تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 559 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 559

558

قوله: 6- "أسكنوهن من حيث سكنتم" هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان ما يجب للنساء من السكنى، ومن للتبعيض: أي بعض مكان سكناكم، وقيل زائدة "من وجدكم" أي من سعتكم وطاقتكم، والوجد القدرة. قال الفراء: يقول على ما يجد، فإن كان موسعاً عليه وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيراً فعلى قدر ذلك. قال قتادة: إن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه. وقد اختلف أهل العلم في المطلقة ثلاثاً، هل لها سكنى ونفقة أم لا؟ فذهب مالك والشافعي أن لها السكنى ولا نفقة لها. وذهب أبو حنيفة وأصحابه أن لها السكنى والنفقة. وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا هو الحق، وقد قررته في شرحي للمنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره "ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن" نهى سبحانه عن مضارتهن بالتضييق عليهن في المسكن والنفقة. وقال مجاهد: في المسكن. وقال مقاتل: في النفقة. وقال أبو الضحى: هو أن يطلقها، فإذا بقي يومان من عدتها راجعها، ثم طلقها "وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن" أي إلى غاية هي وضعهن للحمل. ولا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة، والسكنى للحامل المطلقة، فأما الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال علي وابن عمر وابن مسعود وشريح والنخعي والشعبي وحماد وابن أبي ليلى وسفيان وأصحابه: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع. وقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: لا ينفق عليها إلا من نصيبها، وهذا هو الحق للأدلة الواردة في ذلك من السنة "فإن أرضعن لكم" أولادكم بعد ذلك "فآتوهن أجورهن" أي أجور إرضاعهن والمعنى: أن المطلقات إذا أرضعن أولاد الأزواج المطلقين لهن منهن فلهن أجورهن على ذلك "وأتمروا بينكم بمعروف" هو خطاب للأزواج والزوجات: أي تشاوروا بينكم بما هو معروف غير منكر وليقبل بعضكم من بعض من المعروف والجميل، وأصل معناه ليأمر بعضكم بعضاً بما هو متعارف بين الناس غير منكر عندهم. قال مقاتل: المعنى ليتراض الأب والأمر على أجر مسمى، قيل والمعروف الجميل من الزوج أن يوفر لها الأجر، والمعروف الجميل منها أن لا تطلب ما يتعاسره الزوج من الأجر "وإن تعاسرتم" أي في أجر الرضاع فأبى الزوج أن يعطي الأم الأجر وأبت الأم أن ترضعه إلا بما تريد من الأجر "فسترضع له أخرى" أي يستأجر مرضعة أخرى ترضع ولده، ولا يجب عليه أن يسلم ما تطلبه الزوجة، ولا يجوز له أن يكرهها على الإرضاع بما يريد من الأجر. قال الضحاك: إن أبت الأمر أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم تقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر.
7- "لينفق ذو سعة من سعته" فيه الأمر لأهل السعة بأن يوسعوا على المرضعات من نسائهم على قدر سعتهم "ومن قدر عليه رزقه" أي كان رزقه بمقدار القوت، أو مضيق ليس بموسع "فلينفق مما آتاه الله" أي مما أعطاه من الرزق ليس عليه غير ذلك "لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها" أي ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير بأن ينفق ما ليس في وسعه، بل عليه ما يقدر عليه وتبلغ إليه طاقته مما أعطاه الله من الرزق "سيجعل الله بعد عسر يسرا" أي بعد ضيق وشدة سعة وغنى. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: "من وجدكم" قال: من سعتكم "ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن" قال في المسكن. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: "وإن كن أولات حمل" الآية. قال: فهذه في المرأة يطلقها زوجها وهي حامل. فأمره الله أن يسكنها وينفق عليها حتى تضع، وإن أرضعت حتى تفطم، فإن أبان طلاقها وليس بها حمل فلها السكنى حتى تنقضي عدتها ولا نفقة لها. وأخرج عبد بن حميد عن أبي سنان قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة، فقيل إنه يلبس الغليظ من الثياب ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ماذا يصنع بها إذا أخذها؟ فما لبث أن لبس ألين الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول فأخبره، فقال: رحمه الله تأول هذه الآية "لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله".
لما ذكر سبحانه ما تقدم من الأحكام، حذر من مخالفتها، وذكر عتو قوم خالفوا أوامره، فحل بهم عذابه فقال: 8- "وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله" يعني عصت، والمراد أهلها، والمعنى: وكم من أهل قرية عصوا أمر الله ورسله، أو أعرضوا عن أمر الله ورسله على تضمين عتت معنى أعرضت، وقد قدمنا الكلام في كأين في سورة آل عمران وغيرها "فحاسبناها حساباً شديداً" أي شددنا على أهلها في الحساب بما عملوا. قال مقاتل: حاسبها الله بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب، وهو معنى قوله: "وعذبناها عذاباً نكراً" أي عذبنا أهلها عذاباً عظيماً منكراً في الآخرة، وقيل في الكلام تقديم وتأخير: أي عذبنا أهلها عذاباً نكراً في الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف والمسخ، وحاسبناهم في الآخرة حساباً شديداً. والنكر: المنكر.
9- "فذاقت وبال أمرها" أي عاقبة كفرها "وكان عاقبة أمرها خسراً" أي هلاكاً في الدنيا وعذاباً في الآخرة.
10- "أعد الله لهم عذاباً شديداً" في الآخرة، وهو عذاب النار، والتكرير للتأكيد "فاتقوا الله يا أولي الألباب" أي يا أولي العقول الراجحة، وقوله: "الذين آمنوا" في محل نصب بتقدير: أعني بياناً للمنادي بقوله: "يا أولي الألباب" أو عطف بيان له، أو نعت " قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا " قال الزجاج: إنزال الذكر دليل على إضمار أرسل: أي أنزل إليكم قرآناً وأرسل إليكم رسولاً، وقال أبو علي الفارسي: إن رسولاً منصوب بالمصدر، وهو ذكراً، لأن المصدر المنون يعمل. والمعنى: أنزل إليكم ذكر الرسول. وقيل إن رسولاً بدل من ذكراً، وكأنه جعل الرسول نفس الذكر مبالغة. وقيل إنه بدل منه على حذف مضاف من الأول تقديره: أنزل ذا ذكر رسولاً، أو صاحب ذكر رسولاً. وقيل إن رسولاً نعت على حذف مضاف: أي ذكراً ذا رسول، فذا رسول نعت للذكر. وقيل إن رسولاً منتصب على الإغراء، كأنه قال: الزموا رسولاً. وقيل أن الذكر هاهنا بمعنى الشرف كقوله: "لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم" وقوله: "وإنه لذكر لك ولقومك".
ثم بين هذا الشرف فقال: 11- "رسولاً" وقد ذهب الأكثر إلى أن المراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي: هو جبريل، والمراد بالذكر القرآن، ويختلف المعنى باختلاف وجوه الإعراب السابقة كما لا يخفى. ثم نعت سبحانه الرسول المذكور بقوله: "يتلو عليكم آيات الله مبينات" أي حال كونها مبينات، قرأ الجمهور "مبينات" على صيغة اسم الفاعل: أي الآيات تبين للناس ما يحتاجون إليه من الأحكام. ورجح القراءة الأولى أبو حاتم وأبو عبيد لقوله: قد بينا لكم الآيات "ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور" اللام متعلقة بيتلو: أي ليخرج الرسول الذي يتلو الآيات الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية، ويجوز أن تتعلق اللام بأنزل، فيكون المخرج هو الله سبحانه "ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً" أي يجمع بين التصديق، والعمل بما فرضه الله عليه مع اجتناب ما نها عنه " يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار " قرأ الجمهور "يدخله" بالتحتية، وقرأ نافع وابن عامر بالنون: وجمع الضمير في "خالدين فيها أبداً" باعتبار معنى من، ووحده يدخله باعتبار لفظها، وجملة "قد أحسن الله له رزقاً" في محل نصب على الحال من الضصمير في خالدين على التداخل، أو من مفعول يدخله على الترادف، ومعنى "قد أحسن الله له رزقاً" أي وسع له رزقه في الجنة.
12- " الله الذي خلق سبع سماوات " الاسم الشريف مبتدأ وخبره الموصول مع صلته "ومن الأرض مثلهن" أي وخلق من الأرض مثلهن يعني سبعاً. واختلف في كيفية طبقات الأرض. قال القطربي في تفسيره: واختلف فيهن على قولين: أحدهما وهو قول الجمهور أنها سبع أرضين طباقاً بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وقال الضحاك: إنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السموات. والأول أصح، لأن الأخبار دالة عليه في الترمذي والنسائي وغيرهما، وقد مضى ذلك مبيناً في البقرة قال: وفي صحيح مسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين" إلى آخر كلامه، وسيأتي في آخر البحث ما يقوي قول الجمهور. قرأ الجمهور "مثلهن" بالنصب عطفاً على " سبع سماوات " أو على تقدير فعل: أي وخلق من الأرض مثلهن. وقرأ عاصم في رواية عنه بالرفع على الابتداء، والجار والمجرور قبله خبره "يتنزل الأمر بينهن" الجملة مستأنفة، ويجوز أن تكون صفة لما قبلها، والأمر الوحي. قال مجاهد: يتنزل الأمر من السموات السبع إلى السبع الأرضين. وقال الحسن: بين كل سماء وبين الأرض. وقال قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضائه من قضائه، وقيل بينهن إشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي أدناها، وبين السماء السابعة التي هي أعلاها، وقيل هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره، فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار، والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها فينقلهم من حال إلى حال. قال ابن كيسان: وهذا هو مجال اللغة واتساعها كما يقال للموت: أمر الله واللريح والسحاب ونحوها. قرأ الجمهور "يتنزل الأمر" من التنزل ورفع الأمر على الفاعلية. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه ينزل من الإنزال، ونصب الأمر على المفعولية والفاعل الله سبحانه، واللام في "لتعلموا أن الله على كل شيء قدير" متعلق بخلق، أو بيتنزل أو بمقدر: أي فعل ذلك لتعلموا كمال قدرته وإحاطته بالأشياء، وهو معنى "وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً" فلا يخرج عن علمه شيء منها كائناً ما كان، وانتصاب علماً على المصدرية، لأن أحاط بمعنى علم، أو هو سفة لمصدر محذوف: أي أحاط إحاطة علماً، ويجوز أن يكون تمييزاً. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: "فحاسبناها حساباً شديداً" يقول: لم ترحم"وعذبناها عذاباً نكراً" يقول: عظيماً منكراً. وأخرج ابن مردويه عنه " قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا " قال: محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال له رجل: " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن " إلى آخر السورة، فقال ابن عباس: ما يؤمنك أن أخبرك بها فتكفر؟ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طريق أبي الضحى عن ابن عباس في قوله: "ومن الأرض مثلهن" قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى. قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عمرو وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء والحوت على صخرة، والصخرة بيد ملك. والثانية مسجن الريح، فلما أراد الله أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً يهلك عاداً، فقال: يا رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور؟ فقال له الجبار: إذن تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم فهي التي قال الله في كتابه: "ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم" والثالثة فيها حجرة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، فقالوا: يا رسول الله للنار كبريت؟ قال: نعم والذي نفسي بيده، إن فيها لأودية من كبريت لو أرسل فيها الجبال الرواسي لماعت" إلى آخر الحديث. قال الذهبي متعقباً للحاكم: هو حديث منكر. وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن عباس قال: سيد السموات السماء التي فيها العرش، وسيد الأرضين الأرض التي نحن فيها.