تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 457 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 457

456

62- "وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار" قيل هو من قول الرؤساء، وقيل من قول الطاغين المذكورين سابقاً. قال الكلبي: ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم من المؤمنين معهم فيها، فعند ذلك قالوا: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار. وقيل يعنون فقراء المؤمنين كعمار وخباب وصهيب وبلال وسالم وسلمان. وقيل أرادوا أصحاب محمد على العموم.
63- " أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار " قال مجاهد: المعنى اتخذناهم سخرياً في الدنيا فأخطأنا أم زاغت عنهم الأبصار فلم نعلم مكانهم؟ والإنكار المفهوم من الاستفهام متوجه إلى كل واحد من الأمرين. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا: اتخذوهم سخرياً، وزاغت عنهم الأبصار. قال الفراء: والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ والتعجب. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن كثير والأعمش بحذف همزة اتخذناهم في الوصل، وهذه القراءة تحتمل أن يكون الكلام خبراً محضاً، وتكون الجملة في محل نصب صفة ثانية لرجالاً، وأن يكون المراد الاستفهام، وحذفت أداته لدلالة أم عليها، فتكون أم على الوجه الأول منقطعة بمعنى بل والهمزة: أي بل زاغت عنهم الأبصار على معنى توبيخ أنفسهم على الاستسخار، ثم الإضراب والانتقال منه إلى التوبيخ على الازدراء والتحقير، وعلى الثاني أم هي المتصلة. وقرأ الباقون بهمزة استفهام سقطت لأجلها همزة الوصل، ولا محل للجملة حينئذ وفيه التوبيخ لأنفسهم على الأمرين جميعاً لأن أم على هذه القراءة هي للتسوية. وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة والمفضل وهبيرة ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي "سخرياً" بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها: قال ابو عبيدة: من كسر جعله من الهزء، ومن ضم جعله من التسخير.
والإشارة بقوله: 64- "إن ذلك" إلى ما تقدم من حكاية حالهم، وخبر إن قوله: "لحق" أي لواقع ثابت في الدار الآخرة لا يختلف ألبتة، و "تخاصم أهل النار" خبر مبتدإ محذوف، والجملة بيان لذلك، وقيل بيان لحق، وقيل بدل منه، وقيل بدل من محل ذلك، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وهذا على قراءة الجمهور برفع تخاصم، والمعنى: إن ذلك الذي حكاه الله عنهم لحق لا بد أن يتكلموا به، وهو تخاصم أهل النار فيها، وما قالته الرؤساء للأتباع، وما قالته الأتباع لهم. وقرأ ابن أبي عبلة بنصب تخاصم على أنه بدل من ذلك أو بإضمار أعني. وقرأ ابن السميفع تخاصم بصيغة الفعل الماضي فتكون جملة مستأنفة.
ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول قولاً جامعاً بين التخويف والإرشاد إلى التوحيد فقال: 65- "قل إنما أنا منذر" أي مخوف لكم من عقاب الله وعذابه "وما من إله" يستحق العبادة "إلا الله الواحد" الذي لا شريك له "القهار" لكل شيء سواه.
66- "رب السموات والأرض وما بينهما" من المخلوقات "العزيز" الذي لا يغالبه مغالب "الغفار" لمن أطاعه، وقيل معنى العزيز المنيع الذي لا مثل له، ومعنى الغفار الستار لذنوب خلقه.
ثم أمره سبحانه أن يبالغ في إنذارهم ويبين لهم عظم الأمر وجلالته فقال: 67- "قل هو نبأ عظيم" أي ما أنذرتكم به من العقاب وما بينته لكم من التوحيد هو خبر عظيم ونبأ جليل، من شأنه العناية به والتعظيم له وعدم الاستخفاف به، ومثل هذه الآية قوله: " عم يتساءلون * عن النبإ العظيم ". وقال مجاهد وقتادة ومقاتل: هو القرآن، فإنه نبأ عظيم لأنه كلام الله. قال الزجاج: قل النبأ الذي أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم: يعني ما أنبأهم به من قصص الأولين، وذلك دليل على صدقه ونبوته لأنه لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله.
وجملة 68- "أنتم عنه معرضون" توبيخ لهم وتقريع لكونهم أعرضوا عنه ولم يتفكروا فيه فيعلموا صدقه ويستدلوا به على ما أنكروه من البعث.
وقوله: 69- "ما كان لي من علم بالملإ الأعلى" استئناف مسوق لتقرير أنه نبأ عظيم، والملأ الأعلى هم الملائكة "إذ يختصمون" أي وقت اختصامهم، فقوله: "بالملإ الأعلى" متعلق بعلم على تضمينه معنى الإحاطة، وقوله إذ يختصمون متعلق بمحذوف: أي ما كان لي فيما سبق علم بوجه من الوجوه بحال الملإ الأعلى وقت اختصامهم، والضمير في يختصمون راجع إلى الملأ الأعلى، والخصومة الكائنة بينهم هي في أمر آدم كما يفيده ما سيأتي قريباً.
وجملة 70- "إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين" معترضة بين اختصامهم المجمل وبين تفصيله بقوله: "إذ قال ربك للملائكة". والمعنى: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين. قال الفراء: المعنى ما يوحى إلي ألا أنني نذير مبين أبين لكم ما تأتون من الفرائض والسنن وما تدعون من الحرام والمعصية. قال: كأنك قلت ما يوحى إلي إلا الإنذار. قال النحاس: ويجوز أن تكون في محل نصب بمعنى ما يوحى إلي إلا لأنما أنا نذير مبين. قرأ الجمهور بفتح همزة أنما على أنها وما في حيزها في محل رفع لقيامها مقام الفاعل: أي ما يوحى إلي إلا الإنذار، أو إلا كوني نذيراً مبيناً، أو في محل نصب، أو جر بعد إسقاط لام العلة، والقائم مقام الفاعل على سبيل الحكاية، كأنه قيلما يوحى إلي إلا هذه الجملة المتضمنة لهذا الإخبار، وهو أن أقول لكم إنما أنا نذير مبين. وقيل إن الضمير في يختصمون عائد إلى قريش، يعني قول من قال منهم: الملائكة بنات الله، والمعنى: ما كان لي علم بالملائكة إذ تختصم فيهم قريش، والأول أولى. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: "وغساق" قال: الزمهرير "وآخر من شكله" قال: من نحوه "أزواج" قال: ألوان من العذاب. وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن دلواً من غساق يهرق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا". قال الترمذي بعد إخراجه: لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. قلت: ورشدين فيه مقال معروف. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في قوله: "فزده عذاباً ضعفاً في النار" قال: أفاعي وحيات. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "بالملإ الأعلى" قال: الملائكة حين شوروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة. وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: " ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون " قال: هي الخصومة في شأن آدم حيث قالوا "أتجعل فيها من يفسد فيها". وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن نصر في كتاب الصلاة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني الليلة ربي في أحسن صورة، أحسبه قال في المنام، قال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي أو في نحري، فعلمت ما في السموات والأرض، ثم قال لي: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت نعم في الكفارات، والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره" الحديث. وأخرج الترمذي وصححه ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وابن مردويه من حديث معاذ بن جبل نحوه بأطول منه، وقال "وإسباغ الوضوء في السبرات". وأخرج الطبراني وابن مردويه من حديث جابر بن سمرة نحوه بأخصر منه. وأخرجا أيضاً من حديث أبي هريرة نحوه، وفي الباب أحاديث.
لما ذكر سبحانه خصومة الملائكة إجمالاً فيما تقدم ذكرها هنا تفصيلاً، فقال: 71- "إذ قال ربك للملائكة" إذ هذه هي بدل من "إذ يختصمون" لاشتمال ما في حيز هذه على الخصومة. وقيل: هي منصوبة بإضمار اذكر والأول إذا كانت خصومة الملائكة في شأن من يستخلف في الأرض. وأما إذا كانت في غير ذلك مما تقدم ذكره فالثاني أولى "إني خالق بشراً من طين" أي خالق فيما سيأتي من الزمن بشراً: أي جسماً من جنس البشر مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه بادي البشرة. وقوله. "من طين" متعلق بمحذوف هو صفة لبشر أو بخالق.
ومعنى 72- "فإذا سويته" صورته على صورة البشر وصارت أجزاؤه مستوية "ونفخت فيه من روحي" أي من الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري. وقيل هو تمثيل، ولا نفخ ولا منفوخ فيه. والمراد جعله حياً بعد أن كان جماداً لا حياة فيه. وقد مر الكلام في هذا في سورة النساء "فقعوا له ساجدين" هو أمر من وقع يقع، وانتصاب ساجدين على الحال، والسجود هنا هو سجوز التحية لا سجود العبادة، وقد مضى تحقيقه في سورة البقرة.
73- "فسجد الملائكة" في الكلام حذف تدل عليه الفاء والتقدير: فخلقه فسواه ونفخ فيه من روحه فسجد له الملائكة. وقوله: "كلهم" يفيد أنهم سجدوا جميعاً ولم يبق منهم أحد. وقوله: "أجمعون" يفيد أنهم اجتمعوا على السجود في وقت واحد: فالأول لقصد الإحاطة، والثاني لقصد الاجتماع. قال في الكشاف: فأفادا معاً أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعاً في وقت واحد غير متفرقين في أوقات. وقيل إنه أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم.
74- "إلا إبليس" الاستثناء متصل على تقدير أنه كان متصفاً بصفات الملائكة داخلاً في عدادهم فغلبوا عليه، أو منقطع على ما هو الظاهر من عدم دخوله فيهم: أي لكن إبليس "استكبر" أي أنف من السجود جهلاً منه بأنه طاعة لله، "و" كان استكباره استكبار كفر، فلذلك "كان من الكافرين" أي صار منهم بمخالفته لأمر الله واستكباره عن طاعته، أو كان من الكافرين في علم الله سبحانه، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في سورة البقرة والأعراف وبني إسرائيل والكهف وطه.
ثم إن الله سبحانه سأله عن سبب تركه للسجود الذي أمره به فـ 75- "قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي" أي ما صرفك وصدك عن السجود لما توليت خلقه من غير واسطة، وأضاف خلقه إلى نفسه تكريماً له وتشريفاً، مع أنه سبحانه خالق كل شيء أضاف إلى نفسه الروح، والبيت، والناقة، والمساجد. قال مجاهد: اليد هنا بمعنى التأكيد والصلة مجازاً كقوله: "ويبقى وجه ربك". وقيل أراد باليد القدرة، يقال: مالي بهذا الأمر يد، ومالي به يدان: أي قدرة، ومنه قول الشاعر: تحملت من ذلفاء ما ليس لي يد ولا للجبال الراسيات يدان وقيل التثنية في اليد للدلالة على أنها ليس بمعنى القوة والقدرة، بل للدلالة على أنهما صفتان من صفات ذاته سبحانه، و ما في قوله لما خلقت هي المصدرية أو الموصولة. وقرأ الجحدري لما بالتشديد مع فتح اللام على أنها ظرف بمعنى حين كما قال أبو علي الفارسي. وقرئ بيدي على الإفراد "أستكبرت" قرأ الجمهور بهمزة الاستفهام، وهو استفهام توبيخ وتقريع و "أم" متصلة. وقرأ ابن كثير في رواية عنه وأهل مكة بألف وصل، ويجوز أن يكون الاستفهام مراداً فيوافق القراءة الأولى كما في قول الشاعر: تروح من الحي أم تبتكر وقول الآخر: بسبع رمين الجمر أم بثمانيا ويحتمل أن يكون خبراً محضاً من غير إرادة للاستفهام فتكون أم منقطعة، والمعنى: استكبرت عن السجود الذي أمرت به بل أ "كنت من العالين" أي المستحقين للترفع عن طاعة أمر الله المتعالين عن ذلك، وقيل المعنى: استكبرت عن السجود الآن أم لم تزل من القوم الذين يتكبرون عن ذلك.
وجملة 76- "قال أنا خير منه" مستأنفة جواب سؤال مقدر، ادعى اللعين لنفسه أنه خير من آدم، وفي ضمن كلامه هذا أن سجود الفاضل للمفضول لا يحسن. ثم علل ما ادعاه من كونه خيراً منه بقوله: "خلقتني من نار وخلقته من طين" وفي زعمه أن عنصر النار أشرف من عنصر الطين، وذهب عنه أن النار إنما هي بمنزلة الخادم لعنصر الطين إن احتيج إليها استدعيت كما يستدعى الخادم وإن استغني عنها طردتن، وأيضاً فالطين يستولي على النار فيطفئها، وأيضاً فهي لا توجد إلا بما أصله من عنصر الأرض، وعلى كل حال فقد شرف آدم بشرف وكرم بكرامة لا يوازيها شيء من شرف العناصر، وذلك أن الله خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه، والجواهر في أنفسها متجانسة، وإنما تشرف بعارض من عوارضها.
وجملة 77- "قال فاخرج منها" مستأنفة كالتي قبلهاك أي فاخرج من الجنة أو من زمرة الملائكة، ثم علل أمره بالخروج بقوله: "فإنك رجيم" أي مرجوم بالكواكب مطرود من كل خير.
78- "وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين" أي طردي لك عن الرحمة وإبعادي لك منها، ويوم الدين يوم الجزاء، فأخبر سبحانه وتعالى أن تلك اللغة مستمرة له دائمة عليه ما دامت الدنيا، ثم في الآخرة يلقى من أنواع عذاب الله وعقوبته وسخطه ما هو به حقيق، وليس المراد أن اللعنة تزول عنه في الآخرة، بل هو ملعون أبداً، ولكن لما كان له في الآخرة ما ينسي عنده اللعنة ويذهل عند الوقوع فيه منها صارت كأنها لم تكن بجنب ما يكون فيه.
79- "قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون" مستأنفة كما تقدم فيها قبلها: أي أمهلني ولا تعاجلني إلى غاية هي يوم يبعثون: يعني آدم وذريته.
80- "قال فإنك من المنظرين" أي الممهلين.
81- "إلى يوم الوقت المعلوم" الذي قدره الله لفناء الخلائق، وهو عند النفخة الآخرة، وقيل هو النفخة الأولى. قيل إنما طلب إبليس الإنظار إلى يوم البعث ليتخلص من الموت، لأنه إذا أنظر إلى يوم البعث لم يمت قبل البعث، وعند مجيء البعث لا يموت، فحينئذ يتخلص من الموت. فأجيب بما يبطل مراده، وينقض عليه مقصده، وهو الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهو الذي يعلمه الله ولا يعلمه غيره.
فلما سمع اللعين إنظار الله له إلى ذلك الوقت 82- "قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين" فأقسم بعزة الله أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات لهم، وإدخال الشبه عليهم حتى يصيروا غاوين جميعاً.
ثم لما علم أن كيده لا ينجع إلا في أتباعه وأحزابه من أهل الكفر والمعاصي، استثنى من لا يقدر على إضلاله ولا يجد السبيل إلى إغوائه فقال: 83- "إلا عبادك منهم المخلصين" أي الذين أخلصتهم لطاعتك وعصمتهم من الشيطان الرجيم وقد تقدم تفسير هذه الآيات في سورة الحجر وغيرها. وقد أقسم ها هنا بعزة الله، وأقسم في موضع آخر بقوله "فبما أغويتني" ولا تنافي بين القسمين فإن إغواءه إياه من آثار عزته سبحانه.