﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[ المائدة: 6]

سورة : المائدة - Al-Mā’idah  - الجزء : ( 6 )  -  الصفحة: ( 108 )

﴿ O you who believe! When you intend to offer As-Salat (the prayer), wash your faces and your hands (forearms) up to the elbows, rub (by passing wet hands over) your heads, and (wash) your feet up to ankles. If you are in a state of Janaba (i.e. had a sexual discharge), purify yourself (bathe your whole body). But if you are ill or on a journey or any of you comes from answering the call of nature, or you have been in contact with women (i.e. sexual intercourse) and you find no water, then perform Tayammum with clean earth and rub therewith your faces and hands. Allah does not want to place you in difficulty, but He wants to purify you, and to complete His Favour on you that you may be thankful. ﴾


الغائط : موضع قضاء الحاجة ( كناية عن الحدث )
لامستم النساء : واقعتموهن أو مسستم بشرتهن
صعيدا طيبا : تُرابا. أو وجه الأرض – طاهراً
حرج : ضيق في دينه وتشريعه

يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهارة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم مع المرافق (والمِرْفَق: المِفْصَل الذي بين الذراع والعَضُد) وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم مع الكعبين (وهما: العظمان البارزان عند ملتقى الساق بالقدم). وإن أصابكم الحدث الأكبر فتطهروا بالاغتسال منه قبل الصلاة. فإن كنتم مرضى، أو على سفر في حال الصحة، أو قضى أحدكم حاجته، أو جامع زوجته فلم تجدوا ماء فاضربوا بأيديكم وجه الأرض، وامسحوا وجوهكم وأيديكم منه. ما يريد الله في أمر الطهارة أن يُضَيِّق عليكم، بل أباح التيمم توسعةً عليكم، ورحمة بكم، إذ جعله بديلا للماء في الطهارة، فكانت رخصة التيمُّم من تمام النعم التي تقتضي شكر المنعم؛ بطاعته فيما أمر وفيما نهى.

تفسير السعدي
هذه آية عظيمة قد اشتملت على أحكام كثيرة، نذكر منها ما يسره الله وسهله.
أحدها: أن هذه المذكورات فيها امتثالها والعمل بها من لوازم الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأنه صدرها بقوله { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ْ} إلى آخرها.- أي: يا أيها الذين آمنوا، اعملوا بمقتضى إيمانكم بما شرعناه لكم.
الثاني: الأمر بالقيام بالصلاة لقوله: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ْ} الثالث: الأمر بالنية للصلاة، لقوله: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ْ}- أي: بقصدها ونيتها.
الرابع: اشتراط الطهارة لصحة الصلاة، لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر الوجوب.
الخامس: أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما تجب عند إرادة الصلاة.
السادس: أن كل ما يطلق عليه اسم الصلاة، من الفرض والنفل، وفرض الكفاية، وصلاة الجنازة، تشترط له الطهارة، حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء، كسجود التلاوة والشكر.
السابع: الأمر بغسل الوجه، وهو: ما تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا.
ومن الأذن إلى الأذن عرضا.
ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، بالسنة، ويدخل فيه الشعور التي فيه.
لكن إن كانت خفيفة فلا بد من إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها.
الثامن: الأمر بغسل اليدين، وأن حدهما إلى المرفقين و "إلى" كما قال جمهور المفسرين بمعنى "مع" كقوله تعالى: { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ْ} ولأن الواجب لا يتم إلا بغسل جميع المرفق.
التاسع: الأمر بمسح الرأس.
العاشر: أنه يجب مسح جميعه، لأن الباء ليست للتبعيض، وإنما هي للملاصقة، وأنه يعم المسح بجميع الرأس.
الحادي عشر: أنه يكفي المسح كيفما كان، بيديه أو إحداهما، أو خرقة أو خشبة أو نحوهما، لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه.
الثاني عشر: أن الواجب المسح.
فلو غسل رأسه ولم يمر يده عليه لم يكف، لأنه لم يأت بما أمر الله به.
الثالث عشر: الأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين.
الرابع عشر: فيها الرد على الرافضة، على قراءة الجمهور بالنصب، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين.
الخامس عشر: فيه الإشارة إلى مسح الخفين، على قراءة الجر في { وأرجلكم ْ} وتكون كل من القراءتين، محمولة على معنى، فعلى قراءة النصب فيها، غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى قراءة الجر فيها، مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف.
السادس عشر: الأمر بالترتيب في الوضوء، لأن الله تعالى ذكرها مرتبة.
ولأنه أدخل ممسوحا -وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يعلم لذلك فائدة غير الترتيب.
السابع عشر: أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية.
وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح الرأس على مسح الأذنين.
الثامن عشر: الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة، لتوجد صورة المأمور به.
التاسع عشر: الأمر بالغسل من الجنابة.
العشرون: أنه يجب تعميم الغسل للبدن، لأن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه بشيء دون شيء.
الحادي والعشرون: الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة.
الثاني والعشرون: أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي من هما عليه أن ينوي، ثم يعمم بدنه، لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء.
الثالث والعشرون: أن الجنب يصدق على من أنزل المني يقظة أو مناما، أو جامع ولو لم ينزل.
الرابع والعشرون: أن من ذكر أنه احتلم ولم يجد بللا، فإنه لا غسل عليه، لأنه لم تتحقق منه الجنابة.
الخامس والعشرون: ذكر مِنَّة الله تعالى على العباد، بمشروعية التيمم.
السادس والعشرون: أن من أسباب جواز التيمم وجود المرض الذي يضره غسله بالماء، فيجوز له التيمم.
السابع والعشرون: أن من جملة أسباب جوازه، السفر والإتيان من البول والغائط إذا عدم الماء، فالمرض يجوز التيمم مع وجود الماء لحصول التضرر به، وباقيها يجوزه العدم للماء ولو كان في الحضر.
الثامن والعشرون: أن الخارج من السبيلين من بول وغائط، ينقض الوضوء.
التاسع والعشرون: استدل بها من قال: لا ينقض الوضوء إلا هذان الأمران، فلا ينتقض بلمس الفرج ولا بغيره.
الثلاثون: استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به لقوله تعالى: { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَائِطِ ْ} الحادي والثلاثون: أن لمس المرأة بلذة وشهوة ناقض للوضوء.
الثاني والثلاثون: اشتراط عدم الماء لصحة التيمم.
الثالث والثلاثون: أن مع وجود الماء ولو في الصلاة، يبطل التيمم لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء.
الرابع والثلاثون: أنه إذا دخل الوقت وليس معه ماء، فإنه يلزمه طلبه في رحله وفيما قرب منه، لأنه لا يقال "لم يجد" لمن لم يطلب.
الخامس والثلاثون: أن من وجد ماء لا يكفي بعض طهارته، فإنه يلزمه استعماله، ثم يتيمم بعد ذلك.
السادس والثلاثون: أن الماء المتغير بالطاهرات، مقدم على التيمم،- أي: يكون طهورا، لأن الماء المتغير ماء، فيدخل في قوله: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ْ} السابع والثلاثون: أنه لا بد من نية التيمم لقوله: { فَتَيَمَّمُوا ْ}- أي: اقصدوا.
الثامن والثلاثون: أنه يكفي التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره.
فيكون على هذا، قوله: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ْ} إما من باب التغليب، وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه ويعلق بالوجه واليدين، وإما أن يكون إرشادا للأفضل، وأنه إذا أمكن التراب الذي فيه غبار فهو أولى.
التاسع والثلاثون: أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس، لأنه لا يكون طيبا بل خبيثا.
الأربعون: أنه يمسح في التيمم الوجه واليدان فقط، دون بقية الأعضاء.
الحادي والأربعون: أن قوله: { بِوُجُوهِكُمْ ْ} شامل لجميع الوجه وأنه يعممه بالمسح، إلا أنه معفو عن إدخال التراب في الفم والأنف، وفيما تحت الشعور، ولو خفيفة.
الثاني والأربعون: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط، لأن اليدين عند الإطلاق كذلك.
فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء.
الثالث والأربعون: أن الآية عامة في جواز التيمم، لجميع الأحداث كلها، الحدث الأكبر والأصغر، بل ولنجاسة البدن، لأن الله جعلها بدلا عن طهارة الماء، وأطلق في الآية فلم يقيد [وقد يقال أن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم لأن السياق في الأحداث وهو قول جمهور العلماء] الرابع والأربعون: أن محل التيمم في الحدث الأصغر والأكبر واحد، وهو الوجه واليدان.
الخامس والأربعون: أنه لو نوى مَنْ عليه حدثان التيمم عنهما، فإنه يجزئ أخذا من عموم الآية وإطلاقها.
السادس والأربعون: أنه يكفي المسح بأي شيء كان، بيده أو غيرها، لأن الله قال { فامسحوا ْ} ولم يذكر الممسوح به، فدل على جوازه بكل شيء.
السابع والأربعون: اشتراط الترتيب في طهارة التيمم، كما يشترط ذلك في الوضوء، ولأن الله بدأ بمسح الوجه قبل مسح اليدين.
الثامن والأربعون: أن الله تعالى -فيما شرعه لنا من الأحكام- لم يجعل علينا في ذلك من حرج ولا مشقة ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده ليطهرهم، وليتم نعمته عليهم.
وهذا هو التاسع والأربعون: أن طهارة الظاهر بالماء والتراب، تكميل لطهارة الباطن بالتوحيد، والتوبة النصوح.
الخمسون: أن طهارة التيمم، وإن لم يكن فيها نظافة وطهارة تدرك بالحس والمشاهدة، فإن فيها طهارة معنوية ناشئة عن امتثال أمر الله تعالى.
الحادي والخمسون: أنه ينبغي للعبد أن يتدبر الحِكَم والأسرار في شرائع الله، في الطهارة وغيرها ليزداد معرفة وعلما، ويزداد شكرا لله ومحبة له، على ما شرع من الأحكام التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة.

تفسير الآية 6 - سورة المائدة

تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة : الآية رقم 6 من سورة المائدة

 سورة المائدة الآية رقم 6

الآية 6 من سورة المائدة مكتوبة بالرسم العثماني


﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ  ﴾ [ المائدة: 6]

﴿ ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ﴾ [ المائدة: 6]

  1. الآية مشكولة
  2. تفسير الآية
  3. استماع mp3
  4. الرسم العثماني
  5. تفسير الصفحة
فهرس القرآن | سور القرآن الكريم : سورة المائدة Al-Mā’idah الآية رقم 6 , مكتوبة بكتابة عادية و كذلك بالشكيل و مصورة مع الاستماع للآية بصوت ثلاثين قارئ من أشهر قراء العالم الاسلامي مع تفسيرها ,مكتوبة بالرسم العثماني لمونتاج فيديو اليوتيوب .
  
   

تحميل الآية 6 من المائدة صوت mp3

قال الفخر الرازي: اعلم أنه-تبارك وتعالى- افتتح السورة بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية.
فقوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ طلب الله-تبارك وتعالى- من عباده أن يفوا بعهد العبودية.
فكأنما قيل:يا إلهنا العهد نوعان: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان.
فقال-تبارك وتعالى-: نعم أنا أوفى أولا بعهد الربوبية والكرم.
معلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم، ولذات المنكح فاستقصى- سبحانه - في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح.
وعند تمام هذا البيان كأنه يقول: قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية.
ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جرم بدأ- سبحانه - بذكر فرائض الوضوء فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ .
والمراد بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام إليها، والتهيؤ للدخول فيها من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب، للإيجاز وللتنبيه على أن الشأن في المؤمنين أن يكونوا دائما على ذكر من إرادتها وعدم الإهمال في أدائها.
وإنما قلنا المراد بالقيام إلى الصلاة إرادتها لأنه لو بقي الكلام على حقيقته للزم تأخير الوضوء عن الصلاة، وهذا باطل بالإجماع.
وليس المراد بالقيام انتصاب القامة أو ما يشبه ذلك، بل المراد به الاشتغال بأفعال الصلاة وأقوالها وكل ما يتعلق بذاتها.
قال الآلوسى ما ملخصه: وظاهر الآية يفيد وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم الَّذِينَ آمَنُوا من غير اختصاص بالمحدثين.
لكن الإجماع على خلاف ذلك، فقد أخرج مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلّم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد.
فقال له عمر: يا رسول صنعت شيئا لم تكن تصنعه.
فقال صلى الله عليه وسلّم: «عمدا فعلته يا عمر» .
يعنى: بيانا للجواز.
فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال.
ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم، فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلا.
وقوله-تبارك وتعالى- فَلَمْ تَجِدُوا ماءً صريح في البدلية.
ويحكى عن داود الظاهري أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلّم والخلفاء من بعده كانوا يتوضئون لكل صلاة، ورد بأن فعل النبي صلى الله عليه وسلّم والخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب وقد ورد: «من توضأ على طهر كتب الله-تبارك وتعالى- له عشر حسنات» .
وقوله: فَاغْسِلُوا من الغسل وهو إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه وزاد بعضهم: مع الدلك.
وقوله: بِوُجُوهِكُمْ جمع وجه.
وهو مأخوذ من المواجهة.
وحد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا.
والمرافق: جمع مرفق- كمنبر ومجلس- وهو ملتقى عظم العضد بعظم الذراع.
والكعبين: تثنية كعب.
وهما الجزءان البارزان في أعلى القدم.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون حدثا أصغر، فاغسلوا وجوهكم، أى: فأسيلوا الماء على وجوهكم، وأسيلوه أيضا على أيديكم إلى المرافق وامسحوا بأيديكم المبللة بالماء رءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وهنا توسع الفقهاء وبعض المفسرين في ذكر مسائل تتعلق بهذه الآية نرى من الواجب الإلمام بأهمها فنقول:أولا: أخذ جمهور الفقهاء من قوله-تبارك وتعالى- إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا إلخ أن الوضوء لا بد فيه من القصد إليه وإرادته لأجل الصلاة لا لأجل أى شيء آخر كالنظافة وغيرها مما يشبهها، وذلك لأن الوضوء عمل من الأعمال التي يقصد بها المسلم الطاعة لله، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: «إنما الأعمال بالنيات» وعليه تكون النية ركنا من أركان الوضوء، فإذا لم يقصد بوضوئه إرادة الصلاة وابتغاء رضاء الله، لم تكن صلاته بهذا الوضوء صحيحة.
وقال الأحناف.
إن النية في الوضوء ليست بفرض.
لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة لذاتها.
وإنما هو وسيلة لغيره وهو الصلاة، والنية إنما هي شرط في العبادة نفسها وهي الصلاة باعتبارها المقصد، وليست شرطا في الوسيلة وهي الوضوء.
وعليه فالوضوء يتحقق بغسل ما يجب غسله من الأعضاء المعروفة، ومسح ما يجب مسحه منها، وللمسلم أن يصلى بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل.
قالوا: ومما يشهد بأن الوضوء وسيلة لعبادة ظاهر قوله-تبارك وتعالى- إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فإنه يدل على أن الصلاة هي المقصودة وهي الغاية أما الوضوء فقد شرع ليكون سبيلا إليها.
ثانيا: قوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ اتفق الفقهاء على وجوب غسل الوجه إلا أنهم اختلفوا في دخول المضمضة والاستنشاق فيه.
فجمهور الفقهاء اتفقوا على أنهما لا يدخلان في غسل الوجه، بل هما سنتان كان يفعلهما النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه قبل غسل الوجه.
وقال بعض الفقهاء: المضمضة والاستنشاق داخلان في الغسل.
ثالثا: أخذ كثير من الفقهاء من قوله-تبارك وتعالى- إِلَى الْمَرافِقِ.. وإِلَى الْكَعْبَيْنِ أن المرافق داخلة مع اليدين في وجوب الغسل، وأن الكعبين داخلان مع الرجلين في وجوب الغسل.
قالوا: لأن إِلَى هنا بمعنى مع، ولأن بعض علماء اللغة وعلى رأسهم سيبويه قد قرروا أن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل في الحد، وإذا لم يكن من نوعه لم يدخل.
وهنا ما بعد إلى من نوع ما قبلها فوجب دخوله في الحد.
ولأن جعل ما قبل المرفقين حدا، لا يصلح أن يكون علامة واضحة على ذلك، ومن شأن العلامات أن تكون واضحة وهذا لا يتأتى إلا بغسل المرفقين والكعبين.
وفضلا عن كل ذلك فالمعروف من وضوء النبي صلى الله عليه وسلّم أنه كان يغسل المرفقين والكعبين.
قال القرطبي: وهذا هو الصحيح لما رواه الدّارقطنيّ عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» .
ويرى بعض الفقهاء أن غسل المرفقين والكعبين مستحب، لأن الغاية من قوله: إِلَى الْمَرافِقِ وإِلَى الْكَعْبَيْنِ تحتمل أن تدخل المرافق والكعبين في الوجوب وتحتمل عدم الدخول، ولا وجوب مع الاحتمال.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المسألة بقوله: قوله إِلَى الْمَرافِقِ تفيد معنى الغاية مطلقا.
فأما دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل.
فمما فيه دليل على الخروج قوله: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ لأن الإعسار علة الإنظار.
وبوجود الميسرة تزول العلة.
ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في كلتا الحالتين معسرا وموسرا.
وكذلك ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ لو دخل الليل لوجب الوصال في الصوم.
ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره- لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله.
ومنه قوله-تبارك وتعالى-: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَىلوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله.
وقوله إِلَى الْمَرافِقِ وإِلَى الْكَعْبَيْنِ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل.
وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها.
وعن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه كان يدير الماء على مرفقيه» .
رابعا: أجمع الفقهاء على أن مسح الرأس من أركان الوضوء، لقوله-تبارك وتعالى- وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ إلا أنهم اختلفوا في مقدار المسح.
فقال المالكية: يجب مسح جميع الرأس أخذا بالاحتياط، وتبعهم في ذلك الحنابلة.
وقال الشافعية: يكفى مسح أقل ما يطلق عليه اسم المسح أخذا باليقين وقال الحنفية:يفترض مسح ربع الرأس.
ومنشأ الخلاف هنا اعتبار الباء زائدة أو أصلية.
فقال المالكية والحنابلة إن الباء كما تكون أصلية تكون- أيضا- زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول واعتبارها هنا زائدة أولى، لأن التركيب حينئذ يدل على مسح جميع الرأس، ويكون البعض داخلا في ذلك.
وقال الأحناف والشافعية الباء هنا للتبعيض، إلا أن البعض لم يقدره الشافعية بمقدار معين، وقدره الأحناف بمقدار ربع الرأس أخذا من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان في سفر فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته» قالوا: والناصية تساوى ربع الرأس.
قال بعض العلماء: والسنة الصحيحة وردت بالبيان.
وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة أنه صلى الله عليه وسلّم أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر.
وهذه هي التي استمر عليها صلى الله عليه وسلّم فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي كان يداوم عليها.
وهي مسح الرأس مقبلا ومدبرا.
وإجراء غيرها في بعض الأحوال .
خامسا: قوله تعالى وَأَرْجُلَكُمْ وردت فيه قراءتان متواترتان.
إحداهما: بفتح اللام وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب.
والثانية: بكسر اللام وهي قراءة الباقين.
أما قراءة النصب فعلى أن قوله وَأَرْجُلَكُمْ معطوف على قوله وُجُوهَكُمْ أو هو منصوب بفعل مقدر أى: وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وأما قراءة الجر فعلى أن قوله وَأَرْجُلَكُمْ معطوف على بِرُؤُسِكُمْ قال القرطبي ما ملخصه: فمن قرأ بالنصب جعل العامل «اغسلوا» وبنى على ذلك أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح.
وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلّم واللازم من قوله في غير ما حديث.
وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء» ثم إن الله حدهما فقال: إِلَى الْكَعْبَيْنِ كما قال في اليدين إِلَى الْمَرافِقِ فدل على وجوب غسلهما، ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء.
فقال ابن العربي: اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم.
وتعلق الطبري بقراءة الخفض- أى قال بمسح الرجلين.
ثم قال: وقد قيل: إن قوله وَأَرْجُلَكُمْ بقراءة الخفض- معطوف على اللفظ دون المعنى- أى لفظ الرءوس- وهذا أيضا يدل على الغسل، فإن المراعى المعنى لا اللفظ وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب.
وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال-تبارك وتعالى- يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ بالجر لأن النحاس هو الدخان.
ثم قال: والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه، وما ثبت من قوله صلّى الله عليه وسلّم «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» فخوفنا ذكر النار على مخالفة مراد الله.
ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب.
ومعلوم أن المسح ليس من شأنه الاستيعاب.
ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث بطلان من قال بالمسح.
إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح.
ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما.
وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح وأن العامل في قوله وَأَرْجُلَكُمْ قوله فَاغْسِلُوا والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما.
تقول: أكلت الخبز واللبن.
أى: وشربت اللبن .
وقد عقد الإمام ابن كثير فصلا أورد فيه- عند تفسيره لهذه الآية- كثيرا من الأحاديث التي وردت في غسل الرجلين، وجعل عنوانه: «ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه» .
ومن هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين والسنن عن عثمان وعلى وابن عباس.
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غسل الرجلين في وضوئه إما مرة، وإما مرتين أو ثلاثا.
على اختلاف رواياتهم.
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم توضأ فغسل قدميه ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» .
وعن جابر بن عبد الله قال: رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم في رجل رجل مثل الدرهم لم يغسله فقال:«ويل للأعقاب من النار» .
ثم قال ابن كثير: ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة.
وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل.
بل يجرى فيه ما يجرى في مسح الخف .
ويرى الزمخشري أن قراءة الجر في قوله وَأَرْجُلَكُمْ محمولة في المعنى على النصب ويكون السبب في عطفها على الرءوس المجرورة، للإشارة إلى وجوب عدم الإسراف في الماء.
فقد قال: فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها: فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث المسموح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها.
وقد وضح هذا المعنى الشيخ ابن المنير بقوله: لم يوجه الزمخشري قراءة الجر بما يشفى الغليل.
والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل واحد منهما مساس بالعضو، فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم، كقوله: متقلدا سيفا ورمحا.
وعلفتها تبنا وماء باردا.
ونظائره كثيرة.
ثم يقال: ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب؟ وهلا أسند إلى كل واحد منهما الفعل الخاص به على الحقيقة؟ فيقال: فائدته الإيجاز والاختصار.
وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا:واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح، ونبه بهذا التشريك- الذي لا يكون إلا في الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جدا.
على أن الغسل المطلوب في الأرجل غسل خفيف يقارب المسح.
وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود» .
هذا ومن كل ما تقدم نرى وجوب غسل الرجلين في الوضوء سواء أكانت القراءة بالنصب أم بالجر.
وقد بسطت بعض كتب الفقه والتفسير هذه المسألة بسطا موسعا فليرجع إليها من شاء .
سادسا: أخذ الأحناف من هذه الآية الكريمة أن أركان الوضوء هي هذه الأربعة فحسب أى: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين.
وقد أضاف جمهور الفقهاء إلى ذلك النية- كما سبق أن أشرنا- كما أضافوا الترتيب بين الأركان بحيث يغسل الوجه أولا ثم اليدان ثم من بعدهما مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، لأن هذه الأركان قد ذكرت بهذا التريب في القرآن فيجب التزامه.
ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يخالف هذا الترتيب ولو مرة واحدة فوجب اتباع ما جاء عنه صلّى الله عليه وسلّم.
وقال الأحناف: الترتيب ليس فرضا، لأن العطف بين الأركان بالواو وهي لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا.
كذلك أضاف بعض الفقهاء إلى أركان الوضوء الموالاة بمعنى أن يواصل المتوضئ الاشتغال بوضوئه ولا ينقطع عنه.
وذهب بعضهم إلى أن ذلك سنة.
والذي تطمئن إليه النفس أن المتوضئ إذا انقطع وضوؤه بعمل أجنبى لمدة جفت معها أعضاء الوضوء وجب عليه استئناف الوضوء مبتدئا بأوله.
أما إذا قطع المتوضئ وضوءه لفترة قصيرة بحيث بقيت آثار الوضوء ظاهرة فإنه في هذه الحالة يجوز له الاستمرار فيه.
تلك هي بعض المسائل التي رأينا أن نتكلم عنها بإيجاز بمناسبة حديثنا عن هذه الآية الكريمة وهناك مسائل أخرى تتعلق بها تكفلت كتب الفروع بتفصيلها.
وقد انتقلت الآية الكريمة بعد حديثها عن الوضوء إلى الحديث عن الاغتسال وموجبه فقال-تبارك وتعالى- وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا.
والجنب من أصابته الجنابة بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما مما تتحقق معه الجنابة.
وكلمة جنب من الألفاظ التي يستوي فيها الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث لجريانها مجرى المصدر، فيقال: رجل جنب، وامرأة جنب، وهما جنب، ورجال ونساء جنب.. واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة، لأن الجنابة معنى شرعي يستلزم من المسلم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلى أن يتطهر.
وقوله فَاطَّهَّرُوا أصله فتطهروا فأدغمت التاء في الطاء فسكنت فأتى بالهمزة.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم الدخول في الصلاة فعليكم أن تتوضئوا قبل دخولكم فيها بأن تغسلوا وجوهكم وتغسلوا أيديكم إلى المرافق، وتمسحوا برءوسكم.
وتغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، هذا إذا كنتم محدثين حدثا أصغر وأردتم الصلاة أما إذا كنتم محدثين حدثا أكبر، بأن كنتم جنبا بسبب خروج منى أو التقاء ختانين وأردتم الدخول في الصلاة فعليكم في هذه الحالة أن تتطهروا.
أى: تغسلوا بالماء جميع بدنكم.
لأن الأمر بالتطهر لما لم يتعلق بعضو دون عضو، كان أمرا شاملا لتطهير جميع البدن، بدليل أن الوضوء لما تعلق بعضو دون عضو نص الله-تبارك وتعالى- في الآية على تلك الأعضاء التي أوجب غسلها.
وإنما حملت الطهارة هنا على الطهارة بالماء لأن الماء هو الأصل كما يشير إلى ذلك قوله-تبارك وتعالى- وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ولأنه- سبحانه - قد ذكر بعد هذه الجملة ما يحل محل الماء عند فقده.
والتعبير بقوله فَاطَّهَّرُوا فيه إشارة إلى وجوب العناية في تعميم الماء على الجسد كله، وإيماء إلى أن النجاسة المعنوية قد عمت كل أجزاء الجسم، فوجب أن تكون الطهارة عامة لكل أجزاء الجسم ولا شك أن الاغتسال بعد الجناية أو الحيض أو النفاس فيه إنعاش الجسم بعد أن أصابه التعب والإنهاك، وفيه كذلك طهارة نفسية، لأنه يبعث في الإنسان حسن الاستعداد لذكر الله، ولأداء تكاليفه.
قال الفخر الرازي: والدلك غير واجب في الغسل.
وقال مالك: الدلك واجب وحجة غيره أن قوله فَاطَّهَّرُوا أمر بتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك.
ثم قال:والشافعى قال: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل- ومثله في ذلك الإمام مالك.
وقال أبو حنيفة- والحنابلة- هما: واجبان لأن الآية تقول فَاطَّهَّرُوا وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم.
وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس، ما عدا الأجزاء الباطنة التي لا يمكن تطهيرها.
وداخل الفم والأنف يمكن تطهير هما.
فوجب بقاؤهما تحت النص.
ولأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «بلوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة» فقوله «بلوا الشعر» يدخل فيه الأنف.
لأن داخله شعر.
وقوله «وأنقوا البشرة» يدخل فيه الجلدة التي داخل الفم.
وحجة الشافعى- ومالك قوله صلّى الله عليه وسلّم أما أنا فأحثى على رأسى ثلاث حثيات فإذا أنا.
قد طهرت» وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك في مجلس جماعة من أصحابه كانوا يتحدثون أمامه في أمر الغسل، وكل يبين ما يعمله .
ثم شرع- سبحانه - في بيان الاعذار التي تبيح التيمم من أجل الطهارة عند العجز عن استعمال الماء فقال-تبارك وتعالى-: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ، أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ والمراد بالمرضى في قوله-تبارك وتعالى- وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى المرض الذي يمنع من استعمال الماء مطلقا كأن يكون استعمال الماء يزيد المرض شدة، أو يبطئ البرء.
وقوله أَوْ عَلى سَفَرٍ في محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله مرضى وليس المراد بالسفر هنا سفر القصر، وإنما المراد السير خارج العمران سواء أوصل المسافر إلى مسافة القصر أم لا، بخلافه في قوله-تبارك وتعالى- في سورة البقرة: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فان المراد به هناك سفر القصر، إنما قيد الأمر هنا بالسفر مع أن المنظور إليه عدم الماء لأن السفر هو الذي يغلب فيه عدم الماء بخلاف الحضر ولو فرض عدم الماء في الحضر وجب التيمم على المحدث عند إرادة الصلاة عند الحنفية والمالكية والشافعية.
وقوله أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ معطوف على ما قبله والغائط: من الغيط وهو المكان المنخفض من الأرض.
وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت أن من يريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس.
وفي إسناد المجيء إلى واحد مبهم من المخاطبين، سمو في التعبير.
حيث تحاشى- سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو يستهجن التصريح به.
وفي ذلك ما فيه من تعليم الناس الأدب في الخطاب، والبعد عن الألفاظ التي تخدش الحياء، ويمجها الذوق السليم.
والمراد بالملامسة في قوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ الجماع: فهو هنا كناية عما يكون بين الرجل والمرأة مما يوجب الاغتسال: وهي كناية قرآنية أراد- سبحانه - أن يعلم الناس منها حسن التعبير، والبعد عن الألفاظ التي تتنافى مع آداب الإسلام وتعاليمه السامية.
وإلى هذا الرأى اتجه كثير من الصحابة، منهم على بن أبى طالب وابن عباس وأبو موسى.
وتبعهم في ذلك كثير من الفقهاء كأبى حنيفة وأبى يوسف وزفر والثوري فقد قالوا: لا وضوء على من مس امرأة سواء أكان المس بشهوة أو بدونها.
واستدلوا بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقبل نساءه ثم يصلّى ولم يتوضأ وكان يقبلهن وهو صائم.
واستدلوا- أيضا- بأن ظاهر مادة المفاعلة يكون في الفعل من الجانبين مقصودا، وذلك إنما يتأتى في الجماع دون اللمس باليد.
وأيضا فإن اللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد إلا أنه قد عهد في القرآن إطلاقه كناية عن الجماع كما في قوله- تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً.
ويرى جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود أن المراد بالملامسة هنا اللمس باليد، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء.
وقد سار الإمام الشافعى على هذا الرأى فقال: إذا مس جسدها فعليه الوضوء سواء أكان المس بشهوة أم بغير شهوة.
ومن أدلته أن اللمس حقيقة في المس باليد، وهو في الجماع مجاز أو كناية ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة ويرى الإمام مالك أن اللمس إن كان بشهوة وتلذذ فعليه الوضوء، وكذا إذا مسته بشهوة وتلذذ، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليهما.
وقد انتصر كل فريق لرأيه بصورة أوسع من ذلك في كتب الفروع.
والذي نراه أولى بالصواب في هذه المسألة ما قاله الإمام مالك- رحمه الله- لأنه بنى رأيه على وجود الشهوة وعدمها.
والفاء في قوله: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله.
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى.
والضمير في قوله: فَلَمْ تَجِدُوا يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس وفيه تغليب للخطاب على الغيبة.
والمراد بعدم الوجدان في قوله هنا فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ما هو أعم من الوجود الحسى أى: أن قوله: «فلم تجدوا ماء» كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشيء المتعذر استعماله هو والمعدوم سواء.
وقوله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً جواب الشرط وهو قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى.
والمعنى: وإن كنتم- أيها المؤمنون- في حالة مرض يحول بينكم وبين استعمال الماء أو كنتم مستقرين على سفر أو كنتم محدثين حدثا أصغر أو أكبر، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء تستعملونه لطهارتكم، ولأداء ما كلفكم الله به من تكاليف، أو وجدتموه ولكن منعكم مانع من استعماله، أو كنتم في حاجة ماسة إليه، فعليكم في هذه الأحوال أن تتيمموا صعيدا طيبا بدلا من الماء، فإن الله-تبارك وتعالى- ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
ومنهم من يرى أن الضمير في قوله: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً يعود إلى الجميع ما عدا المرضى، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله.
وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان، عدم الوجدان الحسى.
والتيمم لغة القصد.
يقال تيممت الشيء إذا قصدته.
ويطلق في الشرع على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به.
وأما الصعيد- بوزن فعيل- فيطلق على وجه الأرض البارز ترابا كان أو غيره.
وقيل يطلق على التراب فحسب.
والطيب: الطاهر الذي لم تلوثه نجاسة ولا قذر.
وقوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ بيان لكيفية التيمم.
أى: إذا لم تجدوا ماء للتطهر به، أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله، فاقصدوا ترابا طاهرا فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم.
وقد استدل بعض الفقهاء بقوله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً على أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطاهر، لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب.
ويرى بعض آخر أن التيمم يجوز بالتراب وبالحجر وبما ماثله من كل ما كان من جنس الأرض.
متى كان طاهرا.
قالوا: لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض.
وهذه الصفة لا تختص بالتراب.
قال القرطبي- بعد أن ذكر آراء الفقهاء في ذلك- «وإذا تقرر هذا فاعلم أن مكان الإجماع فيما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب طاهر غير منقول ولا مغصوب.
ومكان الإجماع في المنع أن يتيمم الرجل على الذهب والصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما أو على النجاسات واختلف في غير هذا كالمعادن، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره» .
كما استدل الأحناف والشافعية بقوله-تبارك وتعالى- فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ على أن التيمم المطلوب شرعا هو استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهير.
والعضوان هما الوجه واليدان إلى المرفقين، فقد جاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «التيمم ضربتان ضربة للوجه.
وضربة للذراعين إلى المرفقين» .
ويرى الحنابلة والمالكية أن العضوين هما الوجه واليدين إلى الرسغين.
هذا، وقد تكلمنا عن هذه المسألة وغيرها بصورة أوسع عند تفسيرنا لقوله-تبارك وتعالى- في سورة النساء:وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ .
ثم ختم- سبحانه - الآية الكريمة ببيان بعض مظاهر رحمته بعباده، ورعايته لمصالحهم فقال- تعالى ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أى: ما يريد الله-تبارك وتعالى- بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة ومن الغسل بعد الجنابة، ومن الأمر بالتيمم عند وجود أسبابه، ما يريد- سبحانه - بذلك لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ أى ضيق ومشقة وعسر، ولكن يريد بذلك ليطهركم.
أى: ليطهر نفوسكم من الأرجاس الحسية والمعنوية وليزيل عنها ما علق بها من ذنوب وأوساخ، ويريد بذلك أيضا لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بما شرع لكم من أحكام ميسرة ومن آداب عالية، ومن تكاليف جليلة لكي تشكروه على نعمه وإحسانه وتشريعاته، لأنكم متى شكرتم زادكم من فضله ومننه.
وعبر- سبحانه - عن نفى الحرج بنفي إرادته، مبالغة في بيان رأفته- سبحانه - بعباده، ورعايته لمصالحهم.
فكأنه- سبحانه - يقول: ما كان من شأن الله-تبارك وتعالى- مع عباده أن يشرع لهم ما فيه مشقة أو حرج.
وقوله لِيَجْعَلَ يحتمل أن يكون الجعل بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى لواحد وهو قوله:مِنْ حَرَجٍ وتكون مِنَ زائدة لتأكيد النفي وقوله عَلَيْكُمْ متعلق بالجعل.
ويحتمل أن يكون بمعنى التصيير فيكون قوله عَلَيْكُمْ هو المفعول الثاني، وقوله: وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ استدراك قصد به بيان بعض مظاهر رحمته- سبحانه - بالمؤمنين ومحبته لسعادتهم ولتزكية نفوسهم وتطهيرها من الذنوب والأدران كما قصد به حضهم على مداومة شكره حتى يزيدهم من فضله.
وقريب من معنى هذه الجملة قوله-تبارك وتعالى- يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ .
وقوله-تبارك وتعالى- وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وقوله تعالى- يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً .
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما أرادوا الدخول في الصلاة، وما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما كانوا جنبا، وما يجب أن يفعلوه إذا ما فقدوا الماء أو عجزوا عن استعماله وكانوا يريدون الطهارة أو أداء ما عليهم من تكاليف، كما بينت لهم حكمة الله في تشريعاته لهم، ورعايته لمصالحهم حتى يشكروه على نعمه فيزيدهم منها.
قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرونفيه اثنتا وثلاثون مسألة :الأولى : ذكر القشيري وابن عطية أن هذه الآية نزلت في قصة عائشة حين فقدت العقد في غزوة المريسيع ، وهي آية الوضوء .
قال ابن عطية : لكن من حيث كان الوضوء متقررا عندهم مستعملا ، فكان الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوته ، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم ، وقد ذكرنا في آية " النساء " خلاف هذا ، والله أعلم .
ومضمون هذه الآية داخل فيما أمر به من الوفاء بالعقود وأحكام الشرع ، وفيما ذكر من إتمام النعمة ; فإن هذه الرخصة من إتمام النعم .
الثانية : واختلف العلماء في المعنى المراد بقوله : إذا قمتم إلى الصلاة على أقوال ; فقالت طائفة : هذا لفظ عام في كل قيام إلى الصلاة ، سواء كان القائم متطهرا أو محدثا ; فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ ، وكان علي يفعله ويتلو هذه الآية ; ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده ، وروي مثله عن عكرمة ، وقال ابن سيرين : كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة .
قلت : فالآية على هذا محكمة لا نسخ فيها ، وقالت طائفة : الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ; قال عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه ; فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث ، وقال علقمة بن الفغواء عن أبيه - وهو من الصحابة ، وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك : نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأنه كان لا يعمل عملا إلا وهو على وضوء ، ولا يكلم أحدا ولا يرد سلاما إلى غير ذلك ; فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو للقيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال ، وقالت طائفة : المراد بالآية الوضوء لكل صلاة طلبا للفضل ; وحملوا الأمر على الندب ، وكان كثير من الصحابة منهم ابن عمر يتوضئون لكل صلاة طلبا للفضل ، وكان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد ، إرادة البيان لأمته صلى الله عليه وسلم .
قلت : وظاهر هذا القول أن الوضوء لكل صلاة قبل ورود الناسخ كان مستحبا لا إيجابا وليس كذلك ; فإن الأمر إذا ورد ، مقتضاه الوجوب ; لا سيما عند الصحابة رضوان الله عليهم ، على ما هو معروف من سيرتهم ، وقال آخرون : إن الفرض في كل وضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة ; وهذا غلط لحديث أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة ، وإن أمته كانت على خلاف ذلك ، وسيأتي ; ولحديث سويد بن النعمان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو بالصهباء العصر والمغرب بوضوء واحد ; وذلك في غزوة خيبر ، وهي سنة ست ، وقيل : سنة سبع ، وفتح مكة كان في سنة ثمان ; وهو حديث صحيح رواه مالك في موطئه ، وأخرجه البخاري ومسلم ; فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة .
فإن قيل : فقد روى مسلم عن بريدة بن الحصيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة ، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد ، ومسح على خفيه ، فقال عمر رضي الله عنه : لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه ; فقال : ( عمدا صنعته يا عمر ) .
فلم سأله عمر واستفهمه ؟ قيل له : إنما سأله لمخالفته عادته منذ صلاته بخيبر ; والله أعلم .
وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا وغير طاهر ; قال حميد : قلت لأنس : وكيف كنتم تصنعون أنتم ؟ قال : كنا نتوضأ وضوءا واحدا ; قال : حديث حسن صحيح ; وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الوضوء على الوضوء نور فكان عليه السلام يتوضأ مجددا لكل صلاة ، وقد سلم عليه رجل وهو يبول فلم يرد عليه حتى تيمم ثم رد السلام وقال : إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر رواه الدارقطني ، وقال السدي وزيد بن أسلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة يريد من المضاجع يعني النوم ، والقصد بهذا التأويل أن يعم الأحداث بالذكر ، ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو حدث في نفسه أم لا ؟ وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير ; التقدير : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم ، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء - يعني الملامسة الصغرى - فاغسلوا ; فتمت أحكام المحدث حدثا أصغر .
ثم قال : وإن كنتم جنبا فاطهروا فهذا حكم نوع آخر ; ثم قال للنوعين جميعا : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا .
وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك - رحمه الله - وغيره ، وقال جمهور أهل العلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ; وليس في الآية على هذا تقديم وتأخير ، بل ترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله : فاطهروا ودخلت الملامسة الصغرى في قوله " محدثين " .
ثم ذكر بعد قوله : وإن كنتم جنبا فاطهروا حكم عادم الماء من النوعين جميعا ، وكانت الملامسة هي الجماع ، ولا بد أن يذكر الجنب العادم الماء كما ذكر الواجد ; وهذا تأويل الشافعي وغيره ; وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهم .
قلت : وهذان التأويلان أحسن ما قيل في الآية ; والله أعلم ، ومعنى إذا قمتم إذا أردتم ، كما قال تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ ، أي : إذا أردت ; لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن .
الثالثة : قوله تعالى : الصلاة فاغسلوا وجوهكم ذكر تعالى أربعة أعضاء : الوجه وفرضه الغسل واليدين كذلك والرأس وفرضه المسح اتفاقا واختلف في الرجلين على ما يأتي ، لم يذكر سواها فدل ذلك على أن ما عداها آداب وسنن ، والله أعلم ، ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه ، وإمرار اليد عليه ; وهذه حقيقة الغسل عندنا ، وقد بيناه في " النساء " ، وقال غيرنا : إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دلك بيده ; ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء وغمس وجهه أو يده ولم يدلك يقال : غسل وجهه ويده ، ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الاسم ، فإذا حصل كفى ، والوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة ، وهو عضو مشتمل على أعضاء وله طول وعرض ; فحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين ، ومن الأذن إلى الأذن في العرض ، وهذا في الأمرد ; وأما الملتحي فإذا اكتسى الذقن بالشعر فلا يخلو أن يكون خفيفا أو كثيفا ; فإن كان الأول بحيث تبين منه البشرة فلا بد من إيصال الماء إليها ، وإن كان كثيفا فقد انتقل الفرض إليه كشعر الرأس ; ثم ما زاد على الذقن من الشعر واسترسل من اللحية ، فقال سحنون عن ابن القاسم : سمعت مالكا سئل : هل سمعت بعض أهل العلم يقول إن اللحية من الوجه فليمر عليها الماء ؟ قال : نعم ، وتخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس ، وعاب ذلك على من فعله ، وذكر ابن القاسم أيضا عن مالك قال : يحرك المتوضئ ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها ; قال : وهي مثل أصابع الرجلين .
قال ابن عبد الحكم : تخليل اللحية واجب في الوضوء والغسل .
قال أبو عمر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته في الوضوء من وجوه كلها ضعيفة .
وذكر ابن خويز منداد : أن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء ، إلا شيء روي عن سعيد بن جبير ; قوله : ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها ، وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية ؟ قال الطحاوي : التيمم واجب فيه مسح البشرة قبل نبات الشعر في الوجه ثم سقط بعده عند جميعهم .
فكذلك الوضوء .
قال أبو عمر : من جعل غسل اللحية كلها واجبا جعلها وجها ; لأن الوجه مأخوذ من المواجهة ، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخص صاحب لحية من أمرد ; فوجب غسلها بظاهر القرآن لأنها بدل من البشرة .
قلت : واختار هذا القول ابن العربي وقال : وبه أقول ; لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل لحيته ، خرجه الترمذي وغيره ; فعين المحتمل بالفعل ، وحكى ابن المنذر عن إسحاق أن من ترك تخليل لحيته عامدا أعاد ، وروى الترمذي عن عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته ; قال : هذا حديث حسن صحيح ; قال أبو عمر : ومن لم يوجب غسل ما انسدل من اللحية ذهب إلى أن الأصل المأمور بغسله البشرة ، فوجب غسل ما ظهر فوق البشرة ، وما انسدل من اللحية ليس تحته ما يلزم غسله ، فيكون غسل اللحية بدلا منه ، واختلفوا أيضا في غسل ما وراء العذار إلى الأذن ; فروى ابن وهب عن مالك قال : ليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الذقن من الوجه .
قال أبو عمر : لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : البياض بين العذار والأذن من الوجه ، وغسله واجب ; ونحوه قال الشافعي وأحمد ، وقيل : يغسل البياض استحبابا ; قال ابن العربي : والصحيح عندي أنه لا يلزم غسله إلا للأمرد لا للمعذر .
قلت : وهو اختيار القاضي عبد الوهاب ; وسبب الخلاف هل تقع عليه المواجهة أم لا ؟ والله أعلم ، وبسبب هذا الاحتمال اختلفوا هل يتناول الأمر بغسل الوجه باطن الأنف والفم أم لا ؟ فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهما إلى وجوب ذلك في الوضوء والغسل ، إلا أن أحمد قال : يعيد من ترك الاستنشاق في وضوئه ولا يعيد من ترك المضمضة ، وقال عامة الفقهاء : هما سنتان في الوضوء والغسل ; لأن الأمر إنما يتناول الظاهر دون الباطن ، والعرب لا تسمي وجها إلا ما وقعت به المواجهة ، ثم إن الله تعالى لم يذكرهما في كتابه ، ولا أوجبهما المسلمون ، ولا اتفق الجميع عليه ; والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه ، وقد مضى هذا المعنى في " النساء " ، وأما العينان فالناس كلهم مجمعون على أن داخل العينين لا يلزم غسله ، إلا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه ; وإنما سقط غسلهما للتأذي بذلك والحرج به ; قال ابن العربي : ولذلك كان عبد الله بن عمر لما عمي يغسل عينيه إذ كان لا يتأذى بذلك ; وإذا تقرر هذا من حكم الوجه فلا بد من غسل جزء من الرأس مع الوجه من غير تحديد ، كما لا بد على القول بوجوب عموم الرأس من مسح جزء معه من الوجه لا يتقدر ; وهذا ينبني على أصل من أصول الفقه وهو : " أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب مثله " والله أعلم .
الرابعة : وجمهور العلماء على أن الوضوء لا بد فيه من نية ; لقوله عليه السلام : إنما الأعمال بالنيات .
قال البخاري : فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام ; وقال الله تعالى : قل كل يعمل على شاكلته ، يعني على نيته .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ولكن جهاد ونية ، وقال كثير من الشافعية : لا حاجة إلى نية ; وهو قول الحنفية ; قالوا : لا تجب النية إلا في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سببا لغيرها ، فأما ما كان شرطا لصحة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر إلا بدلالة تقارنه ، والطهارة شرط ; فإن من لا صلاة عليه لا يجب عليه فرض الطهارة ، كالحائض والنفساء .
احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل ; لأن الفرض من قبل الله تعالى فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به ; فإذا قلنا : إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى ، ومعلوم أن الذي اغتسل تبردا أو لغرض ما ، قصد أداء الواجب ; وصح في الحديث أن الوضوء يكفر ; فلو صح بغير نية لما كفر ، وقال تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدينالخامسة : قال ابن العربي ، قال بعض علمائنا : إن من خرج إلى النهر بنية الغسل أجزأه ، وإن عزبت نيته في الطريق ، ولو خرج إلى الحمام فعزبت في أثناء الطريق بطلت النية .
قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه : فركب على هذا سفاسفة المفتين أن نية الصلاة تتخرج على القولين ، وأوردوا فيها نصا عمن لا يفرق بين الظن واليقين بأنه قال : يجوز أن تتقدم فيها النية على التكبير ; ويا لله ويا للعالمين من أمة أرادت أن تكون مفتية مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها! اعلموا رحمكم الله أن النية في الوضوء مختلف في وجوبها بين العلماء ، وقد اختلف فيها قول مالك ; فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح في تقديمها في بعض المواضع ، فأما الصلاة فلم يختلف أحد من الأئمة فيها ، وهي أصل مقصود ، فكيف يحمل الأصل المقصود المتفق عليه على الفرع التابع المختلف فيه ! هل هذا إلا غاية الغباوة ؟ وأما الصوم فإن الشرع رفع الحرج فيه لما كان ابتداؤه في وقت الغفلة بتقديم النية عليه .
السادسة : قوله تعالى : وأيديكم إلى المرافق واختلف الناس في دخول المرافق في التحديد ; فقال قوم : نعم ; لأن ما بعد ( إلى ) إذا كان من نوع ما قبلها دخل فيه ; قال سيبويه وغيره ، وقد مضى هذا في " البقرة " مبينا ، وقيل : لا يدخل المرفقان في الغسل ; والروايتان مرويتان عن مالك ; الثانية لأشهب ; والأولى عليها أكثر العلماء وهو الصحيح ; لما رواه الدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ، وقد قال بعضهم : إن إلى بمعنى مع ، كقولهم : الذود إلى الذود إبل ، أي : مع الذود ، وهذا لا يحتاج إليه كما بيناه في " النساء " ; ولأن اليد عند العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكتف ، وكذلك الرجل تقع على الأصابع إلى أصل الفخذ ; فالمرفق داخل تحت اسم اليد ، فلو كان المعنى مع المرافق لم يفد ، فلما قال : إلى اقتطع من حد المرافق عن الغسل ، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر ، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى ; قال ابن العربي : وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمد فإنه قال : إن قوله إلى المرافق حد للمتروك من اليدين لا للمغسول فيهما ; ولذلك تدخل المرافق في الغسل .
قلت : ولما كان اليد والرجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطه وساقه ويقول : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء .
قال القاضي عياض : والناس مجمعون على خلاف هذا ، وألا يتعدى بالوضوء حدوده ; لقوله عليه السلام : فمن زاد فقد تعدى وظلم .
وقال غيره : كان هذا الفعل مذهبا له ومما انفرد به ، ولم يحكه عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما استنبطه من قوله عليه السلام : أنتم الغر المحجلون ومن قوله : تبلغ الحلية كما ذكر .
السابعة : قوله تعالى : وامسحوا برءوسكم تقدم في " النساء " أن المسح لفظ مشترك ، وأما الرأس فهو عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة ومنها الوجه ، فلما ذكره الله عز وجل في الوضوء وعين الوجه للغسل بقي باقيه للمسح ، ولو لم يذكر الغسل للزم مسح جميعه ، ما عليه شعر من الرأس وما فيه العينان والأنف والفم ; وقد أشار مالك في وجوب مسح الرأس إلى ما ذكرناه ; فإنه سئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء فقال : أرأيت إن ترك غسل بعض وجهه أكان يجزئه ؟ ووضح بهذا الذي ذكرناه أن الأذنين من الرأس ، وأن حكمهما حكم الرأس خلافا للزهري ، حيث قال : هما من الوجه يغسلان معه ، وخلافا للشعبي ، حيث قال : ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس ; وهو قول الحسن وإسحاق ، وحكاه ابن أبي هريرة عن الشافعي ، وسيأتي بيان حجتهما ; وإنما سمي الرأس رأسا لعلوه ونبات الشعر فيه ، ومنه رأس الجبل ; وإنما قلنا إن الرأس اسم لجملة أعضاء لقول الشاعر :إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري وغودر عند الملتقى ثم سائريالثامنة : واختلف العلماء في تقدير مسحه على أحد عشر قولا ; ثلاثة لأبي حنيفة ، وقولان للشافعي ، وستة أقوال لعلمائنا ; والصحيح منها واحد وهو وجوب التعميم لما ذكرناه .
وأجمع العلماء على أن من مسح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه ; والباء مؤكدة زائدة ليست للتبعيض : والمعنى وامسحوا رءوسكم ، وقيل : دخولها هنا كدخولها في التيمم في قوله : فامسحوا بوجوهكم فلو كان معناها التبعيض لأفادته في ذلك الموضع ، وهذا قاطع .
وقيل : إنما دخلت لتفيد معنى بديعا وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به ، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به ; فلو قال : وامسحوا رءوسكم لأجزأ المسح باليد إمرارا من غير شيء على الرأس ; فدخلت الباء لتفيد ممسوحا به وهو الماء ، فكأنه قال : وامسحوا برءوسكم الماء ; وذلك فصيح في اللغة على وجهين ; إما على القلب كما أنشد سيبويه : ( وهو الشاعر الخفاف بن ندبة السلمي )كنواح ريش حمامة نجدية ومسحت باللثتين عصف الإثمدواللثة هي الممسوحة بعصف الإثمد فقلب ، وأما على الاشتراك في الفعل والتساوي في نسبته كقول الشاعر : ( هو الأخطل )مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوءاتهم هجرفهذا ما لعلمائنا في معنى الباء ، وقال الشافعي : احتمل قول الله تعالى : وامسحوا برءوسكم بعض الرأس ومسح جميعه فدلت السنة أن مسح بعضه يجزئ ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته ; وقال في موضع آخر : فإن قيل قد قال الله عز وجل : فامسحوا بوجوهكم في التيمم أيجزئ بعض الوجه فيه ؟ قيل له : مسح الوجه في التيمم بدل من غسله ; فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه ، ومسح الرأس أصل ; فهذا فرق ما بينهما .
أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا : لعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر لا سيما وكان هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم في السفر وهو مظنة الأعذار ، وموضع الاستعجال والاختصار ، وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقات والأخطار ; ثم هو لم يكتف بالناصية حتى مسح على العمامة ; أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة ; فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجبا لما مسح على العمامة ; والله أعلم .
التاسعة : وجمهور العلماء على أن مسحة واحدة موعبة كاملة تجزئ ، وقال الشافعي : يمسح رأسه ثلاثا ; وروي عن أنس وسعيد بن جبير وعطاء ، وكان ابن سيرين يمسح مرتين .
قال أبو داود : وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة ; فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا ، قالوا فيها : ومسح برأسه ولم يذكروا عددا .
العاشرة : واختلفوا من أين يبدأ بمسحه ; فقال مالك : يبدأ بمقدم رأسه ، ثم يذهب بيديه إلى مؤخره ، ثم يردهما إلى مقدمه ; على حديث عبد الله بن زيد أخرجه مسلم ; وبه يقول الشافعي وابن حنبل ، وكان الحسن بن حي يقول : يبدأ بمؤخر الرأس ; على حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء ; وهو حديث يختلف في ألفاظه ، وهو يدور على عبد الله بن محمد بن عقيل وليس بالحافظ عندهم ; أخرجه أبو داود من رواية بشر بن المفضل عن عبد الله عن الربيع ، وروى ابن عجلان عنه عن الربيع : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ عندنا فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية بمنصب الشعر ، لا يحرك الشعر عن هيئته ; ورويت هذه الصفة عن ابن عمر ، وأنه كان يبدأ من وسط رأسه ، وأصح ما في هذا الباب حديث عبد الله بن زيد ; وكل من أجاز بعض الرأس فإنما يرى ذلك البعض في مقدم الرأس .
وروي عن إبراهيم والشعبي أنهما قالا : أي نواحي رأسك مسحت أجزأ عنك ، ومسح عمر اليافوخ فقط ، والإجماع منعقد على استحسان المسح باليدين معا ، وعلى الإجزاء إن مسح بيد واحدة ، واختلف فيمن مسح بإصبع واحدة حتى عم ما يرى أنه يجزئه من الرأس ; فالمشهور أن ذلك يجزئ ، وهو قول سفيان الثوري ; قال سفيان : إن مسح رأسه بإصبع واحدة أجزأه ، وقيل : إن ذلك لا يجزئ ; لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه لعب ، إلا أن يكون ذلك عن ضرورة مرض فينبغي ألا يختلف في الإجزاء .
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : لا يجزئ مسح الرأس بأقل من ثلاثة أصابع ; واختلفوا في رد اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أو سنة - بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرض بالقرآن - فالجمهور على أنه سنة ، وقيل : هو فرض .
الحادية عشرة : فلو غسل متوضئ رأسه بدل المسح فقال ابن العربي : لا نعلم خلافا أن ذلك يجزئه ، إلا ما أخبرنا الإمام فخر الإسلام الشاشي في الدرس عن أبي العباس بن القاص من أصحابهم قال : لا يجزئه ، وهذا تولج في مذهب الداودية الفاسد من اتباع الظاهر المبطل للشريعة الذي ذمه الله في قوله : يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وقال تعالى : أم بظاهر من القول وإلا فقد جاء هذا الغاسل بما أمر وزيادة .
فإن قيل : هذه زيادة خرجت عن اللفظ المتعبد به ; قلنا : ولم يخرج عن معناه في إيصال الفعل إلى المحل ; وكذلك لو مسح رأسه ثم حلقه لم يكن عليه إعادة المسح .
الثانية عشرة : وأما الأذنان فهما من الرأس عند مالك وأحمد والثوري وأبي حنيفة وغيرهم ، ثم اختلفوا في تجديد الماء ; فقال مالك وأحمد : يستأنف لهما ماء جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس ، على ما فعل ابن عمر ; وهكذا قال الشافعي في تجديد الماء ، وقال : هما سنة على حالهما لا من الوجه ولا من الرأس ; لاتفاق العلماء على أنه لا يحلق ما عليهما من الشعر في الحج ; وقول أبي ثور في هذا كقول الشافعي ، وقال الثوري وأبو حنيفة : يمسحان مع الرأس بماء واحد ; وروي عن جماعة من السلف مثل هذا القول من الصحابة والتابعين ، وقال داود : إن مسح أذنيه فحسن ، وإلا فلا شيء عليه ; إذ ليستا مذكورتين في القرآن .
قيل له : اسم الرأس تضمنهما كما بيناه ، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في كتاب النسائي وأبي داود وغيرهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ظاهرهما وباطنهما ، وأدخل أصابعه في صماخيه ، وإنما يدل عدم ذكرهما من الكتاب على أنهما ليستا بفرض كغسل الوجه واليدين ، وثبتت سنة مسحهما بالسنة ، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق فإنه قال : إن ترك مسح أذنيه لم يجزه ، وقال أحمد : إن تركهما عمدا أحببت أن يعيد ، وروي عن علي بن زياد من أصحاب مالك أنه قال : من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدا أعاد ; وهذا عند الفقهاء ضعيف ، وليس لقائله سلف ولا له حظ من النظر ، ولو كان كذلك لم يعرف الفرض الواجب من غيره ; والله أعلم .
احتج من قال : هما من الوجه بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده : سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فأضاف السمع إلى الوجه فثبت أن يكون لهما حكم الوجه ، وفي مصنف أبي داود من حديث عثمان : فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة ، ثم غسل رجليه ثم قال : أين السائلون عن الوضوء ؟ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ .
احتج من قال : يغسل ظاهرهما مع الوجه ، وباطنهما يمسح مع الرأس بأن الله عز وجل قد أمر بغسل الوجه وأمر بمسح الرأس ; فما واجهك من الأذنين وجب غسله ; لأنه من الوجه وما لم يواجهك وجب مسحه لأنه من الرأس ، وهذا ترده الآثار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما من حديث علي وعثمان وابن عباس والربيع وغيرهم .
احتج من قال : هما من الرأس بقوله صلى الله عليه وسلم من حديث الصنابحي : ( فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ) الحديث أخرجه مالك .
الثالثة عشرة : قوله تعالى : " وأرجلكم " قرأ نافع وابن عامر والكسائي " وأرجلكم " بالنصب ; وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ " وأرجلكم " بالرفع وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان ; وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة " وأرجلكم " بالخفض وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون ; فمن قرأ بالنصب جعل العام " اغسلوا " وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح ، وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء ، وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، واللازم من قوله في غير ما حديث ، وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء .
ثم إن الله حدهما فقال : إلى الكعبين كما قال في اليدين إلى المرافق فدل على وجوب غسلهما ; والله أعلم .
ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء ، قال ابن العربي : اتفقت العلماء على وجوب غسلهما ، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين ، والرافضة من غيرهم ، وتعلق الطبري بقراءة الخفض .
قلت : قد روي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان ، وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال : اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ، فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه ، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما .
فسمع ذلك أنس بن مالك فقال : صدق الله وكذب الحجاج ; قال الله تعالى : وامسحوا برءوسكم وأرجلكم .
قال : وكان إذا مسح رجليه بلهما ، وروي عن أنس أيضا أنه قال : نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل ، وكان عكرمة يمسح رجليه وقال : ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح ، وقال عامر الشعبي : نزل جبريل بالمسح ; ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلا ، ويلغى ما كان مسحا ، وقال قتادة : افترض الله غسلتين ومسحتين ، وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح ، وجعل القراءتين كالروايتين ; قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه أن المسح والغسل واجبان جميعا ، فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض ، والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب ، والقراءتان بمنزلة آيتين .
قال ابن عطية : وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرجلين هو الغسل .
قلت : وهو الصحيح ; فإن لفظ المسح مشترك ، يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل ; قال الهروي : أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الداري عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال : المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا ، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه : قد تمسح ; ويقال : مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب ، فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل فترجح قول من قال : إن المراد بقراءة الخفض الغسل ; بقراءة النصب التي لا احتمال فيها ، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغسل ، والتوعد على ترك غسلها في أخبار صحاح لا تحصى كثرة أخرجها الأئمة ; ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرجلين ، التقدير فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم ; فلما كان الرأس مفعولا قبل الرجلين قدم عليهما في التلاوة - والله أعلم - لا أنهما مشتركان مع الرأس لتقدمه عليهما في صفة التطهير ، وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قرأ الحسن والحسين - رحمة الله عليهما - علي ( وأرجلكم ) فسمع علي ذلك وكان يقضي بين الناس فقال : ( وأرجلكم ) هذا من المقدم والمؤخر من الكلام ، وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال : اغسلوا الأقدام إلى الكعبين ، وكذا روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرآ ( وأرجلكم ) بالنصب ، وقد قيل : إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدا لمسحهما لكن إذا كان عليهما خفان ، وتلقينا هذا القيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان ، فبين صلى الله عليه وسلم بفعله الحال التي تغسل فيه الرجل والحال التي تمسح فيه ، وهذا حسن .
فإن قيل : إن المسح على الخفين منسوخ بسورة ( المائدة ) - وقد قاله ابن عباس ، ورد المسح أبو هريرة وعائشة ، وأنكره مالك في رواية عنه - فالجواب أن من نفى شيئا وأثبته غيره فلا حجة للنافي ، وقد أثبت المسح على الخفين عدد كثير من الصحابة وغيرهم ، وقد قال الحسن : حدثني سبعون رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين ; وقد ثبت بالنقل الصحيح عن همام قال : بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه ; قال إبراهيم النخعي : وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه ، قال إبراهيم النخعي : كان يعجبهم هذا الحديث ; لأن إسلام جرير كان بعد نزول ( المائدة ) وهذا نص يرد ما ذكروه وما احتجوا به من رواية الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن جريرا أسلم في ستة عشر من شهر رمضان ، وأن ( المائدة ) نزلت في ذي الحجة يوم عرفات ، وهذا حديث لا يثبت لوهاه ; وإنما نزل منها يوم عرفة اليوم أكملت لكم دينكم على ما تقدم ; قال أحمد بن حنبل : أنا أستحسن حديث جرير في المسح على الخفين ; لأن إسلامه كان بعد نزول ( المائدة ) وأما ما روي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما فلا يصح ، أما عائشة فلم يكن عندها بذلك علم ; ولذلك ردت السائل إلى علي رضي الله عنه وأحالته عليه فقالت : سله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ; الحديث ، وأما مالك فما روي عنه من الإنكار فهو منكر لا يصح ، والصحيح ما قاله عند موته لابن نافع قال : إني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح مقصرا فيما يجب عليه ، وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل ما رواه ابن وهب عنه أنه قال : لا أمسح في حضر ولا سفر .
قال أحمد : كما روي عن ابن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ وقال : حبب إلي الوضوء ; ونحوه عن أبي أيوب ، وقال أحمد رضي الله عنه : فمن ترك ذلك على نحو ما تركه ابن عمر وأبو أيوب ومالك لم أنكره عليه ، وصلينا خلفه ولم نعبه ، إلا أن يترك ذلك ولا يراه كما صنع أهل البدع ، فلا يصلى خلفه ، والله أعلم ، وقد قيل : إن قوله ( وأرجلكم ) معطوف على اللفظ دون المعنى ، وهذا أيضا يدل على الغسل فإن المراعى المعنى لا اللفظ ، وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب ; وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى : يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس بالجر لأن النحاس الدخان ، وقال : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ بالجر .
قال امرؤ القيس :كأن أبانا في أفانين ودقه كبير أناس في بجاد مزملفخفض مزمل بالجوار ، وإن المزمل الرجل وإعرابه الرفع ; قال زهير :لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوافي المور والقطرقال أبو حاتم : كان الوجه ( القطر ) بالرفع ولكنه جره على جوار المور ; كما قالت العرب : هذا جحر ضب خرب ; فجروه وإنما هو رفع ، وهذا مذهب الأخفش وأبي عبيدة ورده النحاس وقال : هذا القول غلط عظيم ; لأن الجوار لا يكون في الكلام أن يقاس عليه ، وإنما هو غلط ونظيره الإقواء .
قلت : والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه ، وما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار فخوفنا بذكر النار على مخالفة مراد الله عز وجل ، ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب ، ومعلوم أن المسح ليس شأنه الاستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما ، فتبين بهذا الحديث بطلان قول من قال بالمسح ، إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم ، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح ، ودليل آخر من جهة الإجماع ; وذلك أنهم اتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب عليه ، واختلفوا فيمن مسح قدميه ; فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه ، ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما ; وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه ، فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعني فيها الغسل لا المسح كما ذكرنا ، وأن العامل في قوله وأرجلكم قوله : فاغسلوا والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما تقول : أكلت الخبز واللبن أي : وشربت اللبن ; ومنه قول الشاعر :علفتها تبنا وماء بارداوقال آخر :ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحاوقال آخر :وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامهاوقال آخر :شراب ألبان وتمر وأقطالتقدير : علفتها تبنا وسقيتها ماء ، ومتقلدا سيفا وحاملا رمحا ، وأطفلت بالجلهتين ظباؤها وفرخت نعامها ; والنعام لا يطفل إنما يفرخ ، وأطفلت كان لها أطفال ، والجلهتان جنبتا الوادي ، وشراب ألبان وآكل تمر ; فيكون قوله : وامسحوا برءوسكم وأرجلكم عطف بالغسل على المسح حملا على المعنى والمراد الغسل ; والله أعلم .
الرابعة عشرة : قوله تعالى : إلى الكعبين روى البخاري : حدثني موسى قال أنبأنا وهيب عن عمرو - هو ابن يحيى - عن أبيه قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بتور من ماء ، فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ; فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثا ، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات ، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا ، ثم أدخل يديه فغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ، ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة ، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ; فهذا الحديث دليل على أن الباء في قوله وامسحوا برءوسكم زائدة لقوله : فمسح رأسه ولم يقل برأسه ، وأن مسح الرأس مرة ، وقد جاء مبينا في كتاب مسلم من حديث عبد الله بن زيد في تفسير قوله : فأقبل بهما وأدبر ، وبدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ، واختلف العلماء في الكعبين فالجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبي الرجل ، وأنكر الأصمعي قول الناس : إن الكعب في ظهر القدم ; قاله في ( الصحاح ) وروي عن ابن القاسم ، وبه قال محمد بن الحسن ; قال ابن عطية : ولا أعلم أحدا جعل حد الوضوء إلى هذا ، ولكن عبد الوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه تخليط وإيهام ; وقال الشافعي رحمه الله : لم أعلم مخالفا في أن الكعبين هما العظمان في مجمع مفصل الساق ; وروى الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك قال : الكعبان اللذان يجب الوضوء إليهما هما العظمان الملتصقان بالساق المحاذيان للعقب ، وليس الكعب بالظاهر في وجه القدم .
قلت : هذا هو الصحيح لغة وسنة فإن الكعب في كلام العرب مأخوذ من العلو ومنه سميت الكعبة ; وكعبت المرأة إذا فلك ثديها ، وكعب القناة أنبوبها ، وأنبوب ما بين كل عقدتين كعب ، وقد يستعمل في الشرف والمجد تشبيها ، ومنه الحديث : والله لا يزال كعبك عاليا ، وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو دواد عن النعمان بن بشير والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم ، قال : فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه ، وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه والعقب هو مؤخر الرجل تحت العرقوب ، والعرقوب هو مجمع مفصل الساق والقدم ، ومنه الحديث ويل للعراقيب من النار يعني إذا لم تغسل ; كما قال : ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار .
الخامسة عشرة : قال ابن وهب عن مالك : ليس على أحد تخليل أصابع رجليه في الوضوء ولا في الغسل ، ولا خير في الجفاء والغلو ; قال ابن وهب : تخليل أصابع الرجلين مرغب فيه ولا بد من ذلك في أصابع اليدين ; وقال ابن القاسم عن مالك : من لم يخلل أصابع رجليه فلا شيء عليه ، وقال محمد بن خالد عن ابن القاسم عن مالك فيمن توضأ على نهر فحرك رجليه : إنه لا يجزئه حتى يغسلهما بيديه ; قال ابن القاسم : وإن قدر على غسل إحداهما بالأخرى أجزأه .
قلت : الصحيح أنه لا يجزئه فيهما إلا غسل ما بينهما كسائر الرجل إذ ذلك من الرجل ، كما أن ما بين أصابع اليد من اليد ، ولا اعتبار بانفراج أصابع اليدين وانضمام أصابع الرجلين ، فإن الإنسان مأمور بغسل الرجل جميعها كما هو مأمور بغسل اليد جميعها ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره ، مع ما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل رجليه ; وهذا يقتضي العموم .
وقد كان مالك رحمه الله في آخر عمره يدلك أصابع رجليه بخنصره أو ببعض أصابعه لحديث حدثه به ابن وهب عن ابن لهيعة والليث بن سعد عن يزيد بن عمرو الغفاري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فيخلل بخنصره ما بين أصابع رجليه ; قال ابن وهب ، فقال لي مالك : إن هذا لحسن ، وما سمعته قط إلا الساعة ; قال ابن وهب : وسمعته سئل بعد ذلك عن تخليل الأصابع في الوضوء فأمر به ، وقد روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خللوا بين الأصابع لا تخللها النار وهذا نص في الوعيد على ترك التخليل ; فثبت ما قلناه ، والله الموفق .
السادسة عشرة : ألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء ، وهي إتباع المتوضئ الفعل الفعل إلى آخره من غير تراخ بين أبعاضه ، ولا فصل بفعل ليس منه ; واختلف العلماء في ذلك ; فقال ابن أبي سلمة وابن وهب : ذلك من فروض الوضوء في الذكر والنسيان ، فمن فرق بين أعضاء وضوئه متعمدا أو ناسيا لم يجزه ، وقال ابن عبد الحكم : يجزئه ناسيا ومتعمدا ، وقال مالك في " المدونة " وكتاب محمد : إن الموالاة ساقطة ; وبه قال الشافعي ، وقال مالك وابن القاسم : إن فرقه متعمدا لم يجزه ويجزئه ناسيا ; وقال مالك في رواية ابن حبيب : يجزئه في المغسول ولا يجزئه في الممسوح ; فهذه خمسة أقوال ابتنيت على أصلين :الأول : أن الله سبحانه وتعالى أمر أمرا مطلقا فوال أو فرق ، وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة .
والثاني : أنها عبادات ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصلاة ; وهذا أصح ، والله أعلم .
السابعة عشرة : وتتضمن ألفاظ الآية أيضا الترتيب وقد اختلف فيه ; فقال الأبهري : الترتيب سنة ، وظاهر المذهب أن التنكيس للناسي يجزئ ، واختلف في العامد فقيل : يجزئ ويرتب في المستقبل ، وقال أبو بكر القاضي وغيره : لا يجزئ لأنه عابث ، وإلى هذا ذهب الشافعي وسائر أصحابه ، وبه يقول أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق وأبو ثور ، وإليه ذهب أبو مصعب صاحب مالك وذكره في مختصره ، وحكاه عن أهل المدينة ومالك معهم في أن من قدم في الوضوء يديه على وجهه ، ولم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء ، وذهب مالك في أكثر الروايات عنه وأشهرها أن " الواو " لا توجب التعقيب ولا تعطي رتبة ، وبذلك قال أصحابه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والمزني وداود بن علي ; قال إلكيا الطبري ظاهر قوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم يقتضي الإجزاء فرق أو جمع أو والى على ما هو الصحيح من مذهب الشافعي ، وهو مذهب الأكثرين من العلماء .
قال أبو عمر : إلا أن مالكا يستحب له استئناف الوضوء على النسق لما يستقبل من الصلاة ، ولا يرى ذلك واجبا عليه ; هذا تحصيل مذهبه ، وقد روى علي بن زياد عن مالك قال : من غسل ذراعيه ثم وجهه ثم ذكر مكانه أعاد غسل ذراعيه ، وإن لم يذكر حتى صلى أعاد الوضوء والصلاة ; قال علي ثم قال بعد ذلك : لا يعيد الصلاة ويعيد الوضوء لما يستأنف .
وسبب الخلاف ما قال بعضهم : إن " الفاء " توجب التعقيب في قوله : " فاغسلوا " فإنها لما كانت جوابا للشرط ربطت المشروط به ، فاقتضت الترتيب في الجميع ; وأجيب بأنه إنما اقتضت البداءة في الوجه إذ هو جزاء الشرط وجوابه ، وإنما كنت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشرط معنى واحدا ، فإذا كانت جملا كلها جوابا لم تبال بأيها بدأت ، إذ المطلوب تحصيلها .
قيل : إن الترتيب إنما جاء من قبل الواو ; وليس كذلك لأنك تقول : تقاتل زيد وعمرو ، وتخاصم بكر وخالد ، فدخولها في باب المفاعلة يخرجها عن الترتيب ، والصحيح أن يقال : إن الترتيب متلقى من وجوه أربعة :الأول : أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال عليه الصلاة والسلام حين حج : نبدأ بما بدأ الله به .
الثاني : من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون .
الثالث : من تشبيه الوضوء بالصلاة .
الرابع : من مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك .
احتج من أجاز ذلك بالإجماع على أن لا ترتيب في غسل أعضاء الجنابة ، فكذلك غسل أعضاء الوضوء ; لأن المعنى في ذلك الغسل لا التبدية ، وروي عن علي أنه قال : ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت ، وعن عبد الله بن مسعود قال : لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك ; قال الدارقطني : هذا مرسل ولا يثبت ، والأولى وجوب الترتيب ، والله أعلم .
الثامنة عشرة : إذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت لم يتيمم عند أكثر العلماء ، ومالك يجوز التيمم في مثل ذلك ; لأن التيمم إنما جاء في الأصل لحفظ وقت الصلاة ، ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء .
احتج الجمهور بقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا واجد ، فقد عدم شرط صحة التيمم فلا يتيمم .
التاسعة عشرة : وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة ; لأنه قال : إذا قمتم إلى الصلاة ولم يذكر الاستنجاء وذكر الوضوء ، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أول مبدوء به ; وهو قول أصحاب أبي حنيفة ، وهي رواية أشهب عن مالك ، وقال ابن وهب عن مالك : إزالتها واجبة في الذكر والنسيان ; وهو قول الشافعي ، وقال ابن القاسم : تجب إزالتها مع الذكر ، وتسقط مع النسيان ، وقال أبو حنيفة : تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي - يريد الكبير الذي هو على هيئة المثقال - قياسا على فم المخرج المعتاد الذي عفي عنه ، والصحيح رواية ابن وهب ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صاحبي القبرين : إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله ولا يعذب إلا على ترك الواجب ; ولا حجة في ظاهر القرآن ; لأن الله سبحانه وتعالى إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصة ، ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها .
الموفية عشرين : ودلت الآية أيضا على المسح على الخفين كما بينا ، ولمالك في ذلك ثلاث روايات :الأولى : الإنكار مطلقا كما يقوله الخوارج ، وهذه الرواية منكرة وليست بصحيحة ، وقد تقدم .
الثانية : يمسح في السفر دون الحضر ; لأن أكثر الأحاديث بالمسح إنما هي في السفر ; وحديث السباطة يدل على جواز المسح في الحضر ، أخرجه مسلم من حديث حذيفة قال : فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى ; فأتى سباطة قوم خلف حائط ، فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه ، فأشار إلي فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ - زاد في رواية - فتوضأ ومسح على خفيه ، ومثله حديث شريح بن هانئ قال : أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت : عليك بابن أبي طالب فسله ; فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فسألناه فقال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة ; - وهي الرواية الثالثة - يمسح حضرا وسفرا ; وقد تقدم ذكرها .
الحادية والعشرون : ويمسح المسافر عند مالك على الخفين بغير توقيت ، وهو قول الليث بن سعد ; قال ابن وهب سمعت مالكا يقول : ليس عند أهل بلدنا في ذلك وقت .
وروى أبو داود من حديث أبي بن عمارة أنه قال : يا رسول الله أمسح على الخفين ؟ قال : نعم ، قال : يوما ؟ قال : يوما ، قال : ويومين ؟ قال : ويومين ، قال : وثلاثة أيام ؟ قال : نعم وما شئت ، وفي رواية ( نعم وما بدا لك ) .
قال أبو داود : وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي .
وقال الشافعي وأحمد بن حنبل والنعمان والطبري : يمسح المقيم يوما وليلة ، والمسافر ثلاثة أيام على حديث شريح وما كان مثله ; وروي عن مالك في رسالته إلى هارون أو بعض الخلفاء ، وأنكرها أصحابه .
الثانية والعشرون : والمسح عند جميعهم لمن لبس خفيه على وضوء ; لحديث المغيرة بن شعبة أنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في مسير - الحديث - وفيه ; فأهويت لأنزع خفيه فقال : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ومسح عليهما .
ورأى أصبغ أن هذه طهارة التيمم ، وهذا بناء منه على أن التيمم يرفع الحدث .
وشذ داود فقال : المراد بالطهارة هاهنا هي الطهارة من النجس فقط ; فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين ، وسبب الخلاف الاشتراك في اسم الطهارة .
الثالثة والعشرون : ويجوز عند مالك المسح على الخف وإن كان فيه خرق يسير : قال ابن خويز منداد : معناه أن يكون الخرق لا يمنع من الانتفاع به ومن لبسه ، ويكون مثله يمشى فيه ، وبمثل قول مالك هذا قال الليث والثوري والشافعي والطبري ; وقد روي عن الثوري والطبري إجازة المسح على الخف المخرق جملة ، وقال الأوزاعي : يمسح على الخف وعلى ما ظهر من القدم ; وهو قول الطبري ، وقال أبو حنيفة : إذا كان ما ظهر من الرجل أقل من ثلاث أصابع مسح ، ولا يمسح إذا ظهر ثلاث ; وهذا تحديد يحتاج إلى توقيف ، ومعلوم أن أخفاف الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من التابعين كانت لا تسلم من الخرق اليسير ، وذلك متجاوز عند الجمهور منهم ، وروي عن الشافعي إذا كان الخرق في مقدم الرجل أنه لا يجوز المسح عليه .
وقال الحسن بن حي : يمسح على الخف إذا كان ما ظهر منه يغطيه الجورب ، فإن ظهر شيء من القدم لم يمسح ، قال أبو عمر : هذا على مذهبه في المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين ; وهو قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وهي :الرابعة والعشرون : ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة والشافعي إلا أن يكونا مجلدين ، وهو أحد قولي مالك ، وله قول آخر أنه لا يجوز المسح على الجوربين وإن كانا مجلدين ، وفي كتاب أبي داود عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين ; قال أبو داود : وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث ; لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ; وروي هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بالقوي ولا بالمتصل .
قال أبو داود : ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وأبو مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث ; وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس ; رضي الله عنهم أجمعين .
قلت : وأما المسح على النعلين فروى أبو


شرح المفردات و معاني الكلمات : آمنوا , قمتم , الصلاة , فاغسلوا , وجوهكم , أيديكم , المرافق , وامسحوا , برءوسكم , أرجلكم , الكعبين , جنبا , فاطهروا , مرضى , سفر , جاء , أحد , الغائط , لامستم , النساء , تجدوا , ماء , تيمموا , صعيدا , طيبا , فامسحوا , بوجوهكم , أيديكم , يريد , الله , ليجعل , حرج , يريد , ليطهركم , وليتم , نعمته , تشكرون ,
English Türkçe Indonesia
Русский Français فارسی
تفسير انجليزي اعراب

تحميل سورة المائدة mp3 :

سورة المائدة mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة المائدة

سورة المائدة بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة المائدة بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة المائدة بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة المائدة بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة المائدة بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة المائدة بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة المائدة بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة المائدة بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة المائدة بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة المائدة بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري


الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم


Friday, December 9, 2022
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب