أحاديث عن: آمن بالله واليوم الآخر
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
22 نتيجة — لكلمة: آمن بالله واليوم الآخر
⭐ حسن
📂 باب سؤال جبريل عن الإيمان،...
عن ابن عباس قال: جلس رسول اللَّه ﷺ مجلسًا له، فاتاه جبريلُ فجلس بين يدي رسول اللَّه ﷺ، واضعًا كفّيْه على رُكْبتي رسول اللَّه ﷺ، فقال: يا رسول اللَّه، حدّثني ما الإسلام؟ قال رسول اللَّه ﷺ: «الإسلام أن تسلم وجهك للَّه، وتشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله» قال: فإذا فعلتُ ذلك فأنا مسلم؟ قال: «إذا فعلتَ ذلك فقد أسلمتَ» قال: يا رسول اللَّه، فحدثني ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن باللَّه، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيّين، وتؤمن بالموت والحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة والنار، والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كلِّه خيره وشرّه» قال: فإذا فعلتُ ذلك فقد آمنتُ؟ قال: «إذا فعلتَ ذلك فقد آمنتَ» قال: يا رسول اللَّه، حدثني ما الإحسان؟ قال رسول اللَّه ﷺ: «الإحسان أن تعمل للَّه كأنك تراه فإنك إن لم تره فإنه يراك». قال: يا رسول اللَّه، فحدثني متى السّاعة؟ قال رسول اللَّه ﷺ: «سبحان اللَّه! في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة لقمان: ٣٤]، ولكن إن شئتَ حدّثتُك بمعالم لها دون ذلك» قال: أجل يا رسول اللَّه فحدِّثْني. قال رسول اللَّه ﷺ: «إذا رأيت الأمةَ ولدتْ ربَّتها -أو ربَّها-، ورأيت أصحاب الشّاء تطاولوا بالبُنيان، ورأيتَ الحفاة الجياعَ العالةَ كانوا رؤوسَ الناس، فذلك من معالم السّاعة وأشراطها» قال: يا رسول اللَّه، ومن أصحاب الشاء والحفاةُ الجياعُ العالةُ؟ قال: «العرب».
حسن رواه الإمام أحمد (٢٩٢٤) عن أبي النّضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر بن حوشب، حدثني عبد اللَّه بن عباس، فذكر الحديث.
📚 كتاب الإيمان
📖 اقرأ الشرح
إذا رأيتم الرجلَ يعتادُ المسجدَ ، فاشْهَدُوا له بالإيمانِ ، قال اللهُ تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ
إذا رأيتُم الرجلَ يتعاهد المسجدَ، فاشهدوا له بالإيمانِ، فإن اللهَ يقول : ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ) الآية
سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عن أَهْلِ دينٍ كنتُ معَهُم - فذَكَرَ مِن صلاتِهِم وعبادتِهِم _ فنزلَتْ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
إذا رأيتُمُ الرَّجلَ يعتادُ المسجدَ فاشهَدوا لَه بالإيمان ، قالَ اللَّهُ تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
إذا رأيتُمُ الرَّجلَ يتعاهَدُ المسجِدَ فاشهَدوا لَهُ بالإيمان قالَ اللَّهُ تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
إذا رأيتُمُ الرَّجلَ يتعاهدُ المسجدَ ؛ فاشهَدوا لهُ بالإيمانِ فإنَّ اللَّهَ يقولُ : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
إذا رأيتم الرجلَ يَتَعاهَدُ المسجدَ ، فاشهدوا له بالإيمانِ ؛ فإن اللهَ يقولُ : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ) الآيةُ
سألتُه عن الإيمانِ , فقرأ قولَه تعالَى : وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ إلى قولِه أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
افتخر طلحةُ بنَ شَيْبَةَ - من بَنِي عبدِ الدَّارِ - وعباسُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ وعليُّ بنُ أبي طالبٍ . فقال طلحةُ : أنا صاحبُ البيتِ معي مِفْتاحُهُ، لو أشاءُ بِتُّ فيه . وقال عباسٌ : أنا صاحبُ السِّقَايَةِ والقائمُ عليها، لو أشاءُ بِتُّ في المسجدِ . وقال عَلِيٌّ : ما أَدْرِي ما تقولانِ ! لقد صليتُ إلى القبلةِ سِتَّةَ أشهرٍ قبلَ الناسِ، وأنا صاحبُ الجهادِ ! فأنزل اللهُ : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
افتخر طلحةُ بنُ شَيبةَ من بني عبدِ الدَّارِ وعباسِ بنِ عبدِ المطلبِ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ . فقال طلحةُ بنُ شَيبةَ معي مفاتيحُ البيتِ ، ولو أشاء بِتُّ فيه . وقال العباسُ : أنا صاحبُ السِّقايةِ والقائمُ عليها ، ولو أشاء بِتُّ في المسجدِ . وقال عليٌّ : ما أدري ما تقولان ، لقد صليتُ إلى القبلةِ ستةَ أشهرٍ قبلَ الناسِ ، وأنا صاحبُ الجهادِ . فأنزل الله تعالى : َجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين
كنتُ عندَ منبرِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يومَ جُمُعةٍ ، فقالَ رجلٌ ما أبالي ألَّا أعملَ عملًا بعدَ الإسلامِ إلَّا أن أسقيَ الحاجَّ فقالَ الآخرُ ما أُبالي ألَّا أعملَ عملًا بعدَ الإسلامِ إلَّا أن أعمُرَ المسجدَ الحرامَ وقالَ الآخَرُ : الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ أفضلُ مِمَّا قلتُمْ فزجرَهُم عُمرُ وقالَ لا ترفعوا أصواتَكُم عندَ منبرِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وَهوَ يومُ جمعةٍ ولَكِنِّي إذا صلَّيتُ الجمعةَ دخَلتُ علَيهِ فاستفتيتُهُ فيما اختَلفتُمْ فدخلَ علَيهِ فسألَهُ فأنزلَ اللَّهُ تبارَكَ وتعالى أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؟
قدِمْتُ المدينةَ زمَنَ الحُدَيبيَةِ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخرَجْتُ أنا ورَباحٌ غلامُه أُندِّيه مع الإبلِ فلمَّا كان بغَلَسٍ أغار عبدُ الرَّحمنِ بنُ عُيَينةَ على إبلِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقتَل راعيَها وخرَج يطرُدُ بها وهو في أناسٍ معه فقُلْتُ : يا رَباحُ اقعُدْ على هذا الفرَسِ وألحِقْه بطَلحةَ وأخبِرْ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ قد أُغِير على سَرْحِه قال : وقُمْتُ على تَلٍّ فجعَلْتُ وجهي قِبَلَ المدينةِ ثمَّ نادَيْتُ ثلاثَ مرَّاتٍ : يا صباحاهُ ثمَّ اتَّبَعْتُ القومَ معي سيفي ونَبْلي فجعَلْتُ أرميهم وأرتجِزُهم وذلكَ حينَ كثُر الشَّجرُ فإذا رجَع إليَّ فارسٌ جلَسْتُ له في أصلِ شجرةٍ ثمَّ رمَيْتُه ولا يُقبِلُ علَيَّ فارسٌ إلَّا عقَرْتُ به فجعَلْتُ أرميه وأقولُ : ( أنا ابنُ الأكوَعْ ) ( واليومُ يومُ الرُّضَّعْ ) فألحَقُ برجُلٍ فأرميه وهو على رَحْلِه فيقَعُ سهمي في الرَّحلِ حتَّى انتظَمْتُ كتِفَه قُلْتُ : خُذْها ( وأنا ابنُ الأكوَعْ ) ( واليومُ يومُ الرُّضَّعْ ) فإذا كُنْتُ في الشَّجرِ أرميهم بالنَّبلِ وإذا تضايَقَتِ الثَّنايا علَوْتُ الجَبلَ وردَّيْتُهم بالحجارةِ فما زال ذلكَ شأني وشأنَهم أتبَعُهم وأرتجِزُ حتَّى ما خلَق اللهُ شيئًا مِن ظَهْرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا خلَّفْتُه وراءَ ظَهْري واستنقَذْتُه مِن أيديهم ثمَّ لَمْ أزَلْ أرميهم حتَّى ألقَوْا أكثَرَ مِن ثلاثينَ رمحًا وأكثَرَ مِن ثلاثينَ بُردةً يستخفُّونَ بها لا يُلقونَ مِن ذلك شيئًا إلَّا جمَعْتُ عليه الحجارةَ وجمَعْتُه على طريقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى إذا امتَدَّ الضُّحى أتاهم عُيَينةُ بنُ بَدْرٍ الفَزَاريُّ مُمِدًّا لهم وهم في ثنيَّةٍ ضيِّقةٍ ثمَّ علَوْتُ الجَبَلَ قال عُيَينةُ وأنا فوقَهم : ما هذا الَّذي أرى ؟ قالوا لقِينا مِن هذا البَرْحَ ما فارَقَنا منذُ سَحَرٍ حتَّى الآنَ وأخَذ كلَّ شيءٍ مِن أيدينا وجعَله وراءَه فقال عُيَينةُ : لولا أنَّ هذا يرى وراءَه طلَبًا لقد ترَككم فلْيقُمْ إليه نفَرٌ منكم فقام إليه نفَرٌ منهم أربعةٌ فصعِدوا في الجبَلِ فلمَّا أسمَعْتُهم الصَّوتَ قُلْتُ لهم : أتعرِفوني ؟ قالوا : مَن أنتَ ؟ قُلْتُ : أنا ابنُ الأكوعِ والَّذي كرَّم وجهَ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يطلُبُني رجُلٌ منكم فيُدرِكُني ولا أطلُبُه فيفوتُني فقال رجُلٌ منهم : أظُنُّ قال : فما برِحْتُ مَقعَدي حتَّى نظَرْتُ إلى فوارسِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتخلَّلونَ الشَّجرَ وإذا أوَّلُهم الأخرمُ الأسَديُّ وعلى إِثرِه أبو قتادةَ وعلى إِثرِه المِقدادُ الكِنديُّ قال : فولَّى المُشرِكونَ مُدبِرينَ فأنزِلُ مِن الجَبلِ فأعترِضُ الأخرَمَ فقُلْتُ : يا أخرَمُ احذَرْهم فإنِّي لا آمَنُ أنْ يقتطِعوكَ فاتَّئِدْ حتَّى يلحَقَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه قال : يا سلَمةُ إنْ كُنْتَ تُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ وتعلَمُ أنَّ الجنَّةَ حقٌّ وأنَّ النَّارَ حقٌّ فلا تحُلْ بَيْني وبَيْنَ الشَّهادةِ قال : فخلَّى عِنانَ فرَسِه فلحِق بعبدِ الرَّحمنِ بنِ عُيَينةَ ويعطِفُ عليه عبدُ الرَّحمنِ فاختَلَفا في طعنتَيْنِ فعقَر الأخرَمُ بعبدِ الرَّحمنِ وطعَنه عبدُ الرَّحمنِ فقتَله وتحوَّل عبدُ الرَّحمنِ على فرَسِ الأخرَمِ فلحِق أبو قَتادةَ بعبدِ الرَّحمنِ فاختَلَفا في طعنتَيْنِ فعقَر بأبي قتادةَ وقتَله أبو قتادةَ وتحوَّل أبو قتادةَ على فرَسِ الأخرَمِ ثمَّ إنِّي خرَجْتُ أَعْدُو في إِثرِ القومِ حتَّى ما أرى مِن غُبارِ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شيئًا ويعرِضونَ قبْلَ غيبوبةِ الشَّمسِ إلى شِعبٍ فيه ماءٌ يُقالُ له : ذو قَرَدٍ فأرادوا أنْ يشرَبوا منه فأبصَروني أَعْدو وراءَهم فعطَفوا عنه وشدُّوا في الثَّنيَّةِ ثنيَّةِ ذي ثَبِيرٍ وغرَبتِ الشَّمسُ فألحَقُ رجُلًا فأرميه قُلْتُ : خُذْها ( وأنا ابنُ الأكوَعْ ) ( واليومُ يومُ الرُّضَّعْ ) قال : يا ثكِلَتْني أمِّي أأكوعُ بُكرةَ ؟ قُلْتُ : نَعم أيْ عدوَّ نفسِه وكان الَّذي رمَيْتُه بكرةَ وأتبَعْتُه بسهمٍ آخَرَ فعلِق فيه سهمانِ وخلَّفوا فرَسَيْنِ فجِئْتُ بهما أسوقُهما إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على الماءِ الَّذي عندَ ذي قَرَدٍ فإذا نَبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جماعةٍ وإذا بلالٌ قد نحَر جَزورًا ممَّا خلَّفْتُ وهو يشوِي لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن كبِدِها وسَنامِها فقُلْتُ : يا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خلِّني فأنتخِبَ مِن أصحابِكَ مئةَ رجُلٍ وآخُذَ على الكفَّارِ فلا أبقيَ منهم مُخبِرًا إلَّا قتَلْتُه فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أكُنْتَ فاعلًا ذلكَ يا سلَمةُ ؟ ) قُلْتُ : نَعم والَّذي أكرَم وجهَك فضحِك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى رأَيْتُ نواجِذَه في ضوءِ النَّارِ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( إنَّهم يُقرَوْنَ الآنَ إلى أرضِ غَطَفانَ ) فجاء رجُلٌ مِن غَطَفانَ فقال : نزَلوا على فُلانٍ الغَطَفانيِّ فنحَر لهم جَزورًا فلمَّا أخَذوا يكشِطونَ جِلدَها رأَوْا غُبْرةً فترَكوها وخرَجوا هِرابًا فلمَّا أصبَحْنا قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( خيرُ فرسانِنا اليومَ أبو قَتادةَ وخيرُ رجَّالتِنا سلَمةُ ) فأعطاني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سهمَ الرَّاجلِ والفارسِ جميعًا ثمَّ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أردَفني وراءَه على العَضْباءِ راجعينَ إلى المدينةِ فلمَّا كان بَيْنَنا وبَيْنَهم قريبٌ مِن ضَحوةٍ وفي القومِ رجُلٌ مِن الأنصارِ كان لا يُسبَقُ فجعَل يُنادي : هل مِن مُسابِقٍ ألا رجُلٌ يُسابِقُ إلى المدينةِ ؟ فعَل ذلك مِرارًا وأنا وراءَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُلْتُ : يا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأبي أنتَ وأُمِّي خلِّني فلْأسابِقِ الرَّجُلَ قال : ( إنْ شِئْتَ ) قُلْتُ : اذهَبْ إليك فطفَر عن راحلتِه وثنَيْتُ رِجْلي فطفَرْتُ عنِ النَّاقةِ ثمَّ إنِّي ربَطْتُ عليه شَرَفًا أو شرَفَيْنِ يعني استبقَيْتُ نفيسي ثمَّ عدَوْتُ حتَّى ألحَقَه فأصُكَّ بَيْنَ كتِفَيْه بيدي وقُلْتُ : سُبِقْتَ واللهِ حتَّى قدِمْنا المدينةَ
عَن سَلَمةَ: قدِمنا المَدينةَ زَمَنَ الحُدَيبيةِ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخَرَجنا أنا ورَباحٌ غُلامُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بظَهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وخَرَجتُ بفَرَسٍ لطَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ، كُنتُ أُريدُ أن أُبديَه مَعَ الإبِلِ، فلَمَّا كان بغَلَسٍ أغارَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عُيَينةَ على إبِلِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقَتَلَ راعيَها وخَرَجَ يَطرُدُها هو وأُناسٌ مَعَه في خَيلٍ، فقُلتُ: يا رَباحُ، اقعُد على هذا الفَرَسِ فألحِقْه بطَلحةَ وأخبِرْ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قد أُغيرَ على سَرحِه، قال: وقُمتُ على تَلٍّ فجَعَلتُ وجهي مِن قِبَلِ المَدينةِ، ثُمَّ نادَيتُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ: يا صَباحاه، ثُمَّ اتَّبَعتُ القَومَ مَعي سَيفي ونَبلي، فجَعَلتُ أرميهم وأعقِرُ بهم، وذلك حينَ يَكثُرُ الشَّجَرُ، فإذا رَجَعَ إليَّ فارِسٌ جَلَستُ له في أصلِ شَجَرةٍ ثُمَّ رَمَيتُ، فلا يُقبِلُ عليَّ فارِسٌ إلَّا عَقَرتُ به، فجَعَلتُ أرميهم وأنا أقولُ: [البَحرُ الرَّجَزُ] أنا ابنُ الأكوعِ... واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ فألحَقُ برَجُلٍ منهم فأرميه وهو على راحِلَتِه، فيَقَعُ سَهمي في الرَّجُلِ حَتَّى انتَظَمَت كَتِفُه، فقُلتُ: خُذها وأنا ابنُ الأكوعِ واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ فإذا كُنتُ في الشَّجَرِ أحرَقتُهم بالنَّبلِ، فإذا تَضايَقَتِ الثَّنايا عَلَوتُ الجَبَلَ فرَدَّيتُهم بالحِجارةِ، فما زالَ ذاكَ شَأني وشَأنَهم، أتبَعُهم فأرتَجِزُ، حَتَّى ما خَلَقَ اللهُ شَيئًا مِن ظَهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا خَلَّفتُه وراءَ ظَهري، فاستَنقَذتُه مِن أيديهم، ثُمَّ لم أزَل أرميهم حَتَّى ألقَوا أكثَرَ مِن ثَلاثينَ رُمحًا، وأكثَرَ مِن ثَلاثينَ بُردةً يَستَخِفُّونَ مِنها، ولا يُلقونَ مِن ذلك شَيئًا إلَّا جَعَلتُ عليه حِجارةً، وجَمَعتُ على طَريقِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حَتَّى إذا امتَدَّ الضُّحى أتاهم عُيَينةُ بنُ بَدرٍ الفَزاريُّ مَدَدًا لَهم وهم في ثَنيَّةٍ ضَيِّقةٍ، ثُمَّ عَلَوتُ الجَبَلَ فأنا فوقَهم، فقال عُيَينةُ: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لَقينا مِن هذا البَرْحَ، ما فارَقَنا بسَحَرٍ حَتَّى الآنَ، وأخَذَ كُلَّ شَيءٍ في أيدينا وجَعَلَه وراءَ ظَهرِه! قال عُيَينةُ: لَولا أنَّ هذا يَرى أنَّ وراءَه طَلَبًا لَقد تَرَكَكُم، ليَقُم إليه نَفَرٌ مِنكُم، فقامَ إليه نَفَرٌ منهم أربَعةٌ، فصَعِدوا في الجَبَلِ، فلَمَّا أسمَعتُهمُ الصَّوتَ قُلتُ: أتَعرِفوني؟ قالوا: ومَن أنتَ؟ قُلتُ: أنا ابنُ الأكوعِ، والذي كَرَّمَ وجهَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَطلُبُني مِنكُم رَجُلٌ فيُدرِكَني، ولا أطلُبُه فيَفوتَني، قال رَجُلٌ منهم: إن أظُنُّ، قال: فما بَرِحتُ مَقعَدي ذلك حَتَّى نَظَرتُ إلى فوارِسِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَخَلَّلونَ الشَّجَرَ، وإذا أوَّلُهمُ الأخرَمُ الأسَديُّ، وعَلى أثَرِه أبو قَتادةَ فارِسُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعَلى أثَرِ أبي قَتادةَ المِقدادُ الكِنديُّ، فولَّى المُشرِكونَ مُدبِرينَ، وأنزِلُ مِنَ الجَبَلِ، فأعرِضُ للأخرَمِ فآخُذُ عِنانَ فرَسِه، فقُلتُ: يا أخرَمُ، ائذَنِ القَومَ -يَعني احذَرْهم- فإنِّي لا آمَنُ أن يَقطَعوكَ، فاتَّئِدْ حَتَّى يَلحَقَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه، قال: يا سَلَمةُ، إن كُنتَ تُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ وتَعلَمُ أنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ والنَّارَ حَقٌّ فلا تَحُلْ بَيني وبَينَ الشَّهادةِ، قال: فخَلَّيتُ عِنانَ فرَسِه فيَلحَقُ بعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عُيَينةَ، ويَعطِفُ عليه عَبدُ الرَّحمَنِ فاختَلَفا طَعنَتَينِ، فعَقَرَ الأخرَمُ بعَبدِ الرَّحمَنِ وطَعَنَه عَبدُ الرَّحمَنِ فقَتَلَه، فتَحَوَّلَ عَبدُ الرَّحمَنِ على فرَسِ الأخرَمِ فيَلحَقُ أبو قَتادةَ بعَبدِ الرَّحمَنِ، فاختَلَفا طَعنَتَينِ، فعُقِرَ بأبي قَتادةَ، وقَتَلَه أبو قَتادةَ، وتَحَوَّلَ أبو قَتادةَ على فرَسِ الأخرَمِ، ثُمَّ إنِّي خَرَجتُ أعدو في أثَرِ القَومِ، حَتَّى ما أرى مِن غُبارِ صَحابةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيئًا، ويَعرِضونَ قَبلَ غَيبوبةِ الشَّمسِ إلى شِعبٍ فيه ماءٌ، يُقالُ لَه: ذو قَرَدٍ، فأرادوا أن يَشرَبوا منه، فأبصَروني أعدو وراءَهم، فعَطَفوا عنه واشتَدُّوا في الثَّنيَّةِ -ثَنيَّةِ ذي نَثرٍ-، وغَرَبَتِ الشَّمسُ فألحَقُ رَجُلًا فأرميه، فقُلتُ: خُذها وأنا ابنُ الأكوعِ واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ، قال: فقال: يا ثُكلَ أُمِّ! أكوعُ بُكرةَ؟! قُلتُ: نَعَم، أيْ عَدوَّ نَفسِه، وكانَ الذي رَمَيتُه بُكرةَ، فأتبَعتُه سَهمًا آخَرَ فعَلِقَ به سَهمانِ، ويُخلِفونَ فرَسَينِ، فجِئتُ بهما أسوقُهما إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على الماءِ الذي حَلَّيتُهم عنه ذو قَرَدٍ، فإذا بنَبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في خَمسِمِائةٍ، وإذا بلالٌ قد نَحَرَ جَزورًا مِمَّا خَلَّفتُ، فهو يَشوي لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن كَبِدِها وسَنامِها، فأتَيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، خَلِّني فأنتَخِبُ مِن أصحابِكَ مِائةً، فآخُذ على الكُفَّارِ بالعَشوةِ فلا يَبقى منهم مُخبِرٌ إلَّا قَتَلتُه، قال: أكُنتَ فاعِلًا ذلك يا سَلَمةُ؟ قال: نَعَم، والذي أكرَمَكَ، فضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى رَأيتُ نَواجِذَه في ضَوءِ النَّارِ، ثُمَّ قال: إنَّهم يُقرَونَ الآنَ بأرضِ غَطَفانَ، فجاءَ رَجُلٌ مِن غَطَفانَ فقال: مَرُّوا على فُلانٍ الغَطَفانيِّ فنَحَرَ لَهم جَزورًا، قال: فلَمَّا أخَذوا يَكشِطونَ جِلدَها رَأوا غَبَرةً فتَرَكوها وخَرَجوا هِرابًا فلَمَّا أصبَحنا قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: خَيرُ فُرسانِنا اليَومَ أبو قَتادةَ، وخَيرُ رَجَّالَتِنا سَلَمةُ، فأعطاني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَهمَ الرَّاجِلِ والفارِسِ جَميعًا، ثُمَّ أردَفَني وراءَه على العَضباءِ راجِعينَ إلى المَدينةِ، فلَمَّا كان بَينَنا وبَينَها قَريبًا مِن ضَحوةٍ، وفي القَومِ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ كان لا يُسبَقُ، جَعَلَ يُنادي: هَل مِن مُسابِقٍ؟ ألا رَجُلٌ يُسابِقُ إلى المَدينةِ؟ فأعادَ ذلك مِرارًا وأنا وراءَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُردِفي، قُلتُ لَه: أما تُكرِمُ كَريمًا، ولا تَهابُ شَريفًا؟! قال: لا، إلَّا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بأبي أنتَ وأُمِّي خَلِّني فلأُسابِقِ الرَّجُلَ، قال: إن شِئتَ، قُلتُ: اذهَبْ إليكَ، فطَفَرَ عَن راحِلَتِه، وثَنَيتُ رِجلي فطَفَرتُ عَنِ النَّاقةِ، ثُمَّ إنِّي رَبَطتُ عليها شَرَفًا أو شَرَفَينِ، يَعني استَبقَيتُ نَفسي، ثُمَّ إنِّي عَدَوتُ حَتَّى ألحَقَه فأصُكُّ بَينَ كَتِفَيه بيَدي، قُلتُ: سَبَقتُكَ واللهِ، أو كَلِمةً نَحوها، قال: فضَحِكَ وقال: إن أظُنُّ، حَتَّى قدِمنا المَدينةَ
خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زَمَنَ الحُدَيبيَةِ، حتَّى إذا كانوا ببَعضِ الطَّريقِ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ خالِدَ بنَ الوليدِ بالغَميمِ في خَيلٍ لقُرَيشٍ طَليعةٌ، فخُذوا ذاتَ اليَمينِ. فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالِدٌ حتَّى إذا هم بقَتَرةِ الجَيشِ، فانطَلَقَ يَركُضُ نَذيرًا لقُرَيشٍ، وسارَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى إذا كان بالثَّنيَّةِ التي يُهبَطُ عليهم منها بَرَكَت به راحِلَتُه، فقال النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فألَحَّت، فقالوا: خَلَأتِ القَصواءُ، خَلَأتِ القَصواءُ! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما خَلَأتِ القَصواءُ، وما ذاك لَها بخُلُقٍ، ولَكِن حَبَسَها حابِسُ الفيلِ، ثُمَّ قال: والذي نَفسي بيَدِه، لا يَسألوني خُطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها، ثُمَّ زَجَرَها فوثَبَت، قال: فعَدَلَ عنهم حتَّى نَزَلَ بأقصى الحُدَيبيةِ على ثَمَدٍ قَليلِ الماءِ، يَتَبَرَّضُه النَّاسُ تَبَرُّضًا، فلَم يُلَبِّثْه النَّاسُ حتَّى نَزَحوه، وشُكيَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العَطَشُ، فانتَزَعَ سَهمًا مِن كِنانَتِه، ثُمَّ أمَرَهم أن يَجعَلوه فيه، فواللهِ ما زالَ يَجيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صَدَروا عنه، فبينَما هم كَذلك إذ جاءَ بُدَيلُ بنُ ورقاءَ الخُزاعيُّ في نَفَرٍ مِن قَومِه مِن خُزاعةَ، وكانوا عَيبةَ نُصحِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أهلِ تِهامةَ، فقال: إنِّي تَرَكتُ كَعبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَيٍّ نَزَلوا أعدادَ مياهِ الحُدَيبيةِ، ومعهُمُ العوذُ المَطافيلُ، وهم مُقاتِلوك وصادُّوك عَنِ البَيتِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نَجِئْ لقِتالِ أحَدٍ، ولَكِنَّا جِئنا مُعتَمِرينَ، وإنَّ قُرَيشًا قد نَهِكَتهمُ الحَربُ وأضَرَّت بهم، فإن شاؤوا مادَدتُهم مُدَّةً، ويُخَلُّوا بَيني وبينَ النَّاسِ، فإن أظهَرْ: فإن شاؤوا أن يَدخُلوا فيما دَخَلَ فيه النَّاسُ فعَلوا، وإلَّا فقد جَمُّوا، وإن هم أبَوا فوالذي نَفسي بيَدِه لَأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتَّى تَنفَرِدَ سالِفَتي، ولَيُنفِذَنَّ اللهُ أمرَه، فقال بُدَيلٌ: سَأُبَلِّغُهم ما تَقولُ. قال: فانطَلَقَ حتَّى أتى قُرَيشًا، قال: إنَّا قد جِئناكُم مِن هذا الرَّجُلِ وسَمِعناه يقولُ قَولًا، فإن شِئتُم أن نَعرِضَه عليكم فعَلنا، فقال سُفَهاؤُهم: لا حاجةَ لَنا أن تُخبِرَنا عنه بشَيءٍ، وقال ذَوو الرَّأيِ منهم: هاتِ ما سَمِعتَه يقولُ، قال: سَمِعتُه يقولُ كَذا وكَذا، فحَدَّثَهم بما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقامَ عُروةُ بنُ مَسعودٍ فقال: أي قَومِ، ألَستُم بالوالِدِ؟ قالوا: بَلى، قال: أولَستُ بالولَدِ؟ قالوا: بَلى، قال: فهل تَتَّهموني؟ قالوا: لا، قال: ألَستُم تَعلَمونَ أنِّي استَنفَرتُ أهلَ عُكاظٍ، فلَمَّا بَلَّحوا عليَّ جِئتُكُم بأهلي وولَدي ومَن أطاعَني؟ قالوا: بَلى، قال: فإنَّ هذا قد عَرَضَ لَكُم خُطَّةَ رُشدٍ، اقبَلوها ودَعوني آتيه، قالوا: ائتِه، فأتاه، فجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَحوًا مِن قَولِه لبُدَيلٍ، فقال عُروةُ عِندَ ذلك: أي مُحَمَّدُ، أرَأيتَ إنِ استَأصَلتَ أمرَ قَومِك، هل سَمِعتَ بأحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجتاحَ أهلَه قَبلَك؟ وإن تَكُنِ الأُخرى فإنِّي واللهِ لَأرى وُجوهًا، وإنِّي لَأرى أوشابًا مِنَ النَّاسِ خَليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعوك، فقال له أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: امصُصْ ببَظرِ اللَّاتِ، أنَحنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه؟! فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بَكرٍ، قال: أما والذي نَفسي بيَدِه، لَولا يَدٌ كانَت لك عِندي لم أجزِك بها لَأجَبتُك، قال: وجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكُلَّما تَكَلَّمَ أخَذَ بلِحيَتِه، والمُغيرةُ بنُ شُعبةَ قائِمٌ على رَأسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومعهُ السَّيفُ وعليه المِغفَرُ، فكُلَّما أهوى عُروةُ بيَدِه إلى لحيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضَرَبَ يَدَه بنَعلِ السَّيفِ، وقال له: أخِّرْ يَدَك عن لحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فرَفَعَ عُروةُ رَأسَه، فقال: مَن هذا؟ قالوا: المُغيرةُ بنُ شُعبةَ، فقال: أي غُدَرُ، ألَستُ أسعى في غَدرَتِك؟! وكان المُغيرةُ صَحِبَ قَومًا في الجاهِليَّةِ فقَتَلَهم، وأخَذَ أموالَهم، ثُمَّ جاءَ فأسلَمَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا الإسلامَ فأقبَلُ، وأمَّا المالَ فلَستُ منه في شَيءٍ. ثُمَّ إنَّ عُروةَ جَعَلَ يَرمُقُ أصحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَينَيه، قال: فواللهِ ما تَنَخَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ منهم، فدَلَك بها وجهَه وجِلدَه، وإذا أمَرَهمُ ابتَدَروا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِه، وإذا تَكَلَّمَ خَفَضوا أصواتَهم عِندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعظيمًا له، فرَجَعَ عُروةُ إلى أصحابِه، فقال: أي قَومِ، واللهِ لقد وفَدتُ على المُلوكِ، ووفَدتُ على قَيصَرَ وكِسرى والنَّجاشيِّ، واللهِ إن رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُحَمَّدًا، واللهِ إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ منهم، فدَلَك بها وجهَه وجِلدَه، وإذا أمَرَهمُ ابتَدَروا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِه، وإذا تَكَلَّمَ خَفَضوا أصواتَهم عِندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعظيمًا له، وإنَّه قد عَرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها. فقال رَجُلٌ مِن بَني كِنانةَ: دَعوني آتيه، فقالوا: ائتِه، فلَمَّا أشرَفَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا فُلانٌ، وهو مِن قَومٍ يُعَظِّمونَ البُدنَ، فابعَثوها له فبُعِثَت له، واستَقبَلَه النَّاسُ يُلَبُّونَ، فلَمَّا رَأى ذلك قال: سُبحانَ اللهِ! ما يَنبَغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عَنِ البَيتِ، فلَمَّا رَجَعَ إلى أصحابِه، قال: رَأيتُ البُدنَ قد قُلِّدَت وأُشعِرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عَنِ البَيتِ. فقامَ رَجُلٌ منهم يُقالُ له: مِكرَزُ بنُ حَفصٍ، فقال: دَعوني آتيه، فقالوا: ائتِه، فلَمَّا أشرَفَ عليهم، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا مِكرَزٌ، وهو رَجُلٌ فاجِرٌ، فجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبينَما هو يُكَلِّمُه إذ جاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو. قال مَعمَرٌ: فأخبَرَني أيُّوبُ، عن عِكرِمةَ: أنَّه لَمَّا جاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لقد سَهُلَ لَكُم مِن أمرِكُم. قال مَعمَرٌ: قال الزُّهريُّ في حَديثِه: فجاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنا وبينَكُم كِتابًا، فدَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الكاتِبَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، قال سُهَيلٌ: أمَّا الرَّحمَنُ، فواللهِ ما أدري ما هو، ولَكِنِ اكتُبْ: «باسمِك اللهُمَّ» كما كُنتَ تَكتُبُ، فقال المُسلِمونَ: واللهِ لا نَكتُبُها إلَّا «بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ»، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اكتُبْ «باسمِك اللهُمَّ»، ثُمَّ قال: هذا ما قاضى عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ، فقال سُهَيلٌ: واللهِ لو كُنَّا نَعلَمُ أنَّك رَسولُ اللهِ ما صَدَدناك عَنِ البَيتِ ولا قاتَلناك، ولَكِنِ اكتُبْ: «مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ»، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: واللهِ إنِّي لَرَسولُ اللهِ وإن كَذَّبتُموني، اكتُبْ: «مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ» -قال الزُّهريُّ: وذلك لقَولِه: لا يَسألوني خُطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها- فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البَيتِ، فنَطوفَ به، فقال سُهَيلٌ: واللهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّا أُخِذنا ضُغطةً، ولَكِن ذلك مِنَ العامِ المُقبِلِ، فكَتَبَ، فقال سُهَيلٌ: وعلى أنَّه لا يَأتيك مِنَّا رَجُلٌ وإن كان على دينِك إلَّا رَدَدتَه إلينا، قال المُسلِمونَ: سُبحانَ اللهِ! كيفَ يُرَدُّ إلى المُشرِكينَ وقد جاءَ مُسلِمًا؟! فبينَما هم كَذلك إذ دَخَلَ أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو يَرسُفُ في قُيودِه، وقد خَرَجَ مِن أسفَلِ مَكَّةَ حتَّى رَمى بنَفسِه بينَ أظهرِ المُسلِمينَ، فقال سُهَيلٌ: هذا -يا مُحَمَّدُ- أوَّلُ ما أُقاضيك عليه أن تَرُدَّه إليَّ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نَقضِ الكِتابَ بَعدُ، قال: فواللهِ إذًا لم أُصالِحْك على شَيءٍ أبَدًا، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فأجِزْه لي، قال: ما أنا بمُجيزِه لَك، قال: بَلى فافعَلْ، قال: ما أنا بفاعِلٍ، قال مِكرَزٌ: بَل قد أجَزناه لَك، قال أبو جَندَلٍ: أي مَعشَرَ المُسلِمينَ، أُرَدُّ إلى المُشرِكينَ وقد جِئتُ مُسلِمًا، ألا تَرَونَ ما قد لَقيتُ؟! وكان قد عُذِّبَ عَذابًا شَديدًا في اللهِ، قال: فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: فأتَيتُ نَبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلتُ: ألَستَ نَبيَّ اللهِ حَقًّا؟ قال: بَلى، قُلتُ: ألَسنا على الحَقِّ وعَدوُّنا على الباطِلِ؟ قال: بَلى، قُلتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دينِنا إذًا؟ قال: إنِّي رَسولُ اللهِ، ولَستُ أعصيه، وهو ناصِري، قُلتُ: أوليسَ كُنتَ تُحَدِّثُنا أنَّا سَنَأتي البَيتَ فنَطوفُ به؟ قال: بَلى، فأخبَرتُك أنَّا نَأتيه العامَ؟ قال: قُلتُ: لا، قال: فإنَّك آتيه ومُطَّوِّفٌ به، قال: فأتَيتُ أبا بَكرٍ فقُلتُ: يا أبا بَكرٍ، أليسَ هذا نَبيَّ اللهِ حَقًّا؟ قال: بَلى، قُلتُ: ألَسنا على الحَقِّ وعَدوُّنا على الباطِلِ؟ قال: بَلى، قُلتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دينِنا إذًا؟ قال: أيُّها الرَّجُلُ، إنَّه لَرَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وليسَ يَعصي رَبَّه، وهو ناصِرُه، فاستَمسِكْ بغَرزِه، فواللهِ إنَّه على الحَقِّ، قُلتُ: أليسَ كان يُحَدِّثُنا أنَّا سَنَأتي البَيتَ ونَطوفُ به؟ قال: بَلى، أفَأخبَرَك أنَّك تَأتيه العامَ؟ قُلتُ: لا، قال: فإنَّك آتيه ومُطَّوِّفٌ به. قال الزُّهريُّ: قال عُمَرُ: فعَمِلتُ لذلك أعمالًا. قال: فلَمَّا فرَغَ مِن قَضيَّةِ الكِتابِ، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه: قوموا فانحَروا ثُمَّ احلِقوا، قال: فواللهِ ما قامَ منهم رَجُلٌ حتَّى قال ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فلَمَّا لم يَقُمْ منهم أحَدٌ دَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فذَكَرَ لَها ما لَقيَ مِنَ النَّاسِ، فقالت أُمُّ سَلَمةَ: يا نَبيَّ اللهِ، أتُحِبُّ ذلك؟ اخرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا منهم كَلِمةً، حتَّى تَنحَرَ بُدنَك، وتَدعو حالِقَك فيَحلِقَك، فخَرَجَ فلَم يُكَلِّمْ أحَدًا منهم حتَّى فعَلَ ذلك؛ نَحَرَ بُدنَه، ودَعا حالِقَه فحَلَقَه، فلَمَّا رَأوا ذلك قاموا فنَحَروا، وجَعَلَ بَعضُهم يَحلِقُ بَعضًا حتَّى كادَ بَعضُهم يَقتُلُ بَعضًا غَمًّا، ثُمَّ جاءَه نِسوةٌ مُؤمِناتٌ، فأنزَلَ اللهُ تَعالى: {يا أيُّها الذينَ آمَنوا إذا جاءَكُمُ المُؤمِناتُ مُهاجِراتٍ فامتَحِنوهُنَّ} حتَّى بَلَغَ {بِعِصَمِ الكَوافِرِ} [الممتحنة: 10]، فطَلَّقَ عُمَرُ يَومَئذٍ امرَأتَينِ كانَتا له في الشِّركِ، فتَزَوَّجَ إحداهما مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ، والأُخرى صَفوانُ بنُ أُمَيَّةَ. ثُمَّ رَجَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المَدينةِ، فجاءَه أبو بَصيرٍ رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ وهو مُسلِمٌ، فأرسَلوا في طَلَبِه رَجُلَينِ، فقالوا: العَهدَ الذي جَعَلتَ لَنا، فدَفَعَه إلى الرَّجُلَينِ، فخَرَجا به حتَّى بَلَغا ذا الحُلَيفةِ، فنَزَلوا يَأكُلونَ مِن تَمرٍ لهم، فقال أبو بَصيرٍ لأحَدِ الرَّجُلَينِ: واللهِ إنِّي لَأرى سَيفَك هذا يا فُلانُ جَيِّدًا، فاستَلَّه الآخَرُ، فقال: أجَلْ، واللهِ إنَّه لَجَيِّدٌ، لقد جَرَّبتُ به، ثُمَّ جَرَّبتُ، فقال أبو بَصيرٍ: أرِني أنظُرْ إليه، فأمكَنَه منه، فضَرَبَه حتَّى بَرَدَ، وفَرَّ الآخَرُ حتَّى أتى المَدينةَ، فدَخَلَ المَسجِدَ يَعدو، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ رَآه: لقد رَأى هذا ذُعرًا، فلَمَّا انتَهى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قُتِلَ واللهِ صاحِبي وإنِّي لَمَقتولٌ، فجاءَ أبو بَصيرٍ فقال: يا نَبيَّ اللهِ، قد -واللهِ- أوفى اللهُ ذِمَّتَك؛ قد رَدَدتَني إليهم، ثُمَّ أنجاني اللهُ منهم، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ويلُ أُمِّه مِسعَرَ حَربٍ! لو كان له أحَدٌ. فلَمَّا سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنَّه سَيَرُدُّه إليهم، فخَرَجَ حتَّى أتى سِيفَ البَحرِ، قال: ويَنفَلِتُ منهم أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلٍ، فلَحِقَ بأبي بَصيرٍ، فجَعَلَ لا يَخرُجُ مِن قُرَيشٍ رَجُلٌ قد أسلَمَ إلَّا لَحِقَ بأبي بَصيرٍ، حتَّى اجتَمَعَت منهم عِصابةٌ، فواللهِ ما يَسمَعونَ بعِيرٍ خَرَجَت لقُرَيشٍ إلى الشَّأمِ إلَّا اعتَرَضوا لَها، فقَتَلوهم وأخَذوا أموالَهم، فأرسَلَت قُرَيشٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تُناشِدُه باللهِ والرَّحِمِ، لَمَّا أرسَلَ، فمَن أتاه فهو آمِنٌ، فأرسَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم، فأنزَلَ اللهُ تَعالى: {وهو الذي كَفَّ أيديَهم عَنكُم وأيديَكُم عَنهم بِبَطنِ مَكَّةَ مِن بَعدِ أن أظفَرَكُم عليهم} حتَّى بَلَغَ {الحَميَّةَ حَميَّةَ الجاهِليَّةِ} [الفتح: 24]، وكانَت حَميَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نَبيُّ اللهِ، ولم يُقِرُّوا بـ«بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ»، وحالوا بينَهم وبينَ البَيتِ
عن عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ، قال: وفَدَت وُفودٌ إلى معاويةَ -أنا فيهم وأبو هريرةَ- في رمضانَ، فجعَلَ بعضُنا يَصنَعُ لبعضٍ الطعامَ، قال: وكانَ أبو هريرةَ يُكثِرُ ما يَدعونا -قال هاشمٌ: يُكثِرُ أن يَدعوَنا إلى رَحلِه- قال: فقلتُ: ألا أصنَعُ طعامًا فأدعوَهم إلى رَحلي، قال: فأمَرتُ بطعامٍ يُصنَعُ، ولقيتُ أبا هريرةَ مِنَ العِشاءِ، قال: قلتُ: يا أبا هريرةَ، الدَّعوةُ عندي الليلةَ، قال: أسَبَقتَني؟ قال هاشمٌ: قلتُ: نعم، قال: فدَعَوتُهم فهُم عندي، قال أبو هريرةَ: ألا أُعلِمُكُم بحديثٍ مِن حديثِكُم يا مَعاشِرَ الأنصارِ؟ قال: فذَكَرَ فتحَ مكةَ، قال: أقبَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدَخَلَ مكةَ، قال: فبَعَثَ الزبيرَ على إحدى المُجنِّبَتَينِ، وبعثَ خالدًا على المُجَنِّبةِ الأُخرى، وبعثَ أبا عبيدةَ على الحُسَّرِ، فأخَذوا ببطنِ الوادي ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كَتيبَتِه، قال: وقد وبَّشَت قريشٌ أوباشَها قال: فقالوا: نُقدِّمُ هؤلاءِ فإن كانَ لهُم شيءٌ كُنَّا معَهم، وإن أُصيبوا أعطَينا الذي سُئِلنا، قال: فقال أبو هريرةَ: فنظرَ فرآني، فقال: يا أبا هريرةَ فقلتُ: لَبَّيكَ رسولَ اللهِ، قال: فقال: اهتِفْ لي بالأنصارِ، ولا يأتيني إلَّا أنصاريٌّ، فهَتَفتُ بهم فجاؤوا، فأطافوا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تَرَونَ إلى أوباشِ قريشٍ وأتباعِهم، ثمَّ قال بيَدَيه -إحداهما على الأخرى- احصُدوهم حَصدًا حتى توافوني بالصَّفا، قال: فقال أبو هريرةَ: فانطَلَقنا فما يَشاءُ أحدٌ مِنَّا أن يَقتُلَ منهُم ما شاءَ، وما أحدٌ يوجِّهُ إلينا منهُم شيئًا، قال: فقال أبو سفيانَ: يا رسولَ اللهِ، أُبيحَت خَضراءُ قريشٍ، لا قُرَيشَ بعدَ اليومِ، قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن أغلَقَ بابَه فهو آمِنٌ، ومَن دخَلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمِنٌ قال: فغَلَّقَ الناسُ أبوابَهم، قال: فأقبَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى الحجَرِ فاستَلَمَه، ثمَّ طافَ بالبيتِ، قال: وفي يدِه قَوسٌ آخِذٌ بسِيَةِ القوسِ، قال: فأتى في طَوافِه على صَنَمٍ إلى جَنبِ البيتِ يَعبُدونَه، قال: فجَعَلَ يَطعُنُ بها في عَينِه، ويقولُ: جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ، قال: ثمَّ أتى الصَّفا فعلاه حيثُ يَنظُرُ إلى البيتِ، فرفَعَ يَدَيه، فجعَلَ يَذكُرُ اللهَ بما شاءَ أن يذكُرَه ويَدعوه، قال: والأنصارُ تحتَه، قال: يقولُ بعضُهم لبعضٍ: أمَّا الرجلُ فأدرَكَته رَغبةٌ في قَريَتِه، ورَأفةٌ بعشيرَتِه، قال أبو هريرةَ: وجاءَ الوحيُ، وكانَ إذا جاءَ لم يَخفَ علينا، فليسَ أحدٌ مِنَ الناسِ يَرفَعُ طَرفَه إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى يَقضيَ، قال هاشمٌ: فلمَّا قُضيَ الوحيُ رفَعَ رَأسَه، ثمَّ قال: يا مَعشَرَ الأنصارِ، أقُلتُم: أمَّا الرجلُ فأدرَكَته رَغبةٌ في قَريَتِه، ورَأفةٌ بعشيرَتِه؟ قالوا: قُلنا ذلك يا رسولَ اللهِ، قال: فما اسمي إذًا؟ كَلَّا إنِّي عبدُ اللهِ ورسولُه، هاجرتُ إلى اللهِ وإليكُم، فالمَحيا مَحياكُم، والمَماتُ مَماتُكُم! قال: فأقبَلوا إليه يَبكونَ ويقولونَ: واللهِ ما قُلنا الذي قُلنا إلَّا الضِّنَّ باللهِ ورسولِه، قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإنَّ اللهَ ورسولَه يُصَدِّقانِكُم ويَعذِرانِكُم
قدِم الجارودُ بنُ عبدِ اللهِ وكان سيِّدًا في قومِه مطاعًا عظيمًا في عشيرتِه مطاعَ الأمرِ رفيعَ القدرِ عظيمَ الخطرِ ظاهرَ الأدبِ شامخَ الحسبِ بديعَ الجمالِ حسنَ الفِعالِ ذا منْعةٍ ومالٍ في وفدِ عبدِ القيسِ من ذَوِي الأخطارِ والأقدارِ والفضلِ والإحسانِ والفصاحةِ والرُّهبانِ كان رجلٌ منهم كالنَّخلةِ السَّحوقِ على ناقةٍ كالفحلِ العتيقِ قد جنَبوا الجيادَ وأعدُّوا للجِلادِ مُجدِّين في مسيرِهم حازمين في أمرِهم يسيرون ذميلًا يقطعون ميلًا فميلًا حتَّى أناخوا عند مسجدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأقبل الجارودُ على قومِه والمشايخِ من بني عمِّه فقال يا قومِ هذا محمَّدٌ الأغرُّ سيِّدُ العربِ وخيرُ ولدِ عبدِ المطَّلبِ فإذا دخلتم عليه ووقفتم بين يدَيْه فأحسِنوا عنده السَّلامَ وأقلُّوا عنده الكلامَ فقالوا بأجمعِهم أيُّها الملكُ الهمامُ والأسدُ الضُّرغامُ لن نتكلَّمَ إذا حضرتَ ولن نُجاوزَ ما أمرتَ فقُلْ ما شئتَ فإنَّا سامعون اعمَلْ ما شئتَ فإنَّا تابعون وقال الصَّابونيُّ مُبايعون فنظر الجارودُ في كلِّ كَمِيٍّ صِنديدٍ قد دوَّموا العمائمَ وتزيُّوا بالصَّوارمِ يجرُّون أسيافَهم ويستحِبون أذيالَهم يتناشدون الأشعارَ ويتذاكرون مناقبَ الأخيارِ لا يتكلَّمون طويلًا ولا يسكُتون عِيًّا إن أمرهم ائتَمروا وإن زجرهم ازدجروا وقال الصَّابونيُّ انزجروا كأنَّهم أُسدٌ يقدُمُها ذو لبْدةٍ مهولٌ حتَّى مثُلوا بين يديِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلمَّا دخل القومُ المسجدَ وأبصرهم أهلُ المشهدِ دلَف الجارودُ أمامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحسَر لِثامَه وأحسن سلامَه ثمَّ أنشأ يقولُ يا نبيَّ الهدَى أتتك رجالٌ قطعت فدْفدًا وآلًا فآلًا وقال البيهقيُّ مهمهًا وطوت نحوَك الصَّحاصِحَ طُرًّا لا تخالُ الكِلالَ قبلُ كِلالًا كلُّ دهماءَ يقصُرُ الطَّرفُ عنها أرقَلتها قِلاصُنا إرقالًا وطوتها الجيادُ تُحمْحِمُ فيها بكُماةٍ كأنجُمٍ تتلالا تبتغي دفعَ بأسِ يومٍ عبوسٍ أوجَلِ القلبِ ذِكرُه ثمَّ هالا فلمَّا سمِع النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فرِح فرحًا شديدًا وقرَّبه وأدناه ورفع مجلسَه وحيَّاه وأكرمه وقال يا جارودُ لقد تأخَّر بك وبقومِك الموعِدُ وطال بكم الأمَدُ قال واللهِ يا رسولَ اللهِ لقد أخطأ من أخطأك قصدَه وعدِم رُشدَه وتلك أيمُ اللهِ أكبرُ خيبةٍ وأعظمُ حويَةٍ والرَّائدُ لا يكذبُ أهلَه ولا يغُشُّ نفسَه لقد جئتَ بالحقِّ ونطقتَ بالصِّدقِ والَّذي بعثك بالحقِّ نبيًّا واختارك للمؤمنين وليًّا لقد وجدتُ وصفَك في الإنجيلِ ولقد بشَّر بك ابنُ البتولِ فطوَّل التَّحيَّةَ لك والشُّكرَ لمن أكرمك وأرسلك لا أثرَ بعد عينٍ ولا شكَّ بعد يقينٍ مُدَّ يدَك فأنا أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّك محمَّدٌ رسولُ اللهِ قال فآمن الجارودُ وآمن من قومِه كلُّ سيِّدٍ فسُرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سرورًا وابتهج حُبورًا وقال يا جارودُ هل في جماعةِ وفدِ عبدِ القيسِ من يعرِفُ لنا قَسًّا قال كلُّنا نعرفُه يا رسولَ اللهِ وأنا من بين قومي كنتُ أقفو أثرَه وأطلب خبرَه كان قَسٌّ سبطًا من أسباطِ العربِ صحيحَ النَّسبِ فصيحًا إذا خطب ذا شيبةٍ حسنةٍ عُمِّر سبعَمائةِ سنةٍ يتقفَّرُ القِفارَ لا تُكِنُّه دارٌ ولا يُقرُّه قرارٌ يتحسَّى في تقفُّرِه بيضَ النَّعامِ ويأنسُ بالوحشِ والهوامِّ يلبسُ المُسوحَ ويتبَعُ السِّياحَ على منهاجِ المسيحِ لا يفتُرُ من الرَّهبانيَّةِ يُقرُّ للهِ تعالَى بالوحدانيَّةِ يُضرَبُ بحكمتِه الأمثالُ ويُكشفُ به الأهوالُ وتتبعه الأبدالُ أدرك رأسَ الحواريِّين سمعانَ فهو أوَّلُ من تألَّه من العربِ وأعبدُ من تعبَّد في الحِقَبِ وأيقَن بالبعثِ والحسابِ وحذَّر سوءَ المُنقَلَبِ والمآبِ ووعَظ بذِكرِ الموتِ وأمر بالعملِ قبل الفوْتِ الحسنِ الألفاظِ الخاطبِ بسوقِ عُكاظٍ العالمِ بشرقٍ وغربٍ ويابسٍ ورطْبٍ أُجاجٍ وعذبٍ كأنِّي أنظرُ إليه والعربُ بين يدَيْه يُقسِمُ بالرَّبِّ الَّذي هو له ليبلغنَّ الكتابُ أجلَه وليوفينَّ كلُّ عاملٍ عملَه وأنشأ يقولُ هاج للقلبِ من جَواه ادِّكار وليالٍ خلالَهنَّ نهارُ ونجومٌ يحُثُّها قمرُ اللَّيلِ وشمسٌ في كلِّ يومٍ تُدارُ ضوؤُها يطمِسُ العيونَ وإرعادٌ شديدٌ في الخافقَيْن مُطارُ وغلامٌ وأشمطُ ورضيعٌ كلُّهم في التُّرابِ يومًا يُزارُ وقصورٌ مشيدةٌ حوَت الخيرَ وأخرَى خلت لهنَّ قِفارُ وكثيرٌ ممَّا يقصُرُ عنه جوسةُ النَّاظرِ الَّذي لا يحارُ والَّذي قد ذكرتُ دلَّ على اللهِ نفوسًا لها هدًى واعتبارُ فقال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على رِسلِك يا جارودُ فلستُ أنساه بسوقِ عُكاظٍ على جملٍ له أورقَ وهو يتكلَّمُ بكلامٍ مُوثَّقٌ ما أظنُّ أنِّي أحفظُه فهل فيكم يا معشرَ المهاجرين والأنصارِ من يحفَظُ لنا منه شيئًا وقال الصَّابونيُّ يحفظُه فوثب أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضِي اللهُ تعالَى عنه قائمًا فقال يا رسولَ اللهِ إنِّي أحفظُه وكنتُ حاضرًا ذلك اليومَ بسوقِ عُكاظٍ حين خطب فأطنب ورغَّب ورهَّب وحذَّر وأنذَر وقال في خطبتِه أيُّها النَّاسُ اسمعوا وعُوا وإذا وعيتم فانتفعوا إنَّه من عاش مات ومن مات فات وكلُّ ما هو آتٍ آتٍ نباتٌ ومطرٌ وأرزاقٌ وأقواتٌ وآباءٌ وأمَّهاتٌ وأحياءٌ وأمواتٌ جميعٌ وأشتاتٌ وآياتٌ بعد آياتٍ إنَّ في السَّماءِ لخبرًا وإنَّ في الأرضِ لعِبرًا ليلٌ داجٍ وسماءٌ ذاتُ أبراجٍ وأرضٌ ذاتُ ارتياجٍ وبحارٌ ذاتُ أمواجٍ ما لي أرَى النَّاسَ يذهبون فلا يرجعون أرضوا بالمقامِ فأقاموا أم تُرِكوا هناك فناموا أُقسِمُ قسمًا حقًّا لا حانثًا فيه ولا آثمًا إنَّ للهِ دينًا هو أحبُّ إليه من دينِكم الَّذي أنتم عليه ونبيًّا قد حان حينُه وأظلَّكم زمانُه وأدرككم إبَّانُه فطوبَى لمن آمن به فهداه فويلٌ لمن خالفه وعصاه ثمَّ قال تبًّا لأربابِ الغفلةِ من الأممِ الخاليةِ والقرونِ الماضيةِ يا معشرَ إيادٍ من الأبِ والأجدادِ من المريضِ والعُوَّادِ وأين الفراعنةُ الشِّدادُ أين من بنا وشيَّد وزخرف وجدَّد وغرَّه المالُ والولَدُ أين من طغَى وبغَى وجمع فأوعَى وقال أنا ربُّكم الأعلَى ألم يكونوا أكثرَ منكم أموالًا وأبعدَ منكم آمالًا وأطولَ منكم آجالًا طحنهم الثَّرَى بكَلْكَلِه ومزَّقهم بتطاوُلِه فبلت عِظامَهم باليةٌ وبيوتُهم خاليةٌ وعمَرتها الذِّيابُ العاديةُ وقال أبو صالحٍ العاويةُ كلَّا بل هو اللهُ الواحدُ المعبودُ ليس بوالدٍ ولا مولودٍ ثمَّ أنشأ يقولُ في الذَّاهبين الأوَّلين من القرونِ لنا بصائرُ لمَّا رأيتُ مواردَ للموتِ ليس لها مصادرُ ورأيتُ قومي نحوَها تُمضِي الأصاغرَ الأكابرُ لا يرجعُ الماضي إليَّ ولا من الباقين غابرٌ أيقنتُ أنِّي لا محالةَ حيث يصيرُ القومُ صائرٌ قال فجلس ثمَّ قام رجلٌ زاد أبو عبدِ اللهِ من الأنصارِ بعده كأنَّه قطعةُ جبلٍ ثمَّ اتَّفقا فقالا ذو هامةٍ عظيمةٍ وقامةٍ جسيمةٍ قد دوَّم عِمامتَه وأرخَى ذؤابتَه منيفٌ أنوفٌ أشدقُ حسَنُ الصَّوتِ فقال يا سيِّدَ المرسلين وصفوةَ ربِّ العالمين لقد رأيتُ من قَسٍّ عجبَا وشهِدتُ منه مرغبًا فقال وما الَّذي رأيتَه منه وحفِظتَه عنه فقال خرجتُ في الجاهليَّةِ أطلُبُ بعيرًا لي شرد منِّي أقفو أثرَه وأطلُبُ خبرَه في تنائِفَ وقال الصَّابونيُّ وإسماعيلُ في فيافي وقالا حقائفَ ذاتِ دعادعَ وزعازعَ وليس بها الرَّكبُ وقال إسماعيلُ ليس للرَّكبِ فيها مقيلٌ ولا لغيرِ الجنِّ سبيلٌ وإذا بموئلٍ مهولٍ في طودٍ عظيمٍ ليس به إلَّا البُومُ وأدركني اللَّيلُ فولجتُه مذعورًا لا آمنُ فيه حتفي ولا أركنُ إلى غيرِ سيفي فبِتُّ بليلٍ طويلٍ كأنَّه بليلٍ موصولٍ أرقبُ الكوكبَ وأرمُقُ الغيْهبَ حتَّى إذا عسعس اللَّيلُ وكان الصُّبحُ أن يتنفَّسَ هتَف بي هاتفٌ يقولُ : يا أيُّها الراقدُ في اللَّيلِ الأحمْ قد بعث اللهُ نبيًّا في الحرمْ من هاشمٍ أهلِ الوفاءِ والكرمْ يجلو دجِناتِ الدَّياجي والبُهُمْ قال فأدرتُ طرفي فما رأيتُ له شخصًا ولا سمِعتُ له فَحْصًا فأنشأتُ أقولُ : يا أيُّها الهاتفُ في داجي الظُّلَمْ أهلًا وسهلًا بك من طيْفٍ ألمّ بيِّنْ هداك اللهُ في لحنِ الكَلِمْ ماذا الَّذي تدعو إليه يُغتنَمْ قال فإذا أنا بنحنحةٍ وقائلٍ يقولُ ظهر النُّورُ وبطُل الزُّورُ وبعث اللهُ تبارك وتعالَى محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالخيرِ صاحبِ النَّجيبِ الأحمرِ والتَّاجِ والمِغفرِ والوجهِ الأزهرِ والحاجبِ الأقمرِ والطَّرْفِ الأحوَرِ صاحبِ قولِ شهادةِ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ فذلك محمَّدٌ المبعوثُ إلى الأسوَدِ والأبيضِ أهلِ المدَرِ والوبَرِ ثمَّ أنشأ يقولُ : الحمدُ للهِ الَّذي لم يخلُقْ الخلقَ عبثْ لم يُخلِنا حينًا سُدًى من بعد عيسَى واكترثْ أرسل فينا محمَّدًا خيرَ نبيٍّ قد بُعِث صلَّى عليه اللهُ ما حجَّ له ركْبٌّ وحَثْ قال فذُهِلتُ عن البعيرِ وألبسني السُّرورُ ولاح الصَّباحُ واتَّسع الإيضاحُ فتركتُ الموْرَ وأخذتُ الجبلَ فإذا أنا بالعتيقِ يُشقشِقُ إلى النُّوقِ فأخذتُ بخطامِه وعلوتُ سِنامَه فمرح طاعةً وهززتُه ساعةً حتَّى إذا لغَب وذلَّ منه ما صعُب وحَمِيت الوسادةُ وبرَدت المزادةُ فإذا الزَّادُ قد هشَّ له الفؤادُ برَّكتُه فبرِك وأذِنتُ له فترك في روضةٍ خضِرةٍ نضِرةٍ عطِرةٍ ذاتِ حوذانٍ وقُربانٍ وعُنقرانٍ وعَبَيْثرانِ زاد إسماعيلُ نعنعٌ وشيحٌ وقالا وحَلْيٌ وأقاحٌ وجثْجاثٌ وبِرارٌ وشقائقُ وبُهارٌ كأنَّما قد مات الجوُّ بها مطيرًا أو باكرها المُزنُ بُكورًا فخلا لها شجرٌ وقرارُها نهرٌ فجعل يرتعُ أبًّا وأصِيدُ ضبًّا حتَّى إذا أكل وأكلتُ ونهلتُ ونهل وعلَلتُ وعلَّ وحَللتُ عَقالَه وعلوتُ جلالَه وأوسعتُ مجالَه فاغتنم الحملةَ ومرَّ كالنَّبلةِ يسبِقُ الرِّيحَ ويقطعُ عرضَ الفسيحِ حتَّى أشرف بي على وادٍ وشجرٍ من شجرِ عادٍ مُورِقةٌ مُونِقةٌ قد تهدَّل أغصانُها كأنَّها بريرُها حبُّ فُلفُلٍ فدنوْتُ فإذا أنا بقَسِّ بنِ ساعدةَ في ظلِّ شجرةٍ بيدِه قضيبٌ من أراكٍ ينكُتُ به الأرضَ وهو يترنَّمُ ويُشعِرُ زاد البيهقيُّ وأبو صالحٍ وهو يقولُ يا ناعيَ الموتِ والملْحودَ في جدَثٍ علِّمْهم من بقايا بَزِّهم خرَقُ دَعْهم فإنَّ لهم يومًا يُصاحُ لهم فهم إذا انتبهوا من يومِهم فِرَقُ حتَّى يعودوا بحالٍ غيرِ حالِهم خلقًا جديدًا كما من قبلِه خُلِقوا منهم عراةٌ ومنهم في ثيابِهم منها الجديدُ ومنها المنهجُ الخَلِقُ ، قال فدنوْتُ منه فسلَّمتُ عليه فردَّ عليَّ السَّلامَ وإذا أنا بعينِ خرَّارةٍ في الأرضِ خوَّارةٍ ومسجدٍ بين قبرَيْن وأسدَيْن عظيمَيْن يلوذان به ويتمسَّحان بأبوابِه وإذا أحدُهما سبق الآخرَ إلى الماءِ فتبِعه الآخرُ يطلبُ الماءَ فضربه بالقضيبِ الَّذي في يدِه وقال ارجَعْ ثكِلتك أمُّك حتَّى يشربَ الَّذي ورد قبلك على الماءِ قال فرجع ثمَّ ورد بعده فقلتُ له ما هذان القبران فقال هذان قبرا أخوَيْن لي كانا يعبدان اللهَ تبارك وتعالَى في هذا المكانِ لا يُشرِكان باللهِ تبارك وتعالَى شيئًا فأدركهما الموتُ فقبرتُهما وها أنا بين قبرَيْهما حقٌّ ألحقُ بهما ثمَّ نظر إليهما فتغرغرت عيناه بالدُّموعِ وانكبَّ عليهما وجعل يقولُ : ألم تريا أنِّي بسَمْعان مُفرَدُ وما لي فيها من خليلٍ سواكما خليليَّ هُبَّا طال ما قد رقدتما أجدُكما لا تقضيان كراكما ألم تريا أنِّي بشَمعانَ مُفرَدُ وما لي فيها من خليلٍ سواكما مقيمٌ على قبرَيْكما لستُ بارحًا طُوالَ اللَّيالي أو يُجيبُ صداكما أبكيكُما طُولَ الحياةِ وما الَّذي يردُّ على ذي عولةٍ إن بكاكما كأنَّكما والموتَ أقربُ غائبٍ بروحي في قبرَيْكما قد أتاكما أمن طُولِ نومٍ لا تُجيبان داعيًا كأنَّ الَّذي يَسقي العقارَ سقاكما فلو جُعِلت نفسٌ لنفسٍ وِقايةً لجُدتُ بنفسي أن تكونَ فِداكما فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رحِمُ اللهُ قَسًّا إنِّي أرجو أن يبعثَه اللهُ عزَّ وجلَّ أمَّةً وحدَه
وفَدنا إلى مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ، وفينا أبو هُرَيرةَ، فكان كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصنَعُ طَعامًا يَومًا لأصحابِه، فكانَت نَوبَتي، فقُلتُ: يا أبا هُرَيرةَ، اليَومُ نَوبَتي، فجاؤوا إلى المَنزِلِ ولَم يُدرِكْ طَعامُنا، فقُلتُ: يا أبا هُرَيرةَ، لو حَدَّثتَنا عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يُدرِكَ طَعامُنا، فقال: كُنَّا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ الفَتحِ، فجَعَلَ خالِدَ بنَ الوليدِ على المُجَنِّبةِ اليُمنى، وجَعَلَ الزُّبَيرَ على المُجَنِّبةِ اليُسرى، وجَعَلَ أبا عُبَيدةَ على البَياذِقةِ وبَطنِ الوادي، فقال: يا أبا هُرَيرةَ، ادعُ لي الأنصارَ، فدَعَوتُهم، فجاؤوا يُهَروِلونَ، فقال: يا مَعشَرَ الأنصارِ، هل تَرَونَ أوباشَ قُرَيشٍ؟ قالوا: نَعَم، قال: انظُروا، إذا لَقيتُموهم غَدًا أن تَحصُدوهم حَصدًا، وأخفى بيَدِه ووضَعَ يَمينَه على شِمالِه، وقال: مَوعِدُكُمُ الصَّفا، قال: فما أشرَفَ يَومَئذٍ لهم أحَدٌ إلَّا أناموه. قال: وصَعِدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الصَّفا، وجاءَتِ الأنصارُ فأطافوا بالصَّفا، فجاءَ أبو سُفيانَ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أُبيدَت خَضراءُ قُرَيشٍ، لا قُرَيشَ بَعدَ اليَومِ! قال أبو سُفيانَ: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن دَخَلَ دارَ أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ، ومَن ألقى السِّلاحَ فهو آمِنٌ، ومَن أغلَقَ بابهُ فهو آمِنٌ، فقالتِ الأنصارُ: أمَّا الرَّجُلُ فقد أخَذَتْه رَأفةٌ بعَشيرَتِه، ورَغبةٌ في قَريَتِه! ونَزَلَ الوحيُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: قُلتُم: أمَّا الرَّجُلُ فقد أخَذَتْه رَأفةٌ بعَشيرَتِه، ورَغبةٌ في قَريَتِه، ألا فما اسمي إذَنْ؟ -ثَلاثَ مَرَّاتٍ- أنا مُحَمَّدٌ عبدُ اللهِ ورَسولُه، هاجَرتُ إلى اللهِ وإليكُم، فالمَحيا مَحياكُم، والمَماتُ مَماتُكُم! قالوا: واللَّهِ ما قُلنا إلَّا ضِنًّا باللَّهِ ورَسولِه، قال: فإنَّ اللَّهَ ورَسوله يُصَدِّقانِكُم ويَعذِرانِكُم
دخلتُ على ابنِ عبَّاسٍ فقلتُ يا أبا عبَّاسٍ كنتُ عندَ ابنِ عمرَ فقرأ هذهِ الآيةَ فبكَى قال أيَّةُ آيةٍ قلتُ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ قال ابنُ عبَّاسٍ إنَّ هذهِ الآيةَ حينَ أُنْزِلَتْ غمَّتْ أصحابَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ غمًّا شديدًا وغاظَتهم غيظًا شَديدًا يعني وقالوا يا رسولَ اللهِ هلَكنا إن كنَّا نُؤاخَذُ بما تكلَّمْنَا وبما نعمَلُ فأمَّا قلوبُنا فليسَت بأَيدينا فقال لَهُم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ قولوا سَمِعنا وأطَعنا قالوا سَمِعنا وأطَعنا قال فنَسَختها هذهِ الآيةُ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ إلى لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فتَجوَّزَ لهم عن حديثِ النَّفسِ وأُخِذُوا بالأعمالِ
وفَدَتْ وفودٌ إلى معاويةَ في رمضانَ أنا فيهم وأبو هُريرةَ وكان بعضُنا يصنَعُ لبعضٍ الطَّعامَ وكان أبو هُريرةَ يُكثِرُ أنْ يدعوَنا على رَحلِه فقُلْتُ: لو صنَعْتُ طعامًا ثمَّ دعَوْتُهم إلى رَحلي فأمَرْتُ بطعامٍ فصُنِع ثمَّ لقيتُ أبا هُريرةَ مِن العَشيِّ فقُلْتُ: يا أبا هُريرةَ الدَّعوةُ عندي اللَّيلةَ فقال: سبَقْتَني قال: فدعَوْتُهم إلى رَحلي إذ قال أبو هُريرةَ: ألَا أُحامِلُكم أو أُحادِثُكم إنِّي أُحدِّثُكم بحديثٍ مِن حديثِكم يا معشرَ الأنصارِ حتَّى يُدرِكَ الطَّعامُ فذكَر فتحَ مكَّةَ فقال: أقبَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدخَل مكَّةَ فبعَث الزُّبيرَ على أحَدِ الجَنبَتينِ وبعَث خالدَ بنَ الوليدِ على اليُسرى وبعَث أبا عُبيدةَ على الحُسَّرِ فأخَذوا الواديَ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كَتيبتِه وقد بعَثتْ قريشٌ أوباشًا لها وأتباعًا لها فقالوا: نُقدِّمُ هؤلاء وإنْ كان لهم شيءٌ كنَّا معهم وإنْ أُصيبوا أعطَيْنا ما سأَلوا فنظَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرآني فقال: ( يا أبا هُريرةَ اهتِفْ بالأنصارِ، فلا يأتيني إلَّا أنصاريٌّ ) فهتَف بهم فجاؤوا فأحاطوا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أمَا ترَوْنَ إلى أوباشِ قريشٍ وأتباعِهم ) وضرَب بيدِه اليُمنى ممَّا يلي الخِنصِرَ وسَط اليُسرى وقال: ( احصُدوهم حصدًا حتَّى توافوني بالصَّفا ) قال أبو هُريرةَ: فانطلَقْنا فما يشاءُ أحدٌ منَّا أنْ يقتُلَ مَن شاء منهم إلَّا قتَله وما يوجِّهُ أحدٌ منهم إلينا شيئًا، فقال أبو سُفيانَ: يا رسولَ اللهِ أُبيحَتْ خضراءُ قريشٍ لا قريشَ بعدَ اليومِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( مَن أغلَق بابَه فهو آمِنٌ ومَن دخَل دارَ أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ ) فأغلَقوا أبوابَهم وجاء رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى استلَم الحجَرَ وطاف بالبيتِ وفي يدِه قوسٌ وهو آخُذٌ القوسَ وكان إلى جنبِ البيتِ صنمٌ كانوا يعبُدونه فجعَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يطعَنُ في جنبِه بالقوسِ ويقولُ: ( جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ) فلمَّا قضى طوافَه أتى الصَّفا فعَلَا حيثُ ينظُرُ إلى البيتِ فجعَل صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يرفَعُ يدَه وجعَل يحمَدُ اللهَ ويذكُرُ ما شاء أنْ يذكُرَه والأنصارُ تحتَه فقال بعضُهم لبعضٍ أمَّا الرَّجلُ فقد أدرَكتْه رغبةٌ في قريتِه ورأفةٌ بعشيرتِه ونزَل الوحيُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال أبو هُريرةَ: وكان لا يَخفى علينا إذا نزَل الوحيُ ليس أحدٌ منَّا ينظُرُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بل يُطرِقُ حتَّى ينقضيَ الوحيُ فلمَّا قُضي الوحيُ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( يا معشرَ الأنصارِ قُلْتُم: أمَّا الرَّجلُ فقد أدرَكتُه رغبةٌ في قريتِه ورأفةٌ بعشيرتِه ) قالوا: قد قُلْنا ذاك يا رسولَ اللهِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( كلَّا إنِّي عبدُ اللهِ ورسولُه هاجَرْتُ إلى اللهِ وإليكم، المَحْيا محياكم والمَماتُ مماتُكم ) فأقبَلوا يبكون ويقولون: واللهِ ما قُلْنا الَّذي قُلْنا إلَّا ضنًّا باللهِ ورسولِه قال: ( وإنَّ اللهَ ورسولَه يُصدِّقانِكم ويعذِرانِكم )
خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زَمانَ الحُدَيبيةِ في بضعَ عَشرةَ مِائةٍ مِن أصحابِه، حَتَّى إذا كانوا بذي الحُلَيفةِ قَلَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الهَديَ وأشعَرَه، وأحرَمَ بالعُمرةِ، وبَعَثَ بَينَ يَدَيه عَينًا له مِن خُزاعةَ يُخبِرُه عَن قُرَيشٍ، وسارَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بغَديرِ الأشطاطِ قَريبٍ مِن عُسفانَ، أتاه عَينُه الخُزاعيُّ، فقال: إنِّي قد تَرَكتُ كَعبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَيٍّ قد جَمَعوا لَكَ الأحابِشَ-وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ عَنِ ابنِ المُبارَكِ وقال: قد جَمَعوا لَكَ الأحابيشَ- وجَمَعوا لَكَ جُموعًا وهم مُقاتِلوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيتِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أشيروا عليَّ، أتَرَونَ أن نَميلَ إلى ذَراريِّ هَؤُلاءِ الذينَ أعانوهم فنُصيبَهم، فإن قَعَدوا قَعَدوا مَوتورينَ مَحروبينَ، وإن نَجَوا. وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ: عَنِ ابنِ المُبارَكِ: مَحزونينَ، وإن يَحنونَ تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَها اللهُ، أو تَرَونَ أن نَؤُمَّ البَيتَ، فمَن صَدَّنا عَنهُ قاتَلناه، فقال أبو بَكرٍ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، يا نَبيَّ اللهِ، إنَّما جِئنا مُعتَمِرينَ، ولَم نَجِئْ نُقاتِلُ أحَدًا، ولَكِن مَن حالَ بَينَنا وبَينَ البَيتِ قاتَلناه. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فروحوا إذًا. قال الزُّهريُّ: وكانَ أبو هُرَيرةَ يَقولُ: ما رَأيتُ أحَدًا قَطُّ كان أكثَرَ مَشورةً لأصحابِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال الزُّهريُّ: في حَديثِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمةَ، ومَروانَ: فراحوا حَتَّى إذا كانوا ببَعضِ الطَّريقِ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ خالِدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ في خَيلٍ لقُرَيشٍ طَليعةً، فخُذوا ذاتَ اليَمينِ، فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالِدٌ حَتَّى إذا هو بقَترةِ الجَيشِ، فانطَلَقَ يَركُضُ نَذيرًا لقُرَيشٍ، وسارَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بالثَّنيَّةِ التي يَهبِطُ عليهم مِنها، بَرَكَت به راحِلَتُه، وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ، عَنِ ابنِ المُبارَكِ: بَرَكَت بها راحِلَتُه، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: حَلْ حَلْ، فألَحَّت، فقالوا: خَلَأتِ القَصواءُ، خَلَأتِ القَصواءُ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما خَلَأتِ القَصواءُ، وما ذاكَ لَها بخُلُقٍ، ولَكِن حَبَسَها حابِسُ الفيلِ. ثُمَّ قال: والذي نَفسي بيَدِه، لا يَسألوني خُطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها. ثُمَّ زَجَرَها، فوثَبَت به، قال: فعَدَلَ عَنها حَتَّى نَزَلَ بأقصى الحُدَيبيةِ على ثَمَدٍ قَليلِ الماءِ، إنَّما يَتَبَرَّضُه النَّاسُ تَبَرُّضًا، فلَم يُلبِثْه النَّاسُ أن نَزَحوه، فشُكيَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العَطَشُ، فانتَزَعَ سَهمًا مِن كِنانَتِه، ثُمَّ أمَرَهم أن يَجعَلوه فيه، قال: فواللهِ ما زالَ يَجيشُ لَهم بالرِّيِّ حَتَّى صَدَروا عَنهُ. قال: فبَينَما هُم كَذلك إذ جاءَ بُدَيلُ بنُ ورقاءَ الخُزاعيُّ في نَفَرٍ مِن قَومِه، وكانوا عَيبةَ نُصحٍ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مِن أهلِ تِهامةَ، وقال: إنِّي تَرَكتُ كَعبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَيٍّ نَزَلوا أعدادَ مياهِ الحُدَيبيةِ، مَعَهمُ العوذُ المَطافيلُ، وهم مُقاتِلوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيتِ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نَجِئْ لقِتالِ أحَدٍ، ولَكِنَّا جِئنا مُعتَمِرينَ، وإنَّ قُرَيشًا قد نَهَكَتْهمُ الحَربُ، فأضَرَّت بهم، فإن شاؤوا مادَدتُهم مُدَّةً ويُخَلُّوا بَيني وبَينَ النَّاسِ، فإن أظهَرْ فإن شاؤوا أن يَدخُلوا فيما دَخَلَ فيه النَّاسُ فعَلوا، وإلَّا فقد جَمُّوا، وإن هُم أبَوا فوالذي نَفسي بيَدِه، لَأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حَتَّى تَنفَرِدَ سالِفَتي أو لَيُنفِذَنَّ اللهُ أمرَه، قال يَحيى، عَنِ ابنِ المُبارَكِ: حَتَّى تَنفَرِدَ، قال: فإن شاؤوا مادَدناهم مُدَّةً. قال بُدَيلٌ: سَأُبلِغُهم ما تَقولُ. فانطَلَقَ حَتَّى أتى قُرَيشًا فقال: إنَّا قد جِئناكُم مِن عِندِ هذا الرَّجُلِ، وسَمِعناه يَقولُ قَولًا، فإن شِئتُم نَعرِضْه عليكُم. فقال سُفَهاؤُهم: لا حاجةَ لَنا في أن تُحَدِّثَنا عَنهُ بشَيءٍ، وقال ذو الرَّأيِ مِنهُم: هاتِ ما سَمِعتَه يَقولُ. قال: قد سَمِعتُه يَقولُ كَذا وكَذا، فحَدَّثَهم بما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فقامَ عُروةُ بنُ مَسعودٍ الثَّقَفيُّ، فقال: أي قَومِ، ألَستُم بالوالِدِ؟ قالوا: بَلى. قال: أو لَستُ بالولدِ؟ قالوا: بَلى. قال: فهَل تَتَّهِموني؟ قالوا: لا. قال: ألَستُم تَعلَمونَ أنِّي استَنفَرتُ أهلَ عُكاظٍ، فلَمَّا بَلَّحوا عليَّ جِئتُكُم بأهلي ومَن أطاعَني؟ قالوا: بَلى، فقال: إنَّ هذا قد عَرَضَ عليكُم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها، ودَعوني آتِه. فقالوا: ائتِه، فأتاه، قال: فجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال له نَحوًا مِن قَولِه لبُدَيلٍ، فقال عُروةُ عِندَ ذلك: أي مُحَمَّدُ، أرَأيتَ إنِ استَأصَلتَ قَومَكَ، هَل سَمِعتَ بأحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجتاحَ أصلَه قَبلَكَ؟ وإن تَكُنِ الأُخرى، فواللهِ إنِّي لَأرى وُجوهًا، وأرى أوباشًا مِنَ النَّاسِ خَليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعوكَ. فقال له أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ تَعالى عَنهُ: امصَصْ بَظرَ اللَّاتِ، نَحنُ نَفِرُّ عَنهُ ونَدَعُه؟! فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بَكرٍ. قال: أما والذي نَفسي بيَدِه، لَولا يَدٌ كانَت لَكَ عِندي لم أجزِكَ بها لَأجَبتُكَ. وجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكُلَّما كَلَّمَه أخَذَ بلِحيَتِه، والمُغيرةُ بنُ شُعبةَ قائِمٌ على رَأسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومَعَه السَّيفُ وعليه المِغفَرُ، وكُلَّما أهوي عُروةُ بيَدِه إلى لحيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضَرَبَ يَدَه بنَصلِ السَّيفِ، وقال: أخِّرْ يَدَكَ عَن لحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فرَفَعَ عُروةُ رَأسَه، فقال: مَن هذا؟ قالوا: المُغيرةُ بنُ شُعبةَ. قال: أي غُدَرُ، أو لَستُ أسعى في غَدرَتِكَ؟! وكانَ المُغيرةُ صَحِبَ قَومًا في الجاهِليَّةِ، فقَتَلَهم، وأخَذَ أموالَهم، ثُمَّ جاءَ، فأسلَمَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا الإسلامُ فقد قَبِلتُ، وأمَّا المالُ فلَستُ مِنهُ في شَيءٍ. ثُمَّ إنَّ عُروةَ جَعَلَ يَرمُقُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَينِه، قال: فواللهِ ما تَنَخَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ مِنهُم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلدَه، وإذا أمَرَهم ابتَدَروا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِه، وإذا تَكَلَّموا خَفَضوا أصواتَهم عِندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعظيمًا لَه. فرَجَعَ إلى أصحابِه، فقال: أي قَومِ، واللهِ لَقد وفَدتُ على المُلوكِ، ووفَدتُ على قَيصَرَ وكِسرى والنَّجاشيِّ، واللهِ إن رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واللهِ إن يَتَنَخَّمُ نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ مِنهُم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلدَه، وإذا أمَرَهم ابتَدَروا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِه، وإذا تَكَلَّموا خَفَضوا أصواتَهم عِندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعظيمًا لَه، وإنَّه قد عَرَضَ عليكُم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها. فقال رَجُلٌ مِن بَني كِنانةَ: دَعوني آتِه، فقالوا: ائتِه. فلَمَّا أشرَفَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا فُلانٌ، وهو مِن قَومٍ يُعَظِّمونَ البُدنَ، فابعَثوها لَه. فبُعِثَت لَه، واستَقبَلَه القَومُ يُلَبُّونَ، فلَمَّا رَأى ذلك، قال: سُبحانَ اللهِ، ما يَنبَغي لهَؤُلاءِ أن يُصَدُّوا عَنِ البَيتِ. قال: فلَمَّا رَجَعَ إلى أصحابِه، قال: رَأيتُ البُدنَ قد قُلِّدَت وأُشعِرَت، فلَم أرَ أن يُصَدُّوا عَنِ البَيتِ. فقامَ رَجُلٌ مِنهُم يُقالُ له مِكرَزُ بنُ حَفصٍ، فقال: دَعوني آتِه. فقالوا: ائتِه. فلَمَّا أشرَفَ عليهم، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا مِكرَزٌ، وهو رَجُلٌ فاجِرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَينا هو يُكَلِّمُه إذ جاءَه سُهَيلُ بنُ عَمرٍو. قال مَعمَرٌ: وأخبَرَني أيُّوبُ، عَن عِكرِمةَ، أنَّه لَمَّا جاءَ سُهَيلٌ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: سَهُلَ مِن أمرِكُم، قال الزُّهريُّ في حَديثِه: فجاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فقال: هاتِ اكتُبْ بَينَنا وبَينَكُم كِتابًا. فدَعا الكاتِبَ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اكتُبْ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، فقال سُهَيلٌ: أمَّا الرَّحمَنُ فواللهِ ما أدري ما هو -وقال ابنُ المُبارَكِ: ما هو- ولَكِن اكتُبْ باسمِكَ اللهُمَّ كما كُنتَ تَكتُبُ. فقال المُسلِمونَ: واللهِ ما نَكتُبُها إلَّا بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اكتُبْ باسمِكَ اللهُمَّ، ثُمَّ قال: هذا ما قاضى عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ، فقال سُهَيلٌ: واللهِ لَو كُنَّا نَعلَمُ أنَّكَ رَسولُ اللهِ ما صَدَدناكَ عَنِ البَيتِ ولا قاتَلناكَ، ولَكِن اكتُبْ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: واللهِ إنِّي لَرَسولُ اللهِ وإن كَذَّبتُموني، اكتُبْ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ، قال الزُّهريُّ: وذلك لقَولِه: لا يَسألوني خُطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: على أن تُخَلُّوا بَينَنا وبَينَ البَيتِ فنَطوفَ به، فقال سُهَيلٌ: واللهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّا أُخِذْنا ضُغْطةً، ولَكِن لَكَ مِنَ العامِ المُقبِلِ. فكَتَبَ، فقال سُهَيلٌ: على أنَّه لا يَأتيكَ مِنَّا رَجُلٌ، وإن كان على دينِكَ، إلَّا رَدَدتَه إلينا. فقال المُسلِمونَ: سُبحانَ اللهِ، كَيفَ يُرَدُّ إلى المُشرِكينَ وقد جاءَ مُسلِمًا؟ فبَينا هُم كَذلك، إذ جاءَ أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو يَرسُفُ -وقال يَحيى عَنِ ابنِ المُبارَكِ:- يَرضَفُ في قُيودِه، وقد خَرَجَ مِن أسفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمى بنَفسِه بَينَ أظْهُرِ المُسلِمينَ. فقال سُهَيلٌ: هذا يا مُحَمَّدُ، أوَّلُ ما أُقاضيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نَقضِ الكِتابَ بَعدُ، قال: فواللهِ إذًا لا نُصالِحُكَ على شَيءٍ أبَدًا. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فأجِزْه لي، قال: ما أنا بمُجيزِه لَكَ. قال: بَلى، فافعَلْ، قال: ما أنا بفاعِلٍ. قال مِكرَزٌ: بَلى قد أجَزناه لَكَ. فقال أبو جَندَلٍ: أي مَعاشِرَ المُسلِمينَ، أُردُّ إلى المُشرِكينَ وقد جِئتُ مُسلِمًا، ألا تَرَونَ ما قد لَقيتُ؟ وكانَ قد عُذِّبَ عَذابًا شَديدًا في اللهِ. فقال عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنهُ: فأتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلتُ: ألَستَ نَبيَّ اللهِ؟ قال: بَلى، قُلتُ: ألَسنا على الحَقِّ؟ وعَدوُّنا على الباطِلِ؟ قال: بَلى، قال: قُلتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دينِنا إذًا؟ قال: إنِّي رَسولُ اللهِ، ولَستُ أعصيه، وهو ناصِري. قُلتُ: أَو لَستَ كُنتَ تُحَدِّثُنا أنَّا سَنَأتي البَيتَ فنَطوفُ به؟ قال: بَلى، قال: أفأخبَرتُكَ أنَّكَ تَأتيه العامَ؟ قُلتُ: لا. قال: فإنَّكَ آتيه ومُتَطَوِّفٌ به، قال: فأتَيتُ أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنهُ، فقُلتُ: يا أبا بَكرٍ، ألَيسَ هذا نَبيَّ اللهِ حَقًّا؟ قال: بَلى. قُلتُ: ألَسنا على الحَقِّ وعَدوُّنا على الباطِلِ؟ قال: بَلى. قُلتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دينِنا إذًا؟ قال: أيُّها الرَّجُلُ، إنَّه رَسولُ اللهِ، ولَن يَعصيَ رَبَّه عَزَّ وجَلَّ، وهو ناصِرُه، فاستَمسِكْ بغَرْزِه -وقال يَحيى بنُ سَعيدٍ: تَطَوَّفْ بغَرْزِه- حَتَّى تَموتَ، فواللهِ إنَّه لَعَلى الحَقِّ. قُلتُ: أو ليس كان يُحَدِّثُنا أنَّا سَنَأتي البَيتَ ونَطوفُ به؟ قال: بَلى. قال: أفأخبَرَكَ أنَّه يَأتيه العامَ؟ قُلتُ: لا. قال: فإنَّكَ آتيه، ومُتَطَوِّفٌ به. قال الزُّهريُّ: قال عُمَرُ: فعَمِلتُ لذلك أعمالًا. قال: فلَمَّا فرَغَ مِن قَضيَّةِ الكِتابِ، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه: قوموا، فانحَروا، ثُمَّ احلِقوا، قال: فواللهِ ما قامَ مِنهُم رَجُلٌ، حَتَّى قال ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فلَمَّا لم يَقُمْ مِنهُم أحَدٌ قامَ، فدَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فذَكَرَ لَها ما لَقيَ مِنَ النَّاسِ، فقالت أُمُّ سَلَمةَ: يا رَسولَ اللهِ، أتُحِبُّ ذلك؟ اخرُجْ، ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا مِنهُم كَلِمةً حَتَّى تَنحَرَ بُدنَكَ، وتَدعوَ حالِقَكَ، فيَحلِقَكَ. فقامَ، فخَرَجَ، فلَم يُكَلِّمْ أحَدًا مِنهُم حَتَّى فعَلَ ذلك: نَحَرَ هَديَه، ودَعا حالِقَه. فلَمَّا رَأوا ذلك قاموا، فنَحَروا، وجَعَلَ بَعضُهم يَحلِقُ بَعضًا، حَتَّى كادَ بَعضُهم يَقتُلُ بَعضًا غَمًّا. ثُمَّ جاءَه نِسوةٌ مُؤمِناتٌ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {يا أيُّها الذينَ آمَنوا إذا جاءَكُمُ المُؤمِناتُ مُهاجِراتٍ} [المُمتَحَنة: 10] حَتَّى بَلَغَ {بعِصَمِ الكَوافِرِ} [المُمتَحَنة: 10]، قال: فطَلَّقَ عُمَرُ يَومَئِذٍ امرَأتَينِ كانَتا له في الشِّركِ، فتَزَوَّجَ إحداهما مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ، والأُخرى صَفوانُ بنُ أُمَيَّةَ. ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدينةِ، فجاءَه أبو بَصيرٍ، رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ، وهو مُسلِمٌ، وقال يَحيى، عَنِ ابنِ المُبارَكِ: فقدِمَ عليه أبو بَصيرِ بنُ أُسَيدٍ الثَّقَفيُّ مُسلِمًا مُهاجِرًا، فاستَأجَرَ الأخنَسُ بنُ شُرَيقٍ رَجُلًا كافِرًا مِن بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ ومَولًى مَعَه، وكَتَبَ مَعَهما إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسألُه الوفاءَ فأرسَلوا في طَلَبِه رَجُلَينِ، فقالوا: العَهدُ الذي جَعَلتَ لَنا فيه. فدَفَعَه إلى الرَّجُلَينِ، فخَرَجا به حَتَّى بَلَغا به ذا الحُلَيفةِ، فنَزَلوا يَأكُلونَ مِن تَمرٍ لَهم، فقال أبو بَصيرٍ لأحَدِ الرَّجُلَينِ: واللهِ إنِّي لَأرى سَيفَكَ يا فُلانُ هذا جَيِّدًا. فاستَلَّه الآخَرُ، فقال: أجَل واللهِ إنَّه لَجَيِّدٌ، لَقد جَرَّبتُ به، ثُمَّ جَرَّبتُ. فقال أبو بَصيرٍ: أرِني أنظُرْ إليه. فأمكَنَه مِنهُ، فضَرَبَه به حَتَّى بَرَدَ، وفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أتى المَدينةَ، فدَخَلَ المَسجِدَ يَعدو، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَقد رَأى هذا ذُعرًا. فلَمَّا انتَهى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قُتِلَ واللهِ صاحِبي، وإنِّي لَمَقتولٌ! فجاءَ أبو بَصيرٍ، فقال: يا نَبيَّ اللهِ، قد واللهِ أوفى اللهُ ذِمَّتَكَ قد رَدَدتَني إليهم، ثُمَّ أنجاني اللهُ مِنهُم. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَيلُ امِّه مِسعَرَ حَربٍ لَو كان له أحَدٌ! فلَمَّا سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنَّه سَيَرُدُّه إليهم، فخَرَجَ حَتَّى أتى سِيفَ البَحرِ، قال: ويَنفَلِتُ أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلٍ، فلَحِقَ بأبي بَصيرٍ، فجَعَلَ لا يَخرُجُ مِن قُرَيشٍ رَجُلٌ قد أسلَمَ إلَّا لَحِقَ بأبي بَصيرٍ حَتَّى اجتَمَعَت مِنهُم عِصابةٌ، قال: فواللهِ ما يَسمَعونَ بعيرٍ خَرَجَت لقُرَيشٍ إلى الشَّامِ إلَّا اعتَرَضوا لَها، فقَتَلوهم، وأخَذوا أموالَهم. فأرسَلَت قُرَيشٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تُناشِدُه اللهَ والرَّحِمَ لَمَّا أرسَلَ إليهم، فمَن أتاه فهو آمِنٌ، فأرسَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {وهو الذي كَفَّ أيديَهم عَنكُم وأيديَكُم عَنهُم} [الفَتح: 24] حَتَّى بَلَغَ: {حَميَّةَ الجاهِليَّةِ} [الفَتح: 26]، وكانَت حَميَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نَبيُّ اللهِ، ولَم يُقِرُّوا ببِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، وحالوا بَينَه وبَينَ البَيتِ
عنِ الزُّهْريِّ، قال: وأخبَرني عُرْوةُ، عنِ المِسْوَرِ، ومَرْوانَ بنِ الحَكَمِ يُصَدِّقُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَهُ، قال في حديثِ الهُدْنةِ: إنَّ سُهَيْلًا كان مِمَّا اشترَط في الصُّلحِ الذي كان بيْنَهُ وبيْنَهُ عامَ الحُدَيْبيَةِ: لا يَأتيكَ منَّا رجُلٌ، وإنْ كان على دينِكَ، إلَّا ردَدْتَهُ إلينا، ثمَّ رجَع النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى المدينةِ، فجاء أبو بَصيرٍ، رجُلٌ من قُريشٍ، وهو مُسلِمٌ، فأرسَلوا في طَلبِهِ رجُلَيْنِ، فقالوا: العَهْدَ الذي جعَلْتَ لنا. فدفَعهُ إلى الرجُلَيْنِ، فخرَجا بهِ، فلمَّا بلَغا ذا الحُلَيْفةِ، نزَلوا يأكُلونَ من تمْرِهم، فقال أبو بَصيرٍ لأحَدِ الرجُلَيْنِ: واللهِ إنِّي لَأَرى سيفَكَ يا فُلانُ جَيِّدًا، فاستَلَّهُ الآخَرُ، فقال: أَجَلْ واللهِ إنَّه لَجَيِّدٌ، فقال أبو بَصيرٍ: أَرِني أنْظُرْ إليه، فضرَبهُ به حتى بَرَد، وفَرَّ الآخَرُ حتى أتى المدينةَ، فدخَل المسجِدَ، فقال رسولُ اللهِ عليه السَّلامُ حينَ رآه: لقدْ رأى هذا ذُعرًا، فلمَّا انتَهى إليه قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإنِّي لَمَقتولٌ، فجاء أبو بَصيرٍ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، قدْ واللهِ وفَّى اللهُ ذِمَّتَكَ أنْ ردَدْتَني إليهم، ثمَّ أنجاني اللهُ منهم، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وَيلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَربٍ لو كانَ له أحَدٌ، فلمَّا سمِع ذلك منه، عرَف أنَّه سيَرُدُّهُ إليهم، فخرَج حتى أتى سِيفَ، يعني البحرَ، قال: وتفلَّتَ منهم أبو جَنْدَلٍ، فلحِقَ بأبي بَصيرٍ، فجعَل لا يخرُجُ من قُريشٍ رجُلٌ قدْ أسلَم إلَّا لَحِق بأبي بَصيرٍ، حتى اجتمَعتْ منهم عِصابةٌ، قال: فواللهِ ما سمِعوا بعِيرٍ خرَجتْ لقُريشٍ إلى الشَّامِ إلَّا اعترَضوا لهم، فقتَلوهم، وأخَذوا أموالَهم، فأرسَلتْ قُريشٌ إلى النَّبيِّ عليه السَّلامُ تُناشِدُهُ اللهَ والرَّحِمَ لَمَا أرسَل إليهم، فمَن أتاهُ، فهو آمِنٌ، فأرسَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إليهم، فأنزَل اللهُ: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} [الفتح: 24]، حتى بلَغ: {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26]، وكانتْ حَمِيَّتُهم أنَّهم لمْ يُقِرُّوا أنَّه نبيُّ اللهِ، ولمْ يُقِرُّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، وحالوا بيْنَهُ وبيْنَ البيتِ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
المحيا محياكم والممات مماتكملا يكلف الله نفسا إلا وسعهاشهادة أن لا إله إلا اللهآمن بالله واليوم الآخربسم الله الرحمن الرحيمهاجرت إلى الله وإليكمإنما يعمر مساجد اللهالعباس بن عبد المطلبجاء الحق وزهق الباطلمن أغلق بابه فهو آمنفاشهدوا له بالإيمانعمارة المسجد الحرامالجهاد في سبيل اللهالجارود بن عبد اللهاشهدوا له بالإيمانلا يستوون عند اللهعباس بن عبد المطلبسهم الراجل والفارسقولوا سمعنا وأطعناالضن بالله ورسولهمحمد بن عبد اللهصلاتهم وعبادتهمعلي بن أبي طالبصلاة إلى القبلةالمغيرة بن شعبةلا إله إلا اللهمنبر رسول اللهسلمة بن الأكوعخالد بن الوليدأبو بكر الصديقيتعاهد المسجدعمارة المساجدالإيمان باللهعروة بن مسعوددار أبي سفيانوفد عبد القيسيعتاد المسجدمن آمن باللهطلحة بن شيبةمفاتيح البيتصلح الحديبيةاحصدوهم حصداتحصدوهم حصداالإيمان،...اليوم الآخرأقام الصلاةالذين آمنواالذين هادواسقاية الحاجمفتاح البيتغزوة ذي قردخير الفرسانخير الرجالةقس بن ساعدةرد المسلمينآتى الزكاةيوم الجمعةابن الأكوعيوم ذي قردحابس الفيلأوباش قريشآمن الرسولحديث النفسذو الحليفةآمن باللهلا يستوونيوم الرضعأبو قتادةبعث النبيأبو سفيانأبو هريرةسيف البحرالصابئينالحديبيةأبو جندلسوق عكاظأمة وحدهابن عباسأبو بصيرمسعر حربالإحسانالنصارىأهل دينالإيمانالسقايةاستفتاءالعضباءالقصواءخطة رشدالأنصارفتح مكةخطبة قسابن عمرالأعمالالمشورةالمسجدالجهادذو قردنسختهاالعمرة
تخريج حديث آمن بالله واليوم الآخر
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








