تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن تفسير الصفحة 451 من المصحف



تفسير القرطبي - صفحة القرآن رقم 451

451- تفسير الصفحة رقم451 من المصحف
قوله تعالى: "فكذبوه" أخبر عن قوم إلياس أنهم كذبوه. "فإنهم لمحضرون" أي في العذاب. "إلا عباد الله المخلصين" أي من قومه فإنهم نجوا من العذاب. وقرئ "المخلصين" بكسر اللام وقد تقدم. "وتركنا عليه في الآخرين" تقدم. "سلام على إل ياسين" قراءة الأعرج وشيبة ونافع. وقرأ عكرمة وأبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي: "سلام على إلياسين". وقرأ الحسن: "سلام على الياسين" بوصل الألف كأنها ياسين دخلت عليها الألف واللام التي للتعريف. والمراد إلياس عليه السلام، وعليه وقع التسليم ولكنه اسم أعجمي. والعرب تضطرب في هذه الأسماء الأعجمية ويكثر تغييرهم لها. قال ابن جني: العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبا؛ فياسين وإلياس والياسين شيء واحد. الزمخشري: وكان حمزة إذا وصل نصب وإذا وقف رفع. وقرئ: "على إلياسين" و"إدريسين وإدرسين وإدراسين" على أنها لغات في إلياس وإدريس. ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى. النحاس: ومن قرأ: "سلام على آل ياسين" فكأنه والله أعلم جعل اسمه إلياس وياسين ثم سلم على آله؛ أي أهل دينه ومن كان على مذهبه، وعلم أنه إذا سلم على آله من أجله فهو داخل في السلام؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم صل على آل أبي أوفى) وقال الله تعالى: "أدخلوا آل فرعون أشد العذاب" [غافر: 46]. ومن قرأ "إلياسين" فللعلماء فيه غير قول. فروى هرون عن ابن أبي إسحاق قال: إلياسين مثل إبراهيم يذهب إلى أنه اسم له. وأبو عبيدة يذهب إلى أنه جمع جمع التسليم على أنه وأهل بيته سلم عليهم؛ وأنشد:
قدني من نصر الخبيبين قدي
يقال: قدني وقدي لغتان بمعنى حسب. وإنما يريد أبا خبيب عبدالله بن الزبير فجمعه على أن من كان على مذهبه داخل معه. وغير أبي عبيدة يرويه: الخبيبين على التثنية، يريد عبدالله ومصعبا. ورأيت علي بن سليمان يشرحه بأكثر من هذا؛ قال: فإن العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلب. قال: فعلى هذا "سلام على إلياسين" سمي كل رجل منهم بإلياس. وقد ذكر سيبويه عي كتابه شيئا من هذا، إلا أنه ذكر أن العرب تفعل هذا على جهة النسبة؛ فيقولون: الأشعرون يريدون به النسب. المهدوي: ومن قرأ "إلياسين" فهو جمع يدل فيه إلياس فهو جمع إلياسي فحذفت ياء النسبة؛ كما حذفت ياء النسبة في جميع المكسر في نحو المهالبة في جمع مهلبي، كذلك حذفت في المسلم فقيل المهلبون. وقد حكى سيبويه: الأشعرون والنميرون يريدون الأشعريين والنميريين. السهيلي: وهذا لا يصح بل هي لغة في إلياس، ولو أراد ما قالوه لأدخل الألف واللام كما تدخل في المهالبة والأشعريين؛ فكان يقول: "سلام على الإلياسين" لأن العلم إذا جمع ينكر حتى يعرف بالألف واللام؛ لا تقول: سلام على زيدين، بل على الزيدين بالألف واللام. فإلياس عليه السلام فيه ثلاث لغات. النحاس: واحتج أبو عبيد في قراءته "سلام على إلياسين" وأنه اسمه كما أن اسمه إلياس لأنه ليس في السورة سلام على "آل" لغيره من الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فكما سمي الأنبياء كذا سمي هو. وهذا الاحتجاج أصله لأبي عمرو وهو غير لازم؛ لأنا بينا قول أهل اللغة أنه إذا سلم على آله من أجله فهو سلام عليه. والقول بأن اسمه "إلياسين" يحتاج إلى دليل ورواية؛ فقد وقع في الأمر إشكال. قال الماوردي: وقرأ الحسن "سلام على ياسين" بإسقاط الألف واللام وفيه وجهان: أحدهما أنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم؛ قال ابن عباس. والثاني أنهم آل ياسين؛ فعلى هذا في دخول الزيادة في ياسين وجهان: أحدهما: أنها زيدت لتساوي الآي، كما قال في موضع: "طور سيناء" [المؤمنون: 20] وفي موضع آخر "طور سينين" [التين: 2] فعلى هذا يكون السلام على أهله دونه، وتكون الإضافة إليه تشريفا له. الثاني: أنها دخلت للجمع فيكون داخلا في جملتهم فيكون السلام عليه وعليهم. قال السهيلي: قال بعض المتكلمين في معاني القرآن: آل ياسين آل محمد عليه السلام، ونزع إلى قول من قال في تفسير "يس" يا محمد. وهذا القول يبطل من وجوه كثيرة: أحدها: أن سياقة الكلام في قصة إلياسين يلزم أن تكون كما هي في قصة إبراهيم ونوج وموسى وهارون وأن التسليم راجع عليهم، ولا معنى للخروج عن مقصود الكلام لقول قيل في تلك الآية الأخرى مع ضعف ذلك القول أيضا؛ فإن "يس" و"حم" و"الم" ونحو ذلك القول فيها واحد، إنما هي حروف مقطعة، إما مأخوذة من أسماء الله تعالى كما قال ابن عباس، وإما من صفات القرآن، وإما كما قال الشعبي: لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن فواتح القرآن. وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لي خمسة أسماء) ولم يذكر فيها "يس". وأيضا فإن "يس" جاءت التلاوة فيها بالسكون والوقف، ولو كان اسما للنبي صلى صلى الله عليه وسلم لقال: "يسن" بالضم؛ كما قال تعالى: "يوسف أيها الصديق" [يوسف: 46] وإذا بطل هذا القول لما ذكرناه؛ فـ "إلياسين" هو إلياس المذكور وعليه وقع التسليم. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو مثل إدريس وإدراسين، كذلك هو في مصحف ابن مسعود. "وإن إدريس لمن المرسلين" ثم قال: "سلام على إدراسين". "إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين" تقدم.
الآية: 133 - 138 {وإن لوطا لمن المرسلين، إذ نجيناه وأهله أجمعين، إلا عجوزا في الغابرين، ثم دمرنا الآخرين، وإنكم لتمرون عليهم مصبحين، وبالليل أفلا تعقلون}
قوله تعالى: "وإن لوطا لمن المرسلين، إذ نجيناه وأهله أجمعين، إلا عجوزا في الغابرين" تقدم قصة لوط. "ثم دمرنا الآخرين" أي بالعقوبة. "وإنكم لتمرون عليهم مصبحين" خاطب العرب: أي تمرون عل منازلهم وآثارهم "مصبحين" وقت الصباح "وبالليل" تمرون عليهم أيضا بالليل وتم الكلام. "أفلا تعقلون" أي تعتبرون وتتدبرون.
الآية: 139 - 144 {وإن يونس لمن المرسلين، إذ أبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين، فالتقمه الحوت وهو مليم، فلولا أنه كان من المسبحين، للبث في بطنه إلى يوم يبعثون}
قوله تعالى: "وإن يونس لمن المرسلين" يونس هو ذو النون، وهو ابن متى، وهو ابن العجوز التي نزل عليها إلياس، فاستخفى عندها من قومه ستة أشهر ويونس صبي يرضع، وكانت أم يونس تخدمه بنفسها وتؤانسه، ولا تدخر عنه كرامة تقدر عليها. ثم إن إلياس سئم ضيق البيوت فلحق بالجبال، ومات ابن المرأة يونس، فخرجت في أثر إلياس تطوف وراءه في الجبال حتى وجدته، فسألته أن يدعو الله لها لعله يحيى لها ولدها؛ فجاء إلياس إلى الصبي بعد أربعة عشر يوما من موته، فتوضأ وصلى ودعا الله فأحيا الله يونس بن متى بدعوة إلياس عليه السلام. وأرسل الله يونس إلى أهل نينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام ثم تابوا، حسبما تقدم بيانه في سورة "يونس" ومضى في "الأنبياء" قصة يونس في خروجه مغاضبا. واختلف في رسالته هل كانت قبل التقام الحوت إياه أو بعده. قال الطبري عن شهر بن حوشب: إن جبريل عليه السلام أتي يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم. قال: ألتمس دابة. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: ألتمس حذاء. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: فغضب فانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركب السفينة احتبست السفينة لا تتقدم ولا تتأخر. قال: فتساهموا، قال: فسهم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه؛ فنودي الحوت: أيا حوت! إنا لم نجعل لك يونس رزقا؛ إنما جعلناك له حرزا ومسجدا. قال: فالتقمه الحوت من ذلك المكان حتى مر به إلى الأبلة، ثم انطلق به حتى مر به على دجلة، ثم انطلق حتى ألقاه في نينوى. حدثنا الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت؛ واستدل هؤلاء بأن الرسول لا يخرج مغاضبا لربه، فكان ما جرى منه قبل النبوة. وقال آخرون: كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل إليهم إلى ما أمره الله بدعائهم إليه، وتبليغه إياهم رسالة ربه، ولكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس الله في وقت وقته لهم ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله، فلما أظل القوم العذاب وغشيهم - كما قال الله تعالى في تنزيله - تابوا إلى الله، فرفع الله العذاب عنهم، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان وعدهموه فغضب من ذلك وقال: وعدتهم وعدا فكذب وعدي. فذهب مغاضبا ربه وكره الرجوع إليهم، وقد جربوا عليه الكذب؛ رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقد مضى هذا في "الأنبياء" وهو الصحيح على ما يأتي عند قوله تعالى: "وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون" [الصافات: 147]. ولم ينصرف يونس؛ لأنه اسم أعجمي ولو كان عربيا لانصرف وإن كانت في أول الياء؛ لأنه ليس في الأفعال يفعل كما أنك إذا سميت بيُعفر صرفته؛ وإن سميت بيَعفر لم تصرفه.
قوله تعالى: "إذ أبق" قال المبرد: أصل أبق تباعد؛ ومنه غلام آبق. وقال غيره: إنما قيل ليونس أبق؛ لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستترا من الناس. "إلى الفلك المشحون" أي المملوءة "والفلك" يذكر ويؤنث ويكون واحدا وجمعا وقد تقدم. قال الترمذي الحكيم: سماه آبقا لأنه أبق عن العبودية، وإنما العبودية ترك الهوى وبذل النفس عند أمور الله؛ فلما لم يبذل النفس عندما اشتدت عليه العزمة من الملك حسبما تقدم بيانه في "الأنبياء"، وآثر هواه لزمه اسم الآبق، وكانت عزمة الملك في أمر الله لا في أمر نفسه، وبحظ حق الله لا بحظ نفسه؛ فتحرى يونس فلم يصب الصواب الذي عند الله فسماه آبقا ومليما.
قوله تعالى: "فساهم" قال المبرد: فقارع، قال: وأصله من السهام التي تجال.
"فكان من المدحضين" قال: من المغلوبين. قال الفراء: دحضت حجته وأدحضها الله. وأصله من الزلق؛ قال الشاعر:
قتلنا المدحضين بكل فج فقد قرت بقتلهم العيون
أي المغلوبين. "فالتقمه الحوت وهو مليم" أي أتى بما يلام عليه. فأما الملوم فهو الذي يلام، استحق ذلك أو لم يستحق. وقيل: المليم المعيب. يقال: لام الرجل إذا عمل شيئا فصار معيبا بذلك العمل. "فلولا أنه كان من المسبحين" قال الكسائي: لم تكسر "أن" لدخول اللام؛ لأن اللام ليست لها. النحاس: والأمر كما قال؛ إنما اللام في جواب لولا. "فلولا أنه كان من المسبحين" أي من المصلين "للبث في بطنه إلى يوم يبعثون" أي عقوبة له؛ أي يكون بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. واختلف كم أقام في بطن الحوت. فقال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. الضحال: عشرين يوما. عطاء: سبعة أيام. مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. وقيل: ساعة واحدة. والله أعلم.
روى الطبري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما أراد الله تعالى ذكره - حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر؛ فلما أنتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه وهو في بطن الحوت: (إن هذا تسبيح دواب البحر) قال: (فسبح وهو في بطن الحوت) قال: (فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة) قال: (ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر) قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال نعم. فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت بقذفه في الساحل كما قال تعالى: "وهو سقيم"). وكان سقمه الذي وصفه به الله - تعالى ذكره - أنه ألقاه الحوت على الساحل كالصبى المنفوس قد نشر اللحم والعظم. وقد روي: أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح، ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر، فلفظه سالما لم يغير منه شيء فأسلموا؛ ذكره الزمخشري في تفسيره. وقال ابن العربي: أخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني: أنه سئل عن الباري في جهة؟ فقال: لا، هو يتعالى عن ذلك. قيل له: ما الدليل عليه؟ قال: الدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوني على يونس بن متى) فقيل له: ما وجه الدليل في هذا الخبر؟ فقال: لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينا. فقام رجلان فقالا: هي علينا. فقال لا يتبع بها اثنين؛ لأنه يشق عليه. فقال واحد: هي علي. فقال: إن يونس بن متى رمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت، فصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث، ونادى "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" [الأنبياء: 87] كما أخبر الله عنه، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم حين جلس على الرفرف الأخضر وارتقى به صعدا، حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام، ومناجاه ربه بما ناجاه به، وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله تعالى من يونس في بطن الحوت في ظلمة البحر.
ذكر الطبري: أن يونس عليه السلام لما ركب في السفينة أصاب أهلها عاصفة من الريح، فقالوا: هذه بخطيئة أحدكم. فقال يونس وعرف أنه هو صاحب الذنب: هذه خطيئتي فألقوني في البحر، وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم. "فساهم فكان من المدحضين" فقال لهم: قد أخبرتكم أن هذا الأمر بذنبي. وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم الثانية فكان من المدحضين، وأنهم أبوا أن يلقوه في البحر حتى أعادوا سهامهم الثالثة فكان من المدحضين. فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل فابتلعه الحوت. وروي أنه لما ركب في السفينة تقنع ورقد فساروا غير بعيد إذ جاءتهم ريح كادت السفينة أن تغرق، فاجتمع أهل السفينة فدعوا فقالوا: أيقظوا الرجل النائم يدعوا معنا؛ فدعا الله معهم فرفع الله عنهم تلك الريح. ثم انطلق يونس إلى مكانه فرقد، فجاءت ريح كادت السفينة أن تغرق، فأيقظوه ودعوا فارتفعت الريح. قال: فبينما هم كذلك إذ رفع حوت عظيم رأسه إليهم أراد أن يبتلع السفينة، فقال لهم يونس: يا قوم هذا من أجلي فلو طرحتموني في البحر لسرتم ولذهب الريح عنكم والروع. قالوا: لا نطرحك حتى نتساهم، فمن وقعت عليه رميناه في البحر. قال: فتساهموا فوقع على يونس؛ فقال لهم: يا قوم اطرحوني فمن أجلي أوتيتم؛ فقالوا: لا نفعل حتى نتساهم مرة أخرى. ففعلوا فوقع على يونس. فقال لهم: يا قوم اطرحوني فمن أجلي أوتيتم؛ فذلك قول الله عز وجل: "فساهم فكان من المدحضين" أي وقع السهم عليه؛ فانطلقوا به إلى صدر السفينة ليلقوه في البحر، فإذا الحوت فاتح فاه، ثم جاؤوا به إلى جانب السفينة، فإذا بالحوت، ثم رجعوا به إلى الجانب الآخر، فإذا بالحوت فاتح فاه؛ فلما رأى ذلك ألقى بنفسه فالتقمه الحوت؛ فأوحى الله تعالى إلى الحوت: إني لم أجعله لك رزقا ولكن جعلت بطنك له وعاء. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة فنادى في الظلمات: "أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين" [الأنبياء: 87] وقد تقدم ويأتي.
ففي هذا من الفقه أن القرعة كانت معمولا بها في شرع من قبلنا، وجاءت في شرعنا على ما تقدم في "آل عمران" قال ابن العربي: وقد وردت القرعة في الشرع في ثلاثة مواطن. الأول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه أن رجلا أعتق ستة أعبد لا مال له غيرهم، فأقرع بينهم؛ فأعتق اثنين وأرق أربعة. الثالث: أن رجلين اختصما إليه في مواريث قد درست فقال: (اذهبا وتوخيا الحق واستهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه). فهذه ثلاثة مواطن، وهي القسم في النكاح، والعتق، والقسمة، وجريان القرعة فيها لرفع الإشكال وحسم داء التشهي. واختلف علماؤنا في القرعة بين الزوجات في الغزو على قولين؛ الصحيح منهما الإقراع؛ وبه قال فقهاء الأمصار. وذلك أن السفر بجميعهن لا يمكن، واختيار واحدة منهن إيثار فلم يبق إلا القرعة. وكذلك في مسألة الأعبد الستة؛ فإن كل اثنين منهما ثلث، وهو القدر الذي يجوز له فيه العتق في مرض الموت، وتعيينهما بالتشهي لا يجوز شرعان فلم يبق إلا القرعة. وكذلك التشاجر إذا وقع في أعيان المواريث لم يميز الحق إلا القرعة، فصارت أصلا في تعيين المستحق إذا أشكل. قال: والحق عندي أن تجري في كل مشكل، فذلك بين لها، وأقوى لفصل الحكم فيها، وأجلى لرفع الإشكال عنها؛ ولذلك قلنا: إن القرعة بين الزوجات في الطلاق كالقرعة بين الإماء في العتق.
الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز. وإنما كان ذلك في يونس وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه؛ فإنه لا يجوز لمن كان عاصيا أن يقتل ولا يرمى به في النار أو البحر، وإنما تجرى عليه الحدود والتعزير على مقدار جنايته. وقد ظن بعض الناس أن البحر إذا هال على القوم فاضطروا إلى تخفيف السفينة أن القرعة تضرب عليهم، فيطرح بعضهم تخفيفا؛ وهذا فاسد؛ فإنها لا تخف برمي بعض الرجال وإنما ذلك في الأموال، ولكنهم يصبرون على قضاء الله عز وجل.
أخبر الله عز وجل أن يونس كان من المسبحين، وأن تسبيحه كان سبب نجاته؛ ولذلك قيل: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر. قال ابن عباس: "من المسبحين" من المصلين. قال قتادة: كان يصلي قبل ذلك لحفظ الله عز وجل له فنجاه. وقال الربيع بن أنس: لولا أنه كان له قبل ذلك عمل صالح "للبث في بطنه إلى يوم يبعثون" قال: ومكتوب في الحكمة - إن العمل الصالح يرفع ربه إذا عثر. وقال مقاتل: "من المسبحين" من المصلين المطيعين قبل المعصية. وقال وهب: من العابدين. وقال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت؛ ولكنه قدم عملا صالحا في حال الرخاء فذكره الله به في حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه، وإذا عثر وجد متكأ.
قلت: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل) فيجتهد العبد، ويحرص على خصلة من صالح عمله، يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويخبؤها بجهده، ويسترها عن خلقه، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه. وقد خرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بينما ثلاثة نفر - في رواية ممن كان قبلكم - يتماشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله بها لعله يفرجها عنكم...) الحديث بكماله وهو مشهور، شهرته أغنت عن تمامه. وقال سعيد بن جبير: لما قال في بطن الحوت: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" [الأنبياء: 87] قذفه الحوت. وقيل: "من المسبحين" من المصلين في بطن الحوت.
قلت: والأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق للجنان، وعليه يدل حديث أبي هريرة المذكور قبل الذي ذكره الطبري. قال: فسبح في بطن الحوت. قال: فسمعت الملائكة تسبيحه؛ فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة. وتكون "كان" على هذا القول زائدة؛ أي فلولا أنه من المسبحين. وفي كتاب أبي داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعاء ذي النون في بطن الحوت "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" [الأنبياء: 87] لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له) وقد مضى هذا في سورة [الأنبياء" فيونس عليه السلام كان قبل مصليا مسبحا، وفي بطن الحوت كذلك. وفي الخبر: فنودي الحوت: إنا لم نجعل يونس لك رزقا؛ إنما جعلناك له حرزا ومسجدا. وقد تقدم.
الآية: 145 - 148 {فنبذناه بالعراء وهو سقيم، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون، فآمنوا فمتعناهم إلى حين}
قوله تعالى: "فنبذناه بالعراء وهو سقيم، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين" روي أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل. وقال ابن قسيط عن أبي هريرة: طرح يونس بالعراء وأنبت الله عليه يقطينة؛ فقلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء؛ هيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض - أو هشاش الأرض - فتفشج عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج به - يعني الحوت - حتى لفظه في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس لم ينقص من خلقه شيء. وقيل: إن يونس لما ألقاه الحوت على ساحل البحر أنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهي فيما ذكر شجرة القرع تتقطر عليه من اللبن حتى رجعت إليه قوته. ثم رجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها يبست، فحزن وبكى عليها فعوتب؛ فقيل له: أحزنت على شجرة وبكيت عليها، ولم تحزن على مائة ألف وزيادة من بني إسرائيل، من أولاد إبراهيم خليلي، أسرى في أيدي العدو، وأردت إهلاكهم جميعا. وقيل: هي شجرة التين. وقيل: شجرة الموز تغطى بورقها، واستظل بأغصانها، وأفطر على ثمارها. والأكثر على أنها شجرة اليقطين على ما يأتي. ثم إن الله تبارك وتعالى اجتباه فجعله من الصالحين. ثم أمره أن يأتي قومه ويخبرهم أن الله تعالى قد تاب عليهم، فعمد إليهم حتى لقي راعيا فسأله عن قوم يونس وعن حالهم وكيف هم، فأخبره أنهم بخير، وأنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم. فقال له: فأخبرهم أني قد لقيت يونس. قال: وماذا؟ قال: وهذه البقعة التي أنت فيها تشهد لك أنك لقيت يونس، قال: وماذا؟ قال وهذه الشجرة تشهد لك أنك لقيت يونس. وأنه رجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه لقى يونس فكذبوه وهموا به شرا فقال: لا تعجلوا علي حتى أصبح، فلما أصبح غدا بهم إلى البقعة التي لقي فيها يونس، فاستنطقها فأخبرتهم أنه لقي يونس؛ واستنطق الشاة والشجرة فأخبرتاهم أنه لقي يونس، ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك. ذكر هذا الخبر وما قبله الطبري رحمه الله. "فنبذناه" طرحناه. وقيل: تركناه. "بالعراء" بالصحراء؛ قال ابن الأعرابي. الأخفش: بالفضاء. أبو عبيدة: الواسع من الأرض. الفراء: العراء المكان الخالي. قال: وقال أبو عبيدة: العراء وجه الأرض؛ وأنشد لرجل من خزاعة:
ورفعت رجلا لا أخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابي
وحكى الأخفش في قوله: "وهو سقيم" جمع سقيم سقمى وسقامى وسقام. وقال في هذه السورة: "فنبذناه بالعراء" وقال في "ن والقلم" [القلم: 1]: "لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم" [القلم: 49] والجواب: أن الله عز وجل خبر ها هنا أنه نبذه بالعراء وهو غير مذموم ولولا رحمة الله عز وجل لنبذ بالعراء وهو مذموم؛ قاله النحاس. وقوله: "وأنبتنا عليه شجرة من يقطين" يعني "عليه" أي عنده؛ كقوله تعالى: "ولهم على ذنب" [الشعراء: 14] أي عندي. وقيل: "عليه" بمعنى له. "شجرة من يقطين" اليقطين: شجر الدباء: وقيل غيرها؛ ذكره ابن الأعرابي. وفي الخبر: (الدباء والبطيخ من الجنة) وقد ذكرناه في كتاب التذكرة. وقال المبرد: يقال لكل شجرة ليس لها ساق يفترش ورقها على الأرض يقطينة نحو الدباء والبطيخ والحنظل، فإن كان لها ساق يقلها فهي شجرة فقط، وإن كانت قائمة أي بعروق تفترش فهي نجمة وجمعها نجم. قال الله تعالى: "والنجم والشجر يسجدان" [الرحمن: 6] وروي نحوه عن ابن عباس والحسن ومقاتل. قالوا: كل نبت يمتد ويبسط على الأرض ولا يبقى على استواء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل فهو يقطين. وقال سعيد بن جبير: هو كل شيء ينبت ثم يموت من عامه فيدخل في هذا الموز.
قلت: وهو مما له ساق. الجوهري: واليقطين ما لا ساق له كشجر القرع ونحوه. الزجاج: اشتقاق اليقطين من قطن بالمكان إذا أقام به فهو يفعيل. وقيل: هو اسم اعجمي. وقيل: إنما خص اليقطين بالذكر، لأنه لا ينزل عليه ذباب. وقيل: ما كان ثم يقطين فأنبته الله في الحال. القشيري: وفي الآية ما يدل على أنه كان مفروشا ليكون له ظل. الثعلبي: كانت تظله فرأى خضرتها فأعجبته، فيبست فجعل يتحزن عليها؛ فقيل له: يا يونس أنت الذي لم تخلق ولم تسق ولم تنبت تحزن على شجيرة، فأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا وتبت عليهم فأين رحمتي يا يونس أنا أرحم الراحمين. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل الثريد باللحم والقرع وكان يحب القرع ويقول: (إنها شجرة أخي يونس) وقال أنس: قدم للنبي صلى الله عليه وسلم مرق فيه دباء وقديد فجعل يتبع الدباء حوالي القصعة. قال أنس: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. أخرجه الأئمة.
قوله تعالى: "وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون" وقد تقدم عن ابن عباس أن رسالة يونس عليه السلام إنما كانت بعد ما نبذه الحوت. وليس له طريق إلا عن شهر بن حوشب. النحاس: وأجود منه إسنادا وأصح ما حدثناه عن علي بن الحسين قال: حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا عمرو بن العنقزي قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال حدثنا عبدالله بن مسعود في بيت المال عن يونس النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أن يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجأروا إلى الله عز وجل واستغفروا، فكف الله عز وجل عنهم العذاب، وغدا يونس عليه السلام ينتظر العذاب فلم ير شيئا - وكان من كذب ولم تكن له بينة قتل - فخرج يونس مغاضبا، فأتى قوما في سفينة فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت السفينة والسفن تسير يمينا وشمالا؛ فقالوا: ما لسفينتكم؟ فقالوا: لا ندري. فقال يونس عليه السلام: إن فيها عبدا آبقا من ربه جل وعز وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك. قال: فأقرعوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرعهم يونس فأبوا أن يدعوه، فال: فاقترعوا ثلاثا فمن قرع فليقع. فاقترعوا فقرعهم يونس ثلاث مرات أو قال ثلاثا فوقع. وقد وكل الله به جل وعز حوتا فابتلعه وهو يهوي به إلى قرار الأرض، فسمع يونس عليه السلام تسبيح الحصى "فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" [الأنبياء: 87] قال: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال: "فنبذناه بالعراء وهو سقيم" قال: كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. قال: وأنبت الله عليه شجرة من يقطين فنبتت، فكان يستظل بها ويصيب منها، فيبست فبكى عليها؛ فأوحى الله جل وعز إليه: أتبكي على شجرة يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم قال: وخرج رسول الله يونس فإذا هو بغلام يرعى؛ قال: يا غلام من أنت؟ قال: من قوم يونس. قال: فإذا جئت إليهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس. قال: إن كنت يونس فقد علمت أنه من كذب قتل إذا لم تكن له بينة فمن يشهد؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة. قال: فمرهما؛ فقال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فأشهدا له. قالتا نعم. قال: فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة وكان له إخوة، فأتى الملك فقال: إني قد لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل؛ فقالوا: إن له بينة فأرسلوا معه. فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما بالله جل وعز أتشهدان أني لقيت يونس؟ قالتا: نعم قال: فرجع القوم مذعورين يقولون له: شهدت له الشجرة والأرض فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا. قال عبدالله: فتناول الملك يد الغلام فأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبدالله: فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. قال أبو جعفر النحاس: فقد تبين في هذا الحديث أن يونس كان قد أرسل قبل أن يلقمه الحوت بهذا الإسناد الذي لا يؤخذ بالقياس. وفيه أيضا من الفائدة أن قوم يونس آمنوا وندموا قبل أن يروا العذاب؛ لأن فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم العذاب إلى ثلاثة أيام، ففرقوا ببن كل والدة وولدها، وضجوا ضجة واحدة إلى الله عز وجل.
وهذا هو الصحيح في الباب، وأنه لم يكن حكم الله عز وجل فيهم كحكمه في غيرهم في قول عز وجل: "فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا" [غافر: 85] وقول عز وجل: "وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت" [النساء: 18] الآية. وقال بعض العلماء: إنهم رأوا مخائل العذاب فتابوا. وهذا لا يمنع، وقد تقدم ما للعلماء في هذا في سورة "يونس" فلينظر هناك.
قوله تعالى: "أو يزيدون" قد مضى في "البقرة" محامل "أو" في قوله تعالى: "أو أشد قسوة" [البقرة: 74]. وقال القراء: "أو" بمعنى بل. وقال غيره: إنها بمعنى الواو، ومنه قول الشاعر:
فلما اشتد أمر الحرب فينا تأملنا رياحا أو رزاما
أي ورزاما. وهذا كقوله تعالى: "وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب" [النحل: 77]. وقرأ جعفر بن محمد "إلى مائة ألف ويزيدون" بغير همز؛ فـ "يزيدون" في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف أي وهم يزيدون. النحاس: ولا يصح هذان القولان عند البصريين، وأنكروا كون "أو" بمعنى بل وبمعنى الواو؛ لأن بل للإضراب عن الأول والإيجاب لما بعده، وتعالى الله عز وجل عن ذلك، أو خروج من شيء إلى شيء وليس هذا موضع ذلك؛ والواو معناه خلاف معنى "أو" فلو كان أحدهما بمعنى الآخر لبطلت المعاني؛ ولو جاز ذلك لكان وأرسلناه إلى أكثر من مائتي ألف أخصر. وقال المبرد: المعنى وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر، وإنما خوطب العباد على ما يعرفون. وقيل: هو كما تقول: جاءني زيد أو عمرو وأنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقال الأخفش والزجاج: أي أو يزيدون في تقديركم. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. ورواه أبي بن كعب مرفوعا. وعن ابن عباس أيضا: ثلاثين ألفا. الحسن والربيع: بضعا وثلاثين ألفا. وقال مقاتل بن حيان: سبعين ألفا. "فآمنوا فمتعناهم إلى حين" أي إلى منتهى آجالهم.
الآية: 149 - 157{فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون، أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون، ألا إنهم من إفكهم ليقولون، ولد الله وإنهم لكاذبون، أصطفى البنات على البنين، ما لكم كيف تحكمون، أفلا تذكرون، أم لكم سلطان مبين، فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين}
قوله تعالى: "فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون" لما ذكر أخبار الماضين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم احتج على كفار قريش في قولهم: إن الملائكة بنات الله؛ فقال: "فاستفتهم". وهو معطوف على مثله في أول السورة وإن تباعدت بينهم المسافة؛ أي فسل يا محمد أهل مكة "ألربك البنات" وذلك أن جهينة وخزاعة وبني مليح وبنى سلمة وعبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله. وهذا سؤال توبيخ.
"أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون" أي حاضرون لخلقنا إياهم إناثا؛ وهذا كما قال الله عز وجل: "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم" [الزخرف: 19]. ثم قال: "ألا إنهم من إفكهم" وهو أسوأ الكذب "ليقولون، ولد الله وإنهم لكاذبون" في قولهم إن لله ولدا وهو الذي لا يلد ولا يولد. و"إن" بعد "ألا" مكسورة؛ لأنها مبتدأة. وحكى سيبويه أنها تكون بعد أما مفتوح أو مكسورة؛ فالفتح على أن تكون أما بمعنى حقا، والكسر على أن تكون أما بمعنى ألا. النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول يجوز فتحها بعد ألا تشبيها بأما، وأما في الآية فلا يجوز إلا كسرها؛ لأن بعدها الرفع. وتمام الكلام "كاذبون". ثم يبتدئ "أصطفى" على معنى التقريع والتوبيخ كأنه قال: ويحكم "أصطفى البنات" أي اختار البنات وترك البنين. وقراءة العامة "أصطفى" بقطع الألف؛ لأنها ألف استفهام دخلت على ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوح مقطوعة على حالها مثل: "أطلع الغيب" على ما تقدم. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وحمزة "اصطفى" بوصل الألف على الخبر بغير استفهام. وإذا ابتدأ كسر الهمزة. وزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها؛ لأن بعدها "ما لكم كيف تحكمون" فالكلام جار على التوبيخ من جهتين: إحداهما أن يكون تبيينا وتفسير لما قالوه من الكذب ويكون "ما لكم كيف تحكمون" منقطعا مما قبله. والجهة الثانية أنه قد حكى النحويون - منهم الفراء - أن التوبيخ يكون باستفهام وبغير استفهام كما قال جل وعز: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا" [الأحقاف: 20]. وقيل: هو على إضمار القول؛ أي ويقولون "أصطفى البنات". أو يكون بدلا من قوله: "ولد الله" لأن ولادة البنات واتخاذهن اصطفاه لهن، فأبدل مثال الماضي من مثال الماضي فلا يوقف على هذا على "لكاذبون". "أفلا تذكرون" الكلام جار على التوبيخ من جهتين: إحداهما أن يكون تبيينا وتفسير لما قالوه من الكذب ويكون "ما لكم كيف تحكمون" منقطعا مما قبله. والجهة الثانية أنه قد حكى النحويون - منهم الفراء - أن التوبيخ يكون باستفهام وبغير استفهام كما قال جل وعز: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا" [الأحقاف: 20]. وقيل: هو على إضمار القول؛ أي ويقولون "أصطفى البنات". أو يكون بدلا من قوله: "ولد الله" لأن ولادة البنات واتخاذهن اصطفاه لهن، فأبدل مثال الماضي مثال الماضي فلا يوقف على هذا على "لكاذبون". "أفلا تذكرون" في أنه لا يجوز أن يكون له ولد. "أم لكم سلطان مبين" حجة وبرهان. "فأتوا بكتابكم" أي بحججكم "إن كنتم صادقين" في قولكم.