تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 490 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 490

489

11- "والذي نزل من السماء ماء بقدر" أي بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه المصلحة ولم ينزل عليكم منه فوق حاجتكم حتى يهلك زرائعكم ويهدم منازلكم ويهلككم بالغرق، ولا دونها حتى تحتاجوا إلى الزيادة، وعلى حسب ما تقتضيه مشيئته في أرزاق عباده بالتوسيع تارة والتقتير أخرى " فأنشرنا به بلدة ميتا " أي أحيينا بذلك الماء بلدة مقفرة من النبات. قرأ الجمهور " ميتا " بالتخفيف. وقرأ عيسى وأبو جعفر بالتشديد "كذلك تخرجون" من قبوركم: أي مثل ذلك الإحياء للأرض بإخراج نباتها بعد أن كانت لا نبات بها تبعثون من قبوركم أحياء، فإن من قدر على هذا قدر على ذلك، وقد مضى بيان هذا في آل عمران والأعراف. قرأ الجمهور "تخرجون" مبنياً للمفعول وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر مبنياً للفاعل.
12- "والذي خلق الأزواج كلها" المراد بالأزواج هنا الأصناف، قال سعيد بن جبير: الأصناف كلها. وقال الحسن: الشتاء والصيف والليل والنهار والسموات والأرض والجنة والنار، وقيل أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، وقيل أزواج النبات، كقوله: "وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج" و"من كل زوج كريم" وقيل ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر وإيمان وكفر، والأول أولى "وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون" في البحر والبر: أي ما تركبونه.
13- "لتستووا على ظهوره" الضمير راجع إلى ما قاله أبو عبيد. وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد، لأن المراد ظهور هذا الجنس والاستواء الاستعلاء: أي لتستعلوا على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام "ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه" أي هذه النعمة التي أنعم بها عليكم من تسخير ذلك المركب في البحر والبر. وقال مقاتل والكلبي: هو أن يقول الحمد الله الذي رزقني هذا وحملني عليه "وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا" أي ذلل لنا هذا المركب، وقرأ علي بن أبي طالب سبحان من سخر لنا هذا قال قتادة: قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم، ومعنى "وما كنا له مقرنين" ما كنا له مطيقين، يقال أقرن هذا البعير: إذا أطاقه. وقال الأخفش وأبو عبيدة: مقرنين ضابطين، وقيل مماثلين له في القوة، من قولهم هو قرن فلان إذا كان مثله في القوة، وأنشد قطرب قول عمرو بن معدي كرب: لقد علم القبائل ما عقيل لنا في النائبات بمقرنينا قال آخر: ركبتم صعبتي أشر وجبن ولستم للصعاب بمقرنينا والمراد بالأنعام هنا الإبل خاصة، وقيل الإبل والبقر، والأول أولى.
14- "وإنا إلى ربنا لمنقلبون" أي راجعون إليه، وهذا تمام ما يقال عند ركوب الدابة أو السفينة.
ثم رجع سبحانه إلى ذكر الكفار الذين تقدم ذكرهم، فقال: 15- "وجعلوا له من عباده جزءاً" قال قتادة: أي عدلاً، يعني ما عبد من دون الله. وقال الزجاج والمبرد: الجزء هنا البنات، والجزء عند أهل العربية البنات، يقال قد أجزأت المرأة: إذا ولدت البنات، ومنه قول الشاعر: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا وقد جعل صاحب الكشاف تفسير الجزء بالبنات من بدع التفسير، وصرح بأنه مكذوب على العرب. ويجاب عنه بأنه قد رواه الزجاج والمبرد، وهما إمامة اللغة العربية وحافظاها ومن إليهما المنتهي في معرفتها، ويؤيد تفسير الجزء بالبنات ما سيأتي من قوله: "أم اتخذ مما يخلق بنات" وقوله: " وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن " وقوله: "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً" وقيل المراد الجزاء هنا الملائكة فإنهم جعلوهم أولاد الله سبحانه قاله مجاهد والحسن. قال الأزهري: ومعنى الآية أنهم جعلوا لله من عباده نصيباً مبالغ فيه، قيل المراد بالغنسان هنا الكافر، فإنه الذي يجحد نعم الله عليه جحوداً بيناً.
ثم أنكر عليهم هذا فقال: 16- "أم اتخذ مما يخلق بنات" وهذا استفهام تقريع وتوبيخ. و "أم" هي المنقطعة، والمعنى: أتخذ ربكم لنفسه البنات "وأصفاكم بالبنين" فجعل لنفسه المفضول من الصنفين ولكم الفاضل منهما، يقال أصفيته بكذا: أي آثرته به، وأصفيته الود: أخلصته له، ومثل هذه الآية قوله: " ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى " وقوله "أفأصفاكم ربكم بالبنين" وجملة "وأصفاكم" معطوفة على "اتخذ" داخلة معها تحت الإنكار.
ثم زاد في تقريعهم وتوبيخهم فقال: 17- "وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً" أي بما جعله للرحمن سبحانه من كونه جعل لنفسه البنات، والمعنى: أنه إذا بشر أحدهم بأنها ولدت له بنت اغتم لذلك وظهر عليه أثره، وهو معنى قوله: "ظل وجهه مسوداً" أي صار وجهه مسوداً بسبب حدوث الأنثى له حيث لم يكن الحادث له ذكراً مكانها "وهو كظيم" أي شديد الحزن كثير الكرب مملوء منه. قال قتادة: حزين. وقال عكرمة: مكروب، وقيل ساكت، وجملة "وهو كظيم" في محل نصب على الحال.
ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم فقال 18- " أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين " معنى ينشأ يربى، والنشوء التربية، والحلية الزينة، ومن في محل نصب بتقدير مقدر معطوف على جعلوا، والمعنى: أو جعلوا له سبحانه من شأنه أن يربى في الزينة وهو عاجز عن أن يقوم بأمور نفسه، وإذا خوصم لا يقدر على إقامة حجته ودفع ما يجادله به خصمه لنقصان عقله وضعف رأيه. قال المبرد: تقدير الآية: أو يجعلون له من ينشأ في الحلية: أي ينبت في الزينة. قرأ الجمهور "ينشأ" بفتح الياء وإسكان النون، وقرأ ابن عباس والضحاك وابن وثاب وحفص وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين. واختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار الثانية أبو عبيد. قال الهروي: الفعل على القراءة الأولى لازم، وعلى الثانية متعد. والمعنى: يربى ويكبر في الحلية. قال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد والضحاك: الذي ينشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة.
19- " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " الجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشيء كما تقول: جعلت زيداً أفضل الناس: أي قلت بذلك وحكمت له به. قرأ الكوفيون "عباد" بالجمع، وبها قرأ ابن عباس. وقرأ الباقون "عند الرحمن" بنون ساكنة، واختار القراءة الأولى أبو عبيد، لأن الإسناد فيها أعلى، ولأن الله إنما كذبهم في قوله: إنهم بنات الله فأخبرهم أنهم عباده، ويؤيد هذا القراءة قوله: "بل عباد مكرمون" واختار أبو حاتم القراءة الثانية، قال: وتصديق هذه القراءة قوله: "إن الذين عند ربك". ثم وبخهم وقرعهم فقال: "أشهدوا خلقهم" أي أحضروا خلق الله إياهم فهو من الشهادة التي هي الحضور، وفي هذا تهكم بهم وتجهيل لهم. قرأ الجمهور "أشهدوا" على الاستفهام بدون واو. وقرأ نافع " أشهدوا ". وقرأ الجمهور "ستكتب شهادتهم" بضم التاء الفوقية وبناء الفعل للمفعول ورفع شهادتهم، وقرأ السلمي وابن السميفع وهبيرة عن حفص بالنون وبناء الفعل للفاعل ونصب شهادتهم، وقرأ أبو رجاء شهاداتهم بالجمع، والمعنى: سنكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في ديوان أعمالهم لنجازيهم على ذلك "ويسألون" عنها يوم القيامة.
20- "وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم" هذا فن آخر من فنون كفرهم بالله جاءوا به للاستهزاء والسخرية، ومعناه: لو شاء الرحمن في زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة، وهذا كلام حق يراد به باطل، وقد مضى بيانه في الأنعام، فبين سبحانه جهلهم بقوله: "ما لهم بذلك من علم" أي ما لهم بما قالوه من أن الله لو شاء عدم عبادتهم للملائكة ما عبدوهم من علم، بل تكلموا بذلك جهلاً، وأرادوا بما صورته صورة الحق باطلاً، وزعموا أنه إذا شاء فقد رضي. ثم بين انتفاء علمهم بقوله: "إن هم إلا يخرصون" أي ما هم إلا يكذبون فيما قالوا ويتملحون تمحلاً باطلاً. وقيل الإشارة بقوله: "ذلك" إلى قوله: "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً". قاله قتادة ومقاتل والكلبي، وقال مجاهد وابن جريج: أي ما لهم بعبادة الأوثان من علم. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أول ما خلق الله من شيء القلم وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة والكتاب عنده، ثم قرأ "وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم". وأخرج ابن مردويه نحوه. عن أنس مرفوعاً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: "أفنضرب عنكم الذكر صفحاً" قال: أحببتم أن يصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به. وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ركب راحلته ثم كبر ثلاثاً ثم قال: " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون "". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "وما كنا له مقرنين" قال: مطيقين. وأخرج عبد بن حميد عنه " أو من ينشأ في الحلية " قال: هو النساء فرق بين زيهن وزي الرجال ونقصهن من الميراث وبالشهادة وأمرهن بالقعدة وسماهن الخوالف. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: كنت أقرأ هذا الحرف " الذين هم عباد الرحمن إناثا " فسألت ابن عباس فقال: عباد الرحمن؟ قلت: فإنها في مصحفي عند الرحمن قال: فامحها واكتبها عباد الرحمن.
قوله: 21- "أم آتيناهم كتاباً من قبله" أم هي المنقطعة: أي بل ءأعطيناهم كتاباً من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله "فهم به مستمسكون" يأخذون بما فيه ويحتجون به ويجعلونه لهم دليلاً، ويحتمل أن تكون أم معادة لقوله أشهدوا فتكون متصلة، والمعنى أحضروا خلقهم أم آتيناهم كتاباً إلخ. وقيل إن الضمير في "من قبله" يعود إلى ادعائهم: أي أم آتيناهم كتاباً من قبل ادعائهم ينطق بصحة ما يدعونه، والأول أولى.
ثم بين سبحانه أنه لا حجة بأيديهم ولا شبهة، ولكنهم اتبعوا آباءهم في الضلالة فقال: 22- "بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون" فاعترفوا بأنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم، ومعنى على أمة: على طريقة ومذهب. قال أبو عبيد: هي الطريقة والدين، وبه قال قتادة وغيره. قال الجوهري: والأمة الطريقة والدين، يقال فلان لا أمة له: أي لا دين له ولا نحلة، ومنه قول قيس بن الخطيم: كنا على أمة آبائنا ونقتدي بالأول الأول وقول الآخر: وهل يستوي ذا أمة وكفور وقال الفراء وقطرب: على قبلة. وقال الأخفش: على استقامة، وأنشد قول النابغة: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع قرأ الجمهور "أمة" بمض الهمزة، وقرأ مجاهد وقتادة وعمر بن عبد العزيز بكسرها. قال الجوهري: والإمة بالكسر: النعمة، والإمة: أيضاً لغة في الأمة، ومنه ول عدي بن زيد: ثم بعد الفلاح والملك والأمـ ـة وارتهم هناك قبور