اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون
﴿والمسيح﴾: المسيح: لقب عيسى عليه السلام. «and the Messiah»
( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ) أي : علماءهم وقراءهم ، والأحبار : العلماء ، واحدها حبر ، وحبر بكسر الحاء وفتحها ، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع فإن قيل: إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان؟ قلنا : معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلوا وحرموا ما حرموا ، فاتخذوهم كالأرباب . روي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي : " يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك " ، فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) حتى فرغ منها ، قلت له : إنا لسنا نعبدهم ، فقال : " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه " ؟ قال قلت : بلى ، قال : " فتلك عبادتهم " .قال عبد الله بن المبارك :وهل بدل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها( والمسيح ابن مريم ) أي : اتخذوه إلها ، ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) .
إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم
﴿والمساكين﴾: والفقراء الذين أذلهم الفقر. «and the needy»
قوله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الآية ، بين الله تعالى في هذه الآية أهل سهمان الصدقات وجعلها لثمانية أصناف . وروي عن زياد بن الحارث الصدائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته ، فأتاه رجل وقال : أعطني من الصدقة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك "قوله تعالى ( للفقراء والمساكين ) فأحد أصناف الصدقة : الفقراء ، والثاني : المساكين .واختلف العلماء في صفة الفقير والمسكين ، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة والزهري : الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين : الذي يسأل .وقال ابن عمر : ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة ، ولكن من أنقى نفسه وثيابه لا يقدر على شيء ، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف .وقال قتادة : الفقير : المحتاج الزمن ، والمسكين : الصحيح المحتاج .وروي عن عكرمة أنه قال : الفقراء من المسلمين ، والمساكين من أهل الكتاب .وقال الشافعي : الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا ، زمنا كان أو غير زمن ، والمسكين من كان له مال أو حرفة ولا يغنيه ، سائلا أو غير سائل . فالمسكين عنده أحسن حالا من الفقير لأن الله تعالى قال : " أما السفينة فكانت لمساكين [ الكهف - 79 ] أثبت لهم ملكا مع اسم المسكنة .وعند أصحاب الرأي : الفقير أحسن حالا من المسكين .وقال القتيبي : الفقير الذي له البلغة من العيش ، والمسكين الذي لا شيء له .وقيل: الفقير من له المسكن والخادم ، والمسكين من لا ملك له . وقالوا : كل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيا عن غيره ، قال الله تعالى : " أنتم الفقراء إلى الله " ( غافر - 15 ) ، والمسكين المحتاج إلى كل شيء ألا ترى كيف حض على إطعامه ، وجعل طعام الكفارة له ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد الجوعة .وقال إبراهيم النخعي : الفقراء هم المهاجرون ، والمساكين من لم يهاجروا من المسلمين .وفي الجملة : الفقر والمسكنة عبارتان عن الحاجة وضعف الحال ، فالفقير المحتاج الذي كسرت الحاجة فقار ظهره ، والمسكين الذي ضعفت نفسه وسكنت عن الحركة في طلب القوت .أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، حدثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا الربيع ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا سفيان بن عيينة عن هشام ، يعني : ابن عروة ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار : أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله فسألاه عن الصدقة فصعد فيهما وصوب فقال : " إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب " .واختلفوا في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة فقال الأكثرون : حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة ، وهو قول مالك والشافعي .وقال أصحاب الرأي : حده أن يملك مائتي درهم . وقال قوم : من ملك خمسين درهما لا تحل له الصدقة لما روينا عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح " ، قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال : " خمسون درهما أو قيمتها من الذهب " . وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق . وقالوا لا يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهما . وقيل: أربعون درهما لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا " .قوله تعالى : ( والعاملين عليها ) وهم السعاة الذين يتولون قبض الصدقات من أهلها ووضعها في حقها ، فيعطون من مال الصدقة ، فقراء كانوا أو أغنياء ، فيعطون أجر مثل عملهم .وقال الضحاك ومجاهد : لهم الثمن من الصدقة .( والمؤلفة قلوبهم ) فالصنف الرابع من المستحقين للصدقة هم المؤلفة قلوبهم ، وهم قسمان : قسم مسلمون ، وقسم كفار . فأما المسلمون : فقسمان ، قسم دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيه ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم تألفا كما أعطى عيينة بن بدر ، والأقرع بن حابس ، والعباس بن مرداس ، أو أسلموا ونيتهم قوية في الإسلام ، وهم شرفاء في قومهم مثل : عدي بن حاتم ، والزبرقان بن بدر ، فكان يعطيهم تألفا لقومهم ، وترغيبا لأمثالهم في الإسلام ، فهؤلاء يجوز للإمام أن يعطيهم من خمس خمس الغنيمة ، والفيء سهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من ذلك ولا يعطيهم من الصدقات .والقسم الثاني من مؤلفة المسلمين : أن يكون قوم من المسلمين بإزاء قوم كفار في موضع متناط لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة كثيرة وهم لا يجاهدون ، إما لضعف نيتهم أو لضعف حالهم ، فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم الغزاة من مال الصدقة . وقيل: من سهم المؤلفة . ومنهم قوم بإزاء جماعة من مانعي الزكاة يأخذون منهم الزكاة يحملونها إلى الإمام ، فيعطيهم الإمام من سهم المؤلفة من الصدقات . وقيل: من سهم سبيل الله . روي أن عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا .وأما الكفار من المؤلفة : فهو من يخشى شره منهم ، أو يرجى إسلامه ، فيريد الإمام أن يعطي هذا حذرا من شره ، أو يعطي ذلك ترغيبا له في الإسلام فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس ، كما أعطى صفوان بن أمية لما يرى من ميله إلى الإسلام ، أما اليوم فقد أعز الله الإسلام فله الحمد ، وأغناه أن يتألف عليه رجال ، فلا يعطى مشرك تألفا بحال ، وقد قال بهذا كثير من أهل العلم أن المؤلفة منقطعة وسهمهم ساقط . روي ذلك عن عكرمة ، وهو قول الشعبي ، وبه قال مالك والثوري ، وأصحاب الرأي ، وإسحاق بن راهويه .وقال قوم : سهمهم ثابت ، يروى ذلك عن الحسن ، وهو قول الزهري ، وأبي جعفر محمد بن علي ، وأبي ثور ، وقال أحمد : يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك .قوله تعالى : ( وفي الرقاب ) والصنف الخامس : هم الرقاب ، وهم المكاتبون ، لهم سهم من الصدقة ، هذا قول أكثر الفقهاء ، وبه قال سعيد بن جبير ، والنخعي ، والزهري ، والليث بن سعد ، والشافعي . وقال جماعة : يشترى بسهم الرقاب عبيد فيعتقون . وهذا قول الحسن ، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق .قوله تعالى : ( والغارمين ) الصنف السادس هم : الغارمون ، وهم قسمان : قسم دانوا لأنفسهم في غير معصيته ، فإنهم يعطون من الصدقة إذا لم يكن لهم من المال ما يفي بديونهم ، فإن كان عندهم وفاء فلا يعطون ، وقسم أدانوا في المعروف وإصلاح ذات البين فإنهم يعطون من مال الصدقة ما يقضون به ديونهم ، وإن كانوا أغنياء .أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنبأنا زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المساكين فأهدى المسكين للغني ، أو لعامل عليها " .ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم متصلا بمعناه . أما من كان دينه في معصية فلا يدفع إليه .وقوله تعالى : ( وفي سبيل الله ) أراد بها : الغزاة ، فلهم سهم من الصدقة ، يعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ، وما يستعينون به على أمر الغزو من النفقة ، والكسوة ، والسلاح ، والحمولة ، وإن كانوا أغنياء ، ولا يعطى منه شيء في الحج عند أكثر أهل العلم .وقال قوم : يجوز أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج . ويروى ذلك عن ابن عباس ، وهو قول الحسن ، وأحمد ، وإسحاق .قوله تعالى : ( وابن السبيل ) الصنف الثامن : هم أبناء السبيل ، فكل من يريد سفرا مباحا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة بقدر ما يقطع به تلك المسافة ، سواء كان له في البلد المنتقل إليه مال أو لم يكن .وقال قتادة : ابن السبيل هو الضيف .وقال فقهاء العراق : ابن السبيل الحاج المنقطع .قوله تعالى : ( فريضة ) أي : واجبة ( من الله ) وهو نصب على القطع ، وقيل: على المصدر ، أي : فرض الله هذه الأشياء فريضة . ( والله عليم حكيم ) .اختلف الفقهاء في كيفية قسم الصدقات ، وفي جواز صرفها إلى بعض الأصناف :فذهب جماعة إلى أنه لا يجوز صرفها كلها إلى بعضهم مع وجود سائر الأصناف ، وهو قول عكرمة ، وبه قال الشافعي ، قال : يجب أن تقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجودين من الأصناف الستة ، الذين سهمانهم ثابتة قسمة على السواء ، لأن سهم المؤلفة ساقط ، وسهم العامل إذا قسم - بنفسه ، ثم حصة كل صنف منهم لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وجد منهم ثلاثة أو أكثر ، فلو فاوت بين أولئك الثلاث يجوز ، فإن لم يوجد من بعض الأصناف إلا واحد صرف حصة ذلك الصنف إليه ما لم يخرج عن حد الاستحقاق ، فإن انتهت حاجته وفضل شيء رده إلى الباقين .وذهب جماعة إلى أنه لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف ، أو إلى شخص واحد منهم يجوز ، وإنما سمى الله تعالى هذه الأصناف الثمانية إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف ، لا إيجابا لقسمها بينهم جميعا . وهو قول عمر ، وابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير وعطاء ، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي ، وبه قال أحمد ، قال : يجوز أن يضعها في صنف واحد وتفريقها أولى .وقال إبراهيم : إن كان المال كثيرا يحتمل الإجزاء قسمه على الأصناف ، وإن كان قليلا جاز وضعه في صنف واحد .وقال مالك : يتحرى موضع الحاجة منهم ، ويقدم الأولى فالأولى من أهل الخلة والحاجة ، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام أكثر قدمهم ، وإن رآها في عام في صنف آخر حولها إليهم .وكل من دفع إليه شيء من الصدقة لا يزيد على قدر الاستحقاق ، فلا يزيد الفقير على قدر غناه ، فإذا حصل أدنى اسم الغنى لا يعطى بعده ، فإن كان محترفا لكنه لا يجد آلة حرفته : فيعطى قدر ما يحصل به آلة حرفته ، ولا يزاد العامل على أجر عمله ، والمكاتب على قدر ما يعتق به ، وللغريم على قدر دينه ، وللغازي على قدر نفقته للذهاب والرجوع والمقام في مغزاه وما يحتاج إليه من الفرس والسلاح ، ولابن السبيل على قدر إتيانه مقصده أو مآله .واختلفوا في نقل الصدقة عن بلد المال إلى موضع آخر ، مع وجود المستحقين فيه : فكرهه أكثر أهل العلم ، لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنبأنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، حدثنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، حدثنا زكريا بن إسحاق المكي ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن الصيفي عن أبي معبد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال : " إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم ، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب " .فهذا يدل على أن صدقة أغنياء كل قوم ترد على فقراء ذلك القوم .واتفقوا على أنه إذا نقل من بلد إلى بلد آخر أدي مع الكراهة ، وسقط الفرض عن ذمته ، إلا ما حكي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه رد صدقة حملت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان .
فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين
﴿المسلمين﴾: المنقادين لله وشرائعه. «the Muslims»
( فإن توليتم ) أعرضتم عن قولي وقبول نصحي ، ( فما سألتكم ) على تبليغ الرسالة والدعوة ، ( من أجر ) جعل وعوض ، ( إن أجري ) ما أجري وثوابي ، ( إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ) أي : من المؤمنين . وقيل: من المستسلمين لأمر الله .
فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين
﴿المسرفين﴾: المفرطين والمجاوزين للاعتدال. «the ones who commit excesses»
( فما آمن لموسى ) لم يصدق موسى مع ما آتاهم به من الآيات ، ( إلا ذرية من قومه ) اختلفوا في الهاء التي في " قومه " ، قيل: هي راجعة إلى موسى ، وأراد بهم مؤمني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر وخرجوا معه . قال مجاهد : كانوا أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل ، هلك الآباء وبقي الأبناء .وقال الآخرون : الهاء راجعة إلى فرعون . روى عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا ، منهم امرأة فرعون ، ومؤمن آل فرعون ، وخازن فرعون ، وامرأة خازنه ، وماشطته ، وعن ابن عباس رواية أخرى : أنهم كانوا سبعين ألف بيت من القبط من آل فرعون ، وأمهاتهم من بني إسرائيل فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله .وقيل: هم قوم نجوا من قتل فرعون ، وذلك أن فرعون لما أمر بقتل أبناء بني إسرائيل كانت المرأة من بني إسرائيل إذا ولدت ابنا وهبته لقبطية خوفا من القتل ، فنشئوا عند القبط ، وأسلموا في اليوم الذي غلبت السحرة .قال الفراء : سموا ذرية ؛ لأن آباءهم كانوا من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل ، كما يقال لأولاد أهل فارس الذين سقطوا إلى اليمن : الأبناء ، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم . ( على خوف من فرعون وملئهم ) قيل: أراد بفرعون آل فرعون ، أي : على خوف من آل فرعون وملئهم ، كما قال : " واسأل القرية " ( يوسف - 82 ) أي : أهل القرية . وقيل: إنما قال : " وملئهم " وفرعون واحد ؛ لأن الملك إذا ذكر يفهم منه هو وأصحابه ، كما يقال : قدم الخليفة ؛ يراد هو ومن معه . وقيل: أراد ملأ الذرية ، فإن ملأهم كانوا من قوم فرعون . ( أن يفتنهم ) أي : يصرفهم عن دينهم ولم يقل يفتنوهم لأنه أخبر عن فرعون وكان قومه على مثل ما كان عليه فرعون ، ( وإن فرعون لعال ) لمتكبر ، ( في الأرض وإنه لمن المسرفين ) المجاوزين الحد ، لأنه كان عبدا فادعى الربوبية .
وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين
﴿المسلمين﴾: المنقادين لله وشرائعه. «the Muslims»
( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ) عبرنا بهم ( فأتبعهم ) لحقهم وأدركهم ، ( فرعون وجنوده ) يقال : " أتبعه وتبعه " إذا أدركه ولحقه ، و " اتبعه " بالتشديد إذا سار خلفه واقتدى به . وقيل: هما واحد . ( بغيا وعدوا ) أي : ظلما واعتداء . وقيل: بغيا في القول وعدوا في الفعل . وكان البحر قد انفلق لموسى وقومه ، فلما وصل فرعون بجنوده إلى البحر هابوا دخوله فتقدمهم جبريل على فرس وديق وخاض البحر ، فاقتحمت الخيول خلفه ، فلما دخل آخرهم وهم أولهم أن يخرج انطبق عليهم الماء . وقوله تعالى : ( حتى إذا أدركه الغرق ) أي : غمره الماء وقرب هلاكه ، ( قال آمنت أنه ) قرأ حمزة والكسائي " إنه " بكسر الألف أي : آمنت وقلت إنه . وقرأ الآخرون " أنه " بالفتح على وقوع آمنت عليها ( لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) فدس جبريل عليه السلام في فيه من حمأة البحر .