تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 220 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 220

219

قوله: 98- "فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها" لولا هذه هي التحضيضية التي بمعنى هلا كما قال الأخفش والكسائي وغيرهما، ويدل على ذلك كما في مصحف أبي وابن مسعود فهلا قرية والمعنى: فهلا قرية واحدة من هذه القرى التي أهلكناها آمنت إيماناً معتداً به، وذلك بأن يكون خالصاً لله قبل معاينة عذابه ولم يؤخره كما أخره فرعون، والاستثناء بقوله: "إلا قوم يونس" منقطع، وهو استثناء من القرى لأن المراد أهلها، والمعنى: لكن قوم يونس "لما آمنوا" إيماناً معتداً به قبل معاينة العذاب أو عند أول المعاينة قبل حلوله بهم "كشفنا عنهم عذاب الخزي" وقد قال بأن هذا الاستثناء منقطع جماعة من الأئمة منهم الكسائي والأخفش والفراء، وقيل: يجوز أن يكون متصلاً، والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس، وانتصابه على أصل الاستثناء. وقرئ بالرفع على البدل. وقال الزجاج في توجيه الرفع: يكون المعنى غير قوم يونس، ولكن حملت إلا عليها وتعذر جعل الإعراب عليها، فأعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير. قال ابن جرير: خص قوم يونس من بين الأمم بأن تيب عليهم من بعد معاينة العذاب، وحكي ذلك عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: إنه لم يقع العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان، وهذا أولى من قول ابن جرير. والمراد بعذاب الخزي الذي كشفه الله عنهم، وهو العذاب الذي كان قد وعدهم يونس أنه سينزل عليهم ولم يروه، أو الذي قد رأوا علاماته دون عينه. "ومتعناهم إلى حين" أي بعد كشف العذاب عنهم متعهم الله في الدنيا إلى حين معلوم قدره لهم.
ثم بين سبحانه أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره، فقال: 99- "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم" بحيث لا يخرج عنهم أحد "جميعاً" مجتمعين على الإيمان لا يتفرقون فيه ويختلفون، ولكنه لم يشأ ذلك لكونه مخالفاً للمصلحة التي أرادها الله سبحانه، وانتصاب جميعاً على الحال كما قال سيبويه. قال الأخفش: جاء بقوله جميعاً بعد كلهم للتأكيد كقوله: "لا تتخذوا إلهين اثنين" ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على إيمان جميع الناس أخبره الله بأن ذلك لا يكون، لأن مشيئته الجارية على الحكمة البالغة والمصالح الراجحة لا تقتضي ذلك، فقال: "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" فإن ذلك ليس في وسعك يا محمد ولا داخل تحت قدرتك، وفي هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم ودفع لما يضيق به صدره من طلب صلاح الكل، الذي لو كان لم يكن صلاحاً محققاً بل يكون إلى الفساد أقرب، ولله الحكمة البالغة.
ثم بين سبحانه ما تقدم بقوله: 100- "وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله" أي ما صح وما استقام لنفس من الأنفس أن تؤمن بالله إلا بإذنه: أي بتسهيله وتيسيره ومشيئته لذلك فلا يقع غير ما يشاؤه كائناً ما كان "ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون" أي العذاب أو الكفر أو الخذلان الذي هو سبب العذاب. وقرأ الحسن وأبو بكر والمفضل ونجعل بالنون. وفي الرجس لغتان ضم الراء وكسرها، والمراد بالذين لا يعقلون: هم الكفار الذين لا يتعقلون حجج الله ولا يتفكرون في آياته ولا يتدبرونه فيما نصبه لهم من الأدلة. وقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن قتادة في قوله: "ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق" قال: بوأهم الله الشام وبيت المقدس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك قال: منازل صدق مصر والشام. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: "فما اختلفوا حتى جاءهم العلم" قال: العلم كتاب الله الذي أنزله وأمره الذي أمرهم به. وقد ورد في الحديث أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، وهو في السنن والمسانيد، والكلام فيه يطول. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: "فإن كنت في شك" الآية، قال: لم يشك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسأل. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا أشك ولا أسأل. وهو مرسل. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: " فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " قال: التوراة والإنجيل الذين أدركوا محمداً من أهل الكتاب وآمنوا به، يقول: سلهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون" قال: حق عليهم سخط الله بما عصوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: "فلولا كانت قرية آمنت" يقول: فما كانت قرية آمنت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس، فاستثنى الله قوم يونس. قال: وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل، فلما فقدوا نبيهم قذف الله في قلوبهم التوبة فلبسوا المسوح وأخرجوا المواشي وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فعجوا إلى الله أربعين صباحاً، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم لم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن يونس دعا لقومه، فلما أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب، فقال: إنه يأتيكم يوم كذا وكذا، ثم خرج عنهم، وكانت الأنبياء إذا وعدت قومها العذاب خرجت، فلما أظلهم العذاب خرجوا ففرقوا بين المرأة وولدها، وبين السخلة وولدها، وخرجوا يعجون إلى الله، وعلم الله منهم الصدق فتاب عليهم وصرف عنهم العذاب، وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر، فمر به رجل فقال: ما فعل قوم يونس؟ فحدثه بما صنعوا، فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم، وانطلق مغاضباً: يعني مراغماً. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى القبر بالثوب إذا دخل فيه صاحبه ومطرت السماء دماً. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن ابن عباس أن العذاب كان هبط على قوم يونس لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشفه الله عنهم. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الجلد قال: لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا له: ما ترى؟ قال: قولوا يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوا فكشف عنهم العذاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "ويجعل الرجس" قال: السخط. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: الرجس: الشيطان، والرجس العذاب.
قوله: 101- "قل انظروا ماذا في السموات والأرض" لما بين سبحانه أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية، والمراد بالنظر: التفكر والاعتبار: أي قل يا محمد للكفار تفكروا واعتبروا بما في السموات والأرض من المصنوعات الدالة على الصانع ووحدته وكمال قدرته. وماذا مبتدأ، وخبره في السموات والأرض. أو المبتدأ ما، وذا بمعنى الذي، وفي السموات والأرض صلته، والموصول وصلته خبر المبتدأ: أي أي شيء الذي في السموات والأرض، وعلى التقديرين فالجملة في محل نصب بالفعل الذي قبلها. ثم ذكر سبحانه أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حق من استحكمت شقاوته فقال: "وما تغني الآيات والنذر" أي ما تنفع على أن ما نافية، ويجوز أن تكون استفهامية: أي أي شيء ينفع، والآيات هي التي عبر عنها بقوله: "ماذا في السموات والأرض" والنذر جمع نذير، وهم الرسل أو جمع إنذار وهو المصدر "عن قوم لا يؤمنون" في علم الله سبحانه، والمعنى: أن من كان هكذا لا يجدي فيه شيء ولا يدفعه عن الكفر دافع.
قوله: 102- "فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم" أي فهل ينتظر هؤلاء الكفار المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم إلا مثل وقائع الله سبحانه بالكفار الذين خلوا من قبل هؤلاء، فقد كان الأنبياء المتقدمون يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب، وهم يكذبونهم ويصممون على الكفر حتى ينزل الله عليهم عذابه ويحل بهم انتقامه، ثم قال: "قل" يا محمد لهؤلاء الكفار المعاصرين لك "فانتظروا" أي تربصوا لوعد ربكم إني معكم من المتربصين لوعد ربي، وفي هذا تهديد شديد، ووعيد بالغ بأنه سينزل بهؤلاء ما نزل بأولئك من الإهلاك.
وثم في قوله: 103- "ثم ننجي رسلنا" للعطف على مقدر يدل عليه ما قبله كأنه قيل أهلكنا الأمم ثم نجينا رسلنا المرسلين إليهم. وقرأ يعقوب ثم "ننجي" مخففاً. وقرأ كذلك أيضاً في "حقاً علينا ننج المؤمنين". وروي كذلك عن الكسائي وحفص في الثانية. وقرأ الباقون بالتشديد، وهما لغتان فصيحتان: أنجى ينجي إنجاء، ونجى ينجي تنجية بمعنى واحد "والذين آمنوا" معطوف على رسلنا: أي نجيناهم ونجينا الذين آمنوا، والتعبير بلفظ الفعل المستقبل لاستحضار صورة الحال الماضية تهويلاً لأمرها "كذلك حقاً علينا" أي حق ذلك علينا حقاً، أو إنجاء مثل ذلك الإنجاء حقاً "ننج المؤمنين" من عذابنا للكفار، والمراد بالمؤمنين: الجنس، فيدخل في ذلك الرسل وأتباعهم، أو يكون خاصاً بالمؤمنين وهم أتباع الرسل، لأن الرسل داخلون في ذلك بالأولى.
قوله: 104- "قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني" أمر سبحانه رسوله بأن يظهر التباين بين طريقته وطريقة المشركين مخاطباً لجميع الناس، أو للكفار منهم، أو لأهل مكة على الخصوص بقوله: إن كنتم في شك من ديني الذي أنا عليه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ولم تعلموا بحقيقته ولا عرفتم صحته، وأنه الدين الحق الذي لا دين غيره، فاعلموا أني بريء من أديانكم التي أنتم عليها "فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله" في حال من الأحوال "ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم" أي أخصه بالعبادة لا أعبد غيره من معبوداتكم من الأصنام وغيرها، وخص صفة المتوفى من بين الصفات لما في ذلك من التهديد لهم: أي أعبد الله الذي يتوفاكم فيفعل بكم ما يفعل من العذاب الشديد، ولكونه يدل على الخلق أولاً، وعلى الإعادة ثانياً، ولكونه أشد الأحوال مهابة في القلوب، ولكونه يدل على الخلق أولاً، وعلى الإعادة ثانياً، ولكونه أشد الأحوال مهابة في القلوب، ولكونه قد تقدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالكفار من الأمم السابقة، فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم. ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان فقال: "وأمرت أن أكون من المؤمنين" أي بأن أكون من جنس من آمن بالله وأخلص له الدين.
وجملة 105- "وأن أقم وجهك للدين" معطوفة على جملة "أن أكون من المؤمنين" ولا يمنع من ذلك كون المعطوف بصيغة الأمر لأن المقصود من أن الدلالة على المصدر، وذلك لا يختلف بالخبرية والإنشائية، أو يكون المعطوف عليه في معنى الإنشاء، كأنه قيل: كن مؤمناً ثم أقم، والمعنى: أن الله سبحانه أمره بالاستقامة في الدين والثبات فيه، وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال. وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء، أو أمره باستقبال القبلة في الصلاة وعدم التحول عنها. وحنيفاً حال من الدين، أو من الوجه: أي مائلاً عن كل دين من الأديان إلى دين الإسلام. ثم أكد الأمر المتقدم للنهي عن ضده فقال: "ولا تكونن من المشركين" وهو معطوف على أقم، وهو من باب التعريض لغيره صلى الله عليه وسلم.
قوله: 106- "ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك" معطوف على "قل يا أيها الناس" غير داخل تحت الأمر، وقيل معطوف على ولا تكونن أي لا تدع من دون الله على حال من الأحوال ما لا ينفعك ولا يضرك بشيء من النفع والضر إن دعوته، ودعاء من كان هكذا لا يجلب نفعاً، ولا يقدر على ضر ضائع لا يفعله عاقل على تقدير أنه لا يوجد من يقدر على النفع والضر غيره، فكيف إذا كان موجوداً؟ فإن العدول عن دعاء القادر إلى دعاء غير القادر أقبح وأقبح "فإن فعلت" أي فإن دعوت، ولكنه كنى عن القول بالفعل "فإنك إذاً من الظالمين" هذا جزاء الشرط: أي فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإنك في عداد الظالمين لأنفسهم، والمقصود من هذا الخطاب التعريض بغيره صلى الله عليه وسلم.