تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 286 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 286

285

39- "ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة" الإشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله "لا تجعل" إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً، "مما أوحى إليك ربك": أي من جنسه أو بعض منه، وسمي حكمة لأنه كلام محكم، وهو ما علمه من الشرائع أو من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها الفساد. وعند الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته، و "من الحكمة" متعلق بمحذوف وقع حالاً أي كائناً من الحكمة، أو بدل من الموصول بإعادة الجار، أو متعلق بأوحى "ولا تجعل مع الله إلهاً آخر" كرر سبحانه النهي عن الشرك تأكيداً وتقريراً وتنبيهاً على أنه رأس خصال الدين وعمدته. قيل وقد راعى سبحانه في هذا التأكيد دقيقة فرتب على الأول كونه مذموماً مخذولاً، وذلك إشارة إلى حال الشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى "في جهنم ملوماً مدحوراً" وذلك إشارة إلى حاله في الآخرة، وفي القعود هناك، والإلقاء هنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة، وقد تقدم تفسير الملوم والمدحور.
40- "أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثاً" قال أبو عبيدة: أصفاكم خصكم، وقال الفضل: أخلصكم، وهو خطاب للكفار القائلين بأن الملائكة بنات الله، وفيه توبيخ شديد وتقريع بالغ لما كان يقوله هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل، والفاء للعطف على مقدر كنظائره مما قد كررناه "إنكم لتقولون" يعني القائلين بأن لهم الذكور ولله الإناث "قولاً عظيماً" بالغاً في العظم والجراءة على الله إلى مكان لا يقادر قدره.
41- "ولقد صرفنا في هذا القرآن" أي بينا ضروب القول فيه من الأمثال وغيرها، أو كررنا فيه، وقيل "في" زائدة والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن والتصريف في الأصل صرف الشيء من جهة إلى جهة، وقيل معنى التصريف المغايرة: أي غايرنا بين المواعظ ليتذكروا ويعتبروا، وقراءة الجمهور صرفنا بالتشديد، وقرأ الحسن بالتخفيف ثم علل تعالى ذلك فقال: "ليذكروا" أي ليتعظوا ويتدبروا بعقولهم ويتفكروا فيه حتى يقفوا على بطلان ما يقولونه. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي "ليذكروا" مخففاً، والباقون بالتشديد، واختارها أبو عبيد لما تفيده من معنى التكثير، وجملة "وما يزيدهم إلا نفوراً" في محل نصب على الحال: أي والحال أن هذا التصريف والتذكير ما يزيدهم إلا تباعداً عن الحق وغفلة عن النظر في الصواب لأنهم قد اعتقدوا في القرآن أنه حيلة وسحر وكهانة وشعر، وهم لا ينزعون عن هذه الغواية ولا وازع لهم ينزعهم إلى الهداية. وقد أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: "ولا تقربوا مال اليتيم" قال: كانوا لا يخالطونهم في مال ولا مأكل ولا مركب حتى نزلت "وإن تخالطوهم فإخوانكم". وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: "إن العهد كان مسؤولاً" قال: يسأل الله ناقض العهد عن نقضه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: يسأل عهده من أعطاه إياه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: "وأوفوا الكيل إذا كلتم" يعني لغيركم "وزنوا بالقسطاس" يعني الميزان، وبلغة الروم الميزان القسطاس "ذلك خير" يعني وفاء الكيل والميزان خير من النقصان "وأحسن تأويلاً" عاقبة. وأخرج ابن أبي شيبة والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: القسطاس العدل بالرومية. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: القسطاس القبان. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: الحديد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "ولا تقف" قال: لا تقل. وأخرج ابن جرير عنه قال: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية في الآية قال: شهادة الزور. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً" يقول: سمعه وبصره وفؤاده تشهد عليه. وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله: "كل أولئك كان عنه مسؤولاً" يقول: سمعه وبصره وفؤاده تشهد عليه. وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله: "كل أولئك كان عنه مسؤولاً" قال: يوم القيامة أكذلك كان أم لا؟ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: "ولا تمش في الأرض مرحاً" قال: لا تمش فخراً وكبراً، فإن ذلك لا يبلغ بك الجبال ولا أن تخرق الأرض بفخرك وكبرك. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن التوراة في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلا "ولا تجعل مع الله إلهاً آخر" وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: "مدحوراً" قال: مطروداً.
قوله: 42- " قل لو كان معه آلهة كما يقولون " قرأ ابن كثير وحفص يقولون بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب للقائلين بأن مع الله آلهة أخرى، وإذن جواب عن مقالتهم الباطلة وجزاء للو "لابتغوا إلى ذي العرش" وهو الله سبحانه "سبيلاً" طريقاً للمغالبة والممانعة كما تفعل الملوك مع بعضهم البعض من المقاتلة والمصاولة، وقيل معناه: إذن لابتغت الآلهة إلى الله القربة والزلفة عنده، لأنهم دونه، والمشركون إنما اعتقدوا أنها تقربهم إلى الله. والظاهر المعنى الأول، ومثل معناه قوله سبحانه: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا".
ثم نزه تعالى نفسه، فقال 43- "سبحانه" والتسبيح والتنزيه، وقد تقدم "وتعالى" متباعد "عما يقولون" من الأقوال الشنيعة والفرية العظيمة "علواً" أي تعالياً، ولكنه وضع العلو موضع التعالي كقوله: "والله أنبتكم من الأرض نباتاً" ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة، وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته، وبين الغني المطلق، والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها.
ثم بين سبحانه جلالة ملكه وعظمة سلطانه فقال: 44- "تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن" قرئ بالمثناة التحتية في يسبح وبالفوقية، وقال "فيهن" بضمير العقلاء لإسناده إليها التسبيح الذي هو فعل العقلاء، وقد أخبر سبحانه عن السموات والأرض بأنها تسبحه، وكذلك من فيها من مخلوقاته الذين لهم عقول وهم الملائكة والإنس والجن وغيرهم من الأشياء التي لا تعقل، ثم زاد ذلك تعميماً وتأكيداً فقال: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" فشمل كل ما يسمى شيئاً كائناً ما كان، وقيل إنه يحمل قوله: "ومن فيهن" على الملائكة والثقلين، ويحمل "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" على ما عدا ذلك من المخلوقات. وقد اختلف أهل العلم في هذا العموم هل هو مخصوص أم لا؟ فقالت طائفة: ليس بمخصوص، وحملوا التسبيح على تسبيح الدلالة لأن كل مخلوق يشهد على نفسه ويدل غيره بأن الله خالق قادر. وقالت طائفة: هذا التسبيح على حقيقته والعموم على ظاهره. والمراد أن كل المخلوقات تسبح لله سبحنه هذا التسبيح الذي معناه التنزيه وإن كان البشر لا يسمعون ذلك ولا يفهمونه، ويؤيد هذا قوله سبحانه: "ولكن لا تفقهون تسبيحهم" فإنه لو كان المراد تسبيح الدلالة لكان أمراً مفهوماً لكل أحد. وأجيب بأن المراد بقوله لا تفقهون الكفار الذين يعرضون عن الاعتبار. وقالت طائفة: إن هذا العموم مخصوص بالملائكة والثقلين دون الجمادات، وقيل خاص بالأجسام النامية فيدخل النباتات، كما روي هذا القول عن عكرمة والحسن وخص تسبيح النباتات بوقت نموها لا بعد قطعها وقد استدل لذلك بحديث "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين" وفيه "ثم دعا بعسيب رطب فشقه إثنين، وقال: إنه يخفف عنهما ما لم ييبسا" ويؤيد حمل الآية على العموم قوله: "إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق" وقوله: "وإن منها لما يهبط من خشية الله"، وقوله: "وتخر الجبال هداً" ونحو ذلك من الآيات، وثبت في الصحيح أنهم كانوا يسمعون تسبيح الطعام، وهم يأكلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا حديث حنين الجذع، وحديث أن حجراً بمكة كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها في الصحيح ومن ذلك تسبيح الحصى في كفه صلى الله عليه وسلم. ومدافعة عموم هذه الآية بمجرد الاستبعادات ليس دأب من يؤمن بالله سبحانه ويؤمن بما جاء من عنده، ومعنى "إلا يسبح بحمده" إلا يسبح متلبساً بحمده "ولكن لا تفقهون تسبيحهم". قرأ الحسن وأبو عمرو ويعقوب وحفص وحمزة والكسائي وخلف تسبح بالمثناة الفوقية على الخطاب، وقرأ الباقون بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد "إنه كان حليماً غفوراً" فمن حلمه الإمهال لكم وعدم إنزال عقوبته عليكم، ومن مغفرته لكم أنه لا يؤاخذ من تاب منكم.
ولما فرغ سبحانه من الإلهيات شرع في ذكر بعض من آيات القرآن وما يقع من سامعيه فقال: 45- "وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً" جعلنا بينك يا محمد وبين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً: أي إنهم لإعراضهم عن قراءتك وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب يمرون بك ولا يرونك، ذكر معناه الزجاج وغيره، ومعنى مستوراً ساتر. قال الأخفش: أراد ساتراً، والفاعل قد يكون في لفظ المفعول كما تقول: إنك لمشؤوم وميمون. وإنما هو شائم ويامن، وقيل معنى مستوراً ذا ستر، كقولهم سيل مفعم: أي ذو إفعام، وقيل هو حجاب لا تراه الأعين فهو مستور عنها، وقيل حجاب من دونه حجاب فهو مستور بغيره، وقيل المراد بالحجاب المستور الطبع والختم.
46- "وجعلنا على قلوبهم أكنة" الأكنة: جمع كنان. وقد تقدم تفسيره في الأنعام، وقيل هو حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم: "قلوبنا غلف" "وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب" و "أن يفقهوه" مفعول لأجله: أي كراهة أن يفقهوه، أو لئلا يفقهوه، أي يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحكم والمعاني "وفي آذانهم وقراً" أي صمماً وثقلاً، وفي الكلام حذف، والتقدير: إن يسمعوه. ومن قبائح المشركين أنهم كانوا يحبون أن يذكر آلهتهم كما يذكر الله سبحانه فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا عن المجلس، ولهذا قال الله: "وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده" أي واحداً غير مشفوع بذكر آلهتهم، فهو مصدر وقع موقع الحال "ولوا على أدبارهم نفوراً" هو مصدر، والتقدير: هربوا نفوراً، أو نفروا نفوراً، وقيل جمع نافر كقاعد وقعود. والأول أولى. ويكون المصدر في موضع الحال: أي ولوا نافرين.
47- "نحن أعلم بما يستمعون به" أي يستمعون إليك متلبسين به من الاستخفاف بك وبالقرآن واللغو في ذكرك لربك وحده وقيل الباء زائدة والظرف في "إذ يستمعون إليك" متعلق بأعلم: أي نحن أعلم وقت يستمعون إليك بما يستمعون به، وفيه تأكيد للوعيد، وقوله: "وإذ هم نجوى" متعلق بأعلم أيضاً: أي ونحن أعلم بما يتناجون به فيما بينهم وقت تناجيهم، وقد كانوا يتناجون بينهم بالتكذيب والاستهزاء، "يقول" بدل من "إذ هم نجوى". "إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً" أي يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم: ما تتبعون إلا رجلاً سحر فاختلط عقله وزال عن حد الاعتدال. قال ابن الأعرابي: المسحور الذاهب العقل الذي أفسد من قولهم طعام مسحور إذا أفسد، عمله، وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها. وقيل المسحور المخدوع، لأن السحر حيلة وخديعة، وذلك لأنهم زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يتعلم من بعض الناس، وكانوا يخدعونه بذلك التعليم. وقال أبو عبيدة: معنى مسحوراً أن له سحراً: أي رئة، فهو لا يستغني عن الطعام والشراب فهو مثلكم، وتقول العرب للجبان: قد انتفخ سحره، وكل من كان يأكل من آدمي أو غيره مسحور، ومنه قول امرئ القيس: أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب أي نغذي ونعلل. قال ابن قتيبة: لاأدري ما حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة.
48- "انظر كيف ضربوا لك الأمثال" أي قالوا تارة إنك كاهن وتارة ساحر، وتارة شاعر، وتارة مجنون "فضلوا" عن طريق الصواب في جميع ذلك "فلا يستطيعون سبيلاً" إلى الهدى أو إلى الطعن الذي تقبله العقول ويقع التصديق له لا أصل الطعن، فقد فعلوا منه ما قدروا عليه، وقيل لا يستطيعون مخرجاً لتناقض كلامهم كقولهم: ساحر مجنون: وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: " إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا " قال: على أن يزيلوا ملكه. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن قرط "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى كان جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطار به حتى بلغ السموات العلى، فلما رجع قال: سمعت تسبيحاً من السموات العلى مع تسبيح كثير سبحت السموات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى". وأخرج ابن مردويه عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو جالس مع أصحابه إذ سمع هدة فقال: أطت السماء ويحق لها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ملك ساجد يسبح بحمده". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول سبحان الله، فإنها صلاة الخلائق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق"، قال الله تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده". وأخرج أحمد وابن مردويه من حديث ابن عمر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال: ما من عبد سبح تسبيحة إلا سبح ما خلق الله من شيء قال: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" قال ابن كثير إسناده فيه ضعف. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه من أجل نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح". وأخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمرو قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال: نقيقها تسبيح". وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" قال: الزرع يسبح وأجره لصاحبه والثوب يسبح ويقول الوسخ إن كنت مؤمناً فاغسلني إذن. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: كل شيء يسبح إلا الكلب والحمار. وأخرج ابن راهويه في مسنده من طريق الزهري قال: أتي أبو بكر بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحيه ويقول: ما صيد من صيد ولا عضد من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح. وأخرجه أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن ميمون بن مهران قال: أتي أبو بكر الصديق فذكره من قوله غير مرفوع. وأخرجه أبو نعيم في الحلية وابن مردويه من حديث أبي هريرة بنحوه. وأخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود بمعنى بعضه. وأخرج أبو الشيخ من حديث أبي الدرداء بمعناه. وأخرج ابن عساكر من حديث أبي رهم نحوه. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: هذه الآية في التوراة كقدر ألف آية "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" قال: في التوراة تسبح له الجبال ويسبح له الشجر، ويسبح له كذا، ويسبح له كذا، وأخرج أحمد وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: صلى داود ليلة حتى أصبح، فلما أصبح وجد في نفسه سروراً فنادته ضفدعة يا داود كنت أدأب منك قد أغفيت إغفاءً. وأخرج البيهقي في الشعب عن صدقة بن يسار قال: كان داود في محرابه فأبصر دودة صغيرة ففكر في خلقها وقال: ما يعبأ الله بخلق هذه، فأنطقها الله فقالت: يا داود أتعجبك نفسك، لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر الله وأشكر له منك على ما آتاك الله، قال الله: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده". وفي الباب أحاديث وروايات عن السلف فيها التصريح بتسبيح جميع المخلوقات. وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أسماء بنت أبي بكر قال: لما نزلت "تبت يدا أبي لهب" أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة، وفي يدها فهر وهي تقول: مذمماً أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا ورسول الله جالس وأبو بكر إلى جنبه، فقال أبو بكر: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: إنها لن تراني، وقرأ قرآناً اعتصم به كما قال تعالى: "وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً" فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم تر النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني، فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: "وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً" قال: الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفعوا به أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في الآية قال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على المشركين بمكة سمعوا قراءته ولا يرونه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويهعن ابن عباس في قوله: "ولوا على أدبارهم نفوراً" قال: الشياطين. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله: "إذ يستمعون إليك" قال: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل.
لما فرغ سبحانه من حكاية شبه القوم في النبوات حكى شبهتهم في أمر المعاد فقال: 49- " وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا " والاستفهام للاستنكار والاستبعاد. وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت عظامه وتناثرت وتفرقت في جوانب العالم، واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها، ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع، فأجاب سبحانه عنهم بأن إعادة بدن الميت إلى حال الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ومن رطوبة الحي كالحجارة والحديد، فهو كقول القائل: أتطمع في وأنا ابن فلان، فيقول كن ابن السلطان أو ابن من شئت فسأطلب منك حقي. والرفات: ما تكسر وبلي من كل شيء كالفتات والحطام والرضاض قاله أبو عبيدة والكسائي والفراء والأخفش، تقول منه: رفت الشيء رفتاً: أي حطم فهو مرفوت وقيل الرفات الغبار، وقيل التراب " أإنا لمبعوثون خلقا جديدا " كرر الاستفهام الدال على الاستنكار والاستبعاد تأكيداً وتقريراً، والعامل في إذا هو ما دل عليه لمبعوثون، لا هو نفسه، لأن ما بعد إن والهمزة واللام لا يعمل فيما قبلها، والتقدير: أإذا كنا عظاماً ورفاتاً نبعث أإنا لمبعوثون، وانتصاب خلقاً على المصدرية من غير لفظه، أو على الحال: أي مخلوقين، وجديداً صفة له.