تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 303 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 303

303 : تفسير الصفحة رقم 303 من القرآن الكريم

** فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتّىَ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّآ أَن تُعَذّبَ وَإِمّآ أَن تَتّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قَالَ أَمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذّبُهُ ثُمّ يُرَدّ إِلَىَ رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَاباً نّكْراً * وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الْحُسْنَىَ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً
قال ابن عباس {فأتبع سبب} يعني بالسبب المنزل, وقال مجاهد {فأتبع سبب} منزلاً وطريقاً ما بين المشرق والمغرب, وفي رواية عن مجاهد {سبب} قال: طريقاً في الأرض وقال قتادة: أي اتبع منازل الأرض ومعالمها, وقال الضحاك {فأتبع سبب} أي المنازل, وقال سعيد بن جبير في قوله: {فأتبع سبب} قال: علماً, وهكذا قال عكرمة وعبيد بن يعلى والسدي, وقال مطر: معالم وآثار كانت قبل ذلك.
وقوله: {حتى إذا بلغ مغرب الشمس} أي فسلك طريقاً حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب وهو مغرب الأرض, وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر, وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة, والشمس تغرب من ورائه, فشيء لا حقيقة له, وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب واختلاف زنادقتهم وكذبهم, وقوله: {وجدها تغرب في عين حمئة} أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط, وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه, والحمئة مشتقة على إحدى القراءتين من الحمأة وهو الطين, كما قال تعالى: {إني خالق بشراً من صلصال من حمإٍ مسنون} أي طين أملس, وقد تقدم بيانه.
وقال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرنا ابن وهب, أنبأنا نافع بن أبي نعيم, سمعت عبد الرحمن الأعرج يقول: كان ابن عباس يقول في عين حمئة ثم فسرها ذات حمئة, قال نافع: وسئل عنها كعب الأحبار, فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني, ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء, وكذا روى غير واحد عن ابن عباس, وبه قال مجاهد وغير واحد. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدع, عن ابن عباس عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه حمئة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وجدها تغرب في عين حامية, يعني حارة, وكذا قال الحسن البصري. وقال ابن جرير: والصواب أنهما قراءتان مشهورتان وأيهما قرأ القارىء فهو مصيب, قلت: ولا منافاة بين معنييهما إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها وملاقاتها الشعاع بلا حائل, وحمئة في ماء وطين أسود, كما قال كعب الأحبار وغيره.
وقال ابن جرير حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أخبرناالعوام حدثني مولى لعبد الله بن عمرو عن عبد الله قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض» قلت ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون وفي صحة رفع هذا الحديث نظر ولعله من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك والله أعلم, وقال ابن أبي حاتم حدثنا حجاج بن حمزة حدثنا محمد يعني ابن بشر حدثنا عمرو بن ميمون أنبأنا ابن حاضر أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الاَية التي في سورة الكهف {تغرب في عين حامية} قال ابن عباس لمعاوية ما نقرؤها إلا حمئة, فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرؤها ؟ فقال: عبد الله كما قرأتها, قال ابن عباس فقلت لمعاوية في بيتي نزل القرآن, فأرسل إلى كعب فقال له أين تجد الشمس تغرب في التوراة ؟ فقال له كعب سل أهل العربية فإنهم أعلم بها, وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين وأشار بيده إلى المغرب قال ابن حاضر: لو أني عندك أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في حمئة, قال ابن عباس: وإذاً ما هو ؟ قلت: فيما يؤثر من قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه:
بلغ المشارق والمغارب يبتغيأسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبهافي عين ذي خلب وثأط حرمد
فقال ابن عباس: ما الخلب ؟ قلت: الطين بكلامهم, قال: فما الثأط ؟ قلت: الحمأة, قال: فما الحرمد ؟ قلت: الأسود, قال: فدعا ابن عباس رجلاً أو غلاماً فقال: اكتب ما يقول هذا الرجل وقال سعيد بن جبير بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف فقرأ {وجدها تغرب في عين حمئة} قال: كعب والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحداً يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس فإنا نجدها في التوراة تغرب في مدرة سوداء, وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف قال في تفسير ابن جريج {ووجد عندها قوم} قال مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها لسمع الناس وجوب الشمس حين تجب, وقوله: {ووجد عندها قوم} أي أمّة من الأمم ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم وقوله: {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسن} معنى هذا أن الله تعالى مكنه منهم وحكمه فيهم وأظفره بهم وخيّره إن شاء قتل وسبى وإن شاء منّ أوفدى فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه في قوله: {أمّا من ظلم} أي استمر على كفره وشركه بربه {فسوف نعذبه} قال قتادة بالقتل وقال السدي كان يحمي لهم بقر النحاس ويضعهم فيها حتى يذوبوا وقال وهب بن منبه كان يسلط الظلمة فتدخل أجوافهم وبيوتهم وتغشاهم من جميع جهاتهم والله أعلم, وقوله: {ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكر} أي شديداً بليغاً وجيعاً أليماً وفي هذا إثبات المعاد والجزاء. وقوله: {وأما من آمن} أي اتبعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له {فله جزاء الحسنى} أي في الدار الاَخرة عند الله عز وجل {وسنقول له من أمرنا يسر} قال مجاهد معروفاً.

** ثُمّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتّىَ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىَ قَوْمٍ لّمْ نَجْعَل لّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً
يقول تعالى ثم سلك طريقاً فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها وكان كلما مر بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله عز وجل فإن أطاعوه وإلا أذلهم وأرغم آنافهم واستباح أموالهم وأمتعتهم واستخدم من كل أمة ما تستعين به جيوشه على قتال الأقاليم المتاخمة لهم, وذكر في أخبار بني إسرائيل أنه عاش ألفاً وتسعمائة سنة يجوب الأرض طولها والعرض حتى بلغ المشارق والمغارب ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال تعالى {وجدها تطلع على قوم} أي أمة {لم نجعل لهم من دونها ستر} أي ليس لهم بناء يكنهم ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس, وقال سعيد بن جبير كانوا حمراً قصاراً مساكنهم الغيران أكثر معيشتهم من السمك.
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سهل بن أبي الصلت سمعت الحسن وسأل عن قول الله تعالى {لم نجعل لهم من دونها ستر} قال إن أرضهم لا تحمل البناء فإذا طلعت الشمس تغوروا في المياه فإذا غربت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم قال الحسن هذا حديث سمرة, وقال قتادة ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئاً فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروفهم ومعايشهم. وعن سلمة بن كهيل أنه قال: ليست لهم أكنان إذا طلعت الشمس طلعت عليهم فلأحدهم أذنان يفرش إحداهما ويلبس الأخرى. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستر} قال هم الزنج, وقال ابن جرير في قوله: {وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستر} قال لم يبنوا فيها بناء قط ولم يبن عليهم بناء قط كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسراباً لهم حتى تزول الشمس أو دخلوا البحر وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل. جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها: لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها, قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس ما هذه العظام ؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس ههنا... فماتوا, قال: فذهبوا هاربين في الأرض وقوله: {كذلك وقد أحطنا بما لديه خير} قال مجاهد والسدي: علماً أي نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه لا يخفى علينا منها شيء وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض فإنه تعالى {لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}.

** ثُمّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتّىَ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىَ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكّنّي فِيهِ رَبّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّىَ إِذَا سَاوَىَ بَيْنَ الصّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُواْ حَتّىَ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيَ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً
يقول تعالى مخبراً عن ذي القرنين {ثم أتبع سبب} أي ثم سلك طريقاً من مشارق الأرض حتى إذا بلغ بين السدين وهما جبلان متناوحان بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك فيعيثون فيها فساداً ويهلكون الحرث والنسل, ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم عليه السلام كما ثبت في الصحيحين «إن الله تعالى يقول: يا آدم فيقول لبيك وسعديك فيقول: ابعث بعث النار فيقول: وما بعث النار ؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة, فحينئذ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها فقال إن فيكم أمّتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج» وقد حكى النووي رحمه الله في شرح مسلم عن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب فخلقوا من ذلك, فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من حواء وهذا قول غريب جداً لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل ولا يجوز الاعتماد ههنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة والله أعلم.
وفي مسند الإمام أحمد عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب وحام أبو السودان, ويافث أبو الترك» قال بعض العلماء هؤلاء من نسل يافث أبو الترك, وقال إنما سمي هؤلاء تركاً لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة وإلا فهم أقرباء أولئك ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة, وقد ذكر ابن جرير ههنا عن وهب بن منبه أثراً طويلاً عجيباً في سير ذي القرنين وبنائه السد وكيفية ما جرى له وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها والله أعلم. وقوله: {وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قول} أي لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس {قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرج} قال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أجراً عظيماً يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا لهم من بينهم مالاً يعطونه إياه حتى يجعل بينه وبينهم سداً فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير {ما مكني فيه ربي خير} أي إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه كما قال سليمان عليه السلام {أتمدونن بمال فماآتاني الله خير مما آتاكم} الاَية وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه ولكن ساعدوني بقوة أي بعملكم وآلات البناء {أجعل بينكم وبينهم ردماً آتوني زبر الحديد} والزبر جمع زبرة وهي القطعة منه قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وهي كاللبنة يقال كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه {حتى إذا ساوى بين الصدفين} أي وضع بعضه على بعض من الأساس حتى إذا حاذى به رؤوس الجبلين طولاً وعرضاً واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال {قال انفخو} أي أجج عليه النار حتى صار كله ناراً {قال آتوني أفرغ عليه قطر} قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي هو النحاس زاد بعضهم المذاب ويستشهد بقوله تعالى: {وأسلنا له عين القطر} ولهذا يشبه بالبرد المحبر. قال ابن جرير: حدثنا بشر عن يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً قال يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال «انعته لي» قال كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء قال «قد رأيته» هذا حديث مرسل. وقد بعث الخليفة الواثق في دولته أحد أمرائه وجهز معه جيشاً سرية لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا فتوصلوا من هناك إلى بلاد ومن ملك إلى ملك حتى وصلوا إليه ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس وذكروا أنهم رأوا فيه باباً عظيماً وعليه أقفال عظيمة ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك, وأن عنده حرساً من الملوك المتاخمة له وأنه عال منيف شاهق لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال ثم رجعوا إلى بلادهم وكانت غيبتهم أكثر من سنتين وشاهدوا أهوالاً وعجائب. ثم قال الله تعالى.

** فَمَا اسْطَاعُوَاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً * قَالَ هَـَذَا رَحْمَةٌ مّن رّبّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبّي حَقّاً * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً
يقول تعالى مخبراً عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا من فوق هذا السد ولا قدروا على نقبه من أسفله ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلاً بما يناسبه فقال {فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقب} وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه ولا على شيء منه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة حدثنا أبو رافع عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله فيعودون إليه كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفاً في رقابهم فيقتلهم بها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم ودمائهم» ورواه أحمد أيضاً عن حسن هو ابن موسى الأشهب عن سفيان عن قتادة به وكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: حدث أبو رافع وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة ثم قال غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه وإسناده جيد قوي ولكن متنه في رفعه نكارة لأن ظاهر الاَية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون غداً نفتحه فيأتون من الغد وقد عاد كما كان فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون فذلك فيصبحون وهو كما كان فيلحسونه ويقولون غداً نفتحه ويلهمون أن يقولوا إن شاء الله فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه وهذا متجه ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كان كثيراً ما كان يجالسه ويحدثه فحدث به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه والله أعلم.
ويؤيد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه ومن نكارة هذا المرفوع قول الإمام أحمد حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمى عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال سفيان أربع نسوة ـ قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا» وحل قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» هذا حديث صحيح اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث الزهري ولكن سقط في رواية البخاري ذكر حبيبة وأثبتها مسلم وفيه أشياء عزيزة قليلة نادرة الوقوع في صناعة الإسناد منها رواية الزهري عن عروة وهما تابعيان ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده كلهن يروي بعضهم عن بعض ثم كل منهن صحابية ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان رضي الله عنهن.
قد رُوي نحو هذا عن أبي هريرة أيضاً, فقال البزار: حدثنا محمد بن مرزوق, حدثنا مؤمل بن إسماعيل, حدثنا وهيب عن ابن طاوس عن أبيه, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأموج مثل هذا» وعقد التسعين, وأخرجه البخاري ومسلم من حديث وهيب به, وقوله: {قال هذا رحمة من ربي} أي لما بناه ذو القرنين {قال هذا رحمة من ربي} أي بالناس حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلاً يمنعهم من العيث في الأرض والفساد, {فإذا جاء وعد ربي} أي إذا اقترب الوعد الحق {جعله دك} أي ساواه بالأرض, تقول العرب: ناقة دكاء إذا كان ظهرها مستوياً لاسنام لها, وقال تعالى: {فلما تجلى ربّه للجبل جعله دكاء} أي مساوياً للأرض.
وقال عكرمة في قوله: {فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء} قال: طريقاً كما كان, {وكان وعد ربي حق} أي كائناً لا محالة. وقوله: {وتركنا بعضهم} أي الناس يومئذ, أي يوم يدك هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم, وهكذا قال السدي في قوله: {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} قال: ذاك حين يخرجون على الناس, وهذا كله قبل القيامة وبعد الدجال, كما سيأتي بيانه عند قوله: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق} الاَية, وهكذا قال ههنا {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} قال: هذا أول القيامة {ونفخ في الصور} على أثر ذلك {فجمعناهم جمع} وقال آخرون: بل المراد بقوله: {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} قال: إذا ماج الجن والإنس يوم القيامة يختلط الإنس والجن.
وروى ابن جرير عن محمد بن حميد عن يعقوب القمي عن هارون بن عنترة, عن شيخ من بني فزارة في قوله {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} قال: إذا ماج الإنس والجن قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر, فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد قطعوا الأرض, ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض, فيقول: ما من محيص, ثم يظعن يميناًوشمالاً إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض فيقول ما من محيص, فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كالشراك فأخذ عليه هو وذريته, فبينما هم عليه إذ هجموا على النار, فأخرج الله خازناً من خزان النار, فقال: يا إبليس ألم تكن لك المنزلة عند ربك, ألم تكن في الجنان ؟ فيقول: ليس هذا يوم عتاب, لو أن الله فرض علي فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه, فيقول: فإن الله قد فرض عليك فريضة, فيقول: ما هي ؟ فيقول يأمرك أن تدخل النار فيتلكأ عليه, فيقول: به وبذريته بجناحيه, فيقذفهم في النار, فتزفر النار زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثى لركبتيه, وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به, ثم رواه من وجه آخر عن يعقوب عن هارون عن عنترة, عن أبيه عن ابن عباس {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} قال: الإنس والجن يموج بعضهم في بعض.
وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصفهاني, حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات, حدثنا أبو داود الطيالسي, حدثنا المغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر, عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم, ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم, ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً, وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل وتايس ومنسك» هذا حديث غريب, بل منكر ضعيف.
وروى النسائي من حديث شعبة عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبيه, عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعاً «إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا, وشجر يلقحون كما شاءوا, ولا يموت رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً». وقوله: {ونفخ في الصور} والصور كما جاء في الحديث: قرن ينفخ فيه, والذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام, كما تقدم في الحديث بطوله, والأحاديث فيه كثيرة, وفي الحديث عن عطية عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعاً «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته واستمع متى يؤمر ؟» قالوا: كيف نقول ؟ قال: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا». وقوله: {فجمعناهم جمع} أي أحضرنا الجميع للحساب {قل إن الأولين والاَخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحد}.