تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 185 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 185

184

62- "وإن يريدوا أن يخدعوك" بالصلح، وهم مضمرون الغدر والخدع "فإن حسبك الله" أي كافيك ما تخافه من شرورهم بالنكث والغدر، وجملة "هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين" تعليلية: أي لا تخف من خدعهم ومكرهم فإن الله الذي قواك عليهم بالنصر فيما مضى، وهو يوم بدر هو الذي سينصرك ويقويك عليهم عند حدوث الخدع والنكث، والمراد بالمؤمنين المهاجرين والأنصار.
ثم بين كيف كان تأييده بالمؤمنين فقال: 63- "وألف بين قلوبهم" وظاهره العموم وأن ائتلاف قلوب المؤمنين هو من أسباب النصر التي أيد الله بها رسوله. وقال جمهور المفسرين: المراد الأوس والخزرج، فقد كان بينهم عصبية شديدة وحروب عظيمة فألف الله بين قلوبهم بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والحمل على العموم أولى، فقد كانت العرب قبل البعثة المحمدية يأكل بعضهم بعضاً ولا يحترم ماله ولا دمه، حتى جاء الإسلام فصاروا يداً واحدة، وذهب ما كان بينهم من العصبية، وجملة "لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم" مقررة لمضمون ما قبلها. والمعنى أن ما كان بينهم من العصبية والعداوة قد بلغ إلى حد لا يمكن دفعه بحال من الأحوال، ولو أنفق الطالب له جميع ما في الأرض لم يتم له ما طلبه من التأليف، لأن أمرهم في ذلك قد تفاقم جداً "ولكن الله ألف بينهم" بعظيم قدرته وبديع صنعه "إنه عزيز" لا يغالبه مغالب، ولا يستعصي عليه أمر من الأمور "حكيم" في تدبيره ونفوذ نهيه وأمره. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: "وإن جنحوا للسلم" قال: قريظة. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في الآية قال: نزلت في بني قريظة نسختها "فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم" إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السلم الطاعة. وأخرج أبو الشيخ عنه في الآية قال: إن رضوا فارض. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: إن أرادوا الصلح فأرده. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: نسختها هذه الآية: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" إلى قوله: "وهم صاغرون". وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن قتادة قال: ثم نسخ ذلك "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: "وإن يريدوا أن يخدعوك" قال: قريظة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: "وبالمؤمنين" قال: بالأنصار. وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس نحوه أيضاً. وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا إله إلا الله، أنا الله وحدي لا شريك لي، ومحمد عبدي ورسولي أيدته بعلمي، وذلك قوله: "هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين". وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والنسائي والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود أن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله "لو أنفقت ما في الأرض جميعاً" الآية. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان، واللفظ له عن ابن عباس قال: قرابة الرحم تقطع، ومنة المنعم تكفر، ولم نر مثل تقارب القلوب، يقول الله: "لو أنفقت ما في الأرض جميعاً" الآية. وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم والبيهقي عنه نحوه، وليس في هذا عن ابن عباس ما يدل على أنه سبب النزول، ولكن الشأن في قول ابن مسعود رضي الله عنه: إن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله مع أن الواقع قبلها "هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين" والواقع بعدها "يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين" ومع كون الضمير في قوله: "ما ألفت بين قلوبهم" يرجع إلى المؤمنين المذكورين قبله بلا شك ولا شبهة، وكذلك الضمير في قوله: "ولكن الله ألف بينهم" فإن هذا يدل على أن التأليف المذكور هو بين المؤمنين الذين أيد الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم.
قوله: 64- "يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين" ليس هذا تكريراً لما قبله فإن الأول مقيد بإرادة الخدع "وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله" فهذه كفاية خاصة، وفي قوله: "يا أيها النبي حسبك الله" كفاية عامة غير مقيدة: أي حسبك الله في كل حال، والواو في قوله: "ومن اتبعك" يحتمل أن تكون للعطف على الاسم الشريف. والمعنى: حسبك الله وحسبك المؤمنون: أي كافيك الله وكافيك المؤمنون، ويحتمل أن تكون بمعنى مع كما تقول: حسبك وزيداً درهم، والمعنى: كافيك وكافي المؤمنين الله، لأن عطف الظاهر على المضمر في مثل هذه الصورة ممتنع كما تقرر في علم النحو، وأجازه الكوفيون. قال الفراء: ليس بكثير في كلامهم أن تقول حسبك وأخيك، بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار، فلو كان قوله: "ومن اتبعك" مجروراً لقيل: حسبك الله وحسب من اتبعك، واختار النصب على المفعول معه النحاس. وقيل: يجوز أن يكون المعنى: ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله فحذف الخبر.
قوله: 65- "حرض المؤمنين على القتال" أي حثهم وحضهم، والتحريض في اللغة: المبالغة في الحث وهو كالتحضيض، مأخوذ من الحرض، وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه حتى يشفي على الموت كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور به، ثم بشرهم تثبيتاً لقلوبهم وتسكيناً لخواطرهم بأن الصابرين منهم في القتال يغلبون عشرة أمثالهم من الكفار، فقال: "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين" ثم زاد هذا إيضاحاً مفيداً لعدم اختصاص هذه البشارة بهذا العدد، بل هي جارية في كل عدد فقال: " وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا " وفي هذا دلالة على أن الجماعة من المؤمنين قليلاً كانوا أو كثيراً لا يغلبهم عشرة أمثالهم من الكفار بحال من الأحوال وقد وجد في الخارج ما يخالف ذلك، فكم من طائفة من طوائف الكفار يغلبون من هو مثل عشرهم من المسلمين، بل مثل نصفهم بل مثلهم. وأجيب عن ذلك بأن وجود هذا في الخارج لا يخالف ما في الآية لاحتمال أن لا تكون الطائفة من المؤمنين متصفة بصفة الصبر، وقيل: إن هذا الخبر الواقع في الآية هو في معنى الأمر كقوله تعالى: "والوالدات يرضعن" "والمطلقات يتربصن" فالمؤمنون كانوا مأمورين من جهة الله سبحانه بأن تثبت الجماعة منهم لعشرة أمثالهم، ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه خفف عنهم ورخص لهم لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم فقال: " فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين " إلى آخر الآية. فأوجب على الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار. وقرأ حمزة عن عاصم "ضعفاً" بفتح الضاد. وقوله: "بأنهم قوم لا يفقهون" متعلق بقوله: "يغلبوا" أي إن هذا الغلب بسبب جهلهم وعدم فقههم، وأنهم يقاتلون على غير بصيرة، ومن كان هكذا فهو مغلوب في الغالب. وقد قيل في نكتة التنصيص على غلب العشرين للمائتين، والمائة للألف أن سراياه التي كان بعثها صلى الله عليه وسلم كان لا ينقص عددها عن العشرين ولا يجاوز المائة، وقيل في التنصيص فيما بعد ذلك على غلب المائة للمائتين والألف للألفين على أنه بشارة للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف.
66- " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين " ثم أخبرهم بأن هذا الغلب هو بإذن الله وتسهيله وتيسيره لا بقوتهم وجلادتهم، ثم بشرهم بأنه مع الصابرين، وفيه الترغيب إلى الصبر والتأكيد عليهم بلزومه والتوصية به، وأنه من أعظم أسباب النجاح والفلاح والنصر والظفر، لأن من كان الله معه لم يستقم لأحد أن يغلبه. وقد اختلف أهل العلم هل هذا التخفيف نسخ أم لا؟ ولا يتعلق بذلك كثير فائدة. وقد أخرج البزار عن ابن عباس قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم منا اليوم، وأنزل الله: "يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين". وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعة وثلاثون رجلاً وامرأة، ثم إن عمر أسلم صاروا أربعين فنزل: "يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون وست نسوة ثم أسلم عمر نزلت: "يا أيها النبي حسبك الله". وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن الزهري في الآية قال: نزلت في الأنصار. وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي في قوله : " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " قال : حسبك الله وحسب من اتبعك . وأخرج البخاري وابن المنذروابن أبي حاتم وأبو الشيخوابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: لما نزلت "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين" فكتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، وأن لا يفر عشرون من مائتين، ثم نزلت: "الآن خفف الله عنكم" الآية فكتب أن لا يفر مائة من مائتين قال سفيان وقال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا، إن كانا رجلين أمرهما وإن كانوا ثلاثة فهو في سعة من تركهم. وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما نزلت "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين" شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف "الآن خفف الله عنكم" الآية قال: فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم.
هذا حكم آخر من أحكام الجهاد. ومعنى 67- "ما كان لنبي" ما صح له وما استقام، قرأ أبو عمرو وسهيل ويعقوب ويزيد والمضل "أن تكون" بالفوقية وقرأ الباقون بالتحتية وقرأ أيضاً يزيد والمفضل أسارى وقرأ الباقون أسرى والأسرى جمع أسير، مثل قتلى وقتيل، وجرحى وجريح. ويقال في جمع أسير أيضاً أسارى بضم الهمزة وفتحها، وهو مأخوذ من الأسر، وهو القد، لأنهم كانوا يشدون به الأسير، فسمي كل أخيذ وإن لم يشد بالقد أسيراً. قال الأعشى: وقيدني الشعر في بيته كما قيدت الأسرات الحمارا وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون والأسارى هم الموثقون رقاً. والإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، تقول العرب: أثخن فلان في هذا الأمر: أي بالغ فيه. فالمعنى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يبالغ في قتل الكافرين ويستكثر من ذلك، وقيل معنى الإثخان: التمكن، وقيل هو القوة. أخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفدائهم ثم لما كثر المسلمون رخص الله في ذلك فقال: "فإما مناً بعد وإما فداء" كما يأتي في سورة القتال إن شاء الله. قوله: "تريدون عرض" الحياة "الدنيا" أي نفعها ومتاعها بما قبضتم من الفداء، وسمي عرضاً لأنه سريع الزوال كما تزول الأعراض التي هي مقابل الجواهر "والله يريد الآخرة" أي يريد لكم الدار الآخرة بما يحصل لكم من الثواب في الإثخان بالقتل. وقرئ يريد الآخرة بالجر على تقدير مضاف وهو المذكور قبله: أي والله يريد عرض الآخرة "والله عزيز" لا يغالب "حكيم" في كل أفعاله.
قوله: 68- "لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم". اختلف المفسرون في هذا الكتاب الذي سبق ما هو؟ على أقوال: الأول: ما سبق في علم الله من أنه سيحل لهذه الأمة الغنائم بعد أن كانت محرمة على سائر الأمم، والثاني: أنه مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر كما في الحديث الصحيح: "إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". القول الثالث: هو أنه لا يعذبهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم كما قال سبحانه: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم". القول الرابع: أنه لا يعذب أحداً بذنب فعله جاهلاً لكونه ذنباً. القول الخامس: أنه ما قضاه الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر. القول السادس: أنه لا يعذب أحداً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي ولم يتقدم نهي عن ذلك. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن هذه المعاني كلها داخلة تحت اللفظ وأنه يعمها "لمسكم" أي لحل بكم "فيما أخذتم" أي لأجل ما أخذتم من الفداء "عذاب عظيم".
والفاء في 69- "فكلوا مما غنمتم" لترتيب ما بعدها على سبب محذوف: أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم ويجوز أن تكون عاطفة على مقدر محذوف: أي اتركوا الفداء فكلوا مما غنمتم من غيره، وقيل إن "ما" عبارة عن الفداء: أي كلوا من الفداء الذي غنمتم فإنه من جملة الغنائم التي أحلها الله لكم و "حلالاً طيباً" منتصبان على الحال أو صفة المصدر المحذوف: أي أكلاً حلالاً طيباً "واتقوا الله" فيما يستقبل فلا تقدموا على شيء لم يأذن الله لكم به "إن الله غفور" لما فرط منكم "رحيم" بكم فلذلك رخص لكم في أخذ الفداء في مستقبل الزمان. وقد أخرج أحمد عن أنس قال: "استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال:إن الله قد أمكنم منهم. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس، فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد فقال مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فأنزل الله: "لولا كتاب من الله سبق" الآية". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال:" لما كان يوم بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تريدون في هؤلاء الأسارى؟فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك وقاتلوك قدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فأضرمه عليهم ناراً، فقال العباس وهو يسمع: قطعت رحمك فدخل النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ولم يرد عليهم شيئاً، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال قوم: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال: "من تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم" ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام قال: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم"، ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ قال: "رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً"، ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال: "ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم" أنتم عالة فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق، فقال عبد الله: يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء، فأنزل الله: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى" الآية". وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي قال:" قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأسارى يوم بدر: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتم واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم بعدتهم، فكان آخر السبعين ثابت بن قيس استشهد باليمامة". وأخرج عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة عن عبيدة نحوه. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر قال: " لما أسر الأسارى يوم بدر أسر العباس فيمن أسره، أسره رجل من الأنصار وقد وعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه، فقال له عمر: فآتيهم؟ قال: نعم، فأتى عمر الأنصار فقال: أرسلوا العباس، فقالوا: لا والله لا نرسل، فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا، قالوا: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا فخذه، فأخذه عمر، فلما صار في يده قال له: يا عباس أسلم، فوالله إن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك، قال: فاستشار رسول الله أبا بكر فقال أبو بكر: عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم، ففاداهم رسول الله، فأنزل الله: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى" الآية". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: "حتى يثخن في الأرض" يقول حتى يظهروا على الأرض. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: الإثخان هو القتل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد أيضاً في الآية قال: ثم نزلت الرخصة بعد، إن شئت فمن، وإن شئت ففاد. وأخرج ابن المنذر عن قتادة "تريدون عرض الدنيا" قال: أراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداء ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة "تريدون عرض الدنيا" قال: الخراج. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: "لولا كتاب من الله سبق" قال: سبق لهم المغفرة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: ما سبق لأهل بدر من السعادة. وأخرج النسائي وابن مردويه وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا بالمعصية. وأخرج أبو حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: سبق أن لا يعذب أحداً حتى يبين له ويتقدم إليه.
اختلاف القراء في أسرى والأسارى هو هنا كما سبق في الآية التي قبل هذه، خاطب الله النبي صلى الله عليه وسلم بهذا: أي قل لهؤلاء الأسرى الذين هم في أيديكم أسرتموهم يوم بدر وأخذتم منهم الفداء 70- "إن يعلم الله في قلوبكم خيراً" من حسن إيمان، وصلاح نية، وخلوص طوية "يؤتكم خيراً مما أخذ منكم" من الفداء: أي يعوضكم في هذه الدنيا رزقاً خيراً منه، وأنفع لكم، أو في الآخرة بما يكتبه لكم من المثوبة بالأعمال الصالحة "ويغفر لكم" ذنوبكم "والله غفور رحيم" شأنه المغفرة لعباده والرحمة لهم.