنقيطي تفسير الصفحة 314 من المصحف


تفسير أضواء البيان - صفحة القرآن رقم 314


تفسير أضواء البيان - صفحة القرآن رقم 67

 {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَٱجْعَل لِّى وَزِيراً مِّنْ أَهْلِى * هَـٰرُونَ أَخِى * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِى * وَأَشْرِكْهُ فِىۤ أَمْرِى * كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ * إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىۤ * إِذْ تَمْشِىۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ * وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى * ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِأايَـٰتِى وَلاَ تَنِيَا فِى ذِكْرِى * ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ * قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ * قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ * فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِأايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ}
قوله تعالى: {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُواْ قَوْلِي}. قال بعض العلماء: دل قوله {عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى} بالتنكير والإفراد، وإتباعه لذلك بقوله {يَفْقَهُواْ قَوْلِي} على أنه لم يسأل إزالة جميع ما بلسانه من العقد، بل سأل إزالة بعضها الذي يحصل بإزالته فهم كلامه مع بقاء بعضها. وهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر، كقوله تعالى عنه: {وَأَخِى هَـرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَان} ، وقوله تعالى عن فرعون {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} والاستدلال بقول فرعون في موسى، فيه أن فرعون معروف بالكذب والبهتان. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰإِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰأَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة. أنه منَّ على موسى مرة أخرى قبل مَنِّه عليه بالرسالة ورسالة أخيه معه، وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير، إذ أوحى إلى أمه أي ألهمها وقذف في قلبها، وقال بعضهم: هي رؤيا منام. وقال بعضهم: أوحى إليها ذلك بواسطة ملك كلمها بذلك. ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحي إليه نبياً، و«أن» في قوله {أَنِ ٱقْذِفِيهِ} هي المفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه. والتعبير بالموصول في قوله {مَا يُوحَىٰ} للدلالة على تعظيم شأن الأمر المذكور،
كقوله: {فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} ، وقوله {فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} والتابوت: الصندوق. واليم: البحر. والساحل: شاطىء البحر. والبحر المذكور: نيل مصر. والقذف: الإلقاء والوضع، ومنه قوله تعالى: {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} ومعنى {ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ} أي ضعيه في الصندوق. والضمير في قوله {أَنِ ٱقْذِفِيهِ} راجع إلى موسى بلا خلاف. وأما الضمير في قوله {فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ} وقوله {فَلْيُلْقِهِ} فقيل: راجع إلى التابوت. والصواب رجوعه إلى موسى في داخل التابوت، لأن تفريق الضمائر غير حسن، وقوله {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ} هو فرعون، وصيغة الأمر في قوله {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} فيها وجهان معروفان عند العلماء:
أحدهما ـ أن صيغة الأمر معناها الخبر، قال أبو حيان في البحر المحيط: و {فَلْيُلْقِهِ} أمر معناه الخبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذا الأمر أقطع الأفعال وأوجبها.
الوجه الثاني ـ أن صيغة الأمر في قوله {فَلْيُلْقِهِ} أريد بها الأمر الكوفي القدري، كقوله {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل، لأن الله أمره بذلك كوفاً وقدراً. وقد قدمنا ما يشبه هذين الوجهين في الكلام على قوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّ} .
وما ذكره جل وعلا في هذه الآيات ـ أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في «القصص»: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِىۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَن} وقد بين تعالى شدة جزع أمه عليه لما ألقته في البحر، وألقاه اليم بالساحل، وأخذه عدوه فرعون في قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {يَأْخُذْهُ} مجزوم في جواب الطلب الذي هو {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} وعلى أنه بمعنى الأمر الكوفي فالأمر واضح. وعلى أنه بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ. والعلم عند الله تعالى. وذكر في قصتها أنها صنعت له التابوت وطلته بالقار ـ وهو الزفت ـ لئلا يتسرب منه الماء إلى موسى في داخل التابوت، وحشته قطناً محلوجاً. وقيل: إن التابوت المذكور من شجر الجميز، وأن الذي نجره لها هو مؤمن آل فرعون، قيل: واسمه حزقيل. وكانت عقدت في التابوت حبلاً فإذا خافت على موسى من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا أمنت جذبته إليها بالحبل. فذهبت مرة لتشد الحبل في منزلها فانفلت منها وذهب البحر بالتابوت الذي فيه موسى فحصل لها بذلك من الغم والهم ما ذكره الله تعالى في قوله {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغ} .
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من مننه المتتابعة على موسى حيث قال {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} ـ أشار إلى ما يشبهه في قوله:
{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ} . قوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى}. من آثار هذه المحبة التي ألقاها الله على عبده ونبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ ما ذكره جل وعلا في «القصص» في قوله: {وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ} ، قال ابن عباس {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى}: أي أحبه الله وحببه إلى خلقه. وقال ابن عطية: جعل عليه مسحة من جمال. لا يكاد يصبر عنه من رآه. وقال قتادة: كانت في عيني موسى ملاحة، ما رآه أحد إلا أحبه وعشقه. قاله القرطبي. قوله تعالى {إِذْ تَمْشِىۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ}. اختلف في العامل الناصب للظرف الذي هو «إذْ» من قوله {إِذْ تَمْشِىۤ أُخْتُكَ} فقيل: هو «أَلْقَيْتُ» أي ألقيت عليك محبة مني حين تمشي أختك. وقيل: هو «تصنع» أي تصنع على عيني حين تمشي أختك. وقيل: هو بدل من «إذ» في قوله {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ} .
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاء أن يقول لك الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا. فتقول: وأنا لقيتُه إذ ذاك. وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.
وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من كون أخته مشت إليهم، وقالت لهم {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} ـ أوضحه جل وعلا في سورة «القصص» فبين أن أخته المذكورة مرسلة من قبل أمها لتتعرف خبره بعد ذهابه في البحر، وأنها أبصرته من بعد وهم لا يشعرون بذلك. وأن الله حرم عليه المراضع غير أمه تحريماً كونياً قدرياً. فقالت لهم أخته {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} أي على مرضع يقيل هو ثديها وتكفله لكم بنصح وأمانة ـ وذلك في قوله تعالى: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} فقوله تعالى في آية «القصص» هذه {وَقَالَتْ لاخْتِهِ} أي قالت أم موسى لأخته وهي ابنتها {قُصّيهِ} أي اتبعي أثره، وتطلبي خبره حتى تطَّلعي على حقيقة أمره.
وقوله: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ} أي رأته من بعيد كالمعرضة عنه، تنظر إليه وكأنها لا تريده {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بأنها أخته جاءت لتعرف خبره فوجدته ممتنعاً من أن يقبل ثدي مرضعة، لأن الله يقول: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ} أي تحريماً كونياً قدرياً، أي منعناه منها ليتيسر بذلك رجوعه إلى أمه، لأنه لو قبل غيرها أعطوه لذلك الغير الذي قبله ليرضعه ويكفله فلم يرجع إلى أمه. وعن ابن عباس: أنه لما قالت لهم {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ} أخذوها وشكّوا في أمرها وقالوا لها: ما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟
ٰ فقالت لهم: نصحهم له، وشفقتهم عليه رغبة في سرور الملك، ورجاء منفعته، فأرسلوها. فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أمه فأعطته ثديها فالتقمه ففرحوا بذلك فرحاً شديداً وذهب البشير إلى امرأة الملك فاستدعت أم موسى، وأحسنَتْ إليها، وأعطتها عطاء جزيلاً وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه قبل ثديها. ثم سألتها «آسية» أن تقيم عندها فترضعه فأبَتْ عليها وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلتُ فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجْرَتْ عليها النفقة والصَّلات والكساوى والإحسان الجزيل. فرجعت أم موسى بولدها قد أبدلها الله بعد خوفها أمناً في عزّ وجاه، ورزق دار (ا هـ) عن ابن كثير.
وقوله تعالى في آية «القصص»: {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} وعد الله المذكور هو قوله: {وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِىۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} والمؤرخون يقولون: إن أخت موسى المذكورة اسمها «مريم» وقوله {كَى تَقَرَّ عَيْنُه} إن قلنا فيه: إن «كَيْ» حرف مصدري فاللام محذوفة، أي لكي تقرَّ. وإن قلنا: إنها تعليلية، فالفعل منصوب بأن مضمرة. وقوله {تَقَرَّ عَيْنُه} قيل: أصله من القرار. لأن ما يحبه الإنسان تسكن عينه عليه، ولا تنظر إلى غيره: كما قال أبو الطيب:
وخصر تثبت الأبصار فيه كأن عليه من حدق نطاقا
وقيل: أصله من القر ـ بضم القاف ـ وهو البرد، تقول العرب: يومٌ قر ـ بالفتح ـ أي بارد، ومنه قول امرىء القيس: تميم بن مر وأشياعها وكندة حولي جميعاً صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأموا تحرقت الأرض واليوم قر

ومنه أيضاً قول حاتم الطائي الجواد: أوقد فإن الليل قر والريح يا واقد ريح صر
عل يرى نارك من يمر إن جلبت ضيفاً فأنت حر

وعلى هذا القول: فقرة العين من بردها. لأن عين المسرور باردة، ودمع البكاء من السرور بارد جداً، بخلاف عين المحزون فإنها حارة، ودمع البكاء من الحزن حار جداً. ومن أمثال العرب: أحر من دمع المقلات. وهي التي لا يعيش لها ولد، فيشتد حزنها لموت أولادها فتشتد حرارة دمعها لذلك. قوله تعالى: {تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ}. لم يبين هنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة سبب قتله لهذه النفس، ولا ممن هي، ولم يبين السبب الذي نجاه به من ذلك الغم، ولا للفتون الذي فتنه، ولكنه بين في سورة «القصص» خبر القتيل المذكور في قوله تعالى: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ قَالَ رَب إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} وأشار إلى القتيل المذكور في قوله:
{قَالَ رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} وهو المراد بالذنب في قوله تعالى عن موسى: {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} وهو مراد فرعون بقوله لموسى فيما ذكره الله عنه: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ} . وقد أشار تعالى في «القصص» أيضاً إلى غم موسى، وإلى السبب الذي أنجاه الله به منه في قوله: {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلاّ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىۤ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} ـ إلى قوله ـ {قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} . وقوله {ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ} قال بعض أهل العلم: الفتون مصدر، وربما جاء مصدر الثلاثي المتعدي على فعول. وقال بعضهم: هو جمع فتنة. وقال الزمخشري في الكشاف {فُتُون} يجوز أن يكون مصدراً على فعول في المتعدي كالثبور والشكور والكفور. وجمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداء بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزه وبدرة أي فتناك ضروباً من الفتن. وقد جاء في تفسير الفتون المذكور حديث معروف عند أهل العلم بحديث «الفتون»، أخرجه النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وساقه ابن كثير في تفسيره عن النسائي بسنده.
وهو حديث طويل يقتضي: أن الفتون يشمل كل ما جرى: على موسى من المحن من فرعون في صغره وكبره، كالخوف عليه من الذبح وهو صغير، ومن أجل ذلك أُلقي في التابوت وقذف في اليم فألقاه اليم بالساحل. وكخوفه وهو كبير من أن يقتله فرعون بالقبطي الذي قتله. وعلى هذا فالآيات التي ذكرت فيها تلك المحن مبينة للفتون على تفسير ابن عباس للفتون المذكور. وقال ابن كثير رحمه الله ـ بعد أن ساق حديث الفتون بطوله: هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى. وأخرجه أبو جعفر بن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنه مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره. والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزّي يقول ذلك أيضاً ا هـ. قوله تعالى: {فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ}. السنين التي لبثها في مدين هي المذكورة في قوله تعالى: {قَالَ إِنِّىۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} وقد قدمنا في سورة «مريم» أنه أتم العشر، وبينا دليل ذلك من السنة. وبه تعلم أن الأجل في قوله: {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلاٌّجَلَ} أنه عشر سنين لاثمان. وقال بعض أهل العلم: لبث موسى في مدين ثمان وعشرين سنة، عشر منها مهر ابنة صهره، وثمان عشرة أقامها هو اختياراً، والله تعالى أعلم.
وأظهر الأقوال في قوله تعالى: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} أي جئت على القدر الذي قدرته وسبق في علمي أنك تجيء فيه فلم تتأخر عنه ولم تتقدم، كما قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ} وقال:
{وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} ، وقال {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُور} . وقال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز. نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر
وقوله تعالى: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِأايَـٰتِى وَلاَ تَنِيَا فِى ذِكْرِىٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}. قال بعض أهل العلم: المراد بالآيات في قوله هنا: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِأايَـٰتِى} الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَاتٍ} ، وقوله: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ فِى تِسْعِ ءَايَـٰتٍ} . والآيات التسع المذكورة هي: العصا واليد البيضاء... إلى آخرها. وقد قدمنا الكلام عليها مستوفي في سورة «بني إسرائيل». وقوله تعالى: {إِنَّهُ طَغَىٰ}. أصل الطغيان: مجاوزة الحد، ومنه: {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ} وقد بين تعالى شدة طغيان فرعون ومجاوزته الحد في قوله عنه: {فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلاٌّعْلَىٰ} ، وقوله عنه {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى} ، وقوله عنه أيضاً: {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة، {وَلاَ تَنِيَ} مضارع ونى يني، على أحد قول ابن مالك في الخلاصة: فا أمراً ومضارع من كوعد احذف وفي كعدة ذاك اطرد

والونى في اللغة: الضعف، والفتور، والكلال والإعياء، ومنه قول امرىء القيس في معلقته: مسح إذا ما السابحات على الونى أثرن غباراً بالكديد المركل

وقول العجاج: فما ونى محمد مذ أن غفر له الإله ما مضى وما غبر
فقوله: {وَلاَ تَنِيَا فِى ذِكْرِى} أي لا تضعفا ولا تفترا في ذكري. وقد أثنى الله على من يذكره في جميع حالاته في قوله: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} ، وأمر بذكر الله عند لقاء العدو في قوله {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِير} كما تقدم إيضاحه.
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره هذه الآية الكريمة: والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله في حال مواجهة فرعون. ليكون ذكر الله عوناً لهما عليه، وقوة لهما وسلطاناً كاسراً له، كما جاء في الحديث: «إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مُناجز قِرْنه» اهـ منه.
وقال بعض أهل العلم: {وَلاَ تَنِيَا فِى ذِكْرِى} لا تزالا في ذكري. واستشهد لذلك بقول طرفة: كأن القدور الراسيات أمامهم قباب بنوها لا تني أبداً تغلي

أي لا تزال تغلي. ومعناه راجع إلى ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}.
أمر الله جل وعلا نبيه موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن يقولا لفرعون في حال تبليغ رسالة الله إليه «قَوْلاً ليِّناً» أي كلاماً لطيفاً سهلاً رقيقاً، ليس فيه ما يغضب وينفر. وقد بين جل وعلا المراد بالقول اللين في هذه الآية بقوله: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ} وهذا والله غاية لين الكلام ولطافته ورقته كما ترى. وما أمر به موسى وهارون في هذه الآية الكريمة أشار له تعالى في غير هذا الموضع، كقوله {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} .
مسألة
يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالرِّفق واللِّين. لا بالقسوة والشدة والعنف. كما بيناه في سورة «المائدة» في الكلام على قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} . وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: قال يزيد الرقاشي عند قوله {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّن}: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكشف بمن يتولاه ويناديه؟ اهـ ولقد صدق من قال:
ولو أن فرعون لما طغى وقال على الله إفكا وزورا
أناب إلى الله مستغفرا لما وجد الله إلا غفورا
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} قد قدمنا قول بعض العلماء: إن «لَعَلَّ» في القرآن بمعنى التعليل، إلا التي في سورة «الشعراء»: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} فهي بمعنى كأنكم. وقد قدمنا أيضاً أن «لعل» تأتي في العربية للتعليل. ومنه قوله: فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثقى
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كشبه سراب بالملا متألق

فقوله: «لعلنا نكف» أي لأجل أن نكف.
وقال بعض أهل العلم: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} معناه على رجائكما وطمعكما، فالترجي والتوقع المدلول عليه بلعل راجع إلى جهة البشر. وعزا القرطبي هذا القول لكبراء النحويين كسيبويه وغيره. قوله تعالى: {فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِأايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ}. ألف الاثنين في قوله «فَأتياه» راجعة إلى موسى وهارون. والهاء راجعة إلى فرعون. أي فأتيا فرعون «فقولا» له: «إنا رسولان إليك من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل» أي خل عنهم وأطلقهم لنا يذهبون معنا حيث شاؤوا، ولا تعذبهم.
العذاب الذي نهى الله فرعون أن يفعله ببني إسرائيل: هو المذكور في سورة «البقرة» في قوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} ، وفي سورة «إبراهيم» في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَاب
وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ
} ، وفي سورة «الأعراف» في قوله تعالى: {وَإِذْ أَنْجَيْنَـٰكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} . وفي سورة «الدخان» في قوله: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} وفي سورة «الشعراء» في قوله: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْرَٰءِيلَ} .
وما أمر به الله موسى وهارون في آية «طه» هذه من أنهما يقولان لفرعون إنهما رسولا ربه إليه، وأنه يأمره بإرسال بني إسرائيل ولا يعذبهم ـ أشار إليه تعالى في غير هذا الموضع، كقوله في سورة «الشعراء»: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} .
تنبيه
فإن قيل، ما وجه الإفراد في قوله {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} في «الشعراء»؟ مع أنهما رسولان؟ كما جاء الرسول مثنى في «طه» فما وجه التثنية في «طه» والإفراد في «الشعراء»، وكل واحد من اللفظين: المثنى والمفرد يراد به موسى وهارون؟
فالذي يظهر لي ـ والله تعالى أعلم ـ أن لفظ الرسول أصله مصدر وصف به، والمصدر إذا وصف به ذكر وأفرد كما قدمنا مراراً. فالإفراد في «الشعراء» نظراً إلى أن أصل الرسول مصدر. والتثنية في «طه» اعتداداً بالوصفية العارضة وإعراضاً عن الأصل، ولهذا يجمع الرسول اعتداداً بوصفيته العارضة، ويفرد مراداً به الجمع نظراً إلى أن أصله مصدر. ومثال جمعه قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} ، وأمثالها في القرآن. ومثال إفراده مراداً به الجمع قول أبي ذؤيب الهذلي: ألكنى إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر

ومن إطلاق الرسول مراداً به المصدر على الأصل قوله: لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بقول ولا أرسلتهم برسول

أي برسالة. وقول الآخر: ألا بلغ بني عصم رسولا بأني عن فتاحتكم غني

يعني أبلغهم رسالة.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {قَدْ جِئْنَـٰكَ بِأايَةٍ} يراد به جنس الآية الصادق بالعصا واليد وغيرهما. لدلالة آيات أخر على ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} يدخل فيه السلام على فرعون إن اتبع الهدى. ويفهم من الآية: أن من لم يتبع الهدى لا سلام عليه، وهو كذلك. ولذا كان في أول الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد ـ فإني أدعوك بدعاية الإسلام» إلى آخر كتابه صلى الله عليه وسلم.

إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ * قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلاٍّولَىٰ *

سيتم شرح هذه الأيات في الصفحة التي بعدها ان شاء الله