تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 161 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 161

160

قوله: 82- "وما كان جواب قومه" الواقعين في هذه الفاحشة على ما أنكره عليهم منها "إلا أن قالوا أخرجوهم" أي لوطاً وأتباعه "من قريتكم": أي ما كان لهم جواب إلا هذا القول المباين للإنصاف المخالف لما طلبه منهم وأنكره عليهم، وجملة "إنهم أناس يتطهرون" تعليل لما أمروا به من الإخراج، ووصفهم بالتطهر يمكن أن يكون على حقيقته، وأنهم أرادوا أن هؤلاء يتنزهون عن الوقوع في هذه الفاحشة فلا يساكنونا في قريتنا، ويحتمل أنهم قالوا ذلك على طريق السخرية والاستهزاء.
ثم أخبر الله سبحانه أنه أنجى لوطاً وأهله المؤمنين به، واستثنى امرأته من الأهل لكونها لم تؤمن به، ومعنى "كانت من الغابرين" أنها كانت من الباقين في عذاب الله، يقال: غبر الشيء إذا مضى، وغبر إذا بقي فهو من الأضداد. وحكى ابن فارس في المجمل عن قوم أنهم قالوا: الماضي عابر بالعين المهملة، والباقي غابر بالمعجمة. وقال الزجاج: "من الغابرين" أي من الغائبين عن النجاة. وقال أبو عبيد: المعنى "من الغابرين" أي من المعمرين وكانت قد هرمت، وأكثر أهل اللغة على أن الغابر الباقي.
قوله: 84- "وأمطرنا عليهم مطراً" قيل: أمطر بمعنى إرسال المطر. وقال أبو عبيدة: مطر في الرحمة وأمطر في العذاب، والمعنى هنا: أن الله أمطر عليهم مطراً غير ما يعتادونه وهو رميهم بالحجارة كما في قوله: "وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل" "فانظر كيف كان عاقبة المجرمين" هذا خطاب لكل من يصلح له، أو لمحمد صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في هود قصة لوط بأبين مما هنا. وقد أخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: "أتأتون الفاحشة" قال: أدبار الرجال. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: إنما كان بدء عمل قوم لوط: أن إبليس جاءهم في هيئة صبي، أجمل صبي رآه الناس، فدعاهم إلى نفسه فنكحوه ثم جسروا على ذلك. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عنه في قوله: "إنهم أناس يتطهرون" قال: من أدبار الرجال ومن أدبار النساء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: "إلا امرأته كانت من الغابرين" قال: من الباقين في عذاب الله. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة قال: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف.
قوله: 85- "وإلى مدين أخاهم شعيباً" معطوف على ما تقدم: أي وأرسلنا. ومدين اسم قبيلة، وقيل اسم بلد والأول أولى، وسميت القبيلة باسم أبيهم: وهو مدين بن إبراهيم كما يقال: بكر وتميم. قوله: "أخاهم شعيباً" شعيب عطف بيان، وهو شعيب بن ميكائيل بن يشجب بن مدين بن إبراهيم، قاله عطاء وابن إسحاق وغيرهما. وقال الشرفي بن القطامي: إنه شعيب بن عيفاء بن ثويب بن مدين بن إبراهيم. وزعم ابن سمعان أنه شعيب بن حرة بن يشجب بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وقال قتادة: هو شعيب بن صفوان بن عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم. قوله: "قال يا قوم" إلى قوله: "بينة من ربكم" قد سبق شرحه في قصة نوح. قوله: "فأوفوا الكيل والميزان" أمرهم بإيفاء الكيل والميزان لأنهم كانوا أهل معاملة بالكيل والوزن، وكانوا لا يعرفونهما، وذكر الكيل الذي هو المصدر وعطف عليه الميزان الذي هو اسم للآلة. واختلف في توجيه ذلك، فقيل: المراد بالكيل المكيال فتناسب عطف الميزان عليه، وقيل: المراد بالميزان الوزن فيناسب الكيل، والفاء في فأوفوا للعطف على اعبدوا. قوله: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم" البخس النقص وهو يكون بالتعييب للسلعة أو التزهيد فيها أو المخادعة لصاحبها والاحتيال عليه، وكل ذلك من أكل أموال الناس بالباطل وظاهر قوله: "أشياءهم" أنهم كانوا يبخسون الناس في كل الأشياء، وقيل: كانوا مكاسين يمكسون كل ما دخل إلى أسواقهم، ومنه قول زهير: أفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم قوله: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" قد تقدم تفسيره قريباً ويدخل تحته قليل الفساد وكثيره ودقيقه وجليله، والإشارة بقوله: "ذلكم" إلى العمل بما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه، والمراد بالخيرية هنا الزيادة المطلقة، لأنه لا خير في عدم إيفاء الكيل والوزن وفي بخس الناس وفي الفساد في الأرض أصلاً.
قوله: 86- "ولا تقعدوا بكل صراط توعدون" الصراط الطريق: أي لا تقعدوا بكل طريق توعدون الناس بالعذاب، قيل: كانوا يقعدون في الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه، ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وغيرهم، وقيل: المراد القعود على طرق الدين ومنع من أراد سلوكها، وليس المراد به القعود على الطرق حقيقة، ويؤيده "وتصدون عن سبيل الله من آمن به" وقيل: المراد بالآية النهي عن قطع الطريق وأخذ السلب، وكان ذلك من فعلهم، وقيل: إنهم كانوا عشارين يأخذون الجباية في الطرق من أموال الناس فنهوا عن ذلك. والقول الأول أقربها إلى الصواب مع أنه لا مانع من حمل النهي على جميع هذه الأقوال المذكورة. وجملة توعدون في محل نصب على الحال، وكذلك ما عطف عليها: أي لا تقعدوا بكل طريق موعدين لأهله صادين عن سبيل الله باغين لها عوجاً، والمراد بالصد عن سبيل الله: صد الناس عن الطريق الذي قعدوا عليه ومنعهم من الوصول إلى شعيب، فإن سلوك الناس في ذلك السبيل للوصول إلى نبي الله هو سلوك سبيل الله، و "من آمن به" مفعول "تصدون"، والضمير في آمن به يرجع إلى الله، أو إلى سبيل الله، أو إلى كل صراط أو إلى شعيب، "وتبغونها عوجاً" أي تطلبون سبيل الله أن تكون معوجة غير مستقيمة، وقد سبق الكلام على العوج. قال الزجاج: كسر العين في المعاني وفتحها في الإحرام "واذكروا إذ كنتم" أي وقت كنتم "قليلاً" عددكم "فكثركم" بالنسل، وقيل: كنتم فقراء فأغناكم "وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين" من الأمم الماضية فإن الله أهلكهم وأنزل بهم من العقوبات ما ذهب بهم ومحا أثرهم.
87- "وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به" إليكم من الأحكام التي شرعها الله لكم "وطائفة" منكم "لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين" هذا من باب التهديد والوعيد الشديد لهم. وليس هو من باب الأمر بالصبر على الكفر. وحكم الله بين الفريقين هو نصر المحقين على المبطلين، ومثله قوله تعالى: "فتربصوا إنا معكم متربصون" أو هو أمر للمؤمنين بالصبر على ما يحل بهم من أذى الكفار حتى ينصرهم الله عليهم.