تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 5 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 5

004

وقوله: 27- "الذين ينقضون" في محل نصب وصفاً للفاسقين. والنقض: إفساد ما أبرم من بناء أو حبل أو عهد، والنقاضة: ما نقض من حبل الشعر. والعهد: قيل: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره، وقيل: هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسن رسله، ونقضهم ذلك: ترك العمل به، وقيل: بل هو نصب الأدلة على وحدانيته بالسموات والأرض وسائر مخلوقاته، ونقضه: ترك النظر فيه، وقيل: هو ما عهده إلى الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس. والميثاق: العهد المؤكد باليمين مفعال من الوثاقة وهي الشدة في العقد والربط، والجمع المواثيق والمياثيق، وأنشد ابن الأعرابي: حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا ولا نسأل الأقوام عهد المياثق واستعمال النقض في إبطال العهد على سبيل الاستعارة. والقطع معروف، والمصدر في الرحم القطيعة، وقطعت الحبل قطعاً، وقطعت النهر قطعاً. وما في قوله: "ما أمر الله به" في موضع نصب بيقطعون و"أن يوصل" في محل نصب بأمر. ويحتمل أن يكون بدلاً من ما، أو من الهاء في به. واختلفوا ما هو الشيء الذي أمر الله بوصله: فقيل: الأرحام، وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل، وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع شرائعه وحدوده التي أمر في كتبه المنزلة وعلى ألسن رسله بالمحافظة عليها فهي عامة، وبه قال الجمهور وهو الحق. والمراد بالفساد في الأرض الأفعال والأقوال المخالفة لما أمر الله به، كعبادة غيره والإضرار بعباده وتغيير ما أمر بحفظه، وبالجملة فكل ما خالف الصلاح شرعاً أو عقلاً فهو فساد. والخسران: النقصان، والخاسر، هو الذي نقص نفسه من الفلاح والفوز، وهؤلاء لما استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل كان عملهم فساداً لما نقصوا أنفسهم من الفلاح والربح. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين قوله: "مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً" وقوله: "أو كصيب من السماء" قال المنافقون: الله أعلا وأجل من أن يضرب هذه الأمثال فأنزل الله " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " الآية. وأخرج الواحدي في تفسيره عن ابن عباس قال: إن الله ذكر آلهة المشركين فقال: "وإن يسلبهم الذباب شيئاً" وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد أي شيء كان يصنع هذا؟ فأنزل الله "إن الله لا يستحي" وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة نحو قول ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما نزلت "يا أيها الناس ضرب مثل" قال المشركون: ما هذا من الأمثال فيضرب؟ فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله تعالى: "فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم" قال: يؤمن به المؤمن، ويعلمون أنه الحق من ربهم ويهديهم الله به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: "يضل به كثيراً" يعني المنافقين "ويهدي به كثيراً" يعني المؤمنين "وما يضل به إلا الفاسقين" قال: هم المنافقون. وفي قوله: "ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه" قال: هو ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "وما يضل به إلا الفاسقين" يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به. وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص قال: الحرورية هي الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان يسميهم الفاسقين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق، فمن أحاديث ثابتة في الصحيح وغيره من طريق جماعة من الصحابة النهي عن نقض العهد والوعيد الشديد عليه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: "ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل" قال: الرحم والقرابة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: "ويفسدون في الأرض" قال: يعلمون فيها بالمعصية. وأخرج ابن المنذر عن مقاتل في قوله: "أولئك هم الخاسرون" يقول: هم أهل النار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام مثل خاسر ومسرف وظالم ومجرم وفاسق فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذم.
كيف مبنية على الفتح لخفته وهي في موضع نصب بتكفرون، ويسأل بها عن الحال، وهذا الاستفهام هو للإنكار عليهم والتعجيب من حالهم وهي متضمنة لهمزة الاستفهام، والواو في 28- "وكنتم" للحال وقد مقدرة كما قال الزجاج والفراء، وإنما صح جعل هذا الماضي حالاً لأن الحال ليس هو مجرد قوله: "كنتم أمواتاً" بل هو وما بعده إلى قوله: "ترجعون" كما جزم به صاحب الكشاف كأنه قال: كيف تكفرون؟ وقصتكم هذه: أي وأنتم عالمون بهذه القصة وبأولها وآخرها. والأموات جمع ميت، واختلف المفسرون في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين- فقيل: إن المراد "كنتم أمواتاً" قبل أن تخلقوا: أي معدومين، لأنه يجوز إطلاق اسم الموت على المعدوم لاجتماعهما في عدم الإحساس "فأحياكم" أي خلقكم "ثم يميتكم" عند انقضاء آجالكم "ثم يحييكم" يوم القيامة. وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة فمن بعدهم. قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه، وإذا أذعنت نفوس الكفار بكونهم كانوا معدومين ثم أحياء في الدنيا ثم أمواتاً فيها لزمهم الإقرار بالحياة الأخرى. قال غيره: والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا. وقيل: إن المراد كنتم أمواتاً في ظهر آدم ثم أخرجكم من ظهره كالذر، ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم. وقيل: "كنتم أمواتاً" أي نطفاً في أصلاب الرجال "فأحياكم" حياة الدنيا "ثم يميتكم" بعد هذه الحياة "ثم يحييكم" في القبور (ثم يميتكم) في القبر (ثم يحييكم) الحياة التي ليس بعدها موت. قال القرطبي: فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات وثلاث إحياءات وكونهم موتى في ظهر آدم وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفاً في أصلاب الرجال، فعلى هذا يجيء أربع موتات وأربع إحياءات. وقد قيل: إن الله أوجدهم قبل خلق آدم كالبهائم وأماتهم فيكون على هذا خمس موتات وخمس إحياءات، وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما ورد في الحديث "ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم، إلى أن قال: فينبتون نبات الحبة في حميل السيل" وهو في الصحيح من حديث أبي سعيد. وقوله: "ثم إليه ترجعون" أي إلى الله سبحانه فيجازيكم بأعمالكم. وقد قرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ومجاهد وسلام ويعقوب بفتح حرف المضارعة، وقرأ الجماعة بضمه. قال في الكشاف: عطف الأول بالفاء وما بعده بثم، لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء، والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً، وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخ عن النشور انتهى. ولا يخفاك أنه إن أراد بقوله أن الأحياء الأول قد تعقب الموت أنه وقع على ما هو متصف بالموت، فالموت الآخر وقع على ما هو متصف بالحياة، وإن أراد أنه وقع الإحياء الأول عند أول اتصافه بالموت بخلاف الثاني فغير مسلم، فإنه وقع عند آخر أوقات موته كما وقع الثاني عند آخر أوقات حياته، فتأمل هذا. وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى: "وكنتم أمواتاً" الآية، قال: لم تكونوا شيئاً فخلقكم "ثم يميتكم ثم يحييكم" يوم القيامة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: يميتكم ثم يحييكم في القبر ثم يميتكم. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: "وكنتم أمواتاً" قال: حين لم تكونوا شيئاً، ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة، ثم يرجعون إليه بعد الحياة. وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: خلقهم من ظهر آدم فأخذ عليهم الميثاق ثم أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة والصحيح الأول.
قال ابن كيسان: 29- "خلق لكم" أي من أجلكم، وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر، وفي التأكيد بقوله: "جميعاً" أقوى دلالة على هذا. وقد استدل بهذه الآية على تحريم أكل الطين، لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض. وقال الرازي في تفسيره: إن لقائل أن يقول: إن في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جامعاً للوصفين، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك، وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى البعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه انتهى. وقد ذكر صاحب الكشاف ما هو أوضح من هذا فقال: فإن قلت: هل لقول من زعم أن المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء ويراد الجهات العلوية جاز ذلك، فإن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية انتهى. وأما التراب فقد ورد في السنة تحريمه، وهو أيضاً ضار فليس مما ينتفع به أكلاً، ولكنه ينتفع به في منافع أخرى، وليس المراد منفعة خاصة كمنفعة الأكل، بل كل ما يصدق عليه أنه ينتفع به بوجه من الوجوه، وجميعاً منصوب على الحال. والاستواء في اللغة: الاعتدال والاستقامة، قاله في الكشاف، ويطلق على الارتفاع والعلو على الشيء، قال تعالى: "فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك" وقال: "لتستووا على ظهوره" وهذا المعنى هو المناسب لهذه الآية. وقد قيل: إن هذه الآية من المشكلات. وقد ذهب كثير من الأئمة إلى الإيمان بها وترك التعرض لتفسيرها، وخالفهم آخرون. والضمير في قوله: "فسواهن" مبهم يفسره ما بعده كقولهم: زيد رجلاً، وقيل: إنه راجع إلى السماء لأنها في معنى الجنس، والمعنى: أنه عدل خلقهن فلا اعوجاج فيه. وقد استدل بقوله: "ثم استوى" على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء. وكذلك الآية التي في حم السجدة. وقال في النازعات "أنتم أشد خلقاً أم السماء بناها" فوصف خلقها ثم قال: "والأرض بعد ذلك دحاها" فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وكذلك قوله تعالى: "الحمد لله الذي خلق السموات والأرض" وقد قيل: إن خلق جرم الأرض متقدم على السماء ودحوها متأخر. وقد ذكر نحو هذا جماعة من أهل العلم، وهذا جمع جيد لا بد من المصير إليه، ولكن خلق ما في الأرض لا يكون إلا بعد الدحو، والآية المذكورة هنا دلت على أنه خلق ما في الأرض قبل خلق السماء، وهذا يقتضي بقاء الإشكال وعدم التخلص عنه بمثل هذا الجمع. وقوله: " سبع سماوات " فيه التصريح بأن السموات سبع، وأما الأرض فلم يأت في ذكر عددها إلا قوله تعالى: "ومن الأرض مثلهن" فقيل: أي في العدد، وقيل: أي في غلظهن وما بينهن. وقال الداودي: إن الأرض سبع، ولكن لم يفتق بعضها من بعض. والصحيح أنها سبع كالسموات. وقد ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله من سبع أرضين" وهو ثابت من حديث عائشة وسعيد بن زيد. ومعنى قوله تعالى: "سواهن" سوى سطوحهن بالإملاس، وقيل: جعلهن سواء. قال الرازي في تفسيره: فإن قيل: فهل يدل التنصيص على سبع سموات. أي فقط؟ قلنا: الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد والله أعلم انتهى. وفي هذا إشارة إلى ما ذكره الحكماء من الزيادة على السبع. ونحن نقول: إنه لم يأتنا عن الله ولا عن رسوله إلا السبع فنقتصر على ذلك ولا نعمل بالزيادة إلا إذا جاءت من طريق الشرع ولم يأت شيء من ذلك، وإنما أثبت لنفسه سبحانه أنه بكل شيء عليم، لأنه يجب أن يكون عالماص بجميع ما ثبت أنه خالقه. وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله تعالى: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً" قال: سخر لكم ما في الأرض جميعاً كرامة من الله ونعمة لابن آدم وبلغة ومنفعة إلى أجل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله: " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا " قال: سخر لكم ما في الأرض جميعاً "ثم استوى إلى السماء"، قال: خلق الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك قوله: " ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات " يقول: خلق سبع سموات بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن فوق بعض. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض" الآية، قالوا: إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئاً قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخاناً فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم انبس الماء فجعله أرضاً واحدة ثم فتقها سبع أرضين في يومين الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوت وهو الذي ذكره في قوله: "ن والقلم" والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فقرت، فذلك قوله تعالى: "وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم" وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها، سخرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء وذلك قوله:" أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض "إلى قوله " بارك فيها " يقول : أنبت شجرها "وقدر فيها أقواتها" يقول: أقوات أهلها "في أربعة أيام سواء للسائلين" يقول: من سأل فهكذا الأمر، "ثم استوى إلى السماء وهي دخان" وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها. سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض "وأوحى في كل سماء أمرها" قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظاً من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: "ثم استوى إلى السماء" يعني صعد أمره إلى السماء فسواهن: يعني خلق سبع سموات، قال: أجرى النار على الماء فبخر البحر فصعد في الهواء فجعل السموات منه. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة في الصحيح قال: "أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر". وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق عند أهل السنن وغيرهم عن جماعة من الصحابة أحاديث في وصف السموات، وأن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام، وأنها سبع سموات، وأن الأرض سبع أرضين وكذلك ثبت في وصف السماء آثار عن جماعة من الصحابة. وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور بعض ذلك في تفسير هذه الآية، وإنما تركنا ذكره ها هنا لكونه غير متعلق بهذه الآية على الخصوص، بل هو متعلق بما هو أعم منها.