تفسير الطبري تفسير الصفحة 216 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 216
217
215
 الآية : 62
القول في تأويل قوله تعالى: {أَلآ إِنّ أَوْلِيَآءَ اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.
يقول تعالى ذكره: ألا إن أنصار الله لا خوف عليهم في الاَخرة من عقاب الله لأن الله رضي عنهم فآمنهم من عقابه, وَلا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا. والأولياء جمع وليّ, وهو النصير. وقد بيّنا ذلك بشواهده.
واختلف أهل التأويل فيمن يستحقّ هذا الاسم, فقال بعضهم: هم قوم يُذكر الله لرؤيتهم لما عليهم من سيما الخير والإخبات. ذكر من قال ذلك:
13790ـ حدثنا أبو كريب وابن وكيع, قالا: حدثنا ابن يمان, قال: حدثنا ابن أبي ليلى, عن الحكم, عن مقسم, وسعيد بن جبير, عن ابن عباس: ألا إنّ أوْلِياءَ اللّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قال: الذين يذكر الله لرؤيتهم.
13791ـ حدثنا أبو كريب وأبو هشام قالا: حدثنا ابن يمان, عن أشعث بن إسحاق, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, مثله.
13792ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن العلاء بن المسيب, عن أبي الضحى, مثله.
13793ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا جرير, عن العلاء بن المسيب, عن أبيه: ألا إنّ أوْلِياءَ اللّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قال: الذين يذكر الله لرؤيتهم.
قال: حدثنا ابن مهدي وعبيد الله, عن سفيان, عن العلاء بن المسيب, عن أبي الضحى, قال: سمعته يقول في هذه الآية: ألا إنّ أوْلِياءَ اللّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قال: من الناس مفاتيح أذا رُؤوا ذكر الله لرؤيتهم.
قال: حدثنا أبي, عن مسعر, عن سهل بن الأسد, عن سعيد بن جبير, قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولياء الله, فقال «الّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللّهُ».
13794ـ قال: حدثنا زيد بن حباب, عن سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت, عن أبي وائل, عن عبد الله: ألا إنّ أوْلِياءَ اللّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قال: الذين إذا رُؤُوا ذكر الله لرؤيتهم.
قال: حدثنا أبو يزيد الرازي, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال «هُمُ الّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللّهُ».
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثنا فرات, عن أبي سعد, عن سعيد بن جبير, قال: سئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أولياء الله, قال: «هُمُ الّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللّهُ».
13795ـ قال: حدثنا الحسين, قال: حدثنا هشيم, قال: أخبرنا العوّام, عن عبد الله بن أبي الهذيل في قوله: ألا إنّ أوْلِياءَ اللّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ... الآية, قال: إن وليّ الله إذا رُؤي ذكر الله.
وقال آخرون في ذلك بما:
13796ـ حدثنا أبو هاشم الرفاعي, قال: حدثنا ابن فضيل, قال: حدثنا أبي عن عمارة بن القعقاع الضبي, عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ مِنْ عِبادِ اللّهِ عِبادا يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشهَدَاءُ». قيل: من هم يا رسول الله, فلعلنا نحبهّم؟ قال: «هُمْ قَوْمٌ تَحابّوا في اللّهِ مِنْ غيرِ أمْوَالٍ وَلا أنْسابٍ, وُجُوهُهُمْ مِنْ نُور, على مَنابِرَ مِنْ نُور, لا يَخافُونَ إذَا خافَ النّاسُ, وَلا يَحْزَنُونَ إذَا حَزَنَ النّاس» وقرأ: ألا إنّ أوْلِياءَ اللّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
13797ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن عمارة, عن أبي زرعة, عن عمر بن الخطاب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ مِنْ عِبادِ اللّهِ لاَناسا ما هُمْ بأَنْبِياءَ وَلا شُهَدَاءَ, يغَبْطِهِمُ الأَنْبِياءُ والشّهَدَاءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللّهِ». قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم, وما أعمالهم, فإنا نحبهم لذلك؟ قال: «هُمْ قَوْمٌ تَحابّوا فِي اللّهِ بِرُوحِ اللّهِ على غيرِ أرْحامِ بَيْنَهُمْ وَلا أمْوَال يَتَعاطُوَنها, فَوَاللّهِ إنّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ, وإنّهُمْ لَعَلى نُور, لا يَخافونَ إذَا خافَ النّاسُ وَلا يَحْزَنُونَ إذَا حَزَنَ النّاسُ». وقرأ هذه الآية: ألا إنّ أوْلِياءَ اللّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
13798ـ حدثنا بحر بن نصر الخولاني, قال: حدثنا يحيى بن حسان, قال: حدثنا عبد الحميد بن بهرام, قال: حدثنا شهر بن حوشب, عن عبد الرحمن بن غنم, عن أبي مالك الأشعري, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي مِنْ أفناءِ النّاسِ ونَوَازِعِ القَبائِلِ قَوْمٌ لَمْ يَتّصِلْ بَيْنَهُمْ أرْحامٌ مُتَقارِبَةٌ, تَحابّوا فِي اللّهِ وَتَصَافَوْا فِي اللّهِ يَضَعُ اللّهُ لَهُمْ يَومَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْها, يَفْزَعُ النّاسُ فَلا يَفْزَعُونَ, وَهُمْ أوْلِياءُ اللّهِ الّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ».
والصواب من القول في ذلك أن يقال: الوليّ, أعني وليّ الله, هو من كان بالصفة التي وصفه الله بها, وهو الذي آمن واتقى, كما قال الله: الّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتّقُونَ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك, كان ابن زيد يقول:
13799ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ألا إنّ أوْلِياءَ اللّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من هم يا ربّ؟ قال: الّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتّقُونَ قال: أبى أن يتقبل الإيمان إلا بالتقوى.
الآية :63
القول في تأويل قوله تعالى: {الّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتّقُونَ }.
يقول تعالى ذكره: الذين صدّقوا الله ورسوله, وما جاء به من عند الله, وكانوا يتقون الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. وقوله: الّذِينَ آمَنُوا من نعت الأولياء. ومعنى الكلام: ألا إن أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون, لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
فإن قال قائل: فإذ كان معنى الكلام ما ذكرت عندك أفي موضع رفع «الذين آمنوا» أم في موضع نصب؟ قيل: في موضع رفع, وإنما كان كذلك وإن كان من نعت الأولياء لمجيئه بعد خبر الأولياء, والعرب كذلك تفعل خاصة في «إنّ», إذا جاء نعت الاسم الذي عملت فيه بعد تمام خبره رفعوه, فقالوا: إنّ أخاك قائم الظريف, كما قال الله: قُلْ إنّ رَبّي يَقْذِفُ بالحَقّ عَلاّمُ الغُيُوبِ وكما قال: إنّ ذلكَ لَحَقّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ.
وقد اختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها قيل ذلك كذلك, مع أن إجماع جميعهم على أن ما قلناه هو الصحيح من كلام العرب وليس هذا من مواضع الإبانة عن العلل التي من أجلها قيل ذلك كذلك.
الآية : 64
القول في تأويل قوله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَىَ فِي الْحَياةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }.
يقول تعالى ذكره: البشرى من الله في الحياة الدنيا وفي الاَخرة لأولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون.
ثم اختلف أهل التأويل في البشرى التي بشّر الله بها هؤلاء القوم ما هي, وما صفتها؟ فقال بعضهم: هي الرؤية الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له, وفي الاَخرة الجنة. ذكر من قال ذلك:
13800ـ حدثنا محمد بن المثنى, قال: حدثنا ابن أبي عديّ, عن شعبة, عن سليمان, عن ذكوان, عن شيخ, عن أبي الدرداء, قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها المُؤْمِنُ أوْ تَرُى لَهُ».
13801ـ حدثنا العباس بن الوليد, قال: أخبرني أبي, قال: أخبرنا الأوزاعي, قال: أخبرني يحيى بن أبي كثير, قال: ثني أبو سلمة بن عبد الرحمن, قال: سأل عبادة بن الصامت رسول الله صلى الله عليه وسلم, عن هذه الآية: الّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتّقُونَ لهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنيَا وفِي الاَخِرَةِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ سأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ ما سأَلَنِي عَنْهُ أحَدٌ قَبْلَكَ», أو قال: «غْيَركَ». قال: «هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها الرّجُلُ الصّالِحُ, أوْ تُرَى لَهُ».
حدثنا المثنى, قال: حدثنا أبو داود عمن ذكره, عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن, عن عبادة بن الصامت, قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم, عن قول الله تعالى: الّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتّقُونَ. لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنيَا وفِي الاَخِرَةِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ».
حدثنا أبو قلابة, قال: حدثنا مسلم, قال: حدثنا أبان, عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي سلمة, عن عبادة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, نحوه.
حدثنا ابن المثنى وأبو عثمان بن عمر, قالا: حدثنا عليّ بن يحيى, عن أبي سلمة, قال: نبئت أن عبادة بن الصامت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنيَا وفِي الاَخِرَةِ فقال: «سألْتَنِي عَنْ شَيْءٍ ما سأَلَنِي عَنْهُ أحَدٌ قَبْلَكَ هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها الرّجُلُ أوْ تُرَى لَهُ».
حدثني أبو السائب, قال: حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن عطاء بن يسار, عن رجل من أهل مصر, عن أبي الدرداء: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ قال: سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية, فقال: لقد سألتني عن شيء ما سمعت أحدا سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: «هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها الرّجُلُ المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ, بُشْرَاهُ فِي الحَياةِ الدّنْيا, وبُشْرَاهُ فِي الاَخِرَةِ الجَنّةُ».
حدثني سعيد بن عمرو السكوني, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, عن سفيان, عن ابن المنكدر, عن عطاء بن يسار, عن رجل من أهل مصر, قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ فقال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرك, إلا رجلاً واحدا سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: «ما سأَلَنِي عَنْها أحَدٌ مُنْذُ أنْزَلَها اللّهُ غيرَكَ إلاّ رَجُلاً وَاحِدا, هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ».
حدثنا عمرو بن عبد الحميد, قال: حدثنا سفيان, عن ابن المنكدر, سمع عطاء بن يسار, يخبر عن رجل من أهل مصر, أنه سأل أبا الدرداء عن: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ ثم ذكر نحو حديث سعيد بن عمرو السكوني, عن عثمان بن سعيد.
13802ـ حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة, قال: ثني يحيى بن سعيد, قال: حدثنا عمر بن عمرو بن عبد الأخموشي, عن حميد بن عبد الله المزني, قال: أتى رجل عبادة بن الصامت, فقال: آية في كتاب الله أسألك عنها, قول الله تعالى: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ؟ فقال عبادة: ما سألني عنها أحد قبلك, سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مثل ذلك: «ما سأَلَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها العَبْدُ المُؤْمِنُ فِي المَنامِ أوْ تُرَى لَهُ».
13803ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا أبو بكر, قال: حدثنا هشام, عن ابن سيرين, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرّؤْيا الحَسَنَةُ هِيَ البُشْرَى يَرَاها المُسْلِمُ, أو تُرَى لَهُ».
13804ـ قال: حدثنا أبو بكر, عن أبي حصين, عن أبي صالح, قال: قال أبو هريرة: الرؤيا الحسنة بشرى من الله, وهي المبشرات.
حدثنا محمد بن حاتم المؤدّب, قال: حدثنا عمار بن محمد, قال: حدثنا الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا: «الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها العَبْدُ الصّالِحُ أوْ تُرَى لَهُ, وَهِيَ فِي الاَخِرَةِ الجَنّةُ».
13805ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا محمد بن يزيد, قال: حدثنا رشدين بن سعد, عن عمرو بن الحرث, عن أبي الشيخ, عن عبد الرحمن بن جبير, عن عبد الله بن عمرو بن العاص, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا: «الرّوْيا الصّالِحَةُ يُبَشّرُ بِها العَبْدُ جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النّبُوّةِ».
13806ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يحيى بن واضح, قال: حدثنا موسى بن عبيدة, عن أيوب بن خالد بن صفوان, عن عبادة بن الصامت, أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ فقد عرفنا بشرى الاَخرة, فما بشرى الدنيا؟ قال: «الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها العَبْدُ أوْ تُرَى لَهُ, وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أرْبَعَةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا, أوْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النّبُوّةِ».
حدثنا عليّ بن سهل, قال: حدثنا الوليد بن مسلم, قال: حدثنا أبو عمرو, قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير, عن أبي سلمة, عن عبادة بن الصامت, أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا فقال: «لَقَدْ سأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ ما سألَنِي عَنْهُ أحَدٌ مِنْ أُمّتِي قَبْلَكَ هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ, وفِي الاَخِرَةِ الجَنّةُ».
13807ـ حدثنا أحمد بن حماد الدولابي, قال: حدثنا سفيان, عن عبيد الله بن أبي يزيد, عن أبيه, عن سباع بن ثابت, عن أم كرز الكعبية, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ذَهَبَتِ النّبُوّةُ وَبَقِيَتِ المُبَشّرَاتُ».
حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا ابن عيينة, عن الأعمش, عن ذكوان, عن رجل, عن أبي الدرداء, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, في قوله: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا قال: «الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ, وفِي الاَخِرَةِ الجَنّةُ».
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن عطاء بن يسار, عن رجل كان بمصر, قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ فقال أبو الدرداء: ما سألني عنها أحد منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما سألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ, وفي الاَخِرَةِ الجَنّةُ».
قال: حدثنا أبو بكر بن عياش, عن عاصم, عن أبي صالح, عن أبي الدرداء, قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قوله: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ قال: «ما سألَنِي عَنْها أحَدٌ غيرُكَ هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها المْسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ».
قال: حدثنا جرير, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن عطاء بن يسار, عن أبي الدرداء في قوله: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ قال: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: «ما سألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها العَبْدُ أوْ تُرَى لَهُ, وفِي الاَخِرَةِ الجَنّةُ».
قال: حدثنا ابن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عبد العزيز بن رفيع, عن أبي صالح, قال ابن عيينة ثم سمعته من عبد العزيز, عن أبي صالح السمان, عن عطاء بن يسار, عن رجل من أهل مصر, قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا قال: ما سألني عنها أحد منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: «ما سأَلَنِي عَنْها أحَدٌ مُنْذُ أنْزِلَتْ عَليّ إلاّ رَجُلٌ وَاحِدٌ هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها الرّجُلُ أوْ تُرَى لَهُ».
قال: حدثنا عبد الله بكر السهمي, عن حاتم بن أبي صغيرة, عن عمرو بن دينار: أنه سأل رجلاً من أهل مصر فقيها قدم عليهم في بعض تلك المواسم, قال: قلت: ألا تخبرني عن قول الله تعالى: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا؟ قال: سألت عنها أبا الدرداء, فأخبرني أنه سأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هِيَ الرّؤْيا الحَسَنَة يَرَاها العَبْد أوْ تُرَى لَهُ».
قال: حدثنا أبي, عن عليّ بن مبارك, عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, عن عبادة بن الصامت, قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا قال: «هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها العَبْد أوْ تُرَى لَهُ».
حدثني المثنى, قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم وأبو الوليد الطيالسي, قالا: حدثنا أبان, قال: حدثنا يحيى, عن أبي سلمة, عن عبادة بن الصامت, قال: قلت: يا رسول الله, قال الله تعالى: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ؟ فقال: «لَقَدْ سألْتَنِي عَنْ شَيْءٍ ما سألَنِي عَنْهُ أحَدٌ قَبْلَكَ أوْ أحَدٌ مِنْ أُمّتِي» قالَ: «هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها الرّجُلُ الصّالِحُ أوْ تُرَى لَهُ».
قال: حدثنا الحجاج بن المنهال, قال: حدثنا حماد بن زيد, عن عاصم بن بهدلة, عن أبي صالح, قال: سمعت أبا الدرداء, وسئل عن: الّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتّقُونَ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنيَا قال: ما سألني عنها أحد قبلك منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها, فقال: «ما سألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها العَبْدُ أوْ تُرَى لَهُ».
13808ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج, عن عبيد الله بن أبي يزيد, عن نافع بن جبير, عن رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم, في قوله: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا قال: «هِيَ الرّؤْيا الحَسَنَةُ يَرَاها الإنْسانُ أوْ تُرَى لَهُ».
وقال: ابن جريج عن عمرو بن دينار, عن أبي الدرداء, أو ابن جريج عن محمد بن المنكدر, عن عطاء بن يسار, عن أبي الدرداء, قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عنها, فقال: «هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ». وقال ابن جريج, عن هشام بن عروة, عن أبيه, قال: هي الرؤيا يراها الرجل.
13809ـ حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن يحيى بن أبي كثير, قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.
13810ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا عبدة, عن هشام بن عروة, عن أبيه: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا قال: هي الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح.
13811ـ قال: حدثنا ابن فضيل, عن ليث, عن مجاهد, قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.
13812ـ قال: حدثنا عبدة بن سليمان, عن طلحة القناد, عن جعفر بن أبي المُغيرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا قال: هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه.
13813ـ قال: حدثنا أبي, عن الأعمش, عن إبراهيم, قال: كانوا يقولون: الرؤيا من المبشرات.
13814ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن قيس بن سعد. أن رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عنها, فقال: «ما سألَنِي عَنْها أحَدٌ مِنْ أمّتِي مُنْذُ أنْزِلَتْ عَليّ قَبْلَكَ». قال: «هِيَ الرّؤْيا الصّالِحَة يَرَاها الرّجُل لِنَفْسِهِ أوْ تُرَى لَه».
13815ـ قال: حدثنا عمرو بن عون, قال: أخبرنا هشيم, عن العوّام, عن إبراهيم التيمي, أن ابن مسعود قال: ذهبت النبوّة, وبقيت المبشرات, قيل: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له.
13816ـ قال: حدثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا فهو قوله لنبيه: وَبَشّرِ المُؤْمِنِينَ بأنّ لَهُمْ مِنَ اللّهِ فَضْلاً كَبِيرا قال: هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن أو ترى له.
13817ـ قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا محمد بن حرب, قال: حدثنا ابن لهيعة, عن خالد بن يزيد, عن عطاء, في قوله: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا قال: هي رؤيا الرجل المسلم يبشر بها في حياته.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عمرو بن الحارث, أن درّاجا أبا السمح حدثه عن عبد الرحمن بن جبير, عن عبد الله بن عمرو, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قال: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا: «الرّؤْيا الصّالِحَة يُبَشّر بِها المُؤمِنُ جُزْءا مِنْ سِتّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النّبُوّةِ».
حدثني يونس, قال: أخبرنا أنس بن عياض, عن هشام, عن أبيه في هذه الآية: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ قال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له.
حدثنا محمد بن عوف, قال: حدثنا أبو المغيرة, قال: حدثنا صفوان, قال: حدثنا حميد بن عبد الله: أن رجلاً سأل عبادة بن الصامت عن قول الله تعالى: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وفِي الاَخِرَةِ فقال عبادة: لقد سألتني عن أمر ما سألني عنه أحد قبلك, ولقد سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألتني فقال لي: «يا عُبادَةُ لَقَدْ سألْتَنِي عَنْ أمْرٍ ما سألَنِي عَنْهُ أحَدٌ مِنْ أُمّتِي تِلْكَ الرّؤْيا الصّالِحَةُ يَرَاها المُؤْمِنُ لِنَفْسِهِ أوْ تُرَى لَهُ».
وقال آخرون: هي بشارة يبشر بها المؤمن في الدنيا عند الموت. ذكر من قال ذلك:
13818ـ حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري وقتادة: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا قال: هي البشارة عند الموت في الحياة الدنيا.
13819ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا يعلى, عن أبي بسطام, عن الضحاك: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا قال: يعلم أين هو قبل الموت.
وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا, ومن البشارة في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له منها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله, كما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ المَلائِكَةَ التي تَحْضُرُه عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ, تَقُولُ لَنْفْسِهِ: اخْرُجي إلى رَحْمَةِ اللّهِ وَرِضْوَانِهِ». وَمنها: بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الثواب الجزيل, كما قال جلّ ثناؤه: وبَشّرِ الّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصّالِحاتِ أنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ... الآية. وكلّ هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها, ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى, فذلك مما عمه جلّ ثناؤه أن لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدّنْيا وأما في الاَخرة فالجنة.
وأما قوله: لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللّهِ فإن معناه: إن الله لا خلف لوعده ولا تغيير لقوله عما قال ولكنه يمضي لخلقه مواعيده وينجزها لهم. وقد:
13820ـ حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا ابن علية عن أيوب, عن نافع, قال: أطال الحجاج الخطبة, فوضع ابن عمر رأسه في حجري, فقال الحجاج: إن ابن الزبير بدّل كتاب الله فقعد ابن عمر فقال: لا تستطيع أنت ذاك ولا ابن الزبير لا تَبْدْيِلَ لِكَلِماتِ اللّهِ. فقال الحجاج: لقد أوتيت علما أن تفعل. قال أيوب: فلما أقبل عليه في خاصة نفسه سكت.
وقوله: ذلكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ يقول تعالى ذكره: هذه البشرى في الحياة الدنيا وفي الاَخرة هي الفوز العظيم, يعني الظفر بالحاجة والطلبة والنجاة من النار.
الآية : 65
القول في تأويل قوله تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنّ الْعِزّةَ للّهِ جَمِيعاً هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ }.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك يا محمد قول هؤلاء المشركين في ربهم ما يقولون, وإشراكهم معه الأوثان والأصنام فإن العزّة لله جميعا, يقول تعالى ذكره: فإن الله هو المنفرد بعزّة الدنيا والاَخرة لا شريك له فيها, وهو المنتقم من هؤلاء المشركين القائلين فيه من القول الباطل ما يقولون, فلا ينصرهم عند انتقامه منهم أحد, لأنه لا يعازه شيء. وَهُوَ السّمِيعُ العَلِيمُ يقول: وهو ذو السمع لما يقولون من الفرية والكذب عليه, وذو علم بما يضمرونه في أنفسهم ويعلنونه, محصيّ ذلك عليهم كله, وهو لهم بالمرصاد. وكسرت «إن» من قوله: إنّ العِزّةَ لِلّهِ جَمِيعا لأن ذلك خبر من الله مبتدأ, ولم يعمل فيها القول, لأن القول عني به قول المشركين وقوله: إنّ العِزّةَ لِلّهِ جَمِيعا لم يكن من قيل المشركين, ولا هو خبر عنهم أنهم قالوه.
الآية : 66
القول في تأويل قوله تعالى: {أَلآ إِنّ للّهِ مَن فِي السّمَاوَات وَمَنْ فِي الأرْضِ وَمَا يَتّبِعُ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتّبِعُونَ إِلاّ الظّنّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ }.
يقول تعالى ذكره: ألا إنّ لِلّهِ يا محمد كلّ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ ملكا وعبيدا لا مالك لشيء من ذلك سواه, يقول: فكيف يكون إلها معبودا من يعبده هؤلاء المشركون من الأوثان والأصنام, وهي لله ملك, وإنما العبادة للمالك دون المملوك, وللربّ دون المربوب. وَما يَتّبِعُ الّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ شُرَكاءَ يقول جلّ ثناؤه: وأيّ شيء يتبع من يدعو من دون الله, يعني غير الله وسواه شركاء. ومعنى الكلام: أيّ شيء يتبع من يقول لله شركاء في سلطانه وملكه كاذبا, والله المنفرد بملك كلّ شيء في سماء كان أو أرض. إنْ يَتّبِعُونَ إلاّ الظّنّ يقول: ما يتبعون في قيلهم ذلك ودعواهم إلا الظنّ, يقول: إلا الشكّ لا اليقين. وَإنْ هُمْ إلاّ يَخْرُصُونَ يقول: وإن هم يتقوّلون الباطل تظننا وتخرّصا للإفك عن غير علم منهم بما يقولون.
الآية : 67
القول في تأويل قوله تعالى: {هُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْلّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنّهَارَ مُبْصِراً إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ }.
يقول تعالى ذكره: إن ربكم أيها الناس الذي استوجب عليكم العبادة هُوَ الربّ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللّيْلَ وفصله من النهار, لِتَسْكُنُوا فِيهِ مما كنتم فيه في نهاركم من التعب والنصب, وتهدءوا فيه من التصرّف والحركة للمعاش والعناء الذي كنتم فيه بالنهار. والنّهارَ مُبْصِرا يقول: وجعل النهار مبصرا, فأضاف الإبصار إلى النهار, وإنما يبصر فيه, وليس النهار مما يُبْصِر ولكن لمّا كان مفهوما في كلام العرب معناه, خاطبهم بما في لغتهم وكلامهم, وذلك كما قال جرير:
لَقَدْ لُمْتِنا يا أُمّ غَيْلانَ فِي السّرَىونِمْتِ وَما لَيْلُ المَطِيّ بِنائِمِ
فأضاف النوم إلى الليل ووصفه به, ومعناه نفسه أنه لم يكن نائما فيه هو ولا بعيره. يقول تعالى ذكره: فهذا الذي يفعل ذلك هو ربكم الذي خلقكم وما تعبدون, لا ما لا ينفع ولا يضرّ ولا يفعل شيئا.
وقوله: إنّ فِي ذلكَ لاََياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ يقول تعالى ذكره: إن في اختلاف حال الليل والنهار وحال أهلهما فيهما دلالة وحججا على أن الذي له العبادة خالصا بغير شريك, هو الذي خلق اللّيل والنهار وخالف بينهما, بأن جعل هذا للخلق سكنا وهذا لهم معاشا, دون من لا يخلق ولا يفعل شيئا ولا يضرّ ولا ينفع. وقال: لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ لأن المراد منه: الذين يسمعون هذه الحجج ويتفكرون فيها فيعتبرون بها ويتعظون, ولم يرد به الذين يسمعون بآذانهم ثم يعرضون عن عبره وعظاته.
الآية : 68
القول في تأويل قوله تعالى: {قَالُواْ اتّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيّ لَهُ مَا فِي السّمَاوَات وَمَا فِي الأرْضِ إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بِهَـَذَآ أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.
يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون بالله من قومك يا محمد: اتخذ الله ولدا, وذلك قولهم: الملائكة بنات الله. يقول الله منزّها نفسه عما قالوا وافتروا عليه من ذلك: سبحان الله, تنزيها لله عما قالوا وادّعوا على ربهم. هُوَ الغَنِيّ يقول: الله غنيّ عن خلقه جميعا, فلا حاجة به إلى ولد, لأن الولد إنما يطلبه من يطلبه ليكون عونا له في حياته وذكرا له بعد وفاته, والله عن كلّ ذلك غنيّ, فلا حاجة به إلى معين يعينه على تدبيره ولا يبيد فيكون به حاجة إلى خلف بعده. لَهُ ما فِي السّمَوَاتِ وَما فِي الأرْضِ يقول تعالى ذكره: لله ما في السماوات وما في الأرض ملكا والملائكة عباده وملكه, فكيف يكون عبد الرجل وملكه له ولدا؟ يقول: أفلا تعقلون أيها القوم خطأ ما تقولون؟ إنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهَذَا يقول: ما عندكم أيها القوم بما تقولون وتدّعون من أن الملائكة بنات الله من حجة تحتجون بها, وهي السلطان. أتَقُولُون على الله قولاً لا تعلمون حقيقته وصحته, وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته إليه جهلاً منكم بغير حجة ولا برهان.
الآية : 69-70
القول في تأويل قوله تعالى: {قُلْ إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدّنْيَا ثُمّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ يا محمد لهم إنّ الّذِينَ يَفْتَرونَ على الله الكَذبَ فيقولون عليه الباطل, ويدّعون له ولدا لا يُفْلحُونَ يقول: لا يبقون في الدنيا, ولكن لهم مَتاعٌ فِي الدّنْيا يُمتّعون به, وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذي كتب فناؤهم فيه. ثمّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم إلينا مصيرهم ومنقلبهم. ثمّ نُذِيقُهُم العَذَاب الشّدِيد وذلك إصلاؤهم جهنم بِمَا كانُوا يَكْفُرونَ بالله في الدنيا, فيكذّبون رسله ويجحدون آياته. ورفع قوله: متاعٌ بمضمر قبله إما «ذلك» وإما «هذا»