تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 274 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 274

273

66- "وإن لكم في الأنعام لعبرة" الأنعام هي الإبل والبقر والغنم ويدخل في الغنم المعز، والعبرة أصلها تمثيل الشيء بالشيء ليعرف حقيقته بطريق المشاكلة، ومنه "فاعتبروا يا أولي الأبصار" وقال أبو بكر الوراق: العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم، والظاهر أن العبرة هي قوله: "نسقيكم مما في بطونه" فتكون الجملة مستأنفة لبيان العبرة. قرأ أهل المدينة وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر "نسقيكم" بفتح النون من سقى يسقي. وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بضم النون من أسقى يسقي، قيل هما لغتان. قال لبيد: سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال وقرئ بالتاء الفوقية على أن الضمير راجع إلى الأنعام، وقرئ بالتحتية على إرجاع الضمير إلى الله سبحانه، وهما ضعيفتان، وجميع القراء على القراءتين الأوليين، والفتح لغة قريش، والضم لغة حمير، وقيل إن بين سقى وأسقى فرقاً، فإذا كان الشراب من يد الساقي إلى فم المسقي فيقال سقيته، وإن كان بمجرد عرضه عليه وتهيئته له قيل أسقاه. والضمير في قوله "مما في بطونه" راجع إلى الأنعام. قال سيبويه: العرب تخبر عن الأنعام بخبر الواحد. وقال الزجاج لماكان لفظ الجمع يذكر ويؤنث، فيقال هو الأنعام، وهي الأنعام جاز عود الضمير بالتذكير. وقال الكسائي معناه مما في بطون ما ذكرنا فهو على هذا عائد إلى المذكور. قال الفراء: وهو صواب. وقال المبرد: هذا فاش في القرآن كثير مثل قوله للشمس "هذا ربي" يعني هذا الشيء الطالع، وكذلك " وإني مرسلة إليهم بهدية " ثم قال: "فلما جاء سليمان" ولم يقل جاءت لأن المعنى جاء الشيء الذي ذكرنا انتهى، ومن ذلك قوله: "إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً" ومثله قول الشاعر: مثل الفراخ نيفت حواصله ولم يقل حواصلها، وقول الآخر: وطاب إلقاح اللبان وبرد ولم يقل وبردت. وحكي عن الكسائي أن المعنى مما في بطون بعضه وهي الإناث، لأن الذكور لا ألبان لها، وبه قال أبو عبيدة وحكي عن الفراء أنه قال: النعم والأنعام واحد يذكر ويؤنث، ولهذا تقول العرب: هذه نعم وارد فرجع الضمير إلى لفظ النعم الذي هو بمعنى الأنعام، وهو كقول الزجاج ورجحه ابن العربي فقال: إنما يرجع التذكير إلى معنى الجمع، والتأنيث إلى معنى الجماعة، فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع وأنثه في سورة المؤمنين باعتبار لفظ الجماعة "من بين فرث ودم" الفرث: الزبل الذي ينزل إلى الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثاً: يقال أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها. والمعنى: أن الشيء الذي تأكله يكون منه ما في الكرش، وهو الفرث ويكون منه الدم، فيكون أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه "لبناً" فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع، ويبقى الفرث كما هو. "خالصاً" يعني من حمرة الدم وقذارة الفرث بعد أن جمعهما وعاء واحد "سائغاً للشاربين" أي لذيذاً هنيئاً لا يغص به من شربه: يقال ساغ الشراب يسوغ سوغاً أي سهل مدخله في الحلق.
67- "ومن ثمرات النخيل والأعناب" قال ابن جرير: التقدير، ومن ثمرات النخيل والأعناب مما تتخذون، فحذف ما ودل على حذفه قوله منه وقيل هو معطوف على الأنعام، والتقدير: وإن لكم من ثمرات النخيل والأعناب لعبرة، ويجوز أن يكون معطوفاً على مما في بطونه: أي نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل، ويجوز أن يتعلق بمحذوف ودل عليه ما قبله تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل، ويكون على هذا "تتخذون منه سكراً" بياناً للإسقاء وكشفاً عن حقيقته، ويجوز أن يتعلق بتتخذون تقديره ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكراً، ويكون تكرير الظرف، وهو قوله منه للتأكيد كقولك زيد في الدار فيها، وإنما ذكر الضمير في منه لأنه يعود إلى المذكور، أو إلى المضاف المحذوف: وهو العصير كأنه قيل ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه، والسكر ما يسكر من الخمر، والرزق الحسن جميع ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالثمر والدبس والزبيب والخل، وكان نزول هذه الآية قبل تحريم الخمر، وقيل إن السكر الخل بلغة الحبشة، والرزق الحسن الطعام من الشجرتين، وقيل السكر العصير الحلو الحلال، وسمي سكراً لأنه قد يصير مسكراً إذا بقي، فإذا بلغ الإسكار حرم. والقول الأول أولى وعليه الجمهور، وقد صرح أهل اللغة بأن السكر اسم للخمر، ولم يخالف في ذلك إلا أبو عبيدة فإنه قال: السكر الطعم. ومما يدل على ما قاله جمهور أهل اللغة قول الشاعر: بئس الصحاب وبئس الشرب شربهم إذا جرى فيهم الهذي والسكر ومما يدل على ما قاله أبو عبيدة ما أنشده: جعلت عيب الأكرمين سكراً أي جعلت ذمهم طعماً، ورجح هذا ابن جرير فقال: إن السكر ما يطعم من الطعام ويحل شربه من ثمار النخيل والأعناب وهو الرزق الحسن، فاللفظ مختلف والمعنى واحد مثل "إنما أشكو بثي وحزني إلى الله" قال الزجاج: قول أبي عبيدة هذا لا يعرف، وأهل التفسير على خلافه ولاحجة في البيت الذي أنشده لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتحمر بعيوب الناس، وقد حمل السكر جماعة من الحنفية على ما لا يسكر من الأنبذة وعلى ما ذهب ثلثاه بالطبخ، قالوا: وإنما يمتن الله على عباده بما أحله لهم لا بما حرمه عليهم، وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة المتواترة على فرض تأخره عن آية تحريم الخمر اهـ. "إن في ذلك لآية لقوم يعقلون" أي لدلالة لمن يستعمل العقل ويعمل بما يقتضيه عند النظر في الآيات التكوينية.
68- "وأوحى ربك إلى النحل" قد تقدم الكلام في الوحي وأنه يكون بمعنى الإلهام، وهو ما يخلقه في القلب ابتداءً من غير سبب ظاهر، ومنه قوله سبحانه: " ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها " ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها وترك ما يضرها، وقرأ يحيى بن وثاب "إلى النحل" بفتح الحاء. قال الزجاج: وسمي نحلاً لأن الله سبحانه نحله العسل الذي يخرج منه. قال الجوهري: والنحل والنحلة الدبر يقع على الذكر والأنثى "أن اتخذي من الجبال بيوتاً" أي بأن اتخذي على أن "أن" هي المصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية لأن في الإيحاء معنى القول، وأنث الضمير في اتخذي لكونه أحد الجائزين كما تقدم، أو للحمل على المعنى أو لكون النحل جمعاً، وأهل الحجاز يؤنثون النحل ومن في من الجبال بيوتاً "و" كذا في "من الشجر و" كذا في "مما يعرشون" للتبعيض: أي مساكن توافقها وتليق بها في كوى الجبال وتجويف الشجر، وفي العروش التي يعرشها بنو آدم من الأجناح والحيطان وغيرها، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من الخشب، يقال عرش يعرش بكسر الراء وضمها. وبالضم قرأ ابن عامر وشعبة. وقرأ الباقون بالكسر. وقرئ أيضاً بيوتاً بكسر الباء وضمها.
69- "ثم كلي من كل الثمرات" من للتبعيض لأنها تأكل النور من الأشجار فإذا أكلتها "فاسلكي سبل ربك" أي الطرق التي فهمك الله وعلمك، وأضافها إلى الرب لأنه خالقها وملهم النحل أن تسلكها: أي ادخلي طرق ربك لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر، أو اسلكي ما أكلت في سبل ربك: أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور عسلاً أو إذا أكلت الثمار في الأمكنة البعيدة فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك لا تضلين فيها، وانتصاب "ذللاً" على الحال من السبل، وهي جمع ذلول: أي مذللة غير متوعرة، واختار هذا الزجاج وابن جرير، وقيل حال من النحل: يعني: مطيعة للتسخير وإخراج العسل من بطونها، واختار هذا ابن قتيبة، وجملة "يخرج من بطونها" مستأنفة عدل به عن خطاب النحل، تعديداً للنعم، وتعجيباً لكل سامع، وتنبيهاً على الغير، وإرشاداً إلى الآيات العظيمة الحاصلة من هذا الحيوان الشبيه بالذباب، والمراد "شراب" في الآية هو العسل، ومعنى "مختلف ألوانه" أن بعضه أبيض وبعضه أحمر وبعضه أزرق وبعضه أصفر باختلاف ذوات النحل وألوانها ومأكولاتها. وجمهور المفسرين على أن العسل يخرج من أفواه النحل، وقيل من أسفلها، وقيل لا يدري من أين يخرج منها، والضمير في قوله: "فيه شفاء للناس" راجع إلى الشراب الخارج من بطون النحل وهو العسل، وإلى هذا ذهب الجمهور. وقال الفراء وابن كيسان وجماعة من السلف: إن الضمير راجع إلى القرآن، ويكون التقدير فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاءً للناس، ولا وجه للعدول عن الظاهر ومخالفة المرجع الواضح والسياق البين. وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذي جعله الله في العسل عام لكل داء أو خاص ببعض الأمراض، فقالت طائفة: هو على العموم، وقالت طائفة: إن ذلك خاص ببعض الأمراض، ويدل على هذا أن العسل نكرة في سياق الإثبات فلا يكون عاماً، وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلا على أن فيه شفاءً عظيماً لمرض أو أمراض، لا لكل مرض، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم، والظاهر المستفاد من التجربة ومن قوانين علم الطب، أنه إذا استعمل منفرداً كان دواءً لأمراض خاصة وإن خلط مع غيره كالمعاجين ونحوها كان مع ما خلط به دواء لكثير من الأمراض. وبالجملة فهو من أعظم الأغذية وأنفع الأدوية، وقليلاً ما يجتمع هذان الأمران في غيره "إن في ذلك" المذكور من أمر النحل "لآية لقوم يتفكرون" أي يعملون أفكارهم عند النظر في صنع الله سبحانه وعجائب مخلوقاته فإن أمر النحل من أعجبها وأغربها وأدقها وأحكمها. وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم وصححه والبيهقي في سننه وابن مردويه عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: "تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً" قال: السكر ما حرم من ثمرتهما، والرزق الحسن ما حل. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه قال: السكر الحرام، والرزق الحسن زبيبه وخله وعنبه ومنافعه. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: السكر النبيذ، والرزق الحسن الزبيب، فنسختها هذه الآية "إنما الخمر والميسر". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عنه أيضاً في الآية قال: فحرم الله بعد ذلك السكر منع تحريم الخمر لأنه منه، ثم قال: "ورزقاً حسناً" فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك، فأقره الله وجعله حلالاً للمسلمين. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه سئل عن السكر، فقال: الخمر بعينها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود قال: السكر خمر. وأخرد ابن أبي حاتم عن ابن عباس "وأوحى ربك إلى النحل" قال: ألهمها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: "فاسلكي سبل ربك ذللاً" قال: طرقاً لا يتوعر عليها مكان سلكته. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ذللاً قال: مطيعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: ذليلة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: "يخرج من بطونها شراب" قال: العسل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: هو العسل فيه الشفاء وفي القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن مسعود قال: إن العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود قال: عليكم بالشفاءين العسل والقرآن. وأخرج ابن ماجه والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب وابن السني وأبو نعيم والخطيب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عليكم بالشفاءين العسل والقرآن". وقد وردت أحاديث في كون العسل شفاء: منها ما أخرجه البخاري من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشفاء في ثلاثة في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وأنا أنهى أمتي عن الكي". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد "أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أخي استطلق بطنه، فقال: اسقه عسلاً فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: سقيته عسلاً فما زاده إلا استطلاقاً، قال: اذهب فاسقه عسلاً فذهب فسقاه، ثم جاء فقال: ما زاده إلا استطلاقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلاً فذهب فسقاه عسلاً فبرأ".
لما ذكر سبحانه بعض أحوال الحيوان وما فيها من عجائب الصنعة الباهرة، وخصائص القدرة القاهرة، أتبعه بعجائب خلق الإنسان وما فيه من العبر فقال: 70- "والله خلقكم" ولم تكونوا شيئاً "ثم يتوفاكم" عند انقضاء آجالكم "ومنكم من يرد إلى أرذل العمر" يقال رذل يرذل رذالة، والأرذل والرذالة أردأ الشيء وأوضعه. قال النيسابوري: واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أولاها سن النشو. وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب. وثالثها سن الانحطاط اليسير، وهو سن الكهولة. ورابعها سن الانحطاط الظاهر، وهو سن الشيخوخة. قيل وأرذل العمر هو عند أن يصير الإنسان إلى الخرف، وهو أن يصير بمنزلة الصبي الذي لا عقل له، وقيل خمس وسبعون سنة، وقيل تسعون سنة، ومثل هذه الآية قوله سبحانه: " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين " ثم علل سبحانه رد من يرده إلى أرذل العمر بقوله: " لكي لا يعلم بعد علم " كان قد حصل له "شيئاً" من العلم لا كثيراً ولا قليلاً أو شيئاً من المعلومات إذا كان العلم هنا بمعنى المعلوم، وقيل المراد بالعلم هنا العقل، وقيل المراد لئلا يعلم زيادة على علمه الذي قد حصل له قبل ذلك.
ثم لما بين سبحانه خلق الإنسان وتقلبه في أطوار العمر ذكر طرفاً من أحواله لعله يتذكر عند ذلك فقال: 71- "والله فضل بعضكم على بعض في الرزق" فجعلكم متفاوتين فيه فوسع على بعض عباده حتى جعل له من الرزق ما يكفي ألوفاً مؤلفة من بني آدم، وضيقه على بعض عباده حتى صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفف لهم، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها، وكما جعل التفاوت بين عباده في المال جعله بينهم في العقل والعلم والفهم وقوة البدن وضعفه والحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك من الأحوال، وقيل معنى الآية: أن الله سبحانه أعطى الموالي أفضل مما أعطى مماليكهم بدليل قوله: "فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم" أي فما الذين فضلهم الله بسعة الرزق على غيرهم برادي رزقهم الذي رزقهم الله إياه على ما ملكت أيمانهم من المماليك "فهم" أي المالكون والمماليك "فيه" أي في الرزق "سواء" أي لا يردونه عليهم بحيث يساوونهم، فالفاء على هذا للدلالة على أن التساوي مترتب على التراد: أي لا يردونه عليهم رداً مستتبعاً للتساوي، وإنما يردون عليهم منه شيئاً يسيراً، وهذا مثل ضربه الله سبحانه بعبدة الأصنام: أي إذا لم يكونوا عبيدكم معكم سواء ولا ترضون بذلك فكيف تجعلون عبيدي معي سواء والحال أن عبيدكم مساوون لكم في البشرية والمخلوقية، فلما لم تجعلوا عبيدكم مشاركين لكم في أموالكم، فكيف تجعلون بعض عباد الله سبحانه شركاء له فتعبدونهم معه، أو كيف تجعلون بعض مخلوقاته كالأصنام شركاء له في العبادة ذكر معنى هذا ابن جرير، ومثل هذه الآية قوله سبحانه: " ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم " وقيل إن الفاء في "فهم فيه سواء" بمعنى حتى، "أفبنعمة الله يجحدون" حيث تفعلون ما تفعلون من الشرك، والنعمة هي كونه سبحانه جعل المالكين مفضلين على المماليك، وقد قرئ "يجحدون" بالتحتية والفوقية. قال أبو عبيدة وأبو حاتم: وقراءة الغيبة أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً لكان ظاهره للمسلمين، والاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على مقدر: أي يشركون به فيجحدون نعمته، ويكون المعنى على قراءة الخطاب أن المالكين ليسوا برادي رزقهم على مماليكهم، بل أنا الذي أرزقهم وإياهم فلا يظنوا أنهم يعطونهم شيئاً، وإنما هو رزقي أجريه على أيديهم وهم جميعاً في ذلك سواء لا مزية لهم على مماليكهم، فيكون المعطوف عليه المقدر فعلاً يناسب هذا المعنى كأن يقال: لا يفهمون ذلك فيجحدون نعمة الله.
ثم ذكر سبحانه الحالة الأخرى من أحوال الإنسان فقال: 72- "والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً" قال المفسرون: يعني النساء فإنه خلق حواء من ضلع آدم، أو المعنى: خلق لكم من جنسكم أزواجاً لتستأنسوا بها، لأن الجنس يأنس إلى جنسه ويستوحش من غير جنسه، وبسبب هذه الأنسة يقع بين الرجال والنساء ما هو سبب للنسل الذي هو المقصود بالزواج، ولهذا قال: "وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة" الحفدة جمع حافد، يقال حفد يحفد حفداً وحفوداً: إذا أسرع، فكل من أسرع في الخدمة فهو حافد قال أبو عبيد: الحفد العمل والخدمة. قال الخليل بن أحمد: الحفدة عند العرب الخدم، ومن ذلك قول الشاعر وهو الأعشى: كلفت مجهولنا نوقاً يمانية إذ الحداة على أكتافها حفدوا أي الخدم والأعوان. وقال الأزهري: قيل الحفدة أولاد الأولاد، وروي عن ابن عباس، وقيل الأختان، قاله ابن مسعود وعلقمة وأبو الضحى وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، ومنه قول الشاعر: فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت لها حفد مما تعد كثير ولكنها نفس علي أبية عيوف لأصهار اللئام قذور وقيل الحفدة الأصهار. قال الأصمعي: الختن من كان من قبل المرأة كابنها وأخيها وما أشبههما، والأصهار منهما جميعاً، يقال أصهر فلان إلى بني فلان وصاهر، وقيل هم أولاد امرأة الرجل من غيره، وقيل الأولاد الذين يخدمونه، وقيل البنات الخادمات لأبيهن. ورجح كثير من العلماء أنهم أولاد الأولاد، لأنه سبحانه امتن على عباده بأن جعل لهم من الأزواج بنين وحفدة، فالحفدة في الظاهر معطوفون على البنين وإن كان يجوز أن يكون المعنى: جعل لكم من أزواجكم بنين وجعل لكم حفدة، ولكن لا يمتنع على هذا المعنى الظاهر أن يراد بالبنين من لا يخدم، وبالحفدة من يخدم الأب منهم، أو يراد بالحفدة البنات فقط، ولا يفيد أنهم أولاد الأولاد إلا إذا كان تقدير الآية: وجعل لكم من أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة "ورزقكم من الطيبات" التي تستطيبونها وتستلذونها ومن للتبعيض لأن الطيبات لا تكون مجتمعة إلا في الجنة، ثم ختم سبحانه الآية بقوله: "أفبالباطل يؤمنون" والاستفهام للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على مقدر: أي يكفرون بالله فيؤمنون بالباطل، وقد تقدم بالباطل على الفعل دلالة على أنه ليس لهم إيمان إلا به، والباطل هو اعتقادهم في أصنامهم أنها تضر وتنفع، وقيل الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة ونحوهما. قرأ الجمهور "يؤمنون" بالتحتية، وقرأ أبو بكر بالفوقية على الخطاب "وبنعمة الله هم يكفرون" أي ما أنعم به عليهم مما لا يحيط به حصر، وفي تقديم النعمة وتوسيط ضمير الفصل دليل على أن كفرهم مختص بذلك لا يتجاوزه لقصد المبالغة والتأكيد.