تفسير الآية - القول في معنى قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم ..

  1. تفسير السعدي
  2. تفسير البغوي
  3. التفسير الوسيط
  4. تفسير ابن كثير
  5. تفسير الطبري
الفسير الوسيط | التفسير الوسيط للقرآن الكريم للطنطاوي | تأليف شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي (المتوفى: 1431هـ) : ويعتبر هذا التفسير من التفاسير الحديثة و القيمة لطلاب العلم و الباحثين في تفسير القرآن العظيم بأسلوب منهجي سهل و عبارة مفهومة, تفسير الآية 1 من سورةالمائدة - التفسير الوسيط .
  
   

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾
[ سورة المائدة: 1]

معنى و تفسير الآية 1 من سورة المائدة : ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم .


تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

تفسير السعدي : ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم


هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها.
وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم.
والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ْ بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع.
فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها ثم قال ممتنا على عباده: أُحِلَّتْ لَكُمْ ْ أي: لأجلكم، رحمة بكم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ْ من الإبل والبقر والغنم، بل ربما دخل في ذلك الوحشي منها، والظباء وحمر الوحش، ونحوها من الصيود.
واستدل بعض الصحابة بهذه الآية على إباحة الجنين الذي يموت في بطن أمه بعدما تذبح.
إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ْ تحريمه منها في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ ْ إلى آخر الآية.
فإن هذه المذكورات وإن كانت من بهيمة الأنعام فإنها محرمة.
ولما كانت إباحة بهيمة الأنعام عامة في جميع الأحوال والأوقات، استثنى منها الصيد في حال الإحرام فقال: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ْ أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام في كل حال، إلا حيث كنتم متصفين بأنكم غير محلي الصيد وأنتم حرم، أي: متجرئون على قتله في حال الإحرام، وفي الحرم، فإن ذلك لا يحل لكم إذا كان صيدا، كالظباء ونحوه.
والصيد هو الحيوان المأكول المتوحش.
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ْ أي: فمهما أراده تعالى حكم به حكما موافقا لحكمته، كما أمركم بالوفاء بالعقود لحصول مصالحكم ودفع المضار عنكم.
وأحل لكم بهيمة الأنعام رحمة بكم، وحرم عليكم ما استثنى منها من ذوات العوارض، من الميتة ونحوها، صونا لكم واحتراما، ومن صيد الإحرام احتراما للإحرام وإعظاما.

تفسير البغوي : مضمون الآية 1 من سورة المائدة


سورة المائدة مائة وعشرون آية ، نزلت بالمدينة كلها إلا قوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) الآية ، فإنها نزلت بعرفات .
بسم الله الرحمن الرحيمروي عن أبي ميسرة قال : أنزل الله تعالى في هذه السورة ثمانية عشر حكما لم ينزلها في غيرها ، قوله : ( والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ( وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) وتمام الطهور في قوله : ( إذا قمتم إلى الصلاة ( والسارق والسارقة ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) الآية ، ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ) وقوله : ( شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ) .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) أي بالعهود ، قال الزجاج : هي أوكد العهود ، يقال : عاقدت فلانا وعقدت عليه أي : ألزمته ذلك باستيثاق ، وأصله من عقد الشيء بغيره ووصله به ، كما يعقد الحبل بالحبل [ إذا وصل ] .
واختلفوا في هذه العقود ، قال ابن جريج : هذا خطاب لأهل الكتاب ، يعني : يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة أوفوا بالعهود التي عهدتها إليكم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو قوله : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس " ( سورة آل عمران ، 187 ) .
وقال الآخرون : هو عام ، وقال قتادة : أراد بها الحلف الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : هي عهود الإيمان والقرآن ، وقيل: هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم .
( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) قال الحسن وقتادة : هي الأنعام كلها ، وهي الإبل والبقر والغنم ، وأراد تحليل ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام .
وروى أبو ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بهيمة الأنعام هي الأجنة ، ومثله عن الشعبي قال : هي الأجنة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت أو نحرت ، ذهب أكثر أهل العلم إلى تحليله .
[ قال الشيخ الإمام ] قرأت على أبي عبد الله محمد بن الفضل الخرقي فقلت : قرئ على أبي سهل محمد بن عمر بن طرفة وأنت حاضر ، فقيل له : حدثكم أبو سليمان الخطابي أنا أبو بكر بن داسة أنا أبو داود السجستاني أنا مسدد أنا هشيم عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم قال : قلنا : يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين ، أنلقيه أم نأكله؟ فقال : " كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه " .
وروى أبو الزبير عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ذكاة الجنين ذكاة أمه " .
وشرط بعضهم الإشعار ، قال ابن عمر : ذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا تم خلقه ونبت شعره ، ومثله عن سعيد بن المسيب .
وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يحل أكل الجنين إذا خرج ميتا بعد ذكاة الأم .
وقال الكلبي : بهيمة الأنعام : وحشيها ، وهي الظباء وبقر الوحش ، سميت بهيمة لأنها أبهمت عن التمييز ، وقيل: لأنها لا نطق لها ، ( إلا ما يتلى عليكم ) أي : ما ذكر في قوله : " حرمت عليكم الميتة " إلى قوله : " وما ذبح على النصب " ، ( غير محلي الصيد ) وهو نصب على الحال ، أي : لا محلي الصيد ، ومعنى الآية : أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إلا ما كان منها وحشيا فإنه صيد لا يحل لكم في حال الإحرام ، فذلك قوله تعالى : ( وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد ) .

التفسير الوسيط : ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم


تفسير سورة المائدةبسم الله الرّحمن الرّحيممقدّمةالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله ربه رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: فإن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على رسوله محمد صلّى الله عليه وسلم ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور، ولينقذهم من الظلم والفجور.
قال-تبارك وتعالى-: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
ولقد كان من فضل الله علينا، أن وفقنا لخدمة كتابه، فأعاننا على كتابة تفسير سور: الفاتحة والبقرة، وآل عمران، والنساء ويسعدني أن أتبع ذلك بتفسير محرر لسورة المائدة، حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت عليه هذه السورة من هدايات جامعة وتشريعات حكيمة، وحجج باهرة، تقذف حقها على باطل الضالين فإذا هو زاهق.
وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ في تفسيرها بالتفصيل والتحليل، أن أسوق كلمة بين يديها تكون بمثابة التعريف بها، وبيان فضلها، ووجه اتصالها بالسورة التي قبلها، وزمان نزولها، والمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها.
وقد كان منهجي في تفسير هذه السورة، هو المنهج الذي سلكته في تفسير السور السابقة.
وملخصه: أنى أبدأ بشرح الألفاظ القرآنية شرحا لغويا مناسبا، ثم أبين المراد منها- إذا كان الأمر يقتضى ذلك.
ثم أذكر سبب النزول للآية أو الآيات- إذا وجد وكان مقبولا- ثم أذكر المعنى الإجمالى للجملة أو للآية، مستعرضا ما اشتملت عليه من وجوه البلاغة وحسن التوجيه.
ثم أتبع هذا ببيان ما يؤخذ من الآية أو الآيات من أحكام وآداب وتشريعات.
وقد حرصت كثيرا على تخريج الأحاديث التي أذكرها، وعلى بيان المصادر التي أنقل عنها.
وتعمدت- عند النقل من المصدر لأول مرة- أن أبين زمان طبعته ومكانها ثم ألتزم النقل عنه بعد ذلك إلى نهاية السورة، دون أن ألجأ إلى طبعات أخرى إلا عند الضرورة القصوى.
وقد تجنبت التوسع في وجوه الإعراب، واكتفيت بالراجح منها..وذلك لأنى توخيت فيما أكتب إبراز ما اشتمل عليه القرآن الكريم من هدايات جامعة وتشريعات حكيمة وآداب سامية، وعظات بليغة وتوجيهات نافعة، وأقوال مأثورة.
والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا، وأن يعيننا على إتمام ما بدأناه من خدمة لكتابه، وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه، ونافعة لعباده.
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلمتمهيد بين يدي السورة1- سورة المائدة هي السورة الخامسة من سور القرآن الكريم في ترتيب المصحف، فقد سبقتها سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء.
2- وهي مدنية باتفاق العلماء.
بناء على القول الذي رجحه العلماء من أن القرآن المدني هو الذي نزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد الهجرة ولو كان نزوله في غير المدينة.
3- وعدد آياتها عشرون ومائة آية عند الكوفيين ويرى الحجازيون والشاميون أن عدد آياتها اثنتان وعشرون ومائة آية، ويرى البصريون أن عدد آياتها ثلاث وعشرون ومائة آية.
4- ولهذه السورة الكريمة أسماء أشهرها: المائدة.
وسميت بهذا الاسم، لأنها انفردت بذكر قصة المائدة التي طلب الحواريون من عيسى- عليه السلام- نزولها من السماء.
وقد حكى الله-تبارك وتعالى- ذلك في آخر السورة في قوله-تبارك وتعالى-: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ {الآيات من 112: 115} وتسمى أيضا بسورة العقود، لأنها السورة الوحيدة التي افتتحت بطلب الإيفاء بالعقود.
قال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وتسمى- أيضا- المنقذة.
قال القرطبي: وروى عنه صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة.
تنقذ صاحبها من أيدى ملائكة العذاب » .
5- ووجه اتصالها بسورة النساء- كما يقول الآلوسى- «أن سورة النساء قد اشتملت على عدة عقود: صريحا وضمنا.
فالصريح: عقود الأنكحة وعقد الصداق.
وعقد الحلف.
وعقد المعاهدة والأمان.
والضمنى: عقد الوصية والوديعة.
والوكالة.
والعارية.
والإجارة.
وغير ذلك مما يدخل في قوله-تبارك وتعالى- إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها.
فناسب أن تعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود.
فكأنه قيل: يا أيها الناس أوفوا بالعقود التي فرغ من ذكرها في السورة التي تمت، وإن كان في هذه السورة- أيضا- عقود.
ووجه تقديم النساء وتأخير المائدة.
أن أول تلك يا أَيُّهَا النَّاسُ وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهي أشبه بتنزيل المكي.
وأول هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وفيها الخطاب بذلك في مواضع وهو أشبه بخطاب المدني.
وتقديم العام وشبه المكي أنسب .
6- وقد وردت روايات تفيد أن سورة المائدة نزلت على النبي صلّى الله عليه وسلّم دفعة واحدة.
ومن هذه الروايات ما أخرجه الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: إنى لآخذة بزمام ناقة رسول الله العضباء، إذ نزلت عليه المائدة كلها.
فكادت من ثقلها تدق عنق الناقة .
وروى الإمام أحمد- أيضا- عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها .
وهناك روايات أخرى تحدثت عن زمان ومكان نزولها، ومن هذه الروايات ما أخرجه أبو عبيد عن محمد القرظي قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة .
وقال القرطبي: وروى أنها نزلت عند منصرف رسول الله من الحديبية .
وهناك روايات تحدثت عن زمان ومكان نزول بعض آياتها.
قال السيوطي في كتابه «الإتقان» - عند حديثه عن معرفة الحضري والسفرى-: وللسفرى أمثلة منها: قوله-تبارك وتعالى- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ففي الصحيح عن عمر بن الخطاب:أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة، عام حجة الوداع.
ومنها: آية التيمم.
ففي الصحيح عن عائشة، أنها نزلت بالبيداء وهم داخلون المدينة- بعد انتهائهم من غزوة المريسيع كما جاء في بعض الروايات.
ومنها: قوله-تبارك وتعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فقد نزلت ببطن نخل.
ومنها: قوله-تبارك وتعالى- وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فقد نزلت في غزوة ذات الرقاع.
وهذه الآيات جميعها من سورة المائدة».
والذي تطمئن إليه النفس عند تلاوة سورة المائدة بتدبر وإمعان فكر، وعند مراجعة الروايات التي وردت في سبب نزول بعض آياتها، يرى أن هذه السورة الكريمة لم تنزل دفعة واحدة، وإنما نزلت متفرقة وفي أوقات مختلفة.
ومما يشهد لذلك ما جاء في كتب الحديث وفي كتب السيرة أن المقداد بن الأسود قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم قبيل التحام المسلمين مع المشركين في غزوة بدر: يا رسول الله امض لما أمرك الله.
فو الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى.
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون.
فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا، لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به.
أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يدعو على المشركين- في بدر- فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا.. ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك» .
فهذا النص يفيد أن الصحابة كانوا على علم قبل غزوة بدر بهذه الآيات التي وردت في سورة المائدة، والتي تحكى موقف بنى إسرائيل من نبيهم موسى عند ما دعاهم إلى دخول الأرض المقدسة .
كذلك مما يشهد بأن سورة المائدة قد نزلت منجمة ولم تنزل دفعة واحدة ما نقلناه منذ قليل عن السيوطي من أن بعض آياتها قد نزلت في أزمنة وأمكنة مختلفة.
وأيضا مما يشهد لذلك، أن المتأمل في بعض آياتها يراها تحكى لنا ألوانا من تعنت اليهود مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ومن تحاكمهم إليه لا من أجل الوصول إلى الحق وإنما من أجل إظهاره بمظهر الجاهل بأحكام التوراة.
قال-تبارك وتعالى- وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا.
وفعلهم هذا يدل على أنهم كانت لهم قوة ونفوذ في المدينة عند نزول هذه الآيات.
ومن المعروف تاريخيا أن نفوذ اليهود بالمدينة قد تلاشى بعد غزوة بنى قريظة في السنة الخامسة من الهجرة.
وأن قوتهم قد زالت بعد فتح خيبر في أوائل السنة السابعة من الهجرة.
ومن كل هذا نستخلص أن بعض آيات هذه السورة يغلب على ظننا أنها نزلت على النبي صلّى الله عليه وسلّم في السنوات التي سبقت صلح الحديبية وأن الروايات التي نقلناها قبل ذلك عن بعض المفسرين، والتي يستفاد منها أن سورة المائدة قد نزلت دفعة واحدة، أو أنها نزلت عند منصرف.
الرسول صلّى الله عليه وسلّم من الحديبية، أو فتح مكة أو في حجة الوداع، أو عند رجوعه منها.. كل هذه الروايات فيها مقال- لأنها بجانب- تفرد بعض المحدثين بها فإنها تخالف ما جاء في كتب السنة الصحيحة من أن بعض آياتها قد نزل في حجة الوداع، وبعضها قد نزل بعد غزوة المريسيع، وبعضها كان معروفا للصحابة قبل اشتراكهم في غزوة بدر.
ولأن بعض آيات هذه السورة تحكى لنا أحداثا ومجادلات قد حصلت بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وبين اليهود، وهذه الأحداث وتلك المجادلات من المستبعد أن تكون قد حدثت بعد غزوة بنى قريظة في السنة الخامسة من الهجرة، لأنه- كما سبق أن أشرنا- لم يبق لليهود نفوذ في المدينة بعد غزوة بنى قريظة، حتى يستطيعوا أن يواجهوا النبي صلّى الله عليه وسلّم بما واجهوه من مجادلات ومن تحاكم اليه بقصد إحراجه- كما سنفصل ذلك عند تفسيرنا للآيات المتعلقة بهذا الموضوع.
ومع كل هذا فنحن نرجح أن جانبا كبيرا من آيات سورة المائدة قد نزل متأخرا عن صلح الحديبية، بل عن فتح مكة، لأن بعض آياتها تقرر أن المشركين قد صاروا في يأس من التغلب على المسلمين بعد أن فتح المسلمون مكة بعد أن أتم الله لهم دينهم.
قال-تبارك وتعالى- الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.
ولأن هناك آثارا تشهد بأن سورة المائدة- في مجموعها- من آخر ما نزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم من قرآن.
قال القرطبي: وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال: «يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» .
ونحوه عن عائشة- رضى الله عنها- موقوفا.
قال جبير بن نفير: دخلت على عائشة فقالت:هل تقرأ سورة المائدة؟ فقلت: نعم.
فقالت: فإنها من آخر ما أنزل الله.
فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموهوالخلاصة، أن الذي يغلب على ظننا أن سورة المائدة لم تنزل دفعة واحدة في وقت معين أو في زمان معين، وإنما نزل بعضها في السنوات التي سبقت صلح الحديبية، ونزل معظمها بعد هذا الوقت، للأسباب التي سبق أن بيناها، وأن الروايات التي تقول بنزولها دفعة واحدة أو في وقت معين وزمان معين من الممكن أن تحمل على أن المراد بها مجموع السورة لا جميعها.
7- هذا وعند ما نستعرض سورة المائدة استعراضا إجماليا نراها في مطلعها تأمر المؤمنين بالوفاء بالعهود، وبالتزام التكاليف التي كلفهم الله بها، ثم أردفت ذلك ببيان الحلال من الذبائح والحرام منها، ثم بيان حكم طعام أهل الكتاب، وحكم الزواج بالكتابيات.
وبعد أن تكلمت عن المباحات التي يحتاج إليها الجسد أتبعت ذلك بالحديث عن الصلاة التي هي غذاء الروح، فأمرت المؤمنين بأن يدخلوها متطهرين، ووضحت لهم أنه- سبحانه - لا يريد من وراء ما يشرعه لهم الضيق أو الحرج وإنما يريد لهم الخير والطهر وإتمام النعمة:ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ثم أمرت المؤمنين بالتزام العدل مع الأصدقاء.
ومع الأعداء، ووعدت المطيعين لله-تبارك وتعالى- بالمغفرة والأجر العظيم، وتوعدت الكافرين بآيات الله بعذاب الجحيم، ثم ذكرت المؤمنين بجانب من مظاهر فضل الله عليهم ورحمته بهم، حيث كف أيدى المعتدين عنهم.
وحماهم من مكرهم.
قال-تبارك وتعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .
- ثم نراها في الربع الثاني منها تحكى لنا جانبا من رذائل أهل الكتاب.
فتبين كيف أن الله-تبارك وتعالى- أخذ عليهم العهد والميثاق بأن يؤمنوا به ويطيعوه ولكنهم نقضوا عهودهم، فكانت نتيجة ذلك أن لعنهم الله، وأن أدام بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.
ثم وجهت نداء إلى أهل الكتاب أرشدتهم فيه إلى طريق الحق، وأمرتهم باتباعه.
ووبخت الذين قالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ.
وحكت جانبا من الدعاوى الباطلة التي ادعاها اليهود والنصارى، حيث قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.
ثم وجهت نداء ثانيا إلى أهل الكتاب أمرتهم فيه باتباع محمد صلّى الله عليه وسلّم لأنهم بسبب عدم اتباعه سيكون مصيرهم إلى النار، ولن يقبل الله منهم عذرا بعد أن أرسل إليهم- سبحانه - من يبشرهم وينذرهم.
قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ثم حكت السورة الكريمة قصة من قصص موسى- عليه السلام- مع بنى إسرائيل.
فقد ساقت بأسلوبها البليغ إغراءه لهم بدخول الأرض المقدسة، ولكنهم جبنوا واتخذوا عصيانه سبيلهم.
فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم الله-تبارك وتعالى- بالتيه.
قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ.
- ثم نراها بعد ذلك في الربع الثالث تحكى لنا قصة ابني آدم بأسلوب مؤثر: تحكى لنا قصة أول جريمة وقعت على ظهر الأرض بسبب الحسد.
وتحكى لنا تلك المحاورات التي دارت بين الأخوين: القاتل والقتيل.
وكيف أن القاتل قد تحير في مواراة جثة أخيه، إلى أن تعلم كيفية مواراتها من غراب أخذ يبحث في الأرض ليواري جثة غراب مثله.
وإذا كان الحسد حتى في العبادات يؤدى إلى القتل وسفك الدماء، فقد شرع الله القصاص لحماية الأنفس والأموال والأعراض.
فقد ذكر- سبحانه - بعد ذلك جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا.
وجزاء السارق والسارقة.
وجزاء الذين كفروا بالحق بعد أن جاءهم من عند الله.
وخلال ذلك أمر- سبحانه - عباده المؤمنين بتقوى الله.
وبالتقرب إليه بالعمل الصالح، وبمداومة الجهاد في سبيل الله، حتى ينالوا الفلاح في الدنيا والآخرة.
- وبعد هذه التشريعات الحكيمة، نراها في الربع الرابع تحكى لنا بعض الوسائل الخبيثة التي اتبعها اليهود في محاربتهم للدعوة الإسلامية فذكرت بعض أقوالهم التي كانوا يقولونها عند ما يأتون إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ليتحاكموا إليه في منازعاتهم يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ووصفتهم بأنهم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ.
وأرشدت الرسول- صلّى الله عليه وسلّم إلى طريقة التعامل معهم فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ.
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً.
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
ثم بعد أن مدحت التوراة، ووصفت الذين لم يحكموا بما أنزل الله بالكفر.
والظلم.
بعد كل ذلك نوهت بشأن عيسى- عليه السلام- وبشأن الإنجيل، وأمرت أهله بأن يحكموا بما أنزل الله فيه.
ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن القرآن الكريم، فوصفته بأنه هو الكتاب المصدق لما بين يديه من الكتب، وهو المهيمن عليها، وهو الذي إليه المرجع في الأحكام، وأن الذين يبغون التحاكم إلى غيره ضالون ظالمون.
قال-تبارك وتعالى- أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
- ثم وجهت السورة الكريمة في مطلع الربع الخامس منها نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بأن يجعلوا ولايتهم لله ولرسوله ولإخوانهم في العقيدة، ونهتهم عن موالاة الذين يخالفونهم في الدين.
ووصفت الذين يتولون من غضب الله عليهم بالنفاق ومرض القلب، وبشرت المطيعين لله بالنصر والظفر قال- تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ.
ثم أمرت السورة الكريمة النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يوبخ أهل الكتاب بسبب كراهيتهم لأهل الحق، وأن يخبرهم بأن المستحقين للكراهية هم أولئك الذين لعنهم الله وغضب عليهم، لكفرهم، ومسارعتهم في الإثم والعدوان.
ولافترائهم على الله-تبارك وتعالى- الكذب، حيث وصفوه- سبحانه - بالبخل والشح.
قال-تبارك وتعالى-: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا.
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ.
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً.
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.
وبعد أن بينت السورة الكريمة لأهل الكتاب أنهم لو آمنوا بالحق الذي جاءهم به محمد صلّى الله عليه وسلّم لكفر الله عنهم سيئاتهم، ولأدخلهم جنات النعيم، ولرزقهم من فضله الرزق الجزيل.
بعد أن بينت كل ذلك، وجهت في مطلع الربع السادس «2» منها إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم نداء أمرته فيه بتبليغ ما أمره الله بتبليغه بدون خشية أو تردد، ووعدته بعصمة الله-تبارك وتعالى- له من الناس كما أمرته بمصارحة أهل الكتاب بما هم فيه من باطل وضلال.
ثم ساقت جملة من الرذائل التي انغمس فيها أهل الكتاب، فحكت نقضهم للعهود والمواثيق، وتكذيبهم للرسل تارة وقتلهم إياهم تارة أخرى، كما حكت قولهم الباطل: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ.
وقولهم: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ.
وقد هددتهم بالعذاب الأليم إذا ما تمادوا في ضلالهم وطغيانهم، وحثتهم على التوبة والاستغفار، وأقامت لهم الأدلة على بطلان عقائدهم، وبينت لهم القول الحق في شأن عيسى وأمه مريم حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم.
قال-تبارك وتعالى-: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ثم كشفت السورة عن الأسباب التي أدت إلى طرد الكافرين من بنى إسرائيل من رحمة الله، فذكرت أنهم قد استحقوا ذلك بسبب عصيانهم، واعتدائهم وعدم تناهيهم عن منكر فعلوه، وولايتهم لأهل الكفر وعداوتهم لأهل الإيمان.
قال-تبارك وتعالى- تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ، وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ، وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ.
ثم وضحت السورة الكريمة في مطلع الربع السابع منها مراتب أعداء المؤمنين، فصرحت بأن أشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود والذين أشركوا.
وأن أقربهم مودة إلى المؤمنين أولئك الذين قالوا إنا نصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ.
ثم وجهت نداء المؤمنين نهتهم فيه عن تحريم الطيبات التي أحلها الله لهم وأرشدتهم إلى ما يجب عليهم فعله إذا ما حنثوا في أيمانهم.
وأمرتهم بحفظ هذه الأيمان، وعدم اللجوء إليها إلا عند وجود المقتضى لها.
ثم أخبرتهم بأنه إذا كان الله-تبارك وتعالى- قد أحل لهم الطيبات، فإنه في الوقت نفسه قد حرم عليهم الخبائث، وعلى رأس هذه الخبائث: الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، فعليهم أن يجتنبوا هذه الأرجاس لينالوا رضا الله في عاجلتهم وآجلتهم.
ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من مظاهر نعم الله على عباده ورحمته بهم حيث أباح لهم أن يتمتعوا بما أحله الله لهم مع مراقبته وخشيته في كل ما يأتون وما يذرون، ومع التزامهم بتعاليم شريعة الله في الحل وفي الحرم.
وبعد هذا الحديث المستفيض عما أحله الله وعما حرمه، أخذت السورة في مطلع الربع الثامن منها في التنويه بشأن الكعبة وبشأن البيت الحرام، ووظيفة الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
ثم نهت المؤمنين عن الأسئلة التي لا منفعة من ورائها، فإن هذا يتنافى مع ما يقتضيه إيمانهم من أدب في القول، ومن تطلع إلى ما ينفع ويفيد، قال-تبارك وتعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها، وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ.
ثم حكت السورة أنواعا من الأوهام التي تعلق بها أهل الجاهلية، حيث حرموا على أنفسهم بعض المطاعم التي أحلها الله، مستندين في تحريمهم ما حرموه إلى عادات جاهلية اعتنقوها، وهذه العادات أبعد ما تكون عن شرع الله وعما تقتضيه العقول السليمة.
وفي وسط هذا الحديث عما أحله الله وحرمه، ساقت السورة توجيها حكيما للمؤمنين، حيث بينت لهم أن الداعي إلى الله متى قام بواجبه نحو ربه، ونحو نفسه، ونحو غيره، فإنه لا يكون بعد ذلك مسئولا عن ضلال من يضل.
قال-تبارك وتعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
وبعد أن بينت بعض الأحكام التي تتعلق بالوصية ووسائل إثباتها، نوهت السورة الكريمة في الربع الأخير منها بشأن عيسى- عليه السلام- وحكت بعض المعجزات التي أيده الله بها في رسالته، وقصت ما طلبه الحواريون منه حيث قالوا له- كما حكى القرآن عنهم:هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ وساقت ما دار بينهم وبين عيسى- عليه السلام- من محاورات في هذه المسألة.
ثم ختمت السورة حديثها عن عيسى بتلك الآيات التي تحكى براءته من كل ما افتراه المفترون عليه، وأنه- عليه السلام- لم يأمر قومه إلا بعبادة الله وحده، وأنه لم يكن إلا رسولا من رسل الله الذين أخلصوا له- سبحانه - العبادة والطاعة.
استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى هذا المعنى بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول:وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالَ: سُبْحانَكَ.
ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ.
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
8- هذا عرض مجمل للتشريعات والقصص والآداب والتوجيهات التي اشتملت عليها سورة المائدة.
ومن هذا العرض نستطيع أن نستخلص بعض الحقائق البارزة في هذه السورة بصورة أظهر منها في غيرها.
ومن تلك الحقائق ما يأتى:1- أن السورة الكريمة زاخرة بالأحكام الشرعية المتنوعة، فأنت تقرؤها بتدبر وخشوع فتراها قد بينت أحكاما شرعية منها ما يتعلق بالحلال والحرام من الذبائح ومن الصيد ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام في فترة الإحرام وفي المسجد الحرام.
ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام من النكاح، ومنها ما يتعلق بالطهارة والصلاة والتيمم، ومنها ما يتعلق بوجوب التزام العدل في القضاء وفي الشهادة وفي غيرهما.
ومنها ما يتعلق بالحدود في السرقة وفي قطع الطريق والإفساد في الأرض.
ومنها ما يتعلق بأهل الكتاب إذا ما تحاكموا إلينا.
ومنها ما يتعلق بكفارات الايمان وكفارات قتل الصيد في حالة الإحرام.
ومنها ما يتعلق بالخمر والميسر والأنصاب والأزلام.
ومنها ما يتعلق بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامى من الأنعام.
ومنها ما يتعلق بالوصية عند الموت.. إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية التي أفاضت في الحديث عنها هذه السورة الكريمة.
قال القرطبي: قال أبو ميسرة: المائدة من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ.
وفيها ثماني عشرة فريضة ليست في غيرها، وهي: الْمُنْخَنِقَةُ، وَالْمَوْقُوذَةُ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ، وَالنَّطِيحَةُ، وَما أَكَلَ السَّبُعُ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وتمام الطهور: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ أى: إتمام ما لم يذكر في سورة النساء- وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ولا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إلى قوله: عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ.
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ، وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ.
وقوله-تبارك وتعالى- شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الآية.
ثم قال القرطبي: قلت: وفريضة تاسعة عشرة وهي قوله-تبارك وتعالى-: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إذ ليس للآذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة أما ما جاء في سورة الجمعة فمخصوص بالجمعة.
وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات» .
2- إن الذي يقرأ سورة المائدة يراها قد وجهت جملة من النداءات إلى المؤمنين وقد تجاوزت هذه النداءات في كثرتها، تلك النداءات التي وردت في أطول سورة في القرآن وهي سورة البقرة.
فقد وجهت سورة المائدة إلى المؤمنين ستة عشر نداء.
وقد تضمن كل نداء تشريعا من التشريعات، أو أمرا من الأوامر: أو نهيا من النواهي، أو توجيها من التوجيهات مما يدل على أن هذه السورة قد اهتمت اهتماما ملحوظا بتربية المؤمنين على المنهج الذي اختاره الله لهم.
ولا سيما بعد أن أكمل- سبحانه - لهم دينهم، وأتم عليهم نعمته.
وهذه هي النداءات التي وجهها الله-تبارك وتعالى- إلى المؤمنين نسوقها مرتبة كما وردت في السورة.
1- قال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الآية 1 2- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الآية 2 3- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا الآية 6 4- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ الآية 8 5- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الآية 11 6- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ الآية 35 7- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ الآية 51 8- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ الآية 54 9- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً الآية 57 10- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الآية 87 11- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ الآية 90 12- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ الآية 94 13- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ الآية 95 14- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ الآية 101 15- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ الآية 105 16- وقال-تبارك وتعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الآية 106 هذه هي النداءات التي وجهها- سبحانه - إلى المؤمنين في سورة المائدة، وأنت إذا تأملت فيها ترى كل نداء منها يعتبر قانونا منظما لناحية من نواحي الحياة عند المسلمين فيما يختص بأنفسهم، أو فيما يختص بعلاقتهم بغيرهم.
وسنفصل القول في هذه الآيات المشتملة على تلك النداءات عند تفسيرنا لها- إن شاء الله-.
3- أن السورة الكريمة حافلة بالحديث عن أحوال أهل الكتاب، فقد تحدثت عن عقائدهم الفاسدة، وردت عليهم بما يبطل معتقداتهم بأسلوب منطقي رصين: ولم تكتف بهذا بل أرشدتهم في كثير من آياتها إلى طريق الحق حتى يسلكوه، وحتى لا يكون لهم عذر يوم القيامة.
وأمرت النبي صلّى الله عليه وسلّم في كثير من آياتها- أيضا- أن يكشف لهم عن ضلالهم وفسوقهم عن أمر ربهم.
ومن ذلك قوله-تبارك وتعالى-: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ.
وقوله-تبارك وتعالى-: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
وقوله-تبارك وتعالى-: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ، وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ، وَأَضَلُّوا كَثِيراً، وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.
وقد ذكرت السورة الكريمة- كما سبق أن أشرنا- ألوانا من مسالك اليهود الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية، كتحاكمهم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم لا بقصد الوصول إلى الحق، وإنما بقصد إظهاره بمظهر الجاهل بأحكام التوراة ولكن الله-تبارك وتعالى- خيب سعيهم، وأبطل مكرهم، وكاستهزائهم بالدين الإسلامى وشعائره:قال-تبارك وتعالى-: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ.
كما ذكرت- أيضا- أنواعا من رذائلهم التي من أشنعها: نقضهم للعهود والمواثيق، ومسارعتهم في الإثم والعدوان، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وتكذيبهم للرسل تارة، وقتلهم لهم تارة أخرى.
أما فيما يتعلق بالنصارى فقد تميزت سورة المائدة بالإفاضة في الحديث عنهم بصورة لا تكاد توجد في غيرها بهذه السعة.
فقد تحدثت عن عقائدهم الباطلة، وعن أقوالهم الكاذبة في شأن عيسى عليه السلام- وفي شأن أمه مريم، وردت عليهم بما يدحض حجتهم، وبما يرشدهم إلى الصراط المستقيم.
وقد أنصفت السورة من يستحق الإنصاف منهم، وبشرت أولئك الذين اتبعوا الحق منهم بالثواب الجزيل من الله- تعالى.
4- أن الذي ينظر في الأحكام والتشريعات والتوجيهات التي اشتملت عليها سورة المائدة يراها تمتاز بأنها أحكام نهائية لا تقبل النسخ.
وخذ على سبيل المثال ما ورد في هذه السورة بشأن تحريم الخمر، فإنك تراه قاطعا وحاسما في التحريم.
فلقد مر تحريم الخمر بمراحل كان أولها قوله-تبارك وتعالى- في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ {الآية 219} .
وكان ثانيها قوله-تبارك وتعالى- في سورة النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ {الآية 43} .
وكان آخرها قوله-تبارك وتعالى- هنا في سورة المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
والسر في أن الأحكام الشرعية التي وردت في هذه السورة تعتبر نهائية ولا تقبل النسخ.
أن معظم آياتها- كما سبق أن ذكرنا- كان من آخر ما نزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم من قرآن، وكان نزول كثير من آياتها بعد أن انزوى الشرك في مخابئه، وصار المسلمون في قوة ومنعة، كانوا بها أصحاب السلطان في مكة وفي بيت الله الحرام، دون أن يتعرض لهم متعرض، أو ينازعهم منازع، فقد تم فتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا.
ولهذا فأنت لا ترى السورة الكريمة تتحدث عن الشرك أو عن المشركين، أو عن الجهاد في سبيل الله وما يتعلق به من حض عليه ومن أحكام تختص به.
وإنما سورة المائدة تتحدث عن قضايا أخرى كان المسلمون في حاجة إليها عند نزولها.
ومن أهم هذه القضايا: حث المؤمنين على التزام العهود والمواثيق وتحذيرهم من الإخلال بشيء منها، وإنزال التشريعات التي هم في حاجة إليها بعد أن تم لهم النصر على أعدائهم، وإرشادهم إلى طرق المحاجة والمناقشة التي يردون بها على ما يثيره أهل الكتاب من شبهات حول تعاليم الإسلام وآدابه وتشريعاته.
وبيان وجه الحق فيما حكته السورة عن أهل الكتاب من أقوال باطلة، ومن معتقدات فاسدة.
أما فيما يتعلق بالشرك والمشركين أو بالجهاد في سبيل الله، فلم يكن مقتضى حال المسلمين يستدعى الكلام في ذلك، لأن نزول معظمها كان بعد أن تم للمسلمين النصر على أعدائهم، وبعد أن أصبحت كلمتهم هي العليا، وكلمة المشركين هي السفلى.
وقد تكفلت السور المدنية الأخرى التي نزلت قبل سورة المائدة بالحديث المستفيض عن الشرك وعن المشركين، وعن الحض على الجهاد في سبيل الله، وعن غير ذلك من القضايا التي تقتضيها حالة المسلمين.
وبعد: فهذا تمهيد بين يدي السورة الكريمة تعرضنا خلاله لمكان نزولها ولزمانه، ولوجه تسميتها بسورة المائدة.
وللمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها وللأمور البارزة فيها.
وقد قصدنا بهذا التمهيد إعطاء القارئ الكريم فكرة واضحة عن هذه السورة، قبل البدء في تفسير آياتها بالتفصيل والتحليل.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
=======================وقوله: أَوْفُوا من الإيفاء.
ومعناه: الإتيان بالشيء وافيا تاما لا نقص فيه، ولا نقص معه.
يقال وفي بالعهد وأوفى به إذا أدى ما التزم به.
قال صاحب الانتصاف: ورد في الكتاب العزيز وَفَّى بالتضعيف في قوله-تبارك وتعالى-:وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى.
وورد «أوفى» كثيرا.
ومنه أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
وأما وَفَّى ثلاثيا فلم يرد إلا في قوله-تبارك وتعالى-: وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ لأنه بنى أفعل التفضيل من «وفى» : إذ لا يبنى إلا من ثلاثي» .
والعقود: جمع عقد- بفتح العين-.
وهو العهد الموثق.
قال الراغب: الجمع بين أطراف الشيء.
ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل، وعقد البناء.
ثم يستعار ذلك للمعاني نحو عقد البيع والعهد وغير هما: فيقال: عاقدته، وعقدته، وتعاقدنا.
وهو مصدر استعمل اسما فجمع نحو.
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
وقد فرق بعضهم بين العقد والعهد فقال: «والعقود جمع عقد وهو بمعنى المعقود وهو أوكد العهود.
والفرق بين العقد والعهد أن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد، ولا يكون إلا بين متعاقدين.
والعهد قد ينفرد به الواحد.
فكل عقد عهد ولا يكون كل عهد عقدا»والمراد بالعقود هنا: ما يشمل العقود التي عقدها الله علينا وألزمنا بها من الفرائض والواجبات والمندوبات، وما يشمل العقود التي تقع بين الناس بعضهم مع بعض في معاملاتهم المتنوعة وما يشمل العهود التي يقطعها الإنسان على نفسه، والتي لا تتنافى مع شريعة الله-تبارك وتعالى-.
وبعضهم يرى أن المراد بالعقود هنا: ما يتعاقد عليه الناس فيما بينهم كعقود البيع وعقود النكاح.
وبعضهم يرى أن المراد بها هنا: العهود التي كانت تؤخذ في الجاهلية على النصرة والمؤازرة للمظلوم حتى ينال حقه.
والأول أولى لأنه أليق بعموم اللفظ، إذ هو جمع محلى بأل المفيدة للجنس وأوفى بعموم الفائدة.
قال القرطبي: والمعنى: أوفوا بعقد الله عليكم، وبعقدكم بعضكم على بعض.
وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب.
قال صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمنون عند شروطهم» .
وقال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» .
فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله: أى: دين الله.
فإن ظهر فيها ما يخالف رد، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
والبهيمة: اسم لذوات الأربع من دواب البر والبحر.
قال الفخر الرازي: قالوا كل حي لا عقل له فهو بهيمة من قولهم: استبهم الأمر على فلان إذا أشكل عليه.
وهذا باب مبهم أى: مسدود الطريق.
ثم اختص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر» .
والأنعام جمع نعم- بفتحتين- وأكثر ما يطلق على الإبل، لأنها أعظم نعمة عند العرب.
والمراد بالأنعام هنا: ما يشمل الإبل والبقر والغنم ويلحق بها كل حيوان أو طير يتغذى من النبات، ولم يرد نص بتحريمه فيدخل الظبى وحمار الوحش وغير هما من آكلات العشب، كما تدخل الطيور غير الجارحة وإضافة البهيمة إلى الأنعام إضافة بيانية من إضافة الجنس إلى ما هو أخص منه كشجر الأراك، وثوب الخز.
أى: أحل الله لكم أيها المؤمنون الانتفاع ببهيمة الأنعام.
وهذا الانتفاع بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها وما أشبه ذلك مما أحله الله منها.
قال الآلوسى ما ملخصه: وقال غير واحد: البهيمة اسم لكل ذات أربع من دواب البر والبحر.
وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز.
أى: أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام.
وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورتها.
وأفردت البهيمة لإرادة الجنس: وجمع الأنعام ليشمل أنواعها.
وألحق بها الظباء وبقر الوحش.
وقيل: هما المراد بالبهيمة ونحو هما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب.
وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة بينهما.
وقيل: المراد ببهيمة الأنعام: ما يخرج من بطونها من الأجنة بعد ذكاتها وهي ميتة، فيكون مفاد الآية صريحا حل أكلها.
وبه قال الشافعى .
وقوله: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ استثناء مما أحله- سبحانه - لهم من بهيمة الأنعام.
أى: أحل الله لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم بعد ذلك في كتابه أو على لسان رسوله فإنه محرم عليكم.
قال القرطبي: قوله-تبارك وتعالى-: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ أى يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله-تبارك وتعالى- في الآية الثالثة من السورة نفسها- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ.. إلخ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام» .
فإن قيل: الذي يتلى علينا الكتاب وليس السنة؟ قلنا: كل سنة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهي كتاب الله.
والدليل عليه أمران:أحدهما: حديث العسيف «لأقضين بينكما بكتاب الله» والرجم ليس منصوصا عليه في كتاب الله.
الثاني: حديث عبد الله بن مسعود: «ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو في كتاب الله.
ويحتمل: إلا ما يتلى عليكم الآن.
أو ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة.
وقوله: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ بيان لما حرم عليهم في أحوال معينة، وبسبب أمور اقترنت به.
وقوله: حُرُمٌ جمع حرام.
يقال.
أحرم الرجل فهو محرم وحرام وهم حرم.
وقوله: مُحِلِّي جمع محل بمعنى مستحل.
والصيد مصدر بمعنى الاصطياد.
أو اسم للحيوان المصيد.
وقوله: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ حال من الضمير في لَكُمْ.
وقوله: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، حال من الضمير في مُحِلِّي والمعنى: يا أيها الذين آمنوا كونوا أوفياء بعهودكم مع الله ومع أنفسكم ومع غيركم، فقد أحل الله-تبارك وتعالى- بهيمة الأنعام لتنتفعوا بها فضلا منه وكرما، إلا أنه- سبحانه - حرم عليكم أشياء رحمة بكم فاجتنبوها، كما حرم عليكم الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة، سواء كنتم في الحل أم كنتم في الحرم، ويدخل في حكم المحرم من كان في الحرم وليس محرما.
وذلك لأن المحرم أو من كان في أرض الحرم يجب عليه أن يكون مشتغلا بما يرضى الله، وأن يحترم هذه الأماكن المقدسة التي جعلها الله أماكن أمان، واطمئنان وعبادة لله رب العالمين.
وقد دعا الله-تبارك وتعالى- المؤمنين إلى الوفاء بالعقود وناداهم بوصف الإيمان، ليحثهم على امتثال ما كلفهم به، لأن الشأن في المؤمن أن يمتثل لما أمره الله به أو لما نهاه عنه.
روى ابن أبى حاتم، أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهد إلى.
فقال له: إذا سمعت الله يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فارعها سمعك فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ تذييل قصد به بيان مشيئة الله النافذة، وإرادته الشاملة، وحكمه الذي لا يعقب عليه معقب.
أى: إن الله يحكم بما يريد أن يحكم به من الأحكام التي تتعلق بالحلال وبالحرام وبغيرهما، بمقتضى مشيئته المبنية على الحكم البالغة، دون أن ينازعه منازع، أو يعارضه معارض، فاستجيبوا- أيها المؤمنون- لحكمه لتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة.
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الوفاء بالعهود التي شرعها الله-تبارك وتعالى- وهذا المعنى ترى سورة المائدة زاخرة به في كثير من آياتها.
فأنت ترى في مطلعها هذه الآية الكريمة التي تحض على الوفاء بالعقود، ثم ترى الآية الثانية منها تنهى عن الإخلال بشيء من شعائر الله، ثم تراها بعد ذلك بقليل تذكر المؤمنين بنعم الله عليهم وبميثاقه الذي واثقهم به: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ.
ثم تحكى أن من الأسباب التي أدت إلى طرد بنى إسرائيل من رحمة الله، نقضهم لمواثيقهم.
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ.
وهكذا نرى السورة الكريمة حافلة بالتوجيهات التي تحض المؤمنين على التزام العهود والمواثيق التي شرعها الله وتحذرهم عاقبة إهمالها، أو الإخلال بشيء منها.
كما أخذ العلماء منها حل بهيمة الأنعام من جهة الانتفاع بلحومها وجلودها وأصوافها.
وحرمة ما حرم الله-تبارك وتعالى- منها في مواطن أخرى.
كما أخذوا منها حرمة الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد على من كان محرما بحج أو عمرة، وعلى من كان في أرض الحرم ولو لم يكن محرما.
قال القرطبي: وهذه الآية تلوح فصاحتها.
وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام فإنها تضمنت خمسة أحكام:الأول: الأمر بالوفاء بالعقود.
الثاني: تحليل بهيمة الأنعام.
الثالث: استثناء ما يلي بعد ذلك.
الرابع: استثناء حال الإحرام فيما يصاد.
الخامس: ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم.
وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا شيئا مثل هذا القرآن فقال: نعم أعمل مثل بعضه.
فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد.
إنى فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة.
فنظرت فإذا هو نطق بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتى بهذا «1» .
وبعد أن أشار- سبحانه - إلى ما أحل لعباده من طيبات، وما حظره عليهم من أفعال، أتبع ذلك بنداء آخر إليهم نهاهم فيه عن استحلال أشياء معينة فقال-تبارك وتعالى-:

تفسير ابن كثير : شرح الآية 1 من سورة المائدة


تفسير سورة المائدة [ وهي مدنية ] قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا أبو معاوية شيبان ، عن ليث عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد قالت : إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ نزلت عليه المائدة كلها ، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة . وروى ابن مردويه من حديث صالح بن سهيل ، عن عاصم الأحول قال : حدثتني أم عمرو ، عن عمها ; أنه كان في مسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت عليه سورة المائدة ، فاندق عنق الراحلة من ثقلها . وقال أحمد أيضا : حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة ، حدثني حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال : أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته ، فلم تستطع أن تحمله ، فنزل عنها .تفرد به أحمد وقد روى الترمذي عن قتيبة ، عن عبد الله بن وهب ، عن حيي عن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو قال : آخر سورة أنزلت : سورة المائدة والفتح ، ثم قال الترمذي : هذا حديث غريب حسن . وقد روي عن ابن عباس أنه قال : آخر سورة أنزلت : " إذا جاء نصر الله والفتح " [ سورة النصر : 1 ] .وقد روى الحاكم في مستدركه ، من طريق عبد الله بن وهب بإسناده نحو رواية الترمذي ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .وقال الحاكم أيضا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا بحر بن نصر قال : قرئ على عبد الله بن وهب ، أخبرني معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير قال : حججت فدخلت على عائشة ، فقالت لي : يا جبير تقرأ المائدة ؟ فقلت : نعم . فقالت : أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه ، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه . ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .ورواه الإمام أحمد ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، وزاد : وسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : القرآن . وراوه النسائي من حديث ابن مهدي .قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا مسعر حدثني معن وعوف - أو : أحدهما - أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود [ رضي الله عنه ] فقال : اعهد إلي . فقال : إذا سمعت الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا ) فارعها سمعك ، فإنه خير يأمر به ، أو شر ينهى عنه .وقال : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم - دحيم - حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن الزهري قال : إذا قال الله : ( يا أيها الذين آمنوا ) افعلوا ، فالنبي صلى الله عليه وسلم منهم .وحدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا محمد بن عبيد حدثنا الأعمش عن خيثمة قال : كل شيء في القرآن : ( يا أيها الذين آمنوا ) فهو في التوراة : " يا أيها المساكين " .فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي ، حدثنا معاوية - يعني : ابن هشام - عن عيسى بن راشد ، عن علي بن بذيمة ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية : ( يا أيها الذين آمنوا ) إلا أن عليا سيدها وشريفها وأميرها ، وما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب ، فإنه لم يعاتب في شيء منه . فهو أثر غريب ولفظه فيه نكارة ، وفي إسناده نظر .قال البخاري : عيسى بن راشد هذا مجهول ، وخبره منكر . قلت : وعلي بن بذيمة - وإن كان ثقة - إلا أنه شيعي غال ، وخبره في مثل هذا فيه تهمة فلا يقبل . وقوله : " ولم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلا عليا " إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى ، فإنه قد ذكر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي ونزل قوله : ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله ) الآية [ سورة المجادلة : 13 ] وفي كون هذا عتابا نظر ; فإنه قد قيل : إن الأمر كان ندبا لا إيجابا ، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل ، فلم ير من أحد منهم خلافه . وقوله عن علي : " إنه لم يعاتب في شيء من القرآن " فيه نظر أيضا ; فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفداء عمت جميع من أشار بأخذه ، ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فعلم بهذا ، وبما تقدم ضعف هذا الأثر ، والله أعلم .وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا الليث حدثني يونس قال : قال محمد بن مسلم : قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران ، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم ، فيه : هذا بيان من الله ورسوله : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) فكتب الآيات منها حتى بلغ : ( إن الله سريع الحساب ) .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه قال : هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا ، الذي كتبه لعمرو بن حزم ، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ، ويأخذ صدقاتهم . فكتب له كتابا وعهدا ، وأمره فيه بأمره ، فكتب : " بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من الله ورسوله : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) عهد من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم ، حين بعثه إلى اليمن ، أمره بتقوى الله في أمره كله ، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " .قوله تعالى ( أوفوا بالعقود ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : يعني بالعقود : العهود . وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال : والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) يعني بالعهود : يعني ما أحل الله وما حرم ، وما فرض وما حد في القرآن كله ، فلا تغدروا ولا تنكثوا ، ثم شدد في ذلك فقال : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) إلى قوله : ( سوء الدار ) [ الرعد : 25 ] .وقال الضحاك : ( أوفوا بالعقود ) قال : ما أحل الله وما حرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي [ صلى الله عليه وسلم ] والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام .وقال زيد بن أسلم : ( أوفوا بالعقود ) قال : هي ستة : عهد الله ، وعقد الحلف ، وعقد الشركة ، وعقد البيع ، وعقد النكاح ، وعقد اليمين .وقال محمد بن كعب : هي خمسة منها : حلف الجاهلية ، وشركة المفاوضة .وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية : ( أوفوا بالعقود ) قال : فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته ، فيقتضي نفي خيار المجلس ، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك . وخالفهما الشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور ، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وفي لفظ للبخاري : " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع ، وليس هذا منافيا للزوم العقد ، بل هو من مقتضياته شرعا ، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقد .وقوله تعالى : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) هي : الإبل والبقر ، والغنم . قاله الحسن وقتادة وغير واحد . قال ابن جرير : وكذلك هو عند العرب . وقد استدل ابن عمر وابن عباس ، وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت ، وقد ورد في ذلك حديث في السنن ، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ، من طريق مجالد عن أبي الوداك جبر بن نوف ، عن أبي سعيد ، قال : قلنا : يا رسول الله ، ننحر الناقة ، ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين ، أنلقيه أم نأكله؟ فقال : " كلوه إن شئتم ; فإن ذكاته ذكاة أمه " . وقال الترمذي : حديث حسن .[ و ] قال أبو داود : حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عتاب بن بشير ، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ذكاة الجنين ذكاة أمه " . تفرد به أبو داود .وقوله : ( إلا ما يتلى عليكم ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني بذلك : الميتة والدم ولحم الخنزير .وقال قتادة : يعني بذلك الميتة ، وما لم يذكر اسم الله عليه .والظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك قوله : ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ) فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض ; ولهذا قال : ( إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ) يعني : منها . فإنه حرام لا يمكن استدراكه ، وتلاحقه ; ولهذا قال تعالى : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) أي : إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال .وقوله : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) قال بعضهم : هذا منصوب على الحال . والمراد من الأنعام : ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم ، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر ، فاستثنى من الإنسي ما تقدم ، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام .وقيل : المراد [ أحللنا لكم الأنعام إلا ما استثني لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام ، كقوله : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) أي : أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا عاد ، أي : كما ] أحللنا الأنعام لكم في جميع الأحوال ، فحرموا الصيد في حال الإحرام ، فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه ; ولهذا قال : ( إن الله يحكم ما يريد )

تفسير الطبري : معنى الآية 1 من سورة المائدة


القول في تأويل قوله عز ذكره يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا "، يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية, وسلموا له الألوهة (47) وصدَّقوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه =" أوفوا بالعقود "، يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه, وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا, فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها, ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم, ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها .
(48)* * *واختلف أهل التأويل في" العقود " التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية, بعد إجماع جميعهم على أن معنى " العقود "، العهود.
فقال بعضهم: هي العقود التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضًا على النُّصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءًا, وذلك هو معنى " الحلف " الذي كانوا يتعاقدونه بينهم.
ذكر من قال: معنى " العقود "، العهود.
10893- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي, عن ابن عباس قوله: " أوفوا بالعقود "، يعني: بالعهود.
10894- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله جل وعز: " أوفوا بالعقود "، قال: العهود.
10895- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
10896- حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد، مثله .
(49)10897- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرّف بن الشخِّير وعنده رجل يحدثهم, فقال: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "، قال: هي العهود .
(50)10898- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " أوفوا بالعقود "، قال: العهود.
10899- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "، قال: هي العهود.
10900- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: " أوفوا بالعقود "، بالعهود.
10901- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة في قوله: " أوفوا بالعقود "، قال: بالعهود.
10902- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أوفوا بالعقود "، قال: هي العهود.
10903- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، سمعت الثوري يقول: " أوفوا بالعقود "، قال: بالعهود.
10904- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.
* * *قال أبو جعفر: و " العقود " جمع " عَقْدٍ"، وأصل " العقد "، عقد الشيء بغيره, وهو وصله به, كما يعقد الحبل بالحبلِ، إذا وصل به شدًّا.
يقال منه: " عقد فلان بينه وبين فلان عقدًا، فهو يعقده ", ومنه قول الحطيئة:قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُشَدُّوا العِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا (51)وذلك إذا وَاثقه على أمر وعاهده عليه عهدًا بالوفاء له بما عاقده عليه, من أمان وذِمَّة, أو نصرة, أو نكاح, أو بيع, أو شركة, أو غير ذلك من العقود.
* * *ذكر من قال المعنى الذي ذكرنا عمن قاله في المراد من قوله: " أوفوا بالعقود ".
10905- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "، أي: بعقد الجاهلية.
ذُكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: أوفوا بعقد الجاهلية, ولا تحدثوا عقدًا في الإسلام.
وذكر لنا أن فرات بن حيَّان العِجلي، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية, فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تسأل عن حِلْف لخْمٍ وتَيْم الله؟ فقال: نعم، يا نبي الله! قال: لا يزيده الإسلام إلا شدة.
10906- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة: " أوفوا بالعقود "، قال: عقود الجاهلية: الحلف.
* * *وقال آخرون: بل هي الحلف التي أخذ الله على عباده بالإيمان به وطاعته، فيما أحل لهم وحرم عليهم.
*ذكر من قال ذلك:10907- حدثني المثنى قال، أخبرنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " أوفوا بالعقود "، يعني: ما أحل وما حرّم, وما فرض, وما حدَّ في القرآن كله, فلا تغدِروا ولا تنكُثوا.
ثم شدَّد ذلك فقال: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إلى قوله: سُوءُ الدَّارِ [سورة الرعد: 25 ].
10908- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أوفوا بالعقود "، ما عقد الله على العباد مما أحل لهم وحرَّم عليهم.
* * *وقال آخرون: بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، ويعقدها المرء على نفسه.
*ذكر من قال ذلك:10909- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي, عن موسى بن عبيدة, عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: العقود خمس: عُقدة الأيمان, وعُقدة النكاح, وعقدة العَهد, وعقدة البيع, وعقدة الحِلْف.
10910- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب القرظي = أو عن أخيه عبد الله بن عبيدة, نحوه.
10911- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "، قال: عقد العهد، وعقد اليمين وعَقد الحِلْف, وعقد الشركة, وعقد النكاح.
قال: هذه العقود، خمس.
10912- حدثني المثنى قال، حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي قال، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال، حدثنا أبي في قول الله جل وعز: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "، قال: العقود خمس: عقدة النكاح, وعقدة الشركة, وعقد اليمين, وعقدة العهد, وعقدة الحلف .
(52)* * *وقال آخرون: بل هذه الآية أمرٌ من الله تعالى لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم، من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله.
*ذكر من قال ذلك:10913- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " أوفوا بالعقود "، قال: العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب: أن يعملوا بما جاءهم.
10914- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس قال، قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نَجْران (53) فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم, فيه: " هذا بيان من الله ورسوله " : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " ، فكتب الآيات منها حتى بلغ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ .
(54)* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما قاله ابن عباس, وأن معناه: أوفوا، يا أيها الذين آمنوا، بعقود الله التي أوجبَهَا عليكم، وعقدها فيما أحلَّ لكم وحرم عليكم, وألزمكم فرضه, وبيَّن لكم حدوده.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال, لأن الله جل وعز أتبع ذلك البيانَ عما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه.
فكان معلومًا بذلك أن قوله: " أوفوا بالعقود "، أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك, ونَهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه, مع أن قوله: " أوفوا بالعقود "، أمرٌ منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه, فغير جائز أن يخصَّ منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها.
فإذْ كان الأمر في ذلك كما وصفنا, فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمرَ الله بالوفاء بها دون بعض.
* * *وأما قوله: " أوفوا " فإن للعرب فيه لغتين:إحداهما: " أوفوا "، من قول القائل: " أوفيت لفلان بعهده، أوفي له به ".
والأخرى من قولهم: " وفيت له بعهده أفي" .
(55)و " الإيفاء بالعهد "، إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة.
* * *القول في تأويل قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في" بهيمة الأنعام " التي ذكر الله عز ذكره في هذه الآية أنه أحلها لنا.
فقال بعضهم: هي الأنعام كلها.
*ذكر من قال ذلك:10915- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى, عن عوف, عن الحسن قال: بهيمة الأنعام، هي الإبل والبقر والغنم.
10916- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام "، قال: الأنعام كلها.
10917- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا ابن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أحلت لكم بهيمة الأنعام "، قال: الأنعام كلها.
10918- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام "، قال: الأنعام كلها.
(56)10920- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " بهيمة الأنعام "، هي الأنعام.
* * *وقال آخرون: بل عنى بقوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام "، أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها -إذا نحرت أو ذبحت- ميتةً.
*ذكر من قال ذلك:10921- حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، أخبرنا أبو عبد الرحمن الفزاري, عن عطية العوفي, عن ابن عمر في قوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام ".
قال: ما في بطونها.
قال قلت: إن خرج ميتًا آكله؟ قال: نعم.
10922- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا يحيى بن زكريا, عن إدريس الأودي, عن عطية, عن ابن عمر نحوه = وزاد فيه قال: نعم, هو بمنزلة رئتها وكبدها.
10923- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: الجنين من بهيمة الأنعام، فكلوه.
10924- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن مسعر = وسفيان, عن قابوس = عن أبيه, عن ابن عباس: أن بقرة نحرت فوُجد في بطنها جنين, فأخذ ابن عباس بذنَب الجنين فقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أحلّت لكم.
10925- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: هو من بهيمة الأنعام.
10926- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم ومؤمل قالا حدثنا سفيان, عن قابوس, عن أبيه قال: ذبحنا بقرة, فإذا في بطنها جنين, فسألنا ابن عباس فقال: هذه بهيمة الأنعام.
* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك، قول من قال: عنى بقوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام "، الأنعام كلها: أجنَّتها وسِخَالها وكبارها .
(57) لأن العرب لا تمتنع من تسمية جميع ذلك " بهيمة وبهائم ", ولم يخصص الله منها شيئًا دون شيء.
فذلك على عمومه وظاهره، حتى تأتى حجة بخصوصه يجب التسليم لها.
* * *وأما " النعم " فإنها عند العرب، اسم للإبل والبقر والغنم خاصة, كما قال جل ثناؤه: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ، [سورة النحل: 5]، ثم قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [سورة النحل: 8]، ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان .
(58)وأما " بهائمها "، فإنها أولادها.
وإنما قلنا يلزم الكبار منها اسم " بهيمة "، كما يلزم الصغار, لأن معنى قول القائل: " بهيمة الأنعام ", نظير قوله: " ولد الأنعام ".
فلما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر, فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيمة بعد الكبر.
* * *وقد قال قوم: " بهيمة الأنعام "، وحشيُّها، كالظباء وبقر الوحش والحُمُر .
(59)* * *القول في تأويل قوله : إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذي عناه الله بقوله: " إلا ما يتلى عليكم ".
فقال بعضهم: عنى الله بذلك: أحلت لكم أولاد الإبل والبقر والغنم, إلا ما بيَّن الله لكم فيما يتلى عليكم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ، الآية [سورة المائدة: 3].
*ذكر من قال ذلك:10927- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ"، إلا الميتة وما ذكر معها.
10928- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ"، أي: من الميتة التي نهى الله عنها، وقدَّم فيها.
10929- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " إلا ما يتلى عليكم "، قال: إلا الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.
10930- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إلا ما يتلى عليكم "، الميتة والدم ولحم الخنزير.
10931- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ"، الميتة ولحم الخنزير.
10932- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ"، هي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لغير الله به.
* * *وقال آخرون: بل الذي استثنى الله بقوله: " إلا ما يتلى عليكم "، الخنزير.
ذكر من قال ذلك.
10933- حدثني عبد الله بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " إلا ما يتلى عليكم "، قال: الخنزير.
10934- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " إلا ما يتلى عليكم "، يعني: الخنزير.
* * *قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من قال: عنى بذلك: إلا ما يتلى عليكم من تحريم الله ما حرّم عليكم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، الآية.
لأن الله عز وجل استثنى مما أباح لعباده من بهيمة الأنعام، ما حرَّم عليهم منها.
والذي حرّم عليهم منها، ما بيّنه في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [سورة المائدة: 3].
وإن كان حرَّمه الله علينا، فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها.
فاستثناء ما حرَّم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء، أشبهُ من استثناء ما حرَّم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء.
* * *القول في تأويل قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ =" غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ" = أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ فذلك، على قولهم، من المؤخر الذي معناه التقديم.
ف" غير " منصوب = على قول قائلي هذه المقالة = على الحال مما في قوله: " أوفوا " من ذكر " الذين آمنوا ".
وتأويل الكلام على مذهبهم: أوفوا، أيها المؤمنون، بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه, لا محلّين الصيد وأنتم حرم.
* * *وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر =" غير محلي الصيد "، غير مستحلِّي اصطيادها, وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم ".
ف" غير "، على قول هؤلاء، منصوب على الحال من " الكاف والميم " اللتين في قوله: لَكُمْ ، بتأويل: أحلت لكم، أيها الذين آمنوا، بهيمة الأنعام, لا مستحلِّي اصطيادها في حال إحرامكم .
(60)* * *وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها = إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ , إلا ما كان منها وحشيًّا, فإنه صيد، فلا يحل لكم وأنتم حرم.
فكأن من قال ذلك, وجَّه الكلام إلى معنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها = إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، إلا ما يبين لكم من وحشيها, غيرَ مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم.
فتكون " غير " منصوبة، على قولهم، على الحال من " الكاف والميم " في قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ .
*ذكر من قال ذلك:10935- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشخير، وعنده رجل, فحدّثهم فقال: " أحلت لكم بهيمة الأنعام " صيدًا =" غير محلي الصيد وأنتم حرم ", فهو عليكم حرام.
يعني: بقر الوحش والظباءَ وأشباهه.
(61)10936- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم "، قال: الأنعام كلها حِلٌّ، إلا ما كان منها وحشيًّا, فإنه صيد, فلا يحل إذا كان مُحْرِمًا.
* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب = على ما تظاهر به تأويل أهل التأويل في قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، من أنها الأنعام وأجنَّتها وسخالها, وعلى دلالة ظاهر التنزيل = قولُ من قال: معنى ذلك: أوفوا بالعقود، غيرَ محلي الصيد وأنتم حرم, فقد أحلت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم, إلا ما يتلى عليكم تحريمه من الميتة منها والدم، وما أهل لغير الله به.
وذلك أن قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، لو كان معناه: " إلا الصيد ", لقيل: " إلا ما يتلى عليكم من الصيد غير محليه ".
وفي ترك الله وَصْلَ قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ بما ذكرت, وإظهار ذكر الصيد في قوله: " غير محلي الصيد "، أوضحُ الدليل على أن قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، خَبَرٌ متناهية قصته, وأن معنى قوله: " غير محلي الصيد "، منفصل منه.
وكذلك لو كان قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، مقصودًا به قصد الوحش, لم يكن أيضًا لإعادة ذكر الصيد في قوله: " غير محلي الصيد " وَجْهٌ، وقد مضى ذكره قبل, ولقيل: " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلِّيه وأنتم حرم ".
وفي إظهاره ذكر الصيد في قوله: " غير محلي الصيد "، أبينُ الدلالة على صحة ما قلنا في معنى ذلك.
* * *فإن قال قائل: فإن العرب ربما أظهرت ذكر الشيء باسمه وقد جرى ذكره باسمه؟ قيل: ذلك من فعلها ضرورة شعر, وليس ذلك بالفصيح المستعمل من كلامهم.
وتوجيه كلام الله إلى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته، أولى = ما وُجد إلى ذلك سبيل = من صرفه إلى غير ذلك.
* * *قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم مما حرّم وأحلّ, لا محلين الصيد في حرمكم, ففيما أحلَّ لكم من بهيمة الأنعام المذكَّاة دون ميتتها، متَّسع لكم ومستغنًى عن الصيد في حال إحرامكم.
* * *القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله يقضي في خلقه ما يشاء (62) من تحليل ما أراد تحليله, وتحريم ما أراد تحريمه, وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم, وغير ذلك من أحكامه وقضاياه = فأوفوا، أيها المؤمنون، له بما عقدَ عليكم من تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرّم عليكم, وغير ذلك من عقوده، فلا تنكثوها ولا تنقضوها.
كما:-10937- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " إن الله يحكم ما يريد "، إن الله يحكم ما أراد في خلقه, وبيّن لعباده, وفرض فرائضه, وحدَّ حدوده, وأمر بطاعته, ونهى عن معصيته.
------------------الهوامش :(47) في المطبوعة: "الألوهية" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(48) انظر تفسير"أوفى" فيما سلف 1: 557/3: 348/6: 526.
(49) الأثر: 10896- في المخطوطة: "حدثنا سفيان قال ، حدثنا ابن أبي سفيان ، عن رجل.
.
.
" وهو خطأ وسهو ، وهو إسناد دائر في التفسير: سفيان بن وكيع ، عن أبيه وكيع ، عن سفيان الثوري.
(50) الأثر: 10897-"عبيد الله" ، هو"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي""باذام" ، مضت ترجمته برقم: 2092 ، 2219 ، 5796 ، 7758.
وكان في المطبوعة هنا: "عبيد الله عن ابن أبي جعفر الرازي" ، وهو خطأ سيأتي على الصواب في الأسانيد التالية رقم: 10935 ، 10957 ، 10963.
(51) ديوانه: 6 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 145 ، اللسان (كرب) (عنج) ، من قصيدته التي قالها في الزبرقان بن بدر ، وبغيض بن عامر من بني أنف الناقة ، فمدح بغيضًا وقومه فقال:قَوْمٌ هُمُ الأَنْفُ، وَالأَذْنَابُ غَيْرهُمُ،وَمَنْ يُسَوِّي بِأَنْفِ النَّاقَةِ الذَّنَبَا!قَوْمٌ يَبِيتُ قَرِيرَ العَيْنِ جَارُهُمُإذَا لَوَى بقُوَى أَطْنَابِهِمْ طُنُبَاقَوْمٌ إذَا عَقَدُوا.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
هذا مثل ضربه يقول: إذا عقدوا للجار عقدًا وذمامًا ، أحكموا على أنفسهم العقد ، حتى يكون أقر عينًا بنصرتهم له ، وحمايتهم لعرضه وماله.
وضرب المثل بالدلو ، التي يستقي بها وينتفع.
و"العناج": خيط يشد في أسفل الدلو ، ثم يشد في عروتها ، أو في أحد آذانها ، فإذا انقطع حبل الدلو ، أمسك العناج الدلو أن تقع في البئر.
و"الكرب" الحبل الذي يشد على الدلو بعد"المنين" وهو الحبل الأول ، فإذا انقطع المنين بقي الكرب.
فهذا هو المثل ، استوثقوا له بالعهد ، كما استوثقوا لدلوه بالحبل بعد الحبل حتى تكون بمأمن من القطع.
(52) الأثر 10912-"عتبة بن سعيد الحمصي" مضى برقم: 8966.
(53) في المطبوعة: "بعثه إلى نجران" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(54) الأثر: 10914- روى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو جعفر في التاريخ 3: 157 ، وهو في سيرة ابن هشام 4: 241 ، وفتوح البلدان للبلاذري: 77 ، وغيرها.
(55) انظر تفسير"أوفى" فيما سلف 1: 557-559/3: 348/6: 526.
(56) سقط من الترقيم ، رقم: 10919.
(57) "السخال" جمع"سخلة" (بفتح فسكون): وهي ولد الشاة من المعز والضأن ، ذكرًا كان أو أنثى.
(58) انظر تفسير"الأنعام" فيما سلف 6: 254.
(59) هي مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 298.
(60) انظر معاني القرآن للفراء 1: 298.
(61) انظر الإسناد السالف رقم: 10897 ، وكان هناك عن"ابن أبي جعفر الرازي" ، وهذا هو الإسناد الصحيح ، صححت ذلك عليه.
وسيأتي برقم: 10957 ، 10963.
(62) انظر تفسير"حكم" فيما سلف: ص 324: تعليق: 3.

ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد

سورة : المائدة - الأية : ( 1 )  - الجزء : ( 6 )  -  الصفحة: ( 106 ) - عدد الأيات : ( 120 )

تفسير آيات من القرآن الكريم

  1. تفسير: بأن ربك أوحى لها
  2. تفسير: متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب
  3. تفسير: لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون
  4. تفسير: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب
  5. تفسير: فإذا نقر في الناقور
  6. تفسير: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك
  7. تفسير: لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا
  8. تفسير: واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا
  9. تفسير: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون
  10. تفسير: جزاء بما كانوا يعملون

تحميل سورة المائدة mp3 :

سورة المائدة mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة المائدة

سورة المائدة بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة المائدة بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة المائدة بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة المائدة بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة المائدة بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة المائدة بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة المائدة بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة المائدة بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة المائدة بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة المائدة بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري

,

لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب