تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن تفسير الصفحة 220 من المصحف



تفسير القرطبي - صفحة القرآن رقم 220

220- تفسير الصفحة رقم220 من المصحف
الآية: 98 {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}
قوله تعالى: "فلولا كانت قرية آمنت" قال الأخفش والكسائي: أي فهلا. وفي مصحف أبي وابن مسعود "فهلا" وأصل لولا في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره. ومفهوم من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس؛ فهو بحسب اللفظ استئناء منقطع، وهو بحسب المعنى متصل؛ لأن تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس. والنصب في "قوم" هو الوجه، وكذلك أدخله سيبويه في (باب مالا يكون إلا منصوبا). قال النحاس: "إلا قوم يونس" نصب لأنه استئناء ليس من الأول، أي لكن قوم يونس؛ هذا قول الكسائي والأخفش والفراء. ويجوز. "إلا قوم يونس" بالرفع، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قال أبو إسحاق الزجاج قال: يكون المعنى غير قوم يونس، فلما جاء بإلا أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير؛ كما قال:
وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان
وروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين: أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فأبوا؛ فقيل: إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم؛ فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل، وقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك؛ فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله ولبسوا المسوح وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، وردوا المظالم في تلك الحالة. وقال ابن مسعود: وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيرده؛ والعذاب منهم فيما روي عن ابن عباس على ثلثي ميل. وروي على ميل. وعن ابن عباس أنهم غشيتهم ظلة وفيها حمرة فلم تزل تدنو حتى وجدوا حرها بين أكتافهم. وقال ابن جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، فلما صحت توبتهم رفع الله عنهم العذاب. وقال الطبري: خص قوم يونس من بين سائر الأمم بأن تيب عليهم بعد معاينة العذاب؛ وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان.
قلت: قول الزجاج حسن؛ فان المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك، وقوم يونس تابوا قبل ذلك. ويعضد هذا قوله عليه السلام: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). والغرغرة الحشرجة، وذلك هو حال التلبس بالموت، وأما قبل ذلك فلا. والله أعلم. وقد روي معنى ما قلناه عن ابن مسعود، أن يونس لما وعدهم العذاب إلى ثلاثة أيام خرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا وفرقوا بين الأمهات والأولاد؛ وهذا يدل على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب. وسيأتي مسندا مبينا في سورة "والصافات" إن شاء الله تعالى. ويكون معنى "كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا" أي العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم، لا أنهم رأوه عيانا ولا مخايلة؛ وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض ولا خصوص، والله أعلم. وبالجملة فكان أهل نينوى في سابق العلم من السعداء. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الحذر لا يرد القدر، وإن الدعاء ليرد القدر. وذلك أن الله تعالى يقول: "إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا". قال رضي الله عنه: وذلك يوم عاشوراء. "ومتعناهم إلى حين" قيل إلى أجلهم، قال السدي وقيل: إلى أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار؛ قاله ابن عباس.
الآية: 99 {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}
قوله تعالى: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا" أي لاضطرهم إليه. "كلهم" تأكيد لـ "من". "جميعا" عند سيبويه نصب على الحال. وقال الأخفش: جاء بقول جميعا بعد كل تأكيدا؛ كقوله: "لا تتخذوا إلهين اثنين" [النحل: 51]
قوله تعالى: "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان جميع الناس؛ فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول. وقيل: المراد بالناس هنا أبو طالب؛ وهو عن ابن عباس أيضا.
الآية: 100 {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون}
قوله تعالى: "وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله" "ما" نفي؛ أي ما ينبغي أن تؤمن نفس إلا بقضائه وقدره ومشيئته وإرادته. "ويجعل الرجس" وقرأ الحسن وأبو بكر والمفضل "ونجعل" بالنون على التعظيم. والرجس: العذاب؛ بضم الراء وكسرها لغتان. "على الذين لا يعقلون" أمر الله عز وجل ونهيه.
الآية: 101 {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}
قوله تعالى: "قل انظروا ماذا في السماوات والأرض" أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع والقادر على الكمال. وقد تقدم القول في هذا المعنى في غير موضع مستوفى. "وما تغني" "ما" نفي؛ أي ولن تغني. وقيل: استفهامية؛ التقدير أي شيء تغني. "الآيات" أي الدلالات. "والنذر" أي الرسل، جمع نذير، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. "عن قوم لا يؤمنون" أي عمن سبق له في علم الله أنه لا يؤمن.
الآية: 102 {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين}
قوله تعالى: "فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم" الأيام هنا بمعنى الوقائع؛ يقال: فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم. قال قتادة: يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. والعرب تسمي العذاب أياما والنعم أياما؛ كقوله تعالى: "وذكره بأيام الله". وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام. "فانتظروا" أي تربصوا؛ وهذا تهديد ووعيد. "إني معكم من المنتظرين" أي المتربصين لموعد وربي.
الآية: 103 {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين}
قوله تعالى: "ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا" أي من سنتنا إذا أنزلنا بقوم عذابا أخرجنا من بينهم الرسل والمؤمنين، و"ثم" معناه ثم اعلموا أنا ننجي رسلنا. "كذلك حقا علينا" أي واجبا علينا؛ لأنه أخبر ولا خلف في خبره. وقرأ يعقوب. "ثم ننجي" مخففا. وقرأ الكسائي وحفص ويعقوب. "ننجي المؤمنين" مخففا؛ وشدد الباقون؛ وهما لغتان فصيحتان: أنجى ينجي إنجاء، ونجى ينجي تنجية بمعنى واحد.
الآية: 104 {قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين}
قوله تعالى: "قل يا أيها الناس" يريد كفار مكة. "إن كنتم في شك من ديني" أي في ريب من دين الإسلام الذي أدعوكم إليه. "فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله" من الأوثان التي لا تعقل. "ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم" أي يميتكم ويقبض أرواحكم. "وأمرت أن أكون من المؤمنين
أي المصدقين بآيات ربهم.
الآيتان: 105 - 106 {وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين، ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين}
قوله تعالى: "وأن أقم وجهك للدين" "أن" عطف على "أن أكون" أي قيل لي كن من المؤمنين وأقم وجهك. قال ابن عباس: عملك، وقيل: نفسك؛ أي استقم بإقبالك على ما أمرت به من الدين. "حنيفا" أي قويما به مائلا عن كل دين. قال حمزة بن عبدالمطلب (رضي الله عنه):
حمدت الله حين هدى فؤادي من الإشراك للدين الحنيف
وقد مضى في "الأنعام" اشتقاقه والحمد لله. "ولا تكونن من المشركين" أي وقيل لي ولا تشرك؛ والخطاب له والمراد غيره؛ وكذلك قوله: "ولا تدع" أي لا تعبد. "من دون الله ما لا ينفعك" إن عبدته. "ولا يضرك" إن عصيته. "فإن فعلت" أي عبدت غير الله. "فإنك إذا من الظالمين" أي الواضعين العبادة في غير موضعها.