تفسير الشنقيطي تفسير الصفحة 387 من المصحف


تفسير أضواء البيان - صفحة القرآن رقم 387


تفسير أضواء البيان - صفحة القرآن رقم 67

 {طسۤمۤ * تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ * نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلاٌّرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلاٌّرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلاٌّرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ * وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِىۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَـٰطِئِينَ * وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ * فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَب إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِى ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلاٌّمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ * فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلاٌّمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِى ٱلاٌّرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ * وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلاّ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىۤ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَأجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلأَمِينُ * قَالَ إِنِّىۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّـٰلِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلاٌّجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَىَّ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلاٌّجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً قَالَ لاًّهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّىۤ ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِّىۤ ءَاتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّآ أَتَـٰهَا نُودِىَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِى ٱلأَيْمَنِ فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّىۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلاٌّمِنِينَ * ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَـٰنِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * وَأَخِى هَـرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِى إِنِّىۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِأايَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ * فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِأايَـٰتِنَا بَيِّنَـٰتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىۤ ءَابَآئِنَا ٱلاٌّوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّىۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحاً لَّعَلِّىۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ * وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى ٱلاٌّرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ * وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَيَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ لاَ يُنصَرُونَ}
قوله تعالىٰ:
{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلاٌّرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ }. قد قدّمنا أن قوله هنا: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا}، هو الكلمة في قوله تعالىٰ: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِى}، ولم يبيّن هنا السبب الذي جعلهم به أئمة جمع إمام، أي: قادة في الخير، دعاة إليه على أظهر القولين. ولم يبيِّن هنا أيضًا الشىء الذي جعلهم وارثيه، ولكنّه تعالىٰ بيَّن جميع ذلك في غير هذا الموضع؛ فبيّن السبب الذي جعلهم به أئمة في قوله تعالىٰ: {إِسْرٰءيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ}، فالصبر واليقين هما السبب في ذلك، وبيّن الشىء الذي جعلهم له وارثين بقوله تعالىٰ: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلاْرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا}، وقوله تعالىٰ: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَـٰكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْماً ءاخَرِينَ}، وقوله تعالىٰ: {فَأَخْرَجْنَـٰهُمْ مّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِى}. {فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَنا}. اعلم أن التحقيق إن شاء اللَّه، أن اللام في قوله: {فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَن}، لام التعليل المعروفة بلام كي، وذلك على سبيل الحقيقة لا المجاز، ويدلّ على ذلك قوله تعالىٰ: {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ}.
وإيضاح ذلك أن قوله تعالىٰ: {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ}، صريح في أن اللَّه تعالىٰ يصرف مشيئة العبد وقدرته بمشيئته جلَّ وعلا، إلى ما سبق به علمه، وقد صرف مشيئة فرعون، وقومه بمشيئته جلَّ وعلا، إلى التقاطهم موسى؛ ليجعله لهم عدوًّا وحزنًا، فكأنه يقول: قدرنا عليهم التقاطه بمشيئتنا ليكون لهم عدوًّا وحزنًا، وهذا معنى واضح، لا لبس فيه ولا إشكال، كما ترى.
وقال ابن كثير رحمه اللَّه في تفسير هذه الآية: ولكن إذا نظر إلى معنى السياق، فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه: أن اللَّه تعالىٰ قيّضهم لالتقاطه، ليجعله عدوًّا لهم وحزنًا، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، انتهى محل الغرض من كلامه. وهذا المعنى هو التحقيق في الآية إن شاء اللَّه تعالىٰ، ويدلّ عليه قوله تعالىٰ: {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ}، كما بيّنا وجهه آنفًا.
وبهذا التحقيق تعلم أن ما يقوله كثير من المفسّرين، وينشدون له الشواهد من أن اللام في قوله: {لِيَكُونَ}، لام العاقبة والصيرورة خلاف الصواب، وأن ما يقوله البيانيّون من أن اللام في قوله: {لِيَكُونَ} فيها استعارة تبعية، في متعلّق معنى الحرف، خلاف الصواب أيضًا.
وإيضاح مراد البيانيين بذلك، هو أن من أنواع تقسيمهم لما يسمّونه الاستعارة، التي هي عندهم مجاز علاقته المشابهة أنهم يقسمونها إلى استعارة أصلية، واستعارة تبعية، ومرادهم بالاستعارة الأصلية الاستعارة في أسماء الأجناس الجامدة والمصادر، ومرادهم باستعارة التبعية قسمان:
أحدهما: الاستعارة في المشتقّات، كاسم الفاعل والفعل.
والثاني: الاستعارة في متعلّق معنى الحرف، وهو المقصود بالبيان.
فمثال الاستعارة الأصلية عندهم: رأيت أسدًا على فرسه، ففي لفظة أسد في هذا المثال، استعارة أصلية تصريحية عندهم، فإنه أراد تشبيه الرجل الشجاع بالأسد لعلاقة الشجاعة، فحذف المشبّه الذي هو الرجل الشجاع، وصرّح بالمشبّه به الذي هو الأسد، على سبيل الاستعارة التصريحية، وصارت أصلية؛ لأن الأسد اسم جنس جامد.
ومثال الاستعارة التبعية في المشتقّ عندهم قولك: الحال ناطقة بكذا، فالمراد عندهم: تشبيه دلالة الحال بالنطق بجامع الفهم، والإدراك بسبب كل منهما، فحذف الدلالة التي هي المشبّه، وصرّح بالنطق الذي هو المشبّه به على سبيل الاستعارة التصريحية، واشتقّ من النطق اسم الفاعل الذي هو ناطقة، فجرت الاستعارة التبعية في اسم الفاعل الذي هو ناطقة، وإنما قيل لها تبعية؛ لأنها إنما جرت فيه تبعًا لجريانها في المصدر، الذي هو النطق؛ لأن المشتق تابع للمشتق منه، ولا يمكن فهمه بدون فهمه، وهذا التوجيه أقرب من غيره مما يذكرونه من توجيه ما ذكر.
ومثال الاستعارة التبعية عندهم في متعلق معنى الحرف، في زعمهم هذه الآية الكريمة، قالوا: اللام فيها كلفظ الأسد في المثال الأوّل، فإنه أطلق على غير الأسد لمشابهة بينهما، قالوا: وكذلك اللام أصلها موضوعة للدلالة على العلّة الغائية، وعلّة الشىء الغائية، هي ما يحمل على تحصيله ليحصل بعد حصوله، قالوا: والعلّة الغائية للالتقاط في قوله تعالىٰ: {فَٱلْتَقَطَهُ}، هي المحبة والنفع والتبنّي، أي: اتّخاذهم موسى ولدًا، كما صرّحوا بأن هذا هو الباعث لهم على التقاطه وتربيته، في قوله تعالىٰ عنهم: {قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدا}، فهذه العلّة الغائية عندهم هي التي حملتهم على التقاطه، لتحصل لهم هذه العلّة بعد الالتقاط.
قالوا: ولما كان الحاصل في نفس الأمر بعد الالتقاط، هو ضدّ ما رجوه وأملوه، وهو العداوة والحزن، شبهت العداوة والحزن الحاصلان بالالتقاط بالمحبة والتبنّي والنفع، التي هي علة الالتقاط الغائية بجامع الترتّب في كل منهما، فالعلّة الغائية تترتّب على معلولها دائمًا ترتّب رجاء للحصول، فتبنّيهم لموسى ومحبّته كانوا يرجون ترتبهما على التقاطهم له، ولما كان المترتّب في نفس الأمر على التقاطهم له، هو كونه عدوًّا لهم وحزنًا، صار هذا الترتّب الفعلي شبيهًا بالترتّب الرجائي، فاستعيرت اللام الدالَّة على العلّة الغائية المشعرة بالترتّب الرجائي للترتّب الحصولي الفعلي الذي لا رجاء فيه.
وإيضاحه أن ترتّب الحزن والعداوة على الالتقاط أشبه ترتّب المحبة والتبنّي على الالتقاط، فأطلقت لام العلّة الغائية في الحزن والعداوة، لمشابهتهما للتنبّي والمحبة في الترتّب، كما أطلق لفظ الأسد على الرجل الشجاع، لمشابهتهما في الشجاعة.
وبعض البلاغيين يقول: في هذا جرت الاستعارة الأصلية أوّلاً بين المحبة والتبنّي، وبين العداوة والحزن اللذين حصولهما هو المجرور، فكانت الاستعارة في اللام تبعًا للاستعارة في المجرور؛ لأن اللام لا تستقل فيكون ما اعتبر فيها تبعًا للمجرور، الذي هو متعلّق معنى الحرف، وبعضهم يقول: فجرت الاستعارة أولاً في العلية والغرضية، وتبعيتها في اللام، وهناك مناقشات في التبعية في معنى الحرف تركناها، لأن غرضنا بيان مرادهم بالاستعارة التبعية في هذه الآية بإيجاز.
وإذا علمت مرادهم بما ذكر، فاعلم أن التحقيق إن شاء اللَّه هو ما قدّمنا، وقد أوضحنا في رسالتنا المسماة «منع جواز المجاز في المنزل للتعبّد والإعجاز»، أن التحقيق أن القرءان لا مجاز فيه، وأوضحنا ذلك بالأدلّة الواضحة.
وقوله تعالىٰ في هذه الآية الكريمة: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَـٰطِئِينَ}، أي: مرتكبين الخطيئة التي هي الذنب العظيم؛ كقوله تعالىٰ: {مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارا}،وقوله تعالىٰ: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ}.
ومن إطلاق الخاطىء على المذنب العاصي، قوله تعالىٰ: {وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَـٰطِئُونَ}، وقوله تعالىٰ: {نَاصِيَةٍ كَـٰذِبَةٍ خَاطِئَةٍ}، وقوله: {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَـٰطِئِينَ}، والعلم عند اللَّه تعالىٰ. {قَالَ لاًّهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّىۤ ءَانَسْتُ نَارا}. قد قدّمنا إيضاحه بالآيات القرءانية في سورة «مريم».
واعلم أنا ربما تركنا كثيرًا من الآيات التي تقدّم إيضاحها من غير إحالة عليها، لكثرة ما تقدّم إيضاحه.